← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14299

عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد - ت القضاة

الجلال السيوطي

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وقال زين العرب في "شرح المصابيح": القلم مرفوع، وإن صحّت رواية النصب كان على لغة من ينصب خبر إنّ، ذكرها ابن السيد وعلى أنه خبر "كان" مقدّرة، أي أول ما خلق الله كان القلم، وهو رأي الكسائي، نقله عنهما ابن مالك ومفعول خلق ضمير محذوف، والقدر نصب بفعل مقدّر دل عليه ما قبله، انتهى. وقال الطيبي زاد على ابن السيد، لو صحت الرواية بالنصب لم تمنع الفاء من تنزيل الحديث على ذلك المعنى، وذلك أن يقدر قبل فقال (أمره بالكتابة) فقال اكتب، فيكون هو العامل في الظرف والجملة مفسرة للضمير. ٥٤٠ - حديث: "خمس كلهن فاسقة ". قال أبو البقاء: كذا وقع في هذه الرواية بالتاء، ووجهه أنه محمول على المعنى، لأن المعنى كل منهن فاسقة الحية والعقرب، ويجوز أن يكون ألحق التاء للمبالغة، كقولهم رجل نسّابة وراوية وخليفة، ولو حمل على اللفظ لقال كلهن فاسق كما قال تعالى: (وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا) [مريم: ٩٥]. ٥٤١ - حديث غسل النبي ﷺ : "نشدتك الله وحظّنا من رسول الله ". قال أبو البقاء: في هذه الرواية: "وحظنا" بالواو والأشبه أن يكون منصوبًا، ويكون التقدير: وأعطنا حظّنا ونحو ذلك، وهو كقولهم رأسَك والجدارَ.

стр. 422

٥٤٢ - حديث: "صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف بذي قرد صفًّا خلفَه ". قال أبو البقاء: صفًا بالنصب على تقدير جعل صفًّا، فيكون مفعولاً به ويجوز أن يكون حالاً، والتقدير صفّهم صفًّا خلفه. ٥٤٣ - حديث: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله ". قال الأندلسي في "شرح المفصل": حمل الشافعي هذا على حذف الواو العاطفة وهي مرادة في المعنى، كقول الشاعر: فأصبحن ينشرن آذانهن ... في الطرح طرفًا شمالاً يمينا أراد شمالاً ويمينًا، وروى أبو زيد: أكلت سمكًا لحمًا تمرًا، وقال البيضاوي: رواية ابن مسعود: التحياتُ لله والصلواتُ الطيباتُ بحرف العطف، فيحتمل أن يكونا معطوفين على التحيات، وأن يكون التحيات مبتدأ وخبره محذوف، يدل عليه عليك والطيبات معطوف عليها، والواو الأولى لعطف الجملة على الجملة، والثانية لعطف المفرد على المفرد. وفي حديث ابن عباس لم يذكر العاطف أصلاً وزاد المباركات وأخر فيه، فتكون صفات، قال: واختاره الشافعي لأنه أفقه. قوله: السلام عليك أيها النبي، قال الطيبي: التعريف إما للعهد والتقدير: أي ذلك السلام الذي وجه إلى الأنبياء المتقدمة موجّه إليك أيها النبي، والسلام الذي وجه إلى الأمم السالفة من الصلحاء علينا وعلى إخواننا، وإما للجنس: أي حقيقة السلام الذي يعرفه كل أحد، أنه ما هو وعمّن يصدر وعلى من ينزل عليك وعلينا، وإما للعهد الخارجي إشارة إلى قوله تعالى: (وسلام على عباده الذين اصطفى) [النمل: ٥٩] قال: وأما

стр. 423

رواية سلام عليك بالتنكير فالأصل سلمت سلامًا عليك، ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء، للدلالة على ثبوت المعنى واستقراره. ٥٤٤ - حديث: "أمّني جبريل عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس ". قال الشيخ ولي الدين العراقي، تقديره: فصلى بي الظهر، قال ويحتمل أن يكون الظهر منصوبًا على الظرف، ويكون المراد به الوقت المخصوص لا الصلاة المعروفة ولا يكون فيه مضاف محذوف، ويكون قوله حين زالت الشمس بدلاً منه، والأول أقرب إلى الفهم، قال: وقوله: صلى به الفجر فأسفر، الظاهر عود الضمير إلى جبريل، ومعنى أسفر دخل في السفر بفتح السين والفاء، وهو بياض النهار ويحتمل عود الضمير إلى الصبح أي أسفر الصبح في وقت صلاته، أو على الموضع أي أسفر الموضع في وقت صلاته، ويوافقه رواية الترمذي ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض، انتهى. ٥٤٥ - حديث: "نُعِيَتْ إليَّ نفسي ". قال الطيبي: ضمن النعي معنى الانتهاء وعدّى بإلى أي: أنهى إليّ نعي نفسي كما نقول: أحمد إليك فلانًا.

стр. 424

٥٤٦ - حديث: "ألم ألقاكم على تلك الحال ". قال أبو البقاء: بألف في هذه الرواية، والصواب ألم ألقَكم، بغير ألف مجزومًا بلم. ٥٤٧ - حديث: "قام رسول الله ﷺ يومًا يصلي فخطر خطرة ". قال أبو البقاء: كذا في هذه الرواية، والأشبه أن الأصل فخطرت له خطرة إلاّ أن حذف التاء سهّل لأن التأنيث غير حقيقي. ٥٤٨ - حديث: "وأنا أخشى أن يكون بي جُنُنٌ ". قال أبو البقاء: أصله جنون بالواو فحذفت تخفيفًا لدلالة الضمة عليها، قال الشاعر يصف ناقة: مثل النعامة كانت وهي سالمةٌ ... أذناء ختى زهاها الحين والجنن وأذناء: ذات أذن، وزهاها: استخفّها. ٥٤٩ - حديث: "من فارق الجماعة شبرًا فمات إلاّ مات ميتةً جاهلية ".

стр. 425

قال الكرماني: إلا مات: مستثنى من الاستفهام الإنكاري، أي ما فارق أحد الجماعة وما قعد، قال ابن مالك: جاز ذلك كقول الشاعر: فوالله ما نلتم وما نيل منكم ... بمعتدلٍ وفقٍ ولا متقارب وإلاّ زائدة، قال الأصمعي: تقع إلاّ زائدة كقوله: حراجيجُ ما تنفكُّ إلا مناخة ... على الخسف أو نرمي بها بلدًا قفرا و"ميتة" بالكسر للحالة والهيئة. تم الجزء الأول من كتاب عقود الزبرجد، ويليه إن شاء الله الجزء الثاني وأوله حديث خير نساء ركبن الإبل ...

стр. 426

٥٥٠ - حديث "خيرُ نساءٍ ركبن الإبلَ صالحُ نساءِ قريش أحْناهُ على ولدٍ في صِغَر، وأرعاه على بَعْلٍ ذاتِ يد ". قال ابن جِنِّي في الخصائص: من باب الحمل على المعنى قولهم: هو أحسن الصبيان وأجمله، أفرد الضمير لأن هذا موضع يكثر فيه الواحد كقولك: هو أحسن فتى في الناس. قال ذو الرمّة: ومَيَّةُ أحسنُ الثَّقَليْنِ وَجْهًا ... وسالِفَةً وأحْسَنُهُ قَذالا فأفرد الضمير مع قدرته على جمعه. وقال الكرماني: القياس أن يقال: أحناهنّ، لكن العرب قبل لا يتكلمون في مثله إلا فردًا، ولعله باعتبار المذكور أو باعتبار لفظ النساء.

стр. 427

وقال البيضاوي: ذكّر الضمير على تأويل أحنى هذا الصنف، أو مَنْ تركب الإبل أو يتزوج أو نحوها. وقال الطيبي: فإن قلت: أي فرق بين قول أحناهُ وأحناهنّ، قلت: الأول دلّ على الجنسية، وهو من يعرف كل أحد من العرف مَنْ هم، فالقصد الأول فيه المعنى، والذات تابعة، كأنه قيل فيه: هذا الجنس الذين فاقوا الناس في الشرف هذا الجيل، ولذلك عدل عن ذكر العرب إلى الصفة المميزة من قوله: (ركبن الإبل) لزيادة الاختصاص، ولو قيل أحناهنّ كانت الذات مقصودة، والمعنى تابعًا لها، فلم يكن بذلك. وقال الزركشي: اعلم أن الأفصح في جمع التكسير إن كان جمع كثرة أن يكون للواحدة المؤنثة نحو، الجذوع تنكسر، وإن كان جمع قلة أن يكون الضمير للجماعة المؤنثة نحو: الأجذاع ينكسرون قال تعالى: (منها أربعةٌ حُرُمٌ) [التوبة: ٣٦] لمّا أعاد الضمير إلى "انثا عشر"، وقال تعالى: (فلا تظلموا فيهنّ أنفسكم) [التوبة: ٣٦]. لما عاد إلى الأربعة. ودون ذلك في الفصاحة أن يكون مفردًا مذكرًا نحو: هذا أحسن الفتيان وأجمله، ومنه هذا الحديث. انتهى. وفي التعليق على كتاب سيبويه، للإمام جعفر بن الزبير، قال الفارسي: إن إيقاع ضمير الواحد ضمير الجمع يقاس فصيحًا إذا كان الاسم المجموع واقعًا موقع مفرد كقولهم: هو أجمل الفتيان وأحسنه، وأكرم بني أبيه وأنبله، إذ الفتيان وبنو في موضع فتى وابن، لأن العرب تقول: هو أجمل فتى وأكرم ابن، وظاهر كلامه أنه حيث وجد هذا كان، وحيث يعدم ذلك كان رديئًا. ونقده عليه السهيلي بأن قال: ذلك لا يطّرد، ألا ترى أنه ورد في الخبر المجمع عليه عنه ﵇: (خير نساء ركبن الإبل

стр. 428

صوالح قريش أحناه على ولد وأرعاه على زوج في ذات يد) والنساء هنا في موضع مفرد، فلو روعي ذلك كما قال لقال: أحناها وأرعاها، إذ مفرد ذلك امرأة، وهو مؤنث، والاستشهاد بالحديث ضعيف لأن الرواة يروون بالمعنى. وقال الأستاذ أبو علي الفارسي، لا يلزمه هذا لأنه إنما قال: إنّ ذلك فصيح حيث يكون الجمع المضمر له إضمار الواحد في موضع مفرد، حيث يفقد ذلك فصيحًا، فلا يلزمه أن يطّرد ذلك في كل موضع. انتهى. ٥٥١ - حديث "فَرَضَ صدقةَ رمضانَ نصفَ صاعٍ من بُرٍّ أو صاعٌ من شعيرٍ أو صاعٌ من تمرٍ ". قال أبو البقاء: كذا في هذه الرواية: أو صاع بالرفع، والجيد النصب عطفًا على نصف، ونصف منصوب بفرض، وفي نصبه وجهان: أحدهما، أن يروى (نصف صاع) بالرفع وهو الأوجه إذا رفعتَ صاعًا. والثاني: أن ينصب نصفًا ويكون التقدير: أو قال صاع، فيحمل (فرض) على معنى القول، ويحكى بها الجملة بعدها، ويجوز أن يكون التقدير على الشك من الراوي، كأن الراوي قال: أو قال رسول الله ﷺ (صاع) على الشك. [٥٥٢]- حديث "خيرُ يومٍ تَحْتَجِمونَ فيه سبعَ عشرةَ وتسع عشرة وإحدى وعشرين ".

стр. 429

قال أبو البقاء: (خير) أصلها أفعل، وهي تضاف إلى ما هي بعض له، وتقديره: خير أيام، فالواحد هنا في معنى الجمع، وقوله: (سبع عشرة) وما بعده جعله مؤنثًا، والظاهر يعطى أن يكون مذكّرًا، لأنه خبر عن (يوم) والوجه في تأنيثه أنه حمله على الليل لأن التاريخ به يقع، واليوم تبع له، ولهذا قال: (إحدى) على معنى الليلة. وفيه وجه ثان، وهو أنه يريد باليوم الوقت ليلاً أو نهارًا، كما يقال: يوم بدر، ويوم الجمل، ويوم الفجار، ثمّ أنّث على أصل التاريخ، ومن ذلك قوله تعالى: (ومن يُوَلِّهم يومئذ دبره) [الأنفال: ١٦]، ومنه قول الشاعر: يا حبّذا العَرَصاتُ يو ... مأ في ليالٍ مُقْمِراتِ واليوم لا يكون في الليالي إلا إذا أردت به الوقت. وفيه وجه ثالث: وهو أنه يكون أراد به يوم سبع عشرة ويوم تسع عشرة فحذف المضاف، ومثله حديث (مَنْ صام رمضانَ وأتبعهُ بستّ من شوال) أي: بأيام ليال، وأما قوله: (وإحدى وعشرين) ففي هذه الرواية (عشرين) بالنصب، والجيّد أن يكون مرفوعًا. ٥٥٣ - حديث "أحبُّ الدينِ إلى الله الحنيفية السّمحةُ ". قال الكرماني: أحب: بمعنى المحبوب لا بمعنى المحب، فإن قلت: لا مطابقة بين المبتدأ والخبر لأن المبتدأ مذكر والخبر مؤنث، قلت: الملّة الحنيفية كأنها غلبت عليها الاسمية حتى صارت علمًا، أو أن أفْعَلَ التفضيل المضاف لقصد الزيادة على من أضيف إليه يجوز فيه الإفراد والمطابقة.

стр. 430

٥٥٤ - حديث "لما نزلت: "وأنذر عشيرتك الأقربين" صعد على الصّفا فنادى: يا بني عبد مناف لبطون قريش ". قال الطيبي: اللام فيه بيان كما في قوله تعالى: (لِمَنْ أراد أن يتمَّ الرَّضاعة) [البقرة: ٢٣٣] كأنه قيل: لمن قيل لبطون قريش. وقوله: (أرأيتكم) أي أخبروني: المضير المتّصل المرفوع من الخطاب التام والضمير الثاني لا محلّ له من الإعراب، وهو كالبيان للأول، لأن الأول بمنزلة الجنس الشائع للمخاطبين، فيستوي فيه التذكير والتأنيث والإفراد والجمع، فإذا أريد بيانه بأحد هذه الأنواع بيّن فيه، فأتى في الحديث بعلامة الجمع بيانًا للمراد. وقوله: (ما جرَّبْنا كذبًا) ضمّن (جرّب) معنى (ألفى) فعدّى بعلى، أي ما ألفينا عليك قولًا مجربين لك تكذب فيه أم لا. ٥٥٥ - حديث "أنّ النّبي ﷺ صلّى بالمدينة سبعًا وثمانيًا الظهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ ". قال الكرماني: فإن قلت بم انتصب الظهر وما بعده؟ قلت: إمّا بدل أو بيان أو نصب على الاختصاص أو على نزع الخافض، أي للظهر.

стр. 431

وقوله: (فقال أيوب لعلّه في ليلة مطيرة، قال: عسى)، قال الكرماني: فإن قلت: ما اسم (عسى) وخبره؟ قلت: محذوفان، تقديره: عسى ذلك يكون في الليلة المطيرة. ٥٥٦ - حديث "أنْ يمنح أحدُكم أخاه خيرٌ له من أن يأخذَ عليه خرجًا معلومًا ". قال الزركشي: يروى بكسر (أنْ) وفتحها. ٥٥٧ - حديثه "أنّه ﷺ قال لمسيلمةَ: لو سألتني هذه القطعة ما أعيطتُكَها ولنْ تَعْدُ أمرَ الله فيك ". قال الكرماني: القياس: (لن تعدو)، والجزم بـ (لن) لغة خطّأها الكسائي. وقال الزركشي: هو بنصب (تعدو) وكلام السفاقسي يقتضي أن الرواية بالجزم على لغة من يجزم بلن. مسند عبد الله بن عَتيك الأنصاري ﵁ ٥٥٨ - حديث "مَنْ خرج من بيتِه مجاهدًا في سبيلِ اللهِ فخرَّ عن دابّته فمات، أو مات حتفَ أنفِه فقد وقعَ أجرُه على الله. واللهِ إنّها لكلمةٌ ما سمعتُها من أحدٍ من العربِ قبلَ رسول الله ﷺ ".

стр. 432

مسند عبد الله بن عمر ﵁ ٥٥٩ - حديث "صلاةُ الليلِ مثنى مثنى ". ٥٦٠ - حديث "يصلّي أحدكم مثنى مثنى ". ٥٦١ - حديث "كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل مَثْنى مثنى ". قال الشيخ جمال الدين بن هشام في تذكرته: الأعداد التي تجتمع في الذكر قسمان: قسم يؤتى به ويصح أن يضم بعضه إلى بعض، ولذلك يؤتى به نحو قوله تعالى: (فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم) [البقرة: ١٩٦]، ألا ترى إلى قوله تعالى: (تلك عشرةٌ كاملةٌ) [البقرة: ١٩٦] وكذلك (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتمناها بعشر) [الأعراف: ١٤٢] بدليل (فتمّ ميقاتُ ربه أربعين ليلةً) [الأعراف: ١٤٢]. وقال الشاعر: تجمَّعْنَ من سبتٍ ثلاثًا وأربعًا ... وواحدةً حتى تممْنَ ثمانِيا

стр. 433

وقسم يؤتى به للتقسيم لا ليضم بعضه إلى بعض، وإنما هو موضوع لمعنى الانفراد، ولاختصاص وصفه بحال دون حال، وذلك أحاد وموحد إلى رباع ومربع، فيقال: ادخلوا آحاد آحاد، ومثنى مثنى، أي واحدًا واحدًا، أو اثنين اثنين. قال أبو طاهر حمزة، ولذلك لا يجيء اللفظ منه منفردًا غير مقترن، فلا يقال ادخلوا الآحاد، ولا اقعدوا مثنى، حتى يمتنع بغيره لتكراره في حالة، قال النبي ﷺ : (صلاةُ الليلِ مثنى مثنى) أي ثنتين ثنتين، وكذلك قوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) [النساء: ٣]، المراد بها الانفراد لا الاجتماع، وذلك بحسب من يريد من العدة ما شاء. وكذلك قوله تعالى: (أولي أجنحةٍ مثنى وثلاث ورباع) [فاطر:١]، أي منهم جماعة ذوو جناحين، وجماعة ذوو ثلاثة ثلاثة وجماعة ذوو أربعة أربعة. انتهى. وقال الطيبي: قوله: مَثْنَى مثنى، أتى بالثاني تأكيدًا، لأن الأول مكرر المعنى، ولذلك امتنع عن الصرف. قال في "الكشاف": وإنّما لم ينصرف لتكرار العدل فيها، قال الزجاج: أحدهما أنه معدول عن اثنين اثنين، والثاني أنه عدل في حال التكرار. وزعم سيبويه أن عدم الصرف للعدل والصفة. انتهى. وقال الشيخ بهاء الدين بن النحاس في "التعليقة": مَثْنى: غير منصرف لأنه معدول وصفة، أما عدله فهو معدول عن لفظ العدد مكررًا، قال الجوهري: إذا قلت: جاءت الخيل مثنى مثنى، فالمعنى اثنين اثنين، أي يجاءوا مزدوجين. وقال المهدوي في تفسيره في قوله تعالى: (أولي أجنحةٍ مثنى وثلاث ورباعَ) [فاطر: ١].

стр. 434

فإن قيل تكريرهم لهذا المعنى للعدول يشعر بأنه معدول عن غير مكرر، كما جاء في الخبر: (صلاة الليل مثنى مثنى) فالجواب أن تكرير مثنى للمبالغة في التوكيد، فكأنه قيل صلاة الليل اثنتان اثنتان اثنتان اثنتان فكرر أربع مرات لأن مثنى بمنزلة اثنين مرتين، وهذا التكرير بمنزلة ضربت زيدًا زيدًا، فإذا كررت اثنين اثنين فالتكرير معنوي، لقصدك اثنين بعد اثنين، ولو كان لفظيًا كان سقوطه وثبوته واحدًا، ولا شبهة في أن المعنى يتفاوت بخلاف مثنى الثاني في الخبر، وجاز تكرير مثنى وإن قبح تكرير (اثنان) أربع مرات لأن مثنى أقصر، لأنه مفرد، وإن كان للمبالغة فلا ينفي ما ذكرنا من أنه معدول عن المكرر. وقال أبو علي في "الإغفال": لا يوهمنا قول النحويين أنه معدول عن اثنين اثنين أنهم يريدون بمثنى العدل عنهما، إنما ذلك تفسير اللفظ المعدول عنها كما يوهمون، أي يعتبرون قولهم هو خير رجل في الناس، وهما خير اثنين في الناس، أن المعنى هما خير اثنين إذا كان الناس اثنين، وخير الناس إذا كان الناس رجلاً رجلاً، فكذلك يريدون بقولهم: (مثنى) المعدول عن اثنين اثنين، أنه مراد به اثنين لا على اللفظين جميعًا، وإنما المعدول عنه لا يكون إلا اسمًا مفردًا كالمعدول، ألا ترى أن جميع المعدولات أسماء مفردة كما أن المعدول عنها كذلك؟. قال الشيخ بهاء الدين: لقد بيّن الشيخ أبو علي كلّ البيان هنا. لأن العدل نوع من الاشتقاق، فلا يكون من كلمتين. وأما عبشمي وعبقسي فمن القلّة بحيث لا ننظر إليه، وإن اشتقّ بعض أهل اللغة من كلمتين فليس تحقيقًا عند أهل النظر. وأمّا الوصف فهذا المعدول لزم الوصفية، إذ لا يقال: جاءني ثلاث، إنما يقال: جاءني رجال ثلاث، وإنما امتنعوا من أن يجروه غير صفة لأنه معدول عن مكرر، وكما لا يجوز جاءني ثلاثة ثلاثة لأنه لا يكون إلا تابعًا لمثنى فكذلك ثلاث، فلما لم يقع إلاّ تابعًا، وصفًا أو غير وصف، كقولك خرج القوم مثنى، فكذلك قال النحاة إنه صفة، واعتدّ فيه بالوصفية فصارت سببًا، فهذا هو القول المنصور في منع صرف (مثنى) وبابه.

стр. 435

وقيل إنه عدل في اللفظ والمعنى، فكأنّ فيه عدلين: أما عدل اللفظ فذكر في القول الأول، وأما عدل المعنى فتغير المدة المحصورة بلفظ الاثنين إلى أكثر من ذلك. ومنهم من قال إنه عدله وقع من غير جهة العدل، لأن باب العدل المعارف وهذه نكرات. وقيل إنه معدول وجمع لأنه بالعدل صار أكثر من المدة الأولى. وقال الزّجاج: فيه علتان: العدل، وأنه عدل عن تأنيث. وقال أهل الكوفة: مثنى لامتناعه من الألف واللام، وليست بشيء، لأن من النكرات ما لا يدخله لام التعريف كأين، انتهى. ٥٦٢ - حديث: "إنْ يكَّنْ هو فلن تُسَلَّطَ ... ". قال البيضاوي: (إن يكن هو) الضمير للرجال، وهو خبر كان، واسمه مستكنّ فيه، وكان حقّه أن يكنّه فوضع المرفوع المنفصل موضع المنصوب المتصل، عكس قوله (لولاه). ويحتمل أن يكون (هو) تأكيد للمستكن، والخبر محذوف على تقدير: إنْ يكن هو هذا. قال الطيبي: ويجوز أن يقدر: إن يكن هو الرجال، وهو ضمير فصل، أو هو مبتدأ، والرجال خبر كان، أو هو مبتدأ وخبره محذوف، والجملة خبر كان. ٥٦٣ - حديث: "الدَّجالُ إن يخرجْ من غضبةٍ يَغضبُها ". قال الطيبي: قيل (يغضبها) في موضع الجر صفة (غضبة)، والضمير في موضع النصب، أي أنه يغضب فيخرج بسبب غضبة.

стр. 436

٥٦٤ - حديث: "بابُ أمّتى الذي يدخلون منه الجنة عرضُه مسيرةُ الراكبِ المجَوِّدِ ثلاثًا ". قال الطيبي: (المجوّد) يحتمل أن يكون صفة الراكب، والمعنى، الذي يجود ركض الفرس، وأن يكون المضاف إليه والإضافة لفظية أي: الفرس الذي يجود في عدوه. ٥٦٥ - حديث: "الذي تفوته صلاة العصر فكأنّما وُتِرَ أهله وماله ". قال النووي: روي بنصب الاثنين ورفعهما، والنصب هو الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور. وقال ابن الأثير في "النهاية": يروى بنصب الأهل ورفعه، فمن نصب جعله مفعولاً ثانيًا لـ (وتر) وأضمير فيها مفعول ما لم يسمّ فاعله عائدًا إلى (الذي)، ومن رفع لم يضمر، وأقام الأهل مقام ما لم يسمّ فاعله، لأنهم المصابون المأخوذون، فمن ردّ النصب إلى الرجل نصبهما، ومن ردّه إلى الأهل والمال رفعهما. قال الشيخ أكمل الدين بعد ذكر ذلك: قيل ويجوز أن يكون النصب على التمييز أي: وُتِر من حيث الأهل نحو: غُبِنَ رأيه، وألم نفسه، وعليه قوله تعالى: (إلاّ من سفه نفسَه) [البقرة: ١٣٠] نصبه على وجه. وقال بعضهم: إنه منصوب على نزع الخافض: أي: وُتِرَ في أهله وماله، فلما حذف الخافض انتصب.

стр. 437

وقال القاضي أبو بكر بن العربي: إن رفعت فعلى البدل من الضمير في (وُتِر) فتلخص أن في الرفع وجهين، وفي النصب ثلاثة أوجه. ٥٦٦ - حديث: "مثل المنافق مثلُ الشاةِ العائرةِ بين الغنمين ". قال الزمخشري في "المفصّل": قد يثنّى الجمع على تأويل الجماعتين والفرقتين، أنشد أبو زيد: لنا إبلان فيهما ما علمتمُ وفي الحديث: (مثل المنافق كالشاةِ العائرة بين الغنمين) وأنشد أبو عبيدة: لأصبح الحيّ أوبادًا ولم يجدوا ... عند التفرّقِ في الهَيْجا جِمالَيْنِ قال الأندلسي في "شرحه": تثنية الجمع ليس بقياس، وقد يعرض في بعض المعاني ما يحوج إلى تثنية الجمع كما في الحديث، لا يمكن التمييز بمجرد الجمع، فيستحب عند ذلك تثنية الجمع. ٥٦٧ - حديث: "يا أهلَ الجنة خلودٌ لا موت ".

стр. 438

قال أبو البقاء: في هذه الرواية (خلود) بالرفع، وجاء في موضع آخر بالنصب على تقدير: اخلدوا خلودًا، والرفع على تقدير لكم خلود، أو هذا خلود، و (لا موت) يجوز فيه الفتح على معنى لا موت عندكم أو لكم، والرفع على أنه معطوف على خلود، أو على تقدير: غير موت. ٥٦٨ - حديث: "بُنِي الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله ". قال الزركشي: شهادة بالجر على البدل من الخمس، ويجوز الرفع، أي: أحدهما شهادة. وقال ابن حجر: يجوز الرفع على حذف الخبر، والتقدير: منها شهادة، أو على حذف المبتدأ والتقدير: أحدها. وقال الكرماني: (شهادة) وما عطف عليه مجرور بأنه بدل من خمس بدل الكلّ من الكلّ، أو مرفوع بأنه مبتدأ محذوف وهي هي، و (أنْ) في (أن لا إله إلا الله). و (خمس) في بعض الروايات بالتاء، فتقديره: خمسة أشياء أو أركان أو أصول، وفي بعضها بدون التاء، فتقديره: خمس دعائم أو قواعد أو خصال، وههنا دقيقة جليلة نطلعك عليها وهو أن أسماء العدد إنما يكون تذكيرها بالتاء وتأنيثها بسقوط التاء إذا كان المميز مذكورًا، أما إذا لم يذكر فيجوز فيها الأمران، صرح بها النحاة، وذكرها النوويّ في "شرح مسلم" في حديث (من صام رمضان وستًّا من شوّال)، ففي هذا الحديث يجوز من جهة النحو التاء وعدمها.

стр. 439

و (إقام) أصله (إقْوام) حذف الواو فصار (إقام)، وقد يعوض التاء فيقال: إقامة، أو الإضافة نحو: إقامة الصلاة. و (الإيتاء) يتعدى إلى مفعولين، أو إيتاء الزكاة مستحقها فحذف أحد المفعولين. ٥٦٩ - حديث: "إنْ شئت حبَّسْت أصلَها ". قال أبو البقاء: الجيد بالتشديد، وكذا يقال في الوقت، وأما التخفيف فمعناه: منعت وضيقت. ٥٧٠ - حديث: "وكان تمرُهم دونَ ". قال أبو البقاء: كذا وقع في هذه الرواية، ويحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون أضمر في (كان) الشأن، والجملة مفسّرة له في موضع نصب، والثاني أن يكون بفتح النون وأراد: دون غيره في الجودة، فحذف المضاف إليه وأبقى حكم الإضافة، ومنه قوله تعالى: (ومنّا دون ذلك) [الجن: ١١]، وكذا في الحديث، المراد: وكان تمرهم دون ذلك. ٥٧١ - حديث: "مثلُكم ومثل اليهود والنصارى كرجلٍ استعمل عُمّالاً فقال: من يعمل لي من صلاة الصبح إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراطٍ قيراطٍ؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين ؟

стр. 440

ألا فأنتم الذين يعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس". قال ابن مالك: تضمّن هذا الحديث استعمال مِنْ) في ابتداء غاية الزمان أربع مرات، وهو ممّا خفي على كثير من النحويين فمنعوه تقليدًا لسيبويه في قوله: وهو ممنوع لمخالفة النقل الصحيح والاستعمال الفصيح. ومن شواهد صحة هذا الاستعمال قوله تعالى: (لمسجد أسس على التقوى مِنْ أول يوم أحقُّ أن تقوم فيه، فيه رجالٌ) [التوبة: ١٠٨]. فبهذا استشهد الأخفش على أن (مِنْ) تستعمل لابتداء غاية الزمان. ومن شواهد هذا الاستعمال أيضًا قوله ﷺ : (أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس سنة منها ..). وقول عائشة: (جلس رسول الله ﷺ ولم يجلس عندي من يوم قيل فيَّ ما قيل). وقول أنس: (لم أزلْ أحبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يومئذ).

стр. 441

وقول بعض الصحابة: (فمُطِرْنا من جمعة إلى جمعة)، ومن شواهده الشعرية قول النابغة: تُخُيّرْنَ من أزمان يوم حليمةٍ ... إلى اليوم قد جُرِّبْنَ كلَّ التجارِبِ ومثله: وكلُّ حسامٍ أخلصته قُيُونَهُ ... تُخُيِّرْنَ من أيام عادٍ وجُرْهُمِ ٥٧٢ - حديث: "إنّما مثلكم واليهودِ والنصارى كرجلٍ استعمل عمّالاً ". قال ابن مالك: تضمّن هذا الحديث العطف على ضمير الجرّ بغير إعادة الجار، وهو ممنوع عند البصريين إلا يونس وقطرب والأخفش. والجواز أصح من المنع لضعف احتجاج المانعين، وصحة استعماله نثرًا ونظمًا. ومن مؤيدات الجواز قوله تعالى: (... وصدٍّ عن سبيل الله وكفر به والمسجدِ الحرامِ) [البقرة: ٢١٧]ـ فجرّ (المسجد) بالعطف على الهاء المجرور بالباء. وقراءة حمزة: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) [النساء: ١] بالخفض، قال: ولو روى

стр. 442

(واليهودُ) بالرفع لجاز على تقدير: ومثل اليهود، ثم يحذف المضاف، ويعطى المضاف إليه إعرابه. قوله: (مالنا أكثر عملا وأقل عطاءً): قال الزركشي: بنصب (أكثر) و (أقلّ) على الحال، كقوله تعالى: (فمالهم عن التذكرة معرضين) [المدثر: ٤٩]. وقال الكرماني: بالرفع والنصب. ٥٧٣ - حديث: "لا حسدَ إلا في اثنتين: رجلٍ آتاه الله مالاً ... ". قال أبو البقاء: يجوز الجرّ في رجل على أن يكون بدلاً من (اثنتين) أي خصلة رجلين، والنصب بإضمار (أعني) والرفع على تقدير: إحداهما خصلة رجل، لا بد من تقدير الخصلة لأن (اثنتين) هما خصلتان. ٥٧٤ - حديث: "يكون في أمتي خسفٌ ومسخٌ وقذفٌ في أهلِ القدر ". قال الطيبي: قوله: (في أهل القدر) بدل البعض من قوله: (في أمتي) بإعادة العامل وانتصابه على الحال، والعامل فعل محذوف دل عليه قرينة الحال، أي أعرفها. ٥٧٥ - حديث: "أبعثها قيامًا مقيدةً سنّةَ محمد ﷺ ". قال البيضاوي: (قيامًا) مصدر بمعنى قائمة، وانتصابه على الحال، أي انحرها، و (سُنَّةَ) منصوب بعامل مضمر على أنه مفعول به، والتقدير: فاعلاً متّبعًا سنّة. وقال: أو مصدر دلّ على فعله مضمون الجملة السابقة.

стр. 443

وقال التوربشتي: لا يصحّ أن يجعل في (قيامًا) ابعثها لأن البعث إنّما يكون قبل القيام، واجتماع الأمرين في حالة واحدة غير ممكن. قال الطيبي: يحتمل أن يكون حالاً مقدرة، فيجوز تأخيره عن العامل. وقال الكرماني: أو يضمّن (ابعثها) معنى أقمها. وقال الزركشي: (سنة) نصب على الاختصاص. ٥٧٦ - حديث: "من مات وعليه صيامُ شهرٍ فليُطعِمْ عنه مكان كلّ يومٍ مسكينًا ". قال الحافظ زين الدين العراقي في "شرح الترمذي": كذا في رواية الترمذي بالنصب وكان وجهه إقامة الصرف مقام المفعول كما يقام الجار والمجرور مكانه. وقد قرئ: (ليجزيَ قومًا بما كانوا يكسبون). وفي رواية ابن ماجة (مسكين) بالرفع على الصواب. انتهى. ٥٧٧ - حديث: "إنّ رسول الله ﷺ مرّ على رجلٍ من الأنصارِ وهو يعظُ أخاه في الحياءِ ... " ولمسلم: "مرّ برجل ... ". قال الحافظ ابن حجر: (مرّ) بمعنى اجتاز، يعدّى بعلى وبالباء. ٥٧٨ - حديث: "إنّه سُئِل عن الماء وما ينوبه من السباع ".

стр. 444

قال الطيبي: (وما ينوبه) مجرور عطف على (الماء) على سبيل البيان نحو: أعجبني زيد وكرمه. ٥٧٩ - حديث: "أمرت أن أقاتل الناس ... ". قال الكرماني: أي أقاتل، وحذف الجار من (أنْ) كثير سائغ مطّرد. ٥٨٠ - حديث: "اللهم ارحم المحلّقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله ... ". قال الكرماني: فإن قلت علام عطف (والمقصرين) وشرط العطف أن يكون المعطوفان في كلام متكلم واحد؟ قلت: تقديره: قل وارحم المقصرين أيضًا، ويسمّى مثله بالعطف التلقيني، كما في قوله تعالى: (إني جاعلك للناس إمامًا قال ومن ذريتي) [البقرة: ١٢٤]. ٥٨١ - حديث: "يا معشرَ النساء تصدّقن فإني رأيتكنّ أكثرَ أهل النار ". قال النووي: هو بنصب (أكثر) إمّا على أن هذه الرؤية تتعدى إلى مفعولين، وإمّا على الحال على مذهب ابن السّراج وأبي علي الفارسي وغيرهما ممّن قال إنّ أفْعَلَ لا يتصرفُ بالإضافة.

стр. 445

وقيل: هو بدل من الكاف في (رأيتكنّ). وأما قولها: وما لنا أكثر من أهل النار؟ فمنصوب إمّا على الحكاية وإمّا على الحال. انتهى. وقال السبتي في "شرح التسهيل": لم يقع أفعل التفضيل حالاً إلا فيما سمع كقراءة امرأة لرسول الله ﷺ : وما لنا أكثر أهل النار. ٥٨٢ - حديث: "إنّ أبرَّ البرّ أن يصلَ الرجلُ أهلَ وُدِّ أبيه ". قال الشيخ أكمل الدين في "شرح المشارق": (أبرّ البرّ) من قبيل ﷻ وجد جده، يجعل الجدّ جادًا، وإسناد الفعل إليه، وجعل الجلال جليلاً، وإسناد الفعل إليه، فيجعل البرّ بارًّا، ويبتني منه أفعل التفضيل، وكذا كلّ ما كان من هذا القبيل، مثل: إن أفضل الفضل، وأفجر الفجور. ٥٨٣ - حديث: "كلُّ شيءٍ بقدرٍ حتّى العجز والكيس ". قال التّوربشتي -واستحسنه الطيبي-: يروى (العجز والكيس) بالرفع فيهما عطفًا على (كلّ)، وبالخفض عطفًا على (شيء). والأوجه أن يكون (حتّى) في الكسر حرف خفض بمعنى إلى. ومعنى الحديث يقتضي الغاية، لأنه أراد بذلك أنّ أكساب العباد وأفعالهم كلها بتقدير خالقهم حتى الكَيْس الذي يوصل صاحبه إلى البغية، والعجز الذي يتأخر به عن درك البغية. ٥٨٤ - حديث "خَصْلتان معلّقتان في أعناق المؤذنين للمسلمين صلاتُهم وصيامُهم ".

стр. 446

قال الطيبي: (معلقتان) صفة لـ (خصلتان) و (للمسلمين) خبر للمبتدأ الموصوف، و (صلاتهم وصيامهم) بيان للخصلتين أو بدل منه. ٥٨٥ - حديث: "ما من أيامٍ أعظمُ عند الله ولا أحبُّ فيهنّ العمل من هذه الأيام العشر ". ٥٨٦ - وحديث: "ما من أيامٍ أحبُّ إلى الله فيها الصوم من أيامِ العشر ". قال ابن مالك في "شرح الكافية": لا يرفع أفعل التفضيل في اللغة المشهورة اسمًا ظاهرًا، لأنّ شبهه باسم الفاعل ضعيف من قبل أنه في التنكير لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع، بخلاف اسم الفاعل والصفة المشبهة به، فإن أدّى ترك رفعه الظاهر إلى فصل المبتدأ بين أفعل والمفضل عليه يخلص من ذلك بجعل فاعل أفعل بشرط كونه سببًا كالصوم بالنسبة إلى الأيام في قوله ﵇: (ما من أيام أحب إلى الله فيها الصوم في أيام العشر ..). وإنما اشترط كون الظاهر سببًا لأن ذلك يجعله صالحًا للقيام مقام المضمر، فإنّ الاستغناء بالظاهر البيّن عن المضمر كثير، ولأن كونه سببًا على الوجه المستعمل يجعل أفعل التفضيل واقعًا موقع الفعل، وذلك أن قولك: ما من أحد أحسن في عينه الكحل من زيد، يقوم مقامه: ما من أحد يحسن في عينه الكحل كزيد، فيرتفع ارتفاع الظاهر بأفعل هذا لوقوعه موقع فعل بمنزلة إعمال اسم الفاعل الموصول به الألف واللام وذلك المعنى لأن وصل الألف واللام به أوجب تقديره بفعل. وقال الأندلسي في "شرح المفصّل": الأصل في الحديث: ما من أيام أحب إلى الله فيها الصوم منه إليه في عشر ذي الحجّة، فحذف الضمير في (منه) العائد إلى الصوم، واكتفى بذكر الصوم، وأوقع (مِنْ) على عشر ذي الحجة، وهي في الأصل واقعة على ضمير الصوم.

стр. 447

٥٨٧ - حديث: "فيما سقت السماءُ والعيون والبَعْل العُشْر ". سئل محمد بن السيد البطليوسي عن هذا الحديث فأجاب بما نصّه: رأيتك أعزك الله قد رفعت (البعل) وضبطه ضبط تصحيح، ولست أشك في أن أصلك وقع فيه (البعل) مرفوعًا. فأدخل عليك الاستعمال في الحديث، وأحوجك إلى السؤال عن إعرابه، واستدعاء ما قاله اللغويون في تفسير (البعل). وهذه رواية لا أعرفها، ولا سمعت بها قبل كتابك، وإنما الرواية: (والبعلِ) بالخفض عطفًا على (ما) من قوله: (في ما سقت السماء) هكذا رواه الناس وفسره المفسرون. فإن كان وقع في كتابك مرفوعًا فأصلحه، فإنه غلط من ناسخ الكتاب، وغفلة من القارئ وليس برواية. ويدلك على أنه مخفوض رواية من روى: وفي ما سقت السماء والعيون أو كان عَثَرِيًا العُشْر، فذكر العثريّ مكان البعل، وهما بمعنى واحد. كذا قال أبو حنيفة في "النبات"، وغيره من المحدثين واللغويين، لا أحفظ في ذلك خلافًا. قال أبو حنيفة في "كتاب النبات": إذا لم يشرب الحبّ ماء غير ماء السماء من الأمطار فهو العِذْي –الذال ساكنة- وهو أيضًا العَثَرِيّ – الياء شديدة مجراة- والبعل مثله، عن الأحمر، وأنشد لعبد الله بن رواحة: هنالك لا أبالي نخلَ سَقْيٍ ... ولا بعلٍ وإن عَظُمَ الإتاءُ

стр. 448

وقال غير أبي حنيفة: البعل ما شرب بعروقه من الأرض من غير سقي أو غيره. وهذا أشبه بالحديث من قول أبي حنيفة، لأنه سمّى ما تسقيه السماء بعلاً وفرّق بينهما. فهذا ما حضرني من الجواب عمّا سألت عنه. وقال ابن السيد: فاعترض هذا السائل في هذا الجواب. فقال: وقفت أعزّك الله على ما ذكرت في أمر البعل، وظهر لي شيء أورده عليك لا على جهة التعنيت والاعتراض، حاشاك الله من ذلك، وتلك سجيّة لم تعرف من خلقي مع من دون الألفاء فكيف مع الجملة من المشيوخاء، وذلك خرجه البخاري، وأنت تعلم أن مثل هذا لا يلزم مني؛ لأنّا إن فعلنا ذلك تناقضت ألفاظ الحديث، وتناقضُ كلام أهل اللغة أولى من تناقضها، والدليل على ما أقوله ما روي عن عمرو بن هرمز عن محمد بن عبد الرحمن أن في كتاب النبي ﷺ وكتاب عمر في الصدقة (.. ما كان عَثَرِيًّا يسقيه السماء والأنهار وما كان يسقى من بعل ففيه العشر) فجاء لفظ الحديث كما ترى في (العَثَري) وفصل بينه وبين البعل في الصفة لا في الحكم. وهذا هو الوجه لا محالة لأن لفظ حديث الموطأ يدل عليه قوله ﷺ : (في ما سقت السماءُ والعيون والبعْل العشر) فكونهما نوعين أولى إن شاء الله. وروى ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أنه قال: (ما كان بعلاً أو سقي بالعين أو كان عَثَرِيًّا يسقى بالمطر ففيه العُشْر) وهذا كالأول، فلا وجه مع هذا لكلام أبي حنيفة في جعله الألفاظ الثلاثة بمعنى واحد، أعني: البعل والعِذْي والعَثَرِيّ، لأن التفسير – على علمك – إذا ورد في الحديث، فلا معنى للاشتغال بغيره إلا أن يجيء الخَلَف بزيادة. وقلت بعقب ذلك - أعزك الله – أنك لا تحفظ في ذلك خلافًا، فهذا الذي حملني على ما ذكرته متعدّيًا ذلك الفضل في أن تقذف عليه قناع الستر فإن خجل من هذا. وأما بيت الأنصاري فإن أبا حنيفة استشهد به على لفظ السّقي، وذكره أبو عبيدة في

стр. 449

الشرح، ولم يبين المعنى الذي احتيج به من أجله، غير أنه يظهر عند الفاضل أنه جعله للفظ البعل فقط. وهذا البيت –أعزك الله- لا أفهم إعرابه، لأني قلت: إن البعل الشجر بعينه، فلم جاء به مجرورًا وحقّه أن يقول: ولا بعلاً، عطفًا على (نخل سَقْيٍ) ووزن البيت قائم، وإن قلت إنّ التقدير: لا أبالي بنخل السقي ولا بنخل البعل، فأقول حينئذ إنّ البعل ههنا البقعة التي يغذي نباتها وشجرها بما فيها من الرطوبة، وإليه أشار القاضي. وفي "المنتقى": وقد كان هذا المعنى في نفسي مذ زمان، وما رأيت قوله إلاّ مذ أول من أمس، وأقول ما قاله صاحب "كتاب العين": إن البعل الأرض التي لا يصيبها المطر إلا مرّة في العام، فأوجب أنّ البعل اسم واقع على الأرض كما يقع على الشجر، فإن لم يجز لي هذا ولا هذا، فبين لي ما يظهر إليك في هذا كلّه. وأسألك بما أرعاه من ذمامك أن حملت هذا مني إلى على وجهه، وما خاطبتني به من مدرجة فأجعلها على كتابك تحت ختمك لئلا يقرأها غيري. وقال في "التلقين": فإن كان شربه سيحًا أو بعلاً أو من ماء السماء فلا يتوجّه ههنا أن يقال إنّ البعل هو الشجر بعينه، وأبو محمد هذا من أهل اللسان، ولولا أني أخاف أن أكثر عليك لجلبت لك من ألفاظ الحديث ما وقع في السنن للدارقطني وغيره، ولكن لا وجه لهذا، وأحبّ من أن تبيّن لي ما أراد سلامة بن جندل بقوله: إذا ما علونا ظهرَ بعلٍ عريضةٍ ... تخال عليها قَيْضَ بيضٍ مُفَلَّقِ قال ابن السيد: فراجعته بما هذه نسخته: وأتاني كتابك الخطير مضمّنًا من جميل برّك وجزيل شكرك ما أدريه ولا أمتري فيه، وقد

стр. 450

علم الله أني أراك من صفوة الإخوان، ونخبة الخلان، ووقفت على المدرج طيّه، فرأيتك قد قصدت ما لم أقصده وسبق إليك ظنك ما لم أرده، فإني لم أرد بقولي (إني لا أحفظ خلافًا في ذلك) إني لا أحفظ خلافًا في البعل والعَثَرِيّ، وكيف أريد ذلك وقد قلت لك إنّ غير أبي حنيفة فرّق بين البعل والعثري، وإن قوله: من فرق بينهما أشبه بالحديث من قول أبي حنيفة، وإنما أردت عنه، ولم أتعرض لكلام جميع اللغويين في لفظ البعل، ولو أردت ذلك لأوردت عليك ما ذكرت في كتابك وما لم تذكره، ولكني لمّا رأيتك قد رفعت (البعل) في الحديث، وصممت عليه، وسألتني عن إعرابه، إنّما أشكل عليك إعرابه من أجل اعتقادك برفع (البعل) فقلت لك: إني لا أحفظ خلافًا في خفضه. ولو صحّ عندي أنه روي مرفوعًا لم يتعذّر عليّ توجيه رفعه، ولكنّ القرآن والحديث لا يسوغ للمؤمن أن يتأولهما على ما يجوز في اللغة إذا لم ترد باللفظ رواية من أئمتنا من أهل السنة، فإذا صحّت الرواية بشيء طلب له حينئذ التأويل. وقد تأملت الأحاديث التي ضمنتها كتابك فلم أرك حكيت عن أحد أنه روى (البعل) مرفوعًا، بل الأحاديث المشددة التي ذكرتها تدلّ على الخفض. ولقد أوهمني كلامك أن القاضي رواه مرفوعًا، فطلبت كتابه "المنتقى"، فوجدته قد فسّر الحديث بما يقتضيه الخفض كما فعل أبو عمر بن عبد البر وغيره، وليس فيما ذكرته شيء يوجب رفع (البعل) إلا ما ذكرته عن صاحب "كتاب العين". وما حكيته من كلام عبد الوهاب فذلك ما لا يلتفت إليه، لأن عبد الوهاب لم ينصّ على أن (البعل) روي في الحديث مرفوعًا، وهذه هي النكتة التي كنا نريد أن تجدها مرويّة، فإن كنت قد وجدت الرفع مرويًّا عن بعض الأئمة المعول عليهم فاجعله رواية غريبة، وإن كنت ليس عندك في ذلك منّي أكثر من أنك وجدته مرفوعًا في كتابك، وتريد أن تخرج له وجهًا بتتبع كلام اللغويين، فأنت ترى ما في ذلك. وإن كنت رويته مرفوعًا عن بعض الفقهاء المغفلين الذين لا يفرقون بين المرفوع والمخفوض، فليس يجب أيضًا أن تلتفت إليه ما لم تجد في ذلك نصًّا لإمام مشهور قد سمعته وتكلمه في رفعه.

стр. 451

وأما بيت سلامة بين جندل فالرواية فيه ليست على ما ذكرت، وإنّما وقع في شعر سلامة: إذا ما علونا ظهر نشزٍ كأنّما ... على الهام منّا قَيْضُ بيضٍ مُفَلّقِ وهكذا أنشده ابن النحاس في كتاب المفضليات والأصمعيات. ورواه بعضهم: ظهر نعل عريضة بالنون. والنعل الأرض التي حرّت حجارتها، وبذلك فسّر الحديث: (إذا ابتلّت النّعالُ فصلُّوا في الرحال). وأنشد قول امرئ القيس: كأنّهم حرشفٌ مبثوث ... بالجوِّ إذ تبرقُ النّعالُ ٥٨٨ - حديث المواقيت "هنّ لهنّ ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ ". قال ابن مالك: الضمير الأول والضمير الثالث والضمير الرابع عائدة على المواقيت، فلا إشكال فيهنّ، لأن كل ضمير عائد على جمع ما لا يعقل، فالتعبير عنه في الرفع والاتصال بنحو: فعلت وفعلن، وفي الرفع والانفصال بنحو هي وهنّ، وفي النصب والجرّ بنحو، عرفتها وعرفتهنّ، إلا أن فعلن وهنّ وعرفتهنّ: أولى بالعدد القليل، وفعلت، وهي، وعرفتها: أولى بالعدد الكثير.

стр. 452

فلذلك يقال: الأجذاع انكسرن، وهن منكسرات، وعرفتهن لأن الأجذاع جمع قلة. ويقال: الجذوع انكسرت، وهي منكسرة، وعرفتها، لأنّ الجذوع جمع كثرة. هذا على الأفصح والعكس جائز. وبالأفصح جاء قوله: (هنّ لهنّ ولمن أتى عليهن من غير أهلهنّ). ولو جاء بغير الأفصح لكان: هي ولمن أتى عليها من غير أهلها. وبالأفصح أيضًا جاء القرآن، أعني قوله تعالى: (منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم) [التوبة: ٣٦] فقيل (منها) في ضمير اثني عشر، و (فيهنّ) في ضمير أربعة. وأما الضمير من قوله (لهنّ) فكان حقّه أن يكون هاء وميمًا، فيقال: هنّ لهم، لأن المراد أهل المواقيت، واللائق بهم ضمير الجمع المذكر، ولكنه أنّث باعتبار الفرق والزُّمَر والجماعات. وسبب العدول عن الظاهر تحصيل التشاكل للمجاورين، كما قيل في بعض الأدعية المأثورة: (اللهمّ ربّ السماوات وما أظللن، وربّ الأرضين وما أقللن، وربّ الشياطين وما أضللن). واللائق بضمير الشياطين أن يكون واوًا، فجعل نونًا قصدًا للمشاركة. والخروج عن ال أصل لقصد المشاكلة كثير. ومنه: (لا دريتَ ولا تليتَ) و (أخذه ما قدُم وما حَدُث)، والأصل: تلوْتَ وحَدَثَ، ونظائر ذلك كثير. انتهى.

стр. 453

وسئل الشيخ جمال الدين بن هشام عن هذا الحديث فقال: الجواب من وجهين: أحدهما: أنّ الأصل هنّ لهم، وإنما عدل عن ضمير المذكرين إلى ضمير المؤنثات لقصد التناسب. والثاني: أنه على حذف مضاف أي: هنّ لأهلهنّ، أي هذه المواقيت لأهل هذه البلدان، يدل على ذلك قوله: ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهن. فصرح بالأهل ثانيًا، ونظيره في حذف المضاف –وهو لفظ (أهل) - (واسأل القرية) [يوسف: ٨٢]. ٥٨٩ - حديث: "نهى رسول الله ﷺ أن يقيم الرجل من مقعده ويجلس فيه ". قال الكرماني: (ويجلس فيه) عطفًا على (يقيم)، وكلّ واحد منهما منهيّ عنه، ولو صحّ الرواية بالرفع لكان الكل المجموع منهيًّا. قوله: (قلت لنافع الجمعةَ): قال الزركشي: نصب إسقاط الخافض، أي في الجمعة. قوله: (الجمعةُ وغيرُها): قال الكرماني: مرفوعان، أي متساويان في النهي، أو منهيّ الإقامة فيهما منصوبان أي: في يوم الجمعة وفي غيرها. ٥٩٠ - حديث: "إن الله لا يعذب بدمعٍ ولا بحزنِ القلب، ولكن يعذّب بهذا – وأشار إلى لسانه – أو يرحمُ ". قال ابن بطّال: يحتمل معنيين: أو يرحم إن لم ينفّذ الوعيد فيه، أو يرحم من قال خيرًا واستسلم لقضاء ربه.

стр. 454

قال الكرماني: وإن صحّ الرواية بالنصب يكون (أو) بمعنى (إلى أنْ) يعني: يعذب إلى أن يرحمه الله، لأن المؤمن لا بد أن يدخل الجنة آخرًا. ٥٩١ - حديث "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وِتْرًا ". قال الكرماني: (آخر) يحتمل أن يكون مفعولاً به، وأن يكون مفعولاً فيه، لأن الجعل يتعدى إلى مفعولين وإلى مفعول. ٥٩٢ - حديث "قول الملك في النوم لعبد الله بن عمر: لن تُرَعْ لن تُرَعْ ". قال ابن مالك: (لن) يجب انتصاب الفعل بعدها، وقد وليها في هذا الكلام بصورة المجزوم، والوجه فيه أن يكون سكّن عين (تراع) للوقف، ثم شبهه بسكون الجزم فحذف الألف قبله كما يحذف قبل سكون المجزوم، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف. ومن حذف الساكن لسكون ما بعده وقفًا قول الراجز: أقبل سيلٌ جاء من عند الله ... يحرِدُ حرد الجنة المُغِلَّهْ ويجوز أن يكون السكون سكون جزم على لغة من يجزم بـ (لن)، وهي لغة حكاها الكسائي. انتهى.

стр. 455

٥٩٣ - حديث "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ". قال الطيبي: (أوْ) فيه يجوز أن تكون للتخيير والإباحة، والأحسن أن تكون بمعنى (بلْ) شبه الناسك السالك أولاً بالغريب، ثم ترقى وأضرب عنه بقوله: (أو عابر سبيل) لأن الغريب قد يسكن في بلاد الغربة ويقيم فيها بخلاف ابن السبيل. ٥٩٤ - حديث "لا تدخلوا على هؤلاء المعذَّبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم ما أصابهم ". قال الزركشي: كذا برفع (يصيبُكم) والوجه الجزم، لكنه يخرّج على لغة. ٥٩٥ - حديث: "من استعاذ بالله فأعيذوه ". قال الطيبي: جعل المظهري متعلق (استعاذ) محذوفًا، و (بالله) حالاً، أي من استعاذ بكم متوسلاً بالله. ويمكن أن يكون (بالله) صلة (استعاذ)، والمعنى: بالله من استعاذ فلا تتعرضوا له، بل أعيذوه وادفعوا عنه الشر، فوضع (أعيذوه) موضعه مبالغة. وقوله: (فإن لم تجدوا ما تكافئوه) سقطت النون من غير جازم ولا ناصب. ٥٩٦ - حديث "إنما بقاؤكم فيمن سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس ".

стр. 456

قال الكرماني: فإن قلت: القياس أن يقال: وغروب الشمس، بالواو، لأن (بينَ) يقتضي دخوله على متعدد، قلت: المراد من الصلاة وقت الصلاة، وله أجزاء، فكأنه قال: بين أجزاء وقت صلاة العصر. ٥٩٧ - حديث "إنّ بلالاً ينادي بليلٍ ". قال الكرماني: الباء للظرفية، أي: في ليل. ٥٩٨ - حديث "من حالت شفاعتُه دون حدٍّ ". قال الطيبي: أي قدامه. ٥٩٩ - حديث "لا يتحرّى أحدُكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها ". قال الزركشي: قول (لا يتحرى) قال السهيلي: هو على الخبر، ويجوز الخبر عن مستقر الشريعة، أي لا يكون في الشريعة. وقوله (فيصلي) بالرفع والنصب، وأما النصب فلمخالفة الثاني الأول، كما تقول لمن يأتيك ولا يحدثك، لا تأتينا فتحدثنا، لأن النفي واقع على الثاني دون الأول، وأما الرفع فعلى نفيها جميعًا، وهو مثل قوله تعالى: (لا تفتروا على الله كذبًا فيُسْحِتكم) [طه: ٦١].

стр. 457

وقال ابن خروف: يجوز في (فيصلي) ثلاثة أوجه: الجزم على العطف، أي: لا يتحرى ولا يصلي، والرفع على القطع، أي لا يتحرى وهو يصلي، والنصب على جواب النهي أي: لا يكون قصد فصلاة، والمعنى: لا يتحرى مصليًا. وقال الكرماني: قوله (فيصلي) بالنصب، وهو نحو (ما تأتينا فتحدثنا) في أن يراد به نفي التحري والصلاة كليهما، وأن يراد نفي الصلاة. قال الطيبي: (لا يتحرى) هو نفي بمعنى النهي، و (يصلي) منصوب بأنه جواب ويجوز أن يتعلق بالفعل المنهي، فالفعل المنهي معلل في الأول، والفعل المعلل منهي في الثاني، والمعنى على الثاني: لا يتحرى أحدكم فعلاً يكون سببًا لوقوع الصلاة في زمان الكراهة، وعلى الأول كأنه قيل: لا يتحرى، فقيل: لمَ تنهانا عنه؟ فأجيب: خيفةَ أن تصلّوا أوان الكراهة. ٦٠٠ - حديث "إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء، ولا يعجل حتى يفرغ منه ". قال الطيبي: فإن قلت (الأحد) إذا كان في سياق النفي يستوي فيه الواحد والجمع، وفي الحديث في سياق الإثبات، فكيف وجه الأمر إليه تارة بالجمع وأخرى بالإفراد؟ قلت: جمع نظرًا إلى لفظ (كُمْ) وأفرد نظرًا إلى لفظ (الأحد) والمعنى: إذا وضع عشاء أحدكم فابدءوا أنتم العشاء، ولا يعجل هو حتى يفرغ معكم منه. ٦٠١ - حديث "لا يقبل صلاة بغير طهور ". قال الحافظ ابن حجر في "شرح الترمذي": في بعض الروايات الصحيحة (من غير

стр. 458

طهور) فيحتمل أن يكون فيه (من) التبيين، نظير التي في الجملة الأخرى وهي قوله: (ولا صدقة من غلول). ويحتمل أن يكون (من) فيه مرادفة الباء كما في قول يونس بن حبيب النحوي في قوله تعالى: (من طرف خفي) [الشورى: ٤٥]. وممّا يؤكد هذا ههنا صحة الروايتين معًا تارة بالباء وتارة بمِنْ، والقصة واحدة، فدلّ على الترادف. انتهى. ٦٠٢ - حديث "رأيتُ رسول الله ﷺ ركب راحلته ثم يُهِلُّ حين تستوي به راحلته، وروي حتّى تستوي به راحلته ". قال ابن مالك: هذا الموضع صالح لحين وحتى، أما صلاحيته لحين فظاهرة، وأمّا صلاحيته لحتى فعلى أن يكون قصد حكاية الحال، فأتى بحتّى مرفوعًا بعدها الفعل، كقراءة نافع: (وزلزلوا حتى يقولُ الرسول) [البقرة: ٢١٤]، وكقولة بعض العرب: مرض فلان حتّى لا يرجونه، على تقدير: مرض فإذا هو لا يرجى. وكذا تقدير الحديث: ثم يهلّ فإذا هي مستوية راحلته، والمعنى أن إهلاله مقارن لاستواء راحلته به، كما أن انتفاء رجاء المريض مقارن للحال التي انتهى إليها. ولو نصب (يستوي) لم يجز، لأنه يستلزم أن يكون التقدير: ثم يهلّ إلى أن تستوي به راحلته، وهو خلاف المقصود، إلا أن يريد: يهلّ بلا قطع حتى تستوي راحلته، فيقطع قطع استراحة مردفًا بإهلال مستأنف. فذلك جائز.

стр. 459

٦٠٣ - حديث: "إن ابن عبد الله بن عمر قال لأبيه: أقم فإنّي لا إيمَنُها أن ستصدَّ عن البيت ... ". قال ابن مالك: يجوز كسر حرف المضارعة إذا كان الماضي على فعل ولم يكن حرف المضارعة ياء نحو (تعلم)، وللياء من الكسر ما لغيرها إن كانت الفاء واوًا أو كان ماضيه (أبى) نحو يبجل وييبى. وعلى هذه اللغة جاء (لا إيمنها). والضمير في (إيمنها) عائد على الجماعة التي قصدت الحج، فإن مشاهدتها تغني عن ذكرها. وفي (ستصدّ) أيضًا ضمير مرفوع عائد على الجماعة، ولا يجوز أن يكون الضمير من (إيمنها) ضمير القصّة، لأن عامل ضمير الشأن والقصة لا يكون إلا ابتداء أو بعض نواسخه و (إيمن) مغاير لذلك. ٦٠٤ - حديث "الوترُ ركعةٌ من آخر الليل ". قال الطيبي: (من آخر الليل) خبر موصوف، أي ركعة منشأة من آخر الليل، آي آخر وقتها آخر الليل. ٦٠٥ - حديث "سبحان الله هي صلاة الملائكة ". قال الطيبي: (هي) ضمير فصل وعماد. ٦٠٦ - حديث: "إنّ أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ، إن كان من أهل

стр. 460

الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار". قال التوربشتي: التقدير: إنْ كان من أهل الجنة فمقعد من مقاعد أهل الجنة يعرض عليه. وقوله: (حتى يبعثك الله إليه) الضمير يرجع إلى المقعد، ويجوز أن يعود إلى الله. وقال الطيبي: يجوز أن يكون المعنى: إن كان من أهلها فيبشّر بما لا يكتنه كنهه، لأن هذا المنزل طليعة تباشير السعادة الكبرى والشقاة العظمى، لأن الشرط والجزاء إذا اتّحدا أدلُّ على الفخامة كقولهم: من أدرك الضمان فقد أدرك، أي فقد أدرك المرعى. الضمان موضع كثير العشب. والضمير في (يبعثك الله إليه) إمّا أن يرجع إلى المقعد، فالمعنى: هذا مقعدك حتى تبعث إلى مثله من الجنة والنار كقوله تعالى: (هذا الذي رزقنا من قبلُ) [البقرة: ٢٥] أي مثل الذي. أو يرجع إلى الله أي: هذا الآن مقعدك إلى يوم القيامة أي المحشر، فترى عند ذلك كرامة أو إهانة تنسى عنده هذا المقعد. قال "صاحب الكشاف": في قوله تعالى: (وإنّ عليك لعنتي إلى يوم الدين) [ص: ٧٨] أي أنك مذموم مدعوّ عليك باللعنة إلى يوم الدين، فإذا جاء ذلك اليوم عذّبت بما تنسى اللعن معه.
следующие страницы →