Полный текст (1 226 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
قال القرطبي: الباء في (برأسه) للتعدية التي يجوز حذفها وإثباتها كقولك: مسح برأس اليتيم ومسح رأسَه، وسميت النبي بمحمد، ومحمدًا، ولا يصح أن تكون للتبعيض خلافًا للشافعي، لأن المحققين من أئمة النحو البصريين، وأكثر الكوفيين أنكروا ذلك، ولأنها لو كانت للتبعيض لكان قولك: مسحت رأسه، كقولك: مسحت بعض رأسه، ولو كان كذلك لما حسُنَ أن يقول: مسحت ببعض رأسه ولا برأسه بعضه، لأنه كان يكون تكريرًا، ولا مسحت رأسه كله، لأنه كان يكون مناقضًا له، ولو كانت للتبعيض لما جاز إسقاطها، فإنه يقال: مسحت برأسه، ومسحت رأسه، بمعنى واحد. انتهى.
وقال النووي في شرح المهذب: نقل أصحابنا عن بعض أهل العربية أن الباء في (وامسحوا برءوسكم) [المائدة: ٦] للتبعيض.
وقال جماعة منهم: إذا دخلت الباء على فعل يتعدى بنفسه كانت للتبعيض كقوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم)، فإن لم يتعدّ فللإلصاق كقوله تعالى: (وليَطَّوَّفوا بالبيت العتيق) [الحج: ٢٩].
وقال ابن الخباز في "شرح الدرة": الباء تزاد مع المنصوب كقوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم). وقال بعض الفقهاء هي للتبعيض وهو غير معروف.
وقال الفارسي في "التذكرة": الباء في (وامسحوا برءوسكم) معناها الإلصاق.
وقول بعض النحويين إنها للتبعيض له وجه، وذلك أنه رأى هذه التي تستعمل كالقلم والقدّوم ونحوها إنما العمل في هذه الأسماء ببعضها لا بجميعها فقال: الباء للتبعيض.
стр. 352
وقال المالقي في "رصف المباني": الصحيح أن الباء في ذلك للإلصاق.
وقال صاحب البسيط: لم يذكر أحد من النحويين أن الباء للتبعيض، وقيل تكون له نحو: مسحت بالمنديل، ومسحت المنديل، وأخذت زمام الناقة وأخذت بزمامها. انتهى.
قلت: فتلخص أن في هذه الباء أربعة أوجه: للإلصاق وللتبعيض، وللتعدية، وزائدة.
مسند عبد الله بن عباس ﵁
٤٥٣ - حديث: "نزلت هذه الآية ورسول الله ﷺ متواريًا بمكة: ولا تجهرْ بصلاتك ".
قال أبو البقاء: هكذا وقع في هذه الرواية، والوجه فيه أن قوله: (ورسول الله) مبتدأ، و (بمكة) خبره، و (متواريًا) حال من الضمير المقدّر في الجار، والعامل فيه الجار أو الاستقرار الذي دلّ عليه الجار أي: ورسول الله ﷺ مستقر بمكة متواريًا.
٤٥٤ - حديث: "من همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ".
стр. 353
قال أبو البقاء: يجوز في (حسنة) وجهان: أحدهما: الرفع على أن يكون هو القائم مقام الفاعل أي: كتب له حسنة، وليس في هذا ذكر الحسنة المهتم بها، بل معناه إثابة الله على همّه بالحسنة بأن كتب له حسنة، وليس المعنى كتبها له.
والثاني: النصب على معنى كتبت الخصلة التي هم بها حسنة، وانتصابها على الحال أي: أثبتت له مُثابًا عليها. ويجوز أن يكون مفعولاً به، لأن المعنى كتب الله له حسنة أي أثبت له حسنة، أو صيّرها حسنة، وهذا هو القول في (عشر) و (واحدة).
٤٥٥ - حديث: "اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا، وخلفي نورًا، وأَعْظِمْ لي نورًا ".
قال الطيبي: فإن قلت: كيف عدّى الفعل في الثلاثة الأول بفي، وفي الاثنين بعدها بعن، وفي الأربعة الباقية بنفسه؟
قلت: سألوا نحوه صاحب "الكشاف" في قوله تعالى: (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم) [الأعراف: ١٧] وأجاب: المفعول فيه الذي إليه الفعل نحو تعديته إلى المفعول به، فلما اختلفت حروف التعدية في ذلك اختلفت في هذه، وكانت لغة تؤخذ ولا تقاس، وإنما يفتّش عن صحة موقعها، يقولون: جلس عن يمينه، وعلى يمينه، وعن شماله، وعلى شماله، قلنا معنى على يمينه: أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلى عليه، ومعنى عن يمينه: جلس
стр. 354
متجاوزًا عن صاحب اليمين، منحرفًا عنه، غير ملاصق له، وكذا ما نحن بصدده.
خصّ القلب والبصر والسمع بفي الظرفية، لأن القلب مقر الفكر في آلاء الله ونعمائها ومكانها معدنها. والبصر شارح آيات الله المنصوبة والمبثوثة في الآفاق والأنفس. والأسماع مرائي أنوار وحي الله ومحط آياته المنزلة على أنبياء الله. و (اليمين والشمال) خُصّا بعن للإيذان بأنه تجاوز الأنوار عن قلبه وبصره وسمعه إلى عن يمينه وشماله من الخلق، وعزلت (فوق وتحت وأمام وخلف) من الجار لتشهد استنارته وإنارته من الله والخلق.
٤٥٦ - حديث التسبيح، قوله: "عشْرَ خصال ".
قال التوربشتي: من نصبه فالمعنى: خذها، أو دونك عشر خصال، مفعول تنازعت عليه الأفعال قبله. ومعنى قوله: أفعل بك عشر خصال: أصيرك ذا عشر خصال، والمراد بها التسبيحات لأنها فيما سوى القيام عشر عشر.
وقال الطيبي: معنى قوله: (ألا أفعل بك) ألا أقول، بما أن فعلته تصير ذا عشر خصال، والعشر سبب لمغفرة الذنوب بأسرها.
قوله: (أوله وآخره، قديمه وحديثه) إلى آخره: بدل من قوله: (ذنبك). وقوله: (أن تصلي) خبر مبتدأ محذوف، أي: المأمور به هو أن تصلي.
٤٥٧ - حديث: "ماتت شاة لسودة فقالت: يا رسول الله، ماتت فلانة، تعني الشاةَ ".
стр. 355
قال ابن مالك في "شرح التسهيل": فلان وفلانة يكنى بها عن أعلام أولي العلم، ودعتهم الحاجة إلى الكناية عن أعلام البهائم المألوفة، فكنوا عن مذكرها بفلان، وعن مؤنثها بالفلانة، فزادوا الألف واللام فرقًا بين الكنايتين. وذكر الجوهري مثله.
قال النووي في "تهذيب الأسماء واللغات": وقد ورد في هذا الحديث (فلانة) تعني الشاة، بغير ألف ولام، هكذا في النسخ المعتمدة وهذا تصريح بجوزاه. فيهما لغتان.
٤٥٨ - حديث: "من لعن شيئًا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه ".
قال الطيبي: (ليس له): صفة (شيئًا) واسمه ضمير راجع إليه، والضمير في (له) راجع إلى مصدر (لعن). وفي (عليه) أي في (على) تضمين (رجعت) معنى اشتملت.
٤٥٩ - حديث: "كان رسول الله ﷺ أجودَ الناس بالخير، وكان أجودُ ... ".
بالرفع على المشهور، إمّا على أنه اسم كان وخبرها محذوف، وهو نحو: أخطب ما يكون الأمير في يوم الجمعة، أو هو مبتدأ مضاف إلى المصدر، وهو (ما يكون) و (ما) مصدرية، وخبره (في رمضان) تقديره: أجود أكوانه في رمضان، والجملة بكمالها خبر كان، واسمها ضمير عائد على رسول الله ﷺ .
стр. 356
وروي بالنصب على أنه خبر كان، وتعقب بأنه يلزم منه أن يكون خبرها اسمها. وأجيب بجعل اسم كان ضمير النبي، وأجود: خبرها، ولا يضاف إلى (ما) بل تجعل (ما) مصدرية نائبة عن ظرف الزمان، والتقدير: وكان رسول الله ﷺ مدة كونه في رمضان أجود منه في غيره.
وقال ابن الحاجب في "أماليه": الرفع في (أجود) الثاني هو الوجه، لأنك إن جعلت في (كان) ضميرًا يعود إلى رسول الله ﷺ لم يكن (أجود) بمجرده خبرًا، لأنه مضاف إلى (ما يكون)، فهو كون، ولا يستقيم الخبر بالكون عما ليس بكون، ألا ترى أنك لا تقول: زيد أجود ما يكون. فيجوز أن يكون إما مبتدأ خبره قوله: (في رمضان) من قولهم: أخطب ما يكون الأمير قائمًا.
وإن نصبت جعلت (في رمضان) هو الخبر كقولهم: جرى في الدار، لأن المعنى الكون الذي هو أجود الأكوان حاصل في هذا الوقت، فلا يتعين أن يكون من باب: أخطب ما يكون الأمير قائمًا. انتهى.
وقال النووي: الرفع أشهر، والنصب جائز، وذكر أنه سأل شيخه ابن مالك، فخرج الرفع من ثلاثة أوجه، والنصب من وجهين، ثم وقفت على كلام ابن مالك في ذلك فقال: (أجود) المسؤول عنه في رفعه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون اسم كان مضافًا إلى (ما) المصدرية الموصولة بـ (يكون)، وتكون هنا تامة رافعة فاعل مستكنّ عائد على رسول الله ﷺ . و (في رمضان) خبر كان، والتقدير: وكان أجود كون رسول الله ﷺ في رمضان. وفي هذا إيجاز بليغ تستعمل العرب أمثاله كثيرًا عند قصد المبالغة، وذلك أن (أجود) أفعل التفضيل مضاف إلى الكون، فهو إذن كون، لأن أفعل التفضيل لا يضاف إلاّ إلى ما هو بعضه، ويلزم كونه يكون أكوانه ﷺ كلها متصفة بالجود، وأجودها كونه رمضان، كما لزم ذلك في قول بعض العرب: أخطب ما يكون الأمير قائمًا. وهو من باب وصف المعاني بما يوصف به الأعيان كقولهم: شِعرٌ شاعرٌ، وجهادٌ جاهدٌ، وموتٌ مائتٌ، وآيةٌ مبصرةٌ،
стр. 357
وجودُك أجودُ من جوده.
والثاني: أن يكون اسم (كان) ضميرًا عائدًا على رسول الله ﷺ ، و (أجود) مضاف إلى (ما يكون) على ما تقدم، وهو مبتدأ خبره (في رمضان) والجملة خبر كان، وهو أيضًا من وصف المعاني بما يوصف به الأعيان.
والثالث: أن يجعل اسم كان ضميرًا راجعًا إلى الجود الذي تضمنه الأول، كما رجع الضمير إلى الصفة في قول الشاعر:
إذا نُهِيَ السفيهُ جرى إليه ... وخالف والسفيهُ إلى خلافِ
والتقدير على هذا: وكان جود أجود كونه في رمضان، وأجود: مبتدأ، وفي رمضان: خبره، والجملة خبر كان.
ويجوز أن ينصب (أجود)، وفي نصبه وجهان:
إما أن يجعل اسم كان ضمير النبي ﷺ ، ويجعل (أجود) خبرها، ولا يضاف إلى (ما)، بل يجعل (ما) مصدرية نائبة عن ظرف الزمان، ويكون التقدير: وكان رسول الله ﷺ مدة كونه في رمضان أجود منه في غير رمضان. وفي هذا الوجه استعمال أفعل التفضيل منكّرًا غير مصاحب لـ (مِنْ) وهو قليل الوقوع.
والثاني من وجهي النصب: أن يجعل اسم كان ضميرًا عائدًا على الجود الذي تضمنه (أجود) الأول، ويجعل (أجود) الثاني خبر كان مضافًا إلى (ما)، وهي نكرة موصوفة، و (في رمضان) يتعلق بكان، والتقدير: وكان جوده في رمضان أجود شيء كائن. انتهى.
стр. 358
قال الشيخ ولي الدين العراقي فيما وجد بخطه: لا يتعين على هذا الوجه أن يجعل اسم كان ضميرًا عائدًا على الجود، بل يمكن أن يكون عائدًا على النبي ﷺ وتقديره: وكان رسول الله ﷺ في رمضان أجود شيء كائن.
فإن قلت: يلزم على ذلك أن لا يكون في غير رمضان كذلك، قلت: وكذا التقدير يلزم على التقدير الذي قدره الشيخ.
وقال ابن الربيع في "شرح الإيضاح" (في أواخر باب الابتداء): مسألة تقول: زيد أحسن ما يكون يوم الجمعة: فيوم الجمعة خبر لأحسن، والجملة خبر لزيد. وإذا رفعت (يوم الجمعة)، فيكون التقدير: أحسن أكوانه يوم الجمعة، كأنه قال: أحسن أيامه يوم الجمعة، كما قالوا: نهاره صائم.
فإذا قلت: أحسن ما يكون في يوم الجمعة، فيكون المجرور خبرًا لأحسن والجملة خبر لزيد، وعلى هذا جاء الحديث: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان)، فقوله: (في رمضان) خبر لأجود، والجملة خبر لكان، واسم كان مضمر يعود إليه ﵇.
وقال شيخنا سراج الدين البُلْقيني: ويجتمع من كلام ابن الحاجب وابن مالك في وجه الرفع أوجه. انتهى.
وقال الكرماني: (أجود) بالرفع لأنه اسم كان، وخبره محذوف حذفًا واجبًا، إذ هو نحو: أخطب ما يكون الأمير قائمًا. ولفظة (ما) مصدرية، أي: أجود أكوان الرسول، (في رمضان) في محل الحال، واقع موقع الخبر الذي هو حاصل. و (حين يلقاه): حال من الضمير الموجود في (حاصل) المقدر، فهو حال عن حال، ومثلها يسمّى بالحالين المتداخلتين، ومعناه: كان أجود أوانه حاصل في رمضان عند الملاقاة.
ويحتمل في (كان) ضمير الشأن، فيكون المعنى: كان الشيء أجود أكوانه حاصل في رمضان عند الملاقاة.
стр. 359
وقيل الوقت مقدر كما في: مَقْدَم الحاج، أي: كان أجود أوقات أكوانه وقت كونه في رمضان، وإسناد الجود إلى أوقاته ﷺ على سبيل المبالغة كإسناد الصوم إلى النهار في نحو: نهاره صائم.
قال: وقوله: (حين يلقاه) يحتمل كون الضمير المرفوع لجبريل والمنصوب للرسول، وبالعكس.
قوله: (فيدارسه القرآن) بالنصب للقرآن لأنه المفعول الثاني للمدارسة، إذ الفعل المتعدي إذا نقل إلى باب المفاعلة يصير متعدّيًا إلى اثنين نحو: جاذبته الثوب، ومعناه: أنهما يتناوبان في قراءة القرآن كما هو عادة القراء بأن يقرأ هذا عشر والآخر عشر، أو أنهما يتشاركان في القراءة حتى يقرآ معًا.
قوله: (فلَرسولُ الله ﷺ قال الزركشي: اللام جواب قسم مقدر.
وقال الحافظ ابن حجر: الفاء للسببية، واللام للابتداء زيدت على المبتدأ تأكيدًا، أو هي جواب قسم مقدّر.
٤٦٠ - حديث: "يا بَنِيَّ لا ترموا الجمرة حتى تطلعَ الشمسُ ".
قال ابن فلاح في المغني: مما ألحق بصيغة الجمع قوله ﵇ لأغلمة بني عبد المطلب: (يا بنيّ لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس)، وقول الشاعر:
زعمتْ تُماضِرُ أنني إمّا أمُتْ ... يسْدُدْ أُبَيْنُوها الأصاغِرُ خَلَّتِي
стр. 360
ومذهب البصريين أنه تصغير أبْنى على وزن أفْعل كأضحى، وهو اسم للجمع، مذهب الكوفيين أنه تصغير ابن مثل أدْل، ووزنه فعْل. ومذهب أبي عبد الله أنه تصغير بنين.
وقال صاحب "النهاية": قد اختلف في هذه اللفظة: فقيل هي تصغير أبْنى كأعمى وأعيمى، وهو اسم مفرد يدل على الجمع، وقيل إنّ ابنًا يجمع على أبناء مقصورًا وممدودًا، وقيل هي تصغير ابن وفيه نظر.
وقال أبو عبيد: هي تصغير بنيّ جمع ابن مضافًا إلى النفس، فهذا يوجب أن يكون صيغة اللفظة في الحديث أُبَيْنِيّ بوزن سُرَيْجِيّ.
وقال ابن الحاجب في "أماليه": الأولى أن يقال إنه تصغير بنيّ مجموعًا، وكان أصله بنين، لأنه يكون أضفته إلى ياء المتكلم فصار بنوي في الرفع، وبنيّ في النصب والجرّ، فوجب أن يقلب الواو ياء ويدغم على ما هو قياسها في مثل قولك: ضاربيّ، وكذلك النصب والجر، ولذلك كان لفظ ضاربيّ في الأحوال الثلاث سواء، كرهوا اجتماع الياءات والكسرة فقلبوا اللام إلى موضع الفاء أبينيّ،، وليس في هذا الوجه إلا قلب اللام إلى موضع الفاء. وهو قريب لما ذكرناه من الاستثقال، وقلب الواو المضمومة همزة، وهو جائز قياسًا، وهذا أولى من قول من يقول إنه تصغير أبناء ردًّا إلى الواحد وروعي مشاكلة الهمزة لأنه لو كان تصغيرًا لقيل أبينائي، ولم يردّ إلى الواحد، لأن (أفعالاً) من جمع القلة فيصغر من غير ردّ كقولك: أحيمال، وهو أيضًا أولى من قول من قال: إنه جمع للأبناء صغّر وجمع بالواو والنون لأنه لا يعرف ذلك مفردًا، فلا ينبغي أن يحمل الجمع عليه، ولأنه لا يجمع أفعل اسمًا جمع التصحيح. انتهى.
٤٦١ - حديث: "سبحان الله عدد خلقه، وسبحان الله رضى نفسه، وسبحان الله زنة
стр. 361
عرشه، وسبحان الله مداد كلماته".
سئلت قديمًا عن وجه نصب (زنة عرشه) فأجبت بأنه نصب على الظرف، فاستغربه جاهلون، وخلطوا فيما ليس لهم به علم، فألفت في ذلك تأليفًا سميته: رفع السِّنَة في نصب الزِّنَة، وها هو ذا:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يقدر لعرشه زنة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي نزل عليه أفصح الحديث وأحسنه وبعد، فقد سئلت عن وجه النصب في قوله ﷺ : (سبحان الله وبحمده، زنة عرشه ورضى نفسه وعدد خلقه ومداد كلماته)، والجواب عندي أن هذه الكلمات الأربع منصوبات على تقدير الظرف، والتقدير: قدرَ زنة عرشه، وكذا البواقي، فلما حذف الظرف قام المضاف إليه مقامه في إعرابه، فهذا الإعراب هو المتجه المطرد السالم من الانتقاض.
وقد ذكر السائل أنه هل يصحّ أن يكون منصوبًا على الحال أو المصدر أو على حذف الخافض؟
وأقول: أمّا النصب على المصدر فقد ذكره المظهري في "شرح المصابيح" قال: (عدد خلقه) منصوب على المصدر، أي: أعدّ تسبيحه وتحميده بعدد خلقه، وبمقدار ما يرضاه خالصًا، وبثقل عرشه ومقداره بمقدار كلماته.
وسبقه إلى ذلك الأشرفي في شرحه قال: (عددَ خلقه) وكذلك ما بعده منصوب على المصدر أي: سبحته تسبيحًا يساوي خلقَه عند التعداد، وزنة عرشه ومداد كلماته في المقدار يوجب رضى نفسه. انتهى.
стр. 362
فإن أراد بذلك أنه نفسه مصدر، وأنه منصوب على أنه مفعول مطلق فلا يخفى ما فيه، فإنه لا يكون مصدرًا للتسبيح كما هو واضح، بل يكون مصدرًا لفعل من الزنة، ويكون التقدير: سبحان الله أزِنُهُ زنةَ عرشه، ولا يخفى فساد هذا التقدير، لأنه ليس المراد إنشاء وزن التسبيح، بل المراد إنشاء قول التسبيح، والمعنى: أقول سبحان الله قولاً كثيرًا مقدار زنة عرشه في الكثرة والعظم. وعلى تقدير فعل الزنة يكون المعنى: أزن التسبيح زنة عرشه، وهو ظاهر الفساد.
ثم إذا قدّر في الأخرى: أعدّه عدد خلقه، كما أفصح به المظهري، أدّى إلى أن المعنى: أنشأ عدّ التسبيح، وليس مرادًا، بل المراد: قوله قولاً عدد خلقه. ثم لا يمكنه ذلك في رضى نفسه، فإن قيل: أُرْضيه رضى نفسه، قلنا حينئذ يعود الضمير على غير التسبيح، وهو في أزنه وأعدّه عائد على التسبيح، فيختل التناسق في الكلمات، ثم لا يمكن ذلك في (مداد كلماته) بلا مرية.
ويبقى على كلام المظهري تعقّبان: أحدهما: أنّ عددًا لو كان مصدرًا لم يجئ بالفك لأنه مصدر عدّ بالتشديد كردّ وسدّ قال تعالى: (إنّما نعدُّ لهم عدًّا) [مريم: ٨٤].
والثاني: أنه قال منصوب على المصدر، ثم قال: أي أعدّ تسبيحه بعدد خلقه، فأدخل الباء، وليس هذا شأن المصدر الذي هو مفعول مطلق. لا يقال: ضربت زيدًا بضرب في موضع ضربته ضربًا. ثم قال: وبمقدار ما يرضاه، وبثقل عرشه ومقداره بمقدار كلماته، وهذا كله يبطل القول بأنه منصوب على المصدر، ويؤول إلى نزع الخافض أو الظرفية، فإن النصب على الظرفية ونزع الخافض متقاربان، فإن الظرف منصوب على إسقاط الخافض الذي هو (في)، غير أنه باب مطرد، والنصب بنزع الخافض في غير الظرف غير مطرد، فاتجه بذلك أنه منصوب على الظرف بتقدير (قدر) وقد صرّح بذلك الخطابي في "معالم السنن" فقال: وقوله: (ومدادَ كلماتِه) أي قدر ما يوازنها في العدد والكثرة.
стр. 363
وقال ابن الأثير في "النهاية": (ومداد كلماته) أي مثل عددها، وقيل قدر ما يوازنها في الكثرة عيارَ كيْل أو وَزْن أو ما أشبهه، وهذا تمثيل يراد به التقريب. انتهى.
فأشار بقوله: (مِثْل) إلى المصدر أو الوصف، وبقوله: (وقيل قدر) إلى الظرف.
وقال الشيخ أكمل الدين في "شرح المشارق": قوله: (عدد خلقه) أي: عدد العدد خلقه، وزنة عرشه: أي بمقدار عرشه، ورضى نفسه: أي غير منقطع. فأشار إلى أن لكل واحدة إعرابًا على حدة: الأولى مصدر، والثانية ظرف، والثالثة حال، ولا شك أن تساوي الكل في الإعراب حيث أمكن أولى، وتقدير (قدر) في كل منها صحيح، فاتجه نصب الكل على الظرف بتقدير (قدر).
فإن قيل: لم يصرح أحد بأن قدرًا ينصب على الظرف قلت: ذلك لعدم اطلاعك في أمهات الكتب، وقد صرّح الخطيب التبريزي والمرزوقي كلاهما في شرح الحماسة في قول الشاعر:
فسايرْتُه مقدار ميلٍ وليتني
وقوله:
هل الوجد إلاّ أن قلبي لو دنا ... من الجمر قيد الرمح لاحترق الجمر
بأنّ نصب (مقدارَ) و (قيدَ)، كلاهما على الظرف. و (قيد) بمعنى قدر.
وقال ابن يسعون في "شرح شواهد الإيضاح" في قول الفرزدق:
ما زال مذ عقدت يداه إزاره ... فسما وأدرك خمسة الأشبار
стр. 364
يجوز نصب (خمسة الأشبار) نصب الظرف بـ (سما) بتقدير مضاف أي: فسما مقدار خمسة الأشبار.
وقال جماعة في حديث (إنّ موسى سأل ربّه أن يدنيه من الأرض المقدسة رَمْيَةَ الحجر) إنّ (رميةَ) نصب على الظرف بتقدير (قدر) أي: قدر رمية الحجر.
وقال الطيبي في "شرح المشكاة"، في حديث (فضلُ الصلاة التي يستاك لها على الصلاة التي لا يستاك لها سبعين ضعفًا): قوله: (سبعين) مفعول مطلق أو ظرف، أي يفضل مقدار سبعين.
وقال أبو البقاء في حديث: (من فارق الجماعة شبرًا): منصوب، أي: هو منصوب على الظرف، والتقدير: قدر شبر.
وقال الطيبي في حديث (من تقرب إليّ شبرًا تقربت منه ذراعًا ومن تقرّب إليّ ذراعًا تقربتُ منه باعًا)، (شبرًا وذراعًا وباعًا) منصوبات في الشرط والجزاء على الظرفية، أي: من تقرب إليّ بمقدار شبر.
وقال أيضًا في حديث: (من ظلم شبرًا من أرض): المفعول به محذوف و (شبرًا) يجوز أن يكون مفعولاً مطلقًا، أي ظُلْمَ شبرٍ، أو مفعولاً فيه أي: مقدار شبر.
وقال أيضًا في حديث: (أنه ﷺ أقطع الزبير حضْرَ فرسه) نصب (حضر) على حذف مضاف، أيّ قدر ما يعدو عدوة واحدة. ثم إن المسألة منصوصة في كتب النحو. قال ابن مالك في "التسهيل": الصالح للظرفية القياسية ما
стр. 365
دلّ على مقدار. وقال في "ألفيته":
وقد ينوب عن مكان مصدر ... وذاك في ظرف الزمان يكثر
وقال ابن هشام في "توضيحه": ينوب المصدر عن الظرف إذا كان معينًا لمقدار نحو: انتظرتك حلبَ ناقة.
وقال أبو حيان في "شرح التسهيل": قال الصفار في شرح الكتاب: اعلم بأن المصدر إذا استعمل في معنى الظرف جاز أن يضاف إلى الفعل، تقول: آتيك رَيْثَ قام زيد، أي: قدر بطء قيامه، فلما خرجت إلى الظرف جاز فيها ما جاز في الظرف.
ثم إنّ نصب (زنة) بخصوصها على الظرفية منصوص عليه من سيبويه وأئمة النحو، قال ابن مالك في "شرح التسهيل": من الجاري مجرى ظرف المكان باطراد مصادر قامت مقام مضاف إليها تقديرًا نحو قولهم: هو قربَ الدار، ووزنَ الجبل وزنته، والمراد بالاطراد أن لا تختص ظرفيته بعامل كاختصاص ظرفية المشتق من اسم الواقع فيه. انتهى.
وقال في "الارتشاف": فرق سيبويه بين وزن الجبل وزنة الجبل، فمعنى وزن الجبل ناحية توازنه أي يتقابله، أي قريبة منه كانت أو بعيدة. وزنة الجبل حذاءه، أي متصلة به، وكلاهما مبهم يصل إليهما الفعل، وينتصب ظرفًا. انتهى.
وقد قال التوربشتي شارح المصابيح: في هذا الحديث (زنةَ عرشه) ما يوازيه في التقدير، يقال: هو زنة الجبل حذاءه في الثقل والوزانة. انتهى.
وهذا منه إيماء إلى تخريج الحديث على الظرفية، وقد خرجوا على الظرفية ما
стр. 366
هو أبلغ من ذلك: روي أن معاوية استعمل ابن أخيه عمرو بن عتبة بدل أبي سفيان على صدقات كلب، فاعتدى عليهم، فقال ابن العدّاء الكلبي:
سعى عقالاً فلم يترك لنا سبدًا ... فكيف لو قد سعى عمرو عقالَيْنِ
قال ابن الأثير في "النهاية": نصب (عقالا) على الظرف، أراد مدة عقال، والعقال صدقة عام.
وقال ابن يعيش في "شرح المفصل": من المنصوب على الظرف قولهم: سير عليه ترويحتين، وانشطر به نحر جزورين، والمراد مدة ذلك، والترويحتين تثنية، الترويحة واحد التراويح في الصلاة.
وقال أبو البقاء: قوله ﷺ : (لِيُصَلِّ أحدُكم نشاطه) إنه منصوب على تقدير الظرف، أي: مدة نشاطه، فحذف المضاف وأقام المصدر مقامه.
وقال الأشرفي في "شرح المصابيح": يجوز أن يكون (نشاطه) بمعنى الوقت، وأن يراد به الصلاة التي نشط لها. فإن قلت: فما تقول في نصبه على الصفة للمصدر؟ قلت: هذا ذكره طائفة، وأقول لا يخلو إمّا أن يجعل صفة للمصدر المذكور وهو (سبحان)، أو لمقدر. فأمّا الأول فيعكر عليه الفصل بينه وبين موصوفه بقوله: (وبحمده) وذلك ضعيف أو ممنوع، مع أن عندي في جواز وصف (سبحان) وقفة، فإنه غير منصرف، ولم يستعمل إلاّ علمًا للتسبيح منصوبًا، ولم يتصرف فيه بشيء.
وأما الثاني وهو أن يجعل التقدير: سبحان الله تسبيحًا زنة عرشه، ففيه وقفة من وجوه:
стр. 367
الأول: أنه تقدير ما لا حاجة إليه، لأن المصدر مصرح به في اللفظ، فأي حاجة إلى تقدير مصدر آخر؟
الثاني: المصدر المذكور منصوب بفعل مقدر، فإذا قدر منصوب آخر، لزم منه تقدير ثلاثة: فعل المصدر الظاهر، والمصدر المقدر، وفعل آخر له، لأن الفعل الواحد لا ينصب مصدرين، ولا ضرورة تدعو إلى ذلك.
الثالث: أن الكلام لا يصحّ إلاّ بتقدير شيء آخر، لأنّ التسبيح ليس نفس الزنة، فيكون التقدير: مثل زنة عرشه، وإذا آل الأمر إلى تقدير "مثل" فالمراد المثلية في المقدار، فرجع إلى ما قلناه من الظرفية، وخصوصًا أن قوله: (رِضى نفسه) لا يصح فيه تقدير المِثْلية، ولهذا قال الأشرفي: يساوي خلقه عند التعداد، وزنة عرشه في المقدار، ويوجب رضى نفسه، فأخرجه عن حيّز المساواة. وتقدير (قدر) صحّ فيه، أي قدرًا يبلغ رضى نفسه.
فإن قلت بقي وجه إبطال الحال، قلت: إذا قدر أسبح أو أقول سبحان الله موازنًا لعرشه، فإن جعل حالاً من الفاعل نافره كون "زنة عرشه" وما بعده جاريًا على (سبحان) لا على قائله. أو من المفعول نافره أن المفعول هنا مطلق، والمعهود مجيء الحال من المفعول به. ولا يمكن كونه من المضاف إليه، كما لا يخفى ولا يطرد التقدير بالمشتق في (مداد كلماته) كما هو ظاهر. فبطل الحال، وبقي من الوجوه الممكنة في إعرابه أربعة:
أحدها: أن يجعل مفعولاً به لفعل أو وصف مقدر، أي: يبلغ زنة عرشه، أو: بالغًا زنة عرشه.
الثاني: أن يكون القول مقدرًا، و (سبحان الله) مفعول أول، و (زنة عرشه) مفعول ثان على لغة من يجري القول مجرى الظنّ بلا شرط.
الثالث: أن يكون خبرًا لكان مقدرة هي واسمها ضمير راجع إلى التسبيح.
стр. 368
وتقدر إما بصيغة مفعول له على جعل الرضى بمعنى الإرضاء كقولك: سبّحت ابتغاء وجه الله. وكلها لا يعول عليها، والعمدة على الأول، والله أعلم.
٤٦٢ - حديث: "إنّك يا سعدُ أنْ تدعَ ".
قال أبو البقاء: الهمزة مفتوحة، وهي (أن) الناصبة للفعل، وموضع المصدر على وجهين: أحدهما: هو بدل الاشتمال أي: إنّ تركك. والثاني: أن يكون في موضع رفع بالابتداء، و (خير) خبره.
وفي رواية: (إنّك إنْ تركت ولدك أغنياءَ خير ...).
قال ابن مالك: وفيه حذف الفاء والمبتدأ معًا من جواب الشرط، فإن الأصل: إن تركت ورثتك أغنياء فهو خير. وهو مما يزعم النحويون أنه مخصوص بالضرورة، وليس مخصوصًا بها، بل يكثر استعماله في الشعر ويقلّ في غيره، ومنه قراءة طاووس: "ويسألونك عن اليتامى قل أصلح لهم خير" أي أصلح لهم فهو خير.
стр. 369
وهذا، وإن لم يصرح فيه بأداة الشرط، فإنّ الأمر مضمّن معناها، فكأنّ ذلك بمنزلة التصريح بها في استحقاق جواب، واستحقاق اقترانه بالفاء لكونه جملة اسمية. ومن شواهده الشعرية قول الشاعر:
أَأُبَيُّ لا تبعدْ وليس بخالدٍ ... حَيٌّ، ومن تصب المنونُ بعيدُ
ومثل حذف المبتدأ مقرونًا بفاء الجواب حذفه مقرونًا بواو الحال في قول عمر بن أبي سلمة: (رأيتُ رسول الله ﷺ يصلي في ثوبٍ واحدٍ مشتملٌ به في بيت أم سلمةَ) ثبت برفع (مشتمل).
وقوله في الرواية الأخرى: (أن تذر ورثتك أغنياء فخيرٌ): قال الطيبي: إمّا خبر بعد خبر، أو صفة أغنياء، أي: ملتبسون بخير.
وقوله: (إنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلاّ أجرت عليها) قال الكرماني: فإن قلت الفعل كيف وقع استثناء؟ والاستثناء هل هو متصل أو منفصل؟ قلت: تقديره: إلاّ في حالة أجرت عليها، أي لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله في حال من الأحوال إلاّ وأنت في حال مأجوريتك عليها، أو تقديره: إلاّ نفقة أُجِرْت عليها. فالمستثنى اسم، والاستثناء متصل.
(حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك) قال أبو البقاء: الوجه النصب في اللقمة عطفًا على نفقة، ولو رفع جاز على أنه مبتدأ و (تجعلها) الخبر.
وقال الطيبي: يجوز في (اللقمة) النصب عطفًا على نفقة، وأظهر من ذلك أن
стр. 370
تنصبها على إضمار فعل، لأن الفعل قد اشتغل بضميره وهذا كقولهم: أكلت السمكة حتى رأسها أكلته. وقد أجازوا في (رأسها) الرفع والنصب والجر، وأوضح هذه النصب لا غير.
وقال القاضي عياض: رُوِيَ (في فَمِ) وهي لغة قليلة، وحذف الميم في الإضافة أصوب. ورُوي (حتى ما تجعل) قال الزركشي والكرماني: (يجعل) بالرفع، و (ما) كافة، كفت حتى عن عملها.
٤٦٣ - حديث: "مالك عن فلان ".
قال الكرماني: أي: أيّ شيء حصل لك أعرضك عن فلان، أو عداك عن فلان.
قوله: (فوالله إني لأراه مؤمنًا) روي بفتح الهمزة بمعنى أعلمه وبضمّها بمعنى أظنّه.
قوله: (قال أو مسلمًا) قال النووي وغيره: هو بسكون الواو لا فتحها، فقيل هي للتنويع، وقيل للتشريك، وأنه أمره أن يقولهما معًا لأنه أحوط. ويرد هذا رواية ابن الأعرابي في معجمه في هذا الحديث: (فقال: لا تقل مؤمن، قل مسلم) فوضح أنهما للإضراب، وليس معناه الإنكار، بل المعنى أن إطلاق (المسلم) على من يختبر حاله الخبرة الباطنة أولى من إطلاق (المؤمن)، لأن الإسلام معلوم بحكم الظاهر، قاله
стр. 371
النووي ملخصًا. وروي لكسر الهمزة وفتح الباء على أنها همزة وصل له فعل أمر من القبول وبفتح الهمزة وقطعها وكسر الباء من الإقبال. وروي (قبالاً) بالنصب على المصدر، أي إقبالاً قتالاً.
وقال الزركشي: أو سكون الواو على الإضراب كأنه قال: بل مسلمًا.
قوله (أقبل) أي: سعد.
قوله: (إني لأعطي الرجل وغيره أحبّ إليّ) قال الكرماني: (غيره) مبتدأ، و (أحبّ). (قتالاً) أي أشار مني فيما أقول مرة بعد مرة كأنك تقاتل.
وقال القرطبي: قد غلط من فتحها وأقال المعنى، لأنه ﷺ لم يرد استفهامه، وإنما أشار له إلى القسم الآخر المختص بالظاهر، الذي يمكن أن يدركه، فجاء بـ (أو) للتنويع.
(أحبّ) خبره والجملة حالية. و (خشية) منصوب بأنه مفعول لأعطي سواء فيه رواية التنوين مع تنكيره، وتقدير لفظه (مِنْ)، أي: خشيةً من أن يكبّه الله، ورواية الإضافة مع تعريفه، لأنه مضاف إلى (أن) مع الفعل. ويجوز في المفعول له التعريف والتنكير، والمفعول الثاني لأعطي محذوف، أي: أعطيه أيّ شيء كأنه. وعلى جعل المتعدي إلى اثنين كالمتعدي إلى واحد، أي: أوجد هذه الحقيقة.
стр. 372
وقوله: (مخافة أن يكبّه الله)، قال النووي وغيره: بفتح أوله وضمّ الكاف، وهو شاذ من النوادر على عكس القاعدة المشهور، فإن المعروف أن يكون الفعل اللازم بغير الهمزة، والمتعدي بالهمزة، وههنا عكسه؟ فإنّ (أكبّ) لازم، و (كبّ) متعدّ. قال النووي: والضمير في (يكبه) لا يعود على المعطى.
وقال القرطبي: الرواية: (تكبّه) بفتح الباء وضم الكاف، مركب ثلاثي، ولا يجوز فيه غيره، لأنّ رباعيّه لازم، ولم يأت في لسان العرب إلاّ كلمات قليلة يقال: أكبّ الرجلُ، وكببتُه، وأقشع الغيمُ، وقشعته الريحُ، وأنسل الشيء الطائر، ونسلتُه أنا، وأنزفت البئرُ: قلّ ماؤها. ونزفتُها أنا.
٤٦٤ - حديث: "من ادّعى غير أبيه، وهو يعلمُ أنّه غيرُ أبيه فالجنة عليه حرامٌ ".
قال الشيخ أكمل الدين: عدّى (ادّعى) بـ (إلى) لتضمنه معنى انتسب.
وقال النووي: (محمدًا) نصب على البدل من الضمير في (سمعته). وقال القرطبي: الضمير في (سمعته) ضمير المصدر الذي دلّ عليه (سمعته)، أي: سمعت سمعًا، كما تقول العرب: ظننته زيدًا قائمًا، وهذا الوجه أحسن ما يقال فيه. ويجوز أن يكون الضمير عائدًا على معهود متصوّر في نفوسهم، و (محمد) بدل منه. انتهى.
٤٦٥ - حديث: "إنّها أيامُ أكلٍ وشرْبٍ ".
стр. 373
قال أبو البقاء: الأفصح الأقيس فتح الشين، وهو مصدر مثل الأكل، وأما ضمّ الشين وكسرها ففيه لغتان في المصدر أيضًا، والمحققون على أن الضمّ والكسر اسمان للمصدر لا مصدر، وقد قرئ في قوله تعالى: (فشاربون شرب الهيم) [الواقعة: ٥٥] بالأوجه الثلاثة، وتوجيهها ما ذكرنا.
٤٦٦ - حديث: "رأيتُ عن يمين رسول الله ﷺ وعن شماله يوم أحد رجلين يقاتلان كأشدّ القتال ".
قال الطيبي: الكاف فيه زائدة تأكيدًا.
٤٦٧ - حديث: "من تصبح كل يوم سبع تمرات عجوة، لم يضرّه في ذلك اليوم سم ولا سحر ".
قال ابن مالك: يجوز في (تمرات عجوة) الإضافة وتركها، فمن أضاف فلا إشكال، لأن تمرات مبهمة، يحتمل كونها من العجوة ومن غيرها، فإضافتها إلى العجوة إضافة عام إلى خاص، وهو مقتضى القياس، ونظيره: ثياب خزّ، وحبات برّ.
стр. 374
ومن لم يضف (تمرات) نوّن، وجاء بـ (عجوة) أيضًا مجرورًا على أنه عطف بيان، ويجوز نصبه على التمييز.
قوله: (لم يضره) قال الكرماني: يرفع الراء فيها.
وقال الشيخ أكمل الدين في "شرح المشارق": (تصبّح) تفعّل، أي شرب الصبوح، والأصل فيه شرب الغداة، وقد يستعمل في الأكل لأن شرب اللبن عند العرب بمنزلة الأكل.
٤٦٨ - حديث: "المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ".
قال الطيبي: (لو) إنْ كانت امتناعية فجوابها محذوف، دلّ عليه ما قبله، هذا إذا كان يجري (يعلمون) مجرى اللازم، أي: لو كانوا من أهل العلم والمعرفة لعرفوا ذلك، وما فارقوا المدينة. وإذا قدّر مفعوله كان المعنى: لو علموا ذلك لما فارقوا المدينة. وإنْ كانت بمعنى (ليت) فلا جواب لها.
٤٦٩ - حديث: "لوْ أنَّ ما يقلُّ ظُفُرٌ مما في الجنة بدا لتزخرفتْ له ما بين خوافق السموات والأرض ".
قال الطيبي: (ما) موصولة، والعائد محذوف، أي: ما يقله، و (ما بين خوافق) فاعل لـ (تزخرفت)، وإنما أنث باعتبار الأماكن، كما في قوله تعالى: (أضاءت ما حوله) [البقرة: ١٧] في وجه.
стр. 375
٤٧٠ - حديث: "استأذن عمر بن الخطاب على رسول الله ﷺ وعنده نسوةٌ من قريش يكلّمنه ويستكثرنه، عالية أصواتهنّ ".
قال الزركشي: بنصب (عالية) ورفعه. قوله: (فقلن: نعم أنت أفظّ وأغلظ من رسول الله ﷺ قال الزركشي: أفعل التفضيل قد يجيء لا للمشاركة في أصل الفعل كقولهم: أمّا العسل أحلى من الخل.
وقال الكرماني: الأفظّ: إما بمعنى الفظّ، وإما باعتبار القدر الذي في النبي ﷺ من إغلاظه على الكفار وعلى المنتهكين لحرمات الله.
قوله: (فقال رسول الله ﷺ : إيه يا ابن الخطاب) قال السفاقسي: ضبط بكسرة واحدة، أي: كفّ عن لومهنّ، وذلك أنه بالكسر والتنوين: لا تبتدئنا، وبغير تنوين: كفّ عن حديث عهدناه.
وقال الكرماني: (إيه) بكسر الهمزة كلمة استزادة، وهي اسم فعل، تقول لرجل إذا استزدته من حديث أو عمل: إيهِ: بكسر الهاء، أي: هاتِ، وإن وصلت نونت، فرسول الله ﷺ استزاد منه توقير جانبه ﷺ .
مسند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁
٤٧١ - حديث: "اثبتْ حراءُ أو أحدُ، فإنّما عليك نبيٌّ أو صدِّيقٌ أو شهيدٌ ".
стр. 376
قال ابن مالك في "توضيحه": استعملت (أو) بمعنى الواو. فإنّ معناه: فما عليك إلاّ نبيّ وصدّيق وشهيد. وكذا قوله في حديث ابن عباس: (كل ما شئت واشرب ما شئت ما أخطأتك اثنتان: سرفٌ أو مخيلةٌ)، ونظائرهما عند أمن اللبس قول امرئ القيس:
فظلَّ طهاة اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل
وقوله الآخر:
فقالوا لنا: ثنتان لا بد منهما ... صدور رماح أشرعت أو سلاسل
وقوله الآخر:
قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم ... من بين ملجم مهره أو سافع
٤٧٢ - حديث: "أشهد لسمعتُ رسول الله ﷺ يقول: من أخذ شبرًا من الأرض ... ".
стр. 377
قال ابن مالك: العرب تقسم بفعل الشهادة، فتجعل له جوابًا كجواب القسم الصريح. مثل قوله تعالى: (قالوا نشهد إنك لرسول الله) [المنافقون: ١] ثم قال: (اتخذوا أيمانهم جنة) [المنافقون: ٢] فسمى ذلك القول يمينًا، ومثله قول سعيد بن زيد: (أشهد لسمعت) فأجرى (أشهد) مجرى (أحلف) وجعل جوابه فعلاً ماضيًا مقرونًا باللام دون (قد).
ومن النحويين من يزعم أن هذا الاستعمال مخصوص بالشعر ويستشهد بقول امرئ القيس:
حلفت لها بالله حلفة فاجر ... لناموا فما إن من حديث ولا صال
والصحيح جواز استعماله في أفصح الكلام.
ونظير استعماله في هذا الحديث قوله تعالى: (ولئن أرسلنا ريحًا فرأوه مصفرًا لظلوا من بعده يكفرون) [الروم: ٥١].
ونظيره أيضًا: (فوالله لترك رسول الله ﷺ الصبح فأناخ).
قوله: (ظلمًا) قال الشيخ أكمل الدين في "شرح المشارق": نصبه على أنه مفعول له، أو حال من الفاعل، أي: من أخذ حال كونه ظالمًا أو صفة لمصدر محذوف أي: أخذًا ظلمًا، والضمير المستتر في (طُوِّقَه) القائم مقام الفاعل يعود إلى (من) والبارز إلى السير.
стр. 378
قوله: (طُوِّقَهُ من سبع أرَضين): سئل أبو القاسم الزجاجي: ما العلة في تحريك (أرضين) ولم يحركوا (خمسين) في العدد؟ فأجاب: العلة في ذلك أن الأرض مؤنثة بلا خلاف، ويقال في تصغيرها: أُرَيْضة، وما كان على ثلاثة أحرف من الأسماء المؤنثة ساكن الوسط مفتوح الأول نحو: صفحة وجفنة وضربة، فإذا جمع السلامة فتح الأوسط منه فقيل: صفحات وجفنات وضربات وأرضات، ثم لما قالوا: أرَضون. فجمعوها بالواو والنون تشبيهًا لها بمائة، وثبة، وعزة وبابها، لأنها مؤنثة، تلا أنها مؤنثة وإن لم تكن مثلها في النقصان، لأنهم قد يشبهون الشيء بالشيء وإن لم يكن مثله في جميع أحواله، حركوا وسطها بالفتح كما يحركونه مع الألف والتاء، لأنه هو الأصل، فقالوا: أرَضون، ففتحوا كما قالت: أرَضات، ففتحوا، لأن ذلك هو الأصل، وهذا داخل عليه.
فأمّا (خمسون) فليس مثل (أرضين) في شيء، لأنه اسم مبني للجمع من لفظ خمسة، ولا واحد له من لفظه ينطق به، وإنما هو بمنزلة ثلاثين من ثلاثة، وأربعين من أربعة، ولم يجمع خمسة في العدد خمسات، ثم يدخل الواو والنون عليها، كما قيل في أرض أرضات، ثم أدخل الواو والنون عليها، فدلت على حركتها.
قال سيبويه: قلت للخليل: لم قالوا: الأهْلون، فأسكنوا الهاء ولم يحركوها كما حركوا أرضين؟ فقال: لأن الأهل مذكر، فأدخلوا الواو والنون فيه على ما يستحقه، ولم يحتج إلى تحريكه إذ ليس بمؤنث يجمع في بعض الأحوال بالألف والتاء، فيحرك لذلك.
قال سيبويه: فقلت له: فلم قالوا: أهَلات، فحركوا حين جمعوا بالألف والتاء، قال المخَبَّلُ السعدي:
وهم أهَلاتٌ حول قيس بن عاصم ... إذا أدلجوا بالليل يدعون كوثرا
стр. 379
فقال سيبويه: كأرضات، ففتحوا لذلك، قال سيبويه: ومنهم من يقول: أهلات، فتسكن الهاء، وهو أقيس، والتحريك في كلامهم أكثر، وهذا من الشواذ، والذي يحكي حكاية ولا يجعل أصلاً، أعني جمع أهل أهلات. انتهى.
٤٧٣ - حديث: "الكَمْأةٌ من المنّ ".
قال الخطابي: هو مهموز، العامة لا تهمزه.
وقال ابن بري: حكى ثعلب: (كَمْأة) بإلقاء حركة الهمزة على الميم.
وقال عبد اللطيف البغدادي: فيها من العربية أمر غريب: كمء مفرد كمأة جنس بخلاف ما عليه جمهور الكلام مثل: تمرة وتمر، وشجرة وشجر، فإن الهاء للمفرد، وحذفها للجنس.
مسند سفيان بن أسيد الحضرمي ﵁
٤٧٤ - حديث: "كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثًا هو لك مصدِّقٌ وأنت له كاذب ".
قال الطيبي: (أن تحدث) فاعل (كبرت)، وأنّث الفعل له باعتبار المعنى، لأنه نفس الخيانة، وفيه معنى التعجب كما في قوله تعالى: (كبر مقتًا عند الله) [غافر: ٣٥].
стр. 380
قال في "الكشاف": هذا من أفصح الكلام وأبلغه في معناه قصد في كبر التعجب من غير لفظه، ومعنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين، لأن التعجب لا يكون إلاّ من شيء خارج عن نظائره وأشكاله.
مسند سلمة بن سلامة بن وقش الأنصاري ﵁
٤٧٥ - حديث البعث، قوله: "لا يرون أنَّ بعثًا كائنًا بعد الموت ".
قال أبو البقاء: وقع في هذه الرواية (كائنًا) بالنصب، ووجهه أن يجعل صفة لـ (بعث) و (بعد الموت) خبر، ويجوز أن يكون التقدير: أنّ بعثًا بعد الموت كائنًا، فيكون (كائنًا) حالاً من الضمير في الظرف وقد قدّمه، ولو روي بالرفع جاز.
مسند سلمة بن الأكوع ﵁
٤٧٦ - حديث: "كنا نصلي مع رسول الله ﷺ إذا توارت بالحجاب ".
قال سيد الناس في "شرح الترمذي": أعاد الضمير في (توارت) إلى الشمس، ولم يجر لها ذكر، إحالة على فهم السامع، وما تعطيه قوة الكلام، كما قال تعالى: (حتى توارت بالحجاب) [ص: ٣٢] أيضًا وإن لم يجر للشمس ذكر.
стр. 381
ووقع في رواية الترمذي: (إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب) وهما كلمتان إحداهما تفسير الأخرى.
٤٧٧ - حديث: "من حمل علينا السلاح فليس منّا ".
قال الطيبي: (علينا) يجوز أن يتعلق بالفعل، و (السلاح) نصب على نزع الخافض، يقال: حمل عليه في الحرب حملة. ويجوز أن يكون حالاً و (السلاح) مفعول، يقال: حملت الشيء أحمله حملاً أي: حمل السلاح علينا لا لنا.
والأول أوجه، لأن قوله: (فليس منّا) جزاء الشرط، وعلى الثاني لا فائدة فيه، لأنه يعلم كل أحد أنّ عدو المسلمين ليس منهم.
٤٧٨ - حديث الحديبية، قوله: "فبايعته أوّل الناس ".
قال أبو البقاء: فيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه حال، أي: بايعته متقدمًا. والثاني: أن يكون صفة لمصدر محذوف تقديره: مبايعة أول مبايعة الناس. والثالث: أن يكون ظرفًا، أي: قبل الناس.
قوله: (بايع يا سلمةُ، قلت: قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس). قوله: (واليوم يومُ الرضع): قال السهيلي: بالرفع فيهما وبنصب الأول ورفع الثاني، حكى سيبويه: اليوم يومك، على جعل (اليوم) ظرفًا في موضع خبر الثاني، لأن ظروف
стр. 382
الزمان يخبر بها عن زمان مثلها إذا كان الظرف متسعًا ولا يضيق عن الثاني.
قوله: (يا صباحاه): قال الكرماني: هو منادى مستغاث والألف للاستغاثة، والهاء للسكت، كأنه نادى الناس استغاثة بهم في وقت الصباح أي وقت الغارة، وحاصله أنها كلمة يقولها المستغيث.
وقال القرطبي: هاؤه ساكنة، وهو شبيه المنادى المندوب وليس به، ومعناه الإعلام بهذا الأمر المبهم الذي دهمهم في الصباح.
قوله: (إلى شعب فيه ماء يقال له ذا قَرَدٍ): قال أبو البقاء: وقع في هذه الرواية (ذا) بالألف، والوجه الرفع كما قال تعالى: (يقال له إبراهيم) [الأنبياء: ٦٠]، ويبعد أن يجعل (له) في موضع رفع قائمًا مقام الفاعل، ويكون (ذا) مفعولاً، لأنّ (ذا) مفعول صحيح فلا يقام مقام الفاعل غيره. فإن كانت الروايات كلها كذا جاز أن يكون سمّاه (ذا قرد) في كلّ حال. انتهى.
وقال النووي: في أكثر النسخ المعتمدة (ذا قرد) بالألف، وفي بعض (ذو قرد) بالواو، وهو الوجه.
قوله: (فألحق رجلاً منهم وأصكه بسهم في نغض كتفه) قال القرطبي: (ألحق وأصك) مضارعان ومعناهما المضي.
قوله: (يا ثكلته أمه): قال القرطبي: (يا) للنداء، والمنادى محذوف، ويشبه أن يكون (مَنْ) الموصولة متعلقة بـ (ثكلته أمه) كأنه قال: يا من ثكلته أمه، فحذفها للعلم بها، ويحتمل غير هذا، وهذا أشبه.
стр. 383
قوله: (أكوعُه بكرةَ؟ قلت: نعم يا عدوَّ نفسك أكوعُك بكرةَ) قال النووي: هو برفع العين أي: أنت الأكوع الذي كنت بكرة هذا النهار، ولهذا قال: نعم. و (بكرة) منصوب غير منون، قال أهل العربية: يقال أتيته بكرةً بالتنوين إذا أردت باكرًا في غير معيّن، فإذا أردت بكرة في يوم بعينه قلت: أتينه بكرةَ، غير منصرف، لأنه من الظروف غير المتمكنة.
وقال القرطبي: الضمير في (أكوعه) يعود على المتكلم على تقدير الغيبة كأنه قال: أكوع الرجل المتكلم، وقد فهم هذا سلمة حيث أجابه بقوله: (أكوعُك بكرةَ) فخاطبه بذلك. و (بكرة) منصوب غير منون، على الظرف، لأنه لا ينصرف للتعريف والتأنيث، لأنه أريد بها بكرة معينة، وكذلك (غدوة)، وليس ذلك بشيء من ظروف الأزمنة سواهما فيما علمت. انتهى.
وقال: (ألا سابقَ للمدينة) قال القرطبي: قيدناه مفتوحًا بغير تنوين لأنها (لا) التبرئة زيدت عليها همزة الاستفهام وأشربت معنى التمني كقوله:
ألا طِعانَ ألا فرسانَ عادية
ويجوز الرفع على أن تكون (ألا) استفتاحًا، ويكون (سابق) مبتدأ خبره محذوف تقديره: ألا منّا سابق أو نحوه.
قوله: (إنّ الأُلى قد بغوا علينا): قال القرطبي: كذا سمعت الرواية (الأُولى) بالقصر، مؤنث الأول، ويكون معناه في إعادة المبايعة بالرجعة علينا.
ويحتمل أن يكون (الألى) هي الموصولة بمعنى (الذين) ويكون خبر (إنّ)
стр. 384
محذوفًا تقديره: إنّ الذين بغوا علينا ظالمون. وقيل هذا تصحيف من بعض الرواة، وأن صوابه (أولاء) ممدودة، التي لإشارة الجماعة، وهذا أصحّ من جهة المعنى والوزن. انتهى.
قوله: (فقال عمر يا نبي الله لولا متعتنا به) قال القرطبي: أي: هلاّ دعوت أن تمتّعنا ببقائه. قلت: يشير إلى أن (لولا) حرف تحضيض بمعنى (هلاّ).
فقال علي:
أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظره
قال ابن الجوزي: (المنظرة) بمعنى المنظر، والهاء زائدة. وقال القرطبي: الهاء في (حيدره) و (المنظره) زائدة للاستراحة.
٤٧٩ - حديث: "فما اشتكيتها حتى الساعةِ ".
قال الزركشي: بالجر، وقال الكرماني: فإن قلت (حتى) للغاية، حكم ما بعدها خلاف ما قبلها، فيلزم الاشتكاء زمان الحكاية.
قلت: (الساعة) بالنصب، وهي للعطف، والمعطوف داخل في المعطوف عليه وتقديره: فما اشتكيتها زمانًا حتى الساعة، نحو: (أكلت السمكة حتى رأسَها) بالنصب.
стр. 385
٤٨٠ - حديث أسلم: "يا لها الله وعنك عفو الله لها أما والله ما قلته ولكن الله قاله ".
قال الشيخ بهاء الدين السبكي في "عروس الأفراح": إذا ولي المسندُ إليه حرف النفي نحو: ما أنا قلت هذا، أي: لم أقله مع أنه مقول لغير، فإنه يفيد نفي الفعل عنك وثبوته لغيرك، فلا تقول ذلك إلاّ في شيء ثبت أنه مقول، وتريد نفي كونك قائلاً له، ومنه اسم الفاعل نحو قوله تعالى: (وما أنت بهاد العمي) [الروم: ٥٣ والنمل: ٨١]، وفي الفعل قوله ﷺ : (ما أنا حملتكم ولكنّ الله حملكم)، وقال المتنبي:
وما أنا أسقمت جسمي به ... ولا أنا أضرمت في القلب نار
أنه ليس هو الجالب للسقم بل غيره جلبه، ولذلك لا يصحّ: ما أنا فعلت ولا أحد غيري، لمناقضة منطوق النافي مفهوم الأول، ولا يقال: ما أنا رأيت أحدًا من الناس، ولا ما أنا ضربت إلاّ زيدًا، بل يقال: ما رأيت أنا أحدًا من الناس، و: ما ضربت أنا إلا زيدًا، لأن المنفي في الأول الرؤية الواقعة على كل أحد، وفي الثاني الضرب الواقع على سوى زيد، وسبق أن ما يفيد التقديم ثبوته لغير المذكور هو ما نفي عن المذكور، فيكون الأول مقتضيًا، لأن إنسانًا غير المتكلم ضرب غير زيد وكلاهما محال.
٤٨١ - حديث: "من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صُبَّ في أذنيه الآنُك ".
قال الشيخ أكمل الدين: الواو في قوله (وهم) للحال، وذو الحال فاعل استمع، والذي سوّغ ذلك تضمنها ضميره، ويجوز أن يكون صفة للقوم، والواو لتأكيد لصوق
стр. 386
الصفة بالموصوف، فإن الكراهة خاصة لهم لا محالة، ونظيره قوله تعالى: (ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم) [الكهف: ٢٢]. والآنك وزنه أفعل، ولم يجئ فعل على البناء إلا هذا اللفظ وأسد، وقيل وزن الآنك فاعل لا أفعل، وهو أيضًا شاذ. انتهى.
٤٨٢ - حديث: "من رأى منكم رؤيا فليقصَّها أعبرْها له ".
قال الشيخ أكمل الدين: فليقصّها: يجوز فيه فتح الصاد وضمها، وقوله أعْبُرْها: بسكون الراء جواب الأمر، ويجوز فيه الرفع على الاستئناف أيضًا كما في قوله: (فهب لي من لدنك وليًّا * يرثني) [مريم: ٥ - ٦] قرئ بالسكون والرفع.
٤٨٣ - حديث: "قضى في امرأتين بغُرَّة عبد أو أمة ".
رواه الجمهور بتنوين "غرّة" وما بعده بدل منه، وروي بالإضافة. قوله: كيف أغرم من لا أكل ولا شرب، قال ابن جني: لا: بمعنى لم، أي لم يأكل ولم يشرب.
٤٨٤ - حديث: "الحجُّ مرة ".
قال الطيبي: مرة خبر المبتدأ، أي واحدة، فإن زاد فهو تطوّع.
٤٨٥ - حديث: "من تعلّم كتاب الله ثمّ اتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ".
قال الطيبي: ضمّن "هدى" معنى "أمن"، فعدّاه بمِنْ إلى المفعول الثاني، أي
стр. 387
أمنه الله من ارتكاب المعاصي والانحراف عن الصراط المستقيم.
٤٨٦ - حديث: "اتّقوا الحديث إلا ما علمتكم ".
قال الطيبي: يجوز أن يراد بالحديث الإثم، فالمضاف محذوف أي احذروا رواية الحديث عني، وأن يكون فعيلاً بمعنى مفعول، وعني متعلق به، والاستثناء منقطع، المعنى: احذروا من الحديث عني، لكن لا تحذروا مما تعلمون، وقوله: من كذب علي متعمدًا، حال من المستثنى في كذب الراجع إلى مَنْ.
٤٨٧ - حديث وفد عبد القيس، قوله: "مرحبًا بالوفد غيرَ خزايا ولا ندامى ".
غير بالنصب على الحال، وروي بالكسر على الصفة للقوم، قال النووي: والمعروف الأول، وخزايا جمع خزيان، وندامى قال الخطابي: كان أصله نادمين جمع نادم، لأن ندامى إنما هو جمع ندمان، أي النادم في اللهو، فكأنه خرج على الإتباع، كما قالوا: العشايا والغدايا، والغداة جمعها الغدات، لكنه أتبع، وقال القاضي عياض: ندامى جمع نادم على غير قياس إتباعًا لخزايا، قال ابن قتيبة: وعادة العرب إذا ضمّت حرفًا إلى حروف، فربّما أجروه على بنيته، ولو أفرد لتركوه على جهته الأولى، ومن ذلك قولهم: إني لآتيه بالغدايا والعشايا، فجمعوا الغداة غدايا لمّا ضمّت إلى العشايا.
قال الفرّاء: وأرى قوله في الحديث: "ارجعن مأزوراتٍ غيرَ مأجوراتٍ"، من هذا، ولو أفرد لقيل موزورات، قال غيره: يقال في النادم ندمان، فعلى هذا يكون
стр. 388
الجمع جاريًا على الأصل لا على جملة الاتباع، وقوله: إن هذا الحيّ، قال ابن الصلاح: الذي يختر نصبه على الاختصاص، ومن ربيعة: خبر أنّ، ومعناه أنّ هذا الحي من ربيعة، ووافقه النووي.
قوله: ولا نخلص إليك في شهر الحرام، قال النووي: كذا هو في الأصول كلها، بإضافة شهر إلى الحرام، والقول فيه كالقول في نظائره، من قولهم: مسجد الجامع، وصلاة الأولى، ومنه قوله تعالى: (بجانب الغربي) [القصص: ٤٤] (ولدار الآخرة) [النحل: ٣٠]، فعلى هذا مذهب الكوفيين، هو من إضافة الموصوف إلى صفته، وهو جائز عندهم، وعلى مذهب البصريين لا تجوز هذه الإضافة، فهو على حذف في الكلام للعلم به، تقديره: شهر الوقت الحرام، وكذا رواية الشهر بالحرام، أي أشهر الأوقات الحرم، قوله: "فمرنا بأمرٍ فعلٍ" بالتنوين فيهما بلا إضافة، قاله النووي، وقوله: "فنخبرْ به من وراءنا" بفتح مَنْ مفعول ونصب وراءنا على الظرف، ونخبر بالجزم جوابًا للأمر، وبالرفع على أنه صفة ثانية لأمر، وقوله: "ندخل به الجنة"، روي بالوجهين أيضًا، وروي بحذف الواو على أنه بدل بعد جواب.
وقوله: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وتعطوا الخمس، قال الزركشي: نصب تعطوا بتقدير أنْ، وكأنّه عطف مصدر على مصدر، وقال الكرماني: الواو العاطفة إذا كان المعطوف عليه اسمًا، تقدّر أنْ الناصبة بعدها، قوله: لا تشربوا في الدُّباء والنقير، قال الكرماني: فإن قلت لا يستعمل الشرب بفي، قلت: معناه لا تشربوا منهما منتبذين، قوله: وأخبروا بهنّ من وراءكم، قال الحافظ ابن حجر: بفتح مَنْ وهو الموصول، وقال الزركشي: بفتح مَنْ في رواية البخاري، وبكسرها في رواية ابن قتيبة، قال النووي: وهما يرجعان إلى معنى واحد.
стр. 389
٤٨٨ - حديث: "الطواف بالبيت مثل الصلاة، إلاّ أن الله أباح فيه الكلام ".
قال الطيبي: يجوز أن يكون الاستثناء متصلاً، أي الطواف كالصلاة في الشرائط وفي الطهارة وغيرها، إلا في التكلم، ويجوز أن يكون منقطعًا أي الطواف مثل الصلاة، لكن رخص لكم في التكلم فيه.
٤٨٩ - حديث: حديث: "ائتوني بكتاب ".
قال الكرماني: هو من باب الحذف، أي بأدوات الكتاب، نحو: (واسأل القرية) [يوسف: ٨٢]، وقوله: أكتبْ لكم كتابًا: مجزوم جوابًا للأمر، ويجوز الرفع بالاستئناف، وقوله: لا تضلوا بعده، نفي وحذف منه النون، لأنه بدل من جواب الأمر، وقد جوّز بعضهم تعدد جواب الأمر من غير حرف عطف.
وقوله: قوموا عني: أي قوموا مبتعدين عني، وهو يستعمل باللام أيضًا، نحو: (قوموا لله قانتين) [البقرة: ٢٣٨]، وبإلى نحو: (إذا قمتم إلى الصلاة) [المائدة: ٦] وبالباء نحو: قام بأمر كذا، وبغير صلة: قام زيد، وتختلف المعاني بحسب الصلات، لتضمّن كل صلة معنى يناسبها.
٤٩٠ - حديث: مرّ رسول الله ﷺ بحائط من حيطان المدينة، فسمع
стр. 390
صوت إنسانين يعذَّبان في قبورهما.
قال ابن مالك في "توضيحه": فيه شاهد على جواز إفراد المثنى معنى، إذا كان جزء ما أضيف إليه اثنين، نحو أكلت رأس شاتين، وجمعه أجود نحو: (فقد صغت قلوبكما) [التحريم: ٤] والتثنية مع أصالتها قليلة الاستعمال، وقد اجتمعت التثنية والجمع في قول الراجز:
ومَهْمَهَيْنِ قذفينْ مَرْتَيْن ... ظَهراهما مثلُ ظهور التُرْسَيْن
فإن لم يكن المضاف جزء ما أضيف إليه، فالأكثر مجيئه بلفظ التثنية، نحو: استلّ الزيدان سيفهما، وإن أُمِن اللبس جاز جعل المضاف بلفظ الجمع، وفي: "يعذّبان في قبورهما" شاهد على ذلك، وكذا قوله ﷺ لعليّ: إذا أخذتما مضاجعكما، وقوله: إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، قال ابن مالك: فيه استعمال في دالة على التعليل، وهو مما خفي على أكثر النحويين مع وروده في القرآن والحديث والشعر القديم، فمن الوارد في القرآن قوله تعالى: (لولا كتابٌ من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) [الأنفال: ٦٨]. وقوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم) [النور: ١٤]، ومن الوارد في الحديث: عذبت امرأة في هرة حبستها، وقوله: ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد، فإن "في" في كل ذلك بمعنى الباء الدالة على السببية، ومن الوارد في الشعر القديم قول جميل:
следующие страницы →