Полный текст (1 226 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
الصفة بالموصوف، فإن الكراهة خاصة لهم لا محالة، ونظيره قوله تعالى: (ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم) [الكهف: ٢٢]. والآنك وزنه أفعل، ولم يجئ فعل على البناء إلا هذا اللفظ وأسد، وقيل وزن الآنك فاعل لا أفعل، وهو أيضًا شاذ. انتهى.
٤٨٢ - حديث: "من رأى منكم رؤيا فليقصَّها أعبرْها له ".
قال الشيخ أكمل الدين: فليقصّها: يجوز فيه فتح الصاد وضمها، وقوله أعْبُرْها: بسكون الراء جواب الأمر، ويجوز فيه الرفع على الاستئناف أيضًا كما في قوله: (فهب لي من لدنك وليًّا * يرثني) [مريم: ٥ - ٦] قرئ بالسكون والرفع.
٤٨٣ - حديث: "قضى في امرأتين بغُرَّة عبد أو أمة ".
رواه الجمهور بتنوين "غرّة" وما بعده بدل منه، وروي بالإضافة. قوله: كيف أغرم من لا أكل ولا شرب، قال ابن جني: لا: بمعنى لم، أي لم يأكل ولم يشرب.
٤٨٤ - حديث: "الحجُّ مرة ".
قال الطيبي: مرة خبر المبتدأ، أي واحدة، فإن زاد فهو تطوّع.
٤٨٥ - حديث: "من تعلّم كتاب الله ثمّ اتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ".
قال الطيبي: ضمّن "هدى" معنى "أمن"، فعدّاه بمِنْ إلى المفعول الثاني، أي
стр. 387
أمنه الله من ارتكاب المعاصي والانحراف عن الصراط المستقيم.
٤٨٦ - حديث: "اتّقوا الحديث إلا ما علمتكم ".
قال الطيبي: يجوز أن يراد بالحديث الإثم، فالمضاف محذوف أي احذروا رواية الحديث عني، وأن يكون فعيلاً بمعنى مفعول، وعني متعلق به، والاستثناء منقطع، المعنى: احذروا من الحديث عني، لكن لا تحذروا مما تعلمون، وقوله: من كذب علي متعمدًا، حال من المستثنى في كذب الراجع إلى مَنْ.
٤٨٧ - حديث وفد عبد القيس، قوله: "مرحبًا بالوفد غيرَ خزايا ولا ندامى ".
غير بالنصب على الحال، وروي بالكسر على الصفة للقوم، قال النووي: والمعروف الأول، وخزايا جمع خزيان، وندامى قال الخطابي: كان أصله نادمين جمع نادم، لأن ندامى إنما هو جمع ندمان، أي النادم في اللهو، فكأنه خرج على الإتباع، كما قالوا: العشايا والغدايا، والغداة جمعها الغدات، لكنه أتبع، وقال القاضي عياض: ندامى جمع نادم على غير قياس إتباعًا لخزايا، قال ابن قتيبة: وعادة العرب إذا ضمّت حرفًا إلى حروف، فربّما أجروه على بنيته، ولو أفرد لتركوه على جهته الأولى، ومن ذلك قولهم: إني لآتيه بالغدايا والعشايا، فجمعوا الغداة غدايا لمّا ضمّت إلى العشايا.
قال الفرّاء: وأرى قوله في الحديث: "ارجعن مأزوراتٍ غيرَ مأجوراتٍ"، من هذا، ولو أفرد لقيل موزورات، قال غيره: يقال في النادم ندمان، فعلى هذا يكون
стр. 388
الجمع جاريًا على الأصل لا على جملة الاتباع، وقوله: إن هذا الحيّ، قال ابن الصلاح: الذي يختر نصبه على الاختصاص، ومن ربيعة: خبر أنّ، ومعناه أنّ هذا الحي من ربيعة، ووافقه النووي.
قوله: ولا نخلص إليك في شهر الحرام، قال النووي: كذا هو في الأصول كلها، بإضافة شهر إلى الحرام، والقول فيه كالقول في نظائره، من قولهم: مسجد الجامع، وصلاة الأولى، ومنه قوله تعالى: (بجانب الغربي) [القصص: ٤٤] (ولدار الآخرة) [النحل: ٣٠]، فعلى هذا مذهب الكوفيين، هو من إضافة الموصوف إلى صفته، وهو جائز عندهم، وعلى مذهب البصريين لا تجوز هذه الإضافة، فهو على حذف في الكلام للعلم به، تقديره: شهر الوقت الحرام، وكذا رواية الشهر بالحرام، أي أشهر الأوقات الحرم، قوله: "فمرنا بأمرٍ فعلٍ" بالتنوين فيهما بلا إضافة، قاله النووي، وقوله: "فنخبرْ به من وراءنا" بفتح مَنْ مفعول ونصب وراءنا على الظرف، ونخبر بالجزم جوابًا للأمر، وبالرفع على أنه صفة ثانية لأمر، وقوله: "ندخل به الجنة"، روي بالوجهين أيضًا، وروي بحذف الواو على أنه بدل بعد جواب.
وقوله: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وتعطوا الخمس، قال الزركشي: نصب تعطوا بتقدير أنْ، وكأنّه عطف مصدر على مصدر، وقال الكرماني: الواو العاطفة إذا كان المعطوف عليه اسمًا، تقدّر أنْ الناصبة بعدها، قوله: لا تشربوا في الدُّباء والنقير، قال الكرماني: فإن قلت لا يستعمل الشرب بفي، قلت: معناه لا تشربوا منهما منتبذين، قوله: وأخبروا بهنّ من وراءكم، قال الحافظ ابن حجر: بفتح مَنْ وهو الموصول، وقال الزركشي: بفتح مَنْ في رواية البخاري، وبكسرها في رواية ابن قتيبة، قال النووي: وهما يرجعان إلى معنى واحد.
стр. 389
٤٨٨ - حديث: "الطواف بالبيت مثل الصلاة، إلاّ أن الله أباح فيه الكلام ".
قال الطيبي: يجوز أن يكون الاستثناء متصلاً، أي الطواف كالصلاة في الشرائط وفي الطهارة وغيرها، إلا في التكلم، ويجوز أن يكون منقطعًا أي الطواف مثل الصلاة، لكن رخص لكم في التكلم فيه.
٤٨٩ - حديث: حديث: "ائتوني بكتاب ".
قال الكرماني: هو من باب الحذف، أي بأدوات الكتاب، نحو: (واسأل القرية) [يوسف: ٨٢]، وقوله: أكتبْ لكم كتابًا: مجزوم جوابًا للأمر، ويجوز الرفع بالاستئناف، وقوله: لا تضلوا بعده، نفي وحذف منه النون، لأنه بدل من جواب الأمر، وقد جوّز بعضهم تعدد جواب الأمر من غير حرف عطف.
وقوله: قوموا عني: أي قوموا مبتعدين عني، وهو يستعمل باللام أيضًا، نحو: (قوموا لله قانتين) [البقرة: ٢٣٨]، وبإلى نحو: (إذا قمتم إلى الصلاة) [المائدة: ٦] وبالباء نحو: قام بأمر كذا، وبغير صلة: قام زيد، وتختلف المعاني بحسب الصلات، لتضمّن كل صلة معنى يناسبها.
٤٩٠ - حديث: مرّ رسول الله ﷺ بحائط من حيطان المدينة، فسمع
стр. 390
صوت إنسانين يعذَّبان في قبورهما.
قال ابن مالك في "توضيحه": فيه شاهد على جواز إفراد المثنى معنى، إذا كان جزء ما أضيف إليه اثنين، نحو أكلت رأس شاتين، وجمعه أجود نحو: (فقد صغت قلوبكما) [التحريم: ٤] والتثنية مع أصالتها قليلة الاستعمال، وقد اجتمعت التثنية والجمع في قول الراجز:
ومَهْمَهَيْنِ قذفينْ مَرْتَيْن ... ظَهراهما مثلُ ظهور التُرْسَيْن
فإن لم يكن المضاف جزء ما أضيف إليه، فالأكثر مجيئه بلفظ التثنية، نحو: استلّ الزيدان سيفهما، وإن أُمِن اللبس جاز جعل المضاف بلفظ الجمع، وفي: "يعذّبان في قبورهما" شاهد على ذلك، وكذا قوله ﷺ لعليّ: إذا أخذتما مضاجعكما، وقوله: إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، قال ابن مالك: فيه استعمال في دالة على التعليل، وهو مما خفي على أكثر النحويين مع وروده في القرآن والحديث والشعر القديم، فمن الوارد في القرآن قوله تعالى: (لولا كتابٌ من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) [الأنفال: ٦٨]. وقوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم) [النور: ١٤]، ومن الوارد في الحديث: عذبت امرأة في هرة حبستها، وقوله: ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد، فإن "في" في كل ذلك بمعنى الباء الدالة على السببية، ومن الوارد في الشعر القديم قول جميل:
стр. 391
فليت رجالاً فيك قد نذروا دمي ... وهموا بقتلي يا بُثَيْنَ لَقُوني
وقول أبي خراش:
لوى رأسه عني ومال بوُدِّهِ ... أغانيجُ خودٍ كان فينا يزورها
قوله ثم دعا بعسيب، قال الشيخ ولي الدين العراقي في "شرح أبي داود": الأقرب في إعرابه أن الباء للسببية، والمفعول محذوف، أي دعا رجلاً بسبب إحضار عسيب، ويحتمل أنه مثل دعا يزيدًا، أي دعا عسيبًا على طريق التوسع، ثم أدخلت عليه الباء.
قوله: فشقه باثنين، قال النووي: الباء زائدة لتوكيد، والنصب على الحال.
قوله: لعله أن يخفف عنهما، قال في "التنقيح": لعله: مثل "كاد" في أن الغالب يجرد خبرها من أنْ، كقوله تعالى: (لعلكم تفلحون) [البقرة: ١٨٩، آل عمران: ١٣٠]، وقال الكرماني: شبه لعل بعسى، فأتى بأنْ في خبره، قلت: نظيره حديث: ثم لعله أن ينبتَ فيثمرَ في ليلته، وقال ابن مالك في توضيحه: يجوز في لعله أن يخفف عنهما إعادة الضميرين إلى الميت، باعتبار كونه إنسانًا، وباعتبار كونه نفسًا، ونظيره في جعل أمرين متضادين لشيء واحد، قوله تعالى: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى) [البقرة: ١١١]، فأفرد اسم كان باعتبار لفظة مَنْ، وجمع الخبر باعتبار المعنى، ويجوز كون الهاء من لعله ضمير الشأن وكون الضمير من: "يخفف عنهما" ضمير النفس، وجاز كون الهاء أن تفسير ضمير الشأن بأن ومثلها مع أنْ في تقدير مصدر لأنها في حكم جملة لاشتمالها على مسند ومسند إليه، ولذلك سدّت مسد مطلوبي حسب وعسى في نحو: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة) [آل عمران: ١٤٢] و (عسى أن تكرهوا شيئًا) [البقرة: ٢١٦] ويجوز في قول الأخفش أن تكون زائدة مع كونها ناصبة، نظيرها بزيادة الباء من كونها جارة، ومن
стр. 392
تفسيرها ضمير الشأن بأن وصلتها، قول عمر: فما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلّني رجلاي، انتهى.
وقال الطيبي: الظاهر أن يكون الضمير فيما يفسّره ما بعده، ولا يكون ضمير الشأن، كقوله تعالى: (إن هي إلا حياتنا الدنيا) [الأنعام: ٢٩]، قال صاحب "الكشاف": هذا ضمير لا يعلم ما يعني به إلاّ بما نقلوه من بيانه وأصله: إن الحياة إلا حياتنا الدنيا، ثم وضع "هي" موضع الحياة، لأن الخبر يدلّ عليها، ومنه: (هي النفس ما حمّلتها تتحمل). والرواية بتثنية الضمير لا يستدعي إلا هذا التأويل.
٤٩١ - حديث: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر كل شيطان وهامّة ومن كل عين لامّة ".
قال في "النهاية": أراد ذات لمم، ولذلك لم يقل: ملمة من ألممت بالشيء، وقيل "لامة" للازدواج.
٤٩٢ - حديث: "ما رأيت النبي ﷺ يتحرّى صيام يوم فضّله على غيره إلا هذا اليوم ".
قال المظهري: فضله: بدل من قوله صيام يوم، والتقدير يتحرّى فضل صيام يوم على غيره، قال الطيبي: هذا المبدل هنا ليس في حكم المتنحي لاستدعاء الضمير ما يرجع إليه نحو قولك: زيدًا رأيت غلامه رجلاً صالحًا، ويروي فضّله بتشديد الضاد، وقيل هو بدل من يتحرّى والحمل على الصفة أولى، لأن قوله هذا اليوم مستثنى ولا بد من مستثنى منه وليس ههنا إلا قوله "يوم" وهو نكرة في سياق النفي يفيد العموم، فالمعنى ما رأيته يتحرّى صيام يوم من الأيام صفته أنه مفضّل على غيره إلاّ صيام هذا
стр. 393
اليوم، ومنه قوله: ما من يوم أحبّ إلى الله أن يتعبّد له فيها من عشر ذي الحجة، وقوله: هذا الشهر عطف على قوله: هذا اليوم، ولا يستقيم إلاّ بالتأويل، إما أن يقدّر في المستثنى "منه" وصيام شهر فضّله على غيره، وهو الكف التقدير، وإما أن يقدر في الشهر أيامه يومًا فيومًا موصوفًا بهذا الوصف.
٤٩٣ - حديث: "رحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزمَ لكانت عينًا معينًا ".
قال الزركشي: بفتح الميم، وفي وزنه وجهان: أحدهما مفعل من عانه يعينه إذا رآه بعينه، وأصله معيون، حذفت الواو فبقي مثل مبيع ومسبي، والثاني فعيل من المعن وهو المبالغة، ومنه أمعنا في الشيء، وسمي الماعون ماعونًا.
٤٩٤ - حديث: "قدم النبي ﷺ المدينة وهم يُسْلِفون في الثمار السنة والسنتين ".
قال الطيبي: السنة منصوب إمّا على نزع الخافض، أي إلى السنة، وإما على المصدر، أي إسلاف السنة.
٤٩٥ - حديث: "صومي عن أمِّك ".
قال ابن مالك في "شرح التسهيل": "عن" فيه بمعنى البدل.
٤٩٦ - حديث: "قال لبَرِيرة: لو راجعتِيه ".
стр. 394
قال الطيبي: لو: إما امتناعية على معنى: لو راجعتيه لكان خيرًا لك، أو بمعنى التمني أي: أودّ رجوعك، والرواية في راجعتيه بإثبات الياء لإشباع الكسرة.
٤٩٧ - حديث: "لو كان لابن آدم واديان من مال، لابتغى لهما ثالثًا ".
قال الكرماني: فإن قلت الابتغاء لا يستعمل باللام، قلت هذا متعلّق بقوله ثالثًا أي: ثالثًا لهما، أي مثلثهما، وقال الرضيّ: لو: موضوعة لشرط مفروض وجوده في الماضي مقطوع بعدمه فيه لعدم جزأيه، وقد يستعمل في المستقبل بمعنى أنْ، وقد يكون للاستمرار كقوله ﷺ : لو أن لابن آدم واديين لابتغى لهما ثالثًا.
٤٩٨ - حديث: "لا يخلون رجلٌ بامرأة إلا ومعها ذو محرم ".
قال النووي: هذا استثناء منقطع، لأنه متى كان معهما محرم، لم يبق خلوة، فتقدير الحديث: لا يقعدنّ رجل مع امرأة إلا ومعهما محرم.
٤٩٩ - حديث: "بعث النبي ﷺ بسَحَرَ من جَمْع ".
قال القرطبي: هو بغير صرفه وهو الصواب، لأنه سحر معين.
٥٠٠ - حديث: "ما من عبد مؤمن إلاّ وله ذنب يقتاده الفينة بعد الفينة ".
قال في "النهاية": أي الحين بعد الحين، والساعة بعد الساعة، يقال: لقيته
стр. 395
فينةً، والفينة، وهو مما تعاقب عليه التعريفان، يقال العَلَمِيُّ واللاميُّ كشَعوب والشَّعوب، وسَحَر والسَّحَر.
٥٠١ - حديث: "كان رسول الله ﷺ يجمع بين صلاتي الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير ".
قال الكرماني: لفظ "ظهر" مقحم كما في الحديث: خير الصدقة ما كان عن ظهر غِنى، والظهر قد يزاد في مثله إشباعًا للكلام وتوكيدًا كأن مسيرة النبي ﷺ مستندًا إلى ظهر قوي من الراحلة ونحوها، وقال الخطابي في حديث خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، لفظ الظهر يزاد في مثل هذا إشباعًا للكلام.
٥٠٢ - حديث: "كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأك اثنتان: سرف أو مخيلة ".
قال الطيبي: "ما" للدوام، أي لك من المباحات ما شئت مدة تجاوز الخصلتين عنك.
٥٠٣ - حديث: "أنه ﷺ اتخذ خاتمًا فلبسه، فقال: شغلني هذا عنكم، منذ اليوم، إليه نظرةٌ وإليكم نظرةٌ، ثم ألقاه ".
قال الطيبي: إليه يتعلق بنظرة، والخبر محذوف أي له نظرة إليه، ولي نظرة إليكم، والجملتان مبينتان، لقوله "شغلني"، وقوله: "منذ اليوم" هو ظرف شغلني، مضاف إلى جملة حذف صدرها تقديره: منذ كان اليوم هكذا، هكذا قاله الدارقطني،
стр. 396
والمشهور أن "منذ" مبتدأ وما بعده خبره، لأن معنى قولك منذ يوم الجمعة، ومنذ يومان: أول المدّة يوم الجمعة، وجميع المدّة يومان، فعلى هذا الجملة مستأنفة على طريق السؤال والجواب.
٥٠٤ - حديث: "أنه قال في المعتكف، هو يعتكف الذنوب ".
قال الطيبي: الذنوب نصب على نزع الخافض، أي يحتبس عن الذنوب.
٥٠٥ - حديث: "اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رؤوسكم وإن لم تكونوا جنبًا ".
قال الكرماني: فإن قلت لِمَ لمْ يطابق بين خبر كان واسمها، قلت: يستوي في لفظ الجنب المفرد والمثنى والجمع، قال تعالى: (وإن كنتم جنبًا فاطّهروا) [المائدة: ٦] وقال الحافظ ابن حجر: معناه اغتسلوا يوم الجمعة إن كنتم جنبًا للجنابة، وإن لم تكونوا جنبًا للجمعة، وقوله: واغسلوا رؤوسكم: من عطف الخاص على العام للتنبيه على أن المطلوب الغسل التام يوم الجمعة لئلا يظن أنه إفاضة الماء دون خلّ الشعر مثلاً يجزئ في غسل يوم الجمعة. قوله: فأصيبوا من الطيب، قال الكرماني: من: للتبعيض قائم مقام المفعول، أي استعملوا بعض الطيب.
٥٠٦ - حديث: "ما العملُ في أيامٍ أفضلُ منها في هذه ".
قال الزركشي: العمل مبتدأ، وفي أيام متعلق به، وأفضل خبر المبتدأ ومنها متعلق بأفضل، والضمير عائد إلى العمل بتقدير الأعمال كقوله تعالى: (أو الطفل
стр. 397
الذين لم يظهروا على عورات النساء) [النور: ٣١]، قوله: ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه، قال الزركشي: فيه وجهان: أحدهما أن الاستثناء متصل: أي عمل رجل، لاستثناء من العمل، والثاني أنه منقطع، أي لكل رجل يخرج مخاطرًا بنفسه فلم يرجع بشيء أفضل من غيره. وقال ابن مالك في "توضيحه": في هذا الحديث إشكال من وجهين: أحدهما عود ضمير مؤنث في (منها) إلى العمل وهو مذكر، والثاني استثناء رجل من الجهاد وإبدال منه مع تباين جنسيهما، فأما الأول: فوجهه أن الألف واللام في العمل لاستغراق الجنس، فصار بهما فيه عموم مصحح لتأوله بجمع كغيره من أسماء الجنس المقرونة بالألف واللام الجنسية، ولذلك يستثنى منه: نحو: (إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا) [العصر: ١]، ويوصف بما يوصف به الجمع كقوله تعالى: (أو الطفل الذين لم يظهروا) [النور: ٣١]، وكقول بعض العرب: أهلك الناس الدرهم البيض والدينار الحمر، فلما جاز أن يوصف بما يوصف به الجمع، لما حدث فيه من العموم، كذلك يجوز أن يعاد إليه ضمير، كضمير الجمع، فيقال: الدينار بها هلك كثير من الناس لا به في تأويل الدنانير، وما العمل في أيام أفضل منها في هذه الأيام، لأنه في تأويل الأعمال، ويجوز أن يكون أنّث ضمير العمل لتأويله بحسنة كما أوّل الكتاب بصحيفة من قال: أتته كتابي، وأما الثاني فالوجه فيه أنه على تقدير: ولا الجهاد إلاّ جهاد رجل، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، والأصل: أوَلا الجهادُ؟، لأن قائل ذلك مستفهم لا مخبر، وظهور المعنى يسوّغ الهمزة، كما سوغه في قوله ﷺ : وإنْ زنى وإنْ سرق، فإن الأصل فيه أو إنْ زنى أو إنْ سرق؟ انتهى.
قوله في الرواية الأخرى: (ما من أيام العملُ الصالحُ فيهن أحبُّ إلى الله تعالى من هذه الأيام العشر)، قال الطيبي: العمل مبتدأ، وفيهن متعلق به، والخبر أحبّ،
стр. 398
والجملة خبر ما، ومن الأولى زائدة، والثانية متعلقة بأفضل.
٥٠٧ - حديث: "المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك ".
قال الطيبي: المسألة مصدر بمعنى السؤال، والمضاف محذوف ليصح الحمل أي أحب السؤال وطريقة رفع اليدين.
٥٠٨ - حديث: "خمس دعوات يستجاب لهن: دعوة المظلوم حتى ينتصر، ودعوة الحاج حتى يصدر، ودعوة المجاهد حتى يفرغ، ودعوة المريض حتى يصح ".
قال الطيبي: "حتى" في القرائن الأربع، بمعنى قولك سرت حتى مغيب الشمس، لأن ما بعدها غير داخل فيما قبلها، فدعوة المظلوم مستجابة إلى أن ينتصر، وكذا الباقي، فإن قلت هذا يوهم أن دعاء هؤلاء الأربع لا يستجاب بعد ذلك، وكذا دعاء الغائب إلى أن يحضر، قلت نعم، لكن الأسباب مختلفة فيكون سبب الإجابة حينئذ أمر آخر غير المذكور.
٥٠٩ - حديث: "أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت الذي لا تموت ".
قال الكرماني: يروى بلفظ الغائب وبلفظ الخطاب، فإن قلت: فما العائد للموصول؟ قلت: إذا كان المخاطب نفس المرجوع إليه، يحصل الارتباط، وكذلك
стр. 399
المتكلم نحو: أنا الذي سمتني أمي حيدره.
٥١٠ - حديث: "من أصبح مطيعًا لله في والديه، أصبح له بابان مفتوحان من الجنة ".
قال القرطبي: قوله: من الجنة: يجوز أن يكون صفة أخرى لقوله (بابان) وأن يكون حالاً من الضمير في (مفتوحان).
٥١١ - حديث: "إن الله خلق إسرافيل منذ يوم خلقه صافًّا قدميه ".
قال الطيبي: منذ: هنا حرف جر بمعنى في، وقال المظهري: صافًّا: حال من إسرافيل لا من ضميره المنصوب، ومنذ يوم: ظرف لـ "صافًّا" وليس بمعنى في، والمعنى أن الله خلق إسرافيل صافًّا قدمه من أول مدة خلقه، قال الدار الحديثي: اتفقوا على أن منذ ومذ إنما يدخلان أسماء الزمان، ثم قالوا: إنْ أريد ابتداء الزمان الماضي الذي انتهاؤه ما أنت فيه يكونان للابتداء، نحو ما رأيته منذ يومين أو مذ سنة كذا، أي انتفى الرؤية من ابتداء يومين أنا في آخرهما، وليس المعنى "في" وإن قال به بعض، لأن المفهوم منهما نفي الرؤية في مدة معينة أنت في آخرها، مقصودًا به ابتداؤها وانتهاؤها.
٥١٢ - حديث: "أُمِر النبي ﷺ أن يسجد على سبعة أعضاء ولا يكفت شعرًا ولا ثوبًا ".
قال الكرماني: فإن قلت قوله ولا يكفت أهو منصوب عطفًا على يسجد، أو
стр. 400
مرفوع؟ قلت: أكثر الروايات النصب فهو أيضًا مأمور به.
٥١٣ - حديث: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة ... ".
قال الكرماني: فإن قلت: ثبت في الدفاتر النحوية، أنه لا يجوز جعل حرف جر واحد بمعنى واحد صلة لفعل واحد مكررًا، وهنا قد جاءت مكررة، قلت: الثانية بدل من الأولى التي في حكم الطّرح، أو الأولى متعلق بنحو "حاصلاً"، أي أسجد على الجبهة حال كون السجود على سبعة أعضاء.
٥١٤ - حديث: "أنّه عقّ عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا ".
قال الطيبي: إذا لم يكن الفعل متعديًا، كان "كبشًا" منصوب بنزع الخافض والتكرير باعتبار الولدين، أي عقّ عن كل واحد بكبش.
٥١٥ - حديث: "لا هجرةَ ولكنْ جهادٌ ".
قال الطيبي: هو عطف على محل مدخول "لا".
стр. 401
٥١٦ - حديث: "أنا ممَّن قدم النبي ﷺ المزدلفة في ضَعَفَة أهله ".
قال ابن مالك في "توضيحه": جمع ضعيف على ضَعَفة غريب، ومثله خبيث على خَبَثَة.
٥١٧ - حديث: "إنك مقدم على أقوام أهل كتاب، فليكنْ أولَ ما تدعوهم إليه عبادةُ الله ".
قال الكرماني والزركشي: (أوّل) بالنصب خبر كان، و"عبادة الله" مرفوع اسمها.
قوله: فإن هم أطاعوا لك بذلك، قال الشيخ أكمل الدين في شرح المشارق: أصله فإن أطاعوا لك، أطاعوا لك، حذف الفعل الأول وجوبًا لوجود المفسّر، فصار الضمير المتصل منفصلاً، وعدّى أطاعوا باللام وإن كان متعديًا بنفسه لتضمنه معنى انقادوا لك.
قوله: فإياك وكرائم أموالهم، قال ابن قتيبة: منصوب بفعل مضمر لا يجوز إظهاره، ولا يجوز حذف الواو. قوله: واتّق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب، قال القرطبي: الرواية الصحيحة فإنه بضمير المذكر، على أن يكون ضمير الأمر والشأن ويحتمل أن يعود على مذكر الدعوة، فإنّ الدعوة دعاء، وروي (فإنها) بالتأنيث وهو عائد على لفظ الدعوة، وقال أكمل الدين: قوله: واتّق: معطوف على عامل إياك المحذوف وجوبًا، لأن تقديره: اتّق نفسك أن تتعرّض لكرائم أموالهم.
стр. 402
٥١٨ - حديث: "ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها ".
قال الزركشي: أن يرملوا: في موضع مفعول (يأمرهم) الأشواط: نصب على الظرف، و"كلها" تأكيد له، والتقدير: ولم يمنعه من أمرهم بالرمل، وقوله: إلا الإبقاء عليهم: بالرفع فاعل يمنعه، ويجوز النصب على أنه مفعول لأجله، ويكون في "يمنعه" ضمير عائد إلى النبي ﷺ ، هو فاعله.
٥١٩ - حديث: "العائدُ في هبته كالعائد في قيئه ".
قال الكرماني: فإن قلت: القياس أن يقال العائد إليها، قلت معناه العايد إلى الموهوب في هبته، كما يقال: تعاود القوم في الحرب وغيره، أي عاد كل فريق إلى صاحبه فيها، قال تعالى: (أو لتعودنَّ في ملتنا) [الأعراف: ٨٨] أي لتعودنّ إلينا في ملّتنا.
٥٢٠ - حديث: "قول أبي بكر: حسبُك كذاك مناشدتَك ربّك ".
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في "أماليه": ما نصب المناشدة هنا؟ إنْ قلت على المصدر لا يستقيم لك المعنى ويصير الكلام منسجمًا، قال: والجواب أنه انتصب على المفعول، وكذلك تستعمل في اللغة بمعنى دع وأنشدوا عليه:
تقول وقد تزاحمت المطايا ... كذاك القول إنَّ عليك عَيْنا
стр. 403
وهذا من المجاز الغالب لا بالوضع الأصلي، كما غلب على جملة (أرأيت) معنى أخبرني، كذلك غلب على "كذلك" معنى دع، وقال القاضي عياض والنووي: ضبطوا مناشدتك بالرفع والنصب وهو الأشهر، فمن رفعه جعله فاعلاً بحسبك، ومن نصبه فعلى المفعول بما في حسبك من معنى الفعل من اكْتَفِ. وقال ابن الأثير في النهاية: حديث: كذاك لا تدع علينا، أي حسبكم، وتقديره: دع فعلك وأمرك كذاك، والكاف الأولى والثانية زائدتان للتشبيه والخطاب، والاسم "ذا"، واستعملوا الكلمة كلها استعمال الاسم الواحد في غير هذا المعنى، يقال رجل كذاك، أي خسيس واشتر لي غلامًا، ولا تشتره كذاك: أي دنيئًا وقيل حقيقة "كذاك" أي: مثل ذاك، ومعناه الزم ما أنت عليه ولا تتجاوزه، والكاف الأولى منصوبة الموضع بالفعل المضمر، ومنه حديث أبي بكر يوم بدر: يا نبيّ الله كذاك، أي حسبك الدعاء، انتهى.
٥٢١ - حديث: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر ".
قال السهيلي: (ذكر) صفة لأولى لا لرجل.
٥٢٢ - حديث: "لا يخلون رجل بامرأة، ولا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم ".
قال الكرماني: هذا استثناء من الجملتين لا من الجملة الأخيرة، قال: وهذا الاستثناء منقطع، لأنه متى كان معها محرم لم تبق خلوة، فتقديره: لا يقعدنّ رجل مع امرأة إلا ومعهما محرم، فإن قلت الواو تقتضي معطوفًا عليه، قلت: الواو للحال، أي لا يخلون في حال إلا في مثل هذه الحال.
стр. 404
٥٢٣ - حديث: "لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدًا فتخلفه ".
قال الطيبي: قوله: فتخلفه، إن روي منصوبًا كان جوابًا للنهي على تقدير أن يكون سببًا عما قبله، وإنْ روي مرفوعًا كان المنهي الوعد المستعقب للإخلاف، أي لا تعده موعدًا فأنت تخلفه، على أنه جملة خبرية معطوفة على إنشائية.
٥٢٤ - حديث: "البقرة سبعةً ".
قال الطيبي: سبعة منصوب بتقدير، أعني بيانًا لضمير الجمع.
٥٢٥ - حديث: "من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سروايل المحرم ".
قال الكرماني: فإن قلت ما وجه وقوع المحرم هنا، قلت هو مرفوع فاعل (فليلبس)، وروي (المحرم) باللام الجارة التي للبيان، أي هذا الحكم للمحرم كاللام التي في وهبت لك.
٥٢٦ - حديث: "أن النبي ﷺ لما قدم مكة، استقبله أغيلمة بني هاشم ".
стр. 405
قال الخطابي: هو تصغير غلمة، وكان القياس غليمة، لكنهم ردّوه إلى أفعلة، فقالوا أغيلمة كما قالوا أصيبية في تصغير صبية، وقال الجوهري الغلام جمعه غلمة وتصغيرها أغيلمة على غير مُكَبَّرِه، وكأنهم صغّروا أغلمة وإن كانوا لم يقولوا.
٥٢٧ - حديث: "من سمع المناديَ فلم يمنعه من اتباعه عذرٌ - قالوا: وما العذر، قال: خوف أو مرض - لم تقبل منه الصلاة التي صلى ".
قال الأشرفي: لم تقبل خبر للمبتدأ، وهو قوله من سمع المنادي، وما توسط بينهما من السؤال والجواب اعتراض من الراوي.
٥٢٨ - حديث: "التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى ، ... ".
قال الكرماني: الضمير في التمسوها مهم، يفسره ليلة القدر، كقوله تعالى: (فقضاهن سبع سماوات) [فصلت: ١٢]، وهو تمييز ضمير الشأن، ومفسّره لا بد أن يكون جملة، وهذا مفرد، فإن قلت لم وصف العشر بلفظ الجمع وهو الأواخر. قلت: لعله أراد الأعشار كما يقال الدرهم البيض، أو أيام العشر الأواخر، فوصف به باعتبار الأيام، وقوله في تاسعة بدل من العشر وتبقى صفة لتاسعة.
وقال ابن مالك: هي ليلة إحدى وعشرين، وقوله في سابعة تبقى: هي ليلة ثلاث وعشرين، وفي خامسة تبقى: هي ليلة خمس وعشرين، على طريقة العرب في التاريخ إذا جاوزوا نصف الشهر، فإنّما يؤرخون بالباقي منه لا بالماضي.
стр. 406
٥٢٩ - حديث: "كان النبي ﷺ إذا نزل جبريل بالوحي، فكان مما يحرّك به لسانه وشفتيه، وفي لفظ كان يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرّك شفتيه ".
قال ثابت السرقسطي: المراد كان كثيرًا ما يفعل ذلك، قال وورودهما في هذا كثير، ومنه حديث الرؤيا: (كان مما يقول لأصحابه: من رأى منكم رؤيا) ومنه قول الشاعر:
وإنّا لمما نضرب الليث ضربة ... على وجهه تلقي اللسان من الفم
وقال غيره: إنّ "من" إذا وقع بعدها "ما"، كانت بمعنى ربّما، وهي تطلق على القليل والكثير، وفي كلام سيبويه مواضع من هذا، منها قوله: والحكم أنهم مما يحذفون كذا.
ومنه حديث البراء: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ مما يحب أن يكون عن يمينه، وقال ابن عصفور: من أقسام "ما" التي تتصل بمن الجارة فتصير بمعنى ربّ، نحو:
وإنا لمما نضرب الليث ضربة ...
وقال ابن هشام في "المغني": ذكر ابن الشجري أن ما الكافة تتصل بمن كقول أبي حيّة:
وإنّا لمما نضرب الليث ضربة ...
والظاهر أن ما مصدرية، وأن المعنى مثله في (خلق الإنسان من عجل) [الأنبياء: ٣٧].
стр. 407
وقوله: وضنت علينا والضنين من البخل
فجعل الإنسان والبخيل مخلوقين من العجل والبخل مبالغة.
٥٣٠ - حديث: "رأيت النار فلم أر كاليوم منظرًا، ورأيت أكثر أهلها النساءُ ".
سئل الإمام أبو محمد بن السيد البطليوسي عن هذا الحديث فأجاب: هذه بمنزلة قول العرب ما رأيت كاليوم رجلاً، وهو كلام فيه لبس وإشكال، ويفتح فيه للسائل سؤال، لأن الرجل والمنظر لا يصحّ تشبيههما باليوم، ولكنه خرج مخرج كلام العرب في محاوراتها، وجرى مجرى ما تستعمله العرب في مجازاتها، والنحويون يقولون: معناه ما رأيت كرجل أراه اليوم رجلاً، ولم أر كمنظر رأيته اليوم منظرًا، وتلخيصه ما رأيت كرجل اليوم رجلاً، ولم أر كمنظر اليوم منظرًا، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، بمنزلة قوله تعالى: (أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم) [الأعراف: ٦٣]، أي على لسان رجل، وقوله: (الحج أشهر معلومات) [البقرة: ١٩٧]، أي أشهر الحج، ولا بد من تقدير هذه المحذوفات لأن الذكر لم يجئ على الرجل وإنما جاء على لسانه، ولأن الحج ليس بالأشهر، جاز إضافة الرجل والمنظر إلى اليوم لوجودها فيه، كما يضاف الشيء إلى ما يلتبس به ويتّصل ونظيره قول جرير:
يا صاحبيَّ دنا الرحيلُ فسيرا ... لا كالعشية زائرًا ومزورا
стр. 408
أو في المنظر وجهان: أحدهما أن يريد المكان المنظور إليه، لأن المنظر يكون المكان ويكون مصدر نظر، كقوله:
نظرت فلم تنظر بعينك منظرا
أي نظرًا ينفعك.
والوجه الثاني: أن يريد بالمنظر الشيء المنظور إليه، فيكون من المصادر الموضوعة موضع المفعولات كقولهم: درهم ضرب الأمير، وثوب نسج اليمن، أما قوله: فرأيت أكثر أهلها النساء، قد تنازع في معناه قديمًا، ذهب قوم إلى أن الرؤية ههنا رؤية علم، واحتجّوا بأنها قد تعدّت إلى مفعولين، ورؤية العين إنما تتعدى إلى مفعول واحد. وأنكر ذلك أهل السنة، وقالوا إنما هي رؤية عين، قالوا: وسياق الكلام على ذلك، لأنه قال: ورأيت النار فلم أر كاليوم منظرًا، فعدّى الرؤية إلى مفعول واحد، وكان ذلك في صلاة الكسوف، وفي الحديث عندنا ثلاثة أوجه: أحدها أن تكون الرؤية لمعنى الظن، وذلك لائق بمعنى هذا الحديث جدًا، كأنه قال: أبصرت فظننت أكثر أهلها النساء لكثرة من رأيت فيها منهنّ، والعرب تستعمل الرؤية بمعنى الظن وبمعنى العلم، والثانية علمية كأنه قال: إنهم يظنونه بعيدًا ونعلمه قريبًا، قال تعالى: (إنهم يرونه بعيدًا ونراه قريبًا) [المعارج: ٦، ٧]. فالرؤية الأولى هي رؤية العين، كما ظن من أنكر ذلك من أصحابنا، ويكون المعنى أنه لما رأى النار بعينه، علم حينئذ وتحقق أن أكثر أهلها النساء، وهذا كالرجل تقع عينه على الشيء، فيكون بذلك سببًا لأن يعلم حقيقته، فهذا تأويل صحيح "بعيد" عما توهمه من ظنّ أنه إذا جعلها رؤية علم فقد وافق المعتزلة. والوجه الثالث: أن تكون رؤية عين ويجعلها، أي يجعل النساء بدلاً من أكثر، فيكون بمنزلة قول القائل: رأيت الرجل زيدًا، لأن البدل يحتاج المبدل منه، كاحتياج أحد المفعولين في باب العلم أي المفعول الثاني كأنه قال: فرأيت
стр. 409
النساء اللواتي من أكثر أهل النار ... انتهى.
وقال الأندلسي في "شرح المفصل": قد يفهم النفي من ألفاظ كثيرة في كلامهم: نحو: لله درّه فارسًا، ومررت برجل أي رجل، وسبحان الله، واعجبوا لزيد، وويل أمه رجلاً، ويا منه رجلاً، ولم أر كاليوم منظرًا، ويالك فارسًا، وغير ذلك، وفي رواية البخاري: فلم أر منظرًا كاليوم قطّ أفظع، قال الحافظ ابن حجر: أي لم أر منظرًا مثل منظر رأيته اليوم، فحذف المرئيّ وأدخل التشبيه على اليوم لبشاعة ما رأى فيه وبعده عن المنظر المألوف، وقيل الكاف هنا اسم، وتقديره ما رأيت مثل منظر هذا اليوم منظرًا، ومنظر تمييز. وقال الزركشي: روي برفع أفظع ونصبه، وجوّز الخطابي وجهين: أن يكون بمعنى فظيع كأكبر كبير، وأن يكون أفعل التفضيل على بابه، أي منه ثم حذف.
٥٣١ - حديث: "أُرِيت النار، أكثر أهلها النساء يكفرن ... ".
قال الكرماني: أريتُ بضم الهمزة وضم التاء، وهو بمعنى التبصر، والضمير هو القائم مقام المفعول الأول، والنار التي أكثرها النساء هو المفعول الثاني، والموصول بصلته صفة لازمة للنار، لا صفة محضة، إذ ليس المراد تخصيص نار بهنّ، و"يكفرن" استئناف كلام، كأنه جواب سؤال سائل، لم يا رسول الله، وفي بعض الروايات: أريت النار فرأيت أكثر أهلها النساء بزيادة (فرأيت) وفي بعضها رأيت النار أكثر أهلها النساء بدون فرأيت، وهو بفتح أكثر والنساء، فيكون أكثر بدلاً من النار، والنساء هو المفعول الثالث، وأرأيت بمعنى أعلمت بضمها، فيكون أكثر مبتدأ والنساء خبره، والجملة الاسمية حال بدون الواو، نحو قوله تعالى: (اهبطوا بعضكم لبعض عدو) [البقرة: ١٣٦]. وفي بعضها "بكفرهن" والباء للسببية وهي متعلقة بأكثر أو بفعل الرؤية
стр. 410
المقيدة، قال وقوله: قيل: أيكفرن بالله، قال: يكفرن العشير لم يعدّ كفر العشير بالباء، كما عدّى الكفر به لأنه ليس لمتضمّن المعنى الاعتراف بخلافه.
وقوله: ويكفرن الإحسانَ، كأنه بيان لقوله: يكفرن العشير، إذ المراد كفران إحسان العشير لا كفران ذاته، واللام في العشير إما للعهد وإما للجنس وإما للاستغراق. قال وقوله: إن أحسنت، وفي بعضها: لو أحسنت، فإن قلت "لو" لامتناع الشيء لامتناع غيره، فكيف صح هنا هذا المعنى، قلت: هو بمعنى إنْ، أي لمجرد الشرطية، ومثله كثير، ويحتمل أن يكون من قبيل: "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه"، بأن يكون الحكم ثابتًا على النقيض والطرف المسكوت عنه أولى من المذكور. والدهر منصوب على الظرفية، وهو بمعنى الأبد، والمراد عمر الرجل أي مدّة عمره، ويحتمل أيضًا مدة بقاء الدهر مطلقًا على سبيل الفرض مبالغة في كفرهن وسوء مزاجهنّ.
٥٣٢ - حديث: "كأني به أسود أفحجَ يقلعُها حجرًا حجرًا ".
قال الكرماني: كأني به أي ملتبسين به، والضمير للبيت، و"أسود" مبتدأ ويقلعها: خبر، والجملة حال بدون الواو، والضمير لقالع البيت، وسياق الكلام يدلّ عليه، وأسود خبر مبتدأ محذوف، وروى أسود منصوبًا على الذم والاختصاص، فإن قلت شرط النصب على الاختصاص أن لا يكون نكرة، قلت: قال الزمخشري: في قوله تعالى: (قائمًا بالقسط) [آل عمران: ١٨] إنه منصوب على الاختصاص، وهو عبارة عن "الأسود" فهو مجرور، وجاز إبدال المظهر من المضمر الغائب، نحو ضربته زيدًا، انتهى.
وقال الطيبي: حكى التوربشتي أنهما حالان من خبر كان، وإن لم يكن فهو مشبه به، وإذا قيّد منصوبه أو مرفوعه بالحال كان تقييدًا باعتبار معناه الذي أشبه الفعل، قال
стр. 411
الطيبي: وفيه نظر لأنهما إذا كانا حالين من خبر كان وذو الحال إما المستقر المرفوع أو المجرور، ولا يجوز الأول لأن المعنى يأباه كل الإباء، فتعيّن الحمل على الثاني، فالعامل هو متعلق الخبر.
وقال المظهري: هما بدلان من الضمير المجرور، وفتحا لأنهما غير منصرفين، وعلى التقدير يلزم إضمار قبل الذكر، والأولى أن يقال إنه ضمير مبهم تفسيره ما بعده على أنهما كقوله تعالى: (فقضاهن سبع سماوات) [فصلت: ١٢] وهو تمييز.
وقال الشيخ ولي الدين السبكي في كتابه: (نيل العلا في العطف بلا): قد استعملت في كلامي: وكأني بك، لأن الناس يستعملونه، ولا أدري هل جاء في كلام العرب أم لا، إلا أن في الحديث: "كأني به" فإن صح فهو دليل الجواز، وفي كلام بعض النحاة ما يقتضي منعه، وقال أبو علي الفارسي في "القصيريات" في قولهم: كأنك بالدنيا، ولم تكن: إن الكاف للخطاب والباء زائدة، والمعنى كأن الدنيا لم تكن، وكذلك صنع في كأني بكذا لم يكن، انتهى ما ذكره السبكي.
وقد ألف الإمام جمال الدين بن هشام في إعراب هذا الحديث رسالة وها أنا أسوقها هنا للاستفادة، قال:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله حمدًا يوافي نعمه، ويكافئ مزيده، اختلف في: (كأنّك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل) في مواضع، أحدها: في تعيين دليله. والثاني: في معنى كأنّ. والثالث: في توجيه الإعراب، فأمّا قائله فاختلف فيه على قولين: أحدهما: أنه ﷺ ، والثاني: أنه الحسن البصري، وقد خبر بهذا جماعة منهم الشيخ أبو عبد الله محمد بن عمرون الحلس في "شرح المفصل"، وأبو حيان في "شرح التسهيل".
وأما معنى كأنّ، فاختلف فيه أيضًا على قولين، أحدهما للكوفيين: زعموا أنها
стр. 412
حرف تقريب، وليس فيها معنى التشبيه إذ المعنى على تقريب زوال الدنيا، وتقريب وجود الآخرة، وجعلوا من ذلك كأنك بالشتاء مقبل، وكأنك بالفرج آت، وهذا يستعمله الناس في محاوراتهم، ويقصدونه كثيرًا ويقولون كأنك بفلان قد جاء، والثاني للبصريين: زعموا أنها حرف تشبيه مثلها في: كأن زيدًا أسد، ولم يثبت مجيئها للتقريب أصلاً، والمعنى كأنّ حالتك في الدنيا حالة لم تكن فيها، وكأنّ حالتك في الدنيا حال من لم يزل بها، فالمشبّه والمشبه به الحالتان لا الشخص، والفعل الذي هو الجنس، وإيضاح هذا أنّ الدنيا لما كانت إلى اضمحلال وزوال، وكان وجود الشخص بها كلا وجود، وأن الآخرة لما كانت إلى بقاء ودوام، كان الشخص كأنه لم يزل فيها، ولا شكّ أن المعنى المشهور لكأنّ هو التشبيه، فمهما أمكن الحمل عليه لا ينبغي العدول عنه، وقد أمكن على وجه ظاهر فابتغى المصير إليه.
وأما توجيه الإعراب، وهو الذي يسأل عنه، فاضطربت أقوال النحويين اضطرابًا كثيرًا، والذي يحضرني الآن من ذلك أقوال: أحدها للإمام أبي علي الفارسي، زعم أن الأصل كأنّ الدنيا لم تكن، والآخرة لم تزل، ثم جيء بالكاف حرفًا لمجرد الخطاب لا موضع لها من الإعراب، كما أنها مع اسم الإشارة كذلك، وكذلك هي في قول: أبصرك زيدًا، أي: أبصر زيدًا فالكاف حرف لا مفعول، لأن أبصر إنما يتعدى إلى واحد، وجيء بالياء زائدة في اسم كأن، كما زيدت في أصل المبتدأ، وهذا القول اشتمل أمرين مخالفين للظاهر، وهما: إخراج الكاف عن الاسمية إلى الحرفية، وإخراج الباء عن التعدية إلى الزيادة.
والقول الثاني لأبي الحسن بن عصفور، وهو قول قبسه من قول الفارسي زعم أن الكاف حرف خطاب، اتصلت بكأن فأبطلت إعمالها وأزالت اختصاصها، ولهذا أدخلت على الجملة الفعلية، والباء في بالدنيا وبالآخرة زائدة، كما زيدت في المبتدأ الذي لم يدخل عليه كأنّ، وقد مثلنا، والذي حمله على زعمه زوال إعمالها وأنه لم تثبت زيادة الباء في اسم كأنّ، ويثبت زيادتها في المبتدأ، وقد اشتمل قوله على أربعة
стр. 413
أقوال منها: الأمران اللذان استلزمهما إلغاء كأنّ وقد شرحناهما، ومنها دعواه إلغاء كأنّ، ولم يثبت ذلك إلا إذا اقترنت بما الزائدة، كما في قوله تعالى: (كأنما يساقون) [الأنفال: ٦] ودعواه أن الباء حرف تكلم، كما أن الكاف حرف خطاب، وهو لم يصرح بهذا ولكنه يلزمه لأنه لا يمكنه أن يدعي أنه اسمها لأنه قد ادّعى إلغاءها، ولا يمكنه أن يدّعي أنه مبتدأ لأمرين: أحدها: أن الياء ليست من ضمائر الرفع، وإنما هي من ضمائر النصب والجر كما في قولك: أكرمني غلامي، والثاني: أنها لو كانت مبتدأ لكان ما بعدها خبرًا لها، ولو قيل مكان: كأني بك تفعل، أنا تفعل، لم ترتبط الجملة بالضمير، وقد استقر أن الجملة المخبر لها لا بد لها من رابط يربطها، ومنها أنه صرح بأنها قد دخلت على الجملة الفعلية في قولهم: كأني بك تفعل، فلما دخلت الباء على الضمير المرفوع انقلبت ضمير جر، ويدعي أن الباء متعلقة بتفعل، فإن ادّعى الأول فالجملة اسمية لا فعلية وبطل قوله إنها دخلت على الجملة الفعلية وإن ادّعى الثاني فلا يجوز في العربية أن تقول: عجبت مني ولا عجبت منك، ولا يكون الفاعل ضميرًا متصلاً بالفعل، والمفعول ضميرًا عائدًا إلى ما عاد إليه ضمير الفاعل، وقد تعدى إليه الفعل بالجر، ولهذا زعم أبو الحسين في قوله:
هون عليك فإن الأمور ... بكف الإله مقاديرُها
أن "على" اسم منصوب بهوّن، لا حرف متعلق بهوّن، لأن الكاف على التقدير الأول مخفوضة بإضافة على ولا عمل فيها البتّة، وعلى التقدير الثاني منصوبة الموضع بالفعل، ولا يجوز تعدي فعل المضمر المتصل إلى ضميره المتصل، وينبغي له أن يقول بذلك مثل قوله تعالى: (أمسك عليك زوجك) [الأحزاب: ٣٧] وفي هذا الموضع مباحث
стр. 414
ليس هذا موضعها لأن فيها خروجًا عن المقصود.
والقول الثالث لجماعة من النحويين أن الكاف اسم كأن (ولم يكن) الخبر، والباء ظرفية متعلقة بيكن إن قدّرت تامة، وبمحذوف هو الخبر إن قدّرت ناقصة، وعلى هذا القول فالتاء في تكن للخطاب لا للتأنيث، وضميرها للمخاطب لا للدنيا، وكذا البحث في لم تزل، وعلى القولين الأولين الأمر بالعكس، التاء للتأنيث والضميران للدنيا والآخرة، وهذا القول خير من القولين قبله، والمعنى كأنك لم تكن في الدنيا وكأنك لم تزل في الآخرة.
والقول الرابع لابن عمرون: إن الكاف اسم كأن، وبالدنيا وبالآخرة خبران، وكل من جملتي لم تكن ولم تزل في موضع نصب على الحال، وإنما تمت الفائدة بهذا الحال، والفضلات كثيرًا ما يتوقف عليها المعنى المراد من الكلام، كقولهم ما زلت بزيد حتى فعل ذلك في الحال، وكقوله تعالى: (فما لهم عن التذكرة معرضين) [المدثر: ٤٩] فما: مبتدأ، ولهم: الخبر والتقدير: أي شيء يستقر لهم، ومعرضين حال من الضمير المجرور باللام ولا يستغني الكلام عنه، لأن الاستفهام في المعنى عنه لا عن غيره، وخطر لي وجه ظننت أنه أجود الأقوال وهو أن الكاف اسم كأن، ولم تكن الخبر، وبالدنيا في موضع الحال من اسم كأنّ، والعامل في الحال العامل في صاحبها وهو كأن، كما عملت في رطبًا ويابسًا من قوله:
كأنّ قلوبَ الطير رطبًا ويابسًا ... لدى وكرها العُنَّابُ والحشف البالي
المعنى كأنك في حالة كونك في الدنيا لم تكن: أي بها، وكأنك في حالة كونك في الآخرة لم تزل: أي بها، وهذا عكس قول ابن عمرون، فإن قلت يدل على صحة ما قاله من أن الجملة لم يكن ولم يزل حالية أنه قد روي كأنك بالدنيا ولم تكن،
стр. 415
وبالآخرة ولم تزل، والجملة الحالية تقترن بالواو، بخلاف الجملة الخبرية، وما في كأنك بالشمس وقد طلعت، قلت إن سلم ثبوت الرواية فالواو زائدة، كما قال الكوفيون في قوله تعالى: (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد) [الحج: ٢٥] يصدون: هو الخبر والواو زائدة، وكما قال أبو الحسن في قوله تعالى: (ولما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى) أي وجاءته البشرى جواب لما، والواو زائدة وفي قوله تعالى: (حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها) أن فتحت جواب إذا والواو زائدة، إلى غير ذلك، وأما (كأنك بالشمس وقد طلعت) فلا نسلم ثبوته وهو مشكل على قولي وقوله، إذ لا يصح على قوله أن تكون الشمس خبرًا عن اسم كأنّ والتقدير: كأنك مستقر بالشمس، لا يصح على قولي أن تكون "قد طلعت" خبرًا عن اسم كان لعدم الضمير، فإذا كان لا يخرج على قولي ولا على قوله، فما وجه إيراده على ما قلته، فإن قلت فلم عدلت عما قاله من أن الظرف خبر والجملة حال إلى عكس ذلك، قلت لوجهين: أحدهما: أن على ما قلته يكون الخبر محط فائدة، وعلى ما قاله يكون محط الفائدة الحال كما تقدم شرحه، ولا شك أن كون الخبر محط الفائدة أولى. والثاني: أن العرب قالت: كأنك بالشتاء مقبل وكأنك بالفرج آت، فلفظوا بالمفرد الحال محل الجملة مرفوعًا لا منصوبًا، نعم قول ابن عمرون متجه في قول الحريري: كأني بك تنحط إلى القبر وتنفط، فهذا لا ينبغي أن يعدل فيه عن تخريجه، فيكون الظرف خبرًا وينحط حالاً عن ياء المتكلم لعدم الرابط، على أن المطرزي خرجه على أن الأصل: كأني أبصرك، ثم حذف الفعل لدلالة المعنى عليه، فانفصل الضمير وزيدت الباء في المفعول، ولا شك أن فيه تكلفًا من وجهين: إضمار الفعل وزيادة الباء مع إمكان الاستغناء عن ذلك، ثم يكون قوله: "تنحط" حالاً من الكاف لا خبرًا والفائدة متوقفة عليه، إذ لو صرح بالمحذوف فقيل كأني أبصرك لم يتم المراد، فما قاله ابن عمرون أولى لسلامته من هذا التكلف،
стр. 416
ولا يلزم من نفي قول ابن عمرون في هذا الموضع أنه يحمل عليه: كأنك بالدنيا لم تكن، لأن ذاك تركيب آخر مغاير لهذا التركيب، ومثل قول الحريري قولهم: كأني بك تفعل كذا، انتهى ما أورده ابن هشام.
٥٣٣ - حديث: "خطبنا ابن عباس في يوم زرع ".
قال الكرماني: فإن قلت: اليوم أهو بالإضافة إلى الزرع، أو بالتنوين على أنه موصوف، قلت: الإضافة ظاهرة، ويحتمل الوصف بأن يكون معناه يوم ذي زرع، أو يقال الزرع صفة مشبهة كصلاة في قوله: قل الصلاة في الرحال، قال الكرماني: بالنصب أي صلوا الصلاة وأدوها في الرحال، وبالرفع أي الصلاة رخصة في الرحال.
قوله: كرهت أن أؤثمكم فتجيئون تدوسون الطين، قال الزركشي: كذا بالرفع، ثبات النون وهو تقدير مبتدأ، أي فأنتم تجيئون، ويجوز أن يكون معطوفًا على "أؤثمكم"، ونصبه على لغة من يرفع الفعل بعد أن حملا على "ما" أختها، كقراءة مجاهد: (لمن أراد أن يتم الرضاعة) [البقرة: ٢٣٣] بضم الميم، وفي لفظ: كرهت أن أخرجكم فتمشون في الطين، قال ابن مالك: على تقدير فأنتم تمشون، ويجوز أن يكون معطوفًا على "أن أخرجكم" وترك نصبه على لغة من يرفع الفعل بعد أن حملا على ما أختها فيكون الجمع بين اللغتين في كلام واحد، بمنزلة قولك: ما زيد قائمًا ولا عمرو منطلق، فيجتمع في كلام واحد بين اللغتين: الحجازية واللغة التميمية، ومثله قول سعد: لقد اصطلح أهل اليمن على أن يتوجوه فيعصبونه، والكلام على (فيعصبونه) كالكلام على فتشمون.
стр. 417
٥٣٤ - حديث: "صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة ".
قال الكرماني: أي في ليلة ولفظ ذات: مقحم، وقال الزمخشري: هو من باب إضافة المسمى إلى اسمه، وقال الطيبي: "ذات يوم" ظرف بمعنى الاستقرار في الخبر، وذات يجوز أن يكون صلة، وذات يوم يفيد من التوكيد ما لا يفيده لو لم يذكر لئلا يوهم التجوز أي مطلق الزمان، نحو قولك: رأيت نفس زيد، وقولك رأيت زيدًا نفسه، فذات من ظروف الزمان التي لا تتمكن، تقول: لقيته ذات ليلة وذات غداة وذات عشاء وذات مرة، وحمل التأنيث فيها على الحالة، انتهى. وفي حديث إبراهيم: ثنتين منهن في ذات الله، قال الزركشي أي في الله وكذا قول خبيب:
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يباركْ على أوصال شلو ممزَّعِ
٥٣٥ - حديث: "أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريط بن سحماء فقال النبي ﷺ البينة أو حدًّا في ظهرك ".
قال الزركشي والكرماني: بنصب البينة على إضمار فعل أحضر البينة، ويروى برفعهما. وقال التوربشتي: أي أقم البينة وقوله: أو حدًّا، وفي رواية وإلاّ حدّ، والتقدير إن لم تقم البينة فيثبت حدّ في ظهرك، وقال ابن مالك: تضمن هذا الحديث حذف فعل ناصب البينة وحذف فعل الشرط بعد (إنْ لا)، وحذف الجواب والمبتدأ معًا، والأصل أحضر البينة وإن لا تحضرها فجزاؤك حدّ في ظهرك. والنحويون لا يعترفون
стр. 418
بمثل هذا الحذف في غير الشعر، أعني حذف فاء الجواب إذا كان جملة اسمية أو طلبية وقد ثبت في ذلك هذا الحديث فبطل تخصيصه بالشعر لكن الشعر به أولى، وقال الكرماني: فإن قلت ما معنى "في"؟ قلت: هو كقوله تعالى: (ولأصلبنكم في جذوع النخل) [طه: ٧١] أي حيث أنها بمعنى كلمة الاستعلاء.
٥٣٦ - حديث: "لينتهينَّ أقوامٌ عن وَدْعِهم الجماعات ".
قال عياض والقرطبي: ثم زعمت النحاة أن العرب أماتوا مصدر "ودع" وماضيه، والنبي ﷺ أفصح، قال القرطبي وقد قرأ ابن أبي عبيدة: (ما ودعك ربك) [الضحى: ٣] مخفّفًا أي ما تركك، والأكثر في الكلام ما أثر عن النحويين، انتهى، وقال القاضي عياض في موضع آخر: النحاة ينكرون أن يأتي منه ماض أو مصدر، قالوا وإنما جاء منه المستقبل والأمر لا غير، وقد جاء الماضي في قوله: "وكان ما قدموا لأنفسهم أكثر نفعًا من الذي وَدَعوا"، وقوله:
ليت شعري عن خليلي ما الذي ... غاله في الحبّ حتى ودعه
وقال ابن الأثير في "النهاية": النحاة يقولون إن العرب أماتوا ماضي "يدع" ومصدره واستغنوا عنه بترك، والنبي ﷺ أفصح، وإنما يحمل قولهم على قلة استعماله، فهو شاذ في الاستعمال صحيح في القياس، وقال التوربشتي: لا عبرة فيما
стр. 419
قاله النحاة، فإن قول النبي ﷺ هو الحجة القاضية على كل ذي فصاحة.
٥٣٧ - حديث: "دية أصابع اليدين والرجلين سواء عشرة من الإبل لكل أصبع ".
قال أبو البقاء: وقع في هذه الرواية عشرة بالتاء وهو خطأ، والصواب عشر لأن الإبل مؤنثة، والتاء لا تثبت في العدد مع المؤنث.
٥٣٨ - حديث: "إلا أن الله أعانني عليه فأسلم ".
قال أبو البقاء: يروى بالفتح على أنه فعل ماض، قال فأسلم شيطاني أي: انقاد لأمر الله، ويروى بالرفع أي: فأنا أسلم منه، وهو فعل مستقبل ويحكى به الحال.
٥٣٩ - حديث: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتبْ، قال ما أكتبُ؟ قال: اكتب القدر ".
سئل أبو محمد بن السيد البطليوسي: هذا الحديث، وهل القلم فيه مرفوع أم منصوب فأجاب: الوجه فيه الرفع، وما أعلم أحدًا رواه منصوبًا، وقد رأيت قومًا ينصبونه ويجعلونه مفعولاً بخلق، وذلك خطأ لأن المراد بالأحاديث الواردة في القلم ... فمن ذلك حديث القطان، عن سفيان الثوري، عن هشام، عن مجاهد قال: ذكرت لابن عباس قومًا يقولون بالقدر فقال: إن الله تعالى كان عرشه على الماء قبل أن يخلق سماء، ثم خلق، فكان أول شيء خلقه القلم، فإنها يجري الناس على أمر مفروغ
стр. 420
معه، ومن ذلك حديث أبي الضحى في تفسير قوله تعالى: (ن والقلم وما يسطرون) [القلم: ١] قال أول شيء خلق الله القلم، فقال له اكتب، فقال وما أكتبُ، قال القدر، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، فقد صرح في هذين الحديثين بأن القلم أول مخلوق وأن الغرض من ذلك تقديمه على سائر المخلوقات، ولا يسوغ في هذين الحديثين أن يجعل القلم مفعولاً، كما توهم المتوهم في الحديث المذكور فينبغي أن يرفع فيكون خبر إنّ وتستقيم الأحاديث، فإن قال قائل: من أين زعمت أن من نصب القلم واعتقد أنه مفعول بخلق، لزم على قوله أن يضم اسم أنّ وهو الضمير الذي يسميه الكوفيون المجهول، ووجب أن يكون ظرفًا لا منصوبًا، ويلزم على قوله أن تسقط الفاء من قوله تعالى: "فقال له اكتب" كأنه قال: أول ما خلق الله القلم قال له اكتب، فيفسر الحديث من وجهين:
أحدهما: دخول الفاء في قوله: فقال له اكتب، لأنه لا مدخل للفاء ههنا على مذهب.
والثاني: أنه لا يكون في الحديث إخبار بأن القلم أول المخلوقات، وإنما فيه إخبار بأن الله تعالى قال له اكتب حين خلقه، فيصير الحديث فاسد الإعراب لسائر الأحاديث الواردة في القلم، ولا يصح نصب القلم في هذا الحديث إن ثبتت به رواية مصححة، إلا على أن تنصب خبر إنّ وأخواتها، وهي لغة بعض العرب، يقولون: إن زيدًا قائمًا، وليت عمرًا مقبلاً، وعلى هذه اللغة جاء قول الشاعر:
إذا اسودَّ جنح الليل فلتأت ولتكن ... خطاك خفافًا إنَّ حراسَنا أُسْدا
فإن صحت روايته بنصب القلم فينبغي أن تحمل على هذه اللغة، وأما على أنه مفعول بخلق ففاسد في المعنى والإعراب، انتهى.
стр. 421
وقال زين العرب في "شرح المصابيح": القلم مرفوع، وإن صحّت رواية النصب كان على لغة من ينصب خبر إنّ، ذكرها ابن السيد وعلى أنه خبر "كان" مقدّرة، أي أول ما خلق الله كان القلم، وهو رأي الكسائي، نقله عنهما ابن مالك ومفعول خلق ضمير محذوف، والقدر نصب بفعل مقدّر دل عليه ما قبله، انتهى.
وقال الطيبي زاد على ابن السيد، لو صحت الرواية بالنصب لم تمنع الفاء من تنزيل الحديث على ذلك المعنى، وذلك أن يقدر قبل فقال (أمره بالكتابة) فقال اكتب، فيكون هو العامل في الظرف والجملة مفسرة للضمير.
٥٤٠ - حديث: "خمس كلهن فاسقة ".
قال أبو البقاء: كذا وقع في هذه الرواية بالتاء، ووجهه أنه محمول على المعنى، لأن المعنى كل منهن فاسقة الحية والعقرب، ويجوز أن يكون ألحق التاء للمبالغة، كقولهم رجل نسّابة وراوية وخليفة، ولو حمل على اللفظ لقال كلهن فاسق كما قال تعالى: (وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا) [مريم: ٩٥].
٥٤١ - حديث غسل النبي ﷺ : "نشدتك الله وحظّنا من رسول الله ".
قال أبو البقاء: في هذه الرواية: "وحظنا" بالواو والأشبه أن يكون منصوبًا، ويكون التقدير: وأعطنا حظّنا ونحو ذلك، وهو كقولهم رأسَك والجدارَ.
стр. 422
٥٤٢ - حديث: "صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف بذي قرد صفًّا خلفَه ".
قال أبو البقاء: صفًا بالنصب على تقدير جعل صفًّا، فيكون مفعولاً به ويجوز أن يكون حالاً، والتقدير صفّهم صفًّا خلفه.
٥٤٣ - حديث: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله ".
قال الأندلسي في "شرح المفصل": حمل الشافعي هذا على حذف الواو العاطفة وهي مرادة في المعنى، كقول الشاعر:
فأصبحن ينشرن آذانهن ... في الطرح طرفًا شمالاً يمينا
أراد شمالاً ويمينًا، وروى أبو زيد: أكلت سمكًا لحمًا تمرًا، وقال البيضاوي: رواية ابن مسعود: التحياتُ لله والصلواتُ الطيباتُ بحرف العطف، فيحتمل أن يكونا معطوفين على التحيات، وأن يكون التحيات مبتدأ وخبره محذوف، يدل عليه عليك والطيبات معطوف عليها، والواو الأولى لعطف الجملة على الجملة، والثانية لعطف المفرد على المفرد. وفي حديث ابن عباس لم يذكر العاطف أصلاً وزاد المباركات وأخر فيه، فتكون صفات، قال: واختاره الشافعي لأنه أفقه.
قوله: السلام عليك أيها النبي، قال الطيبي: التعريف إما للعهد والتقدير: أي ذلك السلام الذي وجه إلى الأنبياء المتقدمة موجّه إليك أيها النبي، والسلام الذي وجه إلى الأمم السالفة من الصلحاء علينا وعلى إخواننا، وإما للجنس: أي حقيقة السلام الذي يعرفه كل أحد، أنه ما هو وعمّن يصدر وعلى من ينزل عليك وعلينا، وإما للعهد الخارجي إشارة إلى قوله تعالى: (وسلام على عباده الذين اصطفى) [النمل: ٥٩] قال: وأما
стр. 423
رواية سلام عليك بالتنكير فالأصل سلمت سلامًا عليك، ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء، للدلالة على ثبوت المعنى واستقراره.
٥٤٤ - حديث: "أمّني جبريل عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس ".
قال الشيخ ولي الدين العراقي، تقديره: فصلى بي الظهر، قال ويحتمل أن يكون الظهر منصوبًا على الظرف، ويكون المراد به الوقت المخصوص لا الصلاة المعروفة ولا يكون فيه مضاف محذوف، ويكون قوله حين زالت الشمس بدلاً منه، والأول أقرب إلى الفهم، قال: وقوله: صلى به الفجر فأسفر، الظاهر عود الضمير إلى جبريل، ومعنى أسفر دخل في السفر بفتح السين والفاء، وهو بياض النهار ويحتمل عود الضمير إلى الصبح أي أسفر الصبح في وقت صلاته، أو على الموضع أي أسفر الموضع في وقت صلاته، ويوافقه رواية الترمذي ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض، انتهى.
٥٤٥ - حديث: "نُعِيَتْ إليَّ نفسي ".
قال الطيبي: ضمن النعي معنى الانتهاء وعدّى بإلى أي: أنهى إليّ نعي نفسي كما نقول: أحمد إليك فلانًا.
стр. 424
٥٤٦ - حديث: "ألم ألقاكم على تلك الحال ".
قال أبو البقاء: بألف في هذه الرواية، والصواب ألم ألقَكم، بغير ألف مجزومًا بلم.
٥٤٧ - حديث: "قام رسول الله ﷺ يومًا يصلي فخطر خطرة ".
قال أبو البقاء: كذا في هذه الرواية، والأشبه أن الأصل فخطرت له خطرة إلاّ أن حذف التاء سهّل لأن التأنيث غير حقيقي.
٥٤٨ - حديث: "وأنا أخشى أن يكون بي جُنُنٌ ".
قال أبو البقاء: أصله جنون بالواو فحذفت تخفيفًا لدلالة الضمة عليها، قال الشاعر يصف ناقة:
مثل النعامة كانت وهي سالمةٌ ... أذناء ختى زهاها الحين والجنن
وأذناء: ذات أذن، وزهاها: استخفّها.
٥٤٩ - حديث: "من فارق الجماعة شبرًا فمات إلاّ مات ميتةً جاهلية ".
стр. 425
قال الكرماني: إلا مات: مستثنى من الاستفهام الإنكاري، أي ما فارق أحد الجماعة وما قعد، قال ابن مالك: جاز ذلك كقول الشاعر:
فوالله ما نلتم وما نيل منكم ... بمعتدلٍ وفقٍ ولا متقارب
وإلاّ زائدة، قال الأصمعي: تقع إلاّ زائدة كقوله:
حراجيجُ ما تنفكُّ إلا مناخة ... على الخسف أو نرمي بها بلدًا قفرا
و"ميتة" بالكسر للحالة والهيئة.
تم الجزء الأول من كتاب عقود الزبرجد، ويليه إن شاء الله الجزء الثاني وأوله حديث خير نساء ركبن الإبل ...
следующие страницы →