زاهرة) من وراء باب الموت، ولا بد لي من ولوج هذا الباب يا ابن صفوان، فلماذا تأبى علي أن ألجه حراً مجيداً وترضى لي أن أطبع على لحيتي البيضاء وصمة العار الحمراء، وأن أختم سفر حياتي الماجدة الحافلة بالبطولة بأبشع خاتمة وأبعدها عن البطولة والمجد؟ أتأبى علي أن أموت ميتة أبي؟ في تلك الرملة التي تتكسر على جوانبها أمواج البحر كل مساء، ويحمل الرافدان: دجلة والفرات، العذب النمير من أعالي بلاد الروم ليغسلا به حواشيها الأخرى، حيث تلتطم رياح الجزيرة وتتراقص نسائمها اللينة ... هناك - يا ابن صفوان - يثوي قبر منفرد منعزل، هو قبر أبي.
لقد مات أبي شهيداً، ولكنه لم يمت في المعركة الحمراء، وإنما مات على يد وغد دنيء فضاع قبره في تلك الفلاة (١) ... أفيسوؤك أن يموت ابنه وسط المعمعة فيقوم قبره في بطن مكة، فيشير إليه الناس قائلين: هذا قبر الشيخ الذي مات شهيد المعركة الملتهبة. وتمتد أيديهم إلى السماء يسألون له الرحمة والغيث،
стр. 212
ثم يمسكون بقلوبهم مخافة أن يهزها هذا الدرس الصامت فتنفجر من الحماسة؟!
لماذا تأبى علي أن أموت ميتة أخي البطل مصعب، وأنت الذي مجّدَ مصرعه واتخذه مثلاً للبطولة والتضحية والشرف؟ ألا يسرك أن أشتري بدمي حياة هذه الأمة فتعود السعادة إلى هذه البقية الطاهرة، ويخيم عليها الأمن، وتستعد لتحمل رسالة الله إلى الدنيا ... مرة ثانية؟
إنك لن تستطيع أن تردّ ما فات. أرجِعْ إلى الزهرة الجافة رواءها وعطرها، ردّ على الشيخ الهرم شبابه وقوته، أعِدْ للنهار الآفل ضُحاه! لقد انتهى كل شيء؛ فلن تكون خاتمة حياتي أن أفر تحت ثوب امرأة.
وأخذ الثوب يقلبه بيده وعلى وجهه ابتسامة ساخرة، فيها آيات القنوط المرعب والاستماتة الهائلة والإقدام المخيف.
- لا؛ لا يا ابن صفوان. إن عبد الله بن الزبير أكرم من أن يتشح بثوب امرأة. لا؛ لن أفر، «بئس الشيخ أنا - إذن - في الإسلام إن أوقعت قوماً ثم فررت عن مثل مصارعهم» (١).
- سيدي!
- ابن صفوان!
ثم التفت الأذرع في عناق جمعت فيه الصداقة والمحبة
стр. 213
والتضحية أروع قطوفها، ثم تملص الشيخ من ذراعي ابن صفوان وأمسك برأسه فقبله بين عينيه: جزاك الله خيراً يا ابن صفوان، فلقد والله وفيت لي حين غدر الناس بي، ولزمتني حين تركني ابناي، فكانت صداقتك أوثق من الولادة وأثمن من البنوّة. ولقد كنت رفيقي في اليوم الأسود كما كنت رفيقي في الليالي البيض، ومننت وأجزلت، ولم تدع لي إلا حاجة واحدة، فأخبرني: هل تقضيها لي؟
فترق نفس ابن صفوان، ويطفر الدمع من عينيه فيقول: ولو كان في قضائها موتى!
- بل فيها حياتك إن شاء الله، فأنا أعزم عليك إلا ما نجوت بنفسك.
- معاذ الله يا سيدي!
- إني لتقر عيني في حياتي وتسكن عظامي بعد موتي إذا أنت نجوت بنفسك. قل إنك فاعل.
- معاذ الله يا سيدي، أموت معك كما حييت معك!
* * *
وكان الفجر قد انبلج وأرعدت هذه الأوعار والصخور وأبرقت، فضاع هذا الحديث الخافت في جلبة الجيش المنتصر وإرعاده.
قطع عبد الله الحديث وانثنى نحو الكعبة يأمر مؤذّنه بإعلان
стр. 214
الفجر، وكان محتفظاً بعظمته وجلاله، فكأن هذا الفشل المتتابع وهذه الخيبة الشاملة لم تنل منه قليلاً ولا كثيراً. وكان جنده الأوفياء ينظرون إليه فيعزيهم بجلده واحتماله، وتسري فيهم هذه العزة فيطوون جوانحهم على قلوب ملؤها القوة والأمل. وهل في الدنيا أقوى من عُصبة تريد أن تموت؟ إن العدو يفزعها بالموت والموت أكبر أمانيها، فكأن عدوها خادم لها مسخَّر لرغباتها؟
ودوى صوت المؤذن قوياً ضخماً، فجاوبه من تلك الأوعار صوت آخر واضح قوي: الله أكبر! الله أكبر!
* * *
الله أكبر من هذا الجيش وهذه الدنيا، ولكن هؤلاء قد نسوا معاني «الله أكبر» وأضاعوا جوهرها.
ذلك ما كانت تناجي به نفسها هذه العجوز وراء سور الحرم. وكانت قد أوت إلى هذه الزاوية لتودع ابنها، وتحتفظ بذكرياته الأخيرة، وتسمع جرسه، تختزن في نفسها هذه الصور التي ستكون - من بعد - ينبوع حياتها وستعيش بقية أيامها بذكراها. وقد لبثت هذه العجوز في مكانها من المنزل المهجور، بعد أن ودعها ابنها، تبكي وتتقاذفها شتى الأفكار، حتى نالت منها متاعب اليوم وأوقار الشيخوخة، فاستسلمت إلى نوم مزعج متقطع، تضطرب فيه الأحلام المرعبة ... فرأت ابنها بأيدي الجنود الشاميين تنوشه رماحهم وسيوفهم، فوثب قلبها من صدرها وجعلت تصيح وهي نائمة: دعوه، دعوه لي، لا تقتلوه، قد ترك لكم الخلافة فاتركوه لي.
стр. 215
وأفاقت مذعورة وقد طار النوم من آماقها، فلم تُطِق البقاء وابنُها على عتبة الموت. قامت تحمل آلامها وأوجاعها وأثقال هذا القرن الكامل الذي يجثم على عاتقها ... هذه السنين المئة ... وتوجهت تلقاء الحرم.
وكانت تفكر في ابنها: ماذا عليها لو أنها أخذته من بين مخالب الموت، ثم عاشت معه في ركن منعزل من أركان هذا الكون الواسع؟ أيؤذي عبدَ الملك - وقد تم له الأمر وأطاعه الناس كلهم - أن تعيش عجوز بجانب ابنها؟ ألا يجد لذته إلا في ألمي؟ وهمت العجوز باستنزال اللعنات على عبد الملك، ثم رجعت إلى نفسها تفكر في عبد الله فإذا هو لا يقر ولا يهدأ، وإذا هو صاعقة حيثما نزلت خرجت وقلبت الأرض عاليها سافلها، فلا يقر لهذه الأمة قرار.
وكانت قد بلغت الحرم، فسمعت صوت المؤذن يردد التكبير فيعود الصدى في هذه الأوعار بمثل تكبيره، فأصغت فإذا ما حسبته صدى ليس إلا أذان أهل الشام، فآلمها هذا الانقسام وجعلت تتكلم همساً كأنما تخاطب نفسها: يا لهؤلاء الذي نسوا معاني «الله أكبر» وأضاعوا جوهرها!
* * *
وفي تلك اللحظة تقدم هذا الشيخ الذي كان أمير المؤمنين ووارث كسرى وقيصر ليصلي آخر صلاة له في ظل الكعبة، فسمعته العجوز (ولم يكن بينها وبينه إلا جدار قصير) فنازعتها نفسها إليه واشتاقت إلى عناقه!
стр. 216
ولم يكن يكلفها ذلك إلا همساً خافتاً يعلم منه موضعها، فكادت تهمس باسمه، وقويت هذه الرغبة في نفسها حتى لقد توهمت أن ابنها قد دلف إليها يعانقها، فمدت يديها تعانقه فسقطتا على جنبيها ... وكان قلبها يرتفع في صدرها حتى يبلغ حنجرتها ويذوب حزناً وكمداً، ويسيل من عينيها المنطفئتين قطرات من الدمع ... ولكنها لبثت ساكنة صابرة على قضاء الله.
* * *
انفتل هذا الشيخ من صلاته وقد رقّ الظلام وانبعثت فيه أشعة الفجر فأراقت على الحرم ظلالاً من النور، فاستطاع أن يتأمل في أصحابه الذين لبثوا على وفائهم له لم يخذلوه كما خذله ابنه حمزة، فمرت على وجهه سحابة من غم حين ذكر أن حمزة قائم في هذه الساعة تحت رايات الحجاج ينتظر أن يرى أباه معلقاً على خشبته ليرقص في مأتمه ويظفر بأسلابه، وكاد يجاري غضبه ويقذفه بلعنة حمراء تتسلسل في أصلاب ذريته فلا ينجو من جناها المسموم أحد منهم، ولكنه أمسك ولم يحب أن يكسب أولاده هذا الشر المستطير في آخر لحظة من حياته.
وجعل ينظر إلى هؤلاء الفتية فيروقه شبابهم المزهر، ويضن بهذا الصبا الغض على الموت، ويعلم بأنه ميت لا ينفعه دفاعهم شيئاً، فأرادهم على الحياة وزينها لهم، وابتغى إلى إقناعهم شتى السبل وأفانين الأساليب، فأبى وفاؤهم ومروأتهم ودينهم (وما كانوا يعتقدون من ضلال الأمويين) إلا الموت. فرقّتْ نفس هذا الشيخ وغمرها الحب والرضا، فأحب أن ينظر إلى هذه الوجوه
стр. 217
وأن يجعل صورها زاداً له من دنياه في جولته الأخيرة، فقد كانوا ثمالة ذلك الجيش العظيم وبقية أولئك الأبطال الغطاريف الذين كان في وسعهم أن يقلعوا قيصر من كرسيه في القسطنطينية كما قلعوا كسرى من عرشه في المدائن، لولا أن أُلقي بأسهم بينهم فأصبحوا يحسبون مجد القائد المسلم في الانتصار على القائد المسلم، ويرون المعركة الظافرة هي التي تأكل إخوانهم في الدين وفي النسب، ويرون الفتح الأغر في استباحة مدينة الرسول أو العبث بقصبة الخلافة.
وكان هؤلاء الفتية قد لبسوا الحديد واتخذوا المغافر، لا يبين منهم إلا الحدق، فلما أرادهم عبد الله على كشف وجوههم أزاحوا هذه المغافر فأضاءت وجوههم كما تضيء الأقمار، ولكن شعاعها وميض الجمال الفاضل وبريق الإخلاص والذكاء، فأشجاه أن تكون هذه الوجوه فريسة السيوف بعد ساعة واحدة، وأن يذهب هذا الشباب الناضر، وأن يخسر جيش المسلمين هؤلاء الفتيان الأشاوس، ومن ستصيبه سيوفهم الماضية ينالونه بها قبل أن يموتوا. فعاد يدعوهم إلى الحياة ورجعوا يأبون.
قال: أما إذا أبيتم «فلا يَرُعْكم وقع السيوف فإن الدواء للجراح أشد من ألم وقعها. صونوا سيوفكم كما تصونون وجوهكم. غُضّوا أبصاركم عن البارقة وليشغل كل امرئ قرنه، ولا تسألوا عني، فمن كان سائلاً عني فإني في الرعيل الأول. احملوا على بركة الله» (١).
فهتف هؤلاء الجنود هتافاً عالياً وأنشدوا أناشيد الحرب،
стр. 218
ولكن أصواتهم ذابت في هزيم الرعود التي تفجرت من حلوق الأمويين وهم منحدرون من أوعارهم وأصلادهم التي اعتصموا بها يتدفقون نحو أبواب الحرم. ودارت المعركة في البقعة المقدسة التي كانت ملجأ الناس ومثابة الأمن في الجاهلية وفي الإسلام!
* * *
بلغ هذا الزحف أبواب الحرم الأقدس، واشتركت في حمل وزر هذا الزحف مدن من الشام تعاونت على العبث بحرمة المسجد وإراقة الدم الزكي على أرضه الطاهرة، فكانت حمص بجندها على الباب الذي يواجه الكعبة، تحاول أن تقتحمه لا لتطوف بالبيت العتيق ولا لتقوم فيه لرب العالمين، بل لتستبيح فيه حرمة الدم الحرام، في الشهر الحرام، في المسجد الحرام! وكانت دمشق على باب بني شيبة، وكان أهل الأردن على باب الصفا، وأهل فلسطين على باب بني جمح، وأهل قنسرين على باب بني تميم، وكان الحجاج، قائد هذا الجيش الذي هدم بيت الله، في ناحية الأبطح. تدفقت هذه الجموع براياتها وكبريائها، وقوادها وجندها، وسلاحها وعتادها، وحماستها وهتافها، ولكنها لم تستطع أن تتقدم؛ ردها وحده هذا الشيخ!
هذا الشيخ الذي أدنته الأيام من الثمانين، فكان من حقه أن يستريح إثر حياة صاخبة، وأن يقضي بقية أيامه في دعة وهدوء ... قد جفا راحته وهناءته ووقف وسط الحرم كالأسد الهائج، يدافع عن عرينه بلبدته البيضاء وشيبته المهيبة، قد دارت مقلتاه اللتان تنفضان الشرر على هذه الأبواب، فكلما رأى باباً انفتح كرّ على
стр. 219
أهله فردهم على أعقابهم، فكان يحمل مرة ها هنا ومرة ها هنا، حتى ارتفع الضحى ولم يقر الشيخ ولم يهدأ ... فأحس بالونى في أعصابه وكلت يداه. وأي رجل يستطيع أن يجالد مثل هذا الجِلاد، وأي رجل يقدر أن يقف وحده في وجه هذا السيل الطامي من البشر؟ وكلما أزاح من طريقه واحداً حلّ مكانه مئة. فوقف لحظة يستريح، وتلفت فإذا هو بابن صفوان لم يفارقه. فقال له: «أبا صفوان، ويل أمه فتحاً لو كان له رجال! والله لو كان قرني واحداً كفيته» (١).
فيقول أبو صفوان: إي والله، وألف!
وتدور رحى الحرب من جديد، قد دفعها الحجاج دفعة انطلقت على إثرها مدوية مرعدة، تسيل على جوانبها الدماء وتزهق الأرواح.
* * *
حتى إذا زال النهار، وتلهبت شمس مكة فجمعت على الناس نارين: نار الحرّ ونار الحرب، ضاق ابن الزبير وأصحابه ذرعاً، فجمعوا بقية عزمهم وأقدموا إقدام المستميت، فلم يرجعوا حتى أجلَوْا هذا الجيش العرمرم عن الحرم وردوهم حتى بلغوا بهم الحجون. وكان في طوقهم أن يردوهم إلى أبواب الشام، ولكنهم كانوا عشرات من الناس يحاربون ألوفاً مؤلفة!
стр. 220
ورجع عبد الله إلى الحرم - وقد خلت ساحته إلا من الحجارة التي نثرتها المنجنيقات من جدار الكعبة، وأشلاء القتلى ودمائهم، وهذه البقية الباقية من جنده - يغلب عليه الألم لما حل بالمسلمين، وعزف عن الطعام والشراب فلم يفكر فيهما، ولا في الراحة المسعدة إثر هذا الجهد الحاطم، وإنما أقبل يريد أن يصلي في ظل الكعبة فيناجي ربه ويستغفره ويودع دنياه. ولكنه لم يدنُ من الحطيم حتى وقف مرتجفاً قد اهتز من مفرقه إلى قدميه كما تهتز القصبة في الريح النكباء، وفتح عينيه يحدق. إنه لا يشك في أنها هي ...
يا إلهي! ما الذي جاء بها إلى هنا؟
ودنا منها متلصصاً يمشي على رؤوس أصابعه، فإذا هي صامتة جامدة لا تتحرك ولا تنبس. أهي ميتة؟
واقترب حتى حاذاها، فأحسست به وصاحت: من أنت؟
فلم يجب، فعادت تصرخ: من هذا الذي يمد يده إلى امرأة عجوز؟ ويلكم، أما كفاكم أن دفعت إليكم ابني لتقتلوه؟ آه! أين أنت يا عبد الله؟
وسمعها تبكي بكاءً خافتاً فتحرك، فعادت إلى تصريخها: قلت لك ابتعد أيها الوغد، أنسيتم أخلاقكم ومروءتكم واستبدلتم بها هذه الأخلاق التي ترى البطولة في البطش بعجوز عمياء لا تريد أن تؤذي أحداً؟ آه لو أن عبد الله كان حياً! أين أنت يا عبد الله؟ عبد الله ...
стр. 221
وراحت تنشج نشيجاً أليماً حتى لقد ظن أنها ستشرق بدمعها، وخال روحها ستزهق في نشيجها، وأحس كأن قلبه يُقطع بسكين، ونسي الحرب والنضال وهمّ بأن يلقي نفسه بين ذراعيها كما فعل في ليلة الأمس، ثم يحملها إلى بقعة من أرض الله الواسعة تقضي فيها لياليها الباقيات. ثم يرده الحفاظ والدين وهذه الغاية التي باع نفسه من أجلها.
وكان يسمع اسمه يرتجف في غضون الزفرات يخرج بصوت مكلوم، يلهب قلبه كأن فيه قبساً من قلبها المحترق، فخاف أن يغلبه ضعفه البشري، وانتهى إلى أذنيه هتاف أهل الشام وقد أقبلوا كرة أخرى كما يقبل البحر بمده على الساحل بعد أن نأى عنه في جَزْر طويل، فترك مكانه حيال أمه وذهب يستقبل الموت، وقد مات من قبل مراراً.
* * *
وكان في شعب من شعاب مكة النائية عن الحرم شيخ جليل قد اعتزل الحرب هو وأصحابه، لأن دينه لم يبح له أن يحارب أبناء دينه ومروءته تمنعه من تجريد سلاحه في وجوه إخوانه، وذهب ينتظر في هذا الشعب النائي.
كان عبد الله بن عمر معتزلاً، يحسر لأصحابه عما يخامر نفسه من ألم لتفرق المسلمين، ويحدثهم حديث الرسول الذي جاء بالإسلام فألف بين القلوب وجمع الناس جميعاً، ويرقب انكشاف هذه الغمة. فسمع التكبير (ظهر يوم الثلاثاء ١٧ جمادى الأولى سنة ٧٤) يتجلجل في حلوق الشاميين، فاسترجع ومد يده إلى
стр. 222
عينيه الهامدتين فمسح دمعة خال أنها تترقرق فيهما، وأقبل على أصحابه فقال لهم: ألا تسمعون التكبير؟ والله لقد كبر المسلمون مثل ذلك من قبل في ليالي الهجرة الأولى، وارتجّت لتكبيرهم حرّتا المدينة وتمايد نخيلها، وأشرق وجه رسول الله ﷺ لولادة هذا الرجل الذي يكبّر المسلمون اليوم لموته!
«رحمة الله عليك يا أبا خبيب. أما والله لقد كنتُ أنهاك عن هذا، ولقد كنتَ والله صواماً قواماً وَصولاً للرحم» (١).
* * *
لما أقدم عبد الله تساقط الشاميون تحت سيفه كما تتساقط أوراق الخريف وانزاحوا من بين يديه، ولكن رجلاً ممن عجز عن مواجهته في المعمعة ومقابلته بالسيف قذفه بآجرّة ضخمة، فعل الجبان الرعديد، فأصاب بها وجهه وهشمه.
أحس عبد الله كأن أعصابه كلها قد مزقت واستُلّتْ من جسمه دفعة، وشعر في رأسه بأشد من لذع النار، ودار الكون من حوله، وتداخلت في عينيه المشاهد، فزاغ بصره ولم يعد يرى شيئاً، ثم هوى ...
ولكنه (٢) نهض بعد لحظة واحدة، نشيطاً سليماً يكاد يتوثب من الصحة والنشاط، فأقدم مجالِداً فلم يعرض له أحد، فعجب
стр. 223
وأغار على القوم، فلم يرُعْهُ إلا أنه يخترق الجموع لا يمنعه أحد، حتى جاز الجيش كله وصار إلى الفضاء والحرية فوقف يفكر ويذكر أمره ... فلم يعرف منه شيئاً، ولم يجد في أعماق نفسه إلا لذة لا توصف وطرباً لا يُحَد ولا يُعرَف. فرجع يوغل في هذا الجيش، فإذا هو يخترقه كرة أخرى ويتغلغل بين كتائبه وفرسانه، ثم ينتهي إلى الفضاء ... فينظر حوله ويتمنى أن يعلو هذه الجبال الشامخة، ثم يجلس على قُنّة من قُننها البوازخ يفكر في أمره، فلا يكاد ينتهي من أمنيته حتى يصير في أعلى الجبل، من غير أن يتجشم عناء أو يقاسي تعباً. فيزداد حيرة وعجباً وينظر حواليّه، فيَحسُر له البصر عن عوالم عجيبة تموج بالنور وتمور بالمشاهد البارعة التي لم ترها عين البشر، فيأنس بها، ثم تغلب عليه حيرته المحبوبة اللذيذة، فيحجب عينيه بكفيه وينطلق يفكر، فإذا كفه تشفُّ عما وراءها، كأنما ينظر من خلال زجاج صاف شفاف! فيجفو مكانه ويمر هائماً على وجهه، فإذا هو يمضي بسرعة البرق، يخترق الصخر وينفذ من الجبال، فيزداد دهشة ويبالغ في مروره. ثم يسمع من يدعوه باسمه، فيقف ويلتفت، فإذا هو بابن صفوان. فيقبل عليه فرحاً بلقائه، ولكنه يرتد فجأة: أنت ابن صفوان؟
- نعم يا سيدي.
- ولكن ...
- ماذا؟
- إن بصري ينفذ من خلال جسمك!
стр. 224
- وأنا يا سيدي أرى ما وراءك!
- ويحك، وما هذا؟ أين نحن؟
- لست أدري.
- ألا تتذكر شيئاً؟
فيفكر ابن صفوان وينظر حواليّه: بلى؛ أذكر الموقعة.
- الموقعة؟ أي موقعة؟ ها، لقد ذكرتها؛ لقد عادت صورتها إلى نفسي. ولكن ... أين نحن؟ وأين جيش الحجاج؟
- هو هناك. أترى هذه النقطة الدقيقة المائلة في أقصى الحضيض؟
عبد الله: من المتكلم؟
ابن صفوان: من هو الذي يتكلم؟
- أنا.
يعجب عبد الله وابن صفوان، ويجيلان بصريهما في أرجاء الكون فلا يريان أحداً.
عبد الله: من أنت؟ أقول لك: من أنت؟
- ها أنذا! (ويظهر لهما).
عبد الله: زيد؟
- نعم، أنا زيد.
стр. 225
عبد الله: ولكنك قد مت منذ زمن طويل!
زيد: نعم، لقد مت منذ زمن طويل.
عبد الله: كيف تكون ميتاً وأنت حي تنطق؟
- كما تنطق أنت!
- ولكني لم أمت.
- نعم يا سيدي ... ولكن تعال معي.
وينحدرون بخفة البرق وسرعته كأنما كانوا يطيرون بغير جناح، فلا تمضي لحظة حتى يشرفوا على مكة.
زيد: ألا ترى يا عبد الله؟
عبد الله: ما هذا الذي أرى معلقاً على رمح؟
زيد: رأسك.
عبد الله: رأسي أنا؟ هل جننت يا زيد؟ عهدي بك رجلاً لَقِناً عاقلاً. هذا هو رأسي لا يزال مركباً بين كتفي!
زيد: وهذه هي جثتك مصلوبة.
عبد الله (وقد أخذته حيرة فجعل ينظر في جسده ويجسه): لا شك في أنك قد جننت يا زيد، إن جثتي صحيحة.
زيد: إنها جثتك، ألا تسمع؟
стр. 226
يصيخ عبد الله بسمعه، فيسمع حديث القوم حول جثته المصلوبة ولكنه لا يصدق.
عبد الله: مستحيل، إن جثتي كاملة. ألا تراها؟ تلك بقايا حشرة حقيرة، أأنا - ويحك - أدخل في جسم حشرة؟
زيد: ولكنك عشت فيها أكثر من سبعين سنة!
عبد الله: قلت لك مستحيل. لن أرضى أبداً بهذا السجن الضيق الخانق.
زيد: ألا ترى إلى هؤلاء الذين يحفّون بالجثة؟
عبد الله: بلى، أرى حولها كثيراً من هذه الحشرات الوضيعة.
زيد: هذا هو جيش الحجاج!
عبد الله: أأرواح بشر تدخل هذه الأجساد الحقيرة وتُسجَن فيها؟ إنني لأختنق من تصوري الحياة فيها لحظة.
زيد: كما يحس هؤلاء بالاختناق إذا تصوروا أنهم عاشوا لحظة في بطون أمهاتهم. لقد نسيت سجنك الثاني كما نسوا سجنهم الأول!
عبد الله: ولكنني لم أمت؛ أنا في غمرة الحياة!
زيد: إن هذه الحشرات تسمي الحياة الحقيقية موتاً.
стр. 227
عبد الله: يا للغباوة! ولكني لم أمت، بل أنا لم أعرف الحياة إلا اليوم.
زيد: ذلك لأنك مت!
عبد الله: أليس في الموت قيد؟
زيد: بلى، ولكنا مطلَقون: ﴿ولا تَحْسَبَنّ الذينَ قُتِلوا في سَبيلِ اللهِ أمْوَاتاً بَلْ أحياءٌ عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقون﴾. والآن ... هلمّ بنا!
عبد الله: دعني أرى أمي وأحملها.
زيد: لا؛ إنه لم يجئ أجلها فهلم بنا.
فينطلق الثلاثة إلى النعيم المقيم في السماء، كما تنطلق العجوز إلى العذاب الأليم في الأرض.
* * *
حل السلام في هذه البقعة التي خلقها الله للسلام الدائم، ونزل الحجاج يُزيل الأوضار عن الحرم ويرفع القواعد من البيت. ومرت الأيام سراعاً فووري ابن الزبير في لحده، واستغفر الحجاج من جريمة صلبه كما يُصلب المجرمون والمفسدون، وكادت الجروح تندمل، وأوشك الناس أن يستعيدوا هناءتهم وسعادتهم بعد هذه الحرب الطاحنة الضروس، ولكن أسماء لم تسترح ولم تهنأ، ولم يبق لها من الدنيا إلا قبر عبد الله تلبث الليالي والنهارات عاكفة عليه، تبكي وتدعو وتنادي عبد الله.
стр. 228
وكانت تتخيل كأن شخصاً قد ألمّ بها فتصرخ فيه: من أنت أيها الوغد؟ فيبتلع الصمت صيحتها ولا تسمع من مجيب، فتعود إلى تجرع آلامها وأحزانها.
وإنها لفي مقامها على القبر في وسط ليلة ساكنة، وإذا هي بيد تلمسها لمساً رفيقاً، فيذكّرها مسها بعالَم غامض يفيض باللذة والأنس، ويردها إلى ماضٍ بعيد لا تتبينه ولا تعرفه؛ عالم عبد الله والزبير، فتحاول أن تمسك بهذه اليد لترفعها إلى شفتيها، فإذا هي لم تمسك إلا الهواء. فيختلط عليها الأمر وتتعوذ بالله، وتمد يديها إلى كل جهة تتلمس صاحب هذه اليد فلا تقع يدها على شيء ... ثم تشعر بصوت مستمر يطنّ في أذنيها، ثم يقوى حتى يشبه هزيع الرعود، ثم يستحيل إلى ضجة هائلة تحسب أن الأرض لم تسمع مثلها. وتشعر بزلزال عظيم، فتميد بها الأرض وتهتز بشدة وعنف، ثم تحس بيد تقبض على خناقها، وتطير بها مع الرياح الأربع، لا بل الرياح الأربعين، فتحوم في أرجاء الكون بسرعة البرق الخاطف حتى تصير الدنيا كلها خلاء في نظرها، لأن نظرها لا يستقر على شيء. ثم تلقيها هذه اليد في أعماق هوة سحيقة فلا يبقى عضو من أعضائها إلا أصابه كسر أو حطم، وتجتمع عليها البرودة القاتلة والصمت المرعب والظلمة المتكاثفة، فلا تعي من بعدها شيئاً.
ولكنها تستفيق على صوت محبب إلى نفسها، يذكّرها جَرْسه ورنينه بعوالم تعرفها وتحبها، فإذا هي في دنيا عبد الله، قريبة منه، بل تسمع صوته يدعوها. يدعو أمه بأحب الأسماء إليها، فتمد يديها تمسح دمعة الفرح، فإذا هي مفتحة العيون تبصر عالماً من
стр. 229
النور كل ما فيه جميل ساحر، وإذا هي ترى عبد الله وقد عاد شاباً يفيض وجهه بشراً، فتمد ذراعيها تعانقه حقيقة!
- أهذا أنت يا عبد الله؟ كلا؛ كلا. إن عبد الله قد مات، فمَن أنت ويلك؟
- أنا عبد الله! سرعان ما نسيتِني يا أماه. أما تذكرين ليلة دفعتِني إلى الموت؟
- بلى، بلى، ولكن ... رباه! ماذا أرى.
- لقد حسبوني مت؛ ولكني ذهبت لأحيا الحياة الحقيقية مع أبي بكر والزبير، فتعالي يا أماه، تعالي!
- هأنذي قد جئت. عبد الله! أدركني ... إني أحس كأني أطير. بل أنا أطير حقاً! لقد عدت شابة. ماذا أرى؟ عبد الله ... عبـ ...
- مهلاً يا أماه؛ سنلتقي لقاء لا افتراق بعده.
- أقلت أ ... أ ...
* * *
ولما مر الناس في الصباح على قبر أمير المؤمنين وجدوا أمه، ذات النطاقين، أسماء بنت أبي بكر الصديق ميتة على القبر!
* * *
стр. 230
عشية وضحاها
هبطت ليلة الثلاثاء ١٥ رجب ٤٨٤هـ على قصر الملك الشاعر وهو لا يزال على العهد به منذ عشرين عاماً، سابحاً في النور، رافلاً في حلل النعيم، ولا يزال أهله سادرين في أفراحهم، واثقين بدهرهم، مطمئنين إلى سعدهم، ولم يُخِفْهم ما رأوا البارحة من طلائع الفاجعة ونُذُرها إذ أطبقت سحبها سوداً متراكبات ترتجس بالرعد، وتنبجس بالبرد (١)، وتعزف رياحها الهوج العاتيات ... لأنهم كانوا على يقين من زوالها، وكانوا يرجون - من بَعدها - صباحاً طلقاً، ضاحك الطلعة، ساجع (٢) الطير، مزهر الروض.
كذلك عوّدتهم الأيام حين غمرتهم بنعمها، وأفاضت عليهم متعها، ولم تمسك عنهم خيراً يطمع فيه عاشق ولا شاعر ولا ماجد شريف. وكان للملك من نفسه الكبيرة جيش إذا افتقد الجيش، وكان
стр. 231
عظيم الثقة بها والاعتماد - بعد الله - عليها، وكان فذاً قد جعلته خلائقه وما ورّثه الجدود بطلاً في الأبطال، فلم تنل من حماسته هذه الأحداث التي كرت عليه فجأة بعدما طال أنسه بالدعة، وبعدما نام عنه الدهر فطالت نومته وأضفى عليه ثوب السعادة فامتدت سعادته.
وكان قد نزل به في يومه ما لو نزل بملك غيره لطارت نفسه شعاعاً فحار وسُقط في يده فلم يعرف له مضطرباً، أو انصدع قلبه وانخلع فؤاده، واستسلم. ولكن المعتمد بن عبّاد لم يكن ليذل ولا ليجزع، بل احتمل هذه الشدائد صابراً عليها، مُعِداً العدة لدفعها.
لقد تجمعت عليه في يومه بلايا ثلاث، كانت كالحلقات في سلسلة أسره: انقلب عليه حليفه القوي أمير المؤمنين ابن تاشفين الذي أعانه على حرب الإسبان، وجاءته الأخبار عنه أنه قطع المجاز (١) أمس بالخميس العرمرم، لم يعدّه هذه المرة للإسبان ولم يَسُقْه ليذودهم به عن الوطن الإسلامي، وإنما أعده لحرب ابن عباد، وساقه عليه ليزيله به عن عرشه ويقتلعه من كرسيه. ولقد أذكى ابن تاشفين حميّة جنده بأن أراهم في هذا الزحف قربة إلى الله، وأنه في سبيله، وأنه ما أراد به إلا عز الإسلام بحطم هذه العروش الصغيرة وهذه الممالك المزورة:
ألقابُ مملكةٍ في غير موضعها ... كالهرِّ يحكي انتفاخاً صولةَ الأسدِ
стр. 232
فقد أطمع هذا التفرق العدو حتى أقدم على هذه الدويلات، فذلت له كلها وخضعت، ورضخت (١) له بالإتاوة (وكان الأعداء هم يؤدونها عن يد وهم صاغرون). وما ينبغي للمسلمين إلا دولة واحدة عليها أمير واحد، وما جزيرة الأندلس إلا ولاية في دولة المسلمين.
بذلك أضرم أمير المسلمين الحماسة في صدور قواده وجنده من البربر، فأقبلوا يطوون المراحل شوقاً إلى حرب هذا الذي فرق جماعة المسلمين وأطمع العدو فيهم، المعتمد، الذي كان بالأمس الداني صديقَهم وحليفهم، وكان مضيفهم، وكانوا يتغنّون بما رأوا منه من عجيب الكرم وما أوتيه من بارع الخلال.
ثم إن هؤلاء الأجناد الذين كان بعث بهم أمير المسلمين ليكونوا في ثغور الأندلس جنداً للمعتمد وعوناً له على عدوه وعدو الإسلام: الإسبان، واختارهم - لغرض يريده - من فرسان المرابطين وأهل الشدة والنجدة فيهم، هؤلاء الفرسان قد تركوا بالأمس ثغورهم لمّا بلغهم زحف أميرهم وأقبلوا على حرب الملك العربي النبيل، يؤثرونها على مواقعة الإسبان، ومروا يطحنون في طريقهم الأرباض والقرى، يأخذونها أخذ الفجاءة ويدعسون (٢)
стр. 233
مآثر العمران ويحطمون الجنان. وجابوا في هذه الكرّة الجائرة أودية كانت تميس بغلائل الربيع، وربا حالية بالزهر، وضياعاً عامرة ممرعة، فتركوها من ورائهم قاعاً صفصفاً وخلّوها بلاقع (١)، فكأنما مرت عليها ريح سموم محرقة لا تبقي ولا تذر!
وكانت ثالثة الأثافي هذه الثورة التي قدح زنادها ونفخ فيها دعاة الخصم المغير ومن شرى ضمائرهم بماله، فكادت تجعل على المعتمد دارة ملكه ناراً، ولكن الله أمكنه منها فأطفأها قبل أن تضرى وحكّمه في مجرميها، فأبى له نبل محتده وكرم طبعه إلا العفو عنهم عفو القادر المتمكن، وحِباءهم (٢) حباء الجواد المحسن!
* * *
لم يحفل الملك وقُطّانُ قصره هذه الرزايا، وعادوا منها بما عودتهم الأيام من غلبة الجد وتمام السعد، وظنوها - في جنب ما ألفوا من الخفض وعرفوا من اللين - كالخال الأسود في وجه الغانية الغيداء، لا يجيء ليسوده ولكن ليتم جمال بياضه. والخدر يعرّف الصحيح قيمة صحته، وسحابة الصيف لا تغيم حتى تنقشع.
وأوى الملك إلى سريره بعدما صرم أكثر ليله يعدّ قوته
стр. 234
ويقيم مسالحه (١). وكان يؤنسه أن يستمع في هدأة الليل إلى هذا الهتاف البعيد، وإلى صليل الأبواق وهزيم الطبول وهو يطرز حواشي السكون في هذا الليل الساجي؛ إنهم جنده الذين خاضوا معه لجج القتال المر، وشاركوه جنى النصر الحلو على أبواب قرطبة دار الصيد الأعزة من بني أمية يوم فُتحت له أبواب قرطبة، وفي «الزلاقة» يوم ساق الأذفونش فيالقه وجيوشه ليمحو - بزعمه - الإسلام من الأندلس فمُحي جيشه، ولولا المعتمد وجنده ما هُزم الأذفونش، ولكان المرابطون هم أصحاب الهزيمة يوم الزلاقة.
وأغفى الملك وهو يداعب ذكر ذلك الظفر، ويطوي سمعه على ضجيج جيشه الذي يحبه ويعتز به، ويود لو أن هذا الجيش قصر عزمه وبأسه على قتال الإسبان ولم يسئ إلى البطولة بحربه الإخوة المسلمين. ورأى الملك في منامه كأن هذا النشيد المدوي الذي نام عليه قد قوي واستفاض حتى رجعت أصلادُ إشبيلية صليلَه وعزيفَه (٢)، وعَظُمَ إرعاد تلك الطبول حتى أوشك أن يهز سريره بين جدران قصره، وخالطه صراخ وضوضاء، ففتح عينيه وأفاق مرتجفاً وأصاخ فسرعان ما أدرك: إنه العدو قد طرق المدينة، إنهم فرسان البربر الذين قلبوا له ظهور المجَانّ، فتخلوا عن ثغورهم
стр. 235
حيال الإسبان وأقبلوا عليه إقبال الذئاب الكواسر .... أولئك هم الذين كانت تؤنسه أصواتهم، فيطوي عليها سمعه حين أغفى.
* * *
وتلفت حوله فلم يجد إلا حرس القصر، وما كان حرس القصر رجال حرب ولا فرسان ضِراب، وأحس بالخطر، ورأى أنه قد كاد يفقد كل شيء. ولكنه لم يفقد الشرف ولا الشجاعة ولا النبل:
إن يسلُبِ القومُ العدى (١) ... مُلكي وتُسْلمْني الجُموعُ
فالقَلبُ بين ضلوعِهِ ... لم تُسلم القلبَ الضلوعُ
لم أُستَلَبْ شرفَ الطباعِ، ... أيُسلَبُ الشرف الرفيع
ولا يزال سيفه في يده، فخرج به وما عليه إلا غلالة رقيقة، لم يمهلوه حتى يلبس لأمته ويدرع. وأراد حرسه وأهله أن يجنبوه هذا الهلاك الأكيد، وأن يحسّنوا له الموادعة حتى تنكسر حدة الهجوم وتمكن البادرة:
قالوا الخضوعُ سياسةٌ ... فليَبْدُ منك لهم خُضوعُ
وبرزتُ، ليس سوى القميـ ... ـص عن الحَشا شيءٌ دَفوعُ
فأبت له مروءته وحميته، ونفس تعاف العار حتى كأنما هو
стр. 236
الكفر يوم الروع أو دونه الكفر، وأبت له ذكريات النصر ومواريث الجدود:
وألذُّ من طعمِ الخضوعِ ... على فمي السمُّ النقيعُ
أمن الموت يفر وقد كان يتعشقه ويطلبه ويسعى إليه، ولا يفكر - إذا خرج للقائه - في أهل ولا ولد؟
ما سرتُ قَطّ إلى القتالِ ... وكان من أملي الرّجوعُ
شِيَمُ الأولى أنا منهُمُ ... والأصلُ تتبعه الفروعُ
ولكنه كان يريده موتاً شريفاً نقياً كالفتاة المكنونة في الحجاب، لم تدنسها نظرات الإثم ولم تعلق بجمالها الريَب، وكان يهوى لقاءه في الملحمة الحمراء فيلحقه فيفر منه ويتأبّى عليه! أما هذا الموت الذي يُقبل عليه في غرفته إقبال اللص، ويلقاه في ضيق الدهاليز لا في رحب الميدان وفي سُدْفة الليل لا في سفر النهار، ويريده في غلالة الشاعر لا في درع البطل، فهو لا يطلبه ولا يحبه، بل لقد أحنقه ذلك عليه وملأ صدره غيظاً منه وكرهاً له، حتى نذر لئن واجه الموت هذه الليلة ليقتلن الموت! ولئن هو لم يقتل الموت، فلقد أحيا لمملكته الحياة، ولقد وفى نذره فردّ هذه الغاشية التي اقتحمت عليه حصنه على حين غفلة من أهله.
وضوّأ النهار إشبيلية وهي مقسمة الفؤاد بين فرح بالنصر وجزع من الخطر، وكان جند الملك الأشاوس قد وقفوا للدفاع عنها، لا يفتؤون - كلما سمعوا همسة ريح، أو هدير نهر، أو صفير طائر، أو نبأة خفية بين الأرض والسماء - يثبون إلى سيوفهم،
стр. 237
يتطلعون أبداً إلى الطرق من فرط تشوقهم للقاء هذا الخصم المغير، الذي كان بالأمس الحليف النصير! فإذا لم يروا أحداً رجعوا إلى مسالحهم يقظين مرتقبين. وكانت الحصون حول البلد وفي أطراف المملكة، محشوداً فيها الجند من كل كمي كأن قلبه من ثباته جلمد الصفا، وكان في أكبرها وأمنعها شبلا ذلك الأسد وفرعا تلك الدوحة الكريمة الباسقة، الراضي بالله والمعتد بالله، ولدا المعتمد بن عباد.
وكان عصر ذلك اليوم وأهل إشبيلية لا يزالون يتغنّون بمأثرة الملك الفارس، وقد فترت يقظة الجند حين توالى الأمان واطمأنوا إلى بعد العدو، فاستراحوا قليلاً بعد هذه الليلة الجاهدة. في تلك الساعة صرخ النذير كما يُنفَخ في الصور، فتجمع العسكر المكدود على عجل، وصدمتهم فرسان البربر من جهة البر ومن الوادي صدمة تحط الصخر من ذُراه، ولكنهم وجدوا المعتمد أثبت من الصخر وأيقظ من الصقر، فارتدوا بعدما فعلوا بالمدينة فعل الزلزال.
واستراحت إشبيلية أياماً، ثم جاء يوم الواقعة!
* * *
في يوم الأحد ٢٠ رجب سنة ٤٨٤هـ ارتجّت إشبيلية بأضخم جيش وطئ ثراها، جيش أمير المسلمين ابن تاشفين، الذي حشد له من غطارفة المرابطين كل بطل غَشَمْشَم (١)، يقوده ابن أخيه،
стр. 238
كبش القوم وفارسهم، سير ابن أبي بكر، وجمع له فيه من قبائل البربر جناً مقاتلة كأنهم - من طول ما ألفوا الخيل - قد وُلدوا على ظهورها، بعدة لهم ضخمة وعديد، فسدوا مطلع الشمس، وحطوا على البلد حط الجراد وطوقوه تطويق القيد، وانضم إليهم فرسان الثغور، ثم أطبقوا على ابن عباد كالسيل الأتِيّ الدفّاع.
أثار المعتمد في نفوس جنده حميتهم وكبرياءهم، وأنشدهم أبرع أناشيد البطولة، ولون لهم الموت بأجمل الألوان، وعرض عليهم تحاسين المجد وتهاويله، فثبتوا وجاؤوا من فنون القتال بأعجبها وأشرفها. وناضل الملك البطل حتى لم يبقَ مناضل، وضارب حتى تحطمت في يده السيوف، ودافع حتى استنفد آخر نقطة من القوة البشرية التي أودعها الله فيه، ثم سقط مغسلاً بدماء جراحه، وتحطم السد فانطلق السيل ... ونُفضت قصور الملك عن غيدها وكنوزها فعادت أطلالاً ... وهوى الصرح الذي أقامه من النبل والحزم والكرم الغرُّ البهاليل (١) بنو عباد.
* * *
إن البطل الحق لا يستهويه الظفر حتى يستخفه، ولا تُعِزّه (٢) الهزيمة حتى تسحقه، بل يتلقاها بعزم وجلد وفؤاد ثابت، وكذلك فعل المعتمد؛ فلم تذل نفسه، ولم يضرع، ولم يتهافت. بل تلقى قضاء الله تلقي المؤمن، وكتب إلى ولديه يستنزلهما من حصنيهما
стр. 239
حين قسره الغالبون فلم يجد إلا ذاك، وكتبت السيدة الكبرى أمهما. وكانا في حصنين أمنع من النجم، تهاوت الحصون وهما ثابتان. ولكن ماذا ينفع حصنان وقد باد الملك، وماد العرش، وساد المرابطون؟
فلما أطاعا ونزلا قُتل الراضي على باب حصنه، واستُصفي مال أخيه وتُرك على شر حال. ثم اقتيد المعتمد وأهله مجردين من الأموال، مقيدين بالقيود الثقال، ليلقوا ما قُدّر عليهم في صحراء المغرب.
* * *
كان إذا خرج موكب المعتمد أطلت عليه كل فتاة في حمص (١) تختزن صورته لتزين بها أجمل رؤاها وأحلى أحلامها، وتطلع إليه كل شاب ينقش رسمه على شغاف قلبه ليجعله مثلاً له في المعالي، وملأ عينه منه كل أندلسي، لأنهم كانوا يحسون أنه عز لهم وفخر، وأنه حبيب إلى قلب كل أندلسي. وإن عاد مظفراً قاموا على طريقه يرشقونه بأجمل أزهار الجنة.
أما اليوم فقد خرجوا بغير ورد ولا زهر؛ خرجوا وما أعدوا إلا عيوناً تبكي لو استطاعت بدل الدمع دماً، وقلوباً تفديه بحبّاتها لو كان يمكن الفداء. وجرى النهر ذلك اليوم متطامناً خافت الخرير، لا يصخب ولا يهدر، كأنه هو الآخر قد أحس بالألم:
стр. 240
والناس قد ملؤوا العُبرين واعتبروا ... من لؤلؤ طافيات فوق أزبادِ
وكانوا ساكتين قد عقدت الذهلة ألسنتهم، وأمسكت الأحزان وسيوف المرابطين أفواههم، حتى الأطفال لم يكن فيهم من يبكي أو يصرخ، حتى إذا قُدمت بنات الملك الأسير يجرهن جند من البرابرة جرّ الشياه إلى المسلخ وقد:
حُط القناع فلم تُستَر مخدرة ... ومُزِّقت أوجهٌ تمزيقَ أبرادِ
أوجه تزري بالأقمار، وأجسام ألطف من الياسمين الغض وأرق من شعاع البدر على البحيرة الصافية في ليلة غرام! ثم طلع الملك، لا تاج على رأسه ولا سيف في يده ولا لواء يخفق على هامته، ولا جند من حوله يفدونه بالأرواح ويبذلون دونه حر الدماء، بل حوله جند من البربر، وفي يديه قيود ثقال، وما عليه إلا أطمار ... تفجرت الأحزان مدامع، وانشقت القلوب صرخات، وتحركوا لنصرة الملك، ولكن البربر كانوا خلالهم ومن فوقهم ومن تحتهم.
حان الوداعُ فضجّتْ كلُّ صارخةٍ ... وصارخٍ من مُفدّاةٍ ومن فادي
ووضعوا الملك في السفينة، ومن حوله نساؤه وبناته مقرونات بالحبال، مطرقات كاسرات الطرف تلوح قطرات دموعهن في ضياء الشمس كالآلي:
حموا حريمَهمُ حتى إذا غُلبوا ... سيقوا على نَسَقٍ في حبلِ مُقتادِ
ورفع الملك رأسه ونظر إلى جنده، وانتزع من آلامه ابتسامة لاحت على شفتيه كما تلوح خيوط الشمس لحظة خلال السحاب
стр. 241
في يوم غائم، وحاول أن يقول فضاع صوته في عويل الناس وصخب البربر، وأراد أن يشير بيده التي طالما هز بها أعواد منبر وطالما أشار بها إلى ظفر فحركت إليه الكتائب السود، وطالما أغنى بها فقيراً وفك أسيراً وأجاز شاعراً وفعل بها المكرمات، أراد أن يشير بها فأثقلها حديد القيود، فأحنى رأسه وأطرق، و ...
سارت سفائِنهم والنَّوْحُ يتبعُها ... كأنها إبلٌ يحدو بها الحادي
* * *
وعاد الناس إلى بيوتهم وما يصدقون أنهم فقدوا المعتمد بن عباد!
أفي عشية وضحاها يُطمس كتاب كله مجد وكرم أُلِّف في عشرين سنة؟ ألم يعد يطلع عليهم موكب الشاعر الذي يغني للحياة أجمل أغانيها، ولا الفارس الذي ينظم للبطولة أروع أناشيدها. إنهم لا يستطيعون أن يصدقوا؛ فهُرعوا إلى تلك القصور التي ارتضاها لسكناه المجد، واختارها الفن وأقام فيها النبل، فلما بلغوا أسوارها لاحت لهم من بعيد كأنها لا تزال عامرة بالملك الهمام. فلما اقتربوا منها لم يصافح أسماعهم صوت شاعر بنشيد، ولا قائد بنداء، ولم تأخذ أبصارُهم علماً يخفق ولا راية ترفرف، ثم بدت لهم الرياض وقد جف نبتها، وصوّح زهرها، والدور قد هُدّمت جدرانها وهُدّت أركانها. وإذا القصر الذي كان يعبق بريا القرنفل وشذا الفل تفوح منه روائح الموت، وإذا تلك الغرف والمقاصير التي كانت تسطع فيها الأضواء، فترقص أشعتها على العمد المزخرف والأساطين المنقوشة، قد محي نقشها وطمس
стр. 242
زخرفها وعشش فيها البلى ... هناك علموا أنها قد وقعت الواقعة وكان ما قدر الله أن يكون:
عرينةٌ دخلَتْها النائباتُ على ... أسَاوِدٍ لهُمُ فيها وآسَادِ
وكعبةٌ كانت الآمالُ تعمُرُها ... فاليومَ لا عاكِفٌ فيها ولا بادي
فمن للعفاة تعمهم جدواه؟ من للجيران تحميهم بواتره وتحييهم عطاياه؟ من للفرسان الغطاريف يقودهم إلى النصر حين يخفى على الدليل سبيل النصر؟
لقد ذهب من كان لهم، فيا من يقصد الملك الشاعر! إنه لم يبقَ هنا ملك؛ إنها قد خلت منه داره وبَعُدَ مزاره:
يا ضيفُ أقفَرَ بيتُ المَكرُماتِ فخُذْ ... في ضَمّ رَحْلِكَ واجمَعْ فضلةَ الزادِ
ويا مُؤمِّل واديهم ليَسْكُنَه ... خفّ القطينُ وجفّ الزرعُ في الوادي
وأنت يا فارسَ الخيل التي جعلت ... تختَالُ في عدد منها وأعداد
ألقِ السلاحَ وخلِّ المشرَفيّ فقد ... أصبحتَ في لهَوَاتِ الضيغَمِ العادي
* * *
ضلت سبيلُ النّدى يا ابنَ السّبيلِ فسِرْ ... لغيرِ قصدٍ فما يهديك من هادي
كذلك ذهب الملك الشاعر البطل، الذي كان في ملوكيته وفنه ونبله تمثالاً للإنسان الذي كانت تتمنى كل حامل في الأندلس أن تلده، ويتمنى كل ناشئ متطلع إلى العلا أن يكونه.
الملك، الذي كان زمانه كله فجراً رخياً ناعماً، وأيامه كلها ربيعاً بهياً باسماً.
стр. 243
الشاعر، الذي كان شعره لحن كل قلب مدلّه بالجمال مفتون بالفن.
البطل، الذي بنى لقومه مفاخر في السناء ومآثر.
وكذلك أُلقي الستار (بين عشية وضحاها) على ملحمة فخمة فيها أجمل مشاهد الهوى والشباب، والبطولة والظفر، والسماحة والكرم، والشعر والطرب، والغنى والترف، ورُفع عن مأساة من أفجع المآسي التي «عُرضت» على مسرح هذا الكون!
* * *
стр. 244
آخر أبطال غرناطة
لم تشهد شمس اليوم الواحد والعشرين من المحرم سنة ٨٩٧ هـ حينما أطلت على غرناطة تلك المدينةَ الضاحكةَ للحياة، الساكنةَ إلى النعيم، السابحة في جو النغم العذب والعطر الأريج، بل رأت مدينةً واجمةً حَيرى، قد أقفرت من الرجال إلا قبضة من الأبطال رابطت حيال الأسوار، هي بقية ذلك الجيش الذي دانت له إسبانيا كلها وأظلت ألويته فرنسا وإيطاليا ... قد وقفت تدافع عن آخر حصن للإسلام في هذا القطر الممرع، تذود عن بيوت الله ومقابر الأجداد.
ولقد جازت غرناطة أياماً سوداً عوابس، ورأت مصائب ثقالاً متتابعات، ولكنها لم تجد مثل هذه الليلة التي قضتها مسهدة مذعورة، تنظر حواليها فلا تبصر إلا مدناً خضعت للعدو فجاس خلالها واستقر فيها، وقد كانت أرض العروبة وكانت ديار الإسلام، وأمة استُذلت واستُعبدت، وقد كانت أعز من النسور وأمنع من العقبان، وبقيت هي وحدها تحمي الحمى وتدافع عن الأرض والعرض والدين، وتحمل وحدها أوزار الماضي وما كان فيه من تخاذل وأثَرة وانقسام، وتؤدي وحدها الدَّين، دَين الجهاد
стр. 245
الذي كان في أعناق مدن الأندلس كلها والمسلمين أجمعين، فنامت عنه مدن الأندلس وشغلتها خيالات الإمارة وألقاب مملكة في غير موضعها!
وجعلت تنظر غرناطة إلى القصر البهي العظيم (وهو آخر هاتيك القصور التي شغل رواؤها الأمراء، وأنستهم سكناها أخلاق صحرائهم الأولى، فكانت مقابر لأمجادهم) طفقت تنظر إليه فلا ترى من بُناة الحمراء إلا الرجل الضعيف والمرأة الملتحية التي اسمها أبو عبد الله الصغير، وأمه الشريفة الأبية، الرجل الذي خُلق في جسم امرأة: عائشة. فحولت وجهها عن القصر إلى جهة السور تسأل: هل عاد موسى؟
ولقد كان «موسى» أملَ هذا الشعب وإليه مفزعه، وعليه بعد الله اعتماده. بدا له في ساعة الخطر كما يبدو النجم الهادي للضال الآيس.
لقد طلع فجأة من الظلام، ظلام الدهماء، فإذا هو يلمع في لحظة واحدة التماع البدر المنير (وكذلك يقذف هذا الشعب المسلم بالأبطال كلما حاقت الشدائد وادلهمّت الخطوب)، وإذا هو أمل أمة، وإذا هو ملء السمع والبصر، وملء السهل والجبل، وإذا هو بطل المعركة المكفهرّة. دعا إلى القتال شعباً كلَّ من القتال فلباه على كَلاله، هذا الشعب الذي علمه محمد ﷺ كيف يلبي كلما دعي إلى التضحية والجهاد، لباه وتشققت أسماله البالية عن أسود غاب وسباع عرين، ووقف بهؤلاء الأسود في وجه السيل
стр. 246
الإسباني الطامي وما زال ثابتاً، ولكن أسوده قد سقطوا صرعى في ميادين الشرف.
خرج موسى منذ إحدى عشرة ساعة يضرب الضربة الأخيرة ينال بها إحدى الحسنيين، إما النصر وإما الشهادة، ويرد العدو الذي أبقى عليه حِلم المسلمين حتى قوي بضعفهم واشتد بلينهم، وانتزع منهم الأرض قرية قرية، وبلداً بلداً، حتى أقبل يطردهم من آخر منزل لهم في الأندلس، من غرناطة.
* * *
وعلت غرناطة فترة الجزع من خوفها على موسى. لقد جعلته قائدها، وسلمته الدفة ليقود السفينة الهائمة على وجهها وسط الأعاصير والزوابع إلى الشاطئ الآمن، فإذا عجز موسى عن نجاتها لم يُنجها أحد من بعده. وقد كان موسى آخر خيط من خيوط الرجاء، وآخر شعاعة من هذه الشمس التي سطعت فملأت الأرض نوراً وهدى ثم أدركها المغيب، فإذا انقطع هذا الخيط عمَّ ظلام اليأس وانتشر. وقد كان موسى آخر مقطع من هذا النشيد الذي ألف مطلعه طارق، ثم توالى على نظمه «شعراء» البطولة: عبد الرحمن وعبد الرحمن وعبد الرحمن، الغافقي والداخل والناصر، فحمله الأبطال المساعير إلى الأقاصي والأداني، وتجاوبت بأصدائه سهول فرنسا وبطاح إيطاليا، ثم ضعف وتخافت ولم يبق منه إلا هذا المقطع، فإذا انقضى جف النشيد على الشفاه وانقطع ومات.
وقد كان موسى آخرَ سطر في سفر الحق والبطولة والمجد،
стр. 247
ذلك الذي كتبه العرب المسلمون في ثمانمئة سنة، فمحاه الإسبان في سنوات، ولم يبق إلا هذا السطر، فإذا طُمس ذهب السفر وباد. وقد كان موسى آخر نفَس من أنفاس الحياة في الأندلس المسلمة، فإذا وقف هذا النفَس الواحد وسكن هذا الذماء الباقي صارت الأندلس المسلمة أثراً بعد عين، وصارت ذكرى عزيزة في نفس كل مسلم وأمانة في عنقه إلى يوم القيامة.
* * *
وانطلقت من أعالي الأسوار أن: "لقد عاد موسى"، فتقاذفتها الألسن وتناقلتها الآذان، فطارت في أرجاء المدينة وسارت في جوانبها مسير البرق، فبلغت الساحات والدروب، وولجت الدور والمنازل، وأوغلت خلال البيوت والسراديب، فلم تلبث أن نفضتها نفضاً فألقت بأهليها إلى الأزقة والشوارع، فإذا هي ممتلئة بالناس من كل جنس وسن ومنزلة، وإذا هي تزخر بهذا النهر الإنساني الذي يجري صوب الأسوار صخّاباً جيّاشاً مُزبداً، يتحدر ويسرع مجنوناً كأنما تدفعه قوة خفية هائلة احتوتها الكلمات السحرية «المكهربة» الثلاث: "لقد عاد موسى"!
لقد كان يوماً من الأيام الغر التي تضيء الطريق لمن يسلك فجاج التاريخ، وتجيء في الليالي كالعبقري في الناس، وتصنع العجائب لتكون معجزة في الزمان، ما شهدت مثله غرناطة، ولا أبصرت منه (إلا قليلاً) عين الوجود! إنه يوم أضاع فيه الناس غريزة المحافظة على الذات في غمار غريزة النوع، ونسوا نفوسهم ليذكروا الدين والوطن، وانبتّوا من الحاضر المقيت ليعيشوا في
стр. 248
الماضي الفخم؛ فماج في سوح غرناطة بحر من الأجسام البشرية حمل أصحابُها أرواحَهم على أكفّهم، وقدّموا بين أيديهم دماءهم التي غضب فيها ميراث ثمانية قرون كلها مجد وعز، ونفوسَهم التي عصفت فيها ذكريات ألف معركة منصورة، فمشت في الأعصاب النار، واستعد كتّاب التاريخ ليكتبوا أعجب موقف للشعب إذا هبّ.
ووصل موسى، ذلك البطل البدري الذي أخطأ طريقه في الزمان فلم يأتِ في سنوات الهجرة الأولى، بل جاء في الأواخر من القرن التاسع، ولم يطلع في الحجاز التي كانت تبتدئ تاريخها المجيد، بل في الأندلس التي كانت تختم تاريخها.
وكانت تعلوه كآبة، فأنصت الشعب واحترم كآبة هذا الرجل الذي لو سبق به الدهر لصنع يرموكاً أخرى أو قادسية ثانية، ولكن الله الذي فتح تاريخنا في الأندلس بموسى، قد ختمه الآن بموسى!
ونظر موسى حوله، فإذا حوله شيوخ قد أراق الكرم على شيباتهم بهاءه ونوره، وأطفال كالزهر فتحوا عيونهم على الدنيا فوجدوها غارقة في بركة من الدم، ونسوة تفتحت تفتح الأكمام عن زهراتها فرأت الطرقات مَن لم تكن الشمس تراهن صيانة وتعففاً، قد برزن يَسِرْنَ إلى المعركة ويزاحمن الرجال، ولم يكُنّ يخشين على جمالهن، فقد غطت عاطفة الجهاد على عاطفة الجنس، فكان كل رجل أخاً فيه لكل امرأة.
стр. 249
فأحنى رأسه، ورأى الناس في عيني البطل دمعة تترقرق، وفتح فمه فحبس الناس أنفاسهم.
فإذا هو يعلن النبأ المهول، نبأ تسليم أبي عبد الله الصغير مفاتيح غرناطة!
نبأ بدا صغيراً كما تبدو المصائب، فلم يدر الناس لهول المفاجأة ما أثر هذا وما خطره، ولكن القرون الآتيات درت ما أثر هذا النبأ ولم تفرغ - إلى اليوم - من وصف فواجعه وأهواله.
ونظر موسى فإذا الصرح الذي أنفق في إقامته الدهر الأطول قد انهار في دقائق، وإذا هذه الديار التي سُقيت بدم الجدود وامتزجت برفاتهم وقامت على أيديهم يسلمها جبان مأفون للعدو المغير، وإذا السادة صاروا خَوَلاً والملوك عبيداً ... وجعل يفكر في هذه الفئة التي حوله، في أكرم زهرات غرناطة وأزكاها، هل يُجنّبها الموت الحاصد ويردها إلى حيث وجدت الراحة والدعة، أم يخلصها من حياة كلها ذل وألم ويسوقها إلى موت شريف؟
وإنه لفي تفكيره وإذا بأطفال غرناطة ينشدون ذلك النشيد الذي لا يُعرف من نظمه لهم، فيصغي الناس ويستمع الفلك الدائر:
لا تبكي يا أماه؛ إنّا ذاهبون إلى الجنة.
إن أرض غرناطة لن تضيق عن لحد طفل صغير مات في سبيل الله.
стр. 250
إن أزهار غرناطة لن تمنع عطرَها قبراً لم يمتع صاحبه بعطر الحياة.
إن ينابيع غرناطة لن تحرم ماءها ثرى لحد ما ارتوى صاحبه من مائها.
أنت يا أرض غرناطة أمنا الثانية، فضمينا إلى صدرك الدافئ الذي ضم آباءنا الشهداء.
لا تبكي يا أماه، بل اضحكي واحفظي لعبنا، سيأتي إخوتنا فيلعبون بها.
فذكّريهم بأننا تركناها من أجل هذا الوطن، بل في سبيل الله.
سنلتقي يا أماه! إنك لن تؤثري الحياة في ظلال الإسبان على الموت تحت الراية الحجازية، راية القرآن.
ولن تضيق عنا أرض غرناطة. ما ضاقت أرضنا بشهيد.
* * *
ولم يعد يطيق موسى أكثر من ذلك، فلكز فرسه وانطلق إلى حيث لا يدري أحد، كما جاء من حيث لم يَدرِ أحد.
وكذلك يذهب آخر أبطال الأندلس، لم يخلف له قبراً في الأرض ولا سيرة واضحة في التاريخ، بل مرّ على الدنيا كأنه حلم بهيج!
رحمة الله على موسى بن أبي الغسان، وعلى أولئك الأبطال.
* * *