Полный текст (1 226 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
وقوله ﷺ : (لا أحد أغيرُ من الله) و (لا إله غيرك).
١٥٥٤ - حديث: "وإنا وإياه في لحاف واحد ".
قال الحافظ صلاح الدين العلائي في كتابه: (الفصول المفيدة في الواو المزيدة): اختلفوا في أنه هل يجوز نصب المفعول معه في موضع لم يتقدم فيه قبل الواو عامل أصلاً، والجمهور على أنه لا يجوز بناء على المختار أن الناصب له الفعل، أو معناه بواسطة الواو وإيصالها العمل إليه. ومن قال إن الواو هي الناصبة كالجرجاني، يجوز نصبه حيث لم يتقدم عامل.
قال ابن بزيزة: وقد جاء في صحيح مسلم قوله ﷺ : (أنا وكثرة المال أخوفني عليكم من قلته)، وفي حديث عائشة ﵂: (وأنا وإياه في لحاف واحد).
قال العلائي: لا يلزم أن يكون الحديث الأول بنصب (كثرة) إلا أن تكون الرواية مضبوطة كذلك، بخلاف قول عائشة، فإن الضمير متعين النصب فيحتمل أن يقدر فيه فعل يصح به الإعراب.
دل عليه سياق الكلام مثل (أنا وإياه) ونحو ذلك.
١٥٥٥ - حديث: "استأذنته في دخول أبي القعيس، فقال: ائذني له فإنه عمج ".
قال في النهاية: يريد: عمك من الرضاعة، فأبدل كاف الخطاب جيمًا، وهي لغة قوم من اليمن.
قال الخطابي: إنما جاء من بعض النقلة، فإن رسول الله ﷺ كان لا يتكلم
стр. 1122
إلا باللغة العالية.
قال في النهاية: وليس كذلك، فإنه قد تكلم بكثير من لغات العرب، منها قوله: "ليس من امْبر أمْصيامٌ في امسفر"، وغير ذلك.
وفي حديث ابن مسعود: (فلما وضعت رجلي على مُذَمَّر أبي جهل قال: (اعل عنِّج) أراد: عني، وهي لغة قوم يقبلون في الوقف جيمًا.
١٥٥٦ - حديث: "وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان ".
قال الزركشي: بالنصب، وروي بالخفض.
قال السهيلي: وهو وهم وربما بني اللفظ على الخط مثل أن يكون رآه مكتوبًا بميم مطلقة على مذهب ومن رأى الوقف على المنون المنصوب بغير ألف فتوهمه مخفوضًا لا سيما وصيغة أفعل تضاف كثيرًا فتوهمها مضافة وإضافتها هنا لا تجوز قطعًا. انتهى.
وقال الطيبي: (أكثر) ثاني مفعولي (رأيت) والضمير في (منه) راجع إلى رسول الله ﷺ و (في شعبان) متعلق بـ (صيامًا).
المعنى: كان صيامه في شعبان أكثر من صيامه في غيره.
١٥٥٧ - حديث: "خلق الله كل إنسان من بني آدم على ستين وثلثمائة مفصل فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل الله وسبح الله، عدد تلك الستين والثلاثمائة سلامى ".
стр. 1123
قال القاضي عياض: كذا رويناه، وصوابه في العربية والثلاثمائة السلامى.
وقال النووي: قد يقال وقع هنا إضافة ثلاث إلى مائة مع تعريف الأول وتنكير الثاني، والمعروف لأهل العربية عكسه، وهو تنكير الأول وتعريف الثاني، وقد سبق الجواب عن هذا في حديث حذيفة: أتخاف علينا ونحن ما بين الستمائة.
١٥٥٨ - حديث: "دعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال رسول الله ﷺ : أوَ غيرُ ذلك ".
قال الزمخشري في الفائق: الهمزة للاستفهام والواو عاطفة على محذوف، و (غير) مرفوع بعامل مضمر تقديره: أوقع هذا وغير ذلك. ويجوز أن يكون (أو) التي لأحد أمرين، أي الواقع أو غير ذلك.
قال الطيبي: ويجوز أن يكون (أو) بمعنى (بل)، لأنه ﷺ لم يرض بقولها، فأضرب عنه وأثبت ما يخالفه لما فيه من الحكم بالغيب.
١٥٥٩ - حديث: "لو أخذتم إهابها فدبغتموه ".
قال المظهري: جواب (لو) محذوف، أي: لكان حسنًا.
وقال التوربشتي: (لو) هذه بمعنى (ليت) والذي لاقى بينهما أن كل واحدة من الكلمتين في معنى التقدير ومن ثم أجيبتا بالفاء.
١٥٦٠ - حديث: "كانوا يصلون العتمة فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل ".
стр. 1124
قال الطيبي: يشكل توجيه (إلى) لأن الظاهر أن يقال فيما بين مغيب الشفق وثلث الليل، اللهم أن يتحمل فيقدر لمغيب الشفق آخرًا ليخصص بها وليجعل "إلى" حال من فاعل (يصلون) أي: يصلون فيما بين هذه الأوقات منتهين إلى ثلث الليل.
١٥٦١ - حديث: "أي الصلوات كانت أحبّ إلى رسول الله ﷺ أن يواظب عليها ".
قال أبو البقاء: (أي) مبتدأ وفي (كانت) ضمير أيتها يرجع إلى الصلاة، و (أحب) خبر كان، وكان مع معموليها خبر (أي)، و (أن يواظب) في موضع نصب (بأحب). أي: يحب المواظبة.
وقولها: (فما لم يكن يدع صحيحًا ولا مريضًا فركعتين قبل الفجر).
(ما) بمعنى (الذي) مبتدأ، (ولم يكن) صلته، وفيه ضمير هو اسمها، و (يدع) خبرها. والتقدير: (يدعه)، و (صحيحًا)، و (مريضًا) حالان من ضمير يدع، أي كان يفعله على كل حال.
وقولها: (فركعتين) خطأ من الرواة، والواجب: فركعتان، لأنه خبر الموصول، ولا معنى للنصب هنا، وهذا مثل قولك: أما زيد فمنطلق، وأما الذي عندنا فكريم.
١٥٦٢ - حديث: "فرضت علي الصلاة ركعتين ركعتين ".
قال الكرماني: فإن قلت: بم انتصب (ركعتين) قلت: بالحالية، فإن قلت: ما
стр. 1125
حكم ركعتين الثاني، قلت: هو تكرار اللفظ الأول، وهما بالحقيقة عبارة عن كلمة واحدة نحو مثنى، وذلك نحو (المزّ) القائم مقام الحلو والحامض.
١٥٦٣ - حديث: "لا يصيب المؤمن شوكة فما فوقها ".
قال أبو البقاء: (ما) بمعنى الذي، أو نكرة موصوفة منصوب على الظرف، وهو إما صلة لما أو صفة كقوله تعالى: (بعوضة فما فوقها) [البقرة: ٢٦].
وقال الطيبي: يحتمل وجهين: فوقها في العطف أو في الحقارة والفاء للتعقيب على التوالي.
١٥٦٤ - حديث: "إن رسول الله ﷺ كان يصلي وهي بينه وبين القبلة على فراش أهله اعتراضَ الجنازة ".
قال الزركشي: منصوب نعتًا لمصدر محذوف، أي معترضة مثل اعتراض الجنازة، بدليل قوله في الرواية الأخرى: (معترضة).
١٥٦٥ - حديث: "إن لي جارين، قالت أيهما أهدي، قال: أقربهما منك بابًا ".
قال أبو البقاء: (أقربهما) بالجر على تقدير: إلى أقربهما، ليكون الجواب كالسؤال، ويجوز الرفع على تقدير: هو أقربهما، والنصب على تقدير: صِلِي أقربَهما، و (بابًا) تمييز.
стр. 1126
قلت: ولفظ رواية البخاري، قال: إلى أقربهما.
وقال الكرماني: فإن قلت: أفعل التفضيل لا يستعمل إلا بأحد وجوه ثلاثة، فهنا كيف استعمل بوجهين منها؟
قلت: لم يستعمل إلا بالإضافة، وأما (من فهو صلة القرب، كما يقال قرب من كذا.
١٥٦٦ - حديث: "فناداني ملك الجبال يا محمد: ذلك فيم شئت ".
قال أبو البقاء: ينبغي أن يكون في موضع نصب على تقدير: " أفعل ذلك "، لأن الملك كان مأمورًا أن يفعل ما يشاء رسول الله ﷺ ، ويجوز أن يكون في موضع رفع على تقدير: لك ذلك.
١٥٦٧ - حديث: " إن الله ليؤيد حسانًا ".
قال أبو البقاء: (حسّان) يجوز صرفه على أنه مشتق من الحسن، والنون فيه أصلية، وكذا جاء في هذه الرواية. ويجوز أن لا يصرف على أن يشتق من الحس، فتكون النون فيه مع الألف زائدتين. انتهى.
وقال ابن يعيش في شرح المفصل: القياس يقتضي زيادة النون في حسّان وأن
стр. 1127
لا ينصرف حملاً على الأكثر. ويجوز أن يكون مشتقًا من الحس فتكون النون أصلاً وينصرف.
١٥٦٨ - حديث: "من اشترى من يهودي طعامًا فأعطى درعًا له رهنًا ".
قال أبو البقاء: (رهنًا) مصدر في موضع الحال، أي: أعطاه إياه راهنًا. ويجوز أن يكون نعتًا لدرع، وأن يكون نصبًا على المصدر، أي رهنها رهنًا، وأن يكون مفعولاً، وأن يكون تمييزًا.
١٥٦٩ - حديث: "فضل الصلاة بالسواك على الصلاة بغير سواك، سبعين صلاةً ".
قال أبو البقاء: كذا وقع في هذه الرواية، والصواب: سبعون، والتقدير: فضل سبعين، لأنه خبر (فضل) الأول.
وقال الطيبي: (سبعين) مفعول مطلق أو ظرف أي يفضل مقدار سبعين.
١٥٧٠ - حديث: "دخلت العشر ".
قال أبو البقاء: إنما أنثت لأنها أرادت: ليالي العشر، لأن الليالي لم يؤرخ بها.
١٥٧١ - حديث بدء الوحي: قوله: "أولُ ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة ".
стр. 1128
قيل: (من) للتبعيض، أي من أقسام الوحي، وقيل لبيان الجنس ورجحه القزاز.
(والصالحة)، قال الكرماني: إما صفة موضحة للرؤيا لأن غير الصالحة تسمى بالحلم، كما ورد: (الرؤيا من الله والحلم من الشيطان) وإما صفة مخصصة، أي: الرؤيا الصالحة لا السيئة ولا الكاذبة المسماة بأضغاث أحلام.
قوله: (لا يرى رؤيا) قال الكرماني: بغير تنوين كحبلى.
قوله: (ثم حبب إليه الخلاء) بفتح أوله والمد أي الخلوة.
وقوله: (فكان يخلو بغار حراء)، فيه الكسر والفتح والمد والقصر، والتذكير والتأنيث، والصرف والمنع.
وقال الخطابي: يلحنون فيه ثلاث لحنات، يفتحون حاءه وهي مكسورة، ويقصرون ألفه وهي ممدودة، ويميلونها، لا تسوغ الإمالة لأن الراء سبقت الألف مفتوحة.
زاد التيمي: ويتركون صرفه وهو مصروف في الاختيار لأنه اسم جبل.
قال الكرماني: وهذا من الغرائب لأنه أربعة أحرف، ولحن فيه أربع لحنات بعدد كل حرف لحنة.
وقوله: (فيتحنث)، قيل: الثاء أصل، أي يلقي الحنث في نفسه بالتعبد.
وقوله: (مثله تحوّب وتأثّم)، أي ألقى الحوب والإثم عن نفسه.
قال الخطابي: وليس في الكلام (تفعّل) إذا ألقى الشيء عن نفسه غير هذه الثلاثة، والباقي بمعنى تكسب.
وزاد غيره: تحرّج وتنجس إذا فعل فعلاً يتحرج به عن الحرج والنجاسة.
стр. 1129
وقيل: (الثاء) بدل من (الفاء)، وقد روي بها في سيرة ابن هشام: (يتحنف) أي يتبع دين الحنيفية، أي: دين إبراهيم ﵇، وعلى هذا فهو القياس، وإبدال الفاء ثاء كثير في كلامهم.
وقوله: (الليالي).
قال الكرماني: نصب على الظرف، والعامل فيه يتحنّث لا التعبد، وإلاّ فسد المعنى، فإنّ التحنّث لا يختص بالليالي، بل هو مطلق التعبّد، وكذا قال النووي.
و (ذوات العدد) منصوب على الصفة لليالي، وعلامة نصبه كسر التاء.
وقوله: (حتى جاءه الحق).
قال الزركشي: أي الأمر الحق، فيكون صفة لموصوف محذوف.
قوله: (فجاءه الملك).
قال الحافظ ابن حجر: هذه الفاء تسمى التفسيرية وليست التعقيبية، لأن مجيء الملك ليس بعد مجيء الوحي حتى يعقب به، بل هو نفسه. ولا يلزم من هذا التقرير أن يكون من باب تفسير الشيء بنفسه، بل التفسير عين المفسر به من جهة الإجمال، وغيره من جهة التفصيل.
وقال الكرماني: هذه الفاء تسمى بالفاء التفسيرية نحو قوله تعالى: (فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم) [البقرة: ٥٤] إذ القتل نفس التوبة، وتسمى بالفاء التفصيلية أيضًا، لأن مجيء الملك إلخ: تفصيل للمجمل الذي هو مجيء الحق ولا شك أن المجمل تفسيره المفصل.
وقوله: (ما أنا قارئ)
стр. 1130
قال الزركشي: قيل:" ما " استفهامية، والصحيح أنها نافية واسمها (أنا)، و (بقارئ) الخبر، إذ لو كانت استفهامية لما حسن دخول الباء في خبرها.
قلت: قد حكي عن الأخفش جوازه، وأنشد عليه:
ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم ...
وقال أبو شامة: هو في الأول محمول على الامتناع، وفي الثاني على الإخبار بالنفي المحض، وفي الثالث على الاستفهام.
قال الحافظ ابن حجر: ويؤيده أنه روي في الثالث بلفظ: "كيف أقرأ".
وقوله: (ما أنا بقارئ).
قال النووي: معناه: لأ أحسن القراءة، فما نافية هذا هو الصواب.
وحكى القاضي عياض: فيها خلاف بين العلماء، منهم من جعلها نافية، ومنهم من جعلها استفهامية، وضعفوه بإدخال الباء في الخبر.
وقال القاضي عياض: ويصحح قول من قال: استفهامية، رواية من روى: (ما أقرأ) ويصح أن تكون (ما) في هذه الرواية أيضًا نافية.
وقال الزركشي: وقوله" (فغطني حتى بلغ مني الجهد)
قال النووي: يجوز نصب الدال ورفعها، فعلى النصب: بلغ جبريل مني الجهد. وعلى الرفع: بلغ الجهد مني مبلغه وغايته.
стр. 1131
قال: وممن ذكر الوجهين في نصب الدال ورفعها، صاحب التحرير وغيره.
وقال الزركشي: هو بفتح الجيم: المشقة، وجوز الضم، فإما أن يكونا بمعنيين، أو بالضم بمعنى الطاقة، ويكون المعنى: بلغ الملك وسعه وطاقته من غطّه. وعلى هذا التأويل يكون بالنصب مفعولاً، أي بلغ الملك الجهد وعلى الأول يكون مرفوعًا فاعلاً، وحذف المفعول. أي بلغ مني الجهد مبلغًا.
وقال ابن حجر: روي بالفتح والنصب، أي: بلغ مني غاية وسعي، وبالضم والرفع، أي: بلغ مني الجهد مبلغه.
وقال الطيبي: أي صار بسبب ذلك – أي تلك الغطّة – يضطرب فؤاده.
وقال الكرماني: على الرفع معناه: بلغ الجهد مبلغه، فحذف مبلغه؛ وعلى النصب: معناه: بلغ مني الجهد.
وقال التوربشتي: لا أرى الذي روى بنصب الدال إلا قد وهم فيه أو جوّزه بطريق الاحتمال، فإنه إذا نصب الدال، عاد المعنى إلى أنه غطه حتى استفرغ قوته في ضغطه وجهد جهده بحيث لم يبق فيه مزيد، وهذا قول غير سديد، فإن البنية البشرية لا تستدعي استيفاء القوة الملكية لا سيما في مبدأ الأمر.
وقال الطيبي: لا شك أن جبريل في حال الضغط لم يكن على صورته الحقيقية التي تجلى بها عند سدرة المنتهى، فيكون استفراغ جهده بحسب صورته التي تجلّى به غطّه. وإذا صحّت الرواية اضمحل الاستبعاد.
وقوله: (فرجع بها).
قال ابن حجر: الضمير للآيات أو القصة.
قوله: (فقالت له خديجة: كلا).
стр. 1132
قال الكرماني: معناها النفي والإبعاد.
وقوله: (إنك لتصل الرحم):
قال الزركشي: بكسر إن على الابتداء.
قوله: (وتكسب المعدوم).
قال القاضي عياض: أكثر الرواية وأفصحها بفتح التاء المثناة، ومعناها: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك، فحذف أحد المفعولين. يقال: كسبت الرجل مالاً وأكسبته بمعنى، وقيل: معناه تكسب المال المعدوم وتصيب منه ما لا يصيب غيرك؛ وكانت العرب تتمادح بكسب المال لا سيما قريش.
وقال في النهاية: كسبت مالاً، وكسبت زيدًا مالاً أي أعنته على كسبه، أو جعلته يكسبه. فإن كان من الأول فتريد أنك تصل إليه كل معدوم، وبناء الكلام يتعذر لبعده عليك، وإن جعلته متعديًا إلى اثنين فتريد أنك تعطي الناس الشيء المعدوم عندهم، وتوصله إليهم، وهذا أولى القولين، لأنه أشبه ما قبله في باب التفضل والإنعام، إذ لا إنعام في أن يكسب هو لنفسه مالاً كان معدوما عنده، وإنما الإنعام أن يوليه غيره، أي لا يكسبه لنفسه. وباب الحظ والسعادة في الإكساب غير باب التفضل والإنعام.
وقال في النهاية في حرف العين: يقال: فلان يكسب المعدوم، إذا كان مجدودًا محظوظًا: أي يكسب ما يحرمه غيره.
وقيل: أرادت يكسب الناس الشيء المعدوم الذي لا يجدونه مما يحتاجون إليه.
وقيل: أرادت بالمعدوم، الفقير الذي صار من شدة حاجته كالمعدوم نفسه، فيكون (تكسب) على التأويل الأول
стр. 1133
وقيل: أرادت بالمعدوم الفقير الذي صار من شدة حاجته كالمعدوم نفسه، فيكون (تكسب) على التأويل الأول متعديًا إلى مفعول واحد هو المعدوم، كقولك: كسبت مالاً، وعلى التأويل الثاني والثالث يكون متعديًا إلى مفعولين، تقول: كسبت زيدًا مالاً أي أعطيته. فمعنى الثاني: يعطي الناس الشيء المعدوم عندهم، فحذف المفعول الأول. ومعنى الثالث:
يعطي الفقير المال، فيكون المحذوف المفعول الثاني.
وفي رواية الكشميهني: (وتُكسب) بضم أوله وعليه قال الخطابي: الصواب (المعدم) بلا واو أي الفقير، لأن المعدوم لا يكسب.
قوله: (فانطلقت به): الباء للمصاحبة.
قال الكرماني: أي انطلقا لأن الفعل اللازم إذا عدي بالباء يلزم منه المصاحبة فيلزم ذهابهما بخلاف ما عدي بالهمزة نحو: أذهبته، فإنه لا يلزم ذلك.
قوله: حتى أتت ورقة بن نوفل بن عبد العزى ابن عم خديجة.
قال النووي: هو بنصب (ابن عم)، ويكتب بالألف لأنه بدل من ورقة، ولا يجوز جره، فإنه يصير صفة لعبد العزى وليس كذلك. ولا كتابته بغير ألف لأنه لم يقع بين علمين.
وقال الكرماني: الحكم بكونه بدلاً غير لازم لجواز أن يكون صفة أو بيانًا له.
قوله: (يا ابن عم):
قال الزركشي: يجوز فيه الأوجه المشهورة في المنادى المضاف.
قوله: يا ليتني فيها جذَعًا:
стр. 1134
قال أبو البقاء: كذا وقع في الرواية، والوجه: جذع لأنه خبر ليتني، ويضعف أن يكون (فيها) الخبر لقلة الفائدة، وهكذا هو في الشعر:
يا ليتني فيها جذع ... أخبُّ فيها وأضع
وللنصب وجه: وذلك أن يجعل (فيها) الخبر، و (جذعًا) حال، وتكون الفائدة من الحال. انتهى.
وقال الزركشي: المشهور فيه النصب، إما على الحال، والخبر مضمر، أي يا ليتني فيها حي أو موجود كالجذع، وإما على أن (ليت) تنصب الجزأين.
وقال الخطابي: على خبر كان المضمرة، أي يا ليتني أكون، لأن ليت شغل بالمكني.
قال القاضي عياض: وهذا على طريقة الكوفيين.
وقال السهيلي: النصب على الحال، إذا جعلت (فيها) خبر ليت، والعامل في الحال ما يتعلق به الجار من الاستقرار. ومن رفع فالجار متعلق بما فيه من معنى الفعل، كأنه قال يا ليتني شاب.
وقال القاضي عياض: وقع للأصيلي بالرفع، وهو خلاف المشهور.
وقال ابن بري: المشهور عند أهل اللغة والحديث في هذا – كأبي عبيدة وغيره – (جذع) بسكون العين، ومنهم من يرفعه على أنه خبر.
وروي بالنصب بفعل محذوف، أي جعلت فيها جذعًا.
قال الزركشي: وضمير (فيها) راجع للنبوة أو الدعوة أو الدولة.
стр. 1135
وقال النووي: يعود على أيام النبوة ومدتها.
وقال القرطبي: صحت الرواية فيه بالنصب، ورواه ابن ماهان (جذعٌ) مرفوعًا على خبر (ليت)، ونصبه من أحد ثلاثة أوجه: أوّلها: أنّه خبر (كان) مقدَّرة؛ أي: يا ليتني أكون فيها جذعًا، وهذا على رأي الكوفيّين كما قالوا في قوله تعالى: (انتَهُوا خيرًا لكم) [النساء: ١٧١]،أي يكن خيرًا لكم؛ ومذهب البصريّين أنّ (خيرًا) إنّما انتصب بإضمار فعل دلّ عليه (انتهوا)، والتقدير: انتهوا وافعلوا خيرًا. وثانيها: أنّه حال، وخبر (ليت) في المجرور، فيكون التقدير: ليتني كائن فيها، أي: مدّةَ النبوّة في هذه الحال.
وثالثها: أن تكون (ليت) أُعمِلتْ عمل (تمنيت)، فنصبت اسمين، كما قاله الكوفيون، وأنشدو عليه:
يا ليتَ أيّام الصبا رواجعا
وهذا فيه نظر.
وقال ابن مالك في توضيحه: في قوله: (يا ليتني) يظن أكثر الناس أن "يا" التي تليها "ليت" حرف نداء، والمنادى محذوف. فتقدير قول ورقة على هذا: يا محمد، ليتني كنت حيا. وتقدير قوله تعالى: (يا ليتني كنت معهم) [النساء: ٧٣]. وهذا الرأي عندي ضعيف، لأن قائل هذا، أي: "يا ليتني" قد يكون وحده، فلا يكون معه منادى ثابت ولا محذوف، كقول مريم علىها السلام: (يا ليتني مت قبل هذا) [مريم: ٢٣]، ولأن الشيء إنما يجوز حذفه مع صحة المعنى بدونه إذا كان الموضع الذي ادعي فيه حذفه
стр. 1136
مستعملاً فيه ثبوته، كحذف المنادى قبل أمر أو دعاء، فانه يجوز حذفه لكثرة ثبوته، فإن الآمر أو الداعي يحتاجان إلى توكيد اسم المأمور والمدعو بتقديمه على الأمر والدعاء. واستعمل كثيرًا حتى صار موضعه منبهًا عليه إذا حذف، فحسن حذفه لذلك. فمن ثبوته قبل الأمر: (يا آدم اسكن) [البقرة: ٣٥]، (يا إبراهيم أعرض) [هود: ٧٦]، (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) [مريم: ١٢]، (يا بني إسرائيل)، (يا مالك ليقض علينا ربك) [الزخرف: ٧٧]، وقول الراجز:
يارب هب لي من لدنك مغفره
ومن حذف المنادى المأمور قوله تعالى في قراءة الكسائي: (ألا يا اسجدوا) [النمل: ٢٥]، أراد: ألا يا هؤلاء اسجدوا. ومثال ذلك في الدعاء قول الشاعر:
ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى
فحسن حذف المنادى قبل الأمر والدعاء اعتياد ثبوته في محل ادعاء الحذف، بخلاف "ليت" فإن المنادى لم تستعمله العرب قبلها ثابتًا، فادعاء حذفه باطل، لخلوه من دليل. فتعين كون "يا" التي تقع قبلها لمجرد التنبيه مثل "ألا" في نحو:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل
ومثل هذا في قوله تعالى: (ها أنتم أولاء تحبونهم) [آل عمران: ١١٩].
стр. 1137
وفي قول السائل عن أوقات الصلاة: (ها أنا ذا يا رسول الله).
وقد يجمع بين "ألا" و"يا" توكيدًا، كلما جمع بين "كي" واللام ومعناهما واحد في قول الشاعر:
أردت لكيْمَا أن تطير بقِربتي ...
وسهل ذلك اختلاف اللفظين.
ومثل "يا" الواقعة قبل "ليت" مجرد كونها للتنبيه "يا" الواقعة قبل "حبذا" في قوله:
يا حبذا جبل الريان من جبل
وقبل "رُبَّ" في قوله:
يا رب سارٍ بات ما توسدا
وقوله "إذ يخرجك قومك" استعمل فيه "إذ" موافقة لـ "إذا" في إفادة الاستقبال. وهو استعمال صحيح، غفل عن التنبيه عليه أكثر النحويين، ومنه قوله تعالى: (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر) [مريم: ٣٩]، وقوله تعالى: (وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين) [غافر: ١٨]، وقوله تعالى: (فسوف يعلمون * إذ الأغلال في أعناقهم) [غافر: ٧٠ - ٧١].
стр. 1138
وكما استعملت "إذا" بمعنى "إذْ"، كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا) [آل عمران: ١٥٦].
وكقوله تعالى: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه) [التوبة: ٩٢]، وقوله تعالى: (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) [الجمعة: ١١].
لأن "لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا"، و"لا أجد ما أحملكم عليه" مقولان فيما مضى. وكذا الانفضاض المشار إليه واقع فيما مضى. فالمواضع الثلاثة صالحة لـ"إذْ"، وقد قامت "إذا" مقامها. انتهى.
وقال شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني: لم يغفل النحاة ذلك بل منعوا وروده وأولوا ما ظاهره ذلك. وقالوا في مثل ذلك: استعمل الصيغة الدالة على الماضي لتحقق وقوعه فأنزلوه منزلته.
ويقوي ذلك أن في رواية البخاري: (حين يخرجك قومك)، قال: وعند التحقيق، ما ادعاه ابن مالك فيه ارتكاب مجاز، وما ذكره غيره فيه ارتكاب مجاز، ومجازهم أولى لما يبنى عليه من أن إيقاع المستقبل في صورة الماضي تحقيقًا لوقوعه واستحضارًا للصورة الآتية في هذه دون تلك.
ثم قال: وأما قول ابن مالك في قول النبي ﷺ : (أو مخرجي هم)، فالأصل فيه وفي أمثاله: تقديم حرف العطف على الهمزة كما تقدم على غيرها من أدوات الاستفهام نحو: (كيف تكفرون) [البقرة: ٢٨] و (فما لكم في المنافقين) [النساء: ٨٨]، (فأي الفريقين
стр. 1139
أحق بالأمن) [الأنعام: ٨١]، (فأنى تؤفكون)، (فأين تذهبون) [التكوير: ٢٦]، (أم هل تستوي الظلمات والنور) [الرعد: ١٦] فالأصل أن يجاء بالهمزة بعد العاطف كما جيء بعده بأخواتها، فكان ينبغي أن يقال في (أفتطمعون) [البقرة: ٧٥] وفي: (أو كلما) [البقرة: ١٠٠] وفي (أثم إذا وقع) [يونس: ٥١]: (فأتطمعون) (وأكلما) و (ثم أإذا وقع)، لأن أدوات الاستفهام جزء من جملة الاستفهام، وهي معطوفة على ما قبلها من الجمل، والعاطف لا يتقدم على جزء مما عطف، ولكن خصت الهمزة بتقديمها على العاطف تنبيهًا على أنها أصل أدوات الاستفهام، فأرادوا التنبيه عليه فكانت الهمزة بذلك أولى لأصالتها في الاستفهام.
وقد غفل الزمخشري عن هذا المعنى فادعى أن بين الهمزة وحرف العطف جملة محذوفة معطوفًا عليها بالعاطف ما بعده، وفي هذا من التكلف ومخالفة الأصول ما لا يخفى، وقد تقدم في كلامي على (ياليتني): أن المدعي حذف شيء يصح المعنى بدونه لا تصح دعواه حتى يكون موضع ادعاء الحذف صالحًا للثبوت، ويكون الثبوت مع ذلك أكثر من الحذف، وما نحن بصدده بخلاف ذلك، فلا سبيل إلى تسليم الدعوى. وقد رجع الزمخشري عن الحذف إلى ترجيح الهمزة على أخواتها بتكميل التصدير. والأصل في "أو مخرجى هم" أو مخرجوي". فاجتمعت واو ساكنة وياء ساكنة، فأبدلت الواو ياء وأدغمت في الياء، وأبدلت الضمة التي كانت قبل الواو كسرة تكميلاً للتخفيف، كما فعل باسم مفعول "رميت" حين قيل فيه: مرميّ، وأصله: مرموي. ومثل "مخرجي" من الجمع المرفوع المضاف إلى ياء المتكلم قول الشاعر:
стр. 1140
أودى بنيَّ وأودعوني حسرة
و"مخرجي" خبر مقدم، و "هم" مبتدأ مؤخر. ولا يجوز العكس، لأن "مخرجي" نكرة، فإن إضافته إضافة غير محضة، إذ هو اسم فاعل بمعنى الاستقبال، فلا يتعرف بالإضافة. وإذا ثبت كونه نكرة لم يصح جعله مبتدأ لئلا يخبر بالمعرفة عن النكرة دون مصحح. ولو روي "مخرجي" مخفف الياء على أنه مفرد لجاز، وجعل مبتدأ، وما بعده فاعل سد مسد الخبر، كما تقول: أمخرجي بنو فلان، لأن "مخرجي" صفة معتمدة على الاستفهام، مسندة إلى ما بعده لأنه وإن كان ضميرًا فهو منفصل. والمنفصل من الضمائر يجري مجرى الظاهر. ومنه قول الشاعر:
أمنجز أنتم وعدًا وثقت به ... أم اقتفيتم جميعًا نهج عرقوب
ومن هذا القبيل قول النبي ﷺ : (أحي والداك)، والاعتماد على النفي كالاعتماد على الاستفهام. ومنه قول الشاعر:
خليلي ما واف بعهدي أنتما ... إذا لم تكونا لي على من أقاطع
انتهى ما ذكره ابن مالك.
стр. 1141
وقال الكرماني: لا يجوز هنا أن يقدر تقديم حرف العطف على الهمزة لأن (أو مخرجي هم؟) جواب ورد على قوله: (إذ يخرجك قومك) على سبيل الاستبعاد والتعجب، فيكف يستقيم العطف؟ ولأن هذه إنشائية وتلك خبرية، والحق أن الأصل: (أمخرجي هم؟) فأريد مزيد استبعاد وتعجب فجيء بحرف العطف على مقدر تقديره: أمعاديّ هم ومخرجيّ هم. وأما إنكار الحذف في مثل هذه المواضع فمستبعد لأن مثل هذه الحذوف من حلية البلاغة لاسيما الأمارة قائمة عليها، والدليل عليها ههنا وجود العاطف، ولا يجوز العطف على المذكور فيجب أن يقدر بعد الهمزة ما يوافق المعطوف تقريرًا للاستبعاد. انتهى.
وقال أبو حيان في شرح التسهيل: الوصف في أقائم الزيدان، أن لا يثنى ولا يجمع، نص عليه كثيرون من النحاة، ولأنه تمكن في الفعلية بسبب الاستفهام والنفي، ولا تستعمله العرب إلا هكذا.
وقال القاضي أبو محمد بن حوط الله: هكذا غلط بدليل ما جاء في قوله ﷺ : (أو مخرجي هم).
قال ابن هشام الخضراوي: قلت لأبي محمد: (يكون كـ (يتعاقبون فيكم ملائكة)، فسكت.
قال ابن هشام: إن لم يكثر فهكذا وجهه، وإن كثر فعلى التقديم والتأخير يعني: على أن يكون الوصف خبرًا مقدمًا، وما بعده مبتدأ، انتهى.
قوله: (وإن يدركني قومك).
قال الزركشي وغيره: (إن) شرطية والذي بعده مجزوم.
قوله: (أنصرك نصرًا مؤزرًا) بهمزة من (الأزر) وهو القوة، وأنكر القزاز أن يكون في اللغة مؤزرًا من الأزر.
стр. 1142
وقال أبو شامة: يحتمل أن يكون من الإزار. أشار بذلك إلى تشميره في نصرته، قال الأخطل:
قومٌ إذا حاربوا شدوا مآزرهم
وقال القاضي عياض: كذا جاءت الرواية "مؤزرًا".
قال بعضهم: أصه (مؤازر) لأنه من وازرت، أي عاونت.
قال: ويحتمل أن الألف سقطت إما على التأويل إذ لا أصل لمؤزر في الكلام.
قال القاضي عياض: ويظهر لي أنه صحيح على ما جاءت به الرواية، وأنه أولى، والشيء بالمعنى، والمراد: نصرًا قويًّا، مأخوذ من (الأزر) وهو القوة قال تعالى: (اشدد به أزري) [طه: ٣١] قيل: قوتي، وقيل: ظهري.
ومنه: تأزر النبت إذا اشتد وطال، ولو كان ما ذهب إليه هذا القائل لكان صواب الكلام (مؤزّرًا) بكسر الزاي. وبعد أن ظهر هذا وجدت معناه معلقًا عن بعض المشايخ ووجدته للخطابي وهو صحيح، انتهى.
قوله: (لم يلبث ورقة أن توفي).
قال الكرماني: (أن توفي) بدل اشتمال من ورقة أي لم يلبث وفاته.
١٥٧٢ - حديث: "كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد من جنابة ".
стр. 1143
قال الكرماني: فإن قلت كيف جاز أن يتعلق جاران لفعل واحد، قلت: ليس متعلقًا بفعل واحد إذ الأولى متعلقة بمقدر، كقولنا: آخذين الماء من إناء واحد، أو مستعملين منه فهي ظرف مستقر، والثانية لغو، وجاز إذ كانا بمعنيين مختلفين، فإن الثانية بمعنى لأجل الجنابة ومن جهتها، والأولى لمحض التعدية.
١٥٧٣ - حديث: "إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ".
قال الكرماني: بنصب (غير)، فإن قلت تقدير الكلام غير عدم الطواف، وليس صحيحاً، إذ المقصود نقيضه. قلت: (لا) زائدة، و (تطوفي) منصوب أو (أن) مخففة من الثقيلة وفيه ضمير الشأن، و (لا تطوفي) مجزوم.
١٥٧٤ - حديث: "كان يأمرني فأتزر ".
قال الكرماني: فإن قلت: لا يجوز الإدغام فيه عند التصريف. قال صاحب المفصل: وقول من قال "أتزر" خطأ؟. قلت: قول عائشة وهي من فصحاء العرب حجة في جوازه فالمُخَطِّئ مُخْطِئ أو أنه وقع من الرواة عنها.
وقال الزركشي في التنقيح: اشتهر بالتشديد.
قال المطرزي: هو عامي، والصواب: أأتزر بهمزتين الأولى للمتكلم والثانية فاء افتعل، وقد نص الزمخشري على خطأ من قال (أتّزر) بالإدغام.
وأما ابن مالك، فحاول تخريجه على وجه يصح، وقال: إنه مقصور على
стр. 1144
السماع كاتّزر واتّكل. ومنه قراءة ابن محيصن: (فليؤد الذي اتّمنَ) [البقرة: ٢٨٣] بألف وصل وتاء مشددة.
وقال ابن حجر: نقل الإدغام عن مذهب الكوفيين وحكاه الصغاني في مجمع البحرين.
وقال ابن مالك في توضيحه: ما كان على وزن "افتعل" مما فاؤه واو أوياء فإبدال فائه تاء لازم في اللغة المشهورة، نحو: اتّصل يتّصل، واتّسر يتّسر. فالتاء في "اتصل " بدل من واو، وفي "اتسر" بدل من ياء. فإن كانت فاء ما وزنه افتعل همزة، أبدلت ياء بعد همزة الوصل مبدوءًا بها، نحو ايتمر وإيتمار، وألفًا بعد همزة المتكلم، نحو: آتمر. وسلمت فيما سوى ذلك، نحو: يأتمر ائتمارًا فهو مؤتمر. وقد يشبه هذا النوع بما فاؤه واو فيجيء بتاء مشددة قبل العين، لكنه مقصور على السماع، كاتزر، واتكل. ومنه قراءة ابن محيصن: (فليؤد الذي إتّمن أمانته) بألف وصل وتاء مشددة.
١٥٧٥ - حديث: "ما يبكيك يا هنتاه ".
قال ابن فلاح في المغني: مما لم تستعمله العرب إلا في النداء قولهم: يا هناه بمعنى يا رجل قال امرؤ القيس:
وقد رابني قولها يا هناه ... ويحك ألحقت شرًّا بشر
стр. 1145
وهي كناية عن النكرات، واختلف في أصلها، فمنهم من قال: (الهاء) بدل من (واو) منقلبة عن (ياء) وهي لام الكلمة بدليل (هنيهة) وهي بمنزلة (سنة) و (عضة) في كون لامها تارة واوًا وتارة هاء، وقيل: الهاء للسكت، والألف منقلبة عن لام الكلمة إجراء للوصل مجرى الوقف، بدليل (هن) و (هنة)، وتقول في المؤنث: يا هنتاه. لأنه يقال: (هنة) بفتح، و (هنت) بسكونها، وفي تثنية المذكر: يا هنتايه، وفي جمعه: يا هنوناتية قالوا: والنون للجمع، ولم تتغير الألف لانفتاح نون الجمع. وفي تثنية المؤنث يا هنتيان، فالألف والنون للتثنية والياء بدل من ألف هناه، لانكسار نون التثنية، وانكسرت الهاء لمجاورتها الياء، وفي جمعها: يا هناتوه، وقلبت الألف واوًا لانضمام تاء الجمع، انتهى.
وقال الزركشي: (يا هنتاه) أي: يا هذه. وتفتح النون وتسكن وتضم الهاء الأخيرة وتسكن وأصله من الهن، يكنى به عن النكرة كشيء والأنثى (هنة) فإذا وصلتها بالهاء قلت: يا هنتاه، وأصل هائه السكون لأنها للسكت. لكنهم قد شبهوها بالضمائر في ثبوتها في الوصل، وضموها وقيل معناه: يا بلهاء عن مكايد الناس.
١٥٧٦ - حديث: "كيف يأتيك الوحي ".
قال الكرماني: إسناد الإتيان إلى الوحي من باب المجاز، ومثله، تارة يسمى بالمجاز العقلي وتارة بالمجاز في الإسناد. وأصله: كيف يأتيك حامل الوحي، فأسند إلى الوحي للملابسة التي بين الحامل والمحمول، وتارة يسمى استعارة بالكناية، أي شبه الوحي برجل مثلاً، وأضيف إلى المشبه الإتيان الذي هو من خواص المشبه به.
وقوله: (مثل صلصلة الجرس) منصوب، نعت لمصدر محذوف أي إتيانًا مثل، وروي (في مثل) بإثبات (في) ورجحت لأن الصلصلة حينئذ للوحي بمنزلة القراءة للقرآن في فهم الخطاب. وأما على إسقاط (في)، فمعناه يرجع للذي ذكره ثانيًا وهو تمثل الملك له فيكلمه.
стр. 1146
وقال الطيبي: (مثل) يجوز أن يكون مفعولاً مطلقًا والأحسن أن يكون حالاً، أي يأتيني الوحي مشابهًا صوته كصلصلة الجرس.
وقوله: (يتمثل لي الملك رجلاً).
قال الكرماني: (رجلاً) منصوب، إما بالمصدرية أي يتمثل مثل رجل، وإما بالمفعولية على تضمين يتمثل معنى (اتخذ)، أي اتخذ الملك رجلاً مثالاً. وإما بالحالية، فإن قلت: الحال لابد أن يكون دالاًّ على الهيئة، والرجل ليس بهيئة، قلت: معناه هيئة رجل، فإن قلت: ليس التمثل في حال هيئة الرجل، ومن شرط الحال أن يكون حالاً عند صدور الفعل، قلت: يكون حالاً مقدرة وذلك كثير، وإما بالتمييز. انتهى.
وقال ابن السيد: هو حال موطئة على تأويل الجامد بمشتق، أي: مرئيًا محسوسًا.
وقوله: (وإن جبينه ليتفصد عرقًا)، منصوب على التمييز، لأنه توضيح بعد إبهام، وتفصيل بعد إجمال. ذكره الكرماني. و (يتفصد) صفة مبالغة من الفَصْد وهو قطع الرق لإسالة الدم لأن باب التفعيل يدل عليهما.
فائدة: حكى العسكري في تصحيفه عن بعض شيوخه أنه صحّفه (ليتقصّد) بالقاف. وقد وقع في هذا التصحيف الحافظ ابن طاهر فرد عليه المؤتمن السّاجي بالفاء. قال: فأصر على القاف، ذكره ابن حجر في فتح الباري.
١٥٧٧ - حديث: "كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد، من قدح يقال له الفرق ".
стр. 1147
قال الكرماني: (والنبي) يحتمل أن يكون مفعولاً معه وأن يكون عطفاً على الضمير المرفوع المتصل. فإن قلت كيف يكون عطفاً ولا يصح أن يقال: أغتسل والنبي – ﷺ بضمير المتكلم. قلت: يقدر مناسبه مما يصح، وهو من باب تغليب المتكلم على الغائب، كما غلّب في قوله تعالى: (اسكن أنت وزوجك الجنة) [البقرة: ٣٥] المخاطب على الغائب وتقديره: اسكن أنت ولتسكن زوجك.
وقوله: (من إناء واحد من قدح)، (مِنْ) الأولى ابتدائية والثانية بيانية، والأولى أن يكون (قدح) بدل من (إناء) بتكرار حرف الجر في البدل. انتهى.
١٥٧٨ - حديث: "أهريقوا علي الماء من سبع قرب ".
قال ابن التين: هو بإسكان الهاء، ونقل عن سيبويه أنه قال: أهراق يهريق اهرياقًا، مثل: استطاع يسطيع اسطياعًا بقطع الألف وفتحها في الماضي وضم الياء في المستقبل، وهي لغة في أطاع يطيع، فجعلت السين والهاء عوضًا من ذهاب الحركة عن عين الفعل.
قال: وروي بفتح الهاء ووجه بأنها مبدلة من الهمزة، لأن أصل هراق أراق، ثم اجتلبت الهمزة وسكنت الهاء عوضًا عن حركة عين الفعل، فتحريك الهاء على إبقاء البدل والمبدل منه، وله نظائر.
وقال الجوهري: هراق الماء يهريقه، بفتح الهاء هراقة بالكسر، أي صبه، وأصله: أراق يريق إراقة وأصل يريق يأريق وإنما قالوا: أنا أهريق وهم لا يقولون أنا أأريقه لاستثقالهم الهمزتين، وقد زال ذلك بعد الإبدال. وفيه لغة أخرى أهرق الماء
стр. 1148
يهرقه إهراقًا، على أفعل يفعل إفعالاً، قد أبدلوا من الهمزة الهاء ثم ألزمت فصارت كأنها من نفس الحرف، ثم أدخلت الألف بعد الهاء وتركت الهاء عوضًا من حذفهم حركة العين. وفيه لغة ثالثة: أهراق يهريق إهراقًا فهو مهريق.
وقال ثعلب في فصيحه: (هرقت الماء فأنا أهريقه، بضم الألف وفتح الهاء، فإذا أمرت قلت: هرق ماءك، وكذا أرقت الماء فإنها أريقه، وإذا أمرت قلت: أرق ماءك، وهو الأصل).
١٥٧٩ - حديث: "عقرى حلقى ".
قال ابن فلاح في المغني: يقولون: عقرًا حلقًا أي: عقر الله جسده أي جرحه وأصاب حلقه وجع، وربما قالوا: عقرى حلقى بغير تنوين، وهو من المصادر التي يجب إضمار فعلها لكثرة الاستعمال، ومثله سقْيًا ورعيًا في الدعاء له، وخيبة وجدعًا وبؤسًا وبعدًا وسحقًا في الدعاء عليه. والخيبة عبارة عن عدم المطلوب، والجدع قطع الأنف والأذن واليد والشفة، والبؤس الفقر، والسحق البعد، انتهى.
وقال الأزهري: قال أبو عبيدة (عقرى حلقى) معناه عقرها الله وحلقها، أي عقر جسدها وأصابها بوجع في حلقها هذا على ما يرويه المحدثون والصواب: عقرًا حلقًا، أي مصدرين بالتنوين فيهما على مذهب العرب في الدعاء على الشيء من غير إرادة وقوعه.
قال شمر: قلت لأبي عبيدة: لم لا تجيز (عقرى)؟ فقال: لأن (فعلى) يجيء نعتًا ولم يجئ في الدعاء، وهذا دعاء، فقلت: روى ابن شميل عن العرب (مُطَّيْرى)، وعقرى أخف منها، فلم ينكره. هذا آخر كلامه.
стр. 1149
وقال صاحب المحكم: يقال المرأة عقرى حلقى، حلق شعرها أو أصابها في حلقها بالوجع، قال: عقرى هنا مصدر كدعوى. وقيل: معناه تعقر قومها وتحلقهم بشؤمها. أي هو جمع عقير وهو مثل جريح وجرحى لفظًا ومعنى.
قال: وقيل: العقرى الحائض. انتهى.
وقيل: عقرى عاقرا لا تلد، وحلقى، أي مشؤومة.
قال الأصمعي: أصبحت أمة حالقًا، أي ثاكلاً.
قال النووي: وعلى الأقوال كلها، هي كلمة اتسعت فيها العرب فصارت تطلقها ولا تريد حقيقة معناها التي وضعت له كتربت يداه وقاتله الله. وقال: إن المحدثين يروونه بالألف التي هي ألف التأنيث، ويكتبونه بالهاء ولا ينونونه.
وقال الزمخشري: هما صفتان للمرأة المشؤومة، أي أنها تعقر قومها وتحلقهم أي تستأصلهم من شؤمها عليهم، ومحلها الرفع على الخبرية أي هي عقرى حلقى، ويحتمل أن يكونا مصدرين على (فعلى) بمعنى العقر والحلق كالشكوى للشكو وقيل الألف للتأنيث مثلها في غضبى وسكرى.
١٥٨٠ - حديث: "بئسما عدلتمونا بالكلب والحمار، لقد رأيتُني ورسول الله ﷺ يصلي وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة ".
قال الكرماني: (رأيتني) بضم التاء، وكون الفاعل والمفعول ضميرين كشيء واحد من خصائص أفعال القلوب.
فإن قلت: إن كانت الرؤية بمعناها الأصلي فلا يجوز حذف أحد مفعوليه، وإن كانت بمعنى الإبصار فلا يجوز اتحاد الضميرين.
قلت: قال الزمخشري: في قوله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله
стр. 1150
أمواتًا)، جاز حذف أحدهما لأنه مبتدأ فى الأصل فيحذف كالمبتدأ. فإن قلت: هذا مخالف لقوله في المفصل وفي سائر مواضع الكشاف: لا يجوز الاقتصار على أحد مفعولي الحسبان.
قلت: روي أيضًا عنه أنه إذا كان الفاعل والمفعول عبارة عن شيء واحد جاز الحذف، فأمكن الجمع بينهما بأن القول: يجوز الحذف فيما إذا اتحد الفاعل والمفعول بمعنى، والقول بعدمه فيما إذا كان بينهما الاختلاف، والحديث من القسم الأول، إذ تقديره: رأيت نفسي معترضة، وهذا من دقائق النحو، إذ أعطى الرؤية التي بمعنى الإبصار حكم الرؤية التي من أفعال القلوب.
قال: وقوله: (بئسما عدلتمونا)، (ما) نكرة موصوفة مفسرة لفاعل بئس. والمخصوص بالذم محذوف وهو نحو: عدلكم.
١٥٨١ - حديث: "شبهتمونا بالحمر والكلاب ".
قال ابن مالك: المشهور تعدية "شبه" إلى مشبه ومشبه به دون باء، كقول امرئ القيس:
فشبهتهم في الآل حين ذهابهم ... حدائق دوم أو سفينا مقيرا
ويجوز أن يعدى إلى الثاني بالباء، فيقال: شبهت كذا بكذا، ومنه قول أم المؤمنين ﵂: "شبهتمونا بالحمر والكلاب". ومنه قول الشاعر:
стр. 1151
ولها مبسم يشبه بالإ ... غريض بعد الهدو عذب المذاق
وقد كان بعض المعجبين بارائهم يخطئ سيبويه وغيره من أئمة العربية في قولهم: "شبه كذا بكذا"، ويزعم أن هذا الاستعمال لحن، وأنه لا يوجد في كلام من يوثق بعربيته، والواجب ترك الباء. وليس الذي زعم صحيحًا، بل سقوط الباء وثبوتها جائز، وسقوطها أشهر في كلام القدماء، وثبوتها لازم في عرف العلماء. انتهى.
١٥٨٢ - حديث: "إني لأعلم إذا كنت علي راضية وإذا كنت عليَّ غضبى ".
قال ابن مالك: (إذا) هنا وقعت مفعولاً لأعلم، وخرجت عن الظرفية.
قال ابن هشام في المغني: الجمهور على أن (إذا) لا تخرج عن الظرفية وهي في الحديث ظرف (أعلم) محذوفًا وتقديره: شأنكِ ونحوه كما تعلقت إذ بالحديث في قوله تعالى: (هل أتاك حديث موسى) [النازعات: ١٥]، (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين * إذ دخلوا عليه) [الذاريات: ٢٤ - ٢٥].
١٥٨٣ - حديث: "لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان ".
قال الأشرفي في هذا الحديث: لا أحققه.
قال الطيبي: يمكن أن يقال: إن (لا) الأولي لنفي الجنس، (وبحضرة طعام)
стр. 1152
خبرها، و (لا) الثانية زائدة للتأكيد، والواو عطف الجملة. وقوله: (هو) مبتدأ، و (يدافعه) خبر، وفيه حذف، تقديره: ولا صلاة حين هو يدافعه الأخبثان فيها، يعني: الرجل يدفع الأخبثين حتى يؤدي الصلاة، والأخبثان يدفعانه عن الصلاة، ويجوز أن يحذف اسم (لا) الثانية وخبرها.
وقوله: (هو يدافعه) حال، أي ولا صلاة للمصلي وهو يدافعه الأخبثان، ويؤيده رواية: (لا يصلي وهو يدافع الأخبثين).
١٥٨٤ - حديث: "كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر ".
قال ابن فلاح في المغني: اللغة المشهورة تجريد الفعل من علامة تثنية وجمع عند تقديمه على ما هو مسند إليه استغناء بما في المسند إليه من العلامات نحو: حضر أخواك، وانطلق عبيدُك، وتبعهم إماؤك. ومن العرب من يقول: حضرا أخواك وانطلقوا عبيدُك وتبعتهم إماؤك.
والسبب في هذا الاستعمال: أن الفاعل قد يكون غير قابل لعلامة تثنية ولا جمع كـ (مَنْ) فإذا قصدت تثنيته أو جمعه، والفعل مجرد، لم يُعلم القصد. فأراد أصحاب هذه اللغة تمييز فعل الواحد من غيره، فوصلوه عند قصد التثنية والجمع بعلامتيهما، وجرّدوه عند قصد الإفراد، فرفعوا اللبس، ثم التزموا ذلك فيما لا لبس فيه ليجري الباب على سنن واحد. وعلى هذه اللغة قول من روى: (كُنّ نساءُ المؤمنات). وفي إضافة نساء إلى المؤمنات شاهد على إضافة الموصوف إلى الصفة عند أمن اللبس، لأن الأصل: (كن النساءُ المؤمناتُ). وهو نظير حبة الحمقاء، ودار الآخرة، ومسجد الجامع، وصلاة الأولى، انتهى.
стр. 1153
وقال الزركشي: يجوز في (نساء) وجهان: النصب على أنه خبر كان، وقوله: (يشهدن) خبر ثان. والرع على أنه بدل من الضمير في كان، أو فاعل على لغة أكلوني البراغيث.
وقال الكرماني: فإن قلت: (صلاة الفجر) أهو مفعول به أو مفعول فيه، أي يشهدان المسجد في الفجر. قلت: يصح أن تكون مشهودة أو مشهودًا فيها. والمعنيان صحيحان.
وقوله: (لا يعرفهن أحد من الغلس).
قال الطيبي والكرماني: (من) ابتدائية.
١٥٨٥ - حديث: "أنه ﷺ أراد أن يعتكف، فلما انصرف فإذا أخبية خباء عائشة وخباء حفصة وخباء زينب، فقال: ألبرّ تقولون بهنّ ".
قال الكرماني: (أخبية) مبتدأ وخبره محذوف نحو: حاضرة أو مضروبة و (ألبر) بهمزة الاستفهام مجرى الظن في العمل، والمفعول الثاني: (بهن) إذ تقديره: ملتبسًا بهن.
قال الزركشي: ويجوز في (ألبر) الرفع على الحكاية وفي الرواية الأخرى: (ما حملكن على هذا البر).
قال الزركشي: بالرفع على الاستفهام، و (ما) استفهامية لا نافية.
وقال الكرماني: (ما) استفهامية، و (ألبر) بهمزة الاستفهام مبتدأ خبره محذوف، أو نافية و (البر) فاعل حمل، وقوله (أترعوها فلا أراها) بالرفع والجزم.
١٥٨٦ - حديث: "أنها سئلت: ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته، قالت: كان يكون
стр. 1154
في مهنة أهله".
قال الكرماني: فإن قلت: ما فائدة تكرار لفظ الكون؟ قلت: الاستمرار، وبيان أنه ﷺ كان يداوم عليها. فإن قلت: ما اسم كان؟ قلت: ضمير الشأن وتقديره: كان الشأن يكون كذا، فإن قلت: الشأن المراد إما ماض أو مستقبل، فما التلفيق بينهما؟ قلت: ماض، وذكر بلفظ المضارع استحضارًا وإرادة للاستمرار.
١٥٨٧ - حديث: "صنع رسول الله ﷺ شيئًا فترخص فيه فتنزه عنه قوم فقال: ما بال قوم يتنزهون عن الشيء أصنعه ".
قال الأشرفي: (أصنعه) في موضع النصب على الحال من (الشيء)، ويجوز أن يكون مجرورًا وصفًا له، لأنه منكر معنى، كقوله ﷺ : (يأتيه الأمر من أمري) أي: أمر من أموري.
قال الطيبي: وفيه بحث، لأن التعريف في (الشيء) للعهد وهو إشارة إلى قوله: (شيئًا). وهو فعل مخصوص تنزهوا عنه. فالحال أولى.
وقوله: (يتنزهون) صفة (أقوام) وفي معناها الحال في قولك: مالك قائمًا؟.
وقوله: (ما لكم لا ترجون لله وقارًا) [نوح: ١٣].
وقوله: (والله) وقع موقع (وقد خلقكم أطوارًا) [نوح: ١٤] فإنه حال من الضمير في: (لا ترجون) مقررة لجهة الإشكال، أي ما لكم غير آملين لله وقارًا والحالة هذه كذلك. (فما لكم) أي ما بالهم يتنزهون وأنا بين أظهرهم وأعلم بالله منهم؟ فهذه الفاء نظيرتها في قوله تعالى: (أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) [آل عمران: ١١٤].
стр. 1155
قوله: (وأشدهم خشية)
قال الطيبي والأشرفي: في القياس (أخشاهم له)، لأن التوصل بأشد إنما يكون في الممتنع، وهذا الفعل غير ممتنع بناء (أفعل) منه.
قال الطيبي: هو كقوله تعالى: (أو أشد خشية) [النساء:٧٧] وفيه مبالغة.
١٥٨٨ - حديث: "لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشد تعهدًا من ركعتي الفجر ".
قال الطيبي: (على شيء) متعلق بتعاهد. ويجوز تقدم معمول التمييز عليه. والظاهر أن خبر (لم يكن) (علي شيء)، أي لم يكن يتعاهد علي شيء من النوافل. (وأشد تعاهدًا) حال أو مفعول مطلق على تأويل أن يكون التعاهد متعاهدًا، كقوله تعالى: (يخشون ربهم) [الزمر: ٢٣] و (يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية) [النساء: ٧٧] على الوجهين.
١٥٨٩ - حديث: "أنه قال: ضعوني ماء في المخضب ".
قال الكرماني: فإن قلت القياس أن يقال ضعوا لي باللام لا بالنون، لأن الماء مفعول ولا يتعدى إلى مفعولين. قلت: ضمن الوضع معنى الإيتاء أو لفظ الماء تمييز عن المِخْضَب. فقدم عليه إن جوزنا التقديم وهو منصوب بنزع الخافض.
стр. 1156
١٥٩٠ - حديث: "كان إذا سمع المؤذن يتشهد قال: وأنا وأنا ".
قال الطيبي: عطف على قول المؤذن (أشهد) على تقدير العامل، لا الانسحاب إلى وأنا أشهد كما تشهد، والتكرير في (أنا) راجع إلى الشهادتين.
١٥٩١ - حديث: "كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم والعوالي، فقال النبي ﷺ : لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا ".
قال الزركشي: يجوز أن يكون (لو) للتمني، فلا جواب لها، أو للشرط فجوابها محذوف.
١٥٩٢ - حديث: "كان يصلي جالسًا فيقرأ وهو جالسٌ، فإذا بقي من قراءته نحوًا كذا ".
قال ابن مالك: من روى (نحو من كذا)، بالرفع فلا إشكال في روايته، وإنما الإشكال في رواية من روى (نحوًا) بالنصب. وفيه وجهان:
أحدهما: أن تكون (مِنْ) زائدة، ويكون التقدير: فإذا بقي قراءته نحوًا. ف "قراءته" فاعل "بقي". وهو مصدر مضاف إلى الفاعل ناصب "نحوًا" بمقتضى المفعولية. وزيادة "مِنْ" على هذا الوجه لا يراها سيبويه، لأنه يشترط في زيادتها شرطين: أحدهما: تقدم نهي أو نفي أو استفهام. والثاني: كون المجرور بها نكرة. والأخفش لا يشترط ذلك، وبقوله أقول، لثبوت زيادتها دون الشرطين نثرًا ونظمًا. فمن النثر قوله تعالى: (يحلون
стр. 1157
فيها من أساور) و (آمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم) [الأحقاف: ٣١].
ومن النظم قول عمر بن أبي ربيعة:
وينمى لها حبها عندنا ... فما قال من كاشح لم يضر
وقال جرير:
لما بلغت إمام العدل قلت لهم ... قدكان من طول إدلاجي وتهجيري
ومثله:
وكنت أرى كالموت من بين ساعة ... فكيف ببين كان موعده الحشر
ومثله:
يظل به الحرباء يمثل قائمًا ... ويكثر فيه من حنين الأباعد
والوجه الثاني: أن يجعل "من قراءته" صفة لفاعل "بقي" قامت مقامه لفظًا ونوى ثبوته، ويجعل "نحوًا" منصوبًا على الحال. والتقدير: فإذا بقي باق من قراءته نحوًا من
стр. 1158
كذا. وهذا الحذف يكثر قبل "مِنْ" لدلالتها على التبعيض. ومنه قوله ﷺ : (حتى يكون منهن ثلاثًا وثلاثين). ومنه على أحد الوجهين قوله تعالى: (ولقد جاءك من نبإ المرسلين) [الأنعام: ٣٤].
وتقدير الفاعل المحذوف باسم فاعل الفعل ك "باق" بعد "بقي" و "جاءٍ" بعد "جاء" أولى من تقدير غيره، لدلالة الفعل عليه معنى ولفظًا. ولا يفعل هذا الحذف غالبًا دون صفة مقرونة بـ "مِنْ" إلا بعد نفي أو نهي.
ومن وقوعه بعد النهي قراءة هشام: (ولايحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله) [آل عمران: ١٦٩].
معناه: ولا يحسبنّ حاسب. ومثله قوله ﷺ : (ولا تناجشوا، ولا يزيدن على بيع أخيه، ولا يخطبن على خطبة أخيه). ومثل ذلك، وإن لم يكن بصيغة النهي: (نهى رسول الله ﷺ أن يقيم الرجل من مجلسه ويجلس فيه). ومثله: (نهى رسول ﷺ عن بيعتين: عن اللماس والنباذ، وأن يشتمل الصماء، وأن يحتبي في ثوب واحد). ومن حذف الفاعل بعد النفي قوله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو
مؤمن، ولا يشرب الخمرحين يشربها وهو مؤمن).
١٥٩٣ - حديث: "أنه ﷺ دخل إلى المسجد فأوجعه البرد، فقال: ادن مني، قلت: إني حائض، فقال: وإنْ ".
قال الشيخ ولي الدين العراقي في شرح أبي داود: أي: وإن كنت حائضًا، وهو كقوله:
стр. 1159
قالت بنات العم يا سلمى وإن ... كان فقيرًا معدمًا قالت: وإنْ
١٥٩٤ - حديث: "دخل علي النبي ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمارة الشيطان عند النبي ﷺ ".
قال الكرماني: الهمزة مقدرة قبل (مزمارة).
وقوله: (فأقامني وراءه خدي على خده).
قال الكرماني: جملة اسمية حالية، فإن قلت: حقق لي هذه المسألة الزمخشري في الكشاف تارة يجعلها حالاً بدون الواو فصيحًا، وأخرى ضعيفًا.
قلت: إذا أمكن وضع مفرد مقامها استفصحه كقوله تعالى: (اهبطوا بعضكم لبعض عدو) [النور: ٣٦]، أي اهبطوا متعادين، وههنا أيضا ممكن، إذ تقديره: أقامني متلاحقين.
قوله: (دونكم يا بني أرفدة).
قال الكرماني: هي كلمة للإغراء بالشيء والمغرى به محذوف، أي ألزموا ما أنتم فيه وعليكم به.
وقال القرطبي ثم الزركشي: نصب على الظرف بمعنى الإغراء، والمغرى به محذوف دلت الحال عليه، وهو لعبهم بالحراب، والتقدير: دونكم اللعب.
стр. 1160
قوله: (حتى إذا مللت قال: حسبك قلت: نعم).
قال الكرماني: الاستفهام مقدر: أي أحسبك، والخبر محذوف، أي أكافيك هذا القدر؟
وكذا قال النووي والقرطبي: إن همزة الاستفهام مقدرة بدليل قولها: قلت: نعم.
وقوله في الحديث الآخر: (دعهم أمْنًا بني أرفدة).
قال الخطابي: (أمنًا) أقيم مقام الصفة نحو: رجل صوم أي صائم، وقد يكون معناه: ائمنوا أمنًا ولا تخافوا أحدًا ليس لأحد أن يمنعكم ونحوه.
وقال الزركشي: (بني أرفدة) إما منادى وإما مفعول مطلق لفعل أمر مشتق منه، وإما منصوب على الاختصاص، وإما حال بمعنى آمنين وإما بدل من المضمر.
١٥٩٥ - حديث: "إني امرأة أستحاض ".
قال ابن دقيق العيد: يقال: استحيضت المرأة مبنيًّا للمفعول. ولم يبن هذا الفعل للفاعل كما في قولهم نفست المرأة ونتجت الناقة.
١٥٩٦ - حديث: "اللهم صيبًا نافعًا ".
قال الطيبي: (صيّبًا) نصبه بفعل مضمر أي استقاء.
وقال الكرماني: (صيّبًا) منصوب بمقدر، أي اجعله، وروي (صيْبًا) أي: أصيبه.
следующие страницы →