وهذه الاحتمالات كلها في التقدير إمّا في التجوز في الفعل الثاني أو الفعل الأول، أو الحذف، راجعة إلى معنى واحد هو الحكم برفع (القلم) إلى الغاية المذكورة، وقد (رواه) ابن ماجة بلفظ (يرفع) بصيغة الفعل المضارع، فلا يرد السؤال على هذه الرواية.
فإن قلت: (فقوله) تعالى: (وزلزلوا حتى يقولَ الرسولُ) [البقرة: ٢١٤] قرئ بنصب (يقول) وهي منصوبة بتقدير: "أنْ)، و (أنْ) تخلص الفعل للاستقبال.
فالجواب: أن هذا وإنْ قدّر مستقبلاً فهو ماض في الزمان، والمعنى: حتى قال الرسول. انتهى.
٧٧٧ - حديث: "ما عندنا من كتابٍ نقرأه إلاّ كتابَ الله غيرَ هذه الصّحيفة ".
قال الكرماني: (غيرَ) حال أو استثناء آخر، وحرف العطف مقدر، كما قال الشافعلي في التحيات المباركات: تقديره: (والصلوات).
وفي الرواية الأخرى: ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهمًا يعطى رجل في كتابه.
قال الكرماني: فإن قلت: (إلاّ فهمًا) هو استثناء، إذ هو مثبت، والاستثناء من الإثبات منفي. قلت: هو منقطع، أي: لكن الفهم عندنا، أو حرف العطف مقدر، أي: وفهمًا. انتهى.
стр. 562
وقال التوربشتي: أخبر أنه ليس عنده شيء سوى القرآن، ثم استثنى استثناء أراد به استدراك معنى اشتبه عليهم. فعرفه فقال: إلاّ فهمًا يعطي رجل في كتابه. أن التفاوت في (المعلوم) لم يوجد من قبل البلاغ، وإنما وقع من قبل الفهم.
وقال الطيبي: لو ذهب إلى إجراء المتصل مجرى المنقطع على عكس قول الشاعر:
وبلدةٍ ليس بها أنيسُ ... إلاّ اليعافيرُ وإلاّ العيسُ
فيؤول قوله: إلا يعطي فهمًا، بقوله: ما يستنبط من كلام الله (تعالى) بفهم رزقه الله، لم يستبعد، فيكون المعنى: ليس عنده شيء قطّ إلاّ ما في القرآن وما في الفهم من الاستنباط منه، فيلزم أن لا شيء خارج عنه، كما قال تعالى: (ولا رطبٍ ولا يابس إلا في كتاب مبين) [الأنعام: ٥٩]، وهذا (فن) غريب وأسلوب عجيب. انتهى.
٧٧٨ - حديث: "أوشكَ أن تستحلَّ أمّتي فروجَ النساء والحريرَ ".
стр. 563
كذا رواه ابن عساكر في "تاريخه": وقد رأيت في تذكرة العلامة شمس الدين بن الصائغ عن النجيري أحد أئمة اللغة، أنه قال: فيما كتبه على غريب الحديث لأبي عبيد، لا يقال: أوشك أن يجيء، ولكن يوشك أن يجيء. انتهى.
فيحتمل أن يكون هذا الحديث مما غيرته الرواة، ويؤيده أن جميع الأحاديث جاءت بلفظ (يوشك)، ولم يجء (أوشك) إلا في هذا الحديث فقط، ولا أحفظ له ثانيًا.
٧٧٩ - حديث: "من حسن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه ".
قال الطيبي عن بعضهم: إن (مِنْ) في قوله: (مِنْ حُسن) تبعيضية، ويجوز أن تكون بيانية.
٧٨٠ - حديث: "إنّ في الجنّة لسوقًا ما فيها شراءٌ ولا بيعٌ إلاّ الصّور ".
قال الطيبي: الاستثناء منقطع، ويجوز أن يكون متّصلاً، بأن يجعل تبديل الصفات، من جنس البيع والشراء.
٧٨١ - حديث: "نعم الرجلُ الفقيهُ في الدّين إن احتيجَ إليه نَفع، وإنْ استُغْنِيَ عنه أغنى نفسه ".
قال الطيبي: (الفقيه) هو المخصوص بالمدح، و (في الدين) متعلق به، أي: الذي فقه في الدين. والجملة الشرطية يجوز أن تكون حالاً من الضمير في الفقيه، وأن تكون صفة للفقيه إذا جعل التعريف للجنس نحو:
стр. 564
ولقد أمرُّ على اللئيم يسبُّني
والظاهر أن يكون جملة مستأنفة بيانًا لاستحقاقه المدح.
٧٨٢ - حديث: "إنّما مثلُ أمّتي الغيثُ لا يُدرى آخرُه خيرٌ أم أوّلُهُ، أو كحديقةٍ أطعمَ منها فوجٌ عامًا، ثم (أطعم) منها فوجٌ عامًا لعلّ آخرَها فوجًا أن يكون أحسنَها ".
قال الطيبي: (أو) هذه مثلها في قوله تعالى: (أو كصيِّبٍ من السّماء) [البقرة: ١٩] في أنها مستعارة للتساوي في غير الشك. و (فوجًا) منصوب على التمييز، و (أن يكون) خبر (لعل)، وأدخل فيها أنْ تشبيهًا للَعَلّ بعسى. واسم (يكون) يحتمل أن يكون (ضميرًا) عائدًا إلى آخرها.
٧٨٣ - حديث: "ارْجعن مأزوراتٍ غير مأجوراتٍ ".
قال ابن يعيش في "شرح المفصل": المشاكلة من الألفاظ في مطلوبهم، ألا ترى
стр. 565
أنهم قالوا: (أخذه ما قدُم وحدُث"، فضموا فيهما، ولو انفرد لم يقولوا إلاّ حدث مفتوحًا. ومنه الحديث (ارجعن مأزورات) والأصول موزورات، فقلبوا الواو ألفًا مع سكونها ليشاكل (مأجوارت)، ولو انفرد لم يقلب. وكذلك أميل (ضحاها) من قوله تعالى: (والشمس وضحاها) [الشمس: ١] ولو انفرد لم يمل، لأنه من ذوات الواو، وإنما أميل لازدواج الكلام حين اجتمع مع ما يمال وهو يخشاها وجلاها.
٧٨٤ - حديث: "ديةُ شبه العمدِ أثلاثًا ثلاثٌ وثلاثون ".
قال الطيبي: (دية شبه العمد) مبتدأ، و (ثلاث وثلاثون) خبره، وقد وقع التمييز وهو قوله: (أثلاثًا) بينهما كما يقال: التصريف لغةً (التغيير) مثلاً. أو نصب على تقدير أعني، وهذا قوله: خمس وعشرون، خبر مبتدأ محذوف، و (أثلاثًا) تمييز، وقوله: (في الخطأ) من قول الراوي: أي: قال علي في شأن الخطأ: دية الخطأ خمس وعشرون.
٧٨٥ - حديث الزكاة قوله: "وليس في تسعين ومائةٍ شيءٌ حتى تتِمَّ مائتي درهم ".
قال الطيبي: الفاعل ضمير (الرِّقَة) و (مائتي) حال. أي: بالغة مائتي. كقوله تعالى: (فتم ميقات ربه أربعين ليلة) [الأعراف: ١٤٢].
стр. 566
وقوله: (في الغنم في كل أربعين شاة شاة).
قال الطيبي: (شاة) مبتدأ، و (في الغنم) خبره. و (في كل أربعين) بدل من (في الغنم) بإعادة الجار، وليس (شاة) هنا تمييز. مثله في قوله: في كل أربعين درهمًا درهم. لأن "درهمًا" بيان مقدار الواحد من أربعين، ولا يعلم هذا من الرقة، فتكون شاة هنا (لمزيد) التوضيح.
٧٨٦ - حديث: "ألا أعلِّمُك كلماتٍ لو كان عليك مثلُ جبلِ أحد ديْنًا ".
قال الطيبي: (دينًا) يحتمل أن يكون تمييزًا عن اسم كان لما فيه من الإبهام. و (عليك): خبره مقدّمًا عليه. وأن يكون (دَيْنًا) خبر كان و (عليك) حال من المستتر في الخبر. والعامل معه الفعل المقدر. ومن جوّز إعمال (كان) في الحال فظاهر على مذهبه.
٧٨٧ - حديث: "من ملك زادًا وراحلةً تُبْلِغُه إلى بيت الله ولم يَحجَّ ".
قال البيضاوي: إنما وحّد الضمير في (تبليغِه) والمرجوع إليه شيئان، لأنهما في معنى الاستطاعة والمعتبر هو المجموع. ويجوز أن يكون الضمير للراحلة، ويكون تقييدها (يُغْنيه) عن تقييد الزاد.
قوله: (فلا عليه أن يموت يهوديًّا أو نصرانيًّا).
стр. 567
قال الطيبي: (أو) بمعنى الواو، كما في قوله تعالى: (عُذْرًا أو نُذْرًا)، والمعنى أن وفاته على هذه الحالة، ووفاته على اليهودية والنصرانية سواء. [في ما فعله].
٧٨٨ - حديث: "سمعته أذناي، ووعاه قلبي من رسول الله ﷺ : الناس تبعٌ لقريش ".
قلت: هذا من باب التنازع، وقد أعمل الأول، وأضمر في الثاني المفعول.
٧٨٩ - حديث: "ما منكم من أحدٍ، ما من نفسٍ منفوسةٍ إلاّ كتب مكانُها من الجنة والنار، إلاّ وقد كتبت شقيةٌ أو سعيدةٌ ".
قال الكرماني: هذا نوع من الكلام الغريب يحتمل أن يكون (ما من نفس) بدل من (ما منكم)، و (إلا) ثانيًا بدل من (إلاّ) أولاً. وأن يكون من باب اللّف والنشر، وأن يكون تعميمًا بعد تخصيص. إذ الثاني في كل منهما أعم من الأول. ومكانها بالرفع. والواو من (والنار) بمعنى أو، وشقية بالرفع. أي: هي شقية. ولفظ (إلا) في المرة الثانية في رواية مع الواو وفي رواية بدونها.
وقال الزركشي: (شقية أو سعيدة) بالرفع على تقدير هي، وروي (بنصبهما).
стр. 568
٧٩٠ - حديث: "خيرُ نسائِها مريمُ، وخيرُ نسائها خديجة ".
قال الزركشي: هذا ظاهره مشكل على قاعدة من العربية، فإنه ظاهر في جواز: زيد أفضل إخوته. وقد اتفقوا على منعه، وفيه وجهان: أحدهما: أن يجعل خيرًا بمعنى خير لا على جهة التفضيل. وثانيهما: وهو الأصح أن الضيمر راجع (للدنيا)، كما تقول: زيد أفضل (أهل) الدنيا. ويجوز على تقدير مضاف محذوف، أي خير نساء (زمانها)، فيعود الضمير على مريم. وإنما جاز أن يرجع الضمير للدنيا، وإنْ لم يجر لها ذكر (لأنه) يفسره الحال والمشاهدة، ومعنى ذلك أن كل واحدة منهما خير (نساء) عالمها (في وقتها). انتهى.
[قلت: وقد ورد بلفظ: مريم خير نسائها عالمها].
وقال الكرماني: فإن قلت ما مرجع الضمير في (نسائها)؟ وهل يكون الخبر متعدّدًا؟ قلت: نقلوا أن وكيعًا فسر الضمير بالأرض.
وقال النووي: أي خير نسائها، أي: نساء الأرض في عصرها، ويحتمل أن
стр. 569
يراد بالأول نساء بني إسرائيل، وبالثاني نساء العرب، أو تلك الأمة، وهذه الأمة.
٧٩١ - حديث: "من فرَّق بين والدةٍ وولدِها فرّق الله بينه وبين أحبّته يوم القيامة ".
قال الأشرفي: لم يفرق في الحديث بين الوالدة والولد بلفظ (بين) وفرق في أجزائه حيث كرّر (بين) الثاني ليدل على عظم هذا الأمر، وأنه كما لا يجوز التفريق بينهما في اللفظ فكيف التفريق بين ذواتيهما.
قال الطيبي: قال الحريري في "درة الغواص": ومن أوهامهم أن يدخلوا بين المظهرين، وهو وهم، وإنما أعادوا بين المضمر والمظهر قياسًا على المجرور بالحرف كقوله تعالى: (تساءلون به والأرحام) [النساء: ١]، لأن المضمر المتصل متصل كاسمه، فلا يجوز العطف على جزء الكلمة بخلاف المظهر لاستقلاله.
٧٩٢ - حديث: "إنّه لعهدُ النبيّ الأمّيّ إليّ: أنْ لا يحبّني إلا مؤمنٌ ولا يبغضني إلا منافق ".
قال القرطبي: الضمير في أنه ضمير الأمر والشأن، والجملة بعده تفسيره له. و (أنْ) هي الناصبة للفعل، ويحتمل أن تكون المخففة من الثقيلة. وكذلك روى (يحبني) بفتح الباء وضمها. وكذلك (يبغضني) لأنه معطوف عليه.
стр. 570
٧٩٣ - حديث: "لم يكن يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة ".
قال الخطابي: معناه غير الجنابة.
قال: وحرف ليس له ثلاثة مواضع: أن تكون بمعنى الفعل، وهو يرفع الاسم وينصب الخبر، كقولك: رأيت عبد الله ليس زيدًا. ينصب به كما ينصب بلا. ويكون بمعنى غير كقولك: ما رأيت أكرم من عمرو ليس زيد، أي: غير زيد، وهو يجر ما بعده. انتهى.
وقال الزركشي في "تخريج أحاديث الرافعي": ليس هنا بمعنى (غير).
وقال البزار: إنها بمعنى (إلا)، ويؤيده رواية ابن حبان: إلاّ الجنابة، وفي رواية له: ما خلا الجنابة.
وقال الشيخ ولي الدين العراقي في "شرح أبي داود": ضبطنا لفظ الجنابة في أصلنا بالنصب. وله توجيهان: أحدهما: أنه (ليس) هي الناسخة. واسمها ضمير راجع للبعض المفهوم (مما) تقدم، ولفظ (الجنابة) هو الخبر، والتقدير: ليس بعض ذلك الشيء الجنابة. أنها حرف ناصب للمستثنى بمعنى (إلا)، ويدل عليه قوله في رواية (ابن ماجة): إلا الجنابة وقد أثبت بعضهم هذا المعنى (لليس)، والصحيح إنكاره، وأن ما ورد من ذلك يحمل على أنها ناسخة بالتقدير المتقدم. ويمكن في قوله: ليس الجنابة، بالرفع على أن يكون (الجنابة) اسم ليس وخبرها محذوف تقديره: ليس الجنابة من ذلك. انتهى.
стр. 571
٧٩٤ - حديث: "وضع عمرُ على سريره، فتكنَّفه الناس، فلم يَرُعْني إلاّ رجلٌ قد أخذ بمنكبي فقال: وأيْمُ الله إن كنتُ لأظنُّ ليجعلك اللهُ مع صاحبيك، وذلك أني كنت أكثر أن أسمع رسول الله ﷺ يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمرُ، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، وفعلت أنا وأبو بكر وعمر، وانطلقت أنا وأبو بكر وعمر، [فإن كنت ليجعلنّك الله معهما] ".
(وقع في رواية البخاري: كنت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر.).
فقال ابن مالك في "توضيحه": فيه صحة العطف على ضمير الرفع المتصل غير مفصول بتوكيد أو غيره، وهو مما لا يجيزه النحويون في (النثر) إلاّ على ضعف، ويزعمون أن بابه الشعر، والصحيح: جوازه نظمًا ونثرًا. ومنه قول عمر: كنت وجاري من الأنصار. انتهى.
وقد تبين وجود (الفصل) في هذه الرواية بـ (أنا). فعرف أن الذي في البخاري من تصرف الرواة.
٧٩٥ - حديث: "للمسلم على المسلم ستُّ خصالٍ بالمعروف ".
стр. 572
قال الطيبي: (بالمعروف) صفة بعد صفة لموصوف محذوف يعني: للمسلم على المسلم ستّ خصال لينة متلبسة بالمعروف.
٧٩٦ - حديث: "سترُ ما بين أعين الناس وعورات بني آدم إذا دخل أحدُهم الخلاءَ يقولُ: باسم الله ".
قال الطيبي: (سِتْر) مبتدأ، والخبر (أن يقول). و (ما) موصولة مضاف إليها وصلتها الظرف.
٧٩٧ - حديث: "من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها ماء فعل الله به كذا وكذا من النّار ".
قال الطيبي: قوله (من جنابة) متعلق بـ (ترك)، و (لم يصبها) صفة (موضع شعرة)، أنّث الضمير باعتبار المضاف إليه. وقوله: (كذا وكذا)، كناية عن العدد، مثل: (كم)، كما أن (كيت وكيت) كناية عن (الحال) والقصة.
٧٩٨ - حديث: "لا يؤمن عبدٌ حتى يؤمنَ بأربع ".
قال الطيبي: (حتّى) هنا للتدريج، كما في قوله ﷺ : (إنّ الرجلَ ليصدقُ حتى يكتبَ عند الله صِدِّيقًا). يعني: لا يعتبر التصديق بالقلب حتى يتمكن منه التصديق
стр. 573
إلى أن يبلغه إلى هذه الأوصاف الأربعة.
(وقوله: (يشهدُ أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله بعثني بالحقّ) (بعثني) استئناف، كأنه قيل: لم يشهد بذلك؟ فأجيب: بعثني بالحق.) ويجوز أن يكون حالاً مؤكدة، أو خبرًا بعد خبر (أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسول الله).
٧٩٩ - حديث "دعاء الافتتاح ".
قال الطيبي: قوله: (أنا بكَ وإليك). أي: بك وجدت، وإليك أنتهي. أي: أنت (المبتدأ والمنتهى). وقيل. أنا بك أعتمد، وإليك أتوجه.
وقوله: (تباركت): لا (تستعمل) هذه الكلمة إلا لله تعالى.
وقوله: (لا منجا). مقصور لا يجوز أن يمد أو يهمز. و (لا ملجأ) الأصل فيه الهمز، ومنهم من يلين همزته، ليندرج مع (منجى).
قوله: (واعترفت بذنبي) حال مؤكدة (مقررة) مضمون الجملة السابقة.
٨٠٠ - حديث: "البخيلُ من ذكرت عنده فلم يصلّ علي ".
كذا الرواية، وأورده الطيبي بلفظ: البخيل الذي ذكرت عنده، وقال: الموصول
стр. 574
الثاني مزيد مقحم بين الموصول وصلته، كما في قراءة زيد بن علي: (الذي خلقكم والذين من قبلكم). [البقرة: ٢١].
٨٠١ - حديث: "إن الله وترٌ يحبُّ الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن ".
قال التوربشتي: الفاء جزاء شرط محذوف. كأنه قال: إذا هديتم إلى الله إن الله وتر يحب الوتر فأوتروا.
٨٠٢ - حديث: "أمّا ناقتُك فانحرها، وأمّا كيت وكيت، فمن الشيطان ".
قال الزمخشري في "المفصل": (كيت) و (ذيت)، مخففان من كية وذية، وكثير من العرب يستعملونهما على الأصل، ولا يستعملان إلا مكررتين، وقد جاء فيهما الفتح والكسر والضم، والوقف عليهما كالوقف على بنت وأخت.
قال الأندلسي: وبنيا لأنهما كنايتان عن الجمل، والجمل مبنية فبُنيت تشبيهًا لها بما كني عنها. والتاء فيهما بدل من لام الاسم، وليست تاء تأنيث، كما كانت في (كية) و (ذية)، إلا أنهم يخصون بهذا (التعويض) المؤنث. فتخصيصهم إياه ذلك دليل على التأنيث. وكذا التاء في بنت وأخت.
قال أبو العباس: وهما (كنايتان) عن الحديث (المدمج).
وقال ابن مالك في "شرح الكافية": الكناية عن الحديث بكيت وكيت أو ذيت
стр. 575
وذيت، بفتح التاء وكسرها، والفتح أشهر. وقد تفتح التاء وتشدد الياء. و (قد) قال السيرافي: في (كيت) و (ذيت) إذا خفّفا ثلاث لغات، وإذا شدّدا (فالفتح لا غير).
٨٠٣ - حديث: "إنّ هذين حرامٌ على ذكور أمّتي ".
قال ابن مالك في شرح الكافية: أراد: استعمال (هذين) فحذف الاستعمال، وأقام (هذين) مقامه، فأفرد الخبر.
وقال الطيبي: قيل القياس: (حرامان) إلا أنه مصدر لا يثنى ولا يجمع. والتقدير: كل واحد منما حرام، فأفرد لئلا يتوهم الجمع.
٨٠٤ - حديث الظعينة: "لتخرجنّ الكتاب، أول لتلقينّ الثياب ".
قال الزكرشي، كذا الرواية، المشددة تجتمع مع (الياء) وصواب العربية (لَتُلْقِنَّ) بحذف الياء، لأن النون المشددة تجتمع مع الياء الساكنة، فتحذف لالتقاء الساكنين.
وقال الكرماني: روي بكسر الياء وفتحها، فإن قلت: يقتضي أن يحذف الياء، ويقال: (لتُلْقِنّ). قلت القياس ذلك، وإذا صحت الرواية بالياء، فتؤول الكسرة بأنها
стр. 576
مناسبة لماشكلة (لتُخْرِجِنَّ) طريقة (الالتفات من الخطاب) إلى الغيبة. وروي بفتح القاف، ورفع (الثياب).
مسند عمار بن ياسر ﵁
٨٠٥ - حديث: "ألا أحدثكم بأشقى الناس رجلين ".
قال أبو البقاء: منصوب على التمييز كما تقول: هذا أشقى الناس رجلاً، وجاز تثنيته وجمعه، مثل قوله تعالى: (بالأخسرين أعمالا) [الكهف: ١٠٣]، وكما قالوا: نعم رجلين الزيدان، ونعم رجالاً الزيدون و (هم) أفضل الناس رجالاً.
٨٠٦ - حديث: "أصابتني جنابة ولا ماء ".
стр. 577
قال الزركشي: يجوز فيه النصب بلا تنوين، وبه مع التنوين وعلى الأول اقتصر "ابن دقيق العيد" وقال: الخبر محذوف، أي: لا معي أو عندي موجود.
٨٠٧ - حديث: "إنَّ طولَ صلاةِ الرجل، وقصرَ خطبته مئِنَّةٌ من فقهه ".
قال المازَرِي: قال الأصمعي: سألني شعبة عن هذا الحرف فقلت: هو كقولك علامة ومحلقة ومحذرة.
قال الأزهري: هو مفْعلة، وميمه ليست بأصلية.
وقال القاضي عياض: قال لي أبو الحسن –شيخنا-: الميم في (مِئِنَّة) أصلية، ووزنها فعلّة، من (مأنت) إذا شعرت، وقاله أبوه أبو مروان. وقال النّووي: الأكثرون على أنها زائدة.
وقال في "النهاية": حقيقتها أنها مفعلة من معنى (أنّ) التي للتحقيق والتأكيد، غير مشتقة من لفظها، لأن الحروف لا يشتق منها، وإنما ضمنت حروفها دلالة على أن معناها فيها ولو قيل: إنها اشتقت من لفظها بعد ما جعلت اسمًا لكان قولاً، ومن أغرب ما قيل فيها أن الهمزة بدل من ظاء المظنة. والميم في ذلك كله زائدة. وجعلها أبو عبيدة كلها أصلية.
٨٠٨ - حديث: "تمعّكت فأتيت النبي ﷺ فقال: يكفيك الوجه والكفين ".
قال ابن مالك في "توضيحة": في جرّ (الوجه) وجهان: أحدهما: أن يكون
стр. 578
الأصل: يكفيك مسح الوجه والكفين، فحذف المضاف وبقي المجرور به على ما كان عليه.
والثاني: أن يكون الكاف حرف جر زائد كما هو في (ليس كمثله شيء) [الشورى: ١١] أي: ليس مثله شيء، لا بد من الحكم بزيادته، لأن عدم زيادته يستلزم ثبوت مثل لا شيء مثله وذلك محال. ومثل كان (كمثله) كاف (كأمثال اللؤلؤ المكنون) [الواقعة: ٢٣] والكاف في قوله:
لواحق الأقرابِ فيها كالمقَقْ
يريد: فيها المقق، أي: الطول. ويجوز على هذا الوجه رفع الكفين عطفًا على موضع (الوجه)، فإنه فاعل. وإن رفع (الوجه) وهو الجيد المشهور، فالكاف ضمير المخاطب. ويجوز في (الكفين) حينئذ الرفع بالعطف وهو الأجود، والنصب على أنه مفعول معه. انتهى.
وقال الزركشي: يروى: الوجه والكفان، بالرفع وبالجر وبالنصب على المفعول به.
وقال الحافظ ابن حجر: يروى بالرفع فيهما على الفاعلية، وبالنصب على المفعولية فيهما، إمّا بإضمار: أعني، أو التقدير: يكفيك أن تمسح الوجه والكفين، أو بالرفع في (الوجه) على الفاعلية، وبالنصب في (الكفين) على أنه مفعول معه.
стр. 579
٨٠٩ - حديث: "اللهم بعلمك الغيبَ وقدرتِك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي ".
قال الطيبي: الباء للاستعطاف. أي: أنشدكَ بحق علمك.
وقوله: و (أسألك خشيتك) عطف على محذوف – و (اللهم) معترضة، وقوله: (من غير ضراء مضرة)، قال الطيبي: متعلق الظرف مشكل ولعله متصل بالقرينة الأخيرة، وهي قوله: (والشوق إلى لقائك) ويجوز أن يتصل بقوله: (أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي).
مسند عمر بن الخطاب ﵁
٨١٠ - حديث: "أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم ".
قال ابن يعيش في "شرح المفصل": الفتح في (نعم) والكسر لغتان فصيحتان،
стр. 580
إلا أن الفتح كثير في كلام العرب. وقد جاء الكسر في كلام النبي ﷺ ، وجماعة من الصحابة، منهم عمر وعلي والزبير وابن مسعود. وذكر الكسائي: إنّ أشياخ قريش يتكلمون بها مكسورة، وحكي عن أبي عمرو قال: لغة كِنانة: نِعَم، بالكسر.
وفي "المفصل" للزمخشري، وفي قراءة عمر بن الخطاب وابن مسعود قالوا: نعم، وحكي أن عمر سأل قومًا عن شيء فقالوا: نعم، بالفتح فقال عمر: إنّما النّعم الإبل، فقولوا نعم.
٨١١ - حديث: "من نام عن حزبه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنّما قرأه من الليل ".
قال الطيبي: (كتب له) جواب الشرط، و (كأنما) صفة مصدر محذوف، أي: أثبت أجره في صحيفة عمله إثباتًا، مثل إثباته حين قرأه من الليل.
٨١٢ - حديث: "إنّ أخوفَ ما أخاف على أمتي كلُّ منافقٍ عليم اللسان ".
قال أبو البقاء: (أخوف) اسم (إنّ) و (ما) هنا نكرة موصوفة، والعائد محذوف تقديره: (إن أخوف شيء أخافه على أمتي كل)، و (كلّ) خبر (إنّ)، وفي الكلام تجوز لأن (أخوف) هنا للمبالغة، وخبر (إنّ) هو اسمها في المعنى، فكلّ منافق أخوف) هنا وليس كلّ أخوف منافقًا. بل المنافق مخوف ولكن جاء به على المعنى.
٨١٣ - حديث: "قال: إنّي صائمٌ، قال: وأيَّ الصيام تصوم؟ قال: أول الشهر
стр. 581
وآخره، قال: إنْ كنت صائمًا فصم الثلاث عشرة، والأربع عشرة، والخمس عشرة".
قال أبو البقاء: (أيّ) هنا منصوبة بـ (تصوم) والزمان معها محذوف تقديره: أيّ زمانِ الصّوم تصوم. ولذلك أجاب بقوله: (أول الشهر)، ولو لم يرد حذف المضاف لم يستقم، لأن الجواب يكون على وفق السؤال فإذا كان الجواب بالزمان كان السؤال عن الزمان. ولا يجوز أن لا يقدر في السؤال حذف مضاف بل تقديره في الجواب، ويقدر: صيام أول الشهر.
وقوله: (الثلاث عشرة)، وما بعدها أدخل الألف واللام على الاسم الأول من المركب، وهو القياس، والتقدير: الليلة الثلاث عشرة، والمراد يوم الليلة الثلاث عشرة، لأن الليلة لا تصام. انتهى.
وقال ابن مالك: أراد اليوم الثلاث عشرة ليلة، وكذا في الباقي، (فحذف المضاف، ولولا ذلك لقال: الثلاثة عشرة، وكذا في الباقي) لأنّ الصوم يوم لا ليلة.
٨١٤ - حديث: "فإذا أنا برباح غلام رسول الله ﷺ قاعدًا على أُسْكُفَّةِ المشربة ".
قال أبو البقاء: (إذا) هذه ظرف مكان، ومعناها المفاجأة و (أنا) مبتدأ، وفي الخبر وجهان: أحدهما: برباح، والتقدير: فإذا أنا بصرت برباح، و (إذا) على هذا منصوبة.
والثاني: الخبر هو (فإذا) لأنه مكان، وظرف المكان يكون خبرًا عن الجئة، و (برباح) في موضع المفعول.
стр. 582
وأما (قاعدًا) فحال من رباح والعامل فيه ما تتعلق به الباء.
٨١٥ - حديث حمار: "لا تلعنوه فوالله ما علمت إنّه يحبُّ الله ورسوله ".
قال أبو البقاء: في المعنى وجهان، أحدهما أن (ما) زائدة، أي: فوالله علمت أنه، والهمزة على هذا مفتوحة لا غير.
والثاني: أن لا تكون بزائدة، ويكون المفعول محذوفًا، أي: ما علمت عليه أو منه سوءًا، ثم استأنف فقال: إنّه يحب الله ورسوله فالهمزة على هذا مكسورة.
وقال الكرماني: فإن قلت (ما) موصولة لا نافية فكيف وقع جوابًا للقسم، قلت جوابه: إنه يحب الله، وهو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو ما علمته منه، والجملة معترضة بين القسم وجوابه، وقال الزركشي: معناه: الذي علمت و (أنه) مفتوحة، وهي وما بعدها في موضع مفعول (علمت).
وقال المظهري: (ما) موصولة، وإنّ مع اسمه وخبره سد مسد مفعولي (علمت) لكونه مشتملاً على المنسوب والمنسوب إليه، والضمير في (إنّه) يعود إلى الموصولة، والموصول مع صلته خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو الذي علمت، والجملة جواب القسم، قال الطيبي: وفيه تعسف.
وفي "مطالع الأنوار" يعني: فوالله الذي علمته إنّه يحب الله ورسوله، فعلى هذا (عَلِمَ) بمعنى عَرَفَ، و (إنّه) خبر الموصول.
وفيه أيضًا: أو يجعل (ما) نافية والتاء للخطاب على طريق التقرير له، ويصح على هذا كسر (إنّه) وفتحها، والكسر على جواب القسم، وفيه أن (ما) صلة تأكيد، أي: لقد علمت.
стр. 583
قال الطيبي: وكأن جعل (ما) نافية أظهر لوجوب اقتضاء القسم أن يتلقى بحرف النفي، وأن واللام بحذف الموصولة، ولأن الجملة القسمية جيء بها مؤكدة لمعنى النهي، ومقرره للإنكار، ويؤيده رواية "شرح السنة": (فوالله ما علمت إلاّ أنه يحب الله ورسوله). لأن معنى الحصر في هذه الرواية بمنزلة الخطاب من تلك الرواية لإرادة الرد ومزيد الإنكار).
٨١٦ - حديث: "من كان ملتمسًا ليلةَ القدر فلْيلتمسْها في العشر الأواخر وترًا ".
قال أبو البقاء: انتصاب (وترًا) على الصفة لظرف محذوف تقديره: فليلتمسها في زمان وتر، يعني: في الليالي الأفراد، (ويجوز أن يكون نعتًا لمصدر محذوف، أي: التماسًا وترًا) ويجوز أن يكون هذا المصدر في موضع الحال. أي موترًا.
٨١٧ - حديث "الذهب بالورق ربًا إلاّ ها وها ".
قال ابن مالك: (ها) اسم فعل بمعنى (خذ)، فحقه أن لا يقع بعد (إلا)، كما لا يقع بعدها (خذ)، وحيث أوقع بعد (إلا) فيجب تقدير قول قبله يكون محكيًا فكأنه قيل: (ولا الذهب بالذهب) إلا مقولاً عنده من المتبايعين ها وها.
стр. 584
قال الطيبي: فإذن محله النصب منه على الحال، و (المستثنى) منه مقدر يعني: بيع الذهب بالذهب وباقي جميع الحالات إلا حال الحضور والتقابض، فكنى عن التقابض بـ (ها وها)، لأنه لازمه.
وقال القاضي عياض والنووي: في (ها وها) لغتان المد والقصر، والمد أفصح وأشهر، وأصله: هاك، فأبدلت المدة من الكاف، ومعناه: خذ هذا، ويقول صاحبه مثله، والمدة مفتوحة، ويقال أيضًا بالكسر، ومن قصره وزنه وزن (خف)، يقال للواحد (ها) كخف، وللاثنين هاءا كخافا. وللجميع هاؤا كخافوا. وللمؤنثة هاءك.
ومنهم من لا يثني ولا يجمع على هذه اللغة، ولا يغيرها في التأنيث يقول في الجميع: ها. قال السيرافي: كأنهم جعلوها صوتًا كصه، ومن ثنى وجمع قال للمؤنثة هاك، وهاء لغتان، ويقال في لغة بالمد وكسر الهمزة للمذكر، وللأنثنى (هائي) بزيادة ياء، وأكثر (أهل) اللغة ينكرونها بالقصر. وغلط الخطّابي وغيره من المحدثين في رواية القصر وإن كانت قليلة. قال القاضي: وفيه لغة أخرى هاءك بالمد والكاف. انتهى.
وقال الأندلسي في "شرح المفصل": (هاء) اسم فعل بمعنى خذ وتناول، وفيها لغات.
الأولى: (ها) وحدها مع زيادة الكاف وتصريفها هاك إلى هاكنّ. الثانية: أن تضع الهمزة موضع الكاف. ولم توضع الهمزة موضع كاف الخطاب في موضع إلا مع (ها) وحدها، ثم (تصرفت) تصرف الكاف فتقول: (هاءا) في التثنية. و (هاؤا) في
стр. 585
الجمع، و (هاؤم)، وللمؤنثة (هاءِ) بكسر الهمزة، وبجمعها (هاؤنّ) وهذه أجود لغاتها وبها ورد القرآن.
الثالثة: منهم من يكسر الهمزة مثل عاط والأصل (هائي) مثل: فاعل ثم تقول: هائيا وهاؤا.
الرابعة: يجمعون بين الهمزة والكاف كأنه جمع بين العوض والمعوض منه، فيصرفون الكاف ويبقون الهمزة مفتوحة على كل حال فيقول هاءَك إلى هاءَكُنَّ.
الخامسة: (هَا) بسكون الهمزة مثل خف، وللاثنين هاءا، وللجماعة: هاؤُا.
٨١٨ - حديث عمر: "ليس بي إيّاكم أيها الرهط ".
قال ابن جرير في "تهذيب الآثار": أخشى أن يكون غلطًا من الراوي، لأنه غير معروف من كلام العرب نصب الاسم بليس، وإنما المعروف نصب الخبر ورفع الاسم بها، والصواب في ذلك: ليس بي أنتم أيها الرهط، ولكنا تركنا ذلك اتباعًا لرواية الحديث. انتهى.
قلت: يخرج على أن اسم ليس ضمير الشأن مستتر فيها والجار والمجرور لغو و (إياكم) الخبر على حد قول الشاعر:
ليس إيّايَ وإياكَ ولا أخشى رقيبًا
٨١٩ - حديث: "النية ".
قوله: (إنما الأعمال) قال زين العرب: (إنما) لحصر الحكم في المذكور
стр. 586
بعدها، ونفيه عما عداه، فهي بمعنى ما النافية المذكور بعدها إلا نحو: (إنما إلهكم الله) [طه: ٩٨]، أي: ما إلهكم إلا الله، فهي بحرف إنّ التي للتحقيق تثبت الحكم للمذكور، وبلفظة (ما) تنفيه عما عداه. واعترض عليه بمنع كون ما للنفي، وإلا لصدرت، وأيضًا "إنّ" لها الصدر، فكيف يجتمعان؟ فالأولى أن تجعل ما زائدة للتأكيد كهي في ليتما وأخواتها. وإنّ لتأكيد الإثبات، وتضاعف التأكيد يفيد القصر، والمعنى: ليست الأعمال حاصلة إلا بالنية. ولا بد هنا من إضمار، لأنه لم يرد نفي ذات الإعمال، لثبوتها حتمًا وصورة من غير اقتران النية بها، وإنما المراد نفي صحتها أو نفي فضيلتها، وكمالها، لكن إضمار الصحة أولى لأنه أقرب إلى نفي الذات، من إضمار الفضيلة، لأن نفي الصحة مستلزم لنفي جميع الصفات التي للذات. كما أن نفي الذات مستلزم لذلك. ولا كذلك نفي الفضيلة، والتقدير: إنما صحة الأعمال واعتبارها بالنيات.
واللام في (الأعمال) إما للعموم، ويكون قد خصّ بالبعض (بالإجماع) (أو) للمعهود من الشرع، قيل: وهي العبادات لعدم اقتصار غيرها إلى النية. انتهى.
وقال الطيبي: قول الشيخ محيي الدين (إنما) موضوعة للحصر تثبت المذكور وتنفي ما عداه مستقيم، إذا لم يتعرض في قوله أنّ (إنّ) للإثبات، و (ما) للنفي، كما صرح به الأكثرون، وهو غير مستقيم، لأن (ما) ليست نافية بل هي كافة مؤكدة.
روى صاحب "المفتاح" عن علي بن عيسى الربعي أن إفادة الحصر من (إنّما) كانت لتأكيد إثبات المسند للمسند إليه، ثم لما اتصلت بما المؤكدة لا النافية على
стр. 587
ما يظنه من لا وقوف له بعلم النحو، ضاعف تأكيد (ما) فناسب أن يضمن معنى القصر.
قوله: (بالنيات).
قال الكرماني: الباء للمصاحبة وقيل للاستعانة.
وقال ابن فرحون: في "إعراب العمدة": هي للسبب. أي: إنّما الأعمال ثابت ثوابها بسبب النيات، ويحتمل الإلصاق، لأن كل عمل يلتصق به نيته.
وقال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن تكون المسببة بمعنى أنها مقومة للعمل، فكأنها سبب في إيجاده، ولا بد من محذوف يتعلق به الجار والمجرور فقيل: تكمل، وقيل: تصح، وقيل تستقر.
وقال شيخ الإسلام سراج الدين البُلْقيني: الأحسن تقدير ما يقتضي أنّ الأعمال تتبع النية لقوله في الحديث: فمن كانت هجرته إلى الله .. الخ. وعلى هذا يقدر المحذوف كونًا مطلقًا من اسم فاعل أو فعل.
قلت: مع أن الأصل والغالب أنه لا يقدر إلا الكون المطلق.
وقال الطيبي: كل من (الأعمال والنيات) جمع محلّى باللام الاستغراقية فإما أن يحملا على عرف اللغة فيكون الاستغراق حقيقيًا، أو على عرف الشرع، لا سبيل إلى اللغوي، لأنه ما بعث إلا لبيان الشرع، فكيف يتصدى لما لا جدوى له فيه، فحينئذ عمل: إنما الأعمال بالنيات على ما اتفق عليه أصحابنا، أي: ما الأعمال محسوسة بشيء من الأشياء كالشروع فيها والتلبس فيها بالنيات. فإن قيل: لم خصصت متعلق الخبر، والظاهر العموم كمستقر أو حاصل. فالجواب: إنه حينئذٍ يكون بيانًا للغة، لا إثباتًا لحكم الشرع، وقد سبق بطلانه.
وقال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": الظاهر أنّ الألف واللام في النيات معاقبة للضمير، والتقدير: إنما الأعمال بنياتها.
стр. 588
وقال ابن فرحون: (الألف واللام) في (الأعمال) للعهد في العبارات المفتقرة إلى نية، وفي (النيات) للعهد أيضًا لأن المراد ما يختص بتلك الأعمال دون غيرها).
(وقال الراغب: النية تكون مصدرًا أو اسمًا من نويت).
قوله: (وإنّما لكل امرئٍ ما نوى).
(الامرئ) الرجل، وفيه لغتان: امرِئ نحو زبرج، ومَرْء نحو فَلْس. ولا جمع له من لفظه، وهو من الغريب، لأن عينه تابع للامه في الحركات دائمًا. وإنما قال الله تعالى: (إن امرؤٌ هلك) [النساء: ١٧٦] (ما كان أبوك امْرَأَ سوء) [مريم: ١٨] (لكل امرئ منهم) [النور: ١١] [عبس: ٣٧]، وفي مؤنثه أيضًا لغتان امرأة ومَرْأة.
وفي هذا الحديث استعمال اللغة الأولى منهما في كلا النوعين إذْ قال: (لكل امرئ)، و (إلى امرأة) وهما من الأسماء العشرة التي بدئت بهمزة وصل.
وقال ابن فرحون: (ما) في قوله: (ما نوى). موصولة و (نوى) صلتها، والعائد محذوف، أي: ما نواه. ومحل الصلة مع الموصول مبتدأ، والخبر في المجرور. ويجوز أن يكون موصوفة، أي شيء نواه. ويجوز أن تكون مصدرية والتقدير: لكل امرئ جزاء نيته.
قوله: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله).
قيل: القاعدة تَغايُرُ الشرطِ والجزاءِ، فلا يقال مثلاً: من أطاع (الله) أطاع (الله). وإنما يقال: من أطاع نجا. وقد وقعا في هذا الحديث متّحدين.
стр. 589
وأجيب: بأن التغاير يقع تارة باللفظ، وهو الأكثر، وتارة بالمعنى، ويفهم ذلك من السياق. ومن أمثلته قوله تعالى: (ومن تاب وعمل صالحًا فإنّه يتوب إلى الله متابًا) [الفرقا،: ٧١] و (هو مؤول) على إرادة المعهود المستقر في النفس، كقولهم: أنت أنت أي: الصديق الخالص. وهم هم، أي: الذين لا يقدر قدرهم. أو (هو مؤول) على إقامة السبب مقام المسبب لاشتهار السبب.
وقال ابن مالك: قد يقصد بالخبر المفرد بيان الشهرة وعدم التغير، فيتّحد بالمبتدأ لفظًا كقول الشاعر:
خليلي خليلي دون ريبٍ وربّما
وقوله: أنا أبو النجم وشعري شعري
أي: خليلي من لا أشك في صحة خلته، ولا يتغير في حضوره وغيبته. وشعري على ما ثبت في النفوس من جزالته والتوصل به من (المراد) إلى غايته.
قال: وقد يفعل مثل هذا بجواب الشرط كقولك: من قصدني فقد قصدني. أي: فقد قصد من عرف بإنجاح قاصده. ومنه قوله ﵇: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله).
стр. 590
وقال غيره: إذا اتحد لفظ المبتدأ والخبر، أو الشرط والجزاء، علم منهما المبالغة إمّا في التعظيم، وإما في التحقير.
وقال الرضي: الخبر إمّا أن يغاير المبتدأ لفظًا أو لا. والثاني يذكر للدلالة على الشهرة أو عدم التغير كقوله:
أنا أبو النجم وشعري شعري
أي: هو المشهور المعروف بنفسه لا بشيء آخر كما يقال مثلاً: شعري مليح. وتقول: أنا أنا. أي ما تغيرت عما كنت.
وقال الزركشي في "التنقيح": لا بد في الحديث من تقدير، لأن الشرط والجزاء، والمبتدأ لا بد من تغايرهما. وهنا قد اتّحدا، فالتقدير: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصدًا فهجرته إلى الله ورسوله حكمًا وشرعًا. قاله ابن دقيق العيد في "شرح العمدة": وفيه نظر فإن المقدر حينئذ حال مبيّنة، فكيف تحذف ولهذا منع الزيدي في "شرح الجمل" جعل (بسم الله) متعلقًا بحال محذوفة، أي: ابتدئ متبرّكًا (كما قاله).
قال: لأن حذف الحال لا يجوز فالأولى أن يكون نيّة وقصدًا، نصبًا على التمييز. ويجوز حذفه إذا دلّ عليه دليل كقوله تعالى: (إن يكن منكم عشرون صابرون) [الأنفال: ٦٥] أي: رجلاً. ويمكن تأويله على إرادة المعهود المستقر في النفوس من غير ملاحظة حذف كقولك: أنت أنت، أي: الصديق الذي لا يتغير. وقول الشاعر:
أنا أبو النجم وشعري شعري
стр. 591
أو أنه مؤول على إقامة السبب مقام المسبب لاشتهار السبب، أي: فقد استحق الثواب العظيم المستقر للمهاجرين.
وفيه وضع الظاهر موضع المضمر، فإن الأصل: فهجرته إليهما، وفيه وجهان: أحدهما: قصد (الالتذاذ) بذكره، ولهذا لم يعد في الجملة الثانية وهو قوله: (ومن كانت هجرته إلى دنيا) إعراضًا عن تكرير لفظ (الدنيا).
وثانيهما: عدل عن ذلك لئلا يجمع بينهما في ضمير واحد.
وقال زين العرب: الفاء في قوله: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله)، أي: من قصد بالهجرة القربة إلى الله تعالى لا يخلطها بشيء من أعراض الدنيا فهجرته إلى الله ورسوله، قيل: فهجرته مقبولة عندهما، وأجره واقع على الله تعالى.
فإن قلت: الشرط سبب للجزاء، والسبب غير المسبب وقد اتّحدا هنا.
قلت: الخبر في الجزاء محذوف، كما مرّ آنفًا من أن التقدير: (مقبولة) ونحو ذلك. وفيه نظر إذ لا دلالة على الخبر المحذوف، والأولى في الجواب ما قال الفاضل ابن مالك وساق كلامه المتقدم ثم قال: واعلم أن (إلى الله) في الشرط يجوز كونه خبر كان، ويجوز تعلقه بهجرته، فـ"كان" حينئذ تامة. فأما الجزاء فإلى الله، لا يتعلق بهجرته.
قوله: (ومن كانت هجرته إلى دنيا).
قال التميمي في "شرح البخاري": هي تأنيث الأدنى ليس بمنصرف، لاجتماع الوصفية ولزوم حرف التأنيث.
وقال ابن مالك في "التوضيح": (دنيا) في الأصل مؤنث أدنى، وأدنى أفعل
стр. 592
تفضيل، وأفعل التفضيل إذا ذكر لزم الإفراد، والتذكير، وامتنع تأنيثه وتثنيته وجمعه، ففي استعمال (دنيا) بتأنيث، مع كونه منكرًا إشكال، (فكان حقها أن تستعمل باللام كالكبرى والحسنى).
قال: إلا أنها خلعت عنها الوصفية، وأجريت مجرى ما لم تكن وصفًا قط: مما وزنه فعلى كرجعى و (بهمى)، ومن وروده منكرًا مؤنثًا قوله:
لا تعجبنك دنيا أنت تاركها ... كم نالها من أناس ثم قد ذهبوا
ومما عومل معاملة (دنيا) في الجمع بين التنكير والتأنيث، والأصل أن لا يكون، قول الشاعر:
وإن دعوت إلى جلى ومكرمة ... يومًا سراة كرام الناس فادعينا
فإن الجلّى في الأصل مؤنث الأجلّ، ثم خلعت عنه الوصفية، وجعل اسمًا للحادثة العظيمة، فجرى مجرى الأسماء التي لا وصفية لها في الأصل.
قال الكرماني: والدليل على جعل (الدنيا) اسمًا قلب الواو ياء، لأنه لا يجوز القلب إلا في فُعْلى الاسمية.
وقال بعضهم المشهور في (دنيا) القصر بلا تنوين، وحكي تنوينها. قال ابن جني: وهي نادرة، وعزاه ابن دحية إلى رواية الكشميهني وضعفها، وحكى عن ابن مغول أن أبا ذر الهروي في آخر أمره كان يحذف كثيرًا من رواية الكشميهني حيث ينفرد، لأنه لم يكن من أهل الكتاب أي: العلم.
стр. 593
وقال الكرماني: قوله: (إلى دنيا) هو إما متعلق بالهجرة إن كان لفظ (كانت) تامة، وهو خبر لـ (كانت) إن كانت ناقصة.
قال: وقوله: (إلى ما هاجر إليه)، إما أن يكون متعلقًا بالهجرة، والخبر محذوف، أي: هجرته إلى ما هاجر إليه غير مقبولة أو غير صحيحة، وإما أن يكون خبر (فهجرته). والجملة خبر المبتدأ الذي هو (من كانت). وأدخل الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط. انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا الثاني هو الراجح.
قلت: لأن الأصل عدم الحذف، ولا يعدل إليه ما استغني عنه.
ثم قال الكرماني: فإن قلت: المبتدأ والخبر بحسب المفهوم متّحدان فما الفائدة في الإخبار؟
قلت: لا اتحاد، إذ الجزء محذوف، وهو: فلا ثواب له عند الله، والمذكور مستلزم له دالّ عليه، أو فهي هجرة قبيحة خسيسة، لأن المبتدأ والخبر وكذا الشرط والجزاء إذا اتحدا صورة يعلم منه التعظيم نحو: أنا أنا، وشعري شعري، ومن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، والتحقير نحو: فهجرته إلى ما هاجر إليه.
٨٢٠ - حديث: "اللهم زدنا ولا تنقصنا وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا ".
قال الطيبي: عطف النواهي على الأوامر للتأكيد وحذف نون المفعولات في بعض الألفاظ، إرادة لإجرائها مجرى: (فلان يعطي ويمنع)، مبالغة وتعميمًا.
وقال المظهري: قوله: (ولا تهنّا) أصله: ولا تهوننا، فنقلت كسرة الواو إلى الهاء، وحذفت الواو لسكونها، وسكون النون الأولى، ثم أدغمت النون في النون الثانية.
стр. 594
٨٢١ - حديث: "اللهم إني أسألك من صالح ما تؤتي الناس من المال والأهل والولد غير الضال ولا المضل ".
قال الطيبي: (من) الأولى زائدة على مذهب الأخفش، ويجوز أن تكون بمعنى التبعيض، و (من) الثانية بيان (ما).
وقوله: (غير الضال) مجرور، بدل من كل واحد من الأهل والولد على سبيل البدل، (والضال) هنا يحتمل أن يكون للنسبة أي: غير ذي ضلال.
٨٢٢ - حديث: "تمعددوا واخشوشنوا ".
قال ابن يعيش في شرح المفصل: (تمعدد) أي: صار على خلق معد. قال الراجز:
ربيته حتى إذا تمعددا ... كان جزائي بالعصا أن أجلدا
والميم فيه أصل. ووزنه تفعّل، ولو كانت الميم فيه زائدة لكان وزنه تمفعل. ولا يعرف تمفعل في كلامهم. فأما قولهم: تمسكن، إذا أظهر المسكنة. وتمدرع، إذا لبس المدرعة، (وتمندل) إذا لبس المنديل، وهو قليل من قبيل الغلط. فكأنهم اشتقوا من لفظ الاسم كما يشتقون من الجمل: نحو حوقل وبسمل، (والجيد)
стр. 595
تسكّن وتدرع وتندّل.
قال أبو عثمان: هو أكثر كلامهم، أي كلام العرب. انتهى. وقد ورد في حديث.
٨٢٣ - حديث: "إذا وسع الله عليكم فأوسِعوا، صلى رجل في رداء وإزار وقميص في إزار وقباء ".
قال ابن مالك: تضمن هذا الحديث فائدتين، إحداهما: ورود الفعل الماضي بمعنى الأمر، وهو (صلى رجل)، والمعنى: ليصل رجل. ومثله من كلام العرب، اتقى الله امرؤ فعل خيرًا أثيب عليه. والمعنى: ليتق وليفعل. ولكونه بمعنى الأمر جيء بعده بجواب مجزوم كما يجاء بعد الأمر الصريح، وأكبر مجيء الماضي بمعنى الطلب في الدعاء نحو: نصر الله من والاك، وخذل من عاداك.
والفائدة الثانية: حذف حرف العطف. فإنّ الأصل: صلى رجل في إزار ورداء، أو في إزار وقميص، أو في إزار وقباء، فحذف حرف العطف مرتين لصحة المعنى بدونه.
ونظير هذا الحديث في تضمن الفائدتين قول النبي ﷺ : "تصدق امرؤ من ديناره بدرهم، من صاع بره، من صاع تمره".
٨٢٤ - حديث: "لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة ".
قال الزركشي: خلاف الجارة، فإن (لو) خاصة بالفعل وقد يليها اسم مرفوع
стр. 596
معمول المحذوف (يفسره) ما بعده، كقولهم: لو ذات سوار لطمتني. ومنه هذا، وجواب (لو) محذوف، وفي تقديره وجهان:
أحدهما: لو قالها غيرك لأدبته باعتراضه عليّ في مسألة اجتهادية وافقني عليها الأكثر.
والثاني: لو قالها غيرك لم أتعجب منه، وإنما العجب من قولك مع فضلك.
٨٢٥ - حديث: "إني رأيته في النار في بردة غلَّها ".
قال النووي: أي: من أجلها وبسببها.
٨٢٦ - حديث: "لوددت أن كل شيء عملناه بعده نجونا منه كفافًا ".
قال الطيبي: (كفافًا) نصب على الحال من الضمير، أي: نجونا منه في حالة كونه لا يفضل علينا. أو من الفاعل أي مكفوفًا عنا شره.
٨٢٧ - حديث: "من يبكى عليه يعذبْ ".
قال النووي: هكذا هو في الأصول، وهو صحيح، وتكون (من) بمعنى الذي ويجوز على لغته أن تكون شرطية، ويثبت حرف العلة. ومنه قول الشاعر:
ألم يأتيك والأنباء تنمي
стр. 597
٨٢٨ - حديث: "من ينح عليه يعذب بما ينح عليه ".
قال الشيخ أكمل الدين: روي (يعذب) بالجزم على أنه جزاء الشرط. وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: يعذب. والباء للسببية، و (ما) موصولة أو مصدرية.
٨٢٩ - حديث: "ما منكم من أحد يتوضأ ".
قال الطيبي: (من) الثانية زائدة، والأولى بيانية مجرورة، والمجرور حال على ضعف.
وقوله: (إلاّ فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء).
قال الطيبي: الأظهر أن (يدخل) استئنافية لصحة قيام ليدخل موقعها.
٨٣٠ - حديث: "واعجبًا لك يا ابن عباس ".
قال ابن مالك: (وا) في قوله: (واعجبًا لك). إذ نون اسم فعل لمعنى أعجب. ومثله (واهًا)، و (وي). وجيء بعده تعجبًا توكيدًا. وإذا لم ينون، فالأصل فيه (واعجبي)، فأبدلت الكسرة فتحة والياء ألفًا كما فعل في (يا أسفي ويا حسرتي).
стр. 598
وفيه شاهد على استعمال (وا) في منادى غير مندوب، كما يرى المبرد، ورأيه في هذا صحيح.
قوله: (لا يغرنّك هذه التي اعجبها حسنُها حبُّ رسولِ الله إيّاها).
قال الزركشي: قال أبو القاسم بن الأبرش: (حب رسول الله) معطوف على (حسنها) بغير واو كقولهم: أكلت تمرًا زبيبًا أقِطًا. وحذف حرف العطف جائز. ويؤيده رواية مسلم بالواو.
وقال السهيلي في "نتائج الفكر": بلغني عن بعض مشايخنا الجلّة أنه جعله من باب حذف حرف العطف، أي: وحبّ رسول الله، وبلغ الاستحسان بالسامعين لذلك إلى أن علقوه في الحواشي من كتاب الصحيح، وليس كذلك ولكنه يرتفع على البدل من الفاعل الذي في أول الكلام. وهو: (لا يغريك هذه) فهذه فاعل، و (التي) نعت لصلته. و (حب) بدل اشتمال كما تقول: (أعجبني يوم الجمعة صومٌ فيه). و (سرني زيدٌ حبُّ الناس له).
قال الزركشي: وعلى هذا فحب مرفوع. وهو ما حكاه القاضي عن النحاة.
قال: ضبطه بعضهم بالنصب على إسقاط الخافض.
(وقال في موضع آخر: الرفع على أنه عطف بيان، أو بدل اشتمال، أو على حذف واو العطف).
وقال القاضي: يقرأ (حسنها) بالنصب (مفعول من أجله) و (حب) فاعل تقديره: أعجبها حبُّ رسول الله ﷺ إياها لأجل حسنها.
стр. 599
وقيل: (حسنها) مرفوع و (حبّ) كذلك على البدلية نحو: أعجبني زيد علمه. وهو فاسد، لأن الضمير الذي مع أعجبها منصوب، لا يصح بدل الحسن منه ولا الحبّ، لأنهما لا يعقلان. فيصح: أن يتعجبا، نعم (يجوز أن يكونا بدل غلط لكنه شاذ). انتهى.
٨٣١ - حديث: "إن عمر بن الخطاب بينا هو يخطب إذْ جاءه رجل فناداه عمر أيّة ساعة هذه ".
هي بتشديد التحتية، والتاء للتأنيث، أي: يستفهم بها.
قال الكرماني: فإن قلت: قال تعالى: (وما تدري نفس بأي أرض تموت) [لقمان: ٣٤] بدون التاء فما وجهه قلت: الأمران جائزان. يقال: أي امرأة جاءتك، وأية امرأة جاءتك.
قال الزمخشري: وقولي: بأية أرض. وشبه سيبويه تأنيث (أي) بتأنيث (كل) في قولهم: كلهن.
قوله: (قال: إني شغلت).
قال في الصحاح: يقال: شغلت عنك بكذا على مفعول ما لم يسم فاعله.
قوله: (فلم أزد على أن توضأت، فقال: والوضوء أيضًا).
قال النووي: هو بالنصب، أي: توضأت الوضوء فقط.
قال الأزهري وغيره: فيه الرفع والنصب، فالرفع على أنه مبتدأ، والخبر محذوف،
стр. 600
تقديره: الوضوء مقتصر عليه. والنصب على أنه مفعول بإضمار فعل تقديره: اختص الوضوء دون الغسل. فالواو عوض من همزة الاستفهام كما قرأ ابن كثير: (قال فرعون وآمنتم به) (١) [الأعراف: ١٢٣].
وقال ابن السيد: روي بالرفع على لفظ الخبر والصواب الوضوء بالمد على لفظ الاستفهام كقوله تعالى: (آلله أذن لكم) [يونس: ٥٩] ويجوز النصب، أي: اخترت الوضوء.
وقال السهيلي: اتفقت الرواة على رفعه، لأن النصب يخرجه عن معنى الإنكار لفعل الوضوء، فلو نصب لتعلق الإنكار بنفس الوضوء، ولكنه قال: آلوضوء أي: أفرد الوضوء والاقتصار عليه ضيعك أيضًا.
وقال الحافظ ابن حجر: في الوضوء في روايتنا بالنصب، أي: والوضوء أيضًا اقتصرت عليه.
وجوز القرطبي الرفع على أنه مبتدأ وخبره محذوف، أي: والوضوء أيضًا مقتصر عليه. والظاهر أن الواو عاطفة.
وقال القرطبي: هي عوض من همزة الاستفهام كقراءة ابن كثير: (قال فرعون وآمنتم به).
وقوله أيضًا: قال الحافظ ابن حجر: ألم يكفك أنه فاتك فضل التبكير إلى الجمعة حتى أضفت إليه ترك الفعل المرغب فيه.
وقال الشيخ جمال الدين بن هشام وقد سئل عن إعراب قول القائل: وقال أيضًا: