Полный текст (1 226 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
قال القرطبي: (مع) هذه متعلقة بمحذوف تقديره: كاثنين مع رسول الله ﷺ ، ولا يصح أن يكون متعلقًا بـ (اشتراكنا)، لأنه يلزم أن يكون النبي ﷺ واحدًا من سبعة يشتركون في بدنة، وأنهم شاركوه في هديه، والنقل الصحيح بخلاف ذلك.
٢٣٦ - حديث: "لا يؤمن عبدٌ حتى يؤمنَ بالقدر خيره وشرّه، حتى يعلمَ أنّ ما أصابه لم يكن ليُخْطِئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ".
(حتى) الأولى غاية (يؤمن) الأولى، و (حتى) الثانية إما بدل من حتى الأولى، وهو الظاهر، وإما غاية يؤمن الثانية.
وقوله: (لم يكن) قال الطيبي: قال بعض المغاربة: فائدة دخول كان المبالغة في نفي الفعل الداخلة هي عليه لتصله بوجهة نفيه عمومًا باعتبار الكون، وخصوصًا باعتبار الخبر، فهو نفي مرتين.
٢٣٧ - حديث: "إذا سمعتَ الأذانَ فأجِبْ ولو حَبْوًا أو زحفًا ".
قال أبو البقاء: تقديره: ولو أتيت زحفًا حبوًا، وهو مصدر في موضع الحال، أي حابيًا أو زاحفًا.
стр. 212
٢٣٨ - حديث: "كلوا لحم الصيد وأنتم حُرُمٌ ما لم تصيدوه أو يصادَ لكم ".
قال الشيخ ولي الدين العراقي في "شرح سنن أبي داود": هكذا الرواية أو يصاد، بالألف، وهي جائزة على لغةٍ، ومنه:
إذا العجوزُ غضبت فطَلِّقِ ... ولا ترضَّاها ولا تَمَلَّقِ
وقال الطيبي: قوله (أو يصطاد لكم) بعد قوله: (ما لم تصيدوه) فيه إشكال، لأن الظاهر يقتضي الجزم، وغاية ما يتكلف فيه أن يقال: إنه عطف على المعنى، فإنه لو قيل: ما لا تصيدونه أو يصاد لكم لكان ظاهرًا، فيقدر هذا المعنى.
٢٣٩ - حديث قتل كعب بن الأشرف، قوله: "ما رأيت كاليوم ريحًا أطيب .. ".
قال أبو البقاء: هذا الكلام فيه حذف تقديره: ما رأيت ريحًا كريح اليوم، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وقيل الكاف هنا اسم تقديره: ما رأيت
стр. 213
مثل ريح هذا اليوم ريحًا. و (ريحًا) هنا تمييز وأراد باليوم الوقت الذي هو فيه، وهو كثير في كلام العرب.
٢٤٠ - حديث: "أوِّلوها له يفقهْها ".
قال أبو البقاء: يفقه: مجزومة على جواب الأمر، فتدغم الهاء في الهاء.
٢٤١ - حديث الرؤيا، قوله: "فقال: أبو بكر فلْأُعبِّرْها ".
قال أبو البقاء: يجوز أن يروى بسكون اللام على أنها لام الأمر، ويكون قد أمر نفسه كقوله تعالى: (اتبعوا سبيلنا ولنحملْ خطاياكم) [العنكبوت: ١٢]، ويجوز - على هذا الأمر - أن تكسر اللام كأنك بدأت بها، لأن الفاء زائدة للعطف والجيد إسكانها، ويجوز أن تجعلها لام كي، فتكسرها ألبتة وتفتح الراء.
٢٤٢ - حديث: "إليَّ أيها الناس هلمَّ إليَّ أنا رسولُ الله ".
قال الرضي: مما جاء متعديًا ولازمًا (هلمّ) بمعنى أقبل، فيتعدى بإلى، قال تعالى: (هلمّ إلينا) [الأحزاب: ١٨]، وبمعنى أحضر، نحو قوله تعالى: (هلمّ شهداءكم) [الأنعام: ١٥٠].
стр. 214
وهو عند الخليل هاء التنبيه ركب معها لُمَّ، أمر من قولك: لمَّ الله شعثه، أي جمع نفسك إلينا في اللازم، واجمع غيرك في المتعدي، فلما غير معناه عند التركيب لأنه جاء بمعنى أقبل أو احضر بعدما كان بمعنى اجمع، صار كسائر أسماء الأفعال المنقولة عن أصلها، فلم يتصرف فيه أهل الحجاز مع أن أصلها التصرف، لنقله عند التركيب قال تعالى: (هلم شهداءكم) ولم يقل هلموا.
وقال الكوفيون: أصله أمّ وهلا، كلمة استعجال، فغيّر إلى هل لتخفيف التركيب، ونقل ضمة الهمزة إلى اللام، وحذفت كما هو القياس في نحو قد أفلح، إلا أنه ألزم هذا التخفيف لثقل التركيب.
وبنو تميم يصرفونه نظرًا إلى أصله - وليست بالفصيحة - فيقولون هلمّ هلمّا هلمّوا هلمّي هلممنَ، وقد يقال: هلمّ لك مبينًا باللا/ إجراء له - وإن لم يكن في الأصل مصدرًا - مجرى أخواته من أسماء الأفعال التي تبيّن بحرف الجر، نظرًا إلى أصلها الذي هو المصدر، نحو قوله تعالى: (هيهات هيهات لما توعدون) [المؤمنون: ٣٦]، أي بعدًا.
وفي "البسيط": في تركيب هلمّ مذهبان: مذهب أهل البصرة أنها مركبة من ها التي للتنبيه ولمّ من لمّ الله شعثه أي أصلح وجمع ما تفرق من أموره، ومعناها: لمّ نفسك إلينا، أي قربها إلينا، وحذفت الألف إما لأن الأصل في اللام السكون قبل الإدغام، لأن أصل الفعل المم، فنقلت حركة الميم إلى اللام، وحذفت الهمزة، وأدغمت الميم في الميم، وإما أنّه غير بالنقل من الفعل إلى جعله اسمًا للفعل غير بالحرف إشعارًا بأنه حذف لأجل التركيب طلبًا للتخفيف.
ومذهب أهل الكوفة أنها مركبة من (هلّ) التي هي: زجر وأمّ أي اقصد، ومعناها عجل ما قصدت، فنقلت ضمة الهمزة إلى اللام، وقد قلت ومن قدح في قولهم أن الاستفهام لا معنى له هنا فوهم، لأن (هل)) ليست للاستفهام وإنما حركة آخرها لالتقاء
стр. 215
الساكنين، وخص بالفتح لثقل التضعيف مع التركيب، والاعتراض على المذهبين في دعوى التركيب بثلاثة أوجه:
أحدها: أن دعوى التركيب تحتاج إلى دليل، ولا دليل يدل عليه، بخلاف (حَيَّهَل) فإنهما لما استعملا اسمي فعل في معناهما أمكن الحكم عليهما بالتركيب عند اجتماعهما.
الثاني: أن الكلمة الثانية على المذهبين فعل أمر، فدعوى نقل الفعل الذي يظهر فيه ضمير المأمور إلى كونه اسمًا للفعل لا يظهر فيه ضمير المأمور على خلاف الأصل.
الثالث: أن ضمّ حرف التنبيه أي نقل أمر لا يوجب إخراجه عن حقيقته قياسًا على دخوله على غيره لأنه يقتضي التنبيه على تحقق ما أخرجه عن بعده من غير نقل وضم (هل) الدالة على الزجر والحث إلى فعل أمر لا معنى له، فالأولى أن يكون كلمة مفردة، وفيها لغتان.
الأولى: لأهل الحجاز أنها بلفظ واحد مع المذكر والمؤنث والمثنى والجمع لأنها اسم للفعل فلا يبرز فيها ضمير الفاعل، وبهذه اللغة نزل القرآن.
والثانية: لغة بني تميم أنه فعل يتصرف تصرّف الفعل، فيقال: هلمّ يا رجل، وهلمّا يا رجلان، وهلموا يا رجال، وهلمي يا امرأة، وهلممن يا نسوة.
وقال ابن يعيش: إن بني تميم وإن أجروها مجرى الفعل في اتصال الضمائر بها فهي عندهم اسم للفعل بدليل إجماعهم على فتح الميم من هلمّ، واختلافهم في المضاعف نحو (ردّ) وفروعهنّ، فمنهم من يتبع الضم الضم والكسر الكسر والفتح الفتح ومنهم من يكسر على كل حال ومنهم من يفتح على كل حال، فلو كانت (هلمّ) فعلاً لسلكت بها مسلك المضاعف من الإتباع والكسر، والجواب عن هذا أن أهل
стр. 216
البلدين حكموا عليها بالتركيب كما تقدم فلزمت الفتح لثقل التركيب. وبذلك فارقت المضاعف الذي لا تركيب فيه، ولغة بني تميم تقوي التركيب إذْ لا يكون فعلاً إلا بالتركيب، ويضعف كونه اسم فعل لمنافاة الفعل لاسم الفعل: إذْ لا يمكن الحكم عليه بكونه فعلاً واسم فعل، فيكون على لغة أهل الحجاز اسم فعل غير مركب، وعلى لغة بني تميم فعلاً مركبًا.
ويقال بأن ركب أي لما ركب حذفت له بالتركيب معنى غير هلم المفردين، فلذلك صار اسم فعل وبقي على اتصال ضمائر المرفوع البارز من خصائص الأفعال، فلذلك حكم عليه بالفعلية لوجود خصائصه فيه، وتأتي متعدية وغير متعدية، وفي التنزيل: (هلم شهداءَكم) أي أَحْضِرُوا، وهلمّوا إلينا أي أقبلوا إلينا وتعالوا.
وحكى الأصمعي: هلمّ إلى كذا، فيقال: لا أهلم إليه، وهلمّ كذا، فيقال: لا أهلمه، يتعدى بنفسه وبإلى، وفتحت همزة المتكلم في المضارع وإن كان لفظه رباعيًا نظرًا إلى أصله قبل التركيب وهو ثلاثي، وهو شاذ لأن الأصل بعد التركيب غير مراد فالقياس ضمة الهمزة، انتهى.
٢٤٣ - حديث: "إنّ جابرًا قد صنع لكم سؤرًا فحيّ هلاكم ".
قال النووي: هو بتنوين (هلا)، وقيل بلا تنوين على وزن (على)، ويقال حيّ هل، ومعناها: عليكم بكذا، أو ادع بكذا.
قال أبو عبيدة وغيره: وقيل معناها أعجل به، وقال الهروي: معناه: هات، انتهى.
وقال ابن يعيش في شرح المفصل: مركب من حيّ وهل، وهما صوتان معناهما
стр. 217
الحث والاستعجال، وجمع بينهما وسمي بهما للمبالغة، وكان الوجه أن لا ينصرف كحضرموت وبعلبك إلا أنه وقع موقع فعل الأمر فبني كصه ومه، فيه لغات، وتارة يستعمل (حيّ) وحده نحو: حي على الصلاة، وتارة (هلا) وحدها، واستعمال (حي) وحده أكثر من استعمال (هلا) قال في البسيط: فيه سبع لغات: حيَّهَل، بفتح الياء المشددة والهاء واللام كخمسة عشر، وحيهلاً، بالتنوين لإرادة التنكير، وحيهلا، بالألف من غير تنوين، وحيهلْ بسكون اللام، وحيهْلَ، بسكون الهاء وفتح اللام، وحيهْلا، بسكون الهاء وألف من غير تنوين، وحيهْلاً بسكون الهاء والتنوين وإسكان الهاء كراهة اجتماع الحركات.
قال: وذهب أبو علي إلى أن كل واحد منهما ضمير، استصحابًا لحالة الإفراد، واجتماعهما لا يقتضي خلع الضمير عنهما، وذهب غيره إلى أن فيهما جميعًا ضميرًا واحدًا لأنهما صارا بمنزلة الكلمة الواحدة، وجاء متعديًا بنفسه كحيهل الثريد أي ائته وأحضره، وبإلى والباء كحيهلا إلى كذا، أي سارع وبادر إليه، وبعلى كحيهلا على كذا أي أقبل إليه، انتهى.
٢٤٤ - حديث: "قتل أبوهما معك يوم أحد ".
قال الطيبي: لا يجوز أن يتعلق (معك) بقتل، قال في الكشاف في قوله تعالى: (ودخل معه السجن فتيان) مع تدل على معنى الصحبة واستحداثها، تقول خرجت مع الأمير، تريد مصاحبًا له، فيجب أن يكون دخولهما السجن مصاحبًا له وفي
стр. 218
قوله تعالى: (فلما بلغ معه السعي) [الصافات: ١٠٢] إلى الحد الذي يقدر فيه على السعي، قيل: (مع) من قبيل "مع" السبب، وكذلك التقدير هنا، فلما قتل يوم أحد قيل: مع من؟ قيل: معك. و (شهيدًا) تمييز، ويجوز أن يكون حالاً مؤكدة، لأن السابق في معنى الشهادة.
٢٤٥ - حديث: "نهى عن بيع الحيوان نسيئةً اثنين بواحد، ولا بأس به يدًا بيد ".
قال أبو البقاء: قوله: اثنين، فيه وجهان: أحدهما: هو بدل من الحيوان بدل اشتمال تقديره: نهى عن بيع اثنين من الحيوان بواحد، فيكون موضعه جرًّا، والثاني: موضعه نصب على الحال، أي نهى عن بيع الحيوان متفاضلاً. ويروى بالرفع على أنه مبتدأ و (بواحد): خبره كأنه قال: كل اثنين بواحد، وتكون الجملة حالاً، ونظيره: خلق الله الزرافة يديها أطولَ من رجليها، ويداها أطولُ من رجليها، بالرفع والنصب انتهى.
وفي شرح المفصل لابن يعيش، الحيوان أصله: حَيَيان، فأبدلوا من الياء الثانية واوًا كراهية التضعيف، هذا مذهب سيبويه. وذهب أبو عثمان إلى أنه غير مبدل وأن الواو فيه أصل وإن لم يكن منه فعل.
وقال ابن مالك في شرح الكافية: يقتضي جمود الحال فيما دل على الفاعل كبعه يدًا بيد، وكلمته فمًا بفم أي متكافئين ومتشافهين.
стр. 219
٢٤٦ - حديث: "فجعلن ينزعن حُلِيَّهنَّ وقلائدهن وقرطهنَّ وخواتيمهنّ يقذفون في ثوب بلال يتصدقن به ".
قال أبو البقاء: هذه الرواية (يقذفون) والصواب: يقذفن، قال وإنما ذكر الضمر في (به) لأنه أراد الحال، لأن المذكور كله مال وحلي فحمل على المعنى، ويجوز أن يعود الهاء إلى معنى الشيء المذكور، ومثله: (نسقيكم مما في بطونه) [النحل: ٦٦] أي بطون المذكور، وقال الحطيئة:
لزغبٍ كأولاد القطا راثَ خلفها ... على عاجزاتِ النَّهْضِ حُمْر حواصلُه
أي حواصل المذكور، ولم يؤنثه حملاً على عاجزات وقال آخر:
مثل الفراخ نُتِّفت حواصلُه
٢٤٧ - حديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريض ... ".
стр. 220
قال الطيبي: يوم الجمعة ظرف للجمعة على أن يقدر مضاف أي صلاة الجمعة وقوله: إلا مريض: رفع على الاستثناء من الكلام الموجب على التأويل، أي: من يؤمن بالله فلا يترك الجمعة إلا مريض، فهو بدل من الضمير المستكن في (يشرك) الراجع إلى (من)، ونظيره حديث: "تُعرض أعمالُ الناس في كلّ جمعة فيغفر لكل عبد مؤمن إلاّ عبد .. " تقديره: لا يحرك أحد من الغفران إلا عبد ومنه: (فشربوا منه إلا قليلاً) [البقرة: ٢٤٩]، قال في الكشاف: أي فلم يطيقوه إلا قليل، انتهى.
قلت: قد وقع السؤال عن هذا من سنين، وكتبت فيه رسالة وهي هذه: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وقع السؤال عن حديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريضٌ أو امرأة أو مسافر أو حميل أو مملوك" رواه الدارقطني من حديث جابر بن عبد الله، فإن هذا الاستثناء من كلام تام موجب، فيكون ما بعد إلا واجب النصب فما وجه رفعه؟، وخاض الناس في توجيه ذلك، والذي عندي في الجواب أن هذه الكلمات الواقعة بعد إلا منصوبة ولكن كتبت بلا ألف، وهذا ذكره الأئمة في الأحاديث الكثيرة، قال النووي في "شرح مسلم" في حديث ابن عباس في الإسراء: (وأُرِيَ مالكًا خازنَ النار) وقع في أكثر الأصول (مالك بالرفع)، وهذا قد ينكر فيقال: هذا لحن لا يجوز في العربية، ولكن عنه جواب حسن وهو أن لفظة "مالك" منصوبة ولكن أسقطت الألف في الكتابة، وهذا يفعله المحدّثون كثيرًا فيكتبون (سمعت أنس) بغير ألف، ويقرءونه بالنصب، فكذلك ما قد كتبوه بغير ألف ويقرءونه بالنصب، فهذا إن شاء الله تعالى أحسن ما يقال فيه.
وقال أيضا في الحج: قوله: وقّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل
стр. 221
الشام الجحفة، ولأهل نخلة قرن، هكذا وقع في أكثر النسخ (قرن) بغير ألف بعد النون، وهو مصروف أنه اسم جبل ويقرأ منونًا وإنما حذفوا الألف منه كما جرت عادة بعض المحدثين يكتبون: سمعتُ أنسً بغير ألف ويقرأ بالتنوين.
وقال القرطبي في شرح مسلم في كتاب النكاح في قول عائشة ﵂: (كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونَشًّ ..) قوله: (وَنَشًّ): هو معرب منون غير أنه وقع هنا نشّ على لغة من يقف على المنون بالسكون بغير ألف.
وقال الشيخ ولي الدين العراقي في سنن أبي داود قوله: (سمعت سعيد الخدري) كذا في أصلنا بغير ألف قد يتوهم أنه غير مصروف، وليس كذلك إذ لا مانع له من الصرف وهو اصطلاح، ولبعضهم أن يستغني عن كتابة الألف بخط التخفيف فتحتين فوق آخر الكلمة، لكن قد يغفل الكاتب تلك الفتحتين فيقع في الإبهام.
وقال أيضًا في حديث عمر بن ميمون: (قدم علينا معاذ بن جبل اليمن فسمعت تكبيره مع الفجر، رجل أجش الصوت ...) يجوز في قوله: رجل أجش الصوت، النصب على الحال والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وقد ضبطنا في أصلنا بالوجهين قوله: أجش الصوت، وأما قوله: رجل، فهو مكتوب في أصلنا بغير ألف، فإما أن يكون مرفوعًا أو منصوبًا، وكتبه بغير ألف، وكثير من النساخ يفعل ذلك.
٢٤٨ - حديث: "من حلف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم في آخره فليوتر الليل ".
قال الشيخ أكمل الدين: "مِنْ" في قوله: من آخر الليل، يجوز أن تكون للتبعيض
стр. 222
ويجوز أن تكون زائدة لأنه في غير الموجب وهو الظاهر بدليل سقوطها في قوله: ومن طمع أن يقوم آخره.
٢٤٩ - حديث: "ذكر رسول الله ﷺ الفُرُشَ فقال: فراشٌ للرجل، وفراشٌ لامرأته، والثالث للضيف والرابع للشيطان ".
وقع هنا الابتداء بالنكرة في قوله: فراش، وذلك لأنها وقعت في معرض التقسيم كقوله:
فيومٌ علينا ويومٌ لنا ... ويومٌ نُساءُ ويومٌ نُسَرْ
وقال الطيبي: فراش: مبتدأ مخصصة محذوف يدل عليه قوله: والثالث للضيف، أي فراش واحد كاف للرجل.
٢٥٠ - حديث: "أيَّ حينٍ توترُ؟ قال: أوَّلَ ".
قال أبو البقاء: أيّ: بالنصب بتوتر وتقديره: أتوتر آخر الليل أم أوله؟ فقال: أول الليل: وانتصابه على الظرفية.
стр. 223
٢٥١ - حديث: "قضى النبي ﷺ بالعُمْرى أنها لمن وهبت له ".
قال أبو البقاء: أنّ هنا مفتوحة، تقديره بأنها.
٢٥٢ - حديث: "من صام رمضان وستًّا من شوال فكأنما صام السنة كلها ".
قال النووي: قوله: (ستًا) صحيح ولو قال: (ستة) بالهاء جاز أيضًا. قال أهل اللغة: يقال خمسًا وستًا، وخمسة وستة، وإنما يكتبون إثبات الهاء في المذكر إذا ذكروه بلفظه صريحًا فيقولون: خمسة وستة أيام ولا يجوز ست أيام فإذا حذفوا الأيام جاز الوجهان: حذف الهاء فيه من المذكر إذا لم يذكر بلفظه، قوله تعالى: (يتربّصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا) أي عشرة أيام.
وقال أبو حيان: إذا كان المعدود مذكّرًا وحذفته فلك فيه وجهان: أحدهما - وهو الأصل - أن يبقى العدد على ما كان عليه لو لم يحذف المعدود، فتقول صمت خمسة، تريد خمسة أيام وهو الفصيح، ويجوز أن تحذف منه تاء التأنيث.
حكى الكسائي عن أبي الجراح: صمنا من الشهور خمسًا، ومعلوم أن الذي يصام من الشهر إنما هي الأيام وكذلك قوله:
وإلاّ فسيري مثلَ ما سار راكبٌ ... تيَمَّمَ خمسًا ليس في سيره أمَمْ
стр. 224
يريد خمسة أيام، وعلى ذلك ما جاء في الحديث: ثم أتبعه ستًّا من شوال، وجاء عليه قوله تعالى: (أربعة أشهر وعشرًا) [البقرة: ٢٣٤]، وقوله تعالى: (إن لبثتم إلا عشرًا) [طه: ١٠٣] انتهى.
وقال في "الارتشاف": قال بعضهم: ما حكاه الكسائي لا يصح عن فصيح ولا يلتفت إليه، وتظافر النقل: ثم أتبعه ستًّا من شوال، بحذف التاء يريد ستة أيام.
وقال الشيخ تقي الدين السبكي في كتاب "إبراز الحكم": الأقسام أربعة: أحدها: أن يكون المعدود مذكرًا عاقلاً فلم يسمع فيه عند عدم الإضافة إليه إلاّ ثبوت التاء كحاله عند الإضافة، وما اقتضاه كلام ابن عصفور من ثبوت لغة فيه بحذف التاء عند عدم الإضافة بعيد، وهو لم يصرح به، ولا يجوز إثباته إلا بنقل صريح، واستعمال القرآن بخلافه. الثاني: أن يكون المعدود أيامًا ولياليها جميعًا، فههنا المسموع حذف التاء عند حذف المعدود كحاله عند الإضافة إلى الليالي والأيام تابعة، ويجوز على ما قاله سيبويه في خمسة عشر إثبات التاء. الثالث: أن يكون المعدود الأيام مجردة عن الليالي، فيجوز حذف التاء فصيحًا كما حكاه الكسائي وصح به الحديث في ست من شوال، والظاهر أنه يجوز إثبات التاء أيضًا، وصرح به أبو حيان وقال: إنه فصيح، وقد يستشهد له بقوله تعالى: (وسبعةٍ إذا رجعتم تلك عشرة كاملة) [البقرة: ١٩٦] فأثبت التاء في هذين الموضعين والمعدود الأيام وهي محذوفة، ولا يقال إن تقدمها في الآية كذكرها مع المعدود. الرابع: أن يكون المعدود مذكرًا غير عاقل من غير الأيام، فإن لم يعطف عليه مؤنث ولا عطف على مؤنث فحكمه حكم العاقل، فتدخل التاء، قال تعالى: (فخذ أربعة من الطير) [البقرة: ٢٦٠] وإن عطف على غيره أو عطف عليه غيره كقولك: عندي ست عشرة من ناقة وجمل، أو بين جمل وناقة - قال ابن مالك: فيجعل الحكم لمؤنثها
стр. 225
قدمته أو أخرته إذا انفصل المميز وكان مما لا يعقل، وهذا الحكم فيه نظر؛ لم غلب المؤنث هنا؟ ولعله بالقياس على الأيام لاشتراكها في عدم العقل وغلبت الليالي وهي مؤنثة على الأيام فكذلك هذا. ولنا أن نقول: الليالي إنما غلبت على الأيام لسبقها في التاريخ، فأطلق على اليوم بليلته ليلة، ولا كذلك ههنا.
وقال ابن السكيت: يقال: صمنا خمسًا من الشهر، فيغلبون الليالي على الأيام إذا لم يذكروا الأيام، وكذلك أقمنا عنده عشرًا وعشرة أيام، فإذا قالوا: أقمنا عنده عشرًا بين يوم وليلة غلبوا التأنيث. وتقول: له خمس من الإبل وإنْ عنيت أجمالاً لأن الإبل مؤنثة، وكذلك له خمس من الغنم وإن عنيت أكباشًا لأن الغنم مؤنث.
وقد قال أبو حيان: لا فرق بين الأيام وغيرها، وهذا عجيب، انتهى ما أورده ابن السبكي.
٢٥٣ - حديث: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي ".
قال ابن مالك في شرح التسهيل: كثرت نيابة المصدر عن الفعل في الدعاء لقوة دلالته عليه نحو: معاذ الله وغفرانك.
٢٥٤ - حديث: "اللهم وليديه فاغفر ".
قال الرضي: تدخل الفاء على ما هو جزاء مع تقدم كلمة الشرط نحو: إنْ لقيته فأكرمه، وبدونها نحو: زيد فاضل فأكرمه، وتعريفه بأن يصلح تقدير أداة الشرطية قبل
стр. 226
الفاء، وجعل مضمون الكلام السابق شرطها، فالمعنى في مثالنا: إذا كان كذا فأكرمه، قال تعالى: (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاخرج) [ص: ٧٧ - ٧٨] أي: إذا كان عندك هذا الكبر فاخرج، و (قال رب فانظرني) [ص: ٧٩] انظرني أي: إذا كنت لعنتني فانظرني، (قال فإنك من المنظرين) [ص: ٨٠]، أي إذا اخترت الدنيا على الآخرة فإنك من المنظرين، قال بعزتك، أي إذا أعطيتني هذا بعزتك لأغوينهم، انتهى.
كذا هذا الحديث تقديره: اللهم إن كنت غفرت لسائر أعضائه فاغفر ليديه.
وفي "الارتشاف" قال في "الترشيح": زيدًا فاضرب: دخلت الفاء هنا لما في الكلام من معنى الشرط ومعناه يَدِقّ، فإذا قلت: زيدًا فاضرب، فكأن قائلاً قال لك: أنا لا أضرب زيدًا ولكن أضرب عمرًا، فقلت أنت مجيبًا له: فاضرب عمرًا ثم قلت: زيدًا فاضرب، جعلت تقديم الاسم بدلاً من اللفظ بالشرط كأنك قلت: فإن كان الأمر على ما وصفت فاضرب زيدًا وكذلك على عمرو فانزل، انتهى.
٢٥٥ - حديث: "من كنَّ له ثلاثُ بناتٍ يمونهنّ ويرحمهنّ ويكلفهنّ وجبتْ له الجنة ألبتة ".
قال أبو البقاء: وقع في هذه الرواية (من كنّ) بالتشديد للنون، والوجه: من كان له أو من كانت له، والوجه في الأولى أن تجعل النون علامة مجردة للجمع وليست اسمًا مضمرًا، وقيل هي اسم مضمر وهو فاعل وثلاث بدل منه، ومن هذا قولهم: أكلوني البراغيث.
стр. 227
٢٥٦ - حديث: "فأيُّما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاة فلْيُصلِّ ".
قال في "التنقيح": أي: مبتدأ في معنى الشرط، و (ما) زائدة لتوكيد الشرط، وجملة أدركته: في موضع خفض صفة لرجل، والفاء في فليصل جواب الشرط.
وقال الكرماني: زيد لفظة (ما) على (أيّ) لزيادة التعميم وقوله: (وبعثت إلى الناس كافّة) قال الكرماني: أي جميعًا، وهو مما يلزم النصب على الحالية واستهجن إضافتها نحو: كافّتهم.
وقال الطيبي: كافة: يجوز أن تكون مصدرًا، أي أرسلت رسالة عامة لهم، لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج عنها أحد منهم، وأن يكون حالاً إما من الفاعل والتاء على هذا للمبالغة كتاء الرواية والعلاّمة، وإما من المجرور أي مجموعتين، وفي رواية: وبعثت إلى الناس عامة، قال ابن فرحون في إعراب العمدة: يصح أن يكون حالاً من الناس أي معممين بها، ومن ضمير الفاعل أي: بعثت معممًا للناس، أو نعتًا لمصدر محذوف أي: بعثةً عامةً، أو مصدرًا: إعمامًا فيه، وعدّها بعضهم من ألفاظ التوكيد، قال ابن هشام: وهو غريب، والتاء فيها بمنزلتها في النافلة يصلح مع الذكر والمؤنث، أو هي للمبالغة كعلاّمة ونسّابة.
٢٥٧ - حديث: "يا معاذُ أفتّانٌ أنت ".
قال الكرماني: هو صفة واقعة بعد الاستفهام رافعة لظاهر فيجوز أن يكون مبتدأ
стр. 228
و (أنت) ساد مسد الخبر، وأن يكون أنت مبتدأ وهو خبره. وقوله: "فلولا صليت بسبّح اسم ربك الأعلى" أي فهلاّ.
٢٥٨ - حديث: "هو أيّ داءٍ أدوى من البخل ".
قال القاضي عياض: كذا يرويه المحدّثون غير مهموز، والصواب: أدوأ بالهمزة لأنه من الداء، والفعل منه داء يداء، ومثله نام ينام، فهو داء مثل جاء، وغير المهموز من دَوِيَ الرجل إذا كان به مرض باطن في جوفه مثل سَمِعَ فهو دوٍ.
٢٥٩ - حديث: "قول عمر: يا رسول الله أعليك أغار ".
قال الكرماني: فإن قلت: القياس أن يقال: أمنك أو بك أغار عليها، قلت: لفظ عليك ليس متعلقًا بقوله أغار، بل معناه أمستعليًا عليك أغار عليها مع أن كون انقياس ذلك ممنوع ولا محذوف فيه.
٢٦٠ - حديث: "أما بعدُ فإنّ خيرَ الحديث كتابُ الله وخيرَ الهدي هدي محمد ﷺ ، وشرّ الأمور محدثاتُها ".
стр. 229
قال الطيبي: روي "شرَّ الأمور" بالنصب عطفًا على اسم إنّ وبالرفع عطفًا على محل إنّ مع اسمها.
٢٦١ - حديث: "أنا وأبي وخالي من أصحاب العَقَبة ".
قال ... : كذا وقع وكأنه نصب على الحال بواو "مع" مثل: استوى الماءُ والخشبةَ.
٢٦٢ - حديث: "إنَّ رجلاً قال يا رسولَ الله: إني نذرتُ ... إلى: ... فتح الله عليك مكة أن أصليّ في بيت المقدس ركعتين قال: صلِّ ههنا ... إلى قوله: شأنَك إذن ".
قال الطيبي: شأنَك منصوب على المفعول به، أي النذر شأنك، إذن: جواب وجزاء أي: إذا أبيت أن تصلي ههنا فافعل ما نذرت به.
٢٦٣ - حديث: "فقلت النجاءَ فقد قتل اللهُ أبا رافع ".
قال الكرماني: النجاءَ: منصوب على أنه مفعول مطلق، ومعناه الإسراع.
وقال الطيبي: النجاء بالمد مصدر نجا إذ أسرع، ونصبه على المصدر أي أنجو
стр. 230
النجاء أو على الإغراء.
٢٦٤ - حديث: "حيّ على أهل الوضوء ".
قيل الصواب: حيّ على الوضوء، وهي كلمة استعجال نحو حيّ على الصلاة، وقيل المحفوظ في هذا على الوضوء فتحرف (اللفظ) ووجه القاضي عياض الرواية الأولى بأن يكون (أهل) منصوبًا على حذف حرف النداء أي: حيّ على الوضوء يا أهلَ الوضوء.
٢٦٥ - حديث: "بين العبد وبين الكفر تركُ الصلاة ".
قال الطيبي: ترك الصلاة مبتدأ والظرف خبره، ومتعلقه محذوف، وقدم ليفيد الاختصاص.
٢٦٦ - حديث: "إنّ أحسن ما دخل الرجلُ على أهله إذا قدم من سفر من أول الليل ".
قال البيضاوي: (ما) موصولة والراجع إليه محذوف والمراد به الوقت الذي يدخل فيه الرجل على أهله، وأهله منصوب بنزع الخافض، وإيصال الفعل إليه على سبيل
стр. 231
الاتساع. ويحتمل أن تكون (ما) مصدرية على تقدير مضاف أي: إنّ أحسن دخول الرجل على أهله دخوله أول الليل.
قال الطيبي: والأحسن أن تكون موصوفة أي: إنّ أحسن أوقات دخول الرجل فيها أهله أول الليل، وإذا هنا مرفوعة محلاً خبرًا لإنّ.
٢٦٧ - حديث: "ما كان عند هذا ما يُسَكِّنُ به رأسَه ".
قال الطيبي: ما: نافية، وهمزة الإنكار مقدرة.
٢٦٨ - حديث: "إبليس يجيءُ أحدَهم فيقولُ فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعتَ شيئًا ويجيء أحدهم فيقول ما تركته فرقت بينه وبين أهله فيدنيه ويقول: نعم أنت ".
قال أبو البقاء: معناه: نعم أنت صنعت شيئًا وأنت مُقَدَّم عندي.
وقال الطيبي: أي: نِعْمَ العونُ أنت.
٢٦٩ - حديث: "إنّ الشيطان قد يئس أن يعبدَه المصلّون ولكن في التحريش بينهم ".
стр. 232
قال أبو البقاء: تقديره: شغله في التحريش بينهم، أو همّه، والمعنى: أنه لا يزيّن لهم عبادته ولكن يرغبهم في التحريش بينهم.
٢٧٠ - حديث: "كان رسول الله ﷺ في سفرٍ فهبّت ريحٌ شديدة فقال: هذه لموت منافق، فما قدمنا المدينة إذا هو قد مات عظيمٌ من عظماء المنافقين ".
قال أبو البقاء: إذا: للمفاجأة، وهي ظرف مكان عند المحققين، و (هو): ضمير الشأن، إذْ لم يتقدم قبله ظاهر يرجع إليه، وهو مبتدأ وما بعده خبر.
٢٧١ - حديث: "ويلٌ للأعقاب من النار ".
قال الزركشي: جاز الابتداء بـ (ويل) وإن كان نكرة لأنه دعاء، وللأعقاب: خبره، ومن النار: في موضع رفع صفة لويل بعد الخبر. ومنع أبو البقاء وغيره تعلقه بويل من أجل الفصل بينهما بالخبر.
وقال ابن فرحون: هو متعلق بمتعلق الخبر، قال وهو لا يتعلق بصفة الويل إذا جعلت الخبر للأعقاب لأنه لا يفصل بين الصفة والموصوف بالخبر ولا بالمصدر
стр. 233
نفسه، لأن المصدر لا يفصل بينه وبين متعلقه بالخبر، قال، ومن لابتداء الغاية أو بمعنى في، وعلى قول من فسر الويل بأنّه وادٍ في جهنم تكون للتبعيض.
وقال الكرماني: المشهور أن اللام تستعمل في الخير و "على" في الشر نحو: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) [البقرة: ٢٨٦] قلت هي هنا للاختصاص نحو: (وإن أسأتم فلها) [الإسراء: ٧] (ولهم عذاب أليم) [البقرة: ١٠].
قال الرضي: من أسماء الأصوات ما قام مقام المصادر فنصب المفعول المطلق عند قطع الفعل الناصب عنه نحو: آهًا منك أي توجعًا، وواهًا أي طيبًا، وأفًّا لك أي كراهة. قال والأصوات القائمة مقام المصادر يجوز إعرابها نصبًا إلاّ أن يكون على حرفين ثانيهما حرف مدّ نحو: ويحَ زيد وويلَه، وذلك أن آهًا وويهًا يجوز إبقاؤها على البناء الأصلي نحو: أفٍ لكما، والظاهر أن ويلك وويحك من هذا الباب وأصل كلها (وَيْ) على ما قال الفراء جيء بلام الجر بعدها مفتوحة مع الضمير نحو ويلك وويله ثم خلط اللام بوَيْ حتى صارت لام الكلمة كما خلطوا اللام بيا في قوله:
إذا الدّاعي الثوّبُ قال يا لا
فصار معربًا بإتمامه ثلاثيًا فجاز أن تدخل بعدها لام أخرى نحو: ويلاً لك لصيرورة اللام لام الكلمة ثم نقل إلى باب المبتدأ فقيل: ويل له، انتهى.
وقال أبو حيان: ويل: مصدر لأفعل له، وقيل فعل وألولا.
стр. 234
٢٧٢ - حديث: "من قال حين يسمع النداء: اللهم ربَّ هذه الدعوة .. الحديث .. ".
قال ابن النحاس في "التعليقة": اختلفت الناس أي النحاة في الميم من (اللهم) فذهب البصريون إلى أنها عوض من ياء في أوله كأن أصله (يا الله) فحذفنا ياءً وعوضنا عنها الميم ولذلك أثبتناها مشددة لما كانت عوضًا من حرفين، والدليل على أنها عوض عدم الجمع بينهما في اختيار الكلام. وقال الكوفيون: ليست عوضًا، وقال الفراء: الميم من (أمّنا بخير) كان أصله: يا الله أمنا بخير، فأبقينا اسم الله والميم وحذفنا الباقي، وهذا الذي ذكره دعوى لا دليل عليها.
قوله: (ربّ هذه الدعوة التامة): قال الشيخ أكمل الدين يجوز أن تكون التامة صفة موضحة، ويجوز أن تكون صفة مادحة، قال: وقوله: والصلاة القائمة: يجوز أن تكون بيانًا للدعوة التامة بطريق العطف، وقوله: والفضيلة: يجوز أن تكون تفسيرًا للوسيلة ويجوز أن تكون منزلة أخرى.
قوله: (وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة) قال الشيخ أكمل الدين ثم قال الحافظ ابن حجر: مقامًا: نصب على الظرفية، أي ابعثه يوم القيامة فأقمه مقامًا، أو ضمّن ابعثه معنى أقمه، أو على أنه مفعول به ومعنى ابعثه
стр. 235
أعطه، أو على الحالية أي ابعثه ذا مقام. والذي وعدته: بدل من (مقامًا) أو عطف بيان أو خبر مبتدأ محذوف، ولا يجوز كونه صفة للنكرة.
وفي رواية النسائي: (وابعثه المقام المحمود) بالألف واللام فيصل وصفه بالموصول.
قلت: وفي روايته ورواية الترمذي: (إلاّ حلّت له ...) بزيادة (إلا)، وهي مشكلة، لأن مَنْ شرطية، و"قال": فعل الشرط، و"حلّت": جزاؤه، ولا يقترن بإلا، وتأويلها: أنه جملة على معنى: لا يقول ذلك أحد إلاّ حلّت.
قال الكرماني: ما وجه نصب (مقامًا) لامتناع أن يكون مفعولاً لأنه غير مبهم فلا يجوز أن يقدّر فيه: في، قلت، يجوز أن يلاحظ في البعث معنى الإعطاء فيكون مفعولاً ثانيًا له أو نيابة المبهم فله حكمه.
ثم إن النحاة جوّزوا مثل: رميت مرمى زيد وقتلت مقتل زيد وهذا مثله. قال الزمخشري في الكشاف: هو منصوب على الظرف أي بمعنى أن يبعثك يوم القيامة فيقيمك مقامًا محمودًا، أو ضمّن "يبعثك" معنى "يقيمك"، ويجوز أن يكون حالاً بمعنى: يبعثك ذا مقام محمود.
قوله: (الذي وعدته): إما صفة للمقام إنْ قلنا المقام المحمود صار عَلَمًا لذلك المقام، أو نُصِب على المدح أو رُفِع بتقدير: أعني، أو: هو.
٢٧٣ - حديث: "أنّه أخذ بيد مجذومٍ فوضعها في القصعة وقال: كل باسم الله ثقةً بالله ".
стр. 236
قال الطيبي: عن بعضهم أن (ثقة منصوب) على الحال وصاحبها محذوف أي: كل معي واثقًا بالله، ويحتمل أن يكون من كلام الراوي حالاً من فاعل قال، وأن يكون مفعولاً مطلقًا أي: كل، ثم استأنف بقوله: أثِقُ ثقةً بالله.
٢٧٤ - حديث: الشجرتين: قوله: "فإذا شجرتين ".
قال الطيبي: كذا في صحيح مسلم بالنصب، وروي بالرفع وهو معتبر، وتقدير النصب: فوجدت شجرتين نابتتين بشاطئ الوادي، وهو كمسألة: كنت أظنّ أن العقربَ أشدُّ لسعةً من الزنبور فإذا هو إيّاها.
قال شارح "اللباب": إنّما جوزوا الإتيان بالضمير المنصوب لأن إذا المفاجأة تدلّ على الوجدان.
قوله: على الظرف، قال الطيبي: على حال أي اجتمعتما مطلقين على.
٢٧٥ - حديث: "إنّ لكل نبيٍّ حوارِيًّا ".
قال الزركشي: قال الزجاج: هو منصرف لأنه منسوب إلى حوارٍ وليس كبخاتي وكواسي لأن واحده بختي وكوسي.
стр. 237
٢٧٦ - حديث: "فينزلُ عيسى فيقولُ أميرهم: تعال صلِّ لنا، فيقول لا إنَّ بعضكم على بعضٍ أمراءُ تكرمةَ الله هذه الأمة ".
قال النووي: هو نصب تكرمة على المصدر أو على أنه مفعول.
وقال البيضاوي: هو نصب على المفعول لأجله، والعامل محذوف، والمعنى: شرع الله أن يكون إمام المسلمين منهم تكرمةً لهم وتفخيمًا لشأنهم، أو على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة التي قبله.
٢٧٧ - حديث الأعرابي الذي اخترط سيفه: قوله: "فها هو ذا جالس ".
قال الزركشي: بالرفع عند الجمهور على جعل ذا متصلة فيكون جالس خبر المبتدأز
وقال السهيلي: خبر بعد خبر، أو بدل، أو خبر مبتدأ مضمر، وذا: بدل من هو، وجالس: الخبر، وروي بالنصب على الحال على جعل ذا خبرًا لمبتدأ كما تقول: هذا زيد قائمًا.
٢٧٨ - حديث الكسوف: قوله: "فانصرف وقد آضتِ الشمسُ ".
قال القرطبي: أي عادت إلى حالتها الأولى، قال: واختلف النحويون في
стр. 238
(اضا) هل هو من أخوات كان فيحتاج إلى اسم وخبر أو إنما يتعدى إلى مفعولين واحد بحرف الجر على قولين، وهذا الحديث يدل على أنها مما يتعدى إلى مفعول واحد بحرف جر غير أنه حذف هنا.
٢٧٩ - حديث: "كل مولود يولد على الفطرة حتى يعربَ عنه لسانُه فإذا عبر عنه لسانه إمّا شاكرًا وإمّا كفورًا ".
قال أبو البقاء: شاكرًا أو كفورًا حالان والعامل فيهما محذوف، والتقدير: يبين إما شاكرًا وإما كفورًا، أو يوجد، وتكون الحالة دالة على المحذوف، والغرض منه أنه إذا بلغ ووُخِذ بكفره وأثيب بشكره، ويجوز أن يكون الخبر محذوفًا ويكون (شاكرًا وكفورًا) معمول (عبّر عنه)، أي: إذا بلغ شاكرًا أو كفورًا اعتُدَّ عليه بذلك، ويفيد أنه قبل البلوغ غير مكلف.
٢٨٠ - حديث: "الناسُ غاديان فمبتاعٌ نفسَه فمعتقُها وبائعٌ نفسَه فموبقُها ".
قال أبو البقاء: تقديره: أحدهما مبتاع والآخر بائع.
٢٨١ - حديث: "كلُّ دمٍ يفوح مسكًا ".
стр. 239
قال أبو البقاء: في نصبه وجهان: أحدهما: هو تمييز تقديره: يفوح مسكه كقول الشاعر:
تضوّع مسكًا بطنُ نعمانَ أنْ مشت ... به زينب في نسوةٍ عطراتِ
ومنه: (طبن لكم عن شيء منه نفسًا) [النساء: ٤]، و (وضاق بهم ذرعًا) [هود: ٧٧]، والثاني: أن يكون حالاً ويكون التقدير: يفوح مثلَ مسكٍ، أو طيبًا.
٢٨٢ - حديث: "قضى رسول الله بالشُّفعة في كلّ شركة لم تقسم رَبْعةٍ أو حائطٍ ".
قال أبو البقاء: ربعة بالجر بدل من شركة، يراد بالشركة هنا المشترك فيه، ويجوز أن يكون التقدير: هي كل ذات شركة: قوله: فإذا وضعت الحدود وصرفت الطرق: قال ابن مالك: أي خلصت وبينت، واشتقاقه من الصِّرف، وهو الخالص من كل شيء.
٢٨٣ - حديث: "اقتتل غلامان ... الحديث ".
قوله: فقال المهاجرون يا للمهاجرين وقال الأنصار يا لَلأنصاري: هذه لام
стр. 240
الاستغاثة الداخلة على المستغاث، وهي مفتوحة.
قوله: فخرج رسول الله ﷺ فقال: دعوى الجاهلية: قال أبو البقاء: هو مصدر لفعل محذوف تقديره: أتدعون دعوى الجاهلية؟ على وجه الاستفهام والتوبيخ، ولذلك قالوا في الجواب: لا، ولا يحسن أن يكون التقدير: هذه دعوى الجاهلية، لأنه لو كان كذلك لم يقولوا: لا.
وقوله: فقال: لا بأس: أي لا بأس في هذه الدعوى، ولينصر الرجل أخاه ظالمًا أو مظلومًا: تقديره ظالمًا كان، وهو خبر كان.
٢٨٤ - حديث دين والد جابر، قوله: "فكِلْتُ ليس العجوةَ ".
قال أبو البقاء: ليس: استثناء، واسمها مضمر فيها، والعجوة: خبرها والتقدير: ليس بعضُه العجوةَ.
قوله: وبقي التمر كما هو: قال الكرماني: ما: موصولة، و"هو" مبتدأ خبره محذوف، أو زائدة أي كمثله.
٢٨٥ - حديث: "ديارَكم تُكتَبْ آثارُكم ".
قال أبو البقاء: نصب دياركم على تقدير: عليكم دياركم أو اسكنوا دياركم، وتكتبْ: مجزوم على الجواب.
стр. 241
٢٨٦ - حديث: "ينزلُ عيسى ابن مريم فيقول أميركم: تعال صلّ بنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أميرًا لتكرمةِ الله هذه الأمة ".
قال أبو البقاء: أميرًا: هنا حال، وعلى بعض: خبر إنّ وصاحب الحال الضمير في الجار، والعامل فيها الجار لنيابته عن الاستقرار وإن كان قد روي: أميرٌ: فهو خبر إنّ، ومثل الوجه الأول قوله تعالى: (طوافون عليكم بعضكم على بعض) [النور: ٥٨] والجملة مبتدأ وخبر.
٢٨٧ - حديث سؤال القبر، قوله: "فيراهما كلاهما ".
قال أبو البقاء: في بعض الروايات: كلاهما، بالألف، وهو خطأ، والصواب: كليهما بالياء لأنه توكيد للمنصوب، وهي مضافة إلى الضمير فيكون بالياء في النصب، والجر لا غير.
قال: قال ابن النحاس في "التعليقة": للعرب في (كلا) ثلاث لغات: فمنهم من يجعلها بالألف في الرفع وبالياء في النصب والجر مع المظهر والمضمر أيضًا، ومنهم من يفرق بين حاليها في المظهر والمضمر فيجعلها مع المظهر بالألف على كل حال كاللغة الأولى، ويجعلها مع المضمر بالألف رفعًا وبالياء جرًا ونصبًا كاللغة الثانية، وهذه التفرقة هي اللغة الفصحى.
стр. 242
٢٨٨ - حديث: قوله: "قم فصلِّهْ ".
قال أبو البقاء: هذه الهاء تزاد في الوقت ساكنة وتسمّى هاء السكت وتزداد في كل فعل معتل إذا أردت الوقف.
٢٨٩ - حديث: "من أكل من هذه الشجرة فلا يغشانا في مسجدنا ".
قال الكرماني: فإن قلت: لم أثبت الألف في (يغشانا)؟ قلت: إما لأنه أجرى المعتل مجرى الصحيح كما في قوله: ولا ترضّاها ولا تملّقِ، وإما أن يكون الألف مولده من عن إشباع الفتحة بعد سقوط الألف الأصلية بالجزم، وإما أنه خبر بمعنى النهي وروي: "فلا يغشنا".
٢٩٠ - حديث: "أيُّما امرئ من المسلمين حلف عند منبري هذا على يمين كاذبة يستحقُّ بها حقَّ مسلمٍ أدخله الله النارَ على سواكٍ أخضرَ ".
قال أبو البقاء: تقديره: وإنْ حلف على سواك فحذف لدلالة الأولى عليه، انتهى.
стр. 243
قلت: وقوله: (على يمين) على: زائدة، أي حلف يمينًا.
٢٩١ - حديث: "إنّ رجلاً من أسلم جاء إلى النبي ﷺ فاعترف بالزنا فأعرض عنه حتى شهد على نفسه أربع مرات ".
قال أبو البقاء: أربع: منصوب نصب المصادر، وأصله مرات أربعًا، ثم أضيف العدد إلى المعدود نحو: ضربته ثلاث ضربات، أي ضربات ثلاثًا، فقدم وأضيف، وإذا أضيف صفة المصدر انتصب المصدر ومثله: صلى أربعًا أو أربع ركعات.
٢٩٢ - حديث: "من ترك ديْنًا أو ضِياعًا فإليَّ وعليَّ ".
قال أبو البقاء: هو بفتح الضاد، وهو في الأصل ضاع يضيع، وليس للكسر هنا معنى، انتهى.
قال في "النهاية": الضياع: العيال، وأصله مصدر ضاع يضيع ضياعًا فسمى العيال بالمصدر كما تقول: من مات وترك فقرًا، أي فقراء، وإن كسرت الضاد كان جمع ضائع كجائع وجياع.
مسند جابر بن عتيك ﵁
٢٩٣ - حديث: "ما تعدّون الشهادةَ؟ قالوا: قتل في سبيل الله ".
стр. 244
قلت: هو خبر مبتدأ محذوف مقدّر أي: هي قتْل، لو جاء على طبق السؤال لقيل: قتلاً في سبيل الله، أي: نعدّها قتلاً، ونظير الأول قوله تعالى: (وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطيرُ الأولين) [النحل: ٢٤]، ونظير الثاني: (وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا: خيرًا) [النحل: ٣٠]، أي: أنزل خيرًا.
وقوله: الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله، ليست سوى هنا استثناء، إذْ لا يحتاج إلى إخراج وإنما هي صفة فهي مرفوعة.
"والمرأة تموت بجُمْع شهيدة": قال في "النهاية": هي التي تموت وفي بطنها ولد، وقيل التي تموت بكرًا، والجُمع: بالضمّ بمعنى المجموع كالذُّخْر بمعنى المذخور، وكسر الكسائي الجيم والمعنى أنها ماتت من شيء مجموع فيها غير منفصل عنها من حمل أو بكارة ومنه الحديث الآخر: "امرأة ماتت بجمع لم تطمث دخلت الجنة" وهذا يريد به البكر، ومنه حديث امرأة العجاج: إني منه بجمع أي عذراء لم تفتضّ، انتهى، فالباء للمصاحبة وهي ومجرورها في موضع الحال.
٢٩٤ - حديث: "كنتُ في الوفد من عبد القيس فنهاهم رسول الله ﷺ عن الشرب في الأوعية التي سمعتم: الدُّبَّاءِ والحَنْتَم والنَّقيرِ والمُزَفَّتِ ".
قال أبو البقاء: يجوز الجر على البدل من الأوعية، والرفع على تقدير: هي.
стр. 245
٢٩٥ - حديث: "دعا بأن يُظهَر عليهم من غيرهم ولا يهلكهم بالسنين فأعطيها، ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها ".
قال أبو البقاء: الظاهر أن يقول: فمنعها، كما قال فأعطيها، ويكون ذلك كله من الراوي، والتقدير في قوله: قال: فمنعنيها، فأسند الكلام إلى الرسول وأضمر القول كما قال تعالى: (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام) [الرعد: ٢٣، ٢٤]. أي يقولون: سلام.
مسند جبير بن مُطْعِم ﵁
٢٩٦ - حديث: "أنا محمد وأنا أحمد وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا الماحي الذي يمحى بي الكفر ".
أي بالضمير في قدمي وبي على نسق أنا، ولو جيء على نسق الذي لقيل: على قدمه وبه.
٢٩٧ - حديث: "الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحانَ الله بكرة وأصيلاً ".
стр. 246
قال القاضي عياض: قيل: كبيرًا على إضمار الفعل، أي كبرت كبيرًا، حال مؤكدة نحو قولك: هو عبد الله شجاعًا، وزيد أبو محمد عطوفًا.
٢٩٨ - حديث: "وإنّما بنو هاشم وبنو المطلب شيئًا واحدًا ".
قال أبو البقاء: هكذا في الرواية بالنصب وهو خطأ من الراوي، والوجه الرفع على أنه خبر (بنو) وليس هنا خبر عنه، انتهى.
وقال ابن الأثير: الرواية المشهورة فيه (شيء واحد) بالشين المعجمة، ورواه يحيى بن معين: سِيّ واحد، بالسين المهملة أي مثل، يقال هما سِيّان أي مِثْلان.
٢٩٩ - حديث: "فعَلِقت الأعراب يسألونه حين اضطرّوه إلى سَمُرَة ".
قال ابن مالك: فيه شاهد على موافقة عَلِقَ لطَفِقَ معنىً وحكمًا كقوله:
أراك علقت تظلمُ من أجرْنا ... وظلمُ الجارِ إذلالُ المجيرِ
قوله: (لو كان لي عدد هذه العضاه نعما): قال الزركشي: منصوب خبر كان أو على التمييز، ورواه أبو داود بالرفع اسم كان وعدد: خبرها.
стр. 247
٣٠٠ - حديث: "إنْ كان لكم من الأمر شيء فلأعرفنّ ما منعتم أحدًا أن يطوف بهذا البيت أيّ ساعة شاء من ليل أو نهار ".
قال أبو البقاء: قوله: ما منعتم: ما: فيه مصدرية، أي فلأعرفنّ منعكم أي ينتهي ذلك إلى يوم القيامة، فإن ذلك غير جائز لكم في الدنيا فيعاقبكم الله، والغرض من هذا الحديث إعلامكم أن ذلك لا ينطوي عنه ﷺ فخوفهم منه.
قلت: وفي نسخة: فلا أعرفني ما أجدكم ببعير على رقبته، وهو من باب نَهْي الإنسان نفسَه بتأويل.
وقوله: (أن يطوف) بدل من أحد بل اشتمال، وأي ساعة نصب على الظرف، وفي رواية الترمذي: أيّة ساعة بتأنيث أيّ، ومن: للبيان.
٣٠١ - حديث: "من يكلؤنا الليلة لا نرقدُ عن صلاة الفجر ".
قال أبو البقاء: التقدير: لئلا نرقد، فلما حذف اللام وأنْ رفع الفعل، ويجوز أن يروى بالنصب على أن يكون جواب الاستفهام كما قال تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا فيضاعفَه له) [البقرة: ٢٤٥] إلا أنه حذف الفاء كما قال الشاعر:
من يفعل الحسناتِ اللهُ يشكرُها
стр. 248
ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال، يكلؤنا غير راقدين، فيكون حالاً مقدرة، أي: يكلؤنا فيفضي إلى تيقظنا وقت صلاة الفجر.
مسند جرير بن عبد الله البَجَلي ﵁
٣٠٢ - حديث: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرِبُ بعضُكم رقابَ بعض ".
قال أبو البقاء: هذا الحديث يرويه المحدّثون غير محقق وفيه كلام يحتاج إلى بسط، وذلك أن قوله: يضرب: إذا رفعته كان موضع الجملة نصبًا لـ (كفارا) فيكون النهي عن كفرهم وضرب بعضهم رقاب بعض فأيهما فعلوا فقد وجد النهي عنه، إلا أنهما إذا اجتمعا كان النهي أشد. وقال بعض العلماء: النهي يكون عن الصفة الثانية، ونظيره قول الرجل لزوجته: إن كلمت رجلاً طويلاً فأنت طالق، فكلمت رجلاً قصيرًا لم تطلق فكذا إذا رجعوا كفارًا ولم يضرب بعضهم رقاب بعض، وهذا القول فيه بعد، وذلك أن الكفر قد عُلِم النهي عنه بدون أن يضرب بعضهم رقاب بعض ويجوز أن يروى: يضربْ، بالجزم على تقدير شرط مضمر، أي: إن ترجعوا كفارًا يضربْ بعضكم رقاب بعض، والنظير هذا الحديث قوله تعالى: (فهبْ لي من لدنك وليًّا يرثُني) [مريم: ٥، ٦] بالرفع والجزم، إلاّ أن أكثر المحققين من النحويين لا يجيزون الجزم في مثل هذا الحديث لأنه يصير المعنى: أن لا ترجعوا كفارًا يضرب، وهذا ضد المعنى، بل لو
стр. 249
قال: لا ترجعوا بعدي كفارًا تسلموا وتوادوا، كان الجزم مستقيمًا، لأن التقدير: إن لا ترجعوا كفارًا تسلموا، ونظير ذلك قوله: لا تَدْنُ من الأسد تنج أي إن لا تدن، فجعل التباعد منه ليس سببًا في السلامة، فإن قلت: فلم لا يقدر، إن تدن، بغير (لا) قيل: ينبغي أن يكون المقدر من جنس الملفوظ به، وقد ذهب قوم إلى جواز الجزم هنا على هذا التقدير، وعليه يجوز الجزم في هذا الحديث. قيل ليس المراد من هذا الحديث النهي عن الكفر بل النهي عن الاختلاف المؤدي إلى القتل، فعلى هذا يكون يضرب: مرفوعًا، ويكون تفسيرًا للكفر المراد بالحديث، انتهى.
وقال الكرماني: يضرب مرفوع على أنه جملة مستأنفة مبينة بقوله: لا ترجعوا، أو وصف كاشف، إذا الغالب من الكفار ذلك، وكونه مجزومًا بإن جواب النهي ظاهر على مذهب من يجوز: لا تكفر تدخل النار، ورجع هنا مستعمل استعمال صار معنًى وعملاً أي لا تصيروا بعدي كفارًا.
وقال ابن مالك في توضيحه: مما خفي على أكثر النحويين استعمال رجع كصار معنى وعملا، ومنه الحديث: لا ترجعوا بعدي كفارًا، أي لا تصيروا، وقول الشاعر:
قد يرجع المرء بعد المقت ذا مِقَةٍ ... بالحِلْم فادْرا به بغضاء ذي إحَنِ
ويجوز في ضرب: الرفع والجزم. انتهى.
وقال مُغْلَطاي: من جزم أول على الكفر، ومن رفع لا يجعله متعلقًا بما قبله بل حالاً أو مستأنفًا.
وقال القاضي عياض: الرواية: يضربُ، بالرفع، كذا رواه المتقدمون
стр. 250
والمتأخرون، والصواب هو وبه يصحّ المقصود هنا، وضبطه بعض العلماء بالسكون وهو إحالة للمعنى، والصواب الضم.
وقال الشيخ أكمل الدين في "شرح المشارق": يضرب: بالرفع، وفيه وجوه: أحدها: أن تكون الجملة صفة لـ (كفارًا) أي لا ترجعوا بعدي كفارًا متّصفين بهذه الصفة يعني: ضرب بعضكم رقاب آخرين. الثاني: أن يكون حالاً من ضمير لا ترجعوا أي لا ترجعوا بعدي كفارًا حال ضرب بعضكم رقاب بعض. الثالث: أن يكون جملة استثنائية كأنه قيل: كيف يكون الرجوع كفارًا؟ فقال: يضرب بعضكم رقاب بعض. فعلى الوجه الأول يجوز أن يكون معناه لا ترجعوا عن الدين بعدي فتصيروا مرتدين مقاتلين يضرب بعضكم رقاب بعض بغير حقّ على وجه التحقيق، وأن يكون لا ترجعوا كالكفار المقاتل بعضًا على بعض على وجه التشبيه بحذف أداته، وعلى الثاني يجوز أن يكون معناه: لا تكفروا حال ضرب بعضكم رقاب بعض لأمر يعرض بينكم باستحلال القتل بغير حقّ، وأن يكون لا ترجعوا حال المقاتلة كذلك كالكفار في الانهماك في تهييج الشر وإثارة الفتن بغير إشفاق منكم على بعض في ضرب الرقاب. وعلى الثالث يجوز أن يكون معناه: لا يضرب بعضكم رقاب بعض بغير حقّ فإنه فعل الكفار، وأن لا يضرب بعضكم رقاب بعض كفعل الكفار.
وروي مجزوم الباء على أنه بدل من "لا ترجعوا" وأن يكون جزاء الشرط مقدمًا على مذهب الكسائي، أي فإن رجعتم يضرب بعضكم رقاب بعض، قال: وقد ذكروا له في الشروح وجوهًا أعرضت عنها لبعد المناسبة. انتهى.
٣٠٣ - حديث: "إنكم ترون ربَّكم عيانًا كما ترون هذا القمر لا تضامّون في رؤيته ".
следующие страницы →