قالت: وممَّ تستغفرني أيها الحبيب؟
قال: لقد كان حبي وبالاً عليك. لقد كانت حياتك ساجية كليل الطائف، فملأها حبي زمهريراً وبرقاً ورعداً. لقد كانت مثل اللجّة الهادئة، فهاجت فيها الأمواج. لقد أورثتك الألم، والألم حصاد الحبّ، فهل تغفرين لي؟
قالت: أي ألم يا حبيب؟ أنا سعيدة، سعيدة جداً.
قال: ولكن الواجب يدعوني إلى الذهاب. بودي ألاّ أذهب وأن أبقى معك أبداً، ولكن ماذا يصنع الإنسان - يا حبيبتي - إذا حكم القدر؟ أتحبين أن يقال إني فررت من المعركة؟
قالت: وأنا؟
قال: سأعود إليك، أحلف لك أني سأعود.
قالت: وهذا الذي في أحشائي؟
قال: ماذا، ماذا تقولين؟! أأنت حامل؟
قالت: نعم.
قال: آه ... ابني. واستطاره الفرح فأقبل يضع قبلاته من وجهها وعنقها حيث تبلغ شفتاه. قال: ليتني أبقى حتى أراه؛ ليتني أبقى. هذا ابن الحب.
قالت: ابقَ، ابقَ، أتوسل إليك، ماذا تخشى؟
قال: أخشى العار؛ إنها سبّة الدهر، فدعيني أذهب. سأعود
стр. 72
إليك، أفتنسينني إذا أنا ذهبت؟ أتلقين بنفسك في أحضان غيري؟ لا، لا؛ إنك لن تنسي، إنك ستقومين على تربية ابننا، ستنشئينه على العظمة والمجد ليكون رجلاً يحمل قسطه من إرث أبيه. وإذا سألك عن أبيه فلا تخبريه من هو أبوه. دعيه ينشأ مستقلاً كالزهرة المنبثقة من صخر الجبل، ويعيش حراً كالطائر الذي يغرد على كل غصن. لا تخبريه من هو أبوه، بل أعديه لفهم هذه الحقيقة، حتى إذا صار أهلاً لفهمها، وغدا كفواً لحمل هذا الاسم كنت أنا الذي يخلعه عليه، وإن لم أكن حياً فسأدع له من يخلع عليه اسمي.
* * *
ووقفت الفتاة تنظر إليه وهو ينحدر في هذا الطريق الضيق، الذي يختفي حيناً وراء الصخر ثم يظهر ويوالي سيره نحو الرمال، حتى غاب عن ناظريها، فتلفتت تلقاء البلد فإذا هي تنكره، وإذا هي لا تعرف من هذه الدنيا شيئاً بعد أن غابت عنها دنيا الحب. فخفق قلبها واضطرب، وجعلت تنادي حبيبها وتلح في النداء، وتشير إليه وقد غاب عن ناظريها وراء الأفق البعيد. فلما لم تجد مُجيباً تيقنت أنها لن تلقاه أبداً، فخرّت على وجهها باكية منتحبة.
ولم يبقَ لها من الحياة إلا ذكريات هذا الحب الذي وُلد شاباً قوياً ولكنه مات طفلاً صغيراً، وهذا المال الذي أبقاه لها الحبيب تنفق منه على نفسها وولدها. فكانت تتألم وحيدة كشمعة تشتعل في البهو الخالي، وتقهر نفسَها الأحزانُ فلا تجد من تبثه أحزانها. لم يكن لها إلا الحب، فكانت تعانق طيف حبها في الليل وتسايره في الطريق، وتناجيه في الصباح وتناغيه في المساء، وتصحبه إلى
стр. 73
هذه الأماكن التي عرفت فيها السعادة، ولكنها لا تجد في كل ذلك إلا الألم. إن كلّ ما ترى يذكّرها بالحبيب فيزيدها لوعة، ومتع ليالي السعادة تستحيل إلى آلام.
فيا ليت الإنسان لا يذكر، إذن لما تألم! إن ذكرى اللذة مؤلمة، وذكرى الألم لا تسر .. أوَليس من أكبر النعم على الإنسان أن ينسى! لولا النسيان كانت الحياة لا تطاق.
لقد قوي حبها واشتد، ولكنه استحال من طفل يرقص في شعاع الشمس يلهو بالألاعيب إلى شيخ يائس يتأمل في الظلام. لقد نزع ثوب الفرح الزاهي ولبس ثوب الكآبة القاتم. لقد انحصرت حياتها في أمر واحد هو التفكير في الحبيب الذي أكسبه طول الفكر صورة سحرية بارعة لا يملكها بشر، فكانت تقيس مَن ترى من الرجال بهذه الصورة التي استقرت في خيالها فلا يعجبها رجل ولا تحفله، بل لو أنها نظرت إلى صاحب هذه الصورة بشكله الحقيقي لما أعجبها!
أرادت أن تُغرق غرامها في لجة العبادة، فكانت تؤم معبد قومها في الصباح الباكر فلا تجد في هذه الآلهة المصنوعة من الحجر ما يثير في نفسها الورع والخشوع، وتتمثل لها مطرقة النحّات الذي صنع هذه الآلهة ... فتعاف عبادتها ولا يروقها منها ما كان يروقها.
ما أشقى المحبين! يمشون كما يمشي الناس، ويأكلون كما يأكلون، ولكنهم يعيشون في دنيا لا يعرفها الناس ولا يصلون إليها. تضيق الدنيا بالمحب إذا جفاه محبوبه حتى ليكاد يختنق فيها على
стр. 74
سعتها، ويجد في العش الضيق الذي يلجأ إليه مع محبوبه دنيا واسعة. ويتألم المحب في اللذائذ إذا لم يذقها معه من يحب، والطبيعة الجميلة سواد في عين المحب قاتم إذا لم تُنِرْها مقلتا المحبوب.
كان عمل الفتاة أن تطوف كل يوم بهذه المنازل التي وُلد فيها حبها ونما، تتفكر وتتذكر وتقبل الأحجار والأشجار، وتسير مع الوهم أحياناً فتظن بأن الحبيب حاضر معها فتهم بعناقه وبثه شكواها، ثم تجدها وحيدة فيَجِبُ (١) قلبها وتشتد خفقاته، وتسقط على وجهها فتبكي وتذوب وحيدة لا يدري بها إلا الله. وكانت تأمل أن يعود فتنظره على الطريق وترقب الدقائق، فإذا تصرّم النهار ولم تره عادت إلى منزلها آيسة محزونة.
وانتفخ بطنها من الحمل، فباتت تحمل أثقال الحب في بطنها وقلبها. وعزفت عن الطعام والمنام، فرقّ جلدها وتهافت جسدها، فلم يعد في طوقها أن تطوف بمناسك حبها ومنازل هواها، فكانت تحيي الليل ساهرة مؤرقة، تناجي النجم وتسائل الليل عن حبيبها، وتخاطبه من وراء الصحراء كأنه معها:
"أين أنت أيها الحبيب؟ هل تنام الساعة آمناً مطمئناً، أم أنت بين ذراعي غيري، قد نسيتني ومحوت من نفسك ذكرى هذه البغي التي طهرتها بحبك ولكنها لوثت شرفك ومجدك بماضيها الدنس؟
стр. 75
لقد كان حبك لي نقياً كماء السماء، أنا الطائر الضعيف الذي حطم الدهر جناحيه فألِفَ حياة الأرض مع الحشرات والهوام، فجئت أنت من السماء لترفعه بجناحيك القويين إلى السماء، فرفعته حتى استطاع أن يحلق فيها، ولكن هذا التراب الذي ظلّ عالقاً به غبّر جناحك أيها الصقر، أفلا تعفو؟
قد قنعت بك من الحياة حتى ما أبالي إذا وجدتك ماذا خسرت، ولكن بماذا أقنع وقد خسرتك أنت؟ أتذكر ساعة جلسنا إلى الصخرة وحيدَين والطير ترتل صلاة المساء، والشمس نائمة على سرير الأفق صفراء كأنها مريضة كاد يختفي رأسها بين الوسائد، ونحن متعانقان، صدري إلى صدرك، وعيناي إلى عينيك، ثم نبهتني إلى مشهد الغروب فطفقنا ننظر إليه مشدوهين حتى غبنا في قرارة حلم ممتع من أحلام الحياة.
أتذكر؟ أتذكر مسرانا في هذه الغابة الصغيرة الملتفة وقد خلونا فيها وحدنا وتركنا الدنيا بضجتها وصخبها، نمشي وحيدين ليس معنا إلا الحب الذي يربط بين قلبينا، نتلفّت حولنا فلا نرى إلا جذوع الأشجار المتعانقة تتسلل من كل جهة حتى يضل البصر طريقه خلالها، وأغصانها متشابكة من فوقنا كأنها سقف مرفوع ... لم أكن أشعر بالوحدة لأنك معي، وهل كنت أبتغي من دنياي أكثر من ذلك؟ حسبي أنت من الدنيا. أتذكر ذلك؟
أتذكر تلك الشجرة المنعزلة الوحيدة التي كان لها في تاريخ حبي أجمل الآثار، أما أنا فساهرة أذكرها وأفكر فيها!
لماذا أذقتني لذة الحب؟ لقد كنت راضية بالحياة مطمئنة
стр. 76
إليها، أعيش في الظلام. فلما عرفت الحب عرفت النور والسمو وعلمت ما هي اللذة، فلا أنا أجد الآن النور ولا أنا أطيق الرجوع إلى الظلام".
* * *
ولست أستطيع أن أعيد كل ما قالت لأنه مكتوب في كل قصة غرام. وهل الغرام إلا قصة واحدة تتكرر أبداً ولا يمل البشر تمثيلها؟ وهل تمر ليلة على بلد فلا ترى في أحشائه عاشقاً مدنفاً يسهر ويتألم، بينا ينام الناس آمنين، لا يرحمون المحبين لأن الحب شيء لا يدري به إلا المحبون!
ولبثت الفتاة على عذابها، حتى أحست بالجنين يتحرك في بطنها ... فذهبت تحمل وحدها عواقب هذه اللذة التي شاطرها متعتها الرجل.
* * *
واستهل الوليد جميلاً كالزهر، حلواً كالأمل، نقياً كثلج الربا، تبدو في عينيه كبرياء أبيه وجمال أمه، كما يبدو خيال السماء الصافية في البحيرة الساكنة، فتمتلئان بهما كما يمتلئ الجدول بمياه الينبوع الصافي، ويترددان فيهما كما يتردد صدى أنشودة الراعي في مسارب الوادي العميق. فضمته إلى صدرها الفياض بالحب، ونذرت له حبها وحياتها، وعزمت أن تكون له أماً لأنه ابنها، وأن تكون له أباً لأنه ابن حبيبها الغائب، وأن تنشئه على العزة والمجد
стр. 77
والسيادة، نزولاً عند إرادة الرجل الذي أحبت ورجاء أن يحمل هذا الوليد اسم أبيه الكبير.
وتكامل مثلما يتكامل القمر في أوائل الشهر فلم يلبث أن صار بدراً في كل عين، ونما مثلما ينمو الغصن الغض في خمائل الروض، يرتفع في الربيع ليدرك نيسان ويستمتع بجماله ويزينه بورده، فلم يلبث أن ملأ بعطره كل أنف. ويتزايد كأنه أغنية محب بدأها همساً في جوف الليل ثم استطال بها صوته حتى ملأ الفضاء، فلم تلبث أن صارت على كل لسان. ويقوى كأنه الحب ينبثق في القلب، فلم يلبث أن صار حباً مستقراً في كل قلب.
كذلك أصبح هذا الغلام.
كان ملء العيون والأفئدة، تمر السنون فلا تزيده إلا ذكاءً ونبوغاً. وكان سعيداً ينعم بحب أمه ومالها، ولكن أمراً واحداً كان ينغص عليه هذه السعادة ويؤلمه أشد الألم؛ ذلك أنه لا يعرف من هو أبوه. وكثيراً ما سأل أمه وأطال عليها المسألة ولوّن لها الأساليب، فكان يمنعها من أن تخبره إرادة أبيه، فتظل معتصمة بالصمت. وكثيراً ما أمضى الساعات ساهماً واجماً يفكر فلا يهتدي.
فأزمع أن يكون بفعاله أباً لنفسه، وأن ينزل من هذه الجبال فيغامر في الشرف المروم.
* * *
ظل ذلك السيد القرشي يفكر في الفتاة ويصلها بالمال،
стр. 78
ويتعرف أخبار ابنه ويقوّم سبيله، ولكنه انصرف عن الحب ولم يعد له في حياته مكان. إن على عاتقه عبءاً ضخماً؛ إنه يقود إحدى الفئتين في أعظم معركة عرفها تاريخ الإنسان من يوم هبط آدم من الجنة إلى يوم تقوم الساعة ... المعركة بين الحق والباطل، بين الحرية والاستعباد، بين المستقبل المنتظَر والماضي الذميم، بين الحضارة والبداوة ... وكان هو قائد الفئة المدافعة عن الباطل، فجال الباطل جولة ثم اضمحل، فإذا النور الذي جاء به محمد ﷺ يضيء الجزيرة، ثم يخرج إلى الشام والعراق فترفرف عليها رايات محمد ظافرة منصورة، وإذا هذا السيد القرشي جندي صغير في جيش محمد!
ذلك أن مقاييس العظمة قد تبدلت، وأن الدين الجديد لا يعتمد على النسب ولكن على المزايا، ولا يعرف قانون الطبقات بل قانون الكفايات. فهبط أبو سفيان حتى صار جندياً، وارتفع هذا الرجل الذي لا يملك نسباً في هاشم ولا أمية وليس له جدود من مخزوم، ارتفع عمر حتى صار أمير المؤمنين ووارث كسرى وقيصر.
تبدلت الدنيا كلها، فإذا الدعوة التي كانت تكافح لتغلب مكة وأهلها قد ملكت الجزيرة كلها وغدت في حرب مع الأعداء الذين سرقوا حرية الشعوب وعبثوا بتراث الإنسانية.
وإذا القرية التي كانت منقطعة وراء الرمال قد صارت منذ هبطها محمد قصبة الأرض، ووارثة المدائن سلطانها، وشريكة القسطنطينية في بلادها.
стр. 79
وإذا هذا المسجد الصغير المبني من الحجارة والطين وسعف النخل يغلب الإيوان العظيم بشرفاته ودعائمه، وقصر الشالسيه بزخارفه ونقوشه وقبابه وأبراجه، ويصير ندوة الدنيا ومدرسة العالم.
ففي ذات مساء دُعي الناس إلى الاجتماع في هذا المسجد (وكان المسجد دار السياسة، كما كان دار العلم والعبادة)، فتوافدوا عليه من كل صوب، فلما اجتمعوا قام أمير المؤمنين فبشر الناس بفتح جديد، وقدّم إليهم شاباً لم يروه من قبل يُدعى زياداً، ليصف لهم هذا الفتح الذي جاء بخبره. واستشرف الناس ونظروا إليه، فلما أبصره أبو سفيان - وكان في أصل المنبر إلى جانب علي - خفق قلبه واضطرب ... إنه ابنه زياد، ابن الحبّ! وحبس أنفاسه ليصغي إليه وقد خاف عليه الفضيحة، فإذا الفتى الجميل الوسيم يخطب خطبة يملك بها الألباب ويستهوي القلوب.
"فلا يتمالك نفسَه أبو سفيان أن يقول لعلي: أيعجبك ما سمعت من هذا الفتى؟ فيقول: نعم. قال: أما إنه ابن عمك. قال: وكيف ذلك؟ قال: أنا قذفته في رحم أمه سمية. قال: فما يمنعك أن تدّعيه؟ قال: أخشى هذا القاعد على المنبر (يريد عمر بن الخطاب) " (١).
* * *
وذهب أبو سفيان يلقى معاوية، وقد استيقظت في نفسه
стр. 80
ذكريات حبه القديم، وطفق ينظر من وراء خمسة وعشرين عاماً إلى تلك الفتاة التي أذاقته السعادة، ونازعته نفسه إلى الاعتراف بابنها علناً ثم ثناه أنه لم يحن الوقت بعد، فليتربص ولينتظر. ولكنه شيخ كبير هو هامة اليوم أو غد، فمن هو الذي يحمّله هذا السر الذي يضيق به صدره؟ ليس له إلا صدر معاوية، «كسرى العرب».
ودعا معاوية فقال له:
"اسمع يا معاوية. أتعرف الفاكه بن المغيرة؟ لقد كان هذا الرجل زوجَ أمك هند بنت عتبة بن ربيعة، التي جمع الله لها كبر النفس وشرف الوالد، فلم يقوَ على حفظ هذه الأمانة. واختلفا، وتحاكما إلى بعض كهّان اليمن.
وجزعت أمك وخافت، فقال لها أبوها عتبة: إنى أرى ما حل بك من تنكّر الحال، وما ذاك إلا لمكروه عندك. قالت: لا والله يا أبتاه، ما ذاك لمكروه، ولكني أعرف أنكم تأتون بشراً يخطئ ويصيب ولا آمنه أن يَسِمني ميسماً يكون عليّ سُبَّة.
قال: إني سوف أختبره لك. وخبأ له خبيئة فعرفها، ثم قدموا إليه أمك في نسوة، فجعل يدنو من إحداهن فيضرب بيده على كتفها ويقول: انهضي، حتى دنا من أمك، فقال لها: انهضي غير متهَمة ولا جانية، وستلدين ملكاً يقال له: «معاوية». فنهض إليها الفاكه فأخذ بيدها، فنترت يده وقالت: إليك عني؛ فوالله لأحرصنّ على أن يكون ذلك الملك من غيرك" (١).
стр. 81
فكانت امرأتي وكنت ابني. فإذا صحّت بشارة الكاهن وجاء يوم تحقيقها فاعلم أن لك شريكاً في ذلك الملك.
في ذلك اليوم تسمع صوت أبي سفيان، أبيك، الذي يستصرخك من أعماق قلبك لترفع ابنه الذي انبثق من قلبه وحبه، وتخلع عليه اسمه، وتمنحه حقه من إرث أبيك وإرث أسرتك الماجد.
أتعرف من هو ذلك الأخ؟
هو الرجل الذي خطب على منبر المدينة بين يدي عمر مخبراً بالفتح؛ إنه «زياد بن أبي سفيان».
* * *
стр. 82
قضية سمرقند (*)
كانت ليلة ميتة لا يتردد في صدرها نفَس من نسيم، ولا تبدو فيها حركة حياة، عمياء لا تبصر فيها عين من نجم يسطع في السماء أو مصباح يزهر على الأرض، وقد أوى كل حي في سمرقند إلى مضجعه، ونامت المدينة تحت أثقال من الصمت والظلام، ولم يبقَ متيقظاً فيها إلا هذا الرجل الذي خرج من داره، يخوض لجة الليل ماراً إلى غايته، ولا يقف ولا يتلفّت، حتى بلغ قصر الإمارة فألقى عليه نظرة، لو كانت نظرة تحرق لأحرقه الشرر المتطاير منها. ثم أوسع الخطو وأسرع كأنه يريد أن يجنب نفسه مرأى هذا القصر، وأن يسابق الزمن إلى هدفه الذي يرمي إليه.
وفارق المدينة واحتواه الغاب، وطنّت في أذنيه أصوات هوامه وحشراته. وكان الغاب موحشاً غارقاً في ظلمتين: ظلمته وظلمة الليل، ولكن الرجل لم ينتبه إلى وحشته وظلامه، وقد
стр. 83
كان له من ضخامة المطلب الذي يسعى إليه، وعظم الخطر الذي يُقدم عليه، شاغل عن التفكير في ثقل هذه الليلة وانفراده في الغاب والخوف من أن تنشق هذه الظلمة المتراكبة حوله عما يؤذي ويروع ... حتى إذا بلغ الصخرة التي تقوم عند باب المعبد وقف وأحجم، وخالطته هيبة شديدة، ووقر على صدره شيء لم يجد مثله في الغاب الموحش.
ولم يكن غلاماً تفزعه الأشباح، ولا كان الجبان الرعديد، ولكن ما وضعوه في نفسه وهو صغير من أسرار المعبد وعجائبه جعله يشب ويكتهل ولا يزال أمامه مثل الطفل الصغير. وكان فارسَ البلد غير مدافع، وبطل المعارك المكفهرة، ولكن المعبد غير الميدان. ولئن واجه في الميدان رجالاً مثله، ففي المعبد قوى لا يراها وخفايا لا تصنع معها شجاعته شيئاً. ولم يدخله قط، إنما يدخل المعبد هؤلاء النفر من الشيوخ الذي مارسوا من أنواع العبادة والرياضات ما جعلهم أهلاً لدخوله، ثم لا يخرجون منه أبداً، ولا يجوز لهم أن يعودوا فيروا نور الشمس ولا زهر الروض. وكان يشعر بأن لهؤلاء الكهنة مهابة في قلبه ومحبة، ويحس بالخوف منهم وهو الذي يواجه الأبطال الصناديد ويقدم على الموت الأكيد غير خائف ولا وَجِل.
وطال وقوفه عند الصخرة وهو يتهيب أن يقرعها بيده على نحو ما أمروه أن يفعل إذا هو وصل. وجعل يحدق في الظلام، فرأى كأن شخصاً عظيم الهامة له لحية بيضاء عريضة قد نبع من الأرض، ففزع وارتاع، ولكنه سمع صوتاً إنسانياً يناديه باسمه ويدعوه إلى أن يتبعه، فعلم أنه الحارس الموكل بباب المعبد.
стр. 84
فلحق به وقلبه يخفق تطلعاً إلى ما وراءه من خفايا وأسرار، فاجتاز به سرداباً طويلاً ملتوياً تضيئه مصابيح نحاسية منقوشة، يخرج منها لهيب أزرق يتراقص فيلقي على الجدران الصخرية ظلالاً عجيبة، وفي السراديب تماثيل «آلهة» (١) ذات صور بشعة مرعبة، يومض من عينيها ضوء أحمر فيكون لها منظر يخلع قلوب الجبابرة. وفي السرداب شقوق يدخل منها الهواء فيصفر صفيراً مخيفاً، كأنه صوت سرب من البوم. ثم دخل به غرفاً منقورة في الصخر، حتى انتهى به إلى قاعة الكهنة الذين لا يراهم أحد (لأنهم لا يخرجون من المعبد، وقل أن يدخِلوا أحداً عليهم) والذين كانوا هم حكّام البلد وملوكه وأصحاب الكلمة فيه، لا يجرؤ على مخالفة أمرهم أحد إلا حقت عليه لعنة «آلهة ...» المعبد ذات الوجه البشع المرعب!
لم يستطع الرجل من دهشته أن يدير نظره فيما حوله أو أن يملأ عينيه من الكهنة ومن كان معهم، وسمع كلاماً ينصبّ في أذنيه بصوت خافت رهيب كأنما هو يسمعه حالماً، وفهم أن المتكلم يذكر ماضي سمرقند وسالف مجدها، وكيف هبط عليها هؤلاء المسلمون هبوط البلاء، فأزاحوا عرشها وحطموا جيشها، وحكموا وملكوا أمرها. ثم أفاض في الكلام على الخطة التي اختطها لإفساد أخلاقهم ودينهم وإضعافهم وإلقاء الخلف بينهم، وكانت خطة شيطانية ارتجف لسماعها.
ثم عاد المتكلم فقال: غير أنّا رأينا أن نرجئ خطتنا ونرمي آخر سهم في جعبتنا؛ وذلك أنّا سمعنا أن لهؤلاء القوم ملكاً عادلاً
стр. 85
يقيم في دمشق، فأزمعنا أن نرسل إليه رسولاً يرفع إليه شكايتنا ويشرح له مظلمتنا، ثم نرى ما هو فاعل. وقد اخترناك لمعرفتك العربية وجراءة جنانك لتكون أنت الرسول، فهل أنت راضٍ؟
قال: نعم.
قال: امضِ بتوفيق الآلهة!
وخرج وما تسعه من فرط الزهو الأرض، وأحس من الخفة والنشاط أنه سيطير، ورأى ظلام الليل أبيض مضيئاً. ولقد اعتدّها نعمة كبرى أن دخل المعبد وكلم الكهنة وكان موضع ثقتهم ونجواهم، وأن أولوه شرف القيام بأضخم مهمة عهدوا بها إلى أحد، وشعر أن حرية قطر سمرقند وشرفه في يمينه، وأنه هو المحامي عنه والمنافح دونه. وكان - لفرط شجاعته - يتمنى لو كلفوه حرب المسلمين وإخراجهم من بلده. ولم يكن يعرف مبلغ قوتهم وجلال ملكهم، وأن هذا القطر كله في جنب دولتهم كالساقية التي جاءت تغالب البحر (ولو مد البحر وأزبد وهاج لاقتلع الساقية من منبعها فشربها، فضاعت فيه فلم يبق لها أثر). فلما شد رحاله وسافر، ومضى يقطع الليالي الطوال، والأسابيع والشهور، وهو لا يفتأ يمشي في ظلال الراية الإسلامية المظفّرة لم يُلقِ عصا التسيار ولم يبلغ العاصمة ... من سمرقند، إلى بخارى، إلى بلخ، إلى هرات، إلى قزوين، إلى الموصل، إلى حلب، إلى دمشق ... دنيا من الخصب والحضارة والمجد، وبلاد كانت ممالك كثيرة، ما مملكة منها إلا وهي أعظم وأضخم من سمرقند ... وما سمرقند في جانب ملك كسرى وخاقان؟ فأين
стр. 86
ملك خاقان وكسرى؟ لقد ابتلعته المدينة المتوارية بين الحرتين وراء رمال الجزيرة، تلك القرية التي هزها محمد بيمينه فولدت الأبطال الذين انتشروا في آفاق الأرض وملوكها، وأنبتت رمالها جنات الشام والعراق وفارس وخراسان وهذه البلاد الخصبة الممرعة التي ليس لها آخر ... وكان كلما تقدم ورأى جديداً من دنيا الإسلام تمتلئ نفسه فرقاً من لقاء الخليفة.
* * *
وأفاق يوماً من ذهوله - بعدما صرم في هذه الرحلة أشهراً - على صوت الدليل وهو يهتف باسم «دمشق».
هذه دمشق، سرة الأرض، هذه سدة الدنيا. هنا التقى والعلى والمجد والغنى والجلال والجمال، من هنا تخرج الكلمة التي تمضي مطاعة حتى تنتهي إلى بلده سمرقند، وتمضي من هناك حتى تبلغ أرضاً أبعد وأنأى، حتى تجوز إسبانيا. هنا يقيم الرجل الذي ملك ما لم يملكه في سالف الدهر قيصر ولا كسرى ولا الإسنكدر ولا خاقان، والذي لا يجد من جبال الصين إلى بحر الظلمات من يخالف عن أمره أو يرد قوله.
ولكن كيف الوصول إليه؟ وأنى لغريب منكر مثله بالدخول عليه؟
وخالط قلبه اليأس، فسأل عن خان ينزل فيه، فأُرشد إلى خان أمضى فيه ليلته. فلما أصبح أخرج ثيابه فلبس أحسنها وخرج ليلقي الخليفة. وأقبل على أول إنسان لقيه يريد أن يسأله عن «القصر»،
стр. 87
فاعترته هيبة شديدة وخاف من مواجهة الرجل الذي يحكم نصف الأرض، والذي لا يبلغ ملكُ شاهنشاه العظيم ولايةً واحدة من ولاياته يحكمها أمير من أمرائه ... وذكر كيف كانت تتصدع الأفئدة خوفاً من لقاء كسرى وتقف الملوك على بابه، وكيف كان يقتل على الظنّة، ويأمر بضرب عنق الرجل يقول كلمة لا تعجبه أو يأتيه في ساعة يكون فيها لَقِسَ النفس (١) ضيق الصدر. وتلمّس عنقه وتخيله من الفزع مضروباً! وتصور رأسه طائراً عن جسده فطارت معه حماسته وشجاعته، وكره لقاء الخليفة وفكر في العودة إلى بلده سالماً قبل أن يحيق به مصاب لا ينفعه معه مجد يناله، ولا وطن يحرره، ولا كاهن يرضيه.
وغرق في مخاوفه وأفكاره، وجعل يسير على غير هدى، وكلما مرَّ على قصر من قصور دمشق ورأى بهاءه وعظمته ظنه قصر الخليفة فخفق قلبه واضطرب. حتى رأى قصراً ما له في جلاله نظير، له باب هائل، عرضه مثل الشارع العظيم، له قوس مُشْمَخِرّة عالية ذات مقرنصات (٢) ونقوش قائمه على أسطوانتين من المرمر الصافي، ورأى الناس يدخلون ويخرجون لا يسأل أحد أحداً ولا يمنعه حاجب ولا بواب، فأيقن أنه قصر الخليفة.
стр. 88
وتشجع وشد من عزمه ودخل يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، فلما لم يرَ أحداً قد منعه سكنت نفسه، ونظر فإذا هو في صحن واسع إذا كنت في طرفه لا تستطيع أن تتبين من هو في الطرف الآخر، قد فُرشت أرضه بناصع الرخام فهو يلمع كالمرايا، والناس يجلسون عليه، وحوله جدران عالية ما رأى قط بناء أرفع منها، وهي مزخرفة بأعجب الزخارف والنقوش، وفي وسط الصحن بركة واسعة يتفجر منها الماء فيضربه شعاع الشمس فيكون له منظر عجيب. ونفذ من الصحن إلى قاعة لا تقل عنه سعة ولا يدانيها بهاءً وجمالاً، قد قام سقفها على أساطين الرخام، تحمل أقواساً فوقها أعمدة أصغر منها، فوقها أحناء (أي حنايا) وطاقات معقودة، وتتدلى من السقف سلاسل الفضة تحمل المصابيح والثريات.
وجعل يمشي خلال الناس ذاهلاً لا يدري ماذا يصنع، فاصطدم برجل كان يقوم ويقعد ويذكر اسم الله. وتلفت الرجل إلى اليمين وإلى الشمال، ونظر إليه فرآه غريباً فسأله عن حاله، فسبق لسانه إلى الحقيقة فأخبره أنه جاء من بلده يريد لقاء الخليفة، ثم تنبّه وقدّر أن الرجل سيرتاع لذكر الخليفة بلا تعظيم ولا تبجيل وأنه سيدفعه إلى الشرطي فيستاقه إلى السجن ... فرأى الرجل ساكناً هادئاً كأنه لم يسمع نكراً، وسمعه يقول له: أتحب أن أدلك على داره؟
قال: أوليست هذه داره؟!
قال الرجل مبتسماً: لا؛ هذا بيت الله، هذا المسجد. أصليت؟
стр. 89
صلى؟! وكيف يصلي وهو على دين سمرقند، ذلك الدّين الذي لا يعرف منه إلا هذا المعبد المملوء بالأسرار، وتلك «الآلهة ...» المخيفة ذات الوجه البشع المرعب. وجعل يفكر: "أين هذا المعبد من معبده المختبئ في بطن الصخر، وأين هذا النور وهذا الجمال من تلك الظلمة وذلك القبح؟ ". وشك - لأول مرة في عمره - في دينه الذي نشأ عليه!
وأعاد الرجل سؤاله، فقال: لا؛ لم أصلِّ، ولا أعرف ما الصلاة.
قال: وما دينك؟
قال: أنا على دين كهنة سمرقند.
قال: وما دينهم؟
قال: لا أدري؟
قال: مَن ربك؟
قال: آلهة المعبد المرعبة.
قال الرجل: وهل تعطيك إن سألتها؟ وهل تشفيك إن مرضت؟
قال: لا أدري ...
ورآه الرجل ضالاً جاهلاً، فألقى في هذا القلب الخالي أصول الدين الحق بوضوحها واختصارها وجمالها؛ فلم تكن إلا ساعة حتى صار رسول كهنة سمرقند مؤمناً بالله ورسوله محمد ﷺ ،
стр. 90
الذي جعل الله به العرب سادة الدنيا وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.
ثم قال الرجل: قم الآن أدلّك على دار الخليفة، وإن كانت هذه هي الساعة التي يعالج شأنه فيها وشأن عياله وينفرد بنفسه.
وتبعه وهو يفكر في جمال هذا الدين وسموّه، وقد زالت الغشاوة عن عينيه فأدرك الآن سر هذه الفتوح وهذه القوة التي لم يقم لها شيء. أين هذه الديانة السافرة الواضحة التي تجعل كل واحد من أتباعها كاهناً لها ورجل دين ... من تلك الديانة المجهولة الخفية؟ أين؟!
وخرج من المسجد من باب غير الذي دخل منه، فما راعه إلا الرجل يقول له (مشيراً إلى باب من ألواح الخشب، غير مصبوغة ولا منقوشة): هذه داره.
هذه؟! أيمكن أن تكون دار الخليفة دون دور السوقة من رعيته، وقد مرَّ عليها فرأى فيها بهاءً وجلالاً؟
ونظر إلى الرجل يحسبه يسخر منه فرآه جاداً، فتركه وتقدم من الباب وهو شاك فيما قال الرجل، ونظر فرأى كهلاً قائماً يصلح بالطين جدار المنزل وامرأة تعجن ... فترك الباب ولحق بالرجل مغيظاً محنقاً فقال له: ما كان لك أن تكذب عليّ وتسخر مني، أسألك عن دار الخليفة فترشدني إلى دار طيان؟
قال: ومن الطيّان؟
قال: صاحب الدار (ووصف له ما رأى).
стр. 91
قال الرجل: ويحك! هذا - والله - أمير المؤمنين الذي ليس فوقه إلا الله. وهذه المرأة ... ألا تدري من هذه المرأة؟ هذه زوجة الخليفة عمر وبنت الخليفة عبد الملك وأخت الخليفتين وليد وسليمان وأخت هشام ويزيد وسيكونان خليفتين؛ هذه أمجد امرأة في العرب. ولقد كان أمير المؤمنين أرفه الناس عيشاً وأكثرهم طيباً، ولكنه كان فيه عرق من عمر بن الخطاب فنزع به عرقه من عمر إلى ما ترى، فعُدْ إليه فاقرع بابه وانفض إليه شَكاتك ولا تخف؛ فوالله ما هو الملك المتكبر ولا الحاكم الجبار، ولكنه عبد لله متواضع هين لين، فإذا رأى الحق أمضاه فلم يقف دونه شيء، وإذا غضب لله كانت العواصف والصواعق دون غضبه قوة ونفاذاً ... فاذهب موفقاً.
مضى السمرقندي نحو دار الخليفة يتعثر في مشيته، يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، تتّقد نار الحماسة في نفسه فيخطو ثم تعصف بها رياح الشك فيقف، وكان يطير به الخيال إلى ملوك بلده فيتصور تلك الحجب على القصور، وأولئك الحجّاب على الأبواب، والسيوف المصلتة والرماح المشرعة، ثم يبصر هذه الدار ... وهذا الذي قالوا إنه أمير المؤمنين، فيزداد به الشك. إنه يعرف السلطان الذي يحكم بالبطش والرعيةَ التي تطيع بالخوف، أما سلطان العدل وطاعة الحب، فشيء لم يعرفه في بلده!
واستقر في نفسه أن الرجل يسخر به، فعدا وراءه حتى لحقه وقال له: ناشدتك الله أيها الرجل، هل هذه الدار هي دار أمير المؤمنين؟
стр. 92
قال: نعم، والله إنها لهي داره! هذه دار الرجل الذي أورثته شريعة القرآن تيجان الملوك الأربعة: كسرى وقيصر وفرعون وخاقان، فكانت هامته أرفع من أن يبلغها تاج منها، فما سمت إليها إلا «العمامة» تاج العرب ... هذه دار الرجل الذي جبيت إليه ثمرات الأرض، فكال الذهب كيلاً وأعطاه لمستحقه باليدين، ومنح الفقراء الجوهر، وقسم في المحتاجين الدرر، وبقي هو وأسرته بغير شيء ... لأن نفسه أكبر من أن يملأها كل ما في الدنيا من ذهب وجوهر، إنها أكبر من الدنيا؛ فلذلك حقرتها وطمحت إلى ما هو أعظم منها: إلى الجنة!
وما هجر الحياة ومناعمها ليأوي إلى غار في جبل فيعتزل الناس، أو إلى مسجد فيناجي الله، إذن لزاد العبّاد واحداً، ولما كان في ذلك حديث يُروى ولا عجب يُؤثَر. ولكنه زهد في الدنيا (وهو رجل الدنيا وواحدها، وإليه أمرها وبيده - بعد القدر - صلاحها وفسادها)، فهو في اللجة لا يبتلّ، وهو «في اللهب ولا يحترق». وهو زاهد ولكنّ في رأسه عقلَ حكيمٍ، وفي صدره قلبَ بطلٍ، وفي فيه لسانَ أديبٍ؛ فهو يدير بعقله هذا الملك الواسع، بقضائه وماليته، وداخليته وخارجيته، وسلمه وحربه، وهو القائد وهو المفتي وهو المعلّم ... أداره أحسن إدارة وأقومها، فاستقر الأمن، ونامت الثورات، وقعد القائمون بالمعارضة، وسكت الناقمون على بني أمية، وتصافى الشيعي والخارجي، والمصري واليماني، والأسود والأحمر (١)، واصطحب في البرية
стр. 93
الذئب والحمل (١) ... وهو يواجه بقلبه أحداث الدهر، فترتد عنه الأحداث ارتداد الموج عن صخر الشاطئ، وهو يصوغ ببيانه الحكمة العليا أدباً خالداً ...
سمع - غداة بويع بالخلافة مُكرَهاً - هدّة ارتجَّتْ منها الأرض، وكان منصرفاً من دفن أمير المؤمنين سليمان، فقال: ما هذا؟ قالوا: مراكب الخلافة قربت إليك لتركبها، بالسروج المحلاة بالذهب المرصعة بالجوهر. فقال: ما لي وما لها؟ نحّوها عني وقربوا لي بغلتي. وأمر بها أن تباع ويدخل ثمنها بيت مال المسلمين. فقُربت إليه بغلته فركبها، وجاءه صاحب الشرطة يسير بين يديه بالحربة فقال له: تنحَّ عني، ما لي وما لك؟ إنما أنا رجل من المسلمين!
ومشى بين الناس راكباً على بغلته (بلا موكب ولا حربة ولا راية ولا طبل). الرجل الذي يحكم الأندلس ومرّاكش والجزائر وتونس وطرابلس ومصر والحجاز ونجداً واليمن وسورية وفلسطين والأردن ولبنان والعراق والعجم وأرمينية والأفغان وبخارى والسند وسمرقند ... مشى ومشى الناس بين يديه حتى دخل المسجد، فقام على المنبر فقال: أيها الناس، إني قد ابتُليت بهذا الأمر من غير رأي كان مني فيه، ولا طلب له، ولا مشورة من المسلمين. وإني قد خلعت بيعتي من أعناقكم، فاختاروا لأنفسكم.
فصاح الناس صيحة واحدة: إننا اخترناك ورضينا بك.
стр. 94
ومشى إلى الخضراء، وما الخضراء؟ جنة الأرض التي حُشر إليها كل ما في الأرض من كنوز وطُرَف، القصر الذي أزرت عظمتُه بالخورنق والسدير وغمدان والإيوان. فأمر بستورها فأنزلت، وببسطها ونمارقها فطُويت، وبطرفها وكنوزها فحملت، وأمر ببيع ذلك كله ووضع ثمنه في بيت المال، وأمَّ داره هذه. فقال الناس: إنه رجل صالح، ولكن الملك له أهل. إن الملك لا يقيمه إلا قوي أمين ابن دنيا.
ظنوه أمّ داره يقبع فيها يسبّح ويهلّل، فإذا به يحد قلمه ويعدّ قراطيسه، ويكتب من فوره بيده إلى أقاليم الأرض منشوراً فيه الدستور الذي لا يقوم إلا به الملك، ويُنفِذ الكتب من ساعته. فعلموا أن خليفتهم زاهد في الدنيا ولكنه ابنها وأبوها.
فَعَل ذلك كله من الصباح إلى الضحى. ثم ذهب يَقيل، فأتاه ابنه عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، ماذا تريد أن تصنع؟ قال: أي بني، أقيل. قال: تقيل ولا ترد المظالم؟ قال: أي بني، إني قد سهرت البارحة في أمر عمك سليمان، وإني إذا صليت الظهر رددت المظالم. قال: يا أمير المؤمنين، مَن لك أن تعيش إلى الظهر؟ فترك مقيله وخرج فبعث مناديه ينادي: ألا من كانت له مَظلمة فليرفعها، فإني منصفه من نفسي ومن آل بيتي ومن الناس أجمعين. ولقد - والله - فعل أكثر مما قال!
نعم يا أيها الغريب، هذه دار أمير المؤمنين، فلا يغررك صغرها وضيقها وعطل أبوابها من الزخرف وجدرانها وأنه لا حاجب عليها ولا جند ببابها، فإن هذه الدار أكرم من كل قصر
стр. 95
حملته على ظهرها هذه الأرض (١)؛ فامش إليها ولا تخف!
فعاد السمرقندي، فلما دنا من الدار سمع ضجة ورأى ولدين قد شج أحدهما الآخر شجة منكرة، ورأى الخليفة يخرج بنفسه فيأخذ الولدين، فيراه فيسأله، فيقول: إني متظلّم يا أمير المؤمنين. فيقول له: مكانَك حتى أعود إليك.
ويدخل بالغلامين، ويسمع السمرقندي صوت امرأة تصرخ: «ابني»، فيعلم أنها أم الوليد المشجوج، وتدخل الدار مُرَيْئة (٢) فترى الولد الآخر فتقول: «ابني». ويسمع القصة فيعلم أن ابن أمير المؤمنين قد خرج يلعب مع الغلمان فشجّه ابن هذه المرأة، وتقول المرأة: ارحموه، إنه يتيم فقير! ويرق قلب السمرقندي ويشفق على هذه المرأة أن تُضرب عنق ابنها أمامها وهو طفل لا ذنب له ولا يُسأل عن فعلته، وإذا بأمير المؤمنين يقول لها: أما له من عطاء؟ فتقول: لا. فيقول: سنكتبه في الذرية.
وتخرج المرأة شاكرة داعية، ويسمع السمرقندي فاطمة بنت عبد الملك تقول مُغضَبة: فعل الله به وفعل إن لم يشجه مرة أخرى. فيقول الخليفة: إنكم أفزعتموه (٣).
وخرج الخليفة فدعاه فسأله عن حاله، فشكا إليه قتيبة
стр. 96
وأنه دخل سمرقند غدراً من غير دعوة إلى الإسلام ولا منابذة ولا إعلان. فقال الخليفة: والله ما أمرَنا نبيُّنا بالظلم ولا أجازه لنا، وإن الله أوجب علينا العدل في المسلمين وغير المسلمين. يا غلام ... قلماً وقرطاساً.
فجاءه الغلام بورقة قدر أصبعين، فكتب عليها أسطراً وختمها وقال له: خذها إلى عامل البلد!
* * *
ورجع يطوي هذه الشقّة مرة ثانية، وكلما وصل إلى بلد دخل المسجد فوقف في الصف، كتفه إلى كتف أخ له في الإسلام ووجهته وجهتُه، وفي قلبه إيمانه وعلى لسانه تسبيحاته وتكبيراته ... أحس أنه عضو في هذه الجمعية الكبرى، وأدرك عظمة هذا الدين وحلاوته إذ يؤم المصلين واحد منهم، فلا قساوسة ولا كهّان، ويصلون في كل أرض، فلا معابد ولا تماثيل، ويقفون جميعاً صفاً واحداً، فلا كبير ولا صغير ولا مأمور ولا أمير. وشعر بعظم هذه الدائرة التي تطيف من حول الكعبة تمر على السهل والحزن، والعامر والغامر، والمدينة والقرية، يقوم فيها عبادٌ لله هم رهبان في الليل وجِنٌّ في النهار، خاشعة قلوبهم، وأبصارهم وجوارحهم، يقفون أمام رب العالمين فلا يبالون الدنيا كلها، بلذائذها وآلامها وخيرها وشرها.
ولم تثقل عليه هذه المرة سعة دنيا الإسلام لأنها صارت دنياه، ولم يجد لهذه السفرة مشقة ولا تعباً لأنه كان كلما انقضت الصلاة
стр. 97
وجد في المسجد (في كل بلد يمر عليه) مَن يسأله عن حاله، فإذا علم أنه غريب أنزله داره، وقدّم له قِراه، ومنحه عونه، فكان يقابل بين مجيئه كافراً وبين عودته مسلماً، وكيف كان يشعر بطول الشُّقة وبعد الطريق وألم الغربة، فصار يتقلّب في النعيم ويُحمَل على أكف الإخوان، فيدرك سر المسجد وجمال هذا الدين!
ووصل إلى المعبد، ولكنها لم ترعه - هذه المرة - تماثيله ولا مصابيحه، ولم يمتلئ قلبه فَرَقاً من أسراره وخفاياه؛ فقد أضاء له الإسلام ظلمة الحياة فرأى حقائقها من أوهامها، وعلم أن هذه الأصنام التي نحتوها بأيديهم وسموها آلهة لا تنفع ولا تضر، ولا تمنع عن نفسها ضربة الفأس ولا لهب النار. ولكنه كتم إسلامه، وقرع الباب قرعة السر ففُتح له، ورآه الكهنة بعد أن حسبوا أنهم لن يروه أبداً، ووصف لهم ما رأى فكادت أعينهم تخرج من حناجرهم دهشة وأيقنوا أن قد جاءهم الفرج، وأمروه فحمل الكتاب مختوماً إلى العامل فإذا فيه أمر الخليفة بأن ينصب قاضياً يحتكم إليه كهنة سمرقند وخليفة قتيبة، فما قضى به نفذ قضاؤه.
وأطاع العامل ونصب لهم قاضياً، جميعَ بنَ حاضر الباجي، وعين موعد المحاكمة. ولما عاد فأخبر الكاهن الأكبر أظلم وجهه بعد إشراقه، كما ترْبَدّ في سماء النهار الصحو السحبُ السود، وخبا ضياء الأمل الذي بدا له فحسبه فجراً صادقاً فإذا هو برق خُلَّب (١) ... وأيقن أن هذه المحاكمة فصل جديد من كتاب غدر المسلمين.
стр. 98
وجاء اليوم الموعود، واحتشد أهل سمرقند من كل قاصٍ منها ودانٍ، وجاء الكهنة الذين كانوا محتجبين لا يراهم أحد، وجاء القائد الفاتح الذي خلف قتيبة. وكانت المحكمة في المسجد، فقعدوا ينتظرون القاضي.
ولم يكن الكهنة يأمُلون في شيء ... وفيمَ يأمُلون؟ في أن يحكم لهم القاضي المسلم بطرد المسلمين من سمرقند؟ يحكم لهم هم المغلوبين على أمرهم، المخالفين للقاضي في دينه، الذين لم يبق لهم حول ولا طول؟
وعلى من يحكم؟ على خلفاء القائد المظفر الفاتح الذي لم يطأ أرضَ المشرق قائدٌ أعظم منه، ولا أكثر ظفراً، ولا أعظم فتحاً، إسكندر العرب: قتيبة؟
كانت القلوب تخفق ارتقاباً لأعجب محاكمة سمعت بها أذنا التاريخ، وكانت الأبصار شاخصة إلى باب المسجد الذي يدخل منه القاضي الفرد الذي وُضعت في عنقه أعظم أمانة وُضعت في عنق قاض، والذي أُلقي بين حجرَي الرحى؛ فها هنا مصلحة أمته وسيادة دولته والبلد العظيم الذي خفقت فوقه راية الإسلام وامتلكه أهله، وهناك الحق والشرف. وإنها لمزلة أقدام القضاة، وإنها لمحنة الضمائر.
وكان صاحبنا السمرقندي يقرأ الشك والارتياب في وجوه أهل بلده وفي أوجه الكهنة كما يقرأ المرء في صحيفة منشورة أمامه. أما هو وأما المسلمون فلم يكونوا يشكّون، ولم تكن تُداخلهم ريبة في أن الحق والشرف فوق مصلحة الوطن، وما
стр. 99
الوطن؟ إن وطن المسلم دينه؛ فحيثما صاح المؤذن: «الله أكبر» فثمة وطنه. وإن جهاده للحق، فإن جاء الحق زهق معه كل باطل، ولو كان فيه نفع الأمة وكان فيه الغُنم الأكبر.
ونظروا فإذا رجل له هيئة الأعراب، هزيل، ضئيل الجسم، شاحب اللون، قد لاث على رأسه عمامة له ووراءه غلام. فجاء حتى قعد على الأرض محتبياً، وقام غلامه على رأسه.
أهذا هو الرجل الذي أتى ليحكم على خليفة قتيبة العظيم، وعلى أميره، وعلى مصلحة دولته؟ أهذا هو قاضي المسلمين؟
وانطفأت آخر شعاعة من الأمل في نفوس الكهنة. ونادى الغلام باسم الأمير، وهكذا بلا إمارة ولا لقب، فجاء حتى جلس بين يديه، ونادى باسم كبير الكهنة فأجلسه إلى جانبه.
وابتدأت المحاكمة ...
* * *
وتكلم القاضي فإذا صوته يخرج خافتاً ضعيفاً، فقال للكاهن: ما تقول؟
قال: إن القائد المبجل قتيبة بن مسلم قد دخل بلدنا غدراً من غير منابذة ولا دعوة إلى الإسلام.
قال القاضي للأمير: ما تقول؟
قال: أصلح الله القاضي. إن الحرب خدعة، وهذا بلد عظيم قد أنقذه الله بنا من الكفر وأورثه المسلمين.
стр. 100
قال: أدعوتم أهله إلى الإسلام، ثم إلى الجزية، ثم إلى القتال؟
قال: لا.
قال: إنك قد أقررت. وإن الله ما نصر هذه الأمة إلا باتباع الدين واجتناب الغدر، وإنّا والله ما خرجنا من بيوتنا إلا جهاداً في سبيل الله؛ ما خرجنا لنملك الأرض ولا لنعلو فيها بغير الحق. حكمتُ بأن يخرج المسلمون من البلد ويردوه إلى أهله، ثم يدعوهم وينابذوهم ويعلنوا الحرب عليهم (١).
ورأى الكهنة وأهل سمرقند وسمعوا، ولكنهم كذّبوا عيونهم وآذانهم، وظنوا أنهم في حلم، ولبثوا شاخصين. حتى إن أكثرهم لم يلحظ أن المحاكمة قد انتهت، وأن القاضي والأمير قد انصرفا. وجعل صاحبنا السمرقندي المسلم ينظر في وجه الكاهن الأكبر، فيحس أن نور الحق قد أشرق على قلبه الذي رققته العزلة والتأمل.
стр. 101
وكان الكاهن ينظر إلى عالمه الذي طالما أحبه وآثره فيراه عالماً ضيقاً مقفراً، وينظر إلى دنيا الإسلام فإذا هي خصبة واسعة مزهرة بالخير والعدل والجمال. وما عالمه؟ فجوة معتمة وسط الصخر الأصمّ لا يبلغها شعاع الشمس ولا ضياء القمر، ولا زهر الربيع ولا جمال المجد ولا جلال الإيمان.
وسطع النور في قلبه فرأى أن ديانته كهذا المعبد، فأين هذا المعبد من معبد الإسلام، وهو الأرض الطهور التي تمتد حتى تصل إلى بلاد ما سمع بها؟ أين ضيقه من سعتها؟ أين ظلمته من نورها؟ أين سقفه الواطي من سمائها العالية؟
إنه ألحد في دينه وخرج من المعبد (وقد حُرِّم عليه الخروج منه)، فلن يعود إليه أبداً. أيعود الجنين إلى بطن أمه بعدما رأى بياض النهار ورحب الكون؟ أيعبد مرة ثانية تلك الآلهة ذوات الوجه البشع المخيف بعدما عرف رب الأرباب وخالق كل شيء؟
لا. لقد ماتت ديانة المعبد ومرت أيامها، فهل لما مر مآب؟ هل يعود أمس الغابر؟
ومرّت ساعات، وإذا الجو يموج بصليل الأبواق ويرتجف من إرعاد الطبول، ونظر فإذا الرايات تلوح على حواشي الأفق القريب، فسأل: ما هذا؟
قالوا: لقد نُفِّذ الحكم وانسحب الجيش.
هذا الجيش الذي لم يقف في وجهه شيء من مدينة يثرب إلى سمرقند، والذي اكتسح جيوش كسرى وقيصر وخاقان، ردته
стр. 102
كلمة من شيخ هزيل خافت الصوت، ليس معه إلا غلام، بعد محاكمة لم تستمر إلا دقائق. ولكنه سينذر وسيعود إلى القتال، أفتقوى سمرقند على ما عجزت عنه الممالك كلها؟
أترد صخورُ هذا المعبد سيلَ الحق الدافق وتأكل ظلمته نور الإسلام؟
لا؛ لقد قضى الله أن يمحو الفجرُ سُدْفةَ (١) الليل. لقد أطل على العالم يومٌ جديد، فلن نتوارى من نور هذا اليوم في ظلمة المعبد.
وأقبل يسأله أصحابه: ماذا تقولون؟
فيقول السمرقندي المسلم: أمّا أنا فلقد شهدت أنه لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله.
فيقول الكاهن: وأنا أشهد.
وتتزلزل سمرقند بالتكبير، ويعود الجيش المسلم إلى البلد المسلم؛ لم يبقَ حاكم ولا محكوم، ولا غالب ولا مغلوب. صار الجميع إخواناً في الله؛ لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لقوي على ضعيف، إلا بالتقوى والصلاح وخِلال الخير.
ودخلت سمرقند كلها في الإسلام، فلن تخرج منه أبداً.
* * *
стр. 103
هيلانة ولويس
كل شيء ساكن سكون الموت، مظلم ظلمة القبر!
ولقد أسدل الليل فروعه السود، فغطى على المعركة اللافحة الأُوار (١)، وأخفى هذه الساحة المفروشة بالجثث، وهذه الأصلاد (٢) المصبَّغة بالدم، وأرخى الستار على مشهد من أروع مشاهد المأساة التي يمثلها الإنسان أبداً على مسرح الوجود فيلبس فيها جلد الذئب وأظفار السبع وأنياب الثعبان ... فسقط جنود المعسكرين صرعى الجهد والكَلال، وهجعوا كالقتلى لا يحسون ولا يحلمون، وأمست خيامهم ومنازلهم جامدة لا حياة فيها كهذه الصخور الصم التي تحيط بها من كل جانب.
وتلك هي الحرب: آفة الحياة، وعار الإنسانية! تلك هي الحرب: تتفجر الأذهان بالعلوم والمعارف، وتنفرج الأيدي عن
стр. 104
الصنائع والمصانع (١) واللطائف والزخارف، وينفق الوالدان النفس والنفيس لتنشئة الأولاد وتهذيبهم، فإذا استكمل البنون الفتوة والقوة، وأزهرت الفنون وتقدمت، وارتفعت المصانع وسمَت، وأخذت الحياة زخرفها وازّينت، جاءت الحرب فأودت بذلك كله فجعلته حصيداً كأن لم يَغْنَ بالأمس. فيا ويل الحرب! ويلٌ لها ما لم تكن دفاعاً عن شرف أو حياة أو دين!
* * *
كل شيء ساكن سكون الموت، مظلم ظلمة القبر، إلا خيمة في معسكر النصارى نائية ينبعث من شقوقها وفروجها ضوء خافت، ويُسمَع من جوفها همس ضعيف، لو أصغيت إليه لسمعت صوت امرأة تتكلم بلسان القوم وتقول لصاحبة لها: ماذا يشجيك الليلة يا هيلانة، وما الذي جدد أحزانك وهيج آلامك؟ أفزعتِ من هذه المعركة العابسة التي جئنا نخوضها ونصلى نارها دفاعاً عن «قبر ...» المسيح؟ أم هو الحزن على لويس قد خامر نفسك؟ لا تحزني يا هيلانة؛ فقد كان مقدّراً عليه هذا المصير، ولقد عرفه ومشى إليه مطمئناً راضياً، فاصبري يا أختاه، فإن لويس في السماء. ألا يسرك أنه مات في سبيل النصرانية؟ فلا تدَعي اليأس يخالط نفسك القوية في هذه الساعة التي تحتاجين فيها إلى الصبر والجلد!
стр. 105
وسكتت المرأة، وعاد السكون يغمر الدنيا. ومضت فترة طويلة لم يُسمَع خلالها نَبْأة (١)، ولكن النور الضعيف لبث منبعثاً من شقوق الخيمة. ثم ظهر القمر يطل على الدنيا بوجه شاحب كأنه وجه عليل مدنف، أو ميت محتضر، وأبدت أشعته الكليلة ما كان الليل قد ستره، فبان من خلالها ذلك المشهد الموحش المرعب وقد زاده شحوبها وحشة وهولاً ... فخرجت المرأة من الخيمة وجلست على مقربة منها تتأمل وتفكر. وكانت في الثلاثين ولكنها لا تزال كالعهد بها، فاتنة الطلعة، لدنة العود، بارعة الجمال. كانت تنظر إلى تلك الخيام وقد انتثرت على السفوح والصخور، وتمد البصر إلى جيش أعدائها المسلمين وقد احتل القلعات العالية ليحمي أسوار المدينة ويدرأ عنها، وتفكر في هذه الحياة المروعة التي تحياها، فتمتلئ نفسها حسرة على حياتها الوادعة في ماضيات لياليها، يوم كانت في قريتها المتوارية في حجر صخرة من صخور «الألب» لا تعرف إلا هذا العالم الصغير الذي يحده شرقاً منعطف الوادي، ويحده من الغرب المضيق الصخري الضيق، ومن الشمال والجنوب غابة الصنوبر الفاتنة وهي تحتضن القرية وتنبسط على السفح الجميل، وذلك السور الصخري يطيف بذلك كله ويعانقه ويدفع عنه الأذى. لقد كانت ترى مَن يوغل في الوادي ويحتجب عن القرية في ملتفاته ومنعطفاته بطلاً من الأبطال. أما هذه الجلاميد وهذه الذرى المشرفة على القرية، فلم تفكر يوماً من الأيام في البحث عما وراءها، ولم ترتَقِ بفكرها إلى أعاليها لتفكر ماذا فيها ...
стр. 106
فكيف طوحت بها الأقدار فألقت بها في هذا العالم النائي الغريب الذي لم تكن تدري به أو تعلم له وجوداً؟ وكيف كتبت عليها أن تفقد زوجها الحبيب، وأن تعيش وسط الذعر والموت؟
واشتد بها الضيق، وزاد بها الحنين إلى ماضيها الهانئ، وصوّر لها الوهم القرية فرأتها أمامها، وشاهدت الغابة التي يقطعها فتيان القرية وفتياتها كل صباح ومساء ليبلغوا العين فيزدحموا عليها ليرتووا من مائها العذب النمير، ويُذهبوا ظمأ أجسامهم إلى الشراب، وليرتووا من «العيون» الأخرى فيطفئوا ظمأ نفوسهم إلى الحب ... فذكرت كيف عرفت فتاها الحبيب، وقد رأته أول مرة على باب داره تلقاء الغابة، فأحست كأن عينيه قد اخترقتا شغاف قلبها. ورأته بعد ذلك في الغابة ولكنها لم تجرؤ على أن تكاشفه بحبها ... وهل تجرؤ على مثل ذلك فتاة؟ حتى كان ذلك اليوم السعيد الذي يمر في موكب حياتها بهياً مشرقاً (على حين تمر أيامها الأخرى شاحبات غائمات)، فجلست معه تحت تلك الشجرة المنعزلة أحلى مجلس في حياتها، المجلس الذي أعلن فيه مولد الحب بقبلة مسكرة لا تزال تحس طعمها في فيها وأثرها على شفتيها.
لقد كانت سعيدة في هذه القرية، تعيش في جنة الغرام، لا تعرف إلا قلبها وربها، فهي تصبح فتمشي إلى كنيسة ربها (لأنها لم تعرف لله بيتاً خيراً منها)، فتتوجه إلى الله بالصلاة التي حفظتها ... وتمشي فتطوف في الغابة، يدها في يد الزوج الحبيب، حتى تبلغ كنيسة حبها تحت الشجرة المقدسة، فتؤدي فيها صلاة الحب على دين الغرام، قبلة فيها (كما قال ابن أبي ربيعة) خمر وعسل!
стр. 107
وكانت القرية كلها في أمن ودعة حتى نزل بها ذلك الرجل، فنزل بها البلاء وهبطت المصائب، وتعكرت حياتها الصافية كأنما هي بركة ساكنة سقطت عليها صخرة من الجبل. كانت القرية في ذلك الصباح مستلقية في فراش أمنها ترشف بقية أحلام الليل، لتنهض مع الشمس فتعمل على تحقيقها، وكانت الغابة تصلي وقد شمرت أشجار الصنوبر للعبادة عن سوقها، ووقفت بين يدي باريها صفوفاً، وقامت الطير تتلو صلواتها على منابر الأغصان، ووقف الورد والزنبق في الحدائق خاشعاً مصغياً، وسبّحت السواقي فكان لتسبيحها وسوسة دائمة جميلة، وأصاخ الجبلان وصمت الوادي ... فلم يُفسِد هذه الصلاة الخاشعة في معبد الطبيعة إلا صرخة تدوي بين الجبلين يحملها صوت مبحوح، كأنه صوت جريح ينضح صراخه بدمه فيُسمع الصوت أحمر قانياً يقطر دماً. وتوالت الصيحات الحمر وازدادت شدة وهولاً، فحملت الذعر إلى بيوت القرية وأرباضها وأوكارها، وأبدلتها بصباحها الباسم صباحاً كالح الوجه مربدّاً قبيحاً. وذهب القوم يستقرون الصوت ويقصّونه، فرأوا قساً من القسوس مكشوف الرأس، منفوش الشعر، قد لبس المسوح وطفق يلقي عليهم - باللاتينية تارة وبالفرنسية تارة أخرى - ما يفهمون وما لا يفهمون. وكان يتكلم باكياً نادباً ناتفاً لحيته، منذراً بفناء النصرانية وضياع الدين، ويدعو إلى إنقاذ «القبر المقدس» من أيدي «الكفرة المسلمين ...». فذهب الهياج بالعقول، وأطار الأفئدة، وألغت الحماسة المنطق، ونسي الناس كل شيء إلا هذه النار التي قد سرت في العروق، ومشت إلى الدماغ فألهبته، فنهضوا يتبعون الراهب إلى حيث لا يعلمون، إلى إنقاذ «قبر المسيح» من أيدي «الكفرة» الذي أهانوه وحقّروه.
стр. 108
وصدقت هيلانة وزوجها ما قالوا لهما من أن المسلمين أكَلة لحم البشر، وأنهم ذئاب الإنسانية، وأنهم عَدَوا على المسيح ... ونهضا يدفعهما الإيمان الذي عبث به العابثون واستغلوه وأوقعوا في أبناء آدم هذه المذبحة المروعة، فأخذا الطفل الوليد وسارا مع الجموع، نحو بيت المقدس.
وعاودتها ذكرى زوجها الحبيب فانفجرت باكية، فأيقظ صوتُها صاحبتَها فخرجت تراها.
- مالك يا هيلين؟ لماذا تبكين؟ لِمَ لَمْ تنامي؟
فلم تجب واستمرت تبكي، فعادت ترفه عنها وتواسيها: ماذا عراك يا هيلانة؟ أجيبي، كلميني، لا تقتلي نفسك بسكوتك.
- لويس!
وخرج اسمه زفرة متصعدة من أعماق القلب، غارقة بالدمع، وعادت تبكي.
- اصبري يا أختاه؛ إنه في السماء. ثم إن عندك لويس الصغير، ألا تسمعين كيف يبكي؟ إنه ابنه يا هيلين، ابن الحبيب، فعيشي من أجله. أريه ألوان السرور والمرح تسعد بذلك روح لويس. هاكِ الطفل يا هيلانة، ألا ترين أن بكاءك يؤلمه؟
فأخذت هيلانة الطفل، تضمه إلى صدرها وهي مغمضة العينين، وتقبله في عنقه الدافئ، وتمرغ وجهها في صدره، ثم
стр. 109
تضع خدها على خده وهي تهمس باسم لويس، كأنما تذكر به مولد الحب وقبلاته الأولى.
* * *
وهجعت هيلانة وصاحبتها، وانطفأ هذا النور الكليل الذي كان ينبعث من الخيمة، ومرت من الليل ساعات.
وكان معسكر المسلمين صامتاً مظلماً لا يُرى في خلاله إلا النور الذي يسطع من خيمة السلطان، وكان الجند نائمين يستريحون من عناء النهار الماضي الذي خاضوا فيه حرباً من أشد ما عرفوا من الحروب، وبذلوا جهد الجن حتى استطاعوا أن يشقّوا الطريق إلى عكا المحصورة. وكان المدد يتتالى على جيش العدو من البحر، وكاد يجزع المسلمون عندما رأوا الإمداد، ولكن منظر السلطان ثبّتهم، فقد كان ينظر إلى المراكب تحمل الصليبيين إلى البر فلا يثنيه مرآها ولا يُدخل الروع إلى قلبه، بل كان يراها مستبشراً متفائلاً مؤمناً بنصر الله. ولقد خبّر القاضي ابن شداد (رفيق السلطان) الجندَ وقص عليهم أن السلطان عد بنفسه من العصر إلى الليل سبعين مركباً نزلت إلى البر تنقل المدد والذخيرة، فما ضعف ولا اضطرب، ولا تغير اعتقاده بالله الذي يؤمن بأن النصر من عنده. وكان السلطان أشد القوم تعباً لأنه كان يباشر أمور الحرب بنفسه وينتقل خلال المعركة ويعرّض روحه للمهالك، ثم يبيت الليل ساهراً يدبر أمور المسلمين، لا يبالي راحته ولا صحته في سبيل إعلاء كلمة الله.
* * *
стр. 110
في تلك الساعة كانت تلمح رجلين يتقدمان في الظلام يريدان معسكر المسلمين، وهما يخطوان بحذر ويقفزان على الصخور بخفة ونشاط، وقد حمل أحدهما هَنَة صغيرة ملفوفة بخرقة بيضاء قد ضمها إلى صدره برفق، أحاط بها يسراه وأمسك بيمناه السيف مسلولاً خشية أن يفجأه كمين أو يعرض له عدو في هذه الظلمة الحالكة. وكانا صامتين، فلما جاوزا «اليزك» (١) ودخلا معسكر المسلمين وأمِنَا وضعا السيوف على الأرض وجلسا يستريحان، وقد أبقى الأول حمله على ذراعه وأحاطه بطرف ثوبه مبالغة منه في العناية به، وقال لرفيقه: ماذا ترى السلطان قائلاً لنا؟ أتراه راضياً عن عملنا وهو الذي أوصانا ألا نعرض للنساء والأطفال، وألا نمس الأعزل بسوء، وأن ندع القسوس، ولم يسمح لنا إلا بسرقة المحاربين والجند؟ أفلا يكره ما أتينا هذه الليلة ويكون غضبه علينا أضعاف رضاه عنا يوم سرقنا ذلك القائد من فراشه؟
فأطرق الثاني كأنما كان يفكر في غضب السلطان ويبحث عن سبيل الخلاص من هذه الوهدة التي سقطا فيها، ثم رفع رأسه فجأة وقد أشرق وجهه بنور الأمل وقال له: لماذا يغضب؟ أليس الله قد أباح لنا أن نرد العدوان بمثله؟ أمَا بدؤونا هم بمثل هذا أول مرة، وروعوا نساءنا، وسرقوا أطفالنا؟ فلما صبرنا عنهم وترفعنا عن مقابلتهم بمثل فعلهم ظنوا ذلك عجزاً منا فأوغلوا في عدوانهم الآثم الدنيء. أفندعهم يفعلون ما يريدون ولا نمد إليهم يداً؟