الفلوات القريبة، تقيم العواصم والمخافر ثم تعود لتفسح المجال لفرقة أخرى، فتجاوزت حدها وأمعنت في الضرب إلى الجنوب حتى دخلت أرض ابن الزبير، والتقت بهذه الفرقة الحجازية التي كسرتها وردتها على أعقابها ولحقتها لتقضي عليها.
وهز هذا الحديث القصير رجال القافلة، فاصطفوا للقاء الفرقة الحجازية التي دنا غبارها، وتلفتوا يفتشون عن الرجل الذي يقودهم إلى المعركة ويشق لهم طريق الظفر ويُلزمهم طاعته إلزاماً، ولن يكون هذا الإلزام إلا بقوة الشخصية وبلاغة اللسان وكبر النفس، وكانت ساعة انتظار وتردد توجهت فيها الأنظار إلى كثير من السادة فخيبوا رجاء الناس فيهم، وأوشكت الفرقة الحجازية أن تصل وهم على جمودهم وانتظارهم. عند ذلك تقدم كليب الذي كان يغالب نفسه ويقسرها على السكون ويمسك بركان حماسته أن ينفجر؛ تقدم حين عجز عن ضبط نفسه، ففتح له طريقاً وسط الفرسان وقد رأى أمانيّه أدنى إليه من أنفه، ومضى فيه مضي السهم حتى صار في رأس القوم، وهم يعجبون منه، وينتظرون أن يقودهم كل رجل في القافلة إلا هذا الشاب الذي أمضى طريقه كله صامتاً حالماً، لم يتحدث بحديث ولم ينطق بكلمة، والذي يظنونه عيياً لا يبين ولا يعرب عن نفسه. ولكن عجبهم لم يطل، فإن الفتى انطلق يخطب فيهم خطبة صارخة مجلجلة تلتهب كلماتها التهاباً، وتحرك جملها الجلاميد الصُّم، وتدع الجبان المخلوع القلب وهو البطل الحُلاحِل (١). وكان صوته القوي يمشي إلى حبات القلوب
стр. 177
فتصيبها منه رجفة كما يرتجف الرجل يمسك بسلكة الكهرباء، وكانت إشارة يده وسمات وجهه تنطق بمعانيه قبل أن ينطق بها لسانه، فتحرك الناس وتقودهم حتى كأنهم معلقون بأصبعه.
ولم ينته المعلم الشاب من خطابه حتى كان القوم قد خلعوا نفوسهم التي أضناها طول السفر، وأرمضها حر الصحراء، وأضعفها التردد والإحجام، ولبسوا نفوساً جديدة ماضية لا تعرف التردد، قوية لا تعرف التعب، مؤمنة بالظفر لا شك عندها فيه.
ولم ينته من خطابه حتى كان الجند الحجازيون قد وصلوا؛ فأطلق من فيه صرخة الحرب، وأغار كالقضاء النازل، ينشد أنشودة الموت والجند ومسلّحة القافلة من ورائه تردد النشيد فتميد له البيد. فلم تكن إلا جولة واحدة حتى آثر الحجازيون السلامة، ففروا لا يلوون على شيء. واستراحت القافلة حيناً ثم أخذت طريقها إلى دمشق يقدمها كليب «المعلم البطل».
* * *
كانت دمشق في زلزال شديد، وكان أهلها في هيجان واضطراب، ينتظرون المعركة الفاصلة بينهم وبين ابن الزبير، لينجو العالم الإسلامي من هذا الانقسام الذي ينكره الإسلام ويأباه أشد الإباء، ليعود إلى الوحدة التي جعلها أساس الحياة الدنيوية للمسلمين، كما جعل التوحيد أساس الدين.
ولكن أهل دمشق فزعون مشفقون على الخلافة الأموية أن تنهار وتتحطم، وهم بُناتها وحُماتها، يرقبون الأحداث ويتسقطون
стр. 178
الأخبار، ويعدون نفوسهم للتضحية الكبرى في سبيل المبدأ القويم والغاية السامية، كدأب المسلمين في كل عصر وآن.
وكان «قصر الخضراء»، مثوى الخلافة وسرة الأرض، في حركة دائمة؛ فمن مجلس يُجمع للشورى، إلى ألوية تُعقد للدفاع. وكذلك كان قصر «مستشار الدولة»، رَوح بن زنباع، الذي أمّه كليب المعلم الشاب صبيحة وصوله إلى دمشق، يقوده إليه زعيم الجند الذين أنقذهم كليب وأعانهم على عدوهم، ليلقى عند روح جزاءه.
وكان قصر روح قائماً في ظل المسجد دانياً من باب الفراديس، يجري من تحته بردى متوارياً في حِمى القصر ثم يظهر كرة أخرى، يتحدر ويهدر هديراً سائغاً عذباً وسط جنة دانية القطوف متشابكة الأفنان، قد اتخذ فيها مجلساً يقوم على سيقان من خشب الجوز المنقوش، منغمسة في بردى تغسلها أمواهه دائماً وتداعبها أمواجه الصغيرة، فتقرصها ثم ترتد عنها ضاحكة مقهقهة، وسماء هذا المجلس أغصان الأشجار قد تعاطفت وتعانقت يزينها الياسمين بزهره الناعم العطر، وحول هذا المجلس إطار من الورد والنسرين والنرجس والبنفسج، فهو جنة تنعم فيها العين بهذه الأزاهير المؤتلفة الألوان المختلفة الأشكال، تتمايل وتتهادى حين يسمها هذا النسيم الرخي، فيفوح من أعطافها هذا الشذا الطيب الذي ينعم الأنف برياه، كنعيم الأذن بهذه (الأوركسترا) الإلهية التي تعزف ألحان الفطرة الجميلة الساحرة على حناجر البلابل والشحارير، وبردى فوق هذا كله يغني لحنه
стр. 179
السرمدي، وتنعكس على صفحته المتموجة ألوان الزهر فيكون منها لوحة فنية تزري بألوان الغروب في لجة البحر.
والقصر طبقتان من الرخام الأبيض والأسود والمجزع، له رواق على بابه قائم على أساطين من المرمر، قد استفرغ صنعُها وتزيينها عبقريةَ البنّائين والمهندسين فبدت آية معجزة في لغة البناء، تحس لدقتها وإحكامها كأنما هي حية ناطقة نشوى بخمرة هذا الأريج العطر الذي يفوح من أشجار البرتقال والليمون، المكللة بالأزاهير، التي تنافس بعطرها الورد والياسمين، وأشجار المشمش التي تظهر بزهرها الأبيض الشفاف كأنما هي في حلة من الثلج الحي المعطر، وأشجار الدراق التي تبدو بزهرها الأحمر كأنما هي محب ورّد وجنتيه الخجل، وأشجار الحور سكرى تميس بثوبها الجديد الذي خلعته عليها أيدي الربيع ... يتوّج هذا كله منارةُ المسجد الشاهقة في السماء، تنشر في الدنيا كلها العطر السماوي الخالد، وتريق عليها السمو والجلال، فتطهر الأرض من الشرك والرذائل وتطهر النفوس من المطامع والشهوات، وتهبُ على الوجود نسمة من نسمات الجنة حين يخرج منها النداء: «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله».
كانت دمشق (وما تزال، وستبقى دمشق) جنة الأرض، ودرّة تاجها، وواسطة عقدها؛ ليس في الأرض أجمل منها ولا أحفل بكل محبوب ساحر أخاذ مما يُشَم أو يُرى أو يُسمَع ... وكان قصر روح من أجمل ما في دمشق، وكان فوق الجمال جليلاً فخوراً بساكنيه، يملؤه الحجّاب والجُند وذوو الحاجات، فلا ينصرفون إلا وافرين غانمين شاكرين.
стр. 180
كان محط الجمال والجلال، ولكن كليباً (المعلم البطل) لم يحفل شيئاً من هذا ولم ينظر إليه، لأن من عادته ألا ينظر إلا أمامه، لا يلتفت يَمنة ولا يَسرة لئلا يشغله عن غايته شاغل أو يعوقه معوق. وكانت آماله هي غايته، فمضى إليها قدماً لا يبصر إلا ظهر الجندي الذي سبقه ليدله على الطريق في هذا العالم الصغير، حتى دخل على المستشار.
* * *
ندع كليباً في حضرة رَوح بن زنباع مستشار الدولة، ونقفز قفزة واحدة إلى واسط مدينة الحجاج؛ نقطع في هذه القفزة سنوات طوالاً مليئة بالأحداث الجسام، من قتل مصعب وعبد الله ابنَي الزبير، إلى عودة الوحدة الإسلامية على يد عبد الملك والحجاج ... فنرى في شوارع واسط الفسيحة شيخاً أعرابياً حافياً يلتفت تلفّت المشدوه الذي لم يُبصر في عمره مدينة كبيرة، يتوسم في وجوه الناس بفضول ظاهر فيفرون منه، حتى زال النهار وكلّت رجلاه من المسير، فجلس في ظل دار من هذه الدور الجديدة كئيباً حزيناً.
- ما لك يا عم؟
- ... ...
- ما لك؟ أخبرني، ما شأنك؟
فيرفع الأعرابي رأسه ويحدّق في وجه الرجل، حتى يطمئن
стр. 181
إليه ولا يرى فيه ما يريبه، فيقول له: أريد أن تدلني على رجل يدعى كُلَيب بن يوسف الثقفي، من الطائف.
فيضطرب الرجل ويسأله: أتدري - ويحك - ما تقول؟ ابن يوسف الثقفي؟ أخو الحجاج؟
فلا يسمع الأعرابي هذه الكلمة حتى يسرى عنه وينطلق ضاحكاً بملء فيه، ويقول: بل هو والله الحجاج. كنا نسميه كليباً، قاتله الله ما أشد عقوقه! ألا تخبرني أين هو هذا الخبيث؟
- قبحك الله من أعرابي جاهل. أبهذا تصف الأمير؟
ويلتفت إلى كل جهة وقلبه يكاد ينخلع من الرعب، يخشى أن يسمع حديثهما أحد. ثم يقول للأعرابي هامساً: اخفض صوتك ... سألتك بالله!
- ولِمَ ويحك؟
- ألا تعرف من هو الحجاج؟ ألست من سكان هذه الأرض؟
فيعود الأعرابي إلى الضحك وقد راقه ما يسمع، ويقول له: بل أنا من سكان السماء، هبطت الساعة من أعالي جبال الطائف. أما الحجاج فأنا أعرف الناس به: معلم صبيان أحمق!
- ويلك يا أعرابي! هو - والله - أمير العراقين، وقاتل ابن الزبير، وسيف الخلافة الأموية ومثبّت أركانها.
стр. 182
- إنك تهزل!
- وهل في هذا هزل؟ سل - ويلك - مَن شئت.
- كليب أمير العراقين؟ يا ضيعة شيبتك يا عقيل! ويلك يا هذا، دلني عليه، دلني عليه ...
* * *
- ... ...
- ... ...
- ادنُ يا عقيل.
- أوَقد عرفتني؟
- وهل ينكر الحجاج أصدقاء كُليب؟ كيف تركت صبياننا؟
- ما أنت والصبيان؟ أنت أمير العراقين. ولكن خبرني ويحك يا كليب: كيف بلغت هذا كله؟
- بلغته لأني «أردت» أن أبلغه.
ولم يدرك عقيل ما شأن الإرادة هنا، فانطلق يضحك يحسبها نكتة، ثم سكت فجأة وقال: ولكنه شيء عظيم والله يا كليب، أين هذا من دارك في الطائف؟
- واشواقاه إلى داري في الطائف، وإلى أيامي مع الصبيان!
стр. 183
لقد خلّفت فيها ربيع حياتي يا عقيل، لقد خلّفت فيها ربيع حياتي ... والآن، يا مرحباً، يا مرحباً برفيق الشباب (١).
* * *
стр. 184
ليلة الوداع
ولّى نهار الإثنين ١٦ جمادى الأولى سنة ٧٣ للهجرة وخلّف مكة وهي ثكلى ملتاعة، محطمة القلب مخلّعة الأضلاع، قد غرقت في دماء أبنائها الذين ضربتهم يد الدهر ففرقت جمعهم وشتت شملهم، فراحوا ... فريق مصرّعون على أرض الحرم، وفريق تحت رايات أمية. قد أرمضتهم هذه الحرب الطويلة التي حملوا عناءها وقاسوا لاواءَها سبعة أشهر لم تدع لهم أخضر ولا يابساً، فتسللوا من مكة لِواذاً، ثم تسلقوا هذه الجلاميد التي انتشرت عليها جيوش أمية الغازية فاستسلموا إليها وأخذوا منها لأنفسهم أماناً، ثم كانوا عوناً لها وجنداً فيها. وفريق أقاموا على الولاء لابن الزبير، يذكرون من مات من أهليهم فيَغُصّون بالماء حزناً وألماً، ويذكرون من فرّ من إخوانهم فيوارون وجوههم حياءً وخجلاً، ثم إنهم ينتظرون الموت بين كل لحظة وأختها، ويعيشون خائفين في مقام إبراهيم (ومن دخله كان آمناً!).
وألقى الليل غلائله السود على هذه المدينة التي عضتها الحرب بنابها، وأصابتها بأوصابها، فباتت تتنفس الصعداء من شدة يوم قاس عَبوس، تحالفت فيه طبيعة الجو وقسوة القلوب
стр. 185
على حرب هذا البلد الحرام، فلم يكن ينجو من حجارة المنجنيق إلا إلى شَرَى (١) الصواعق، فكأن الطبيعة قد شمرت عن ساقها للقتال، فهي ترمي المهاجمين والمدافعين والآمنين من صواعقها ورجومها بشَواظٍ من نار، تصيب به الدور والمنازل فتدعها قاعاً صفصفاً كأن لم تَغْنَ بالأمس. والحَجاج ما ينفك مجالداً مقارعاً، يقذف بأحجار منجنيقه وجنادله بيت الله فيهدم جدران بيت الله، ويرمي بيوت الناس فيُهلك من بقي فيها من أشياخ عجّز لا قبل لهم بالحرب وأهوالها، وأطفال برآء لا يدَ لهم في جرائرها وأوزارها، فيختلط عويلهم وصراخهم بهزيم الرعود وزئير الرياح، ثم تضيع هذه الموسيقى المروعة في جلبة الانهدام، ويخفي الغبار الثائر حول المنازل المهدودة هذا المشهد المرعب لحظة من زمان، ثم ينجلي فإذا التراب قد حوى كل شيء، وإذا المدينة العامرة المقدسة مقبرة من المقابر.
وامتد رواق الليل، وصفت السماء وأطل البدر، ونامت الحرب. وكانت الحرب يومئذ طفلة لم تستكمل شراستها، ولم تَنْمُ أنيابُها، ولم يستَطِرْ شرُّها (كما استطار اليوم فغدت لا تنام ولا تُنيم). وكان في نفوس المتحاربين شرف ووفاء، فاستراحوا وأراحوا، ونام هؤلاء الأبطال المدافعون نوم الأُسْد في آجامها، كما نام هذا الجيش الجرار الذي امتد زحفه حتى بلغ أبواب الحرم.
سكن الليل وعم شوارع مكة المقفرة الخالية (حيث كان جيش ابن الزبير يروح ويغدو بطبوله وراياته، فطوت كف الردى
стр. 186
راياته وطبوله) وهذه الأوعار (١) الصم التي انتشر عليها جيش الحجاج بكبريائه وعنفوانه. عمها كلها صمت عميق وهدوء شامل، فلا تسمع في ثناياه إلا صيحة حارس يتنقل شبحه خلال السواد، أو صرخة جريح معذَّب، ثم يعود السكون.
* * *
نامت العيون، واستسلم المتحاربون إلى سبات أعمى، وأراق القمر عذوبته وهدوءه على هذه الجبال فبدت جميلة فاتنة، فجفا فراشَه سيدُ الموقف وبطل الجيوش المظفرة وقائدها، وانسلّ في خفية كيلا يشعر حرسه وأعوانه، فجلس على باب الفسطاط يتأمل هذه السماء الصافية ويحدق في النجوم المتوقدة المتلألئة، فتفتح عليه باب الذكرى، فيَلِجُ منه إلى سالفات أيامه فيعيش فيها وينسم أريجها. وحملته هذه النجوم إلى ذكرى بعيدة، فأحس بأنها عزيزة عليه محببة إليه، فطفق يتأمل صورة تلك الليلة (٢) التي قضاها في الصحراء وحيداً فريداً قد هجر بلده وحياته ليقدم على بلد لا يعرفه وحياة لا عهد له بها، ويستعيد خواطره التي كانت تعتلج في نفسه، وذهب إلى أبعد من ذلك فذكر أيامه في تلك الأعالي الباذخة حين كان معلماً لصبيان الطائف، وأمانيه التي لم يكن يأنس إلا إليها، والتي يحاول أبداً أن يستشف خيالها من وراء
стр. 187
حجاب الغيب ... واستمرأ بقايا تلك اللذة التي أحس بها وهو خارج من دار «مستشار الدولة» روح بن زنباع، وقد قلده شارة الشرطة فكانت عنده أكبر من شارة الخلافة.
أين ذلك الشرطي من قائد الخميس العَرَمْرَم (١) الذي ترك جنات الشام الألفاف وسهوله الفِيح (٢)، وأبى أن يقطف ثمرة النصر وأزاهر المجد إلا من جلاميد مكة وصخورها، فأمّ بزحفه رؤوس الجبال، ثم هبط نحو مكة يستذري براية الظفر، حتى امتد بزحفه هذا (الذي كان يحسبه مجيداً) إلى أبواب الحرم؟
وألقى نظرة القائد الشاب (ابن السبع والعشرين) على الحرم فرأى الكعبة وقد أضاءها القمر بشعاعه الكابي، فبدت مهدمة مصدعة الجدران رهيبة، فراعه ذلك وأخافه، وعَرَاه ارتجاف شديد هزّ كيانه كله، فعاف ذكرياته وأعرض عن المجد والأماني، ولم يبق في فكره إلا صورة بيت الله المهدّم تظل ماثلة له بعد أن أغمض عينيه عنها، فيحس بأنها تثقل على قلبه حتى لتكاد تسحقه سحقاً، ويكبر هذا الذي أقدم عليه وتملأ نفسَه خشيةُ الله، فيندم ويشتد به الندم. ثم يذكر وعده الذي وعده الخليفة: أن يقضي على ابن الزبير
стр. 188
ويعيد إلى الدولة سلامتها ووحدتها، ويُشعره جلال هذه الغاية وسموّها استصغار ما أتى، ويذهب يلتمس لنفسه المعاذير.
أليست وحدة المسلمين وسلامة دولتهم دعامة حياتهم ورأس دينهم الذي قام على توحيد الخالق ووحدة المؤمنين؟ أليس ضمان هذه الوحدة من واجبات الخليفة؟
وما ذنبه هو إذا أمره عبد الملك بضرب الكعبة لتحقيق الوحدة، وما هو إلا جندي في طاعة عبد الملك؟ بل ما ذنب عبد الملك وهو أمير المؤمنين المسؤول عن مصالح المسلمين وسلامة دولتهم؟ أيَدَعُ المملكة شطرين يعبث فيها المفسدون ويهلكها الخُلف؟ وأي جسم يعيش إذا انقسم جسمين وغدا قطعتين؟
أوَليس على عبد الملك أن ينقذ المسلمين من هذا الخلاف ولو دفع ثمنه حياة ابن الزبير وسلامة حصونه وقلاعه؟ فما ذنب عبد الملك إذا اتخذ ابن الزبير بيت الله حصناً له واحتمى به واستغلّ حرمته؟ أمن حق البيت الحرام على عبد الملك أن يدعه آمناً في ظله، يدّعي ملكاً وينشر راية ويتخذ جيشاً، فيلتقي في مشعر الحج مَلِكان مسلمان ورايتان وجيشان؟ ويأبى الله والإسلام إلا راية واحدة، لجيش واحد، يسيرّه خليفة واحد. أوَلم يكن أخلق بابن الزبير لو جنّب بيت الله أوحال الدنيا وأوضار المطامع، وخرج بجيشه إلى الحِل؟
وانطلق القائد الشاب يفكر في ابن الزبير وعبد الملك، ويعود به الفكر إلى رحلته الأولى يوم صافح سمعه للمرة الأولى اسم ابن الزبير، فإذا هو اسم ضخم مجلجل، وإذا هو ينطوي على السيادة
стр. 189
والظفر والملك الواسع الذي يظلل ثلاثة أرباع البلاد الإسلامية، وإذا اسم عبد الملك ضاوٍ هزيل، فما زال هذا يضخم ويعظم، وما فتئ ذاك يهزُل ويَضْؤُل، حتى انتزع عبد الملك الذي كان قابعاً في زاوية قصره في الشام ينتظر أن يغلبه عليه ابن الزبير، انتزع العراقين والحجاز، ونازل عبد الله في قرارة داره ودارة ملكه. أليس هذا دليلاً قاطعاً على أن ابن مروان أحق بالخلافة من ابن الزبير وأقدر عليها وأولى بها؟
وأفلتت منه نظرة فوقعت على الكعبة، فأعادت صورتها الرهبة إلى صدره وأحس بوجل شديد، فذكر تهيبه الإقبال عليها، إذ كانت مثابة الأمن ودار السلام منذ الزمان الذي يضيع أوله في طفولة البشرية، وذكر كيف فزع جنده وأحجموا فشد من عزائمهم وهوّن الأمر عليهم، وكيف عبست السماء وبسرت - حين شرعوا بتسديد الرماية إلى صدر الكعبة - وألقت برجومها وصواعقها، فقتلت منهم مقتلة، فارتدوا وامتنعوا وظنوا أن الله مهلكهم كما أهلك الأمم من قبلهم، فانصدعت قلوبهم وطارت نفوسهم شعاعاً، فقام فيهم يطمئنهم ويهدّيهم: "أنا ابن تهامة، وهذه صواعقها" (١)، فلا تخافوا ولا تراعوا. سنة الله التي لا تبديل لها وقوانينه في كونه لا تغيرها أمور البشر ولا تبدلها حوادث الأرض، وما قيمة جند الشام حتى يدع الفلك من أجلهم سيره وتخرج الطبيعة عن سننها وتخالف طريقها؟
وانطلق يحدثهم حديث رسول الله ومعلم العالم، حين
стр. 190
استأثر الله بابنه إبراهيم فكسفت الشمس، فظنوا أنها كُسفت لموته، فنبأهم أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تكسفان لموت أحد ولا لحياته. فاطمأن الجند، وعادوا إلى تسديد الرماية وضرب الكعبة، فعادت السماء إلى زمجرتها وزئيرها، وانقضّت صواعقها، ولكنها أصابت من جند ابن الزبير مثل الذي أصابت من عسكر الشام، فأمن الجند وأقبلوا يوالون قذف الحجارة.
إنه لم يضرب الكعبة على أنها بيت الله، ولكن ضربها على أنها قلعة من قلاع ابن الزبير، ولم يقدم مكة فاتحاً، ولكن قدمها حاجاً مُحرماً، وحج بالناس ولكنه لم يطف. ولم يكن له إلا الوحدة الإسلامية غاية، فهو يعلم أن المسلمين كرجل واحد، فأي رجل هذا الذي له رأسان؟ ولقد نهاه فقيه العصر وإمامه، عبد الله بن عمر، أن يضرب الكعبة فيؤذي الطائفين بها ويعطل مناسك الحج، وشدد عليه في النهي، فأطاع وامتنع وترك الناس وحجهم، حتى إذا استكملوا مناسكهم وفرغوا من عبادتهم نادى فيهم بالرحيل إلى بلدانهم وعاد يحارب ابن الزبير.
وسكن الحجاج إلى هذه النتيجة التي انتهى إليها واقتنع بأنه لم يأتِ منكراً (١)، فعاد يتأمل هذه النجوم الصافية وهو عازم على بناء الكعبة وسد هذا الخرق الذي خرقه وإصلاح ما أفسدته الحرب. وراح يحدق في القمم الشاهقة التي تلوح له عن بعد ذائبة أعاليها في الشعاع الفاتن الذي يسيل من صفحة القمر، فذكّرته
стр. 191
- كرةً أخرى - بيتَه ومدرسته وقريته الصغيرة فأحس كأن قلبه ينازعه إلى أيامه اللاتي سلخهن فيها.
سلاماً أيتها الأرض الضائعة في طريق السماء ... لقد وفيت لك بنذري، فقدت إليك المجد ووهبت لاسمك الظفر، وخرجت منك معلم صبيان ولكني عدت إليك قائد الجيش العرمرم، فثبّتُّ اسمك على صفحات البطولة، فلا يذكر التاريخ عودة الوحدة الإسلامية إلا ذكر معها الطائف!
ثم استغرق في تأمل عميق.
* * *
في تلك الساعة كانت تهدف في طرقات مكة الخالية عجوز طويلة، لا تبالي هذا الظلام الثقيل الذي يحف بها لأن عينيها المنطفئتين قد ألفتا هذا الظلام منذ أمد طويل. وكانت تؤم منزلاً من هذه المنازل المقفرة، فتمضي إليه قُدُماً كأنما هي قد ألفت طريقه وحفظته بذاكرة قدميها لكثرة ما تتردد عليه في الصباح والمساء، فهي تتخطى هذه الأنقاض وتدور حول الجدر، لم تقف حتى غيبتها مداخل المنزل المهجور، فقبعت في زاوية من زواياه جامدة لا تتحرك ولا تهمس، كأنما هي بعض أثاثه القديم الهَرِم، الذي تركه أصحابه زهداً فيه. وجعلت تجيل عينيها الهامدتين في أرجاء عالم مجهول، فيبدو لها مترعاً بالألوان الفتانة زاخراً بالصور البارعة، فلا تملّ التحديق فيه والتجوال في أرجائه، تفتش عن هذه الفتاة التي عرفتها في سالفات أيامها، فلا تلبث أن تجتلي
стр. 192
خيالها فتطمئن إليه وتجد فيه صبابة نفسها وبُلغة أمانيها، وترى هذه الفتاة وقد أهديت إلى بعلها الذي خلا كيسه من المال، ولكن نفسه فاضت بالحب، فشاركته حبه وفقره، وأقامت من نفسها أنيساً لنفسه وخادماً لبيته وسائساً لفرسه، تلتقط لها النوى ثم تدقه وهي سعيدة هانئة، تعيش لبيتها وزوجها الذي تنهل السعادة من نظراته وكلماته، وتقبس الهناءة من حبه وإخلاصه. فاستراح قلبها إلى هذا الخيال الذي ترى، وشعرت كأن دم الشباب قد عاد يجري في عروقها بحراراته وتوثبه وفورانه، وأحست بالنور قد عاد يضيء في عينيها، فاستقرت على شفتيها بسمة عريضة طغت صورتها على جبينها المجعد فأومض فيه بريق من السعادة خاطف، ورجع إلى وجنتيها ظل من حمرة الشباب الآفل، حتى لو أن إنساناً رآها في تلك الساعة لما رأى عجوزاً شمطاء عمياء، ولكن فتاة في السابعة عشرة!
ونفضت عنها العجوز غبار السنين المئة، وانطلقت تعيش في بقايا ليلة من ليالي زواجها الحافلة بالغرام والنبل والسعادة، فتصغي إلى أغاني الحب تنبعث همساً من فم ذلك الزوج المعمود (١)، وتذوق بين ثناياها حلاوة قبلاته وتسمع بأذنيها وسوستها الناعمة. وتبالغ في التخيل، فتمد يديها تعانقه، وتخفي وجهها في صدره العريض، وتلقي برأسها على قلبه الكبير الخافق الذي يصفق أبداً للحب والمجد والإيمان ... ولكن برودة الحجر الذي ألقت عليه
стр. 193
رأسها أطفأت جذوة أحلامها وردتها إلى حاضرها، فإذا هو ينشر أكفان الموت على مسراتها ومباهج حياتها الماضية، فتنسى كيف استقادت إليها السعادة كاملة على يد هذا الزوج الذي تبعته الدنيا حين تبع دين محمد ﷺ ، فغدا يحمل على ألف فرس (١) في سبيل الله بعد أن كان ماله كله فرساً تعلفها زوجه النوى.
وتغيب صور هذا الماضي في الليل السرمدي الذي غمر حياتها وأترعها بالآلام والأوجاع، فتمنت لو أنها ماتت وهي بنت الخليفة العبقري، الذي صحب رسول الله ﷺ وخلفه في أمته ووقف وحده حين كانت الردة في وجه الناس كلهم، ثم ظفر بهم وساق المرتدين عن دين محمد ليقاتلوا في الشام والعراق تحت راية محمد ... أو لو ماتت وهي زوج البطل الذي ملأ حياته بطولة وشرفاً ومجداً ثم ذهب فمات في ساحة الشرف والبطولة والمجد، أو لو ماتت وهي أم الخليفة الذي عنت له الحجاز والجزيرة والعراق وخراسان وكاد يدخل دمشق مظفراً منصوراً، ثم ضاع منه كل شيء حتى كادت أمية تدخل عليه مكة مظفرة منصورة.
واستيأست من طلوع الفجر الذي يزيح ظلمة هذا الليل، فانطلقت تناجي الموت وتدعوه بأحب الأسماء وأجملها، وأذكَرَها الموت أحبتَها الذين طواهم في أحشائه، فاشتهت قرب الأحبة. وكان من أقوى رغباتها في هذه الليلة أن تقف على قبر أبيها الذي يجاور أشرف بقعة في ملكوت الله الواسع، في الغرفة الصغيرة التي بنيت من الحجر والطين وسعف النخل في العشايا الأولى لاستقرار
стр. 194
الإسلام في يثرب، فكانت مقر أختها الصغيرة، أحب زوجات الرسول إليه وأفضل أمهات المؤمنين وعالمة النساء ومعلمة الرجال. ثم كانت مهبط الوحي وصلة الأرض بالسماء، ثم كانت دار الحكومة، فيها نظمت خطط الحروب وأعدت قوانين المجتمع وعقدت مجالس الشورى، ومنها خرجت الكتب إلى شيرويه ملك الفرس كسرى شاهنشاه وهراقليوس قاهر كسرى وسيد الدنيا في عصره (ثم خرجت الجيوش لتمحو ملك شاهنشاه وتخلف سيد الدنيا في أرضه وتعود بأسلابه). وفيها عاش النبي ﷺ حياته، حتى إذا مات دفن فيها، ثم أغلق بابها، لا إلى سنة ولا إلى عشر ولكن إلى ... يوم القيامة.
وكان من أمتع أمانيها هذه الليلة أن تقف على قبر زوجها الماثل في آخر البادية، في الزاوية التي تلتقي فيها بادية العرب بسواد العراق (١) ببساتين العجم ... بالبحر! فتجدد بزيارته عهد الماضي.
* * *
وكانت تتناهى إليها بين كل آونة وأخرى صرخة من صرخات الحراس أو أنّة من أنّات الجرحى، فتردها إلى وعيها، فتتأمل هذه الشعاعة الواحدة التي بقيت لها من شمس حياتها الآفلة، ابنها عبد الله، الذي تجد فيه عبق غرامها بزوجها، وعطر الأمجاد
стр. 195
التي عاشت فيها والمعارك النبيلة التي شهدتها، وتذكر فيه تاريخاً طويلاً تلتقي حوادثه الكبيرة في هذا التاريخ الصغير الذي تحفظه لابنها، وتنقلها الذكرى إلى هذا التاريخ ... فإذا هي في دنيا قريش، وقريش في حيرة وقلق وقد خابت وفشلت في رد هذا السيل الآتي بأكفها الضعيفة، ورأت الإسلام ينتشر ويمتد ولا يثبت شيء أمامه، فائتمرت بالنبي تقتله، ولكنها لم تجده في بيته، ولا تعلم أين هو. لا يعلم أين هو إلا رجل في مكة وامرأة. أما الرجل فعليّ، وأما المرأة فأسماء ... يا لروعة هذه الذكريات!
لقد كانت في بيتها تعد اللحم لتحمله إلى رسول الله ﷺ (فإن رسول الله يعجبه اللحم)، وإذا بالملأ من قريش يدخلون عليها وهم يرعدون ويبرقون، يزهون بكبريائهم الفارغة وعنفوانهم المزيف وثيابهم الزاهية، فقال لها أبو جهل بلهجة حاول أن يجعلها فخمة نبيلة، ولكنها جاءت أقرب إلى التصنع والإضحاك: أين أبوك؟
- وما يدريني أين أبي؟ لا أعلم.
فلم يترفع هذا السيد الذي عجز عن ردّ محمد عن أن يرفع يده على امرأة! لقد لطمها لطمة أطارت قرطها ... ومدت العجوز يدها تتلمس أذنها على غير شعور منها، ومست بيدها بطنها، فقد كانت يومئذ حاملاً ... يا لبطولة هذا السيد القرشي الذي يضرب امرأة حاملاً!
ثم استدار المشهد، فإذا هي قد انطلقت من دنيا قريش الضيقة المحصورة إلى دنيا محمد الواسعة الفسيحة. لقد هاجرت تقطع الصحارى والقفار حتى أشرفت على نخيل المدينة، فوقفت
стр. 196
على هذه الجنان الطاهرة التي أُسس فيها أول مسجد بُني على تقوى، فسمعت وحدها هذا النشيد العلوي التي أصغت إليه الدنيا كلها من بعد، والذي يتردد اليوم خمس مرات في كل نهار تتجاوب به المنابر في كافة أرجاء الأرض.
وهنالك، وسط هذا النشيد الذي يتألف من كلمتين اثنتين لم تعرف ألسنة البشر أكثر منهما هديراً وأشد في النفس تأثيراً (هما: «الله أكبر») صاح البشير أن أول مولود في الإسلام قد استهل، فانشرحت به صدور المسلمين حتى كأن كلّ واحد منهم كان أباه، وأخذه رسول الله ﷺ فحنكه وبارك عليه ودعا له.
وتمثلت عبدَ الله وهو صبي يبايع رسول الله يبتسم له ابتسامة تفيض بالحب والرضا. ورأته وقد شبَّ حتى صار يلعب مع الصبيان في الطرقات. وإنه لفي لعبه وإذا بعمر القوي المهيب يمر فيفر الصبية ويتوارون ويبقى عبد الله واقفاً.
- لِمَ لمْ تفر كما فروا؟
- ولِمَ أفر؟ وما أنت ظالم فأخشى ظلمك ولا أنا مذنب فأرهب عدلك؟
فيعجب به عمر ويكبر جرأته وبلاغته.
ثم تبصره وقد علا مكانه، واستعلن أمره، وضخم سلطانه؛ فانقادت إليه الأماني طيعة وتبعته الدنيا خاضعة. ثم انهار هذا كله ... ثم انهار هذا كله ...
وراحت العجوز تحدق بعينيها اللتين حرمتا النور في أفق
стр. 197
مجهول، وتفكر في غير وعي، فقادها الفكر إلى دنيا تحبها وتألفها، فإذا هي ترى - كرة ثانية - بداية هذا الصباح الذي غمر الكون ضوؤه وغسلت أنواره الأرض من أرجاس ليل طويل ماتت في ظلامه الفضائل والمثل، وتفكر في قوة هذه الرسالة التي انتصرت على العالم كله ... ثم ترى حاضرها الممض فتشجى وتتألم. ما أسرع ما نسي الناس هذه المبادئ وأجدبت نفوسهم منها، وهذه أصلاد حراء، وهذه جلاميد ثور، لا تزال مخصبة مخضرة ... أفتكون هذه الحجارة وهذه الجلاميد أوفى وأحفظ من قلوب البشر؟ وإذا نسي الناس أفلا تذكّرهم هذه الجبال الشاهقة التي شهدت عزلة محمد وإيواءه إليها ليالي بطولها، يفكر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار، ويفتش وراء مظاهر الكون عن مبدع الكون ... ثم شهدت منبثق الوحي، وأشرق عليها فأضاء جنادلها وصخورها قبل أن تسطع أنواره في السهول والقرى، وسمعته وآمنت به قبل أن تسمعه هذه المدائن العظيمة المنثورة في الأرض من حول الكعبة؟ ومثلت لها الكعبة المهدمة فهالها أن يعبث المسلمون بحرمة الكعبة وهي التي كان المشركون - على جهالتهم وكفرهم - أكثر لها إجلالاً وأشد احتراماً، وصبّتْ سخطها على ابنها وعلى الأمويين جميعاً. أيستحلّون البلد الحرام في الشهر الحرام وينسون مبادئ الرسول ولمّا يمضِ على وفاته إلا ثلاث وستون سنة؟ وينقضون عرى الأخوّة بينهم ويقاتل بعضهم بعضاً في بطن مكة؟ ولِمَه؟ أوَلم يبقَ في الأرض ظالمون ولا طغاة يقاتلونهم؟ أينفض المسلمون أيديهم من هذا الإرث العظيم ويهملونه حتى يبدو في عيونهم مجدباً، وهو الذي بلغ من خصبه
стр. 198
أن أترع أيام البشرية الماضية بالحياة، وهو كفيل بأن يغمر أيامها الباقيات حياة وفضيلة ومجداً؟
وآلمها ضياع هذه المبادئ أكثر مما آلمها خذلان ابنها وضياع عرشه، بل هي قد نسيت ابنها، ونسيت هذا الملك الذي رتع في بحبوحته تسعة أعوام جاء يتجرع الآن مرارتها، ونسيت ماضيها الآفل، بل لقد نسيت نفسها، وذهبت تفكر فيما هو أعز عليها من حاضرها وماضيها وابنها ونفسها، في هذا المبدأ الذي أخلصت له. إنه لا ينتصر هذا المبدأ وعلى الأمة واليان يصطرعان ويقتتلان، فلا بدّ من ذهاب أحدهما، فإذا لم يذهب عبد الملك فليكن ابنها هو الذي يذهب، ولتشترِ حياة الأمة بحياة ابنها!
وكان عزماً خطيراً، وكانت فكرة هائلة يرتجف لها أقوى القلوب، ولكن قلب أسماء الذي يحمل قسطه من الإرث الأخلاقي الذي صهرته شمس هذه البلاد في الألوف المؤلفة من السنين، وأنضجه الإسلام وهذبه، لم يرتجف ولم يخَفْ. كان همها أن تستريح هذه البلاد المقدسة ليلة آمنة إثر نهار مليء بالخطوب، لتستيقظ مع الفجر قوية نشيطة، فتفيء إلى ظلال وحدة هانئة تستجم فيها، وتفرغ لنفسها لتفرغ من بعد لأعدائها. ولكن العجوز غفلت لحظة عن عواطفها التي خنقتها في صدرها فانطلقت صارخة صاخبة، فتصورت العجوز نفسها - بعد عبد الله - فلم تطق أن تتصور، وعادت إليها أنوثتها فعظم عليها أن تفرط بولدها الحبيب وهي على عتبة الموت، وهو عمادها وعونها وحاضرها ومستقبلها، وهو كل شيء لها، وعادت تعرض ذكرياته منذ كان طفلاً إلى أن غدا شيخاً، فتحس أن أمانيها كلها تختصرها ساعة
стр. 199
تضم فيها ابنها إلى صدرها، ثم تنسى نفسها وهي بين ذراعيه حتى تسلم الروح. إنه حياتها، وهو كل شيء لها ... وراحت تبكي بعينيها المنطفئتين بكاء موجعاً.
* * *
وفي تلك الساعة كان في الحرم طائفة من الناس تحت علم منصوب في ظل الكعبة؛ أولئك هم بقية هذا الجيش اللجب الذي كان منتشراً بين أقصى خراسان والبحر الأحمر، وهذا هو العلم الذي خفق على هذه البلدان تسعة أعوام كاملات.
وليس أروع من الجيش القوي الظافر الذي يسد منافذ الفضاء ويحجب الشمس وتعنو له الشوامخ الراسيات وتميد بثقله الأرض إلا هذه الحفنة من الرجال الأشداء الصابرين، الذين تخيرتهم شجاعتهم وعبقريتهم فكانوا بقية السيف وطرائد الموت، ثم آثروا الموت أمجاداً على الاستسلام والهوان. وتلك هي حال هذه الطائفة من الناس.
وكان في الجمع شيخ مستند إلى جدار الكعبة، تومض شعوره البيض في شعاع القمر، يفكر (أو هو يبدو كالمفكر) على حين يتجرع مرارة خيبة قاتلة ويحس من حوله زمهريراً بارداً، فكان بحاجة إلى صدر دافئ يقبس من حرارته الحياة والأمل. ولقد كان شيخاً في الثمانين، ولكنه لا يزال حيال أمه ذلك الطفل الذي يتمرغ في أحضانها ثم يضطجع فيها، ويرفع وجهه الصغير إلى وجهها، ويقطف بعينيه ثمرات الحب الحلوة من عينيها الوادعتين، ويبعث أصابعه تعبث بوجهها وشعرها.
стр. 200
وملأت نفسَ هذا الشيخ صورةُ أمه فنسي اليوم العصيب، وغفل عن تصور النصر الذي أفلت منه كما يفلت الطائر الجميل من قفصه ثم يوغل في مسارب السماء، ونسي خيبته التي جعلت حياته سوداء فارغة كظلام الليل، ولم يعد يفكر إلا في هذه الصورة التي أعارته من بهائها وسموها جناحين طار بهما إلى أيامه الخوالي، فتغلغل في رحابها الواسعة.
لم يبق له من صورة هذا الماضي العظيم (من عالم أبي بكر والزبير) إلا خط واحد ضعيف كابٍ يوشك أن تعدو عليه الأيام فتمحوه اليوم أو غداً؛ لم يبقَ إلا ذات النطاقين، أمه، أسماء العظيمة، التي كانت تاريخاً حياً وكانت الفضيلة المجسدة، فانطلق إليها يودعها قبل أن يموت. وكان الموت الشريف أجمل أمنية لهذا الشيخ البطل الذي خسر الملك والجيش ولكنه لم يخسر العبقرية ولا الشرف، بيد أن هذا الشيخ يخشى أن يدع هذه العجوز تحمل معها آلام الثكل والوحدة حتى تبلغ بها قبرها القريب ... فكيف السبيل إلى إكراهها على التسليم به والرضا بموته؟
وقام الشيخ من مجلسه يسلك هذه الطرق الموحشة التي سلكتها أمه في الهزيع الأول من هذا الليل، فلم يقف في طريقه على الأطلال ولم يُثره مشهد الملك الضائع، لأن أفكاره كلها قد تعلقت بأمه، فهو يجب أن يصل إليها. فيمضي مسرعاً، حتى إذا دنا من هذا المنزل المظلم الموحش تباطأ في سيره، حتى إذا بلغ بابه تهيب الدخول عليها وأحس بالعجز عن مواجهتها بعزمه، وهو الذي لم يحس العجز عن مقابلة الخميس العرمرم ولم يشعر الضعف عند مجابهة الشدائد والخطوب. فوقف وأطال الوقوف،
стр. 201
وتقاذفته الأفكار حتّى أحس كأن رأسه خلية نحل ... كيف يمسك قلبه أن يتخاذل ويضعف أمام بكائها وتوسلها إليه أن يبقى، أن يبقى إلى جانبها في أيامها الأخيرة؟
كانت الأفكار تصطرع في رأسه وهو هادئ ساكن لا يبدي حراكاً، قد تعلق بصره بهذه العجوز القابعة في الزاوية، ينيرها شعاع ضئيل من أشعة القمر يسقط عليها من خروق السقف المتهدم، وكانت أذنه مرهفة مائلة إليها، فسمعها تردد اسمه في خفوت بلهجة يقطر منها الحب والشوق واليأس والحزن، فلم يتمالك هذا الشيخ نفسه أن صاح: أمي!
وألقى بنفسه بين ذراعيها، فمرغ لحيته بوجهها، وغابا معاً في حلم ممتع نشوان. ثم تنبهت العجوز، وذكرت نذرها الذي نذرته للوحدة الإسلامية وعزمها الذي اعتزمته، فخلصت عن عناقه برفق وقالت له: ما جاء بك؟
فحار في جوابها، ولم يدرِ كيف يعلن عزمه على الموت، ثم آثر أن يرى ما عندها وقال لها: «يا أماه، قد خذلني الناس حتى ولدي وأهلي ولم يبق معي إلا اليسير من أصحابي ومَن ليس عنده أكثر من صبر ساعة، والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا، فما رأيك؟» (١).
قالت: أهذا ما جئت لأجله؟ أجشمت نفسك عناء المسير فوق أنقاض المدينة المقدسة التي هدمتها وتركتها أطلالاً، لتقول
стр. 202
لي إنك جبنت وفقدت حميتك وشجاعتك؟ أجئت تحتمي بصدري من الموت الذي سقت إليه هذه الألوف المؤلفة من المسلمين؟ أهذه هي خاتمتك يا ابن الزبير، ويا مَن جده أبو بكر، ويا من جده عبد المطلب؟
ولم يكن عبد الله يتوقع أن يسمع منها ما سمع، فطفق ينظر مشدوهاً، يود أن يصيح من الفرح لأنها رضيت له بالموت في معمعان المعركة؛ وذلك أقصى ما يريد. ولكنه لا يدري إلى أية غاية ترمي فهو يكتم صيحته ويصمت.
- ما لك يا عبد الله؟ أنسيت أمجاد أبيك الذي يجري دمه في عروقك؟ تعال اقترب أحدثك بأمجاد أبيك: في عشية من عشايا الإسلام الأولى خرج أبوك من بيته هذا، فتنكب طريق الحرم حيث تمثل قريش بجبروتها وشركها، وأم هذه الجبال القريبة يحمل في نفسه بَهاء هذا الدين الجديد فهو يحب أن يفيء إليه وأن يستمتع بعزلة هانئة. فلم تكد تحتويه أعالي مكة حتى طرق أذنيه همس مرعب ارتجفت له أضلاعه واضطرب قلبه وأنساه غايته التي خرج من أجلها. لقد سمع أن محمداً قتل، وانطفأت هذه الشعلة التي أضاءها الله ليقبس منها العالم ضياء نهار دائم، وجف هذا الينبوع، ووقف الإسلام الذي جاء به للدنيا كلها عند هؤلاء النفر القلائل الذي أسلموا! وكان أبوك يعلم أن قريشاً التي قتلت محمداً ستمحو هؤلاء النفر وتبيدهم، ولكن أباك لم يخف ولم يفرّ، بل ثارت في نفسه حماسته، وصرخ في عروقه دمه الذي يحمل ميراث عصور طويلة من النبل والشرف، وتوثب إيمانه في صدره وأشعره أنه يقدر بهذا الإيمان على العالم كله، فسلّ أبوك سيفه ورجع يريد
стр. 203
أن يثأر لمحمد، فإذا محمد ﷺ حيّ يبلغ دعوة ربه.
فكان أبوك أول من سل سيفه في سبيل الله، فسطع من سيفه الوميض الأول لهذا الصباح الذي غمر الكون بالضياء الذي أشرق من سيوف المسلمين في بدر وهوازن والقادسية واليرموك ونهاوند. أفلا يهز حماستك حديث أبيك؟
فلم يجب عبد الله وآثر أن يظل ساكتاً. فرجعت تقول: يا أسفي! لم يعد يثيرك حديث أبيك فلن أحدثك عن أمجاده. فهل تثير حماستك شجاعة جدتك صفية بنت عبد المطلب؟ إنك تعرف حديثها وتروي خبرها مع حسان ابن ثابت في الحصن ... فهل أطفأت لذائذ الحياة لهيب الحماسة في صدرك، فأنت في حاجة إلى قبس تقتبسه من امرأة؟
فبرقت عينا الشيخ واشتعلت النيران في عروقه، ولكنه أزمع السكوت لتمضي العجوز في حديثها، فآلمها أنه ساكت لا يجيب وحسبت سكوته جبناً وهلعاً، فراحت تبالغ في تحميسه. قالت: أخبرني ... أنسيت ذلك الدم الزكي الذي أُهريق على عتبات المجد؟ سرعان ما نسيت صورة مصعب، ابن أبيك، ذلك الذي عاف الشباب والمال والرفاهية وجفا عقيلتَي قريش، عائشة بنت طلحة وسُكينة بنت الحسين، وذهب ليموت شريفاً مجيداً تحت راية الخليفة عبد الله بن الزبير؟ إذا كنت تعلم أنك تدعو إلى باطل فلِمَ فرطت بهذه الأرواح ... هذه الألوف من الأرواح التي زهقت في سبيلك؟ أكان جنى هذه المعارك النبيلة أن يحمل الخليفة الذي مات هؤلاء كلهم تحت رايته ليزدان به موكب الحَجّاج؟ ما كان جدك أبو بكر ولا كان أبوك الزبير جباناً ولا رعديداً، أفتنتمي إلى
стр. 204
هؤلاء الذي أترعوا التاريخ بأحاديث المكارم، ثم ترضى أن تُساق وأنت شيخ أبيض اللحية إلى دمشق ليلعب بك صبيانها، وليشيروا إليك بأصابعهم يقولون: هذا الذي كان ... ؟
ولم يعد عبد الله يملك صبره، فصرخ: أماه! كفى؛ إنني جئت أودعك.
وألقى بنفسه بين ذراعيها، فتحسسته فإذا هو بالدرع. قالت: أتخدعني يا عبد الله؟ «ما هذا صنيع من يريد الموت» (١).
قال: ما لبسته إلا لأجلك، وما لي به من حاجة.
ونزعه فألقاه، ثم تملص من ذراعيها برفق: أماه ... وداعاً. «ولا تَدَعي الدعاء لي، فوالله ما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تُستحل محارمه، وإني مقتول في يومي، فلا يشتد حزنك وسلمي الأمر إلى الله؛ فإن ابنك لم يتعمد إيثار منكر، ولا عملاً بفاحشة، ولم يَجُرْ في حكم الله ولم يغدُرْ في أمان، ولم يتعمد ظلم مسلم أو معاهد، ولم يبلغني ظلم من عمالي فرضيت به. اللهم لا أقول هذا تزكية لنفسي ولكني أقوله تعزية لأمي» (٢).
وأسرع فخرج وأمه تدعو الله:
«اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل، وذلك النحيب والظمأ في هواجر مكة والمدينة، وبره بأبيه وبي، اللهم إني قد سلمته لأمرك فيه ورضيت بما قضيت، فأثبني ثواب الصابرين الشاكرين» (٣).
стр. 205
وسكتت العجوز ومدت يديها تتلمس عبد الله لتودعه الوداع الأخير، فلما أحست أنه قد ذهب ثارت أحزانها دفعة واحدة، وهوت على الأرض!
* * *
وسدل الستار يوم الثلاثاء (١٧ جمادى الأولى سنة ٧٣ للهجرة) على هذا الشاب الذي هجر مدرسته وصبيانه، ونزل من الطائف وحيداً شريداً، فمهدت له عبقريته السبيل لما كان يحسبه مجداً وعظماً؛ وأعاد إلى الأمة الإسلامية وحدتها وسلامتها، وبنى في صرح أمجادها ركناً ضخماً ما كان أعظمَه وأزهاه لو لم يُلطَّخ بدماء الأبرياء.
وعلى هذه الشيخ البطل الذي عاش مسلماً شريفاً، ومات شريفاً مسلماً. هذا الشيخ الذي سَمَتْ به نفسه حتى ضارع الخليفة في الشام، ثم صارعه حتى سلبه ملكه وسلطانه، ثم خسر كل ما ربح، ولكنه مات أشرف ميتة وأمجدها، فكان موته مغلوباً ظفراً بارعاً ونصراً مؤزراً.
وهذه العجوز التي لم يعرف تاريخ بنات حواء من وقفت مثل موقفها أو ضحّتْ مثل تضحيتها، أو دانتها في نبلها وشرف نفسها وإخلاصها لوطنها ودينها.
رحمة الله على الجميع.
* * *
стр. 206
يوم اللقاء
لمّا خرج عبد الله من المنزل المهجور كان الليل قد عسعس فانجابت ظلمته عن سنا السحَر، والصبح قد تنفس فتضوّعت أنفاسه الناعشة في أرجاء هذا الوادي المقدس، وكان الكون لابساً ثوب شاعر مدلّه، أو عابد متبتل، يغمر النفس بحس سماوي لا تصل إلى الإحاطة بوصفه لغات البشر.
ولكن عبد الله لم يتلفت إلى شيء من ذلك ولم يُلقِ إليه وعيه، لأن الدنيا قد ماتت في عينيه منذ عزم على الموت وسلك سبيله. وماذا ينفع السحر وجمالُه رجلاً فرغ من ذلك كله وخلّفه وراءه ليستقبل حفرة الموت التي لا تضيئها أشعة الشمس ولا يصل إليها رَواء السحر؟
وماذا يرى المسلول اليائس في صفاء العيون، وضحك الزهور، وغناء العصافير، وهو يعلم أنه سيموت ويحتويه هذا القبر الموحش ... فلا تدري به الينابيع ولا تكف عن وسوستها وتغريدها، ولا يحفله الورد ولا يمسك ضحكه حزناً عليه، ولا تأبه له الطيور ولا تقطع من أجله غناءها، والشمس لا تفتأ تطلع من
стр. 207
بعده تغمر الكون بلألائها، والقمر لا يزال يريق على الدنيا وابلاً من نوره ... وكل شيء يبقى على حاله بينا يكون هو قد ذهب وامَّحى؟ وماذا يرى المحكوم عليه - وهو يُساق إلى حبل المشنقة - في بهاء الشمس وابتسام الربيع وضحك الروض؟
إن المرء لا يجد في الكون إلا صورة نفسه وخياله وعواطفه، فأي شيء يجده عبد الله وليس في نفسه إلا ذكرى ماض بارع، قطف ثماره أمداً طويلاً ثم عصفت به رياح الفناء، فصوّح نبتُه (١) وذوت غصونه، وصورة مستقبل غامض يسلم إليه أمه المسكينة، لا يدري من أمره شيئاً، ولكنه لا يثق به ولا يطمئن إليه، وهو بينهما يمشي طائعاً مختاراً إلى ... الموت؟!
وبلغ عبد الله أبواب الحرم وهو في ذَهلة عميقة، فإذا هو بأبي صفوان عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف، فألقى عليه نظرة فارغة كأنه ينظر إلى رجل من العالم الآخر لا يبصره.
- سيدي أمير المؤمنين!
- ... ...
- لقد استطاع رجالي أن يفتحوا لك طريقاً إلى العراق، وهذه هي ركائبك وهؤلاء هم حرسك. فتلفع يا سيدي بهذا الثوب وسِرْ في أمان الله!
стр. 208
فلبث عبد الله صامتاً شاخصاً إليه بعينيه، يردد هذه الكلمات التي سمعها ترديد من لا يفقه لها معنى، كأنما هو قد أضل فكره وفقد ذكاءه، أو كأن هذه الكلمات قد خلصت إلى نفسه بعد أن طرحت معانيها، فجاءت خالية لا تدل على شيء. فريع ابن صفوان وأشفق أن يكون قد أصابه سوء، وجعل ينظر إليه بعينين تجلّى فيهما الإخلاص للأمير، والحب للوالد، والوفاء للصديق. ولا عجب في ذلك؛ فلقد كان يرى في عبد الله أميره ووالده وصديقه، ويوليه من نفسه الحب والإكبار. وجعل ابن صفوان يحدق فيه فيراه دائباً على ترديد هذه الكلمات، ولكنه يرى وجهه تنبسط أساريره، ويخطف على جبينه نور الذكاء، وتبرق عيناه ببريق العبقرية، فيطمئن ابن صفوان ويعلم أنه قد عاد إلى نفسه.
نشط عبد الله واستبشر استبشار غريق رأى خشبة النجاة، وعاشت في نفسه آماله، وأورَقَ غصن ماضيه الذاوي فبسط ظلاله الندية على حاضره القاحل المقفر، فأحس كأنه يسمع أبواق النصر التي كان يسمعها في سالفات أيامه، وانتهى إلى أذنيه صدى أناشيد الظفر التي كان يهتف بها جنده تحت راياته المنصورة، وشعر كأنْ قد عاد إلى اسمه عطره وجلاله، فرجع ينبثق من أفواه الكُماة المَسَاعير (١) الذين ذهبوا ينشرون عبقه في بلاد العرب والعجم.
стр. 209
وكرّت الأيام راجعة، فإذا هو يرى عبد الملك وقد روّعه اسمه وأرّقه، ويبصر رأس المختار الذي ظفر بعامل الأمويين يسقط على قدمي عامله وأخيه مصعب، ثم تقوى هذه الصورة في نفسه وتجيش وتموج، حتى تبلغ هذا الحاضر الذي يعيش فيه، ثم تمتد إلى آفاق المستقبل، هذا المستقبل الذي ولد ونما واستكمل نموه في لحظة.
وطغت موجة الفرح على نفسه فأحس كأنه في حلم، واختلطت عليه الحقيقة بالوهم، فأخذ بيد ابن صفوان وسأله نشوان فرحاً: هل قلت إن الطريق مفتوح؟ أأستطيع أن أخرج من مكة؟
ولم يكن ابن صفوان ينتظر منه الرضا، فاستخفّه الطرب لرضاه ونسي أنه يكلم خليفته وآمِره. فجعل يهز يديه بشدة ويقول: نعم، نعم يا سيدي، أسرع، أسرع بالله، أخشى أن يفوت الأوان. إن الفجر سينبلج.
فينساق عبد الله في الطريق الذي أراده له ابن صفوان ويكاد يمضي فيه، ولكنه يذكر أمه، ويعود إلى نفسه مشهدها وهي قابعة في زاوية البيت حزينة ملتاعة. هل يدع أمه وحيدة بين براثن هؤلاء الذين يراهم وحوشاً؟
لا. وتوقف، وبدا عليه التردد.
- سيدي! إن الوقت قصير.
- لن أدع أمي!
стр. 210
- وكيف تدعها يا سيدي؟ إن الجند سيحملونها معك إلى حيث تمضي أو يضعونها حيث لا تنالها أيدي الحجاج.
فعاودت عبدَ الله حماستُه، ولكنه وقف مرة أخرى يفكر: هَبْهُ وصل إلى العراق، فماذا؟ هل تكون خيراً له من الحجاز؟ لقد ضاعت العراق يوم ضاع مصعب. فهل يذهب إلى خراسان؟ لقد مد الأمن رواقه على هذه المدن، أفيقلبها ساحة للحرب؟ لا، لن يقتل الآلاف من المسلمين ليعيش هو!
وراح يعرض البلاد كلها في لحظة فلا يجد بقعة لم يبلغها ملك أمية، أفيمضي إلى بلاد الكفر؟ وضاقت عليه الأرض بما رحبت، فاستصغرها وزهد فيها وفترت همته، وانطفأ هذا اللهيب الذي وَقَد في نفسه وخَطَف نورُه على جبينه، فاستل يده من يد أبي صفوان وقال له بصوت رهيب: اسمع يا أبا صفوان!
فأدرك ابن صفوان أنه سيسمع نبأ لا يسره؛ فقد نطق وجه عبد الله بأنه عازم على الموت قبل أن ينطق به لسانه، ولكنه أرهف أذنيه وذهب يستمع، فقال له عبد الله: يا ابن صفوان، أخبرني. أفي طوقك أن تردّ على العالم بهاء الشمس ونورها إذا غمره الليل بسواده القاتم؟ إن لكل نهار ليلاً ...
فقاطعه ابن صفوان وقد رأى بارقة من أمل سنحت له فحاول أن يتمسك بها: ولكل ليل فجر يا أمير المؤمنين.
- ولكن هذا الفجر لن يسطع عليّ من بين رايات الأمويين أستظل بها، ولا تتسرب خيوطه من خلال هذا الثوب الذي رضيتَ لي الفرار فيه ... بل إنه سيسطع (إني لأرى تباشيره تلوح بيضاء
стр. 211
زاهرة) من وراء باب الموت، ولا بد لي من ولوج هذا الباب يا ابن صفوان، فلماذا تأبى علي أن ألجه حراً مجيداً وترضى لي أن أطبع على لحيتي البيضاء وصمة العار الحمراء، وأن أختم سفر حياتي الماجدة الحافلة بالبطولة بأبشع خاتمة وأبعدها عن البطولة والمجد؟ أتأبى علي أن أموت ميتة أبي؟ في تلك الرملة التي تتكسر على جوانبها أمواج البحر كل مساء، ويحمل الرافدان: دجلة والفرات، العذب النمير من أعالي بلاد الروم ليغسلا به حواشيها الأخرى، حيث تلتطم رياح الجزيرة وتتراقص نسائمها اللينة ... هناك - يا ابن صفوان - يثوي قبر منفرد منعزل، هو قبر أبي.
لقد مات أبي شهيداً، ولكنه لم يمت في المعركة الحمراء، وإنما مات على يد وغد دنيء فضاع قبره في تلك الفلاة (١) ... أفيسوؤك أن يموت ابنه وسط المعمعة فيقوم قبره في بطن مكة، فيشير إليه الناس قائلين: هذا قبر الشيخ الذي مات شهيد المعركة الملتهبة. وتمتد أيديهم إلى السماء يسألون له الرحمة والغيث،
стр. 212
ثم يمسكون بقلوبهم مخافة أن يهزها هذا الدرس الصامت فتنفجر من الحماسة؟!
لماذا تأبى علي أن أموت ميتة أخي البطل مصعب، وأنت الذي مجّدَ مصرعه واتخذه مثلاً للبطولة والتضحية والشرف؟ ألا يسرك أن أشتري بدمي حياة هذه الأمة فتعود السعادة إلى هذه البقية الطاهرة، ويخيم عليها الأمن، وتستعد لتحمل رسالة الله إلى الدنيا ... مرة ثانية؟
إنك لن تستطيع أن تردّ ما فات. أرجِعْ إلى الزهرة الجافة رواءها وعطرها، ردّ على الشيخ الهرم شبابه وقوته، أعِدْ للنهار الآفل ضُحاه! لقد انتهى كل شيء؛ فلن تكون خاتمة حياتي أن أفر تحت ثوب امرأة.
وأخذ الثوب يقلبه بيده وعلى وجهه ابتسامة ساخرة، فيها آيات القنوط المرعب والاستماتة الهائلة والإقدام المخيف.
- لا؛ لا يا ابن صفوان. إن عبد الله بن الزبير أكرم من أن يتشح بثوب امرأة. لا؛ لن أفر، «بئس الشيخ أنا - إذن - في الإسلام إن أوقعت قوماً ثم فررت عن مثل مصارعهم» (١).
- سيدي!
- ابن صفوان!
ثم التفت الأذرع في عناق جمعت فيه الصداقة والمحبة
стр. 213
والتضحية أروع قطوفها، ثم تملص الشيخ من ذراعي ابن صفوان وأمسك برأسه فقبله بين عينيه: جزاك الله خيراً يا ابن صفوان، فلقد والله وفيت لي حين غدر الناس بي، ولزمتني حين تركني ابناي، فكانت صداقتك أوثق من الولادة وأثمن من البنوّة. ولقد كنت رفيقي في اليوم الأسود كما كنت رفيقي في الليالي البيض، ومننت وأجزلت، ولم تدع لي إلا حاجة واحدة، فأخبرني: هل تقضيها لي؟
فترق نفس ابن صفوان، ويطفر الدمع من عينيه فيقول: ولو كان في قضائها موتى!
- بل فيها حياتك إن شاء الله، فأنا أعزم عليك إلا ما نجوت بنفسك.
- معاذ الله يا سيدي!
- إني لتقر عيني في حياتي وتسكن عظامي بعد موتي إذا أنت نجوت بنفسك. قل إنك فاعل.
- معاذ الله يا سيدي، أموت معك كما حييت معك!
* * *
وكان الفجر قد انبلج وأرعدت هذه الأوعار والصخور وأبرقت، فضاع هذا الحديث الخافت في جلبة الجيش المنتصر وإرعاده.
قطع عبد الله الحديث وانثنى نحو الكعبة يأمر مؤذّنه بإعلان
стр. 214
الفجر، وكان محتفظاً بعظمته وجلاله، فكأن هذا الفشل المتتابع وهذه الخيبة الشاملة لم تنل منه قليلاً ولا كثيراً. وكان جنده الأوفياء ينظرون إليه فيعزيهم بجلده واحتماله، وتسري فيهم هذه العزة فيطوون جوانحهم على قلوب ملؤها القوة والأمل. وهل في الدنيا أقوى من عُصبة تريد أن تموت؟ إن العدو يفزعها بالموت والموت أكبر أمانيها، فكأن عدوها خادم لها مسخَّر لرغباتها؟
ودوى صوت المؤذن قوياً ضخماً، فجاوبه من تلك الأوعار صوت آخر واضح قوي: الله أكبر! الله أكبر!
* * *
الله أكبر من هذا الجيش وهذه الدنيا، ولكن هؤلاء قد نسوا معاني «الله أكبر» وأضاعوا جوهرها.
ذلك ما كانت تناجي به نفسها هذه العجوز وراء سور الحرم. وكانت قد أوت إلى هذه الزاوية لتودع ابنها، وتحتفظ بذكرياته الأخيرة، وتسمع جرسه، تختزن في نفسها هذه الصور التي ستكون - من بعد - ينبوع حياتها وستعيش بقية أيامها بذكراها. وقد لبثت هذه العجوز في مكانها من المنزل المهجور، بعد أن ودعها ابنها، تبكي وتتقاذفها شتى الأفكار، حتى نالت منها متاعب اليوم وأوقار الشيخوخة، فاستسلمت إلى نوم مزعج متقطع، تضطرب فيه الأحلام المرعبة ... فرأت ابنها بأيدي الجنود الشاميين تنوشه رماحهم وسيوفهم، فوثب قلبها من صدرها وجعلت تصيح وهي نائمة: دعوه، دعوه لي، لا تقتلوه، قد ترك لكم الخلافة فاتركوه لي.
стр. 215
وأفاقت مذعورة وقد طار النوم من آماقها، فلم تُطِق البقاء وابنُها على عتبة الموت. قامت تحمل آلامها وأوجاعها وأثقال هذا القرن الكامل الذي يجثم على عاتقها ... هذه السنين المئة ... وتوجهت تلقاء الحرم.
وكانت تفكر في ابنها: ماذا عليها لو أنها أخذته من بين مخالب الموت، ثم عاشت معه في ركن منعزل من أركان هذا الكون الواسع؟ أيؤذي عبدَ الملك - وقد تم له الأمر وأطاعه الناس كلهم - أن تعيش عجوز بجانب ابنها؟ ألا يجد لذته إلا في ألمي؟ وهمت العجوز باستنزال اللعنات على عبد الملك، ثم رجعت إلى نفسها تفكر في عبد الله فإذا هو لا يقر ولا يهدأ، وإذا هو صاعقة حيثما نزلت خرجت وقلبت الأرض عاليها سافلها، فلا يقر لهذه الأمة قرار.
وكانت قد بلغت الحرم، فسمعت صوت المؤذن يردد التكبير فيعود الصدى في هذه الأوعار بمثل تكبيره، فأصغت فإذا ما حسبته صدى ليس إلا أذان أهل الشام، فآلمها هذا الانقسام وجعلت تتكلم همساً كأنما تخاطب نفسها: يا لهؤلاء الذي نسوا معاني «الله أكبر» وأضاعوا جوهرها!
* * *
وفي تلك اللحظة تقدم هذا الشيخ الذي كان أمير المؤمنين ووارث كسرى وقيصر ليصلي آخر صلاة له في ظل الكعبة، فسمعته العجوز (ولم يكن بينها وبينه إلا جدار قصير) فنازعتها نفسها إليه واشتاقت إلى عناقه!