١٤٠١ - حديث: "أيُّ العمل أفضلُ عند الله قال: إيمان بالله والجهاد وحجٌّ مبرور ".
قال الطيبي: هي أخبار مبتدأ محذوف، فإن قلت: لم لا تحملها على الابتداء محذوفة الأخبار؟ قلت: يأبى التنكير في الإيمان ذلك، على أن المقدر في الكل أفضل الأعمال، وهو أعرف من (حج مبرور)، ومن (إيمان بالله)، فأجرى الجهاد مجراهما مراعاة للتناسب.
١٤٠٢ - حديث: "يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ من الحلال أم من الحرام ".
قال الطيبي: يجوز أن تكون (ما) موصوفة أو موصولة، والضمير المجرور راجع إليها و (من) زائدة على مذهب الأخفش، و (ما) منصوب على نزع الخافض، أي: لا يبالي بما أخذ من المال، و (أم) متصلة، ومتعلق (من) محذوف، والهمزة قد سلب عنها معنى الاستفهام، وجردت لمعنى الاستواء.
فقوله: (أمن الحلال أم من الحرام) في موضع الابتداء، و (لا يبالي) خبر مقدم، يعنى الأخذ من الحلال ومن الحرام مستو عنده، لا يبالي بأيهما أخذ، ولا يلتفت إلى الفرق بين الحلال والحرام، كقوله تعالي: (سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم) أي سواء عليهم إنذارك وعدمه.
стр. 1017
١٤٠٣ - حديث: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار ".
قال النووي: (أنا الدهر) بالرفع، وقيل بالنصب على الظرف، أي: أنا باق أبدًا.
والموافق لقوله: (إن الله هو الدهر)، الرفع.
وقال الزركشي: كان أبو بكر بن داود الظاهري يراه بالفتح نصبًا على الظرف أي: أنا طول الدهر بيدي الأمر.
وكان يقول: لو كان بالرفع لصار اسمًا من أسماء الله تعالى، وقد جوز النصب جماعة منهم النحاس.
وقال عياض: نصبه بعضهم على الاختصاص، والظرف أصح.
وقال الطيبي: روي نصب (الدهر)، أي أنا أقلب الليل والنهار في الدهر، والرفع أولى، لأنه لا طائل تحته على تقدير النصب، أما معنى فلأنه لا فائدة في قوله: (أنا أقلب الليل والنهار في الدهر)، لأن الكلام مسوق للرد على الساب والإنكار عليه.
وأما لفظًا، فلأن تقديم الظرف إما للاهتمام أو الاختصاص، ولا يقتضي المقام ذلك؛ لأن الكلام مفرغ في شأن المتكلم، لا في الظرف، ولهذا عرف الخبر باللام لإفادة الحصر، فكأنه قيل: (أنا أقلب الليل والنهار لا ما تنسبونه إليه).
وقيل: (الدهر) الثاني غير الأول، وإنما هو مصدر بمعنى الفاعل، ومعناه أنا الدهر المصرف المدبر المفيض لما يحدث. وقيل: فيه إضمار المضاف، والتقدير: أنا مقلب الدهر والمتصرف فيه.
стр. 1018
١٤٠٤ - حديث: "ليأتينّ على الناس زمان لا يبقى أحدٌ إلا أكل الربا ".
قال الطيبي: المستثنى صفة لـ (أحد)، والمستثنى منه أعم عام الأوصاف، إلا الأكل.
١٤٠٥ - حديث: "لا يبعْ بعضكم على بيع بعض ".
قال الطيبي: ضمن (البيع) معنى الغلبة والاستعلاء فعداه بعلى.
قال في المغرب: باع عليه إذا كان على كره منه.
١٤٠٦ - حديث: "ثلاثة أنا خصمُهم ".
قال البيضاوي: (الخصم) مصدر خصمته أخصمه، نعت به للمبالغة كالعدل والصوم.
قوله: (رجل أعطى بي ثم غدر).
قال الطيبي: (أعطى) يقتضي مفعولاً.
وقوله: (بي) أي: موثقًا بي.
١٤٠٧ - حديث: "من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له، ثم أنصت حتى يفرغ
стр. 1019
من خطبته ثم يصلي معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام".
قال الشيخ أكمل الدين: قوله: (ثم يصلي) معطوف على (يفرغ) لزيادة مناسبة بينهما.
وقوله: (غفر له يحتمل أن يكون جزاء الشرط وأن يكون دعاء له، وحينئذ يكون المشروط الإخبار باستحقاقه لذلك).
ونظيره في ذلك: حديث: "من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أداها الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله"، يحتمل أن يكون واحدة من الجملتين جزاء الشرط، أو خارجة مخرج الدعاء له والدعاء عليه.
وقوله: (وفضل) بالرفع معطوف على (فيما بينه)، ويجوز أن يكون مرفوعًا بفعل مقدر، أي وزيد ثلاثة أيام من أيام العبادة، يعني ثوابها.
وقال النووي: هو بنصب (فضل) على الظرف، وكذا قوله في الرواية الأخرى، (وزيادة ثلاثة أيام) منصوب على الظرف.
١٤٠٨ - حديث: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب فإن الله يقبلها بيمينه ".
قال الشيخ أكمل الدين: (الكسب) في الحديث بمعنى المكسوب.
وقوله: (ولا يقبل الله إلا الطيب)، جملة معترضة بين الشرط والجزاء لتؤيد ما قبله.
١٤٠٩ - حديث: "أيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه، احتجب الله وفضحه في الأولين والآخرين على رؤوس الخلائق ".
стр. 1020
قال الطيبي: قوله (في الأولين) يحتمل أن يكون ظرفًا للفضيحة، و (على رؤوس الخلائق) حالاً من الضمير المنصوب، ويحتمل أن يكون حالاً مؤكدة.
١٤١٠ - حديث: "إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم ".
قال الطيبي: (إخوانكم) فيه وجهان: أحدهما: خبر مبتدأ محذوف، أي مماليككم إخوانكم، ويجوز أن يكون مبتدأ، (وجعلهم الله) خبره.
١٤١١ - حديث: "نعما للمملوك أن يتوفاه الله بحسن عبادة ربه وطاعة سيده ".
قال الطيبي: في (نعما) ثلاث لغات: كسر النون وإسكان العين، وكسرها، وفتح النون وكسر العين.
و (ما) في (نعما) نكرة غير موصولة ولا موصوفة بمعنى شيء، و (أن يتوفاه) مخصوص بالمدح، تقديره: نعم شيء للمملوك يوفيه الله إياه.
١٤١٢ - حديث: "بعث النبي ﷺ أبان على سرية ".
قال ابن مالك: ليس فيه إشكال، لأن "أبان" علم على وزن أفعل، فيجب أن لا ينصرف. وهو منقول من "أبان" ماضي "يبين". ولو لم يكن منقولا لوجب أن يقال فيه "أبين" بالتصحيح.
وفي روايته مفتوح النون شاهد على خطأ من ظن أن وزنه "فعال"، إذ لو كان كذلك لنون لأنه على ذلك التقدير عار من سبب ثان للعلمية.
قوله: (قال أبان وأنت بهدايا وبر).
стр. 1021
قال الكرماني: أي ملتبس بهذا القول، أوقائل بهذا.
١٤١٣ - حديث: "من تطهر في بيته ثم مضى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطوتاه إحداها تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة ".
قال الشيخ أكمل الدين: (خطوتاه) اسم كان و (إحداها) بدل منه، و (تحط خطيئة) خبره.
١٤١٤ - حديث: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ذخرًا بله ما أطلعتم عليه ".
قال الكرماني: (ذخرًا) منصوب متعلق بـ (أعددت) و (بله)، بفتح الموحدة، وسكون اللام، وفتح الهاء، معناه: دَعْ. ويقال: معناه سوى، أي: غير ما ذكر الله لكم في القرآن. الخطابي: كأنه يريد به: دع ما اطلعتم عليه فإنه سهل يسير في جنب ما ادخرته لكم.
ويقال أيضًا بمعنى أجل.
وحكى الليث أنه قال: بمعنى: فضل، كأنه يقول: هذا الذي غيبته عن علمكم فضل ما أطلعتم عليه منها.
الصغاني: اتفقت جميع نسخ الصحيح على: (من بله)، والصواب إسقاط كلمة (من) منه.
وقال ابن مالك في توضيحه: المعروف استعمال (بله) اسم فعل بمعنى: اترك،
стр. 1022
ناصبًا لما يليه بمقتضى المفعولية، كقول الشاعر:
تمشي القطوف إذا غنى الحداة بها ... مشي الجواد فبله الجلة النجبا
واستعماله مصدرًا بمعنى "الترك"، مضافًا إلى ما يليه. والفتحة في الأول بنائية، وفي الثاني إعرابية، وهو مصدر مهمل الفعل، ممنوع التصرف. وندر دخول "من" عليه زائدة في هذا الحديث.
وقال صاحب البسيط: المشهور في استعمال (بَلْهَ) وجهان: أحدهما: أن يكون اسمًا للفعل مسماه دع، فينتصب المفعول وهو مبني، والثاني: أن يكون مصدرًا مضافًا إلى مفعوله بمعنى الترك، وهو معرب على هذا الوجه، وهو من المصادر التي لا فعل لها، إلا على رأي العبدي.
وعن الأخفش أنها حرف جر يستثنى منها بمنزلة حاشا وعدا، وقيل: اسم بمعنى سوى.
وقال ابن هشام في المغني: (بله) منصوب على ثلاثة أوجه، اسم لدع، ومصدر بمعنى الترك، واسم مرادف لكيف، وما بعدها منصوب على الأول، ومخفوض على الثاني، ومرفوع على الثالث.
وفتحها بناء على الأول والثالث، وإعراب على الثاني.
ومن الغريب ورودها في هذا الحديث معربة مجرورة بـ (من)، وخارجة عن المعاني الثلاثة، وفسرها بعضهم بغير، وهو ظاهر، وبهذا يتقوى ما بعدها من ألفاظ الاستثناء.
стр. 1023
١٤١٥ - حديث: "لا يفترق البيّعان إلا عن تراض ".
قال الطيبي: قوله: (عن تراض) صفة مصدر محذوف، والاستثناء متصل، أي: لا يتفرقان إلا تفرقًا صادرًا عن تراض.
١٤١٦ - حديث: "من قذف مملوكه وهو بريء لما قال، جلد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال ".
قال الطيبي: الاستثناء مشكل، لأن قوله: (وهو بريء) يأباه (اللهم) إلا أن يؤول قوله: (وهو بريء).
أي: يعتقد ويظن براءته، ويكون العبد كما قال في الواقع، لا ما اعتقده، فحينئذ لا يجلد، لكونه صادقًا فيه.
١٤١٧ - حديث: "لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثَمُ له عند الله من أن يعطى كفارته ".
قال الطيبي: (آثم) إن كان بمعنى اسم الفاعل فإنه لا يتعدى، كما في قولهم: الناقص والأشج أعدلا بني مروان، ولا يستبعد أن يقال: إنه من باب قولهم: الصيف أحر من الشتاء.
стр. 1024
١٤١٨ - حديث: "يمينك على ما يصدقك على صاحبك ".
قال الطيبي: (يمينك) مبتدأ، و (على ما يصدقك) خبره، أي: لا يقع واقع عليه لا تؤثر فيه التورية.
١٤١٩ - حديث: "من لا يرحم لا يرحم ".
قال القاضي عياض: ضبطهم فيه بالضم على الخبر، وقال أبو البقاء: الجيد أن تكون (من) بمعنى الذي فيرتفع الفعلان، وإن جعلت شرطًا تجزمهما جاز.
وقال السهيلي: حمله على الخبر أشبه بسياق الكلام، لأنه مردود على قول الرجل: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا، أي: الذي يفعل هذا الفعل لا يرحم.
ولو جعلها شرطًا، لانقطع الكلام مما قبله بعض الانقطاع، لأن الشرط وجوابه كلام مستأنف، ولأن الشرط إذا كان بعده بفعل منفي، فأكثر ما ورد منفيًا بلم، لا بلا، كقوله تعالى: (ومن لم يؤمن بالله) [الفتح: ١٣]، (ومن لم يتب) [الحجرات: ١١]، وإن كان الآخر جائزًا، كقول زهير:
.... ... ... ومن لا يظلم الناس يُظْلَمِ
стр. 1025
وقال الشيخ أكمل الدين في شرح المشارق: روي بالسكون والرفع، أما السكون فيهما فعلى الشرط والجزاء، وأما الرفع في الأول فبجعل (من) موصولة، ويجرد الفعل حينئذ عن العوامل اللفظية، وكذلك في الثاني، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي فهو لا يرحم.
وقوله: (من لا يرحم) على كل واحد من التقديرين يوجه على معنيين، أحدهما: أن ينزل الفعل المتعدي منزلة اللام، أي من لا يكون من أهل الرحمة كما في قوله تعالى: (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) [الزمر: ٩].
والثاني: أن يكون كنّى به عن الفعل مع مفعول، أي: من لا يرحم الناس.
وقد عرف ذلك في المعاني، ويؤيد هذا الوجه رواية جابر: "من لا يرحم الناس لا يرحمه الله".
١٤٢٠ - حديث: "لأنا بهم أو ببعضهم أوثقُ مني بكم أو ببعضكم ".
قال المظهري: (أنا) مبتدأ، و (أوثق) خبره، و (مني) صلة أوثق، والباء في (بهم) مفعوله، و (أو) عطف على (بهم)، والباء في (بكم) مفعول فعل مقدر يدل عليه (أوثق) و (أو) في (أو ببعضكم) عطف على بكم، أو متعلق أيضًا إذ هو في قوة الوثوق وزيادة، فكأنه فعلان جاز يعمل في مفعولين، أو بآخر دل عليه الأول، والمعنى: وثوقي واعتمادي بهم أو ببعضهم أكثر من وثوقي بكم أو ببعضكم.
١٤٢١ - حديث: "لا تصوم المرأة وبعلُها شاهدٌ إلا بإذنه ".
стр. 1026
قال السفاقسي: صوابه لا تصم لأنه نهي، والنهي يجزم الفعل فيلتقي ساكنان فتحذف الواو.
وقال الزركشي: يجوز الرفع على أنه خبر بمعنى النهي.
١٤٢٢ - حديث: "قسم النبي ﷺ بيننا تمرًا أصابني منه خمس، أربع تمرة وحشفة ".
قال الكرماني: فإن قلت: القياس: أربع تمرات، قلت: إن كانت الرواية برفع تمرة فمعناه كل واحد من الأربع تمرة وأما بالجر فهو شاذ على خلاف القياس نحو: ثلاثمائة وأربعمائة.
١٤٢٣ - حديث: "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحدَّ ".
قال الطيبي: (الحد) مفعول مطلق، أي فليجلدها الحد المشروع.
١٤٢٤ - حديث: "من يرد الله به خيرًا يصب منه ".
قال أبو الفرج: عامة المحدثين يقرؤونه بكسر الصاد يجعلون الفعل لله، وسمعت أبا محمد بن الخشاب يفتحه وهو أحسن وأليق.
١٤٢٥ - حديث: "أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه قالوا لا ".
قال القرطبي: صحت الرواية بفتح ياء (يبقى) مبني وبإثبات (من) وبتمام وبتمام الكلام
стр. 1027
على (درنه) من غير شيء ويحمل على أن (من) زائدة على الفاعل لأن الكلام قبلها موجب فكأنه قال: هل يبقى درنه.
قال: وقد تخيل بعض الناس أن في الكلام حذفًا، فقال (هل يبقى من درنه شيء)، ولا تعضده الرواية ولا القانون النحوي.
١٤٢٦ - حديث: "من أشد أمتي لي حبًّا ناسٌ يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله ".
قال المظهري: الباء في (بأهله) باء التصديق، كما في قولهم: بأبي أنت وأمي، يعني يتمنى أحدهم أن يكون مفديًا بأهله وماله، لو اتفق رؤيتهم إياي ووصلوهم إلي.
وقال الطيبي: (لو) هنا كما في قوله تعالى: (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) [الحجر: ٢]، فلابد لقوله: (يود) من مفعول، فـ (لو) مع ما بعده نزل منزلته، كأنه قيل: يود أحدهم ويحب ما يلازم.
قوله: (لو رآني بأهله)، أي يفدي أهله وماله ليراني.
١٤٢٧ - حديث: "خلق الله الخلق فلما فرغ منه قامت الرحم فأخذت فقال: مهْ ".
قال الكرماني: (مه) اسم فعل معناه اكفف وانزجر وقيل (ما) للاستفهام حذفت ألفها ووقف عليها بهاء السكت.
وقال ابن مالك: أصل (مه) في هذا الموضع (ما) الاستفهامية حذفت ألفها ووقف عليها بهاء السكت، والشائع أن لا يفعل ذلك بها إلا وهي مجرورة.
стр. 1028
ومن استعمالها هكذا غير مجرورة، قول أبي ذؤيب: (قدمت المدينة ولأهلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج أهلوا بالإحرام، فقلت: مه. فقيل لي: هلك رسول الله ﷺ .
ومثله قول الحجاج لليلى الأخيلية: ثم مه، قالت: ثم لم يلبث أن مات.
وحكى الكسائي أن بعض كنانة يقولون: مَعِنْدَك؟ و: مَصنعت؟ فيحذفون الألف دون جر، ولا يصلون الميم بهاء السكت لعدم الوقف.
وفي الاقتصار على الميم في (معندك) و (مصنعت)، دليل على أن الهاء في قول أبي ذؤيب والحجاج هاء سكت لا بدل من الألف كما زعم الزمخشري، لأنها عوملت معاملة المتصلة بالمجرور من السقوط وصلاً والثبوت وقفًا، ولو كانت بدلاً من الألف لجاز أن يقال في الوصل: مه عندك، و: مه صنعت.
١٤٢٨ - حديث: "يد الله ملأى لا تغيضها نفقةٌ سحّاء الليل والنهار ".
قال القاضي عياض: ضبطنا (سحّاء) على القاضي أبي علي وغيره بالمد على الوصف، وعند أبي بحر سحًّا على المصدر، وانتصب الليل والنهار على الظرف.
(السّحّ) الصب الدائم، ولا يقال في المذكر فيه أفعل، ومثله: ديمَةٌ هطلاء، لا يقال في مذكره هطل.
ووقع عند الطبري: لا يغيضها سحُّ الليل والنهار، بالإضافة، ورفعه على الفاعل، واليد مؤنثة، ووصفها بملأى هو الصواب وغيره خطأ.
стр. 1029
ورواه بعضهم (ملاء) مثل ديماء، قيل يصح هذا على نقل الهمزة.
وقال النووي: ضبطوا سحّاء بوجهين، أحدهما: سحًّا بالتنوين على المصدر وهذا هو الأصح الأشهر.
والثاني: (سحاء) بالمد على الوصف ووزنه (فعلاء) صفة لليد. و (الليل والنهار) في هذه الرواية منصوبان على الظرف.
وقال القرطبي: (سحاء) بالمد والهمز والرفع على أنه خبر بعد خبر، والليل والنهار في هذه الرواية منصوبان على الظرف متعلقان بما في (سحاء) من معنى الفعل، وهي الرواية المشهورة.
وروي: (سحًّا) منصوبًا منونًا على أنه مصدر صدره محذوف يدل عليه قوة الكلام، كأنه قال سحّ سحًّا.
ويجوز أن يكون من باب قوله:
ما إن يمسَّ الأرض إلا منكبٌ ... منه وحرفُ الساق طيُّ المحمل
وروي لا يغيضها سحُّ الليل والنهار، برفع سح على أنه فاعل يغيضها، وخفض الليل والنهار بالإضافة على التوسع، كما قالوا: يا سارقَ الليلةِ أهلَ الدار.
وقال الطيبي: يجوز أن يكون (ملأى)، و (تغيضها)، و (سحاء)، و (أرأيتم) على تأويل مقول فيه، أخبار مترادفة لـ (يد الله) وأن تكون الثلاثة الأخيرة وصفًا لملأى، وأن يكون (أرأيتم) استئنافًا، والهمزة للتقرير.
стр. 1030
و (عرشه على الماء) حال من ضمير (خلق)، وكذا (وبيده الميزان) منه أو من الضمير في (خبر) كان؛ لأن في اسم كان خلافًا، هل يقع منه حال أم لا؟
وقال النووي: روي (ملآن)، وقالوا: هذا غلط من رواه، وصوابه (ملأى) بلا نون.
قال الطيبي: إن أرادوا هذه الرواية نقلاً فلا نزاع، أو معنىً لعدم مطابقة الخبر المبتدأ تأنيثًا وتذكيرًا فلا، لأن معنى (يد الله): إحسانه وإفضاله، فاعتبر المعنى وذكر، أنشد صاحب الكشاف:
تبيت نعمى على الهجران عاتبة ... سقيًا ورعيًا لذاك العاتب الزاري
وقال الكرماني: يروى (سحًّا)، بلفظ المصدر، ويروى بالمد خبرًا آخر.
وقوله: (وعرشه على الماء) جملة حالية عن فاعل (لم ينقص).
١٤٢٩ - حديث: "ما من نبي من الأنبياء إلا أعطي ما مثلَه آمن عليه البشرُ ".
قال الكرماني: فإن قلت: الإيمان تستعمل بالباء وباللام لا بعلى، قلت: فيه تضمن معنى الغلبة، أي مغلوبًا عليه. مع أن حروف الجر يقام بعضها مقام بعض.
قال الطيبي: لفظ (عليه) هو حال، أي مغلوبًا عليه في التحدي والمباراة، أي: ليس نبي إلا قد أعطاه الله من المعجزات الشيء الذي صفته أنه إذا شوهد اضطرّ الشاهد إلى الإيمان به.
стр. 1031
قال (ومن) الأولى زائدة والثانية بيانية و (ما) في (ما مثله) موصولة، وهي ثاني مفعولي (أعطى)، و (مثله) مبتدأ، و (آمن) خبره، والجملة صلة الموصول، والراجع إلى الموصول ضمير (عليه).
قوله: وإنما كان الذي أوتيت وحيًا، قال الكرماني: (إنما) للحصر ومعجزته ما كانت منحصرة في القرآن.
قلت: المراد: النوع المختص به أو أعظمها وأفيدها، فإنه يشتمل على الدعوة والحجة.
١٤٣٠ - حديث: "خلق الله الرحمة في مائة جزء ".
قال الكرماني: فإن قلت: ما معنى كلمة الظرفية والمعنى صحيح بدونها قلت: إما أن يقال: إنها زائدة كما في قوله:
وفي الرحمن للضعفاء كافٍ
أي: الرحمن لهم كاف، أو هي متعلقة بمحذوف وفيه نوع مبالغة، حيث جعلها مظروفًا لها، يعني هو بحيث لا يفوق عليها شيء.
١٤٣١ - حديث: "وكونوا عباد الله إخوانًا ".
قال الطيبي: يجوز أن يكون (إخوانًا) خبرًا بعد خبر، وأن يكون هو الخبر،
стр. 1032
و (عباد الله) منصوب على الاختصاص.
وقال الزركشي: انتصب (عباد الله) على النداء وحذف حرفه، و (إخوانا) خبر كان، ويجوز أن يكونا خبرين، ويجوز أن يكون (عباد الله) خبر (كان) وما بعده حال.
١٤٣٢ - حديث: "إن الله يغار، وغيرة الله أن لا يأتي المؤمن ما حرّم الله ".
قال النسائي: في جميع نسخ الصحيح: (أن لا يأتي) والصواب: (أن يأتي).
قال الكرماني: (لا) زائدة نحو: (ما منعك أن لا تسجد) (١) [الأعراف: ١٢].
وقال الطيبي: هو مبتدأ وخبر بتقدير اللام، أي: غيرة الله ثابتة لأجل أن لا يأتي.
١٤٣٣ - حديث:"من سأل الناس أموالهم تكثّرًا فإنما هي جمر فليستقلّ منه أو ليستكثر ".
قال الشيخ أكمل الدين: (أموالهم) بدل اشتمال من الناس، أي من سأل أموال الناس، و (تكثرًا) مفعول، أي لأن يكثر ماله، لا للفقر والاحتياج.
ويجوز أن يكون حالاً بمعنى متكثرًا، و (تفعل) بمعنى (استفعل)، وضمير هي يعود إلى المسألة ويجوز أن يعود إلى الأموال.
стр. 1033
قوله: (فليستقلّ منه أو ليستكثر)، أمر بتهديد كقوله: (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) [الكهف: ٢٩].
١٤٣٤ - حديث: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة ".
قال الشيخ أكمل الدين: (يلتمس) وما يتعلق به يجوز أن يكون صفة لطريق ويجوز أن يكون حالاً من فاعل (سلك) وضمير (له) يعود إلى (من)، وضمير (به) إلى السلوك المفهوم من (سلك) أو إلى الالتماس المفهوم من (يلتمس).
١٤٣٥ - حديث: "وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم ".
قال النحاس: دخلت الألف واللام في المحرم دون غيره من الشهور، وجاء من الشهور ثلاثة مضافات: شهر رمضان وشهرا ربيع، والباقي غير مضافات.
وقال الصلاح الصفدي: رأيت الفضلاء قد كتبوا بعض الشهور بشهر كذا، وبعضهم لم يذكروا معه شهرًا، وطلبت الخاصة في ذلك فلم أجدهم أتوا بشهر إلا مع شهر يكون أوله حرف راء، وهو شهر ربيع وشهر رجب وشهر رمضان. ولم أدر العلة في ذلك ولا وجه المناسبة، لأنه كان ينبغي أن يحذف لفظ شهر من هذه لأنه يجتمع في ذلك راءان.
стр. 1034
قلت: قد تعرض للمسألة من المتقدمين ابن درستويه فقال في الكتاب المتمم: الشهور كلها مذكرة إلا جمادى وليس شيء منها يضاف إليه شهر إلا شهرا ربيع وشهر رمضان، قال تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) [البقرة: ١٨٥]، وقال الراعي:
شهرَيْ ربيع ما تذوق لبونهم ... إلا حموضًا وخمةً ودويلَا
فما كان من أسمائها اسمًا للشهر أو صفة قامت مقام الاسم فهو الذي لم يجز أن يضاف الشهر إليه ولا يذكر معه كالمحرم. إنما معناه: الشهر المحرم وهو من الأشهر الحرم وكصفر وهو اسم معرفة كزيد من قولهم: صفر الإناء يصفر صفيرًا إذا خلا، و (جمادى) وهي معرفة وليست بصفة وهي من جمود الماء، و (رجب) وهو اسم معرفة مثل صفر وهو من قولهم: رجبت الشيء أي أعظمته، لأنه أيضًا من الأشهر الحرم، و (شعبان) وهو صفة بمنزلة عطشان من التشعب والتفرق، و (شوال) وهو صفة جرت مجرى الاسم وصارت معرفة، وفيها تشول الإبل. و (ذو القعدة) وهو صفة قامت مقام الشهر من القعود عن التصرف، كقولك: هذا الرجل ذو الجلسة، فإذا حذفت الرجل قلت: ذو الجلسة. و (ذو الحجة) مثله مأخوذ من الحج.
وأما الربيعان ورمضان فليست بأسماء للشهور ولا صفات لها، فلا بد من إضافة شهر إليها
стр. 1035
كقولك: شهر ربيع وشهر رمضان. ويدلك على ذلك أن رمضان (فعلان) من الرمضاء كقولك: الغليان. وليس الغليان بالشهر ولكن الشهر شهر الغليان وجعل رمضان اسمًا معرفة للرّمضاء فلا يصرف لذلك.
فأما رواة الحديث فيرون أنه اسم من أسماء الله، وربيع إنما هو للغيث وليس الغيث بالشهر ولكن الشهر شهر غيث، وصار ربيع اسمًا للغيث معرفة كزيد. فإذا قلت: شهر ربيع الأول والآخر، صفتان لشهر وإعرابهما كإعرابه، ولا يكونان صفة لربيع، ولو كانا كذلك لكانا نكرتين ولكن مضافًا إلى معرفة وصار به معرفة.
١٤٣٦ - حديث: "أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات ما تقول ذلك يبقي من درنه ".
قال ابن مالك: حكم العدد من ثلاثة إلى عشرة في التذكير، ومن ثلاث إلى عشر في التأنيث، أن يضاف إلى أحد جموع القلة الستة، وهي أفعل، وأفعال، وفعلة، وأفعلة، والجمع بالألف والتاء، وجمع المذكر السالم. فإن لم يجمع المعدود بأحد هذه الستة جيء بدله بالجمع المستعمل كقولك: ثلاثة سباع، وثلاثة ليوث. ومنه قول أم عطية: "جعلنا رأس بنت رسول الله ﷺ – ثلاثة قرون". فإن كان للمعدود جمع قلة، وأضيف إلى جمع كثرة لم يقس عليه، كقوله تعالى: (ثلاثة قروء) [البقرة: ٢٢٨]، فأضيفت "ثلاثة" إلى "قروء" وهو جمع كثرة مع ثبوت" أقراء"، وهو جمع قلة. ولكن لا عدول عن الاتباع عند صحة السماع.
ومن هذا القبيل قول حمران: "ثم أدخل يمينه في الإناء ... ثلاث مرار". فإن "مرارًا"
стр. 1036
جمع كثرة، وقد أضيف إليه "ثلاث" مع إمكان الجمع بالألف والتاء، وهو من جموع القلة، ف" ثلاث مرار" نظير "ثلاثة قروء".
وأما قوله ﷺ : "يغتسل فيه كل يوم خمس مرات" فوارد على مقتضى القياس، لأن الجمع بالألف والتاء جمع قلة.
وأما قول عائشة ﵂: "ثم صب على رأسه ثلاث غرف" فالقياس عند البصريين أن يقال: ثلاث غرفات، لأن الجمع بالألف والتاء جمع قلة، والجمع على"فُعَل" عندهم جمع كثرة.
والكوفيون يخالفونهم، فيرون "فُعَلًا" و" فِعَلاً" من جموع القلة. ويعضد قولهم قول عائشة: "ثلاث غرف"، وقول الله تعالى (فأتوا بعشر سور) [هود: ١٣].
ويعضد قولهم في" فِعل" قوله تعالى: (أن تأجرني ثماني حجج) [القصص: ٢٧]، فإضافة "ثلاث" إلى "غرف" و "عشر" إلى "سور"، و "ثماني" إلى "حجج" مع إمكان الجمع بالألف والتاء دليل على أن "فُعَلاً" و "فِعَلاً" جمعا قلة، للاستغناء بهما عن الجمع بالألف والتاء.
والحاصل أن "ثلاث غرف" إن وجه على مذهب البصريين، ألحق بـ"ثلاثة قروء"، وإن وجه على مذهب الكوفيين فهو وارد على مقتضى القياس.
وأما قوله ﷺ : "ما تقول: ذلك يبقي من درنه؟ " ففيه شاهد على إجراء فعل القول مجرى فعل الظن على اللغة المشهورة، والشرط أن يكون فعلاً مضارعًا مسندًا إلى المخاطب، متصلاً باستفهام، نحو:
стр. 1037
متى تقول القلص الرواسما ... يحملن ام قاسم وقاسما
ومنه الحديث المذكور، لأنه قد تقدم فيه "ما" الاستفهامية ووليها فعل القول مضارعًا مسندًا إلى المخاطب، فاستحق أن يعمل عمل فعل الظن. فـ"ذلك" في موضع نصب مفعول أول، و"يبقى" في موضع نصب مفعول ثان، و "ما" الاستفهامية في موضع نصب بـ" يبقي" وقدم لأن الاستفهام له صدر الكلام. والتقدير: أي شيء تظن ذلك الاغتسال يبقي من درنه.
ومن إجراء فعل القول مجرى فعل الظن على اللغة المشهورة قول النبي ﷺ : (آلبر تقولون بهن)، أي: البر تظنون بهن. وفي رواية عائشة: (آلبر ترون بهن) ومعنى "تقولون": تظنون، و"البر": مفعول أول و" بهن": مفعول ثان. وهما في الأصل مبتدأ وخبر.
وقال الطيبي: (لو الامتناعية تقتضي أن تدخل على الفعل الماضي وأن تجاب، والتقدير: لو ثبت نهر بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم لما بقي من درنه شيء، فوضع الاستفهام موضعه تأكيدًا وتقريرًا، إذ هو متعلق الاستخبار، أي: خبروني هل يبقى لو كان كذا).
وقوله: (فذلك مثل الصلوات الخمس).
قال الطيبي ثم قال الكرماني: (الفاء) فيه جواب شرط محذوف، أي: إذا أمرتم بذلك وصح عندكم فهو مثل الصلوات.
стр. 1038
١٤٣٧ - حديث: "آية المنافق ثلاث: وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم ".
قال الطيبي: هذا الشرط اعتراض وارد للمبالغة لا يستدعي الجواب.
١٤٣٨ - حديث:" المسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم ".
قال الطيبي: التعريف في المسلم والمؤمن للجنس.
قال ابن جني: من عادتهم أن يوقعوا على الشيء الذي يختصونه بالمدح اسم الجنس، ألا تراهم كيف سموا الكعبة بالبيت وكتاب سيبويه بالكتاب.
وقال الراغب: كل اسم فرع فإنه يستعمل على وجهين: أحدهما: دلالته على المسمى، فصلاً بينه وبين غيره.
والثاني: لوجود المعنى المختص به وذلك هو الذي يمدح به.
١٤٣٩ - حديث: "فقضى رسول الله ﷺ بديتها على العاقلة، وفي جنينها غرّة عبد أو أمة ".
стр. 1039
قال أبو البقاء: التقدير: وقال في جنينها غرة فحذف القول للعلم به.
١٤٤٠ - حديث: "لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أوَّلَ منك ".
قال أبو البقاء: نصب (أول) هنا على الحال في معنى لا يسألني أحد سابقًا لك، وجاز نصب الحال من النكرة لأنها في سياق النفي، فتكون عامة كقولهم: ما كان أحدٌ مثلك، وما في الدار أحدٌ خيرًا منك.
وقال الزركشي: روي (أول) بالرفع والنصب، فالرفع على الصفة أو البدل من أحد، والنصب على الظرفية.
وقال القاضي عياض: على المفعول الثاني لظننت.
وقوله: (لما رأيت من حرصك على الحديث) قال الكرماني: (ما) موصولة والعائد محذوف، و (من) بيانية أو مصدرية، و (من) تبعيضية مفعول رأيت، أي لرؤيتي بعض حرصك.
وقوله: (أسعد الناس من قال لا إله إلا الله ... الحديث).
قال الكرماني: فإن قلت: المشرك والمنافق لا سعادة لهما، وأفعل التفضيل يدل على الشركة، قلت: الأفعل بمعنى الفعيل بمعنى سعيد الناس كقولهم: (الناقص والأشج عدلا بني مروان) يعني: عادلا بني مروان، أو هو بمعناه الحقيقي المشهور.
والتفضيل بحسب المراتب، أي هو أسعد الناس ممن لم يكن في هذه المرتبة
стр. 1040
من الإخلاص المؤكد البالغ غايته. وأيضًا فإن الكفار يدخلون في شفاعة النبي للاستراحة من هول الموقف، لكن المؤمن المخلص أكثر سعادة بها.
وقوله: (من قلبه).
قال الكرماني: يجوز أن يتعلق بقوله (خالصًا) أو بقوله (قال)، والظاهر الثاني. فإن تعلق بقال فلغو وإلا فمستقر إذ تقديره حينئذ: ناشئًا من قلبه، فإن كان لغوًا، فلا محل له من الإعراب، أو مستقرًا فمنصوب على الحال.
١٤٤١ - حديث: "ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة، قالا: الجوع الجوع، قال: والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما ".
قال أبو البقاء: التقدير لقد أخرجني، كقول امرئ القيس:
حلفتُ لها بالله حلفة فاجر ... لناموا فما إنْ من حديث ولا صال
وهو جواب قسم محذوف.
١٤٤٢ - حديث: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا ".
قال أبو البقاء: في نصبه وجهان أحدهما: هو مصدر في موضع الحال، أي من صام مؤمنًا محتسبًا كقوله تعالى: (يأتينك سعيًا) [البقرة: ٢٦٠]، أي ساعيات.
стр. 1041
والثاني: هو مفعول لأجله، أي: للإيمان والاحتساب ونظيره في الوجهين (اعملوا آل داود شكرًا) [سبأ: ١٣].
قال الكرماني: فإن قلت: بم انتصب (إيمانًا واحتسابًا)، قلت: مفعول له أو تمييز، فإن قلت: هل يصح أن يكون حالاً بأن يكون المصدر في معنى اسم الفاعل، أي مؤمنًا محتسبًا قلت: يصح بكلفة في توجيهه. فإن قلت: شرط التمييز أن يقع موقع الفاعل نحو: طاب زيد نفسًا، اطّراد هذا الشرط ممنوع، ولئن سلمناه فهو أهم من أن يكون فاعلاً بالفعل أو بالقوة فهو في معنى إضافة الإيمان.
قال وقوله: (غفر له ما تقدم من ذنبه)، (من) متعلقة بغفر، أي غفر من ذنبه ما تقدم، فهو منصوب على المحل، أو هي مبينة لما تقدم فهو مرفوع المحل، لأن ما تقدم هو مفعول ما لم يسم فاعله.
وقال ابن مالك في شرح التسهيل: إذا كان الظرف اسم شهر غير مضاف إليه شهر كقولك: اعتكفت رمضان، فلجميع أجزائه قسط من العمل لأن كل واحد من أعلام الشهر إذا أطلق فهو بمنزلة ثلاثين يومًا.
ولذلك قال النبي ﷺ : "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه"، ولم يقل: من قام شهر رمضان، إذ لو قال ذلك لاحتمل أن يريد جميع الشهر وأن يريد بعضه، كما قال تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) [البقرة: ١٨٥].
стр. 1042
وإنما الإنزال في ليلة منه وهي ليلة القدر.
وأجرى أبو الحسن بن خروف أعلام الأيام مجرى أعلام الشهور، فجعل قول القائل: سير عليه الخميس مقصورًا على التعميم، وقوله: سير عليه يوم الخميس محتملاً للتعميم والتبعيض، وفيما رآه نظر. ومثل رمضان وغيره من أعلام الشهور المجردة في استحقاق التعميم: الأبد والدهر، والليل والنهار، معرفة بالألف واللام، فإذا قيل: كان ذلك الأبد أو الدهر فلا يصلح أن يراد به غير التعميم إلا من قصد المبالغة مجازًا، كما يقول القائل: أتاني أهل الدنيا، وإنما أتاه ناس منهم. قال سيبويه: ومما لا يكون العمل فيه من الظروف إلا متصلاً من الظرف كله قولك: سير عليه الليل والنهار والدهر والأبد.
ثم قال: ولا تقول لقيته الدهر والأبد وأنت تريد يومًا فيه، ولا لقيته الليل وأنت تريد لقاءه في ساعة دون الساعات، هذا نصّه.
قلت: ومن أمثلة ذلك في الحديث في الأبد: لا صام من صام الأبد.
وفي الدهر: من صام الدهر ضيقت عليه هكذا. ولو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأين منك سيئًا، قالت ما رأيت منك خيرًا قط.
و (في الليل والنهار): (يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحّاء الليل والنهار).
وفي أعلام الأيام على رأي ابن خروف: "من صام من شهر حرام الخميس والجمعة والسبت كتب له عبادة سنتين".
١٤٤٣ - حديث: "إن الله جعل الحق على لسان عمر ".
стр. 1043
قال الطيبي: ضمّن جعل معنى أجرى فعدّاه بعلى.
١٤٤٤ - حديث ماعز قوله: "فما نلتما من عرض أخيكما آنفًا أشدُّ ".
قال المظهري: (ما) الموصولة مع صلتها مبتدأ وأشد خبره والعائد محذوف أي: ما نلتماه.
١٤٤٥ - حديث: "فنعم المرضعة وبئست الفاطمة ".
قال المظهري: لفظة (نعم وبئس) إذا كان فاعلهما مؤنثًا جاز إلحاق تاء التأنيث وجاز تركها فلم يلحقها هنا في نعم وألحقها في بئست.
وقال الطيبي: وجاز تركها فلم تلحقها، وإنما لم يلحقها لأن المرضعة مستعارة للإمارة، وهي وإن كانت مؤنثة إلا أن تأنيثها غير حقيقي وألحقها ببئس لكون الإمارة حينئذ داهية دهياء.
١٤٤٦ - حديث: "إن قعر جهنم لسبعين خريفًا ".
قال ابن مالك في شرح التسهيل: إنه استدل به من قال على أن (إنّ) تنصب الجزأين، ومنه قول الشاعر:
إذا اسودّ جُنْحُ الليل فلْتأتِ ولتكُن ... خطاك خِفافا إنّ حُرّاسنا أسْدا
стр. 1044
ولا حجة في ذلك لإمكان رده إلى ما أجمع على جوازه بأن يحمل الحديث على أن القعر فيه مصدر: قعرت الشيء إذا بلغت قعرة، وهو اسم إن، و (لسبعين خريفًا): مخبر به ظرف.
وقال النووي: وقع في بعض الأصول (سبعون بالواو) وهو ظاهر وفيه حذف تقديره: إن مسافة قعر جهنم سير سبعين سنة. ووقع في معظم الأصول والروايات لسبعين بالياء، وهو صحيح أيضًا:
أما على مذهب من يحذف المضاف ويبقي المضاف إليه على جره فيكون التقدير سير سبعين خريفًا.
وأما على أن قعر جهنم مصدر، يقال: قعرت الشئ إذا بلغت قعره، ويكون سبعين ظرف زمان وفيه خبران، والتقدير: إن بلوغ قعر جهنم لكائن في سبعين خريفًا.
وقال الرضي: المروي: إن قعر جهنم لسبعون خريفًا أو إن في قعر جهنم لسبعين خريفًا.
وقال القرطبي: الأجود رفع (لسبعون) على الخبر، وبعضهم يروونه (لسبعين)، يتأول فيه الظرف وفيه بعد.
وقال الشلوبين في شرح الجزولية: استدل الكوفيون على أن (إنّ) تنصب الجزأين بقوله ﷺ : "إن قعر جهنم لسبعين خريفًا".
والجواب: إن تقديره: لعميق أولها. و (سبعين خريفًا) ظرف زمان نائب مناب عميق أولها، وللدلالة عليه من جهة المعنى.
стр. 1045
حديث: "ألا سائل يعطى ألا داع يجاب، ألا سقيمَ يستشفي فيُشْفى، ألا مذنبَ يستغفر فيغفر له".
قلت: (ألا) هذه ليست التي للاستفتاح، ولا التي للعرض والتحضيض، ولا التي تختص بالفعل، بل هي المركبة من همزة الاستفهام ولا النافية للجنس.
قال الأندلسي: وقد تكون ألا المركبة من همزة الاستفهام، و (لا)، ويكون لها حينئذ معنيان: الإنكار والتوبيخ، والثاني التمني، ولا يتغير حكمها ولا عملها عما كانت عليه قبل التركيب.
وقال ابن مالك في شرح التسهيل: إذا اقترنت همزة الاستفهام بلا في غير تمن وعرض، فلها مع مصحوبها من تركيب وعمل ما كان لها قبل الاقتران، نحو: ألا رجلَ في الدار، بالفتح، قال الشاعر:
ألا طِعانَ ألا فُرسانَ عاديةٌ ...
وقال:
ألا ارعواءَ لمنْ ولّتْ شبيبَتُه ...
وأكثر وقوع هذا النوع إذا لم يقصد تمَن ولا عرض في توبيخ وإنكار.
وزعم الشلوبين: أنه لا يقع لمجرد الاستفهام عن النفي دون إنكار وتوبيخ، ورد على الجزولي إجازة ذلك. والصحيح أن ذلك جائز، لكنه قليل.
стр. 1046
ومثال ووردها في تمن قوله:
ألا عُمْرَ ولّى مستطاع رجوعُه ... فيرْأبَ ما أثْأت يد الغفلات
فنصب يرأب لأنه جواب تمَن مقرون بالفاء. ويجوز إجراء "لا" مجرى ليس فيما لا يقصد به تمَن من مواضع إعمالها إن لم يقصد التنصيص على العموم.
وقال في شرح الجزولية: إذا قصد بألا التمني امتنع الإلغاء عند سيبويه لا عند المازني والمبرد.
١٤٤٧ - حديث قتل خبيب: قوله: "حتى أجمعوا قتله ".
قال أبو البقاء: (أجمع) الأمر يتعدى بنفسه إلى واحد، ولا يحتاج إلى حرف جر. ومنه قوله تعالى: (فأجمعوا أمركم وشركاءكم) [يونس: ٧١]، وقال الحارث:
أجمعوا أمرهم بليل فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
قوله: (لولا أن تظنوا ما بي جزع).
قال القاضي عياض: الوجه: (جزعًا) مفعول ثان لتظنوا، و (ما) بمعنى الذي مفعول أول، وليست (ما) نافية إلا إذا صحت رواية الرفع في جزع.
стр. 1047
١٤٤٨ - حديث: "قصة أبي طالب: (لولا تعيرني قريش) ".
قال أبو البقاء: (لولا) هذه يقع بعدها الاسم، وقد جاء الفعل بعدها، و (أنْ) معه مقدرة أي: لولا أن تعيرني قريش. وإذا حذفت (أن) فمن العرب من يرفع الفعل المذكور، ومنهم من ينصبه بتقدير (أنْ)، ويدل عليه، أي أن (لولا) هذه هي التي تقتضي الاسم، أن لها جوابًا قوله: (لأقررت بها عينك).
١٤٤٩ - حديث: " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعصيني فقد عصى الله ".
قال أبو البقاء: فيه وجهان:
أحدهما: أن يجعل (مَنْ) بمعنى الذي فلا يجزم. أي: أن الذي يطيعني يطيع الله، فالماضي بمعنى المستقبل.
والثاني: أن تكون شرطية، ولكنه أثبت الياء في يعصيني إما للإشباع، أو قدر الحركة على الياء وحذفها بالجازم فبقيت لا حركة عليها مقدرة.
وأما (مَنْ) التي في باقي الحديث فشرطية.
١٤٥٠ - حديث: " كل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول: لولا أن الله
стр. 1048
هداني فيكون له شكر ".
قال أبو البقاء: (شكر) في هذه الرواية مرفوع، ووجهه أن يكون قوله: (فيكون) بمعنى (يحدث) وهي كان التامة، و (شكر) فاعلها، ولو روي بالنصب لكان خبر كان.
١٤٥١ - حديث: "إذا كان النصف من شعبان فأمسكوا عن الصوم حتى يكون رمضان ".
قال أبو البقاء: أي حتى يجيء، كقول الشاعر:
إذا كان الشتاء فأدفئوني ...
١٤٥٢ - حديث: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها ".
قال التوربشتي: أنث الضمير ذهابًا إلى المعنى، إذ لم يرد بها الشيء الحقير، بل جملة وافية من الدراهم والدنانير، وإما على تأويل الأموال، وإما عودًا به إلى الفضة، فإنها أقرب كما قال تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها) [التوبة: ٣٤].
قوله: (صفحت له صفائح).
قال الطيبي: (صفائح) يروى مرفوعًا بـ (صفحت)، ومنصوبًا على أنه مفعول ثان، وفي
стр. 1049
الفعل ضمير الذهب والفضة، وأنث: إما بالتأويل السابق، وإما على التطبيق بينه وبين المفعول الثاني الذي هو قوله: (فأحمي عليها من نار جهنم).
قال في الكشاف: فإن قلت: ما معنى قوله: (يحمى عليها في نار جهنم) (١).
قوله: (فيرى سبيله):
قال الطيبي: الضمير المرفوع فيه قائم مقام الفاعل، و (سبيله) ثاني مفعوليه.
وقال النووي: ضبطناه بضم الياء وفتحها، وبرفع لام (سبيله) ونصبها.
قوله: (قيل: يا رسول الله فالإبل)
قال الطيبي: الفاء متصل بمحذوف، أي عرفنا حكم النقدين، فما حكم الإبل؟
قوله: (بطح لها)
قال التوربشتي: روي (بطح له) بالتذكير، وهو خطأ رواية ومعنى، لأن الضمير المرفوع في الفعل لصاحب الإبل، والمجرور للإبل فلا يستقيم، لأن المبطوح المالك، لا الإبل.
قال الطيبي: أما التمسك بالرواية فمستقيم، وأما بالمعنى فلا، ولا يجوز أن يذكر الضمير لإرادة الجنس أو للتأويل المذكور، وأنشد ابن جني:
مثل الفراخ نُتِفَت حواصلُه.
على أنه يجوز أن يرجع الضمير إلى صاحب الإبل ويكون الجار والمجرور قائمًا
стр. 1050
مقام الفاعل، كما في قوله تعالى: (يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال) [النور: ٣٦ - ٣٧].
قوله: (أوفر ما كانت).
قال الطيبي: (أوفر) مضاف إلى (ما) المصدرية، والوقت مقدر، وهو منصوب على الحال من المجرور (للإبل)، وجاز وقوعه حالاً، ولا يمنعها إضافته إلى المعرفة، لأن الإضافة فيه غير محضة، بدليل قولهم: مررت برجل أفضل الناس. وإن كان لصاحب الإبل فهو خبر مبتدأ محذوف على الاستئناف.
وقوله: (لا يفقد منها فصيلاً واحدًا) أيضا حال، إما مترادفة إن كان صاحب الحال الضمير في (بطح)، أو متداخلة إن كان صاحب الضمير المستتر في (كانت) التامة الراجع إلى الإبل، لوجود الضمير في (منها).
وقوله: (تظافره) أيضا حال مترادفة ومتداخلة على التقديرين، لوجود ضمير المذكر والمؤنث. ويجوز أن تكون استئنافًا، كأنه لما قيل: بطح صاحب الإبل لإبله حال كونها قوية تامة، مع جميع فصلانها، غير فاقدة منها شيئًا - اتجه السائل أن يقول: لم بطح لها؟ أجيب: لتطأه إلى آخره.
وعلى هذا حكم قوله: (كلما) مر عليه أخراها رد عليه أولاها في الحالية والاستئنافية، أي تطؤه دائمًا.
١٤٥٣ - حديث: "ألا أخبركم بخيركم من شركم ".
قال الطيبي: (من شركم) حال أي أخبركم بخيركم مميزًا من شركم.
стр. 1051
١٤٥٤ - حديث: "تجدون من خير الناس أشدّهم كراهيةً لهذا الأمر حتى يقعَ فيه ".
قال الطيبي: (من خير الناس) ثاني مفعولي (تجدون) والأول قوله: (أشدهم)، ولما قدم المفعول الثاني أضمر في الأول الراجع إليه، كقولك: على الثمرة مثلها زبدًا.
ويجوز أن يكون المفعول الأول (خير الناس) على مذهب من يجيز زيادة (مِنْ) في الإثبات.
وقوله: (حتى يقع فيه) يحتمل وجهين:
أحدهما: أن تكون غاية (تجدون) أي تجدون خير الناس أشدهم كراهة حتى يقع فيه، فحينئذ لا يكون خيرهم. والثاني: أنها غاية (أشد) أي يكرهه حتى يقع فيه، فحينئذ يعينه الله عليه فلا يكرهه.
١٤٥٥ - حديث: "ويل للأمراء ".
قال الطيبي: (ويل) مبتدأ و (للأمراء) خبره.
١٤٥٦ - حديث: "من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنانَ فرسِه في سبيل الله يطير على متنه ".
قال الطيبي: (يطير) إما صفة بعد صفة أو حال من الضمير في (ممسك).
стр. 1052
قوله: (كلما سمع)، صفة طار عليه، طار جواب (كلما) و (موضع) جوابه حال من فاعل يطير.
قوله: (يبتغي القتل والموت مظانه)، (مظانه) اشتمال من الموت فيكون مفعولاً به على الاتساع كقوله: (ويوم شهدناه)، وذهب الشارحون إلى أنه منصوب على الظرفية من قوله: (يبتغي).
١٤٥٧ - حديث: "إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة ".
قال القرطبي والقاضي عياض: كلاهما في شرح مسلم وابن سيد الناس في شرح الترمذي، والشيخ ولي الدين العراقي في شرح سنن أبي داود، (عن) هنا بمعنى الباء فإنها تأتي بمعناها كما تأتي الباء بمعنى عن في قوله تعالى: (فاسأل به خبيرًا) [الفرقان: ٥٩].
قالوا: وقد تكون (عن) هنا زائدة، أي أبردوا الصلاة يقال: أبردوا كذا إذا فعله في برد النهار.
زاد العراقي: وقال بعضهم هو على تضمين (أبردوا) معنى أخروا، وحذف مفعوله، تقديره: أخروا أنفسكم عن الصلاة.
وقيل معناه: تأخروا عنها مبردين وهو مثل الذي قبله إلا أنه ضمّن أبردوا معنى فعل قاصر لا يحتاج إلى تقدير مفعول، وهو تأخروا.
قال القاضي عياض: وأما الرواية الأخرى: "أبردوا عن الحر في الصلاة" فبيّن المعنى، أي افعلوا في الصلاة وأقصروا بها عن الحر.
стр. 1053
قال الشيخ ولي الدين العراقي في مجموع له ومن خطه نقلت: هذا جاز على أصل معنى (في) وهو الظرفية لكن فيه حذف وتقدير، وهو خلاف الأصل.
قال: والذي أقوله: إن (في) هنا يحتمل ثلاثة أوجه غير ما ذكره القاضي، أحدها: أن تكون للتعليل، فيكون التقدير: أبردوا عن الحر لأجل الصلاة كما في قوله تعالى: (فذلكن الذي لمتنني فيه) [يوسف: ٣٢]، وقوله: (لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب) [النور: ١٤].
الثاني: أن تكون بمعنى الباء، كما في قوله: (أبردوا عن الصلاة) أي بالصلاة، وكقول زيد الخيل:
ويركب يوم الروع منا فوارسٌ ... يصيرون في طعن الأباهر والكلى
أي: بطعن الأباهر.
الثالث: أن يكون من باب القلب نحو: عرض الحوضَ على الناقة.
قال الكرماني: فإن قلت: ما الفرق بين: أبردوا عن الصلاة وأبردوا بالصلاة، قلت: الباء هو الأصل وأما عن ففيه تضمين معنى التأخير، أي تأخروا عنها مبردين.
وقيل هما بمعنى واحد، و (عن) تطلق بمعنى الباء كما يقال: رميت عن القوس، أي بها.
وقوله: (فأذن لها بنفسين، نفس في الشتاء ونفس في الصيف).
стр. 1054
قال الزركشي: بالجر فيهما على البدل.
وقوله: (أشدُّ ما تجدون من الحر).
قال الزركشي: بالكسر، على البدل من نفس، وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي فهو، وبالنصب مفعولاً، بتجدون بعده.
وقال الكرماني: (أشد) بالجر بدلاً أو بيانًا، وبالرفع أي هو أشدّ، محذوف المبتدأ، أو أشدّ ما تجدون من الحر منه، محذوف الخبر.
وقال الطيبي: جعل (أشدّ) مبتدأ خبره محذوف أولى من عكسه لدلالة رواية البخاري، وأما الفاء في الخبر فللإضافة أشدّ إلى (ما) الموصولة أو الموصوفة.
١٤٥٨ - حديث: "من منح منحةً بصدقة راحت صبُوحها وغَبوقها ".
قال النووي: هما منصوبان على الظرف، والصبوح بفتح الصاد: الشرب أو النهار، والغبوق بفتح الغين: الشرب أو الليل.
قال: وقال القاضي عياض: هما مجروران على البدل من قوله صدقة، ويصح نصبهما على الظرف.
وقال الشيخ أكمل الدين: الضمير في (غدت) وراحت للمنحة وبصدقة في موضع الحال.
١٤٥٩ - حديث: "لو يعلمُ الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لا يجدوا إلا أنْ
стр. 1055
يستهموا عليه لاستهموا".
قال الكرماني: روي (ثم لا يجدوا) فإن قلت: ما الموجب لحذف النون، قلت: جوز بعضهم حذف النون بدون الناصب والجازم.
قال ابن مالك: حذف نون الرفع في موضع الرفع لمجرد التخفيف ثابت في الكلام الفصيح نثره ونظمه.
وقال الطيبي: أتى بثم المؤذنة بتراخي رتبة الاستهام عن العلم.
وقال ابن عبد البر: الضمير في عليه يعود إلى الصف الأول وهو أقرب مذكور هذا أوجه الكلام.
وقال غيره: يعود على معنى الكلام المتقدم فإنه مذكور مقول، ومثله قوله تعالى: (ومن يفعل ذلك يلق أثامًا) [الفرقان: ٦٨]، أي ومن يفعل المذكور.
وهذا أولى من الأول، لأنه راجع إلى الصف، وبقي النداء ضائعًا لا فائدة له.
١٤٦٠ - حديث: "كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه مدًّا ".
قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي: يجوز أن يكون المد مصدرًا مختصًّا، والمصدر المختص ما كان مفسر النوع نحو: مشى القهقرى، وقعد القرفصاء واشتمل على الصّماء، فإن القهقرى نوع من المشي، والقرفصاء نوع من القعود، والصماء نوع من