Полный текст (1 226 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
هشام في المغني: الجمهور على أن إذا لا تخرج عن الظرفية، وأن حتى في نحو ذلك حرف ابتداء، داخل على الجملة بأسرها، ولا عمل له.
وقال أبو البقاء: ليس لحتّى هنا عمل، وإنما أفادت معنى الغاية، كما لا تعمل في الجمل.
وقال أبو حيان: كان بعض الأذكياء يستعمل مجيء هذه الجملة الشرطية بين إذا وجوابها بعد حتى، ويقول: كيف يكون حتى غاية وبعدها جملة الشرط فقلت: الغاية في الحقيقة هو ما ينسبك من الجواب مرتبًا على فعل الشرط بالتقدير المعنوي الإعرابي، في آية الزمر مثل (وسيق الذين كفروا إلى جهنّم زمرًا) [الزمر: ٧١] إلى أنْ تفتح أبوابها وقت مجيئهم فينقطع السوق.
قال ابن قاسم في "شرح التسهيل": ويجوز أن يخرج على أن حتى بمعنى الفاء كما قدرها النحويون في قولهم: سرتُ حتّى أدخلُ المدينة، برفع "أدخل" وتقدير كونه قد وقع، والتقدير: سرت فدخلت.
قال في "البسيط": كأنك قلت في: اجلس حتى إذا جاء زيد أعطيتك، اجلس فإذا جاء زيد. انتهى.
قوله: (وللأرض منك وئيد) جملة حالية بالواو، ووئيد: مبتدأ، وللأرض: خبر، ومنك في موضع نصب على الحال، وأصله لو تأخر صفة وئيد، فلما قدم نعت النكرة عليها صار حالاً.
مسند بلال ﵁
٢٠٦ - حديث: "ومن ابتدع بدعةَ ضلالةٍ ".
стр. 177
قال الأشرفي في "شرح المصابيح": يروى بالإضافة، ويجوز أن ينتصب نعتًا ومنعوتًا.
مسند تميم بن أوس ﵁
٢٠٧ - حديث: "من قال لا إله إلا الله واحدًا أحدًا صمدًا لم يتخذْ صاحبةً ولا ولدًا ولم يكن له كفُوا أحد، عشر مرات، كتبت له أربعون حسنة ".
قال ابن مالك في "شرح التسهيل": أكثر ما يحذف الحجازيون خبر لا مع إلاّ نحو: لا إلهَ إلاّ الله.
وفي أمالي الشيخ عز الدين بن عبد السلام: قال سيبويه في كلمة الشهادة: الله خبر المبتدأ، والمبتدأ هو لا واسمها.
وقال أبو علي: (لا) يصح أن يكون فيه الثلاثة الأوجه: الأول: أنّ (لا) لا تعمل إلا في منفي، وهذا مثبت، فلو كان خبرًا لعملت فيه، وهي لا تعمل فيه. الثاني: أنّ (لا) لا يعمل إلا في نكرة، وهذا معرفة، فلو كان خبرًا لعملت فيه، وينبغي أن يحمل كلام سيبويه على أنه أشبه الخبر لحصول الفائدة عنده فسمّي خبرًا، لا أنه خبر في نفسه، وإلا لزم أن يخبر عن أفراد الجنس كلها بأنها واحد، وذلك محال، ويصح أن يكون بدلا من الضمير في كائن، الذي هو الخبر المحذوف، ويصح أن يكون بدلاً من اسم لا، فإذا أردت أن تحلّه محل المبدل تأخذ معنى الكلام وتقول: بطل إلا الله، فتقدر (لا) بمعنى بطل، لأن البطلان بمعنى النفي، إلا أن هذا استثناء مفرغ في
стр. 178
الموجب، وهو لا يجوز، فإذا أردت أن تنطق به على وجه جائز فتقول: ما وجد إله إلاّ الله، لأن هذا هو معنى النفي، ثم تحذف المبدل، وتقيم البدل مقامه فتقول: ما استحق العبادة إلاّ الله.
ولك أن تجعله صلة لاسم (لا)، ويكون (إلاّ) بمعنى غير، ويكون تقدير الكلام: لا إله باستحقاق في الوجود غير الله، كما في قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهةٌ إلاّ اللهُ ..) [الأنبياء: ٢٢] والمراد بالإله هذا المعبود، فلا بدّ من أن تضمن الصفة وهي باستحقاق، وإلاّ لا يصح النفي لتحقق من عبد في الوجود من الأصنام وغيرها. انتهى.
وقال أبو حيّان: إله مبني مع "لا" في موضع رفع على الابتداء، والخبر مقدر، قال: واعترض صاحب المنتخب على النحويين في تقديرهم الخبر في (لا إله إلا الله) بقولهم: (لنا) أو (في الوجود) وقال نفي الحقيقة مطلقة أعم من نفيها مقيدة، فإنها إذا نفيت مقيدة كان نفيًا للحقيقة، وإذا انتفت الحقيقة، انتفت مع كل قيد، أما إذا نفيت مقيدة بقيد مخصوص لم يلزم نفيها مع قيد آخر.
قال وأجاب أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل المُرْسي في "ري الظمآن" فقال: هذا كلام من لا يعرف لسان العرب، فإنّ إله في موضع المبتدأ على قول سيبويه وعند غيره اسم لا، وعلى التقديرين فلا بدّ من خبر للمبتدأ أو للا، فما قاله من الاستغناء عن الإضمار فاسد.
وأما قوله إذا لم يضمن كان نفيًا للإلهية، فليس بينًا، لأن نفي الماهية هي نفي الوجود، لأنّ الماهية لا تتصور عندنا إلاّ مع الوجود، فلا فرق بين لا ماهية ولا وجود، وهذا مذهب أهل السنة خلافًا للمعتزلة، فإنهم يثبتون الماهية عرية من الوجود وهو فاسد.
وقولهم في كلمة الشهادة "إلا هو" في موضع رفع بدلا من (لا إله) ولا يكون خبرًا
стр. 179
للا، لأن (لا) لا تعمل في المعارف، ولو قلنا إن الخبر للمبتدأ وليس للا فلا يصح أيضًا لما يلزم عليه من تنكير المبتدأ وتعريف الخبر. انتهى.
واستشكل أبو حيان كون اسم الله بدلاً من إله، قال لا يمكن، أي لأنه لا يمكن فيه تكرار العامل لو قلت لا قوة لم يجز، واختار أنه بدل من الضمير المستكن في الخبر المحذوف العائد على اسم لا، فإذا قلت لا رجل إلاّ زيد، فالتقدير لا كائن أو موجود إلاّ زيد، فزيد بدل من الضمير في الخبر، لا من الرجل، قال: ولولا تصريح النحويين أنه بدل الموضع من اسم لا لتأولنا كلامهم على أنهم يريدون بقولهم: بدل من اسم لا، أي بدل من الضمير العائد على اسم لا.
وقال بعضهم: لا يجوز فيه النصب هنا، لأن الرفع يدل على الاعتماد على الثاني والمعنى على ذلك، والنصب يدل على الاعتماد على الأول، وردّ بأنه لا فرق بين: ما قام القوم إلاّ زيد، وإلاّ زيدًا، من حيث أنّ زيدًا استثني من جهة المعنى وإنما الفرق من حيث الإعراب، فأعربوا الأول بدلاً، والثاني استثناء، والبدل أولى. انتهى.
وقال الرضي: وأما نحو قولك: لا إله إلاّ الله، ولا فتى إلاّ عليّ، ولا سيف إلاّ ذو الفقار، فالنصب على الاستثناء في أضعف منه في نحو: لا أحد فيها إلاّ زيدًا، لأن العامل فيه - وهو خبر لا - محذوف، إمّا قبل الاستثناء وإمّا بعده، وفي نحو: لا أحد فيها إلاّ زيدًا ظاهر وهو خبر لا.
قال ابن فلاح في المغني: أهل الحجاز يحذفون خبر لا كثيرًا، فيقولون: لا بأسَ، ولا أهلَ، ولا مالَ، ولا حولَ ولا قوةَ، ومنه كلمة التوحيد: لا إلهَ إلا الله، ولا سيفَ إلاّ ذو الفقار، ولا فتى إلاّ علي، وإنما حذف للعلم به وهو مراد، فهو في حكم المنطوق، أو أن عموم النفي أغنى عن ظهوره، ولا يصح أن يكون الاسم المستثنى في (لا إلهَ إلا الله) ونحوه خبرًا، لثلاثة أوجه أحدها: أنه خاص والإخبار بالعام عن الخاص يجعل القضية كاذبة كقولك: الحيوان إنسان. الثاني: أنه معرفة و (لا) لا تعمل في المعارف. والثالث: أنه مستثنى من مذكور، فلا يصح جعله خبرًا عنه.
стр. 180
فإن قيل: فهل يصح أن يكون مبتدأ والخبر ما تقدم؟ قلنا: زعم بعضهم ذلك، وذكر أن الكلام مستقل بالإفادة من غير تقدير، فالله مبتدأ، ولا إله الخبر، وتقديره: الله إله، وفائدة الاستثناء إثبات الإلهية لله تعالى، ونفيها عمّا عداه، ونظيره عنده: لا منطلق إلاّ زيد، في إثبات الانطلاق لزيد ونفيه عما عداه، وهذا باطل لوجهين:
أحدهما: أنه مستثنى من مذكور، مخرج عنه، وإخراجه يدل على مغايرته له، والخبر صفة قائمة بالمخبر عنه، غير مغايرة له، لأنه أمر يخصّه وإنما الإخبار يصحّ في الاستثناء المفرغ، الذي ليس بمخرج من مذكور، وأما قياسه على: لا منطلق إلاّ زيد، قلنا زيد ليس بمستثنى من منطلق حتى يمتنع جعله خبرًا عنه، بخلاف النزاع.
الوجه الثاني: أن (لا) تنصب الاسم، وترفع الخبر في أصل وضعها، فلا يخلو في صورة النزاع إما أن يقدر لها خبر أو لا، لا جائز أن لا يقدر، لأن ذلك إبطال لوضعها، لأن من قال بحذف خبرها يقول بتقديره حملاً على الأعم الأغلب وإذا لزم تقديره بطل قول القائل بعدم التقدير، وذلك ما أردنا، ولأنه إذا لم يقدر يكون الخبر مفردًا، والخبر المفرد تجب مطابقته للمخبر عنه في الإعراب، وهو إما منصوب على قول بعضهم، وإمّا مبني على الفتح على قول بعضهم، وذلك يمنع كونه خبرًا لعدم مطابقته للمبتدأ في الإعراب، فثبت امتناع كونه مبتدأ وإثبات تقدير الخبر. انتهى كلام ابن فلاح.
ومثل ذلك حديث: (لا حِمى إلا لله ولرسوله) وحديث: (لا حليمَ إلاّ ذو عَثْرَةٍ ولا حَكَم إلاّ ذو تجربةٍ) وحديث: (لا صلاةَ إلاّ بفاتحة الكتاب، لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد) وحديث: (لا نِكاح إلاّ بوليّ) وحديث: (اللهم لا خيرَ
стр. 181
إلا خيرك، ولا إلهَ غيرك).
وقوله: (ولم يكن له كفوا أحد) قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس في التعليقة: فرّق سيبويه بين تقديم الظرف والمجرور وتأخيره، فاختار تقديمه إذا كان مستقرًا نحو: ما كان فيها أحد خير منك، وتأخيره إذا كان لغوًا نحو: ما كان أحد خيرًا منك فيها. وعلى هذه القاعدة يستعمل إعراب قوله تعالى: (ولم يكن له كفوًا أحدٌ) [الإخلاص: ٤] حيث كان (له) ليس مستقرًا، لأن الخبر (كفوًا)، فاضطرب إعراب الجماعة لهذه الجملة.
فقال الكوفيون: إنّ (له) خبر (يكن)، و (كفوًا) حال من الضمير المستكن في (له) بناء على مذهبهم في أن الظرف الناقص إذا تمّ بالحال جاز أن يقع خبرًا، وقاسوه على جواز الإخبار بالخبر الذي لا يتم إلاّ بالصفة كقوله تعالى: (بل أنتم قوم تجهلون) [النمل: ٥٥]، وقوله تعالى: (بل أنتم قوم عادون) [الشعراء: ١٦٦]، وغير ذلك من الآي ونحوها.
وفرّق البصريون فأجازوا الإخبار بما لا يتم إلاّ بالصفة، ومنعوا الإخبار بما لا يتم إلا بالحال، لأن الصفة من تمام الموصوف، والحال فضلة، فلا يلزم من جواز ما هو من تمامه جواز ما هو فضلة.
وقال البصريون: إن خبر يكن إنما هو (كفُوًا) وليس (له) بخبر، فأورد عليهم تقديمه في أفصح كلام وأَعْرَبِهِ مع كونه ليس بمستقر، وأجيب عن ذلك بأنه وإن كان ليس بمستقر فإنه جار مجرى المستقر لافتقار الكلام إليه ليكون عائدًا من الخبر المعطوف على خبر (الله الصمد)، ولو خلا الكلام من لم يبق له تعليق بما قبله، فهو كالمستقر في الحاجة إليه.
قال الزمخشري: هذا الظرف وإن كان لغوًا في الآية إلا أنه لكونه أهم وأجدر
стр. 182
بالعناية واجب التقديم، من قبل أن السورة في تنزيه البارئ سبحانه عن الثاني والكفؤ، فكان للظرف المتعلق بالضمير الراجع إلى الاسم من المكانة واعتماد الكلام عليه، ووجوب صرف العناية إليه شأن من الشأن.
وقال في "كشّافه": فإن قلت: الكلام العربي الفصيح، أن يؤخر الظرف الذي هو غير مستقرّ، ولا يقدم، وقد نصّ سيبويه على ذلك في كتابه، فما باله مقدمًا في أفصح الكلام وأعربه؟
قلت: هذا الكلام إنما سيق لنفي المكافأة عن البارئ ، وهذا المعنى مصبّه ومركزه هو هذا الظرف، فكان لذلك أهم شيء وأعناه، وأحقّه بالتقديم وأحراه. انتهى.
ولم يوافق المبرد سيبويه على استحسان تقديم المستقر، وتأخير اللغو، بل جوز تقديم اللغو كالمستقر، مستشهدًا بهذه الآية الكريمة، وقد ذكرنا الجواب عن التقديم بما فيه كفاية، فلا دليل له في ذلك.
وأعربها بعضهم على أن (له) هو الخبر، و (كفوًا) حال من "أحد" لتقدمه عليه، لأنه كان نعتًا له لو تأخر. وقيل بل كفوًا حال من "أحد"، لا على كونه صفة فتقدم. وعلى كلا الوجهين يكون قولنا إنّ كفوًا هو الخبر، فما العامل في (له)؟ قيل العامل فيه "يكن"، وقيل العامل كفوًا، وقيل بل العامل فيه الاستقرار، لأنه كان صفة لـ "كفوًا" لو تأخر، فلما تقدم انتصب على الحال، فيحل فيه الاستقرار.
وقد أعربه بعض البغداديين على أن في (يكنْ) ضمير الشأن، وما بعده الخبر، و"كفوًا" حال. وهذا من التعسف أظهر من أن يحتاج إلى الكلام عليه. انتهى ما في التعليقة.
وقال أبو حيان: اختار سيبويه أن يكون "كفوًا" خبرًا مقدمًا، ولم يجعل المجرور في محل الخبر، واعترض عليه المبرد فقال سيبويه يختار أن يكون المجرور والظرف خبرًا إذا تقدم، وقد تقدم هنا ولم يجعله خبرًا، وأجاب مكي عن هذا الاعتراض بأن
стр. 183
قال: سيبويه لم يمنع إلغاء الظرف، بل يصح أن يكون خبرًا على اختيار سيبويه، ويكون (كفوًا) حالاً من النكرة وهو (أحد) لتقدمه عليها، فلا يبقى للمبرد على سيبويه أدنى حجة، ووافقه على ذلك ابن عطية وأبو البقاء.
وقال الزمخشري أيضًا في الجواب عن سيبويه: الكلام العربي الفصيح يقتضي أن الظرف الذي هو لغو لا يكون إلاّ مؤخرًا، ولم يأت الظرف هنا لغوًا، وإنما سيق لنفي المكافأة عن ذات البارئ سبحانه، وهذا المعنى محطّه ومركزه هذا الظرف، فكان لذلك أهم شيء وأعناه بالتقديم، وأحقه وأحراه.
قال أبو حيان: ويرتفع هذا السؤال من أصله، بأن الظرف المتقدم على النكرة إنما يختار أن يكون خبرًا إذا صلح لذلك نحو: ليس فيها أحد خير منك، لأن (فيها) يصلح أن يكون خبرًا على حدة، لأنه تام، و (له) لا يصلح أن يكون خبرًا لكان، بل هو متعلق "بكفوًا" أو تقدم على "كفوًا" للاهتمام به، لأنه فيه ضمير البارئ تعالى، فالمجرور هنا ناقص لا يصلح أن يكون خبرًا لكان، قال وعلى هذا يبطل سؤال المبرد، وإعراب مكي وابن عطية، وسؤال الزمخشري وجوابه، ويصح كلام سيبويه لأنه إنما اختار الخبرية مع التقدم في الظرف التام لأنه مثل بقوله: ما كان فيها أحد خيرًا منك، إذا جعلت (فيها) مستقرًا، ولم يجعل على حدّ قولك: فيها زيد قائم، أجريت الصفة ونصبت. فتقول: ما كان فيها أحد خيرًا منك، لأنّك إذا أردت الإلغاء كان التأخير أحسن، وإذا أردت أن يكون مستقرًا كان تقديمه أحسن، والتقديم والتأخير، والإلغاء والاستقرار عزيز جيد كثير، قال الله تعالى: (ولم يكن له كُفُوًا أحدٌ) انتهى.
قوله: (واحدًا واحدًا) قال القرطبي: الأحد والواحد وإن رجعا إلى أصل واحد لغةً، فقد افترقا استعمالاً وعرفًا، وذلك أنّ الهمزة من (أحد) منقلبة عن الواو من (وحد) كما قال النابغة:
стр. 184
كأنّ رحلي وقد زال النهار بنا ... يوم الجليل على مستأنسٍ وَحِدِ
(وحد) فيها من الوحدة، وهي راجعة إلى نفي التعدد والكثرة، غير أن استعمال العرب فيهما مختلف، فإن الواحد عندهم أصل العدد من غير تعرض لنفي ما عداه، والأحد يثبت مدلوله ويتعرض لنفي ما سواه، ولهذا أكثر ما استعملته العرب في النفي فقالوا: ما فيها أحد، (ولم يكن له كُفُوًا أحد) ولم يقولوا هنا (واحد)، فإن أرادوا الإثبات قالوا: رأيت واحدًا من الناس، ولم يقولوا هنا (أحدا). انتهى.
وفرق ثعلب بين واحد وأحد بأن (واحد) يدخله الإفراد والتثنية والجمع و (أحد) لا يدخله ذلك.
وفي "النهاية": قال الأزهري: الفرق بين الواحد والأحد أن الأحد بني لنفي ما يذكر معه من العدد، تقول: ما جاءني من أحد، والواحد اسم بني لمفتتح العدد، تقول: جاءني واحد من الناس، ولا تقول: جاءني أحد، فالواحد منفرد بالذات في عدم المثل والنظير، والأحد منفرد بالمعنى.
مسند ثابت بن الضحاك ﵁
٢٠٨ - حديث:" من حلف على يمين بملة غيرِ الإسلام كاذبًا فهو كما قال ".
قال الشيخ أكمل الدين في "شرح المشارق": غير الإسلام: بالجر صفة لملة،
стр. 185
وكاذبًا، نصب على الحال من الضمير في حلف.
وقال القرطبي: هو حال لازمه كقوله تعالى: (وهو الحقُّ مصدِّقًا) [البقرة: ٩١]، لأن من عظّم ملةً غير الإسلام كان كاذبًا في تعظيمه ذلك، دائمًا في كل حال وكل وقت، ولا ينتقل عن ذلك.
ولا يصلح أن يقال إنه يعني بكونه كاذبًا في المحلوف عليه، لأنه يستوي في ذمّة كونه صادقًا أو كاذبًا إذا حلف بملة غير الإسلام، لأنه إنما ذمّ الشرع من حيث أنه حلف بتلك الملة الباطلة معظمًا لها على نحو ما يعظم به ملة الإسلام الحق، فلا فرق بين أن يكون صادقًا أو كاذبًا في المحلوف عليه. انتهى.
قوله: (ومن ادّعى دعوى كاذبة ليستكثر بها لم يزده الله إلاّ قلة، ومن حلف على يمين صبر فاجرة).
قال القرطبي: كذا صحت الرواية في أصل مسلم، بهذا الكلام، مقتصرًا على جملة الشرط، من غير ذكر جملة الجزاء، فيحتمل أنه عطف على من التي قبلها، فكأنه قال: ومن حلف يمينًا فاجرة كان كذلك، أي لم يزده الله بها إلا قلة.
قال عياض: ويحتمل أن يكون الجزاء محذوفًا، ويكون تقديره: غضب الله عليه، أو عاقبه، أو نحو ذلك، كما في الحديث الآخر: (لقي الله وهو عليه غضبان) وذكر الصبر وقد أجراه صفة على اليمين، وهي مؤنثة لأنه قصد المصدر. انتهى.
مسند ثوبان مولى رسول الله ﷺ ﵁
٢٠٩ - حديث: "استقيموا ولن تحصوا ".
стр. 186
قال القرطبي: ولن تحصوا: إخبار واعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، كما اعترض (ولن تفعلوا) بين الشرط والجزاء.
٢١٠ - حديث: "إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زُوِي لي منها ".
قال الطيبي: توهم بعض الناس أنّ (مِنْ) في (منها) للتبعيض، وليس كذلك، بل هي للتفصيل لا تناقض الجملة، ومعناه أن الأرض زويت لي جملتها مرة واحدة، ثم هي تفتح لأمتي جزءًا فجزءًا، حتى يصل ملك أمتي إلى كل أجزائها.
قوله: (وإني سألتُ ربي لأمتي أن لا يهلكوا بسنةٍ عامة، ولا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم".
قال الطيبي: عدوّا من سوى: أي كائنًا من سوى أنفسهم.
وقال ابن مالك في "شرح الكافية": سوى: اسم يستثنى به، ويجر ما يستثنى به بإضافته إليه، ويعرب هو تقديرًا بما يعرب به لفظًا، خلافًا لأكثر البصريين في ادّعاء لزومها النصب على الظرفية، وعدم التصرف، وإنما اخترتُ خلاف ما ذهبوا إليه لأمرين:
أحدهما: إجماع أهل اللغة على أن معنى قول القائل: قاموا سواك، وقاموا
стр. 187
غيرك، واحد، وأنه لا أحد منهم يقول: إنّ (سوى) عبارة عن مكان أو زمان، وما لم يدل على مكان أو زمان فبمعزل عن الظرفية.
والثاني: أنّ من حكم بظرفيتها حكم بلزوم ذلك، وأنها لا تتصرف، والواقع في كلام العرب شعرًا ونثرًا خلاف ذلك: فإنها قد أضيف إليها، وابتدئ بها، وعمل فيها نواسخ الابتداء وغيرها من العوامل اللفظية، فمن ذلك قول النبي ﷺ : (سألت ربي أن لا يسلط على أمتي عدوًا من سوى أنفسهم)، وقوله ﵇: (ما أنتم في سواكم من الأمم إلاّ كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود). وقول الشاعر:
وكلُّ من ظنَّ أن الموت مخطِئُهُ ... معلُّلُ بسواء الحقّ مكذوبُ
ومن الإسناد إليها مرفوعة بالابتداء قول الشاعر:
وإذا تباع كريمة أو تشترى ... فسواك بائعُها وأنتَ المشتري
وقال آخر في رفعها بليس:
لئِنْ تَكُ ليلى ليس بيني وبينها ... سوى ليلةٍ إني إذًا لصبورُ
وقال آخر في نصبها بإنّ:
стр. 188
وجانِبْ بحال السّلم من شئتَ واعلمنْ ... بأنَّ سوى سُؤْلاكَ في الحرب أجْنَبُ
وقال آخر في وقوعها فاعلة:
ولم يبقَ سوى العُدْوا ... نِ دِنَّاهم كما دانوا
وقال آخر في الإضافة إليها:
إنني والذي يحُجُّ له النا ... سُ بجدْوَى سواك لم أثِقِ
وقال آخر:
يا سحر لا يحلى بعيني أبدًا ... فؤادُ سواك مُذْ سواكَ بدا
وقوله: (أعطيتك لأمتك) قال الطيبي: اللام فيه هي التي في قوله سابقًا: (سألت ربي لأمتي) أي أعطيت سُؤْلك لدعائك أمتك، والكاف هو المفعول الأول.
وقوله: (أنْ لا يهلكَهم) هو المفعول الثاني كما في قوله: (سألتُ ربي أن لا يهلكَها) هو المفعول الثاني، وجواب لو ما يدل عليه قوله: (وأن لا أسلط)، وحتى: معنى كي، أي لكي يكون بعض أمتك يُهلك بعضًا.
وقال في "النهاية": في الحديث: (سألتُ الله أن لا يهلكَ أمتي بسنة عامة) أي بقحط عام، يعم جميعهم، والباء في (بعامة) زائدة زيادتها في قوله تعالى: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) [الحج: ٢٥]، ويجوز أن لا تكون زائدة وقد أبدل عامة من سنة بإعادة العامل، تقول: مررت بأخيك بعمرو، ومنه قوله تعالى: (قال الملأ الذين استكبروا من قومه
стр. 189
للذين استُضعِفوا لمن آمن منهم) [الأعراف: ٧٥]. انتهى.
وقوله: (ولن تحصوا)، كقوله تعالى: (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتّقوا ...) [البقرة: ٢٤]، وكأنه ﷺ أمرهم بالاستقامة لله، وهي شاقّة جدًّا، تداركه بقوله: ولن تحصوا، رحمة ورأفة من الله تعالى على هذه الأمة.
٢١١ - حديث: "إذا أصاب أحدكم الحمّى فإنّ الحمّى قطعةٌ من النار، فليطفئها بالماء ".
قال الطيبي: قوله: (فالحمّى قطعة) جواب لقوله: (إذا أصاب) والفاء في (فليطفئها) مترتبة على الجواب، والتقدير: إذا أصاب أحدكم الحمى، فليعلم أن الحمّى قطعة من النار فليطفئها، كقوله تعالى: (من كان عدوًّا لله وملائكته ورسله ..) الآية، أي فليعلم أنّ الله عدو له، ويجوز أن يكون الجزاء فليطفئها.
وقوله: (فإن الحمى) معترضة كما في قول الشاعر:
ليس الجمالُ بمئزرٍ فاعلمْ وإنْ رُدّيتَ بُرْدا
وقوله: (فليستنقِعْ في نهرٍ جارٍ) الفاء فيه للتعقيب، لأن النقع هو الإطفاء، كما في قوله تعالى: (فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم) [البقرة: ٥٤].
стр. 190
٢١٢ - حديث: "من يتكفل لي أن لا يسأل الناس شيئًا ".
قال الطيبي: أنْ: مصدرية، والفعل معها مفعول (يتكفّل) أي من يلتزم على نفسه عدم السؤال.
مسند جابر بن سَمُرَة ﵁
٢١٣ - حديث: "أتى النبيَّ ﷺ بفرسٍ مُعْرَوْرَى فركبه .. ".
قال أهل اللغة: اعروريتُ الفرسَ إذا ركبته عريانًا فهو معرورى، قالوا: ولم يأت افعوعل يتعدى إلا بقولهم: اعروريت الفرس، واحلوليت الشيء.
٢١٤ - حديث: "لا يزال الدينُ قائمًا حتى تقومَ الساعةُ أو يكونَ عليكم اثنا عشر خليفةً ".
قال الرضي: قوله: (أو يكون عليكم) قيدناه على من يوثق بتقييده بالنصب، ويكون (أو) بمعنى إلى أنْ، كقوله:
فقلتُ له لا تبكِ عينُك إنّما ... نحاولُ ملكًا أو نموتَ فنُعْذَرا
стр. 191
قال: وقد دل على هذا قوله في الرواية الأخرى: (لا يزال هذا الأمر عزيزًا إلى اثني عشر خليفةً).
٢١٥ - حديث: "كان للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكّر الناسَ ".
قال البيضاوي: يقرأُ القرآن: صفة ثانية للخطبتين، والراجع محذوف والتقدير: يقرأ فيهما. (ويذكر الناس): عطف عليه داخل في حكمه.
مسند جابر بن عبد الله ﵁
٢١٦ - حديث: "ذكاةُ الجنين ذكاةُ أمه ".
قال في "النهاية": يُروى هذا الحديث بالرفع والنصب، فمن رفع جعله خبر المبتدأ الذي هو (ذكاة الجنين)، فيكون ذكاة الأم هي ذكاة الجنين، فلا يحتاج إلى ذبح مستأنف، ومن نصب كان تقدير الكلام: ذكاة الجنين كذكاة أمه، فلما حذف الجار نصب، أو على تقدير: يذكي تذكية مثل ذكاة أمه، فلما حذف المصدر، أقام
стр. 192
المضاف إليه مقامه، فلا بد عنده من ذبح الجنين إذا خرج حيًا. ومنهم من يرويه بنصب الذكاتين، أي ذكوا الجنين ذكاة أمه. انتهى.
وقد ألف ابن جني في إعراب هذا الحديث رسالة قال فيها:
قد تنوع القول في هذا الحديث، وأولاها بالصواب وأجراها على مقاييس العربية وصناعة الإعراب، ما ذهب إليه أبو حنيفة من أن تقديره: ذكاة الجنين مثل ذكاة أمه، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فأعرب حينئذ إعرابه، ومثل ذلك في حذف المضاف كثير، وذلك أن قوله (ذكاة الجنين) مبتدأ محتاج إلى خبر، وخبره إذا كان مفردًا - أعني غير الجملة - فلا بدّ أن يكون هو المبتدأ في المعنى بما ذكرنا، وذلك قولك للنائب عنك: قبضُك قبضي، وعقدُك عقدي، أي قَبْضي قبضُك، وعقدي عقدك، أي قبْضك يقوم مقام قبضي، وعقدك يقوم مقام عقْدي لو عقدت، فثبت قبض مخاطبك وعقده حقيقة، وقبضك وعقدك أي مجازًا لا حقيقة، بل تكون منفية عنك.
فعلى هذا كان يجب أن يكون معنى قوله ﵇: (ذكاة الجنين ذكاة أمه) إثبات الذكاة للجنين ونفيها عن الأم، وليس الأمر عند أحد كذلك، إنما الأمر عند أبي حنيفة أنهما جميعًا واجبتان، وعند غيره أن ذكاة الأم قد أغنت عن ذكاة الجنين، وليس أحد يوجب بهذا الخبر الذكاة للجنين دون الأم، فعلمت أنه لو أريد المعنى الذي ذهب إليه من خالف أبا حنيفة، لكان لفظ الخبر: ذكاة أم الجنين ذكاته، فقوله ﷺ : (ذكاة الجنين ذكاة أمه) لا يصرف له لما قدمناه وأخرناه، إلا أنه إلى أنّ معناه: ذكاة الجنين مثل ذكاة أمه في الوجوب والإهلال، وهذا متناه في وضوحه.
وأما رواية من روى هذا الخبر (ذكاةُ الجنين ذكاةَ أمه)، فيضعف في القياس، وذلك أنه لا يخلو أن ينصب (ذكاةَ أمه) بشيء ملفوظ أو بشيء مقدر غير ملفوظ به،
стр. 193
وليس في اللفظ ما يصلح أن ينصب (ذكاةَ أمه) إلاّ المقدر الذي هو (ذكاةُ الجنين)، فإن علقت ذكاة أمه بنفس ذكاة الجنين، كان (ذكاة أمه) في صلتها أو من تمامها، وإذا كانت من تمامها بقي المبتدأ الذي هو (ذكاة الجنين) مبتدأ لا خبر له، لأنه يصير تقديره: ذكاة الجنين ذكاة مثل ذكاة أمه، فيحتاج إلى خبر، ولو زدت خبرًا لوجب أن يقال: ذكاة الجنين ذكاة أمه واجبه، فتحذف الخبر لطول الكلام، ودلالته عليه، فيصير كقولك: ضربك زيدًا ضرب عمرو جعفرًا، أي ضربك زيدًا مثل ضرب عمرو جعفرًا كائن أو واقع، فتحذف المصدر، وتقيم صفته - وهي مثل مقامه، فيصير تقديره: ضربك زيدًا ضرب عمرو جعفرًا كائن، ثم تحذف الخبر لطول الكلام ودلالته عليه فيصير: ضربك زيدا ضرب عمرو جعفرًا، فكذلك تقدير الخبر: ذكاة الجنين ذكاة مثل ذكاة أمه واجبة، ثم يصير: ذكاة الجنين ذكاة أمه، فهذا - اي إنْ ذهب إليه ذاهب - كان فيه بعض الضعف والصنعة لكثرة الحذف، ألا ترى أنه يُحذف مضاف بعد موصوف، ويُحذف معهما أيضًا الخبر، وليس كذلك قوله سبحانه: (فشاربون شربَ الهيم) [الواقعة: ٥٥]، لأنه - وإن كان معناه: فشاربون شربًا مثل شرب الهيم - فإنه إنما حذف الاسمين - لعمري - إلا أنه لم يحذف معهما خبر المبتدأ، وكلما كثر الحذف كان أقبح.
فإن قلت: فإنّ حذف الخبر قد كثر في القرآن والشعر، فهلاّ حملت هذا الموضع على ذلك أيضًا؟ قيل: إذا انضم إلى حذف الخبر حذف شيئين مقدرًا أحدهما بعد صاحبه، لم يكن كأن يحذف الخبر وحده، وعلى أنه إن ارتكب أحد هذا - آل هذا بمعناه إلى ما قدمناه من وجوب ذكاة الجنين كذكاة أمه، ألا ترى أن التقدير قد أصاره إلى أنه بمعنى: ذكاة الجنين كذكاة أمه واجبة أو لازمة، ولا بد إذا نصبت ذكاة أمه بنفس ذكاة الجنين من هذا التقدير، وإذا لم يكن منه بدّ علمت به صحة قول أبي حنيفة في وجوب ذكاة الجنين للتحليل لوجوب ذكاة أمه، فهذا إن كان الناصب لذكاة أمه ما
стр. 194
في ظاهر اللفظ من الوضوح بحيث تراه.
وأما إنْ كان الناصب لذكاة أمه ليس موجودًا في اللفظ، ولم يحمله على أنه في صلة المصدر الذي هو (ذكاة الجنين)، فإنه يصير تقديره: ذكاة الجنين وقت ذكاة أمه، ثم يحذف الوقت المضاف إلى الذكاة على ما تقدم، ويقيم مقامه فيقال: ذكاة الجنين ذكاة أمه، فيجرى مجرى قولك: لقاؤك زيدًا مقدمَ الحاج، وزيارتك عبد الله خفوقَ النجم، أي لقاؤك إيّاه وقت مقدم الحاج، وزيارتك وقت خفوق النجم، فتحذف المضاف الذي هو الظرف، ويقام المضاف إليه - وهو المصدر- مقامه، ومثله في حذف الوقت مع المصدر وإرادته قول الشاعر:
وما هي إلاّ في إزارٍ وعلقةٍ ... مُغارَ ابنِ همّامٍ على حيِّ خثعما
أي: وقت إغارة ابن همام على حيِّ خثعم، ولا بد من تقدير حذف المضاف هنا، لأنك إن لم تفعل ذلك - وجعلت مغار ابن همام وقتًا لا مصدرًا - لم يستقم، لأنك قد عديت (مغار ابن همام) إلى الظرف الذي هو (على حيّ خثعم)، واسم الزمان والمكان لا يتعدى واحد منهما إلى شيء من الظروف ولا حروف الجر، إنما ذلك للمصدر دونهما، وهذا جليّ. وكان هذا الوجه في نصب (ذكاة أمه) أقرب ماخذًا من الأول، وعلى أيهما حملت، فالأمر واحد في وجوب ذكاة الجنين، ألا ترى أنه لا بدّ للظرف الذي هو (وقت ذكاة أمه)، لجريه خبرًا عن المبتدأ الذي هو: (ذكاة الجنين) - من شيء يتعلق به، والظرف متى جرى صلة أو صفة أو حالاً أو خبرًا تعلق بالمحذوف، وتضمنه إن لم يكن بعده ظاهر يرتفع به ضميره، فيصير تقديره: ذكاة الجنين كائنة أو واجبة أو واقعة وقت ذكاة أمه، ثم يحذف اسم الفاعل ويقام الظرف
стр. 195
مقامه، فيقال ذكاة الجنين وقت ذكاة أمه، كقولك: قيامك وقت قيام عمرو، أي كائن أو واقع وقت قيام عمرو، ثم يحذف اسم الفاعل ويقام الظرف مقامه، وإذا صار به التقدير إلى هذا، علمت وجوب ذكاته على حد وجوب ذكاة أمه، أي إذا ذكّيت أمه أغنى ذلك عن ذكاته لأنها تقع وقت ذكاة الأم.
قيل: تقدم إفساد هذا المعنى في حالة الرفع بما يعرض فيه من التجوز وغيره فاكتفينا به عن إعادته.
وأما من تأوّله على أن تقديره: ذكاة الجنين كذكاة أمه، فلما حذف حرف الجر انتصب، فلا وجه للاعتداد به لسقوطه لأول وهلة، ألا ترى أنه يجب من هذا أن يجوز: زيد عمرًا، أي زيد كعمرو، فلما حذف حرف الجرّ انتصب (عمرًا) وما هذه حاله، فلا وجه للتشاغل به، ولو لامس هذه المسألة من صناعته الإعراب لما أمكن ظهورها، وبدو معناها. هذا آخر كلام ابن جني.
٢١٧ - حديث الغسل
ألف الشيخ جمال الدين بن هشام في إعرابه رسالة قال فيها:
قول جابر: (كان يكفي من هو أوفى منكَ شعرًا وخيرٌ منك) الظاهر أن خيرًا مرفوع عطفًا على أوْفى للخبرية عن هو، أي كان يكفي من هو أوفى وخير، كما تقول: أحبّ من هو عالم وعامل، والجملة من المبتدأ والخبر صلة الموصول، والموصول والصلة مفعول يكفي.
ويقع في النسخ ويجري على ألسنة الطلبة بنصب خير، وقد ذكر أنه خرج على سبعة أوجه:
стр. 196
أحدها: أن يكون عطفًا على المفعول وهو (مَنْ).
الثاني: أن يكون بتقدير كان، مدلولاً عليها بكان المذكورة أولاً، أي وكان خيرًا.
الثالث: على تقدير يكفي، مدلولاً عليها بيكفي المذكورة.
الرابع: على إلغاء (من هو) فيكون (أوفى) مفعولاً، و (خيرًا): معطوفًا عليه.
الخامس: على إلغاء (من هو أوفى).
السادس: على تقدير: وأكثر خير.
السابع: على العطف على (مَنْ)، فإنه يؤدي لمغايرة المعطوف لمن وقعت عليه (من)، ويصير بمنزلة كان يكفي زيدًا وعمرًا، فيكون الذي هو أوفى غير الذي هو خير، وليس المراد ذلك.
وأما تقدير "كان" فباطل من وجهين:
أحدهما: أن حذف كان مع اسمها، وبقاء خبرها لا يجوز بقياس إلاّ بعد إنْ ولو وإمّا، ثم قال سيبويه لا تقل: عبد الله المقتول، بتقدير: كن عبد الله المقتول، وخالف المحققون في تخريج الكسائي قوله تعالى: (انتهوا خيرًا لكم) [النساء: ١٧١] على تقدير: يكن الانتهاء خيرًا لكم.
الثاني: أنّا إذا قدرنا كان مدلولاً عليها بالأولى قدرنا مرفوعها الأول كما أنك إذا قلت: (علفتُها تبنًا وماءً) لا تقدر وسقاها غيري، بل وسقيتها وذلك لأن الفعل والفاعل كالشيء الواحد، فتقدير أحدهما مستلزم لتقدير الآخر بعينه، فعلى هذا، إذا قدرت "كان" الأولى قدرت فاعلها فيصير: وكان هو أي الصاع، وأما تقدير (يكفي) فإنه يؤذن أيضًا بالتغاير، كما أنك إذا قلت: كان يكفي الفقيه ويكفي الزاهد، أذن
стр. 197
بذلك، وسببه أن يكفي الثاني إنما هو لمجرد التوكيد، فذكره بمنزله لو لم يذكر، وهو لو لم يذكر أذن العطف بالتغاير، فكذلك إذا ذكر.
وأما إلغاء (من هو) أو إلغاء (من هو أوفى) فباطلان من وجهين:
أحدهما: أن زيادة الأسماء لا تجوز عند البصريين، وكذلك زيادة الجمل، ثم إنّ الكوفيين يجيزون ذلك، إنما يجيزونه حيث يظهر أن المعنى مفتقر إلى دعوى الزيادة كما في قول لبيد:
إلى الحول اسم ثمّ السلامِ عليكما
فإنهم قالوا: اسم: زائد، لأنه يقال: السلام على فلان، ولا يقال: اسم السلام عليك، فادّعوا زيادة ذلك لهذا المعنى، وهو مقصود فيما نحن بصدده.
وقد يقال إنّ أفسد هذين الوجهين الوجه المدّعى فيه زيادة (من هو) خاصة، فإنّ ذلك لا يجيزه أحد، لأن المبتدأ يبقى بلا خبر، والموصول بلا صلة، ويجاب بأن دعوى زيادة الاسم لا تخرجه عن استحقاقه لما يطلبه على تقدير عدم الزيادة.
الثاني: أنه إذا كان زائدًا امتنع العطف عليه، لأنه يصير بمنزلة ما لم يذكر، والعطف عليه يقتضي الاعتداد به وتقدم جوابه فتناقضا.
وأما تقدير (أكثر) فباطل، لأن أفعل التفضيل لم يحذف في كلامهم باقيًا معموله، لضعفه في العمل، وجموده، لأنه لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث.
وأما عطفه على (شَعْرًا) فإنه أقرب من جميع ما ذكر، لأن (أوفى) بمعنى أكثر، فكأنه قيل: أكثر منك شعرًا وخيرًا، إلا أن ذلك يأباه ذكره (منك) بعد (خيرًا)، ألا ترى
стр. 198
أنك إذا قلت: كان يكفي من هو أكثر منك علما وعبادة لم يحتج إلى قولك (منك) ثانيًا؟ وقد يتكلف جواز هذا الوجه على أنه يجعل (منك) الثانية مؤكدة للأولى. هذا آخر كلام ابن هشام.
٢١٨ - حديث الاستخارة، قوله: (اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك) .
قال الطيبي: الباء فيهما يحتمل أن تكون للاستعانة كما في قوله: (بسم الله مَجراها ومرساها) [هود: ٤١]. أي أطلب خيرك مستعينًا بعلمك فإني لا أعلم فيم خيّرتني، وأطلب منك القدرة، فإني لا حول ولا قوة لي إلا بك.
وأن تكون للاستعطاف كما في قوله تعالى: (ربِّ بما أنعمت علي ..) [القصص: ١٧]، أي أطلب منك الخير بحقّ علمك وقدرتك الشاملين.
وقوله: (ويسمّي حاجته): يجوز أن يكون حالاً من فاعل (يقلْ)، أي فليقل هذا الكلام مسميًا حاجته، أو عطفًا على (ليقل) على التأويل لأنه بمعنى الآمر.
٢١٩ - حديث: "ليس البرّ الصيام في السفر ".
стр. 199
قال القرطبي: (من) هنا زائدة لتأكيد النفي، وقيل للتبعيض وليس بشيء.
وقال القاضي عياض: روى (ليس من البر) (ليس البر أن تصوموا في السفر)، وكلاهما بمعنى واحد، و (من) هنا عند بعض أهل العربية زائدة، وأبى ذلك سيبويه، ورأى أن (مِنْ) في قوله: ما جاءني من أحد: تأكيد لاستغراق النفي إذْ يحتمل قوله: ما جاءني أحد، وإنه جاء أكثر، وإذا قال (من أحد) لم يقع احتمال. انتهى.
٢٢٠ - حديث: "إنَّ الموتَ فزعٌ ".
قال البيضاوي: هو مصدر جرى مجرى الوصف للمبالغة، أو فيه تقدير، أي: الموت ذو فزع، ويؤيد الثانية رواية: (إنَّ للموتِ فزعًا).
٢٢١ - حديث: "قاتل الله اليهودَ، إنّ الله حرَّم شحومهما، جَملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه ".
قال الطيبي والكرماني: الضمير راجع إلى الشحوم على تأويل المذكور أو إلى الشحم الذي في ضمن الشحوم.
٢٢٢ - حديث: "رأيتُ رسول الله ﷺ يرمي على راحلته يومَ النحر ويقول: لتأخذوا
стр. 200
مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحُجُّ بعد حجتي هذه".
قال القرطبي: صح روايتنا فيه (لنا) بلام الجر المفتوحة، و (نا) ضمير الجمع وهو الأفصح، وروى (ليأخذوا) بكسر اللام للأمر بالياء المثناة من فوق، وهو لغة شاذة، وقد قرأ بها رسول الله ﷺ (فبذلك فليفرحوا) [يونس: ٥٨].
٢٢٣ - حديث: "قلنا لا نَكْنيك أبا القاسم ولا كرامة ".
قال الكرماني بالنصب، أي: ولا نكرمك كرامة.
٢٢٤ - حديث: "إنّ أخوفَ ما أخاف على أمتي عملُ قوم لوط ".
قال الطيبي: أضاف أفعل إلى ما، وهي نكرة موصوفة ليدل على أنه إذا استقصى الأشياء للخوف شيئًا بعد شيء، لم يجد أخوف من فعل قوم لوط.
стр. 201
٢٢٥ - حديث: "يسألوني عن الساعة وإنّما علمُها عند الله ".
قال الطيبي: (وإنما علمها عند الله): حال مقررة لجهة الإشكال، أنكر عليهم سؤالهم، وأكده بقوله: وإنما علمها عند الله.
وقوله: (أقسم بالله): مقرر له، يعني: يسألوني عن القيامة الكبرى، وعلمها عند الله، وما أعلمه هو القيامة الصغرى.
٢٢٦ - حديث: "لقد جئتكم بها بيضاء نقيةً ".
قال الطيبي: حالان مترادفان من الضمير المفسر بالملة. وقوله: (لو كان موسى حيًا ما وسعه إلاّ اتباعي) حال متداخلة من الضمير في (بيضاء).
٢٢٧ - حديث: "لا يموتنّ أحدُكم إلاّ وهو يحسنُ الظن بالله ".
قال الطيبي: نهى أن يموتوا على غير حالة حسن الظن، وذلك ليس بمقدورهم بل المراد الأمر بتحسين الظن، ليوافى الموت وهو عليه. انتهى.
ونظيره: (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) [آل عمران: ١٠٢]
стр. 202
٢٢٨ - حديث: "لا تَدعوا على أنفسكم ولا على أولادكم لا توافقوا ساعة إجابة ".
قال الطيبي: قوله: (لا توافقوا) نهى الداعي، وعلة النهي أي لا تدعوا أي لا توافقوا ساعة إجابة فتندموا.
قوله: فيستجيبَ: نصب على أنه جواب النهي، من قبيل: لا تدْنُ من الأسد يأكلْك، على مذهب الكسائي. ويحتمل أن يكون مرفوعًا أي: فهو يستجيب.
٢٢٩ - حديث: "أنّ عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق فقال يا رسول الله ما كدت أنْ أصليَ العصر حتى كادت الشمسُ تغربُ ".
قال ابن مالك: تضمّن هذا الحديث وقوع خبر كاد مقرونا بأن، وهو مما خفي على أكثر النحويين، أعني وقوعه في كلام لا ضرورة فيه، والصحيح جواز وقوعه، إلا إنّ عدم وقوعه مقرونًا بأنْ أكثر وأشهر من وقوعه مقرونًا، ولذلك لم يقع في القرآن إلاّ غير مقرون بأن نحو: (وما كادوا يفعلون) [البقرة: ٧١]، (لا يكادون يفقهون) [النساء: ٧٨]، (يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار) [النور: ٤٣].
ولا يمنع عدم وقوعه في القرآن مقرونًا بأنْ، من استعماله قياسًا لو لم يرد به
стр. 203
سماع. لأن السبب المانع من اقتران الخبر بأنْ في باب المقاربة هو دلالة الفعل على الشروع نحو طفق وجعل، فإنّ (أنْ) تقتضي الاستقبال، وفعل الشروع يقتضي الحال، فتنافيا، وما لا يدل على الشروع كعسى وأوشك وقرب وكاد، فمقتضاه مستقبل، فاقتران خبره بأنْ يؤكده، فإنها تقتضي الاستقبال، وذلك مطلوب، ومانعه مغلوب.
فإذا انضم إلى هذا التعليل استعمال فصيح، ونقل صحيح كما في الحديث المذكور، وفي قول أنس: (ما كدنا أن نصلَ إلى رحالنا)، وقول بعض الصحابة: (والبرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج)، وقول جبير بن مطعم: (كاد قلبي أن يطير)، تأكد الدليل ولم يوجد إلى مخالفته سبيل.
وقد اجتمع الوجهان في قول عمر: (ما كدت أن أصلي العصر ..) أي (حتى كادت الشمسُ تغربُ) وفي قول النبي ﷺ : (كاد الحسب يغلب القدر، وكاد الفقرُ أن يكون كفرًا)، ومن الشواهد الشعرية في هذه المسألة قول الشاعر:
أبيتم قبول السلم منا فكدتم ... لدى الحرب أن تغنوا السيوف عن السَّلِّ
وهذا الاستعمال مع كونه في شعر ليس بضرورة، ليتمكن مستعمله من أن يقول: لدى الحرب تغنون السيوف عن السل.
وأنشد سيبويه:
فلم أرَ مثليها خُباسةَ واحدٍ ... ونهنهتُ نفسي بعد ما كدتُ أَفْعَلهْ
стр. 204
وقال: أراد (بعد ما كدت أن أفعله)، فحذف أنْ، وأبقى عملها، وفي هذا إشعار بالمراد، أي اقتران كاد بأنْ، لأن العامل لا يحذف ويبقى عمله إلاّ إذا اطرد ثبوته. انتهى.
وقال الكمال ابن الأنباري في كتاب "الإنصاف": لا يستعمل (أنْ) مع (كاد) في اختيار، ولذلك لم يأتي في القرآن، ولا في كلام فصيح، فأما الحديث (كاد الفقر أن يكونَ كفرًا)، فإنْ صحَّ، فزيادة (أنْ) من كلام الراوي، لا من كلامه ﷺ ، لأنه أفصح من نطق بالضاد. انتهى.
وفي حديث مسلم في الذي قاتل قتالاً شديدًا، وقال النبي ﷺ : (هو من أهل النار، فكاد بعض المسلمين أنْ يرتابَ):
قال النووي: هكذا في الأصول، فأثبتت أنْ مع كاد، وهو جائز لكنه قليل.
وفي حديث مسلم في بنيان الكعبة، قال النبي ﷺ : (فكان الرجلُ إذا هو أراد أن يدخلها يدَعَونَه يرتقي حتى إذا كاد أن يدخلَها دفعوه فسقط): قال النووي: هكذا في النسخ كلها: كاد الرجل أن يدخلَ، ففيه حجة بجواز دخول أنْ بعد كاد، وقد كثر ذلك، وهي لغة فصيحة، ومن الأشهر عدمه.
стр. 205
٢٣٠ - حديث: "لو بعت من أخير تمرًا، فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا ".
قال الطيبي: فلا يحل: وقع جواب لو، فإما أن يحمل فيقال: إنّ لو بمعنى إنْ، وإما أن يقدر الجواب: تمرًا فملكه لا تأخذ منه شيئًا فلا يحلّ لك.
٢٣١ - حديث: "بينا أنا أمشي إذ سمعتُ صوتًا ".
قول زين العرب في "شرح المصابيح": بَيْنَ: ظرف لمتوسط في زمان أو مكان حسب المضاف إليه، إذْ تضاف إلى ما يتوسط فيه منهما، وتقتضي تعدد المضاف إليه نحو: جئناه بين العشاءين، وجلست بين القوم، وإذا عطف المتعدد بعضه على بعض. عطف بالواو دون الفاء، فيمتنع جلست بين زيد فعمرو، لأن الفاء تؤذن بالانتقال، فيصير: كجلست بين عمرو.
وإذا قصد إضافتها إلى أوقات مضافة إلى جملة، حذفوا الأوقات وعوضوا عنها الألف أو "ما"، وحكي ما كان يضاف إليه الأوقات بعدها، نحو بينا أو بينما نحن نفعل كذا إذْ طلع علينا فلان، وهي منصوبة بعامل من الجملة الواقع نسبتها فيه، كطلع في المثال. وقيل الجملة قائمة مقام الأوقات المحذوفة كما في: (واسأل القرية) [يوسف: ٨٢] وزيادة الألف أو ما لتعيين أنّ (بين) مضافة إلى الجملة.
وقال الجوهري: زيادة الألف من إشباع الفتحة، وفيه نظر. ولم ير الأصمعي
стр. 206
دخول إذْ وإذا في الفعل المتوسط فصيحًا نحو: بينا نحن نفعل كذا إذ طلع زيد، إذا يبقى الظرفان بلا عامل ظاهر، لأن إذْ وإذا مضافان إلى ما بعدهما، والمضاف إليه لا يعمل فيما قبله، فيجب تقدير إذْ وإذا بفاجأتُ أو وجدتُ اتفاقًا طلوع فلان في الوقت الذي نفعل كذا، حتى ينتصب كلا الظرفين به، كما يقدر فاجأت في نحو: خرجت فإذا السبع بالباب، وارتكاب شيء يلزم منه تقدير فعل من غير ضرورة ممتنع.
وردّ ابن الحاجب قول الأصمعي بأن المفاجأة معنى مقصود، يجب عند قصدها الإتيان بفعلها أو بما يدل عليها من إذْ وإذا، ولا يظهر فعلها معها، لأنهما إذا كانتا للمفاجأة يجب حذف فعلهما.
قال بعض الفضلاء من المعاصرين: وفيه نظر، لأن الإشكال إنما يرتفع إذا كان المقتضى بينما فاجأت دون طلع.
أقول: ويمكن أن يمنع أن المقتضى طلع، والمانع منه موجود، والصواب عندي أنه إذا لم يكن الفعل مقترنًا بكلمة المفاجأة أن يحكم باقتضاء بينما، وإن اقترن بها حكم بأن المقتضى لها معنى المفاجأة.
وقال الزمخشري: إذا زيدت إذْ وإذا فيه في موضع رفع بالابتداء، وبين خبره بتقدير: استقر إلى طلوع فلان بين أوقات فعلنا. قيل: عليه يلزم أن لا يكون إذا المفاجأة مع كونها مقصودة منها هنا. وأن تقع إذ مبتدأة أو مصدرية ممتنع، وليس هذا مثل قولنا: نهار زيد صائم، في إثبات حكم زيد لظرفه المضاف إليه، لأنه يقع مبتدأ في الجملة.
ومال ابن مالك إلى قول الأصمعي إذ قال: ويجيء إذا المفاجأة، وتركها بعد بين وبينما أقيس من ذكرها، لأن المعنى المستفاد معها بتركها، وكلاهما مروي عن العرب نثرًا ونظمًا، ومن أمثلة تركها قول الشاعر:
فَبَيْنا نحن نرقُبُهُ أتانا
стр. 207
ومن أمثلة ذكرها قول عمر ﵁: (بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذْ طلع علينا رجل).
وحكى السيرافي أن بعضهم يجعلها ظرف مكان، وأن بعضهم يجعلها زائدة، قال: والمختار عندي الحكم بحرفيتها، أقول: يريد أنهما حرفان للمفاجأة، وجاز كونهما مشتركين بين الاسم والحرف كمنذ، وهذا الذي اختاره هو مذهب الأخفش أيضًا، وعلى هذا يكون العامل في (بينما) في حديث عمر: طلع، ثم العامل في (عند) خبر المبتدأ المقتضى وقد حدث ليبين إذا قيل فيها بينا أو بينما الاختصاص بالزمان والظرفية والإضافة إلى الجمل. ومعنى الحديث وتقديره: بين أوقات نحن جالسون فيها عنده ﵇، فاجأنا أو وجدنا اتفاقًا طلوع هذا الرجل. انتهى كلام زين العرب.
وقال القرطبي: (بينا) هذه هي بين الظرفية زيدت عليها الألف لتكفها عن عملها الذي هو الخفض، كما زيدت عليها أيضًا ما لذلك، وما بعدهما مرفوع بالابتداء في اللغة المشهورة، ومنهم من خفض ما بعد الألف على الأصل.
قال الشاعر:
بينا تعانقه الكماة وروغه ... يومًا أتيح له جريء سلفعُ
روى بخفض (تعانقه) ورفعه، وعلى هذا فالألف والميم ليستا للكف، لكن
стр. 208
لتمكّن النطق، وقد ذهب بعض النحويين إلى أنها للتأنيث في الوجهين، وهي عنده مثل (كثيرون).
وقال الكرماني: (بينا) أصله (بين) فأشبعت الفتحة، فصارت ألفًا وهو من الجواب إذا كان مجردًا من كلمة المفاجأة، وإلا فمعنى المفاجأة المتضمنة هي إياها، ويحتاج إلى جواب يتم به المعنى، وقيل اقتضى جوابًا لأنه ظرف يتضمن المجازاة، والأفصح في جوابه أن يكون فيه إذ وإذا خلافًا للأصمعي، والمعنى: أنه في أوقات المشي فاجأني السماع، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي.
قال الزركشي في "التنقيح": (جالس) بالرفع على الخبرية، ويجوز النصب على الحال والخبر محذوف، أي حاضر، أو نفس (إذا)، إذا قلنا إنها ظرف مكان. وقد أجازوا في: خرجت فإذا زيد جالس، الرفع والنصب، وقال النووي: في الأصول (جالسًا) منصوب على الحال.
قوله: (حتى هويت إلى الأرض) قال النووي: هكذا هو في الرواية: هويت، وهو صحيح، يقال: هوى إلى الأرض وأهوى إليها، لغتان، أي سقط، وقد غلط وجهل من أنكر (هوى)، وزعم أنه لا يقال إلاّ (أهوى).
قوله: (فجئثت منه رُعبًا)، قال البيضاوي: (رعبًا) نصب على المفعول لأجله.
٢٣٢ - حديث: "قال لي رسول الله ﷺ : أتزوجت؟ قلت: نعم قال: أبكرًا أم ثيبًا؟ قلت: لا، بل ثيب ".
стр. 209
قال أبو البقاء: قوله: أبكرًا؟ تقديره: أتزوجت بكرًا؟، وقوله: (بل ثيب) يروونه بالرفع، ووجهه بل هي ثيب، أو بل زوجتي ثيب، ولو نصب لجازم كان أحسن.
قلت: وكذا هو بالنصب في أكثر الطرق. ثم قال: وقوله: (وترك عليه جوارٍ): يقع في الرواية بالكسر والتنوين، والصحيح جواريَ بفتح الياء، كقوله تعالى: (ولكلٍّ جعلنا مواليَ) [النساء: ٣٣]، والمنقوص في النصب تفتح ياؤه.
قلت: وروى (قال: بكر أم ثيب) بالرفع، قال الزركشي: خبر مبتدأ محذوف، أي زوجتك.
وقوله: (لا بل ثيب) سقت (لا) في أكثر طرق الحديث، واقتضى على قوله: فقلت ثيبًا، وهو الصواب، فإن الاستفهام بالهمزة وأمْ لا يجاب بلا، قال ابن هشام في المغني: أم المتصلة التي تستحق الجواب إنما يجاب بالتعيين، لأنها سؤال عنه، فإذا قيل: أزيد عندك أم عمرو؟ قيل في الجواب زيد أو قيل عمرو؛ ولا يقال لا، ولا نعم.
وفي رواية البخاري: (هل تزوجت بكرًا أم ثيبًا؟) قال ابن مالك: فيه شاهد على أن هل قد تقع موقع الهمزة المستفهم بها عن التعيين، فتكون أو بعدها متصلة غير منقطعة، لأن استفهام النبي ﷺ جابرًا لم يكن إلا بعد علمه بتزوجه إما بكرًا وإما ثيبًا، وطلب منه الإعلام بالتعيين كما كان يطلبه بأي، فالموضع موضع الهمزة لكن استغنى عنها بهل، وثبت بذلك أن أم المتصلة قد تقع بعد هل كما تقع بعد الهمزة.
وقوله: (فهلاّ جاريةً): قال الزركشي: منصوب بفعل مضمر، أي هلاّ تزوجت جاريةً، لأن هلاّ من الأدوات المختصة بالأفعال.
وقوله: (فإذا قدمت فالكيسَ الكيسَ): قال الزركشي: بنصبها على الإغراء.
стр. 210
٢٣٣ - حديث: "إذا وُضِع الميتُ في قبره مثلتْ له الشمسُ عند غروبها فيجلسُ عند يمينه ".
قال الطيبي: عند غروبها: حال من الشمس، لا ظرف لمثِّلت، ويمسح: حال من الضمير في يجلس، أي يجلس ماسحًا.
٢٣٤ - حديث: "بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ ، إذْ أقبلت غيرٌ تحملُ طعامًا، فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي ﷺ إلاّ اثني عشر رجلاً ".
قال الكرماني: فإن قلت: الاستثناء مفرغ فيجب رفعه، لأن إعرابه على حسب العامل؟ قلت: ليس مفرغًا، إذْ هو مستثنى من ضمير (بقي) العائد إلى المصلي، فيجوز فيه الرفع والنصب. قال: وقد جاء الرفع في بعض الروايات، أو يقال إنّ (اثني عشر) أعطي له حكم أخواته التي هي ثلاثة عشر، إذ الأصل فيه البناء لتضمنه الحرف، قال في "المفصل": الأصل في العدد المنيف على العشرة أن يعطف الثاني على الأول فيقال: ثلاثة وعشرة، فمُزِج الاسمان وصُيِّرا واحدًا وبُنِيا، ولم يتعرض لاستثناء الاثني عشر منه، والمستثنى منه محذوف، وتقديره ما بقي أحد إلا عدد كانوا اثني عشر رجلاً، أو إلا طائفةً أعني اثني عشر.
٢٣٥ - حديث: "اشتركنا مع النبي ﷺ في الحج والعمرة كل سبعة في بَدَنَة ".
стр. 211
قال القرطبي: (مع) هذه متعلقة بمحذوف تقديره: كاثنين مع رسول الله ﷺ ، ولا يصح أن يكون متعلقًا بـ (اشتراكنا)، لأنه يلزم أن يكون النبي ﷺ واحدًا من سبعة يشتركون في بدنة، وأنهم شاركوه في هديه، والنقل الصحيح بخلاف ذلك.
٢٣٦ - حديث: "لا يؤمن عبدٌ حتى يؤمنَ بالقدر خيره وشرّه، حتى يعلمَ أنّ ما أصابه لم يكن ليُخْطِئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ".
(حتى) الأولى غاية (يؤمن) الأولى، و (حتى) الثانية إما بدل من حتى الأولى، وهو الظاهر، وإما غاية يؤمن الثانية.
وقوله: (لم يكن) قال الطيبي: قال بعض المغاربة: فائدة دخول كان المبالغة في نفي الفعل الداخلة هي عليه لتصله بوجهة نفيه عمومًا باعتبار الكون، وخصوصًا باعتبار الخبر، فهو نفي مرتين.
٢٣٧ - حديث: "إذا سمعتَ الأذانَ فأجِبْ ولو حَبْوًا أو زحفًا ".
قال أبو البقاء: تقديره: ولو أتيت زحفًا حبوًا، وهو مصدر في موضع الحال، أي حابيًا أو زاحفًا.
стр. 212
٢٣٨ - حديث: "كلوا لحم الصيد وأنتم حُرُمٌ ما لم تصيدوه أو يصادَ لكم ".
قال الشيخ ولي الدين العراقي في "شرح سنن أبي داود": هكذا الرواية أو يصاد، بالألف، وهي جائزة على لغةٍ، ومنه:
إذا العجوزُ غضبت فطَلِّقِ ... ولا ترضَّاها ولا تَمَلَّقِ
وقال الطيبي: قوله (أو يصطاد لكم) بعد قوله: (ما لم تصيدوه) فيه إشكال، لأن الظاهر يقتضي الجزم، وغاية ما يتكلف فيه أن يقال: إنه عطف على المعنى، فإنه لو قيل: ما لا تصيدونه أو يصاد لكم لكان ظاهرًا، فيقدر هذا المعنى.
٢٣٩ - حديث قتل كعب بن الأشرف، قوله: "ما رأيت كاليوم ريحًا أطيب .. ".
قال أبو البقاء: هذا الكلام فيه حذف تقديره: ما رأيت ريحًا كريح اليوم، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وقيل الكاف هنا اسم تقديره: ما رأيت
стр. 213
مثل ريح هذا اليوم ريحًا. و (ريحًا) هنا تمييز وأراد باليوم الوقت الذي هو فيه، وهو كثير في كلام العرب.
٢٤٠ - حديث: "أوِّلوها له يفقهْها ".
قال أبو البقاء: يفقه: مجزومة على جواب الأمر، فتدغم الهاء في الهاء.
٢٤١ - حديث الرؤيا، قوله: "فقال: أبو بكر فلْأُعبِّرْها ".
قال أبو البقاء: يجوز أن يروى بسكون اللام على أنها لام الأمر، ويكون قد أمر نفسه كقوله تعالى: (اتبعوا سبيلنا ولنحملْ خطاياكم) [العنكبوت: ١٢]، ويجوز - على هذا الأمر - أن تكسر اللام كأنك بدأت بها، لأن الفاء زائدة للعطف والجيد إسكانها، ويجوز أن تجعلها لام كي، فتكسرها ألبتة وتفتح الراء.
٢٤٢ - حديث: "إليَّ أيها الناس هلمَّ إليَّ أنا رسولُ الله ".
قال الرضي: مما جاء متعديًا ولازمًا (هلمّ) بمعنى أقبل، فيتعدى بإلى، قال تعالى: (هلمّ إلينا) [الأحزاب: ١٨]، وبمعنى أحضر، نحو قوله تعالى: (هلمّ شهداءكم) [الأنعام: ١٥٠].
стр. 214
وهو عند الخليل هاء التنبيه ركب معها لُمَّ، أمر من قولك: لمَّ الله شعثه، أي جمع نفسك إلينا في اللازم، واجمع غيرك في المتعدي، فلما غير معناه عند التركيب لأنه جاء بمعنى أقبل أو احضر بعدما كان بمعنى اجمع، صار كسائر أسماء الأفعال المنقولة عن أصلها، فلم يتصرف فيه أهل الحجاز مع أن أصلها التصرف، لنقله عند التركيب قال تعالى: (هلم شهداءكم) ولم يقل هلموا.
وقال الكوفيون: أصله أمّ وهلا، كلمة استعجال، فغيّر إلى هل لتخفيف التركيب، ونقل ضمة الهمزة إلى اللام، وحذفت كما هو القياس في نحو قد أفلح، إلا أنه ألزم هذا التخفيف لثقل التركيب.
وبنو تميم يصرفونه نظرًا إلى أصله - وليست بالفصيحة - فيقولون هلمّ هلمّا هلمّوا هلمّي هلممنَ، وقد يقال: هلمّ لك مبينًا باللا/ إجراء له - وإن لم يكن في الأصل مصدرًا - مجرى أخواته من أسماء الأفعال التي تبيّن بحرف الجر، نظرًا إلى أصلها الذي هو المصدر، نحو قوله تعالى: (هيهات هيهات لما توعدون) [المؤمنون: ٣٦]، أي بعدًا.
وفي "البسيط": في تركيب هلمّ مذهبان: مذهب أهل البصرة أنها مركبة من ها التي للتنبيه ولمّ من لمّ الله شعثه أي أصلح وجمع ما تفرق من أموره، ومعناها: لمّ نفسك إلينا، أي قربها إلينا، وحذفت الألف إما لأن الأصل في اللام السكون قبل الإدغام، لأن أصل الفعل المم، فنقلت حركة الميم إلى اللام، وحذفت الهمزة، وأدغمت الميم في الميم، وإما أنّه غير بالنقل من الفعل إلى جعله اسمًا للفعل غير بالحرف إشعارًا بأنه حذف لأجل التركيب طلبًا للتخفيف.
ومذهب أهل الكوفة أنها مركبة من (هلّ) التي هي: زجر وأمّ أي اقصد، ومعناها عجل ما قصدت، فنقلت ضمة الهمزة إلى اللام، وقد قلت ومن قدح في قولهم أن الاستفهام لا معنى له هنا فوهم، لأن (هل)) ليست للاستفهام وإنما حركة آخرها لالتقاء
стр. 215
الساكنين، وخص بالفتح لثقل التضعيف مع التركيب، والاعتراض على المذهبين في دعوى التركيب بثلاثة أوجه:
أحدها: أن دعوى التركيب تحتاج إلى دليل، ولا دليل يدل عليه، بخلاف (حَيَّهَل) فإنهما لما استعملا اسمي فعل في معناهما أمكن الحكم عليهما بالتركيب عند اجتماعهما.
الثاني: أن الكلمة الثانية على المذهبين فعل أمر، فدعوى نقل الفعل الذي يظهر فيه ضمير المأمور إلى كونه اسمًا للفعل لا يظهر فيه ضمير المأمور على خلاف الأصل.
الثالث: أن ضمّ حرف التنبيه أي نقل أمر لا يوجب إخراجه عن حقيقته قياسًا على دخوله على غيره لأنه يقتضي التنبيه على تحقق ما أخرجه عن بعده من غير نقل وضم (هل) الدالة على الزجر والحث إلى فعل أمر لا معنى له، فالأولى أن يكون كلمة مفردة، وفيها لغتان.
الأولى: لأهل الحجاز أنها بلفظ واحد مع المذكر والمؤنث والمثنى والجمع لأنها اسم للفعل فلا يبرز فيها ضمير الفاعل، وبهذه اللغة نزل القرآن.
والثانية: لغة بني تميم أنه فعل يتصرف تصرّف الفعل، فيقال: هلمّ يا رجل، وهلمّا يا رجلان، وهلموا يا رجال، وهلمي يا امرأة، وهلممن يا نسوة.
وقال ابن يعيش: إن بني تميم وإن أجروها مجرى الفعل في اتصال الضمائر بها فهي عندهم اسم للفعل بدليل إجماعهم على فتح الميم من هلمّ، واختلافهم في المضاعف نحو (ردّ) وفروعهنّ، فمنهم من يتبع الضم الضم والكسر الكسر والفتح الفتح ومنهم من يكسر على كل حال ومنهم من يفتح على كل حال، فلو كانت (هلمّ) فعلاً لسلكت بها مسلك المضاعف من الإتباع والكسر، والجواب عن هذا أن أهل
следующие страницы →