Полный текст (1 226 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
المعنى: من جملة ما ينبت الربيع شيئًا يقتل آكله إلا الخضر منه إذا اقتصد فيه آكله وتحرى دفع ما يؤديه إلى الهلاك.
والباء في قوله: (أو يأتي الخير بالشر) صلة (يأتي).
١٠٨٢ - حديث: "ما يكون عندي فلن أدخره عنكم ".
قال الطيبي: (ما) موصولة متضمنة معنى الشرط فلذلك صح دخول الفاء في خبره.
قوله: (وما أعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسعَ من الصبر به).
قال الطيبي: (عطاء) بمعنى مُعطى أو شيئًا، و (خيرًا) صفته.
وقال الزركشي: (أحد) نائب عن الفاعل، (عطاء) مفعوله الثاني، (خيرًا) صفة لـ (عطاء)، و (أوسع) عطف عليه.
وقال الكرماني: (خيرًا بالنصب صفة، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: هو خير).
١٠٨٣ - حديث: "ليس فيما أقلّ من خمسة أوسق صدقة ".
قال الزركشي: (ما) زائدة، و (أقل) في موضع جر، إلا أنه لا ينصرف، ويؤيده قوله بعده: (ولا في أقل من خمسة من الإبل صدقة). ومنهم من قيده برفع (أقلّ).
١٠٨٤ - حديث: "ثلاثةٌ يضحك الله إليهم: الرجل إذا قام بالليل يصلي ".
стр. 772
قال الطيبي: (إذا) هنا متمحض للظرفية، وهو بدل من الرجل، كما في قوله تعالى: (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها) [مريم: ١٦] و (الرجل) موصوف ثلاثة رجال أي: رجال ثلاثة يضحك الله منهم وقت قيام الرجل (بالليل)، فوضع الظرف مقام (الرجل) مبالغة على منوال قولهم: أخطب ما يكون الأمير قائمًا. أي: أخطب أوقاته، والأخطبية ليست للأوقات إنما هي للأمير.
١٠٨٥ - حديث: "إنّ رجلاً رغسه الله مالاً وولدًا فلما حضره الموت دعا بنيه فقال: أيَّ أبٍ كنت لكم؟ قالوا: خير أب ".
قال أبو البقاء: الصواب نصب (أي) على أنه خبر (كنت)، وجب تقديمه لكونه استفهامًا.
وأما قوله: (خير أب) فالجيد نصب (خير) على تقدير: كنت خير أب، ليكون موافقًا لما هو جواب عنه، والرفع جائز على معنى: أنت خير أب.
قوله: (فما تلافاه أن رحمه).
قال الكرماني: (ما) موصولة، أي: الذي تلافاه هو الرحمة، أو نافية، وكلمة الاستثناء محذوفة على مذهب من يجوز حذفها أو المراد: [ما تلافي عدم الاستئثار بأن رحمه، أو لأن رحمه].
١٠٨٦ - حديث: "بينما أنا نائم رأيت الناس يعرضون وعليهم قمُصٌ منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك ومر عليّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجرّه فقالوا: ما أوّلت ذلك يا رسول الله قال: الدين ".
стр. 773
قال الزركشي: بالنصب، ويجوز الرفع.
١٠٨٧ - حديث: إنّ في الجنة لشجرة يسيرُ الراكب الجواد أو المضمر السريع مائة عام لا يقطعها ".
قال الزركشي: هو بنصب الجواد، وفتح الميم الثانية من (المضمر)، ونصب الراء. وضبطه الأصيلي بضم (المضمر)، و (الجواد) صفة للراكب، فيكون على هذا بكسر الميم الثانية، وقد يكون على البدل.
١٠٨٨ - حديث: "رأيتُ أنَّ في ذراعي سوارين من ذهب فكرهتهما فنفختهما فطارا فأوَّلتهما: هذان الكذّابان ".
قال أبو البقاء: إنما رفع (هذان الكذابان) لأن أراد ففسرت ما رأيت، ثم استأنف فقال: هما هذان، فحذف المبتدأ لدلالة الكلام عليه، أو يكون التقدير: تأويلهما هذان.
١٠٨٩ - حديث: "سمع الله لمن حمده اللهم ربنا الحمدُ ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهلَ الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ".
قال ابن سيد الناس في "شرح الترمذي": كان ابن خالويه يرجح فتح الهمزة من (ملء). [والزجاج يرى الرفع فيها، وكلاهما جائز.
стр. 774
قال: والوجه النصب] في (أهل) على أنه منادى مضاف، حذف حرف ندائه، ويجوز رفعه على تقدير: أنت أهل، و (أحق) مرفوع بالابتداء وخبره (لا مانع لما أعطيت)، و (كلنا لك عبد) جملة معترضة بين المبتدأ والخبر، ويجوز أن يكون قوله: (أحقّ ما قال العبد) خبرًا لما قبله، أي: قوله: ربنا لك الحمد ...) إلى آخره، أحق ما قال العبد.
قال النووي: معنى (سمع) أجاب، أي: من حمد متعرضًا لثوابه، استجاب الله له وأعطاه ما تعرض له، فقولوا: ربنا ولك الحمد، (ليحصل) ذلك.
وقال: لفظ (ربّنا) على تقدير إثبات الواو، متعلق بما قبله تقديره: سمع الله لمن حمده يا ربنا فاستجاب حمدنا ودعاءنا ولك الحمد على هدايتنا.
وقال الكرماني: يحتمل أن يكون السماع بمعناه المشهور، فإن قلت: فلا بدّ أن يستعمل بمن لا باللام، قلت: معناه: سمع الحمد لأجل الحامد منه.
ثم لفظ (ربنا) لا يمكن أن يتعلق بما قبله، لأنه كلام المأموم وما قبله كلام الإمام، بدليل (فقولوا)، بل هو ابتداء كلام (ولك الحمد) حال منه، أي: أدعوك، والحال أن الحمد لك لا لغيرك، فإن قلت: هل يكون عطفًا على أدعوك قلت: لا، لأنها إنشائية وهذه خبرية.
قال البغوي في "شرح السنة": قيل: الواو في قوله: (ولك الحمد) واو العطف على مضمر متقدم.
وقال القاضي عياض: روي (ربنا لك الحمد) بلا واو، و (ربنا ولك الحمد) بالواو.
стр. 775
وقال: فعلى إثبات الواو يكون قوله (ربنا) متعلقًا بما قبله، تقديره: سمع الله لمن حمده، يا ربنا فاستجب حمدنا ودعاءنا ولك الحمد.
قال الطيبي: هذه الرمزة مفتقرة إلى مزيد كشف، وبيان ذلك أن قوله: (سمع الله لمن حمده) وسيلة، و (ربنا لك الحمد) طلب، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، فإذا روي بالعاطف تعلق (ربنا) بالأولى، ليستقيم عطف الجملة الخبرية على مثلها، وإذا عزل عن الواو تعلق (ربنا) بالثانية، فإذن لا يجوز عطف الإنشائي على الخبري.
وتقديره على الوجه الأول: يا ربنا قبلت في الدهور الماضية حمد من حمدك من الأمم السالفة، ونحن نطلب منك الآن قبول حمدنا، ولك الحمد أولاً وآخرًا، فأخرجت الأولى على الجملة الفعلية، وعلى الغيبة، وخص اسم الله الأعظم بالذكر. والثانية على الاسمية وعلى الخطاب لإرادة الدوام، ولمزيد النجاح المطلوب، فعلى هذا في الكلام التفاتة واحدة، وعلى الأول التفاتتان من الخطاب إلى الغيبة، ومنه إلى الخطاب.
ثم قال الطيبي: قوله: (من شيء بعد)، أي: بعد ذلك، وهو صفة لشيء.
و (أهل الثناء) يجوز فيه النصب على المدح، والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: أنت أهل الثناء.
وكذا: (أحق ما قال)، أي: لما قال، أو يكون التقدير: المذكور من الحمد الكثير أحق ما قال العبد. ويجوز أن يكون (أحق ما قال العبد) مبتدأ، وقوله: (اللهم) خبره، و (ما) في قوله: (ما قال العبد) موصوفة، أي: أحق شيء قاله العبد، وروي: (حق ما قال)، قيل: هذا هو كلام تام واقع على سبيل الاستئناف.
وقوله: (وكلنا لك عبد)، على هذا تذييل. وقوله: (منك الجد) فيه أقوال:
стр. 776
قال الزمخشري في "الفائق": (مِنْ) فيه مثله في قوله تعالى: (ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض) [الزخرف: ٦٠] أي: بدلكم فـ (مِنْ) بمعنى بدل، والمعنى، أن المحظوظ لا ينفعه حظّه أي: بدل طاعتك وعبادتك.
قال التوربشتي: أي: لا ينفع ذا الغنى غناه عندك، وإنما ينفعه العمل بطاعتك، وعلى هذا فمعنى (منك) عندك، ويحتمل وجهًا آخر، أي: لا يسلمه من عذابك غناه.
وقال المظهري: أي: لا يمنعه غناه من عذابك إن شئت به عذابًا. انتهى.
١٠٩٠ - حديث: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحَ مساءَ ".
قال ابن يعيش في "شرح المفصل": يقال: آتيه صباحَ مساءَ، والأصل: صباحًا ومساءً، فركبوهما اسمًا واحدًا وبني لتضمنه معنى الحرف، وهو الواو، كأنك قلت: صباحًا ومساءً. فلما حذفت الواو، بنيا لذلك، وليس المراد صباحًا بعينه، ولو أضفت: صباحَ مساءٍ، لجاز، كأنك نسبته إلى المساء، أي: صباحًا مقترنًا بالمساء. وجازت إضافته إليه لتصاحبهما، فإن دخل عليه حرف الجر، لم يكن إلا مضافًا مخفوضًا، وبطل البناء، نحو: آتيك في كل صباحٍ ومساءٍ، لأنه بدخول حرف الجر، خرج عن باب الظروف، وتمكن في الاسمية، فلم يُبْنَ، لأن هذه الأسماء إنما تبنى إذا كانت حالاً أو ظرفًا، لأنه حال ينقص تمكنهما، فلم تقدر فيهما الواو.
١٠٩١ - حديث: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له النورُ ما بين الجمعتين ".
стр. 777
قال الطيبي: (أضاء) يجوز أن يكون لازمًا، وقوله: (بين الجمعتين) ظرف، ويجوز أن يكون متعديًا والظرف مفعول به، وعلى الوجهين فسّر قوله تعالى: (فلما أضاءت ما حوله) [البقرة: ١٧].
١٠٩٢ - حديث: "قال موسى: يا رب علمني شيئًا أذكرك به ".
قال الطيبي: (أذكرك) خبر مبتدأ محذوف استئنافًا، أي: أنا أذكرك ولا يجزم جوابًا للأمر لعطف قوله: (أو أدعوك به)، ويجوز الجزم، وعطف (أو أدعوك) بالجزم على منوال قوله: فلسنا بالجبال ولا الحديدا
١٠٩٣ - حديث: "عدد رمل عالج ".
قال في "النهاية": هو ما تراكم من الرمل ودخل بعضه في بعض.
قال الطيبي: فعلى هذا لا يضاف (الرمل) إلى (عالج) لأنه وصف له.
وذهب المظهري إلى أن (عالج) موضع فأضاف.
١٠٩٤ - حديث: "الله أكبر كبيرًا ".
قال في النهاية: (كبيرًا) منصوب بإضمار فعل كأنه قال: أكْبِر كبيرًا، وقيل: هو
стр. 778
منصوب على القطع من اسم الله تعالى.
١٠٩٥ - حديث: "أربعٌ سمعتهن من النبي ﷺ فأعجبنني وآنقنني: أن لا تسافر المرأة ... ".
قال الكرماني: بالرفع لا غير، و (أنْ) هي المفسرة، (لا) النافية.
قوله: (ولا صوم يومين).
قال الكرماني: فإن قلت: ما إعرابه قلت: (صوم) اسم (لا) و (يومين) خبره، أي: لا صوم في هذين اليومين، أو يكون (صوم) مضافًا إلى يومين، وتقديره: لا يصوم صومهما، أو تقديره: لا صوم يومين ثابت أو مشروع.
١٠٩٦ - حديث: "أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألف ومنكم رجل ".
قال النووي: هكذا هو في الأصول، والروايات: (ألف) و (رجل) بالرفع فيهما، وهو صحيح، وتقديره: أنه بالهاء التي هي ضمير الشأن، وحذفت الهاء وهو جائز معروف.
١٠٩٧ - حديث: "أنه سئل العزل فقال: لا عليكم أن لا تفعلوا ".
قال البغوي في "شرح السنة": قال المبرد: معناه لا بأس عليكم أن لا تفعلوا.
стр. 779
وقال الكرماني: قال المبرد: (لا) في (لا تفعلوا) زائدة أي: لا بأس عليكم في فعله.
وأما من لم يجوز العزل فقال: (لا) نفي لما سألوه، و (عليكم ألا تفعلوا) كلام مستأنف مؤكد له.
١٠٩٨ - حديث: "أنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر ".
قال أبو علي الفارسي في "تذكرته" وكان معتزليًا: الرؤية علمية لا بصرية، فقيل له: لو كان كذلك لتعدت إلى مفعولين، وهي هنا متعدية لواحد، فأجاب إنها متعدية إلى مفعولين، وما ذكر ههنا سد مسد المفعول الثاني، أو أضمر المفعول الثاني، أي: ترونه متيقنًا، انتهى.
ورُدَّ الوجهان: أما الأول: ففيه جعل الكلام متجوزًا فيه، وإذا وجدنا سبيلاً إلى الحقيقة لم نتكلف المجاز.
وأما الثاني: فلأن الأصل عدم الحذف، وإذا صح الكلام بغير الحذف لم تتكلف، وأيضًا فإن حذف أحد المفعولين في أفعال القلوب بلا دليل لا يجوز بالإجماع.
١٠٩٩ - حديث: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر ".
قال الطيبي: قوله: (إتمامًا) إما مفعول له، أو حال من الفاعل، أي: صلى ما شك فيه حال كونه متمًا لأربع.
стр. 780
١١٠٠ - حديث: "أعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال ".
قال الطيبي: (قهر الرجال) إما أن تكون إضافته إلى الفاعل، أي: قهر الدائنين إيّان، وغلبتهم عليه بالتقاضي، وليس له ما يقضي دينه، أو إلى المفعول، بأن (لا) يكون له أحد يعاونه على قضاء ديونه من رجاله وأصحابه ومن المسلمين.
١١٠١ - حديث: "من لا يرحم الناسَ لا يرحمه الله ".
قال أبو البقاء: الجيد أن تكون (مَنْ) بمعنى الذي، فيرفع الفعلان، وإن جعلت شرطًا فجزم الفعلان جاز.
١١٠٢ - حديث: "يخلص المؤمنون من النار فيُحبسون على قنطرة بين الجنة والنار حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا ".
قال الطيبي: (نقّوا) تفسير لقوله: (هذبوا)، وأدخل واو العطف بين المفسر والمفسر.
قوله: (فلأحدهم أهدى بمنزله في الجنة).
стр. 781
قال الطيبي: (هدى) لا يتعدى بالباء بل باللام وإلى، فالوجه أن يضمن معنى اللصوق، أي: ألصق بمنزله هاديًا إليه.
١١٠٣ - حديث: "أبردوا بالظهر في الحر فإن شدة الحر من فوح جهنم ".
قال أبو البقاء: يقال: (فوح) و (فيح) وكلاهما قد ورد، وهو من (فاحت الريح) تفوح وتفيح.
وقال الطيبي: (مِنْ) إما ابتدائية، أي: شدة الحر نشأت وحصلت من فيح جهنم، أو تبعيضية، أي: بعض منها، وهو الأوجه، وكذا قوله الحمى من فيح جهنم.
١١٠٤ - حديث: "خرج رسول الله ﷺ في أضحى ".
قال الكرماني: هو منصرف.
١١٠٥ - حديث: "في قوله تعالى: (وفرش مرفوعة) [الواقعة: ٣٤]، قال: ارتفاعها لكما بين السماء والأرض ".
قال الطيبي: أدخل لام الابتداء في الخبر، والكاف اسم، وأصل هذه اللام أن تقع في الابتداء، ووقوعها في الخبر جائز، وأنشدوا:
стр. 782
أم الحليس لعجوزٌ شهربهْ
١١٠٦ - حديث: "أوَّهْ عين الربا فلا تقربنّه ".
قال القاضي عياض: رويناه بالقصر وتشديدًا الواو وسكون الهاء، وقيل بمدّ الهمزة، قالوا: ولا يمد إلا لبعد الصوت، وقيل: بسكون الواو وكسر الهاء، ومن العرب من يمدّ الهمزة، والواو تجعل بعدها واوين اثنين فتقول: آووه، وكله بمعنى التذكير والتحزّن، ومنه (إنّ إبراهيم لأوّاهٌ) [التوبة: ١١٤].
١١٠٧ - حديث: "من يتجر على هذا فيصلي معه ".
قال في "النهاية": الصواب: يأتجر، لأنه من الأجر، ولا يجوز (يتجر) بالإدغام، لأن الهمزة لا تدغم في التاء، وكذلك حديث الأضاحي: (كلوا وادّخروا وائتجروا) أي: تصدقوا طالبين بذلك، ولا يجوز (اتّجروا) بالإدغام.
وكذلك حديث الزكاة: (ومن أعطاها مؤتجرًا بها).
стр. 783
وإن صحّ في الرواية (يتّجر) فيكون من التجارة لا الأجر، كأنه بصلاته معه قد حصل لنفسه تجارة، أي: مكتسبًا.
١١٠٨ - حديث: "يوشكُ أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن ".
قال ابن مالك في "التوضيح": (يوشك) مضارع (أوشك) وهو أحد أفعال المقاربة، فيقتضي اسمًا مرفوعًا وخبرًا منصوب المحل، لا يكون إلا فعلًا مضارعًا مقرونًا بأنْ، ومنه قول الشاعر:
إذا المرء لم يغش الكريهة أوشكت ... حبال الهوينى بالفتى أن تقطعا
ولا أعلم تجرده من "أنْ" إلا في قول الشاعر:
يوشك من فر من منيته ... في بعض غراته يوافقها
وفيما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة عن المقدام بن معد يكرب أن رسول الله ﷺ قال: (يوشك الرجل متكئًا على أريكته يحدث بحديث من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله).
стр. 784
وقد يسند إلى (أن) والفعل المضارع، فيسد ذلك مسد اسمها وخبرها. وفي هذا الحديث شاهد على ذلك.
ويجوز في (خير) و (غنم) رفع أحدهما على أنه اسم (يكون)، ونصب الآخر على أنه خبره. ويجوز رفعهما على أنهما مبتدأ و (خير) في موضع نصب خبر ليكون، واسمه ضمير الشأن، لأنه كلام تضمن تحذيرًا وتعظيمًا لما يتوقع. وتقديم ضمير الشأن قبوله لمعناه. انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: وردت الرواية بنصب (خير) ورفع (غنم) وعكسه ولم يرفعها.
وقال الكرماني: يجوز في (خير مال المسلم غنم) وجهان: نصب (خير) ورفعه، ونصبه هو الأشهر في الرواية، وهو خبر يكون مقدم عليه، ولا يضر كون الاسم وهو (غنم) نكرة لأنها موصوفة بقوله: (يتبع بها).
أما الرفع فبأنْ يقدّر في كون ضمير الشأن، ويكون (خيرُ مال المسلم غنمٌ) مبتدأ وخبرًا، وقد روي (غنمًا) بالنصب.
وقوله: (يفرّ بدينه) إما جملة حالية، وذو الحال هو الضمير المستقر في (يتبع)، ويحتمل أن يكون هو المسلم، ويجوز الحال من المضاف إليه نحو: (أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا) [النحل: ١٢٣].
فإن قلت: إنما يجعل حالاً من المضاف إليه إذا كان جزءًا منه، وأما اتحاد الخير بالمال فظاهر. أو جملة استئنافية على تقدير جواب سؤال يقتضيه المقام، و (الباء) في (بدينه) للسببية.
стр. 785
و ((من) في قوله: (من الفتن) ابتدائية. انتهى.
١١٠٩ - حديث: "إن أول زمرة تدخل الجنة يوم القيامة صورةُ وجوههم مثل صورة القمر ليلة البدر، والزمرة الثانية على لون أحسن كوكب درّي في السماء، لكل رجل منهم زوجتان على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من وراء لحومهم أو دمائهم أو حللهم ".
قال أبو البقاء: هكذا وقع في هذا الطريق وهو مشكل من ثلاثة أوجه:
أحدها: تذكير ضمير الجمع وهو للمؤنث.
والثاني: قوله: (أو دمائهم أو حللهم)، وهذا الموضع لا يليق به الواو، لأن كل واحدة منهن تسترها هذه الأشياء الثلاثة.
والثالث: أنه أفرد الضمير في (ساقها) وجمع فيما بعد ذلك. والوجه فيه: أن نزَّل المؤنث منزلة المذكر على ما جرت به العادة في صيانة المؤنث.
وأما (أو) فيجوز أن تكون بمعنى الواو، ويجوز أن يراد بها أن بعضهن كذا، ويشير إلى التفضيل.
وأما إفراد الضمير فيرجع إلى الواحدة أو إلى الجماعة، وأوقع المفرد موقع الجمع.
١١١٠ - حديث: "حتى يتمنى الأحياءُ الأمواتَ ".
قال التوربشتي: (الأحياء) رفع بالفاعلية، وفي الكلام حذف، أي: يتمنون حياة الأموات، أو كونهم أحياء، وإنما يتمنون ذلك ليروا ما هم عليه من الخير والأمن ويشاركوهم.
стр. 786
ومن زعم أن الصواب فيه (الإحياء) بالنصب من الإفعال، وفاعل (يتمنى) الأموات. (فقدا) حال.
١١١١ - حديث: "فينظرُ وجهه في خدها أصفى من المرآة ".
قال الطيبي: (أصفى) حال من (خدّها).
١١١٢ - حديث: "الصّعود جبل في النار يتصعد فيه خمسين خريفًا، ويهوي به كذلك فيه أبدًا ".
قال الطيبي: (فيه) زيد توكيدًا، ومن أمثلة سيبويه فيما زيد توكيدًا: عليك زيد حريص عليك، وفيك زيد راغب فيك.
١١١٣ - حديث: "إن الأعضاء تكفر اللسان تقول: نشدك الله فينا ".
قال في "النهاية": (النّشدة) مصدر (نشدته)، تقول: نشدتك الله وبالله، كما قالوا: دعوت زيدًا ويزيد، أو لأنهم ضمّنوه معنى ذكرت، تقول نشدتك نشدة، وتعديته إلى مفعولين إما لأنه بمنزلة دعوت، حيث قالوا: نشدتك الله، وإما نشدتك، فقيل: إنه حذف منه التاء وأقامها مقام الفعل، وقيل: هو بناء مرتجل كقعدك الله، وعمرك الله ..
قال سيبويه: قولهم: عَمْرَك اللهَ وقِعْدَك الله، هو له نِشْدَك الله، وإن لم يُتكلّم بنشدك الله، ولكن زعم الخليل أن مثل هذا تمثيل تمثل به.
ولعل الراوي قد حرفه عن ننشدك الله، أو أراد سيبويه والخليل قلة مجيئه في الكلام لا عدمه، أو لم يبلغهما مجيئه في الحديث، فحذف الفعل الذي هو أنشدك، ووضع المصدر موضعه مضافًا إلى الكاف، الذي كان مفعولاً أوّلاً. انتهى.
стр. 787
١١١٤ - حديث: "خطب النبي ﷺ فقال: إن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله، فبكى أبو بكر الصديق، فقلت في نفسي: ما يبكي هذا إن يكن الله خيَّر عبدًا ".
قال الزركشي: (إنْ يكن) بكسر الهمزة على أنها شرطية وجوّزه السفاقسي، والمعنى: ما يبكيه لأجل أن يكن الله خير عبدًا.
وقال الكرماني: (إن يكن) شرطُ جزاء، جزاؤه محذوف يدل عليه السياق، أو (إنْ) بمعنى إذْ، وفي بعضها (أن) بفتح الهمزة.
فإن قلت: لم جزم؟
قلت: قال المالكي: في قول الرسول ﷺ : (لن ترع) فيه إشكال ظاهر لأن (لن) يجب انتصاب الفعل بها، وقد وليها في هذا الكلام بصورة الجزم، والوجه فيه أن يقال: سكن عين الفعل، أي: (تراعْ) للوقف، ثم شبه بسكون الجزم، فحذف الألف قبله كما يحذف قبل سكون المجزوم، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، فيوجه ما نحن فيه بمثله.
قوله: (إنَّ من أمَنِّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبا بكر".
قال الزركشي: (أبا بكر) بالنصب اسم (إنّ)، ويروى: أبو بكر، بالرفع، قال ابن بري: وهو يجوز إذا جعلت (مِنْ) صفة لشيء محذوف تقديره: إن رجلاً أو إنسانًا من أمنّ الناس، فيكون اسم (إنّ) محذوفًا، والجار والمجرور في موضع الصفة، وقوله: (أبو بكر) هو الخبر، و (من) زائدة على رأي الكسائي، والصحيح أنها على بابها، واسم إنّ محذوف، أي: إنّه، والجار والمجرور بعده خبر مبتدأ مضمر. أي: هو.
стр. 788
وقال الطيبي: رواية مسلم بالرفع، وهو مشكل.
وقال المظهري: فيه أوجه: أن تكون (مِنْ) مزيدة على مذهب الأخفش، وقيل: إنّ هنا بمعنى نعم: فقوله: (أبو بكر) مبتدأ، و (من أمنّ الناس) خبر، وقيل: اسم إنّ ضمير الشأن.
١١١٥ - حديث: "إنّ أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة يفضي الرجل إلى امرأته وتفضي إليه ثم يفشي سرها ".
قال الأشرفي: لا بد من تقدير مضاف، أي: أعظم خيانة الأمانة.
وقوله: (الرجل) خبر (إنّ)، وفيه تقدير مضاف، أي: خيانة الرجل.
قوله: (ولكن أخوة الإسلام).
في رواية الأصيلي: (ولكن خوة الإسلام).
قال ابن مالك: الأصل (ولكن أخوة) فنقلت حركة الهمزة إلى النون وحذفت الهمزة على القاعدة المشهورة فصار (ولكن خوة الإسلام) فعرض بعد ذلك استثقال ضمة بين كسرة وضمة، فسكن النون تخفيفًا فصار (ولكن خوة الإسلام) وسكون النون بعد هذا العمل غير سكونه الأصلي وتبينه بذلك في تخفيفه مرتين همزته لفظًا وخطًّا.
قوله: (لكنا هو الله ربي) [الكهف: ٣٨] فإن أصله لكن ربي، فنقلت حركة الهمزة، وحذفت فصار لكننا فاستثقل توالي النونين متحركتين، فسكن أولهما وأدغم في الثاني، ومنه قول الشاعر:
стр. 789
وتقلينني لكنَّ إياك لا أقلي
أراد: لكن أنا إيّاك لا أقلي، ثم عمل به ما ذكر.
والحاصل بـ (ولكن)، ثلاثة أوجه: سكون النون وثبوت الهمزة بعدها مضمومة، وضم النون وحذف الهمزة، وسكون النون وحذف الهمزة.
فالأول: أصل، والثاني: فرع، والثالث: فرع الفرع. انتهى.
وقال الكرماني: فإن قلت: (أخوة) مبتدأ فما خبره، قلت: محذوف وهو نحو أفضل.
قوله: (لا تبقين في المسجد باب).
قال الكرماني: بلفظ المجهول وروي بلفظ المعلوم أيضًا، فإن قلت: كيف نهى الباب عن البقاء وهو غير مكلف؟
قلت: هو كناية، لأن عدم البقاء لازم للنهي عن الإبقاء فكأنه قال: لا تبقوه حتى لا يبقى. وهو مثل قولهم: لا أرينك ههنا، أي: لا تقعد عندي حتى لا أراك وقوله: (إلا سدّ باب أبي بكر) فإن قلت: الفعل ههنا وقع مستثنى ومستثنى منه، فكيف ذلك؟
قلت: التقدير: إلاّ بابًا سدّ فالباب الموصوف المحذوف هو المستثنى أولاً، والمستثنى منه ثانيًا. أو هو استثناء مفرّغ تقديره: لا تبقين باب بوجه من الوجوه إلا بوجه السد إلا بابه، وحاصله لا يبقين باب غير مسدود إلا بابه ﵁. انتهى.
وقال الزركشي: (إلاّ باب أبي بكر) بالنصب والرفع.
стр. 790
وقال الشيخ أكمل الدين: قوله (إلا سدّ) صفة موصوف محذوف، أي: إلا باب أبي بكر فإنه لا يسدّ.
١١١٦ - حديث: "يقول الله تعالى: "أخرجوا من كان في قلبه مثقالُ حبة من خردل من إيمان ".
قال الكرماني: فإن قلت: هل يجوز أن يعلق بفعل واحد حرفا جر من جنس واحد، وهو الكلمة الابتدائية يعني (من خردل) و (من إيمان)، قلت: يجوز، و (من خردل) يتعلق بحاصلة، أي: حبة حاصلة من خردل، و (من إيمان) متعلق بحاصل آخر. أو بقوله: من كان.
١١١٧ - حديث: "أنه ﷺ أرسل إلى رجل، فجاء ورأسه يقطر، فقال: لعلنا أعجلناك ".
قال ابن مالك في "توضيحه" وقال الكرماني: لعل قد جاء لإفادة التحقيق فمعناه: قد أعجلناك.
وقوله: (إذا أعجلت أو أقحطت فعليك الوضوء).
قال الزركشي والكرماني: برفع (الوضوء) مبتدأ خبره ما قبله، وبالنصب مفعول (عليك) لأنه اسم فعل نحو: عليك زيدًا، أو معناه: فالزم الوضوء.
وقال القرطبي: الرواية بضم همزة (أُقْحِطتَ) وكسر الحاء مبنيًّا لما لم يسم فاعله، ولعله إتباع لأعجلت، فإنه لا يقال في هذا إلا أقْحَطَ الرجل، إذا لم ينزل بالفتح.
стр. 791
١١١٨ - حديث: "ويح عمار ".
قال الكرماني: هو بنصب الحاء لا غير، ونصبه بإضمار فعل.
وقال النهاية: هو منصوب على المصدر وقد يرفع ويضاف ولا يضاف يقال ويحَ زيد وويحًا له، وويحٌ له. وفي رواية: ويْسَ ابن سمية.
قال: وهو مثل ويح وحكمها حكمها.
١١١٩ - حديث:" من رضي بالله ربًّا ... إلى أن قال: وأخرى يرفع الله بها العبد ".
قال الطيبي: (وأخرى) صفة موصوف محذوف وهو مبتدأ، و (يرفع الله) خبره، أو منصوب على إضمار فعل، أي: أبشرك ببشارة أخرى، وقوله (يرفع الله) صفة أو حال، وقيل: أي: وخصلة أخرى.
١١٢٠ - حديث: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ... إلى قوله: وما من نبي يومئذ آدمَ فمن سواه ".
قال الطيبي: (نبي) نكرة وقعت في سياق النفي وأدخل عليه (مِنْ) الاستغراقية، فيفيدا استغراق الجنس، و (آدم) بدل أو بيان من محله، والفاء في (فمن) تفصيلية، وآثرها على الواو التي للترتيب على منوال قولهم: الأمثل فالأمثل، ومَنْ: موصولة، و (سواه) صلته، وصح لأنه ظرف.
١١٢١ - حديث: "إني أوشك أن أُدْعى فأجيب، وإني تاركٌ فيكم الثقلين: كتابَ الله
стр. 792
وعترتي، كتابَ الله حبلاً ممدودًا من السماء إلى الأرض وعترتي: أهلَ بيتي".
قال أبو البقاء: أما (كتاب الله وعترتي) الأولين فبدلان من (الثقلين) وأما (كتاب) الثاني فهو بدل من (كتاب) الأول، وجوز ذلك وحسنه ما اتصل به من زيادة المعنى، وهو قوله: (حبلاً ممدودًا). وكذلك (عترتي: أهل بيتي)، ونصب (حبلاً ممدودًا) على أنه حال أو مفعول ثانٍ لـ (تاركٌ)، ولو رُوِي: (كتابُ الله حبلٌ ممدود) جاز على أنه مستأنف.
١١٢٢ - حديث: "وتذِيفون فيه من القُطَيْعاء ".
قال القاضي عياض: رويناه بالدال المهملة والذال المعجمة، وبضم التاء المهملة، ثلاثيّ، وكلاهما صحيح بمعنى.
وقال بعض المحققين: صوابه: (تَدِيفون) إذا أهملت، أو (تذيفون) إذا أعجمت، كله ثلاثي وخلاف هذه الرواية، وهو خطأ، لأنه ثلاثي، وغيره قد حكى أذاف فالرواية صحيحة.
وقال ابن دريد: دفت الدواء وغيره بالماء أدوفه، بإهمال الدال وقال غيره: دفت أديفه.
١١٢٣ - حديث: "فأقولُ لهم: أما النسبُ فقد عرفت، ولكنكم أحدثتم بعدي، وارتددتم القهقرى ".
стр. 793
١١٢٤ - حديث: "أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا ما لنا بها؟ قال: كفارات ".
قال أبو البقاء: فيه وجهان: أحدهما: هو مبتدأ والخبر محذوف، أي: لكم كفارات، والثاني: خبر مبتدأ، أي: هو كفارات.
وقوله: (وإنْ شوكة) تقديره: وإنْ كان شوكة، كقولهم: إنْ خيرًا فخيرٌ.
١١٢٥ - حديث: "أيَّ شيءٍ تركتم عبادي يصنعون ".
(أيّ) منصوب بيصنعون، وكذلك: أيّ شيء يطلبون، وههنا يلزم تقدم المفعول على الفعل لأجل الاستفهام.
١١٢٦ - حديث:" الماء طهور ".
قال الرضي: التنوين في كل اسم متمكن غير علم يفيد التمكين والتنكير معًا، ومعنى تنكير الشيء شياعه في أمته، وكونه بعضًا مجهولاً من جملة إلا في غير الموجب، نحو: ما جاءني رجل، فإنه لاستغراق الجنس، فكل اسم دخله اللام لا يكون فيه علامة هي كونه بعضًا من كل، إذ تلك العلامة هي التنوين وهو لا يجامع اللام، فينظر في ذلك الاسم، فإن لم يكن معه قرينة لا حالية ولا مقالية دالة على أنه بعض من كل، كقرينة الشرى الدالة على المشتري بعض من قولك: اشتر اللحم، ولا دلالة على أنه بعض معين كما في قوله تعالى: (أو أجدُ على النار هدىً) [طه: ١٠] فهي
стр. 794
اللام التي جيء بها للتعريف اللفظي، والاسم المحلى بها لاستغراق الجنس سواء كان مع علامة الواحدة، كالضربة، أو مع علامة التثنية أو الجمع كالضربتين والعلماء، أو مجردًا عن جميع تلك العلامات كالضرب والماء.
وإنما وجب حمله على الاستغراق، لأنه إذا ثبت كون اللفظ دالاً على ماهية خارجة فإما أن يكون لجميع أفرادها أو لبعضها، ولا واسطة بينهما في الوجود الخارجي، بل يمكن تصورها في الذهن خالية عن الكلية والبعضية، لكن كلامنا في المشخصات الخارجية، لأن الألفاظ موضوعة بإزائها، لا في الذهنية، فإذا يكن للبعض لعدم دليلها، أي: التنوين، وجب كونه للكلّ، فعلى هذا قوله ﷺ : (الماء طاهر)، أي: كل الماء، و (النوم حدث)، أي: كل النوم، إذ ليس في الكلام قرينة البعضية لا مطلقة ولا معينة، فالمفرد في مثله يعم جميع المفرد، والمثنى يعم جميع المثنى، وهكذا حال المفرد والمثنى والجمع في غير الموجب، قال ﵇: (لا تحرَّم الإملاجة)، أي: كل واحد واحد من هذا الجنس. وكذا الإملاجان، أي: كل اثنين اثنين من هذا الجنس.
مسند أبي سعيد الزُّرَقي ﵁
١١٢٧ - حديث: "إنّ ما يُقَدّر في الرحم فسيكن ".
قال أبو البقاء: في هذه الرواية بغير واو وهو خطأ، لأن الفاء جواب الشرط،
стр. 795
والسين تمنع مع عمل الفاء فيما بعدها، ففيه إذن شيئان مانعان من الجزم البتة.
مسند أبي سفيان بن حرب ﵁
١١٢٨ - حديث هرقل:
قوله: "ودعا بالترجمان".
قال الكرماني: الباء زائدة للتوكيد، كقوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم) [البقرة: ١٩٥] لأن (دعا) متعدّ بنفسه.
قوله: (أيُّكم أقربُ نسبًا بهذا الرجل).
قال الحافظ ابن حجر: ضمن (أقرب) معنى (أقعد) فعداه بالباء، ووقع في رواية مسلم: (من هذا الرجل)، وهو على الأصل.
وقال الكرماني: فإن قلت (أقرب) أفعل التفضيل، لا بد أن يستعمل بأحد الوجوه الثلاثة: الإضافة، واللام، ومِنْ، ههنا مجرد عنها، ثم إن معنى القرب لا بد أن يكون من شيء فأين صلته، قلت: كلاهما محذوفان، أي: أيكم أقرب من النبي ﷺ من غيركم.
قوله: (فإنْ كذبني فكذّبوه).
стр. 796
قال التيمي: (كذب) يتعدى إلى مفعولين، يقال: كذبني الحديثَ، ونظيره صدق. هما من غرائب الألفاظ، فعّل بالتشديد يقتصر على مفعول واحد، فَعَل بالتخفيف يتعدى إلى مفعولين.
قوله: (ثم كان أوله).
قال الزركشي: يجوز رفعه على اسم كان ونصبه.
وقال ابن حجر: الرواية بالنصب على الخبر، ويجوز رفعه على الاسمية.
قوله: (فهل قال هذا القولَ منكم أحدٌ قطُّ قبلَه؟).
قال الحافظ ابن حجر: استعمل (قطّ) بغير أداة النفي وهو نادر، منه قولهم: صلينا أكثر ما كنا قط وآمنه ركعتين. ويحتمل أن يقال: إن النفي مضمّن فيه، كأنه قال: هل قال هذا القول أحد، أو لم يقله أحد قط.
وقال الكرماني: الاستفهام حكمه حكم النفي.
قال: وروي (مثله) بدل (قبله) فيكون منصوبًا من هذا القول.
قوله: (فهل كان في آبائه من ملك) يروى بمن الجارة و (ملك) بكسر اللام صفة مشبهة بمن الموصولة، و (ملك) فعل ماض.
قوله: (فأشراف الناس اتبعوه؟).
قال ابن حجر: فيه إسقاط همزة الاستفهام وهو قليل، وفي رواية: (أيتبعه أشراف الناس).
قوله: (فهل يرتدّ أحدٌ منكم سخطةً) بالنصب مفعول لأجله.
قوله: (ولم يكن كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه الكلمة).
стр. 797
قال الكرماني: (غير) إمّا منصوب لـ (شيئًا)، وإما مرفوع صفة لـ (كلمة)، فإن قلت: كيف يكون صفة لهما وهما نكرة، وهو مضاف إلى المعرفة قلت: كلمة (غير) لا تتعرف بالإضافة، إلا إذا اشتهر المضاف بمغايرة المضاف إليه، وهنا ليس كذلك.
قوله: (كيف كان قتالُكم إيّاه).
قال الكرماني: هو أفصح من (قتالكموه) باتصال الضمير، فلذا فصله.
وقال ابن مالك في "توضيحه": في هذا الحديث استعمال ثاني الضميرين منفصلًا مع إمكان استعماله متصلًا. والأصل أن لا يستعمل المنفصل إلا عند تعذر المتصل، وذلك أخصر وأبين، لأن المتصل لا يعرض معه لبسٌ.
وإذا علمت هذه القاعدة لزم أن يُعتذر عن جعل منفصل في موضع لا يتعذر فيه المتصل، فإن كان الفعل من باب كان واتصل به ضمير رفع جاز في الضمير الذي يليه الاتصال، نحو: صديقي كنتَه، والانفصال نحو: كنت إياه. والاتصال عندي أجود،
والانفصال عند أكثر النحويين أرجح، ومن الاتصال قوله ﷺ لعمر: (إن يكُنْه فلن تسلّط عليه، وإن لا يكنه فلا خير لك في قتله)، وقول الشاعر:
فإن لا يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها
قلت: ورد في هذا الحديث من طريق آخر بلفظ: (إن يكن هو فلست صاحبه، إنما صاحبه عيسى، وإن لا يكن هو فليس لك أن تقتل رجلاً من أهل الذمة).
ثم قال ابن مالك: وإذا تعلق بعامل واحد ضميران متواليان، واتفقا في الغيبة،
стр. 798
وفي التذكير أو التأنيث، وفي الافراد أو التثنية أو الجمع، ولم يكن الأول مرفرعًا، وجب كون الثاني بلفظ الانفصال، نحو: أعطاه إياه، وأعطاها إياها. ولو قيل: أعطاهوه، بالاتصال لم يجز، لما في ذلك من اشتغال المثلين، فلو اختلفا جاز الاتصال والانفصال، نحو:
أنا لَهُمَاهُ قَفْوُ أكرم والدِ
ومن الانفصال قوله ﷺ : (إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم)، وقول الصحابة للذي قال يا رسول الله أكسنيها: (ما أحسنت سألتها إياه)، ولو قيل: سألتهاه، لجاز.
وفي حديث سهل بن سعد: (فأعطاه إياه).
وإذا اختلف الضميران في الرتبة، وقدم أقربهما رتبة، جاز أيضًا، والاتصال أجود، كقول المرأة لرسول الله ﷺ : (لأكسوكَها). وقول الرجل له ﷺ (اكسنيها)، وقول الخضر ﵇: (إني على علم، الله علمنيه)، و (أنت على علم علمكه الله).
وسيبويه يَرى الاتصال في هذه الأمثله ونحوها واجبًا، والانفصال ممتنعًا، والصحيح جوازه.
ومنه الحديث: (فإن الله ملَّكَكم إياهم، ولو شاء لملكهم إياكم).
قوله: (حين يخالط بشاشة القلوب).
стр. 799
قال الزركشي وابن حجر: هكذا روي بالنصب على المفعولية، و (القلوب) بالإضافة، أي يخالط الإيمان انشراح الصدور، وروي: (بشاشتُه القلوبَ) بالضم، و (القلوب) مفعول، أي: يخالط بشاشته الإيمان، وهو شرحه القلوب التي تدخل فيها.
قوله: (وسألتك بما يأمرهم).
قال الزركشي: فيه إثبات الألف مع (ما) الاستفهامية وهو قليل.
قوله: (من محمدٍ رسول الله)، (من) فيه لابتداء الغاية والمكان. قاله أبو حيان.
قوله: (عظيم الروم).
قال الزركشي: بالجرّ بدل مما قبله، ويجوز فيه الرفع والنصب على القطع.
قوله: (أسلم تسلم يؤتك الله).
قال الكرماني: (يؤتك)، إما جواب ثان للأمر، وإما بدل، أو بيان للجواب الأول.
قوله: (ويا أهل الكتاب).
قال ابن حجر: الواو داخلة على مقدر معطوف على قوله: (أدعوك) والتقدير: أدعوك بدعاية الإسلام، وأقول لك ولأتباعك امتثالاً لقول الله: (يا أهل الكتاب).
قوله: (إنّه يخافه).
قال الزركشي وابن حجر: بالكسر استئنافًا للتعليل، ويجوز على ضعف فتحها على أنه مفعول لأجله، وضعف لوجود اللام في الخبر في رواية أخرى.
قوله: (كان ابن الناطور صاحبَ إيليا).
قال القاضي عياض: بالنصب على الاختصاص، أو الحال لا على خبر كان، لأن خبرها (أسقفا)، أو قوله: (يحدث) أو (هرقل) وهو أوجه.
стр. 800
قال الزركشي: ويجوز أن يكون خبر كان، ويكون (أسقفًا) خبرًا ثانيًا. فإن قيل: هل يجوز رفع (صاحب) على الصفة، قيل: لا، لأن ما قبله معرفة، و (صاحب إيليا) نكرة، والإضافة لا تُعرّفه، لأنها في تقدير الانفصال.
وقال ابن حجر: يجوز رفعه على الصفة، والإضافة التي فيه تقوم مقام التعريف، وقول من زعم إنها في تقدير الانفصال في مقام المنع.
قوله: (وهرقل) قال الزركشي: بفتح اللام معطوف على (إيليا) وموضعها خفض بالإضافة.
وقال ابن حجر: استعمل (صاحب) في معنيين: مجازي وحقيقي، لأنه بالنسبة إلى (إيليا) أمير وذاك مجاز، وبالنسبة إلى هرقل تابع وذاك حقيقة.
قوله: (سُقُفًا) بضم السين والقاف، ويروى (أسقفًا) وهو منصوب على أنه خبر كان، و (يحدث) خبر بعد خبر.
وقال ابن حجر: ويروى (سقِف) بكسر القاف، مبني لما لم يسم فاعله، أي: قدم.
قال في "العُباب": (سقّفته) بالتشديد جعلته (أسقفًا) ذكره الزركشي.
قوله: (وكان هرقل حَزَّاءً ينظر في النجوم).
يحتمل أن يكون جملة (ينظر) خبرًا ثانيًا، وأن يكون تفسيرًا لما قبله، ذكره ابن حجر.
قوله: هل (مُلك هذه الأمة)، قد ظهر لأكثر الرواة بضم الميم وسكون اللام، وروي بفتح الميم وكسر اللام، وروي: (يملك) فعل مضارع.
وقال القاضي عياض: وأراها ضمة الميم اتصلت بها فتصحفت، ووجهه السهيلي في "أماليه"، بأن هذا يملك مبتدأ، وخبر، أي: هذا المذكور يملك هذه
стр. 801
الأمة، قد جاء النعت بدل المنعوت ثم حذف المنعوت قال الشاعر:
لو قلت ما في قومها لم تيثم ... يفضُلها في حسبٍ ومَيْسَمِ
أي: ما في قومها أحد يفضلها، وهذا إنما هو في الفعل المضارع، لا في الماضي، قاله ابن السراج.
وقال الشيخ سراج الدين البلقيني: يجوز أن يكون المحذوف هو الموصول على رأي الكوفيين، أي: هذا الذي يملك. على أن الكوفيين يجوزون استعمال الإشارة بمعنى الاسم الموصول فيكون التقدير: الذي يملك، من غير حذف كقوله:
نجوت وهذا تحملين طليقُ
أي: هذا الذي تحملينه طليق.
قال ابن حجر: لكن اتفاق الرواة على حذف الياء في أوله دال على ما قاله عياض.
قال: على أنني رأيت في أصل معتمد بباء موحدة في أوله، وتوجيهها أقرب من
стр. 802
توجيه الأول، لأنه حينئذ يكون الإشارة بهذا إلى ما ذكره من نظيره في حكم النجوم، والباء متعلقة بظهر، أي: هذا الحكم بملك هذه الأمة التي تختتن.
١١٢٩ - حديث: "إنه ﷺ قال: "والله لا يؤمن أحدكم، والله لا يؤمن أحدكم، قيل: يا رسول الله، ومن ؟ ".
قال الكرماني: الواو عطف على مقدر، أي: سمعنا قولك وما عرفنا من هو.
مسند أبي شريح ﵁
١١٣٠ - حديث أبي شريح الخزاعي: "سمعت أذناي وأبصرت عيناي رسول الله ﷺ حين تكلم ".
قال ابن مالك: في هذا الحديث تنازع الفعلين مفعولاً واحدًا، وإيثار الثاني بالعمل، أعني (أبصرتْ عيناي)، لأنه لو كان العمل لـ (سمعت) لكان التقدير: سمعت أذناي النبي ﷺ ، وكان يلزم على مراعاة الفصاحة أن يقال: وأبصرته. فإذا أخَّر المنصوب وهو مقدم في النية، بقيت الهاء متصلة بـ (أبصرت)، ولم يجز حذفها، لأن حذفها يوهم غير المقصود، فإن سمع الحذف مع العلم بأن العمل للأول حكم بقبحه، وعُدّ من الضرورات. ومن تنازع الفعلين، وجعل العمل للثاني قوله تعالى: (آتوني أفرغ عليه قطرًا) [الكهف: ٩٦]. وفي الحديث المذكور شاهد على أنه قد يتنازع منصوبًا واحدًا فعلاً فاعلين متباينين، فيستفاد من (سمعت أذناي، وأبصرت عيناي النبي ﷺ )
стр. 803
جواز: أطعم زيدٌ وسقى محمدٌ جعفرًا. وأكثر النحويين لا يعرفون هذا النوع من التنازع، ونظيره قول الشاعر:
أضْنَتْ سعاد وأضنت زينب عمرا ... ولم ينل منهما عينًا ولا أثرا
وفي الحديث المذكور أيضًا اكتفاء (سمع) بالمفعول الأول مقدرًا، مع أنه اسم ما لا يدرك بالسمع، والأصل خلاف ذلك. وحسَّن الحذفَ دلالةُ (حين تكلم) على المحذوف، كما حسّنه في قوله تعالى: (هل يسمعونكم) دلالة (إذ تدعون) [الشعراء: ٧٢]، فلنا أن نجعل التقدير: هل يسمعون دعاءكم، فحذف المضاف، وهو من مدركات السمع، أقيم المضاف إليه مقامه، ولنا أن نجعل التقدير: إذ تدعون مقامه. وكذا الحديث لنا أن نقدر: سمعت أذناي كلام النبي ﷺ ، ولنا أن نقدر: سمعت أذناي النبي ﷺ متكلمًا. انتهى.
قوله: (فليكرم ضيفه جائزَتَه).
قال الكرماني: فإن قلت: بم انتصب؟.
قلت: مفعول ثان للإكرام، لأنه في معنى الإعطاء، أو هو كالظرف، أو منصوب بنزع الخافض.
قوله: (قالوا: وما جائزتُه يا رسول الله؟ قال: يوم وليلة).
فإن قلت: كيف جاز وقوع الزمان خبرًا عن الجثة؟
قلت: إما باعتبار أن له حكم الظرف، وإما مضاف مقدر، أي: زمان جائزته يوم وليلة. انتهى.
стр. 804
وفي الرواية الأخرى: (جائزته يوم وليلة).
قال السهيلي: من رفع فعلى المبتدأ، أي: جائزته تكليف يوم وليلة، أو إتحاف يوم وليلة.
وأما النصب فعلى بدل الاشتمال، أي: يكرة جائزة ضيفه يومًا وليلة. ونصب (يومًا) على الظرف.
قوله: (والضيافةُ ثلاثةُ أيام).
قال الزركشي: يجوز في (ثلاثة) الرفع والنصب.
١١٣١ - حديث: "ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين ".
قال الكرماني: فإن قلت: الحيُّ يقتلُ لا القتيل، لأن قتل القتيل محال، قلت: المراد القتيل بهذا القتل، لا بقتل سابق.
وكذا حديث: (من قتل قتيلاً فله سلبُه).
وكذا قوله تعالى: (هدى للمتقين) [البقرة: ٢].
قوله: (إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا ولا يعضد بها شجرة).
قال الشيخ أكمل الدين: قوله: (ولا يعضد) بالرفع ابتداء كلام وفاعله (امرؤ) وعطفه على (لا يحلّ) بأن يكون تقديره: إن مكة حرمها الله فلا يعضد بها امرؤ شجرة، ويجوز أن يكون منصوبًا، و (لا) زائدة، وتقديره: وأنْ يعضد.
قوله: (فإنْ أحدٌ ترخّص). أي: فإن ترخص أحد ترخص، وجب حذفه لئلا
стр. 805
يجتمع المفسِّر، كما في قوله تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك) [التوبة: ٦] انتهى.
مسند أبي سعيد بن المعلى ﵁
١١٣٢ - حديث: "ما من الناس (أحدٌ) أمَنُّ علينا في صحبته وذات يده من أبي بكر ".
قال أبو البقاء: (أحد) اسم (ما)، و (من الناس) وصف لـ (أحد) في الأصل، قدّم فصار حالاً. و (أَمَنّ) منصوب خبر (ما)، ويجوز رفعه على لغة بني تميم.
مسند أبي شريح الكعبي ﵁
١١٣٣ - حديث: "إياكم والجلوسَ على الصّعدات، فمن جلس منكم على الصعيد، فلْيُعْطِه حقّه، قلنا: وما حقُّه؟ قال: غضوض البصر ".
стр. 806
قال أبو البقاء: (غضوض) يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون جمع (غضّ)، وجاز أن يجمع المصدر لتعدد فاعليه أو لاختلافه.
والثاني: أن يكون واحدًا مثل: القعود، والجلوس، والشكور.
مسند أبي عسيب ﵁
١١٣٤ - حديث: "أن عمر قال: يا رسول الله إنا لمسئولون عن هذا يوم القيامة قال: نعم إلا من ثلاثة: خرقة كفّ بها الرجلُ عورته، أو كسرة سدّ بها جوعته، أو حجرًا يتدخل فيه من الحرّ والقرّ ".
مسند أبي طلحة ﵁
١١٣٥ - حديث: "لا يدخل الملائكة بيتًا فيه كلبٌ ولا تصاوير ".
قال الطيبي: قوله: (ولا تصاوير) معطوف على قوله (كلب)، ومن حق الظاهر أن
стр. 807
يكرر (لا) ويقال: لا كلب ولا تصاوير، ولكن لما وقع في سياق النفي جاز كقوله تعالى: (ما أدري ما يُفْعَل بي ولا بكم) [الأحقاف: ٩]، وفيه من التأكيد أنه لو لم يذكر (لا) لاحتمل أن المنفي الجمع بينهما، نحو قولك: ما كلمت زيدًا ولا عمرًا، ولو حذفت لجاز أن تكلم أحدهما، لأن الواو للجمع وإعادة (لا) لإعادة الفعل.
١١٣٦ - حديث: "أقرئ السلام فإنهم ما علمتُ أعِفَّةٌ صُبُرٌ ".
قال الطيبي: (أعفّة) خبر (إنّ) و (ما علمت) معترضة، و (ما) موصولة والخبر محذوف، أي: الذي علمت منهم أنهم كذلك.
مسند أبي عياش الزُّرَقي ﵁
١١٣٧ - حديث: "من قال إذا أصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. كعدل رقبة .. الحديث ".
قال الشيخ أكمل الدين: أداة الحصر في كلمة التوحيد لقصر الصفة على الموصوف قصر إفراد، لأن معناه: الألوهية منحصرة على الله الواحد في مقابلة من يدعي إشراك غيره معه. وليس بقصر قلب لأن أحدًا من الكفرة لم ينفها عن الله، وإنما أشركوا غيره معه في الألوهية.
وقوله: (وحدَه) حال مؤكدة بمعنى: منفردًا في الألوهية.
стр. 808
قوله: (لا شريكَ له)، بيان لذلك.
وقال في موضع آخر: حال يجوز أن تكون منتقلة ومؤكدة، وهي أولى.
وقوله: (لا شريك) بيان أن ليس المراد بالوحدة التي تقابل الكثرة، بل المراد الوحدة التي تقابل نفي الشركة، هي مبدأ الوحدة المقابل للكثرة، فتأمل. فإنه معنى غريب، انتهى.
وقال ابن دقيق العيد عن بعض المشهورين في عصره: اتفقت النحاة على أن محل (إلاّ) في هذه الكلمة محل (غير)، والتقدير: لا إله غير الله. كقول الشاعر:
وكلُّ أخٍ مفارقُه أخوه ... لعمرُ أبيك إلا الفرقدان
أي: غير الفرقدين. وقال تعالى: (لو كان فيهما آلهةٌ إلا اللهُ لفسدتا).
قال: والذي يدل على الصحة أنّا لو حملنا (إلاّ) على الاستثناء لم يكن قولنا: (لا إله إلا الله) توحيدًا محضًا، فإن تقدير الكلام: لا إلهَ مستثنى عنهم، ولا يكون نفيًا لآلهة لا يستثنى عنهم الله، بل عند من يقول بدليل الخطاب يكون إثباتًا لذلك، وهو كفر، ولما أجمعت العقلاء على أنه يفيد التوحيد المحض وجب حمل (إلاّ) على معنى (غير). انتهى.
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في أماليه: للنحاة في (وحدَه) مذهبان:
أحدهما: أنه مصدر فيكون العامل فيه فعلاً مضمرًا تقديره: نوحده.
стр. 809
الثاني: أنه حال، فيكون العامل أيضًا مضمرًا تقديره: نعبده وحده، كما يقال: لا إله إلا الله مخلصين.
وللشيخ تقي الدين السبكي تأليف يسمى (الوحدَة في معنى (وحْدَهُ))، قال فيه: مذهب جمهور النحويين منهم سيبويه والخليل: أنه اسم موضوع الحال، كأنه قال: إيحادًا، وإيحادًا موضع موحَّدًا، واختلف هؤلاء إذا قلت: رأيت زيدًا وحده، فالأكثرون يقدرونه في حال إيحادي له بالرؤية، ويعبرون عن هذا بأنه حال من الفاعل.
والمبرد يقدّره: حالاً من المفعول (لا) الفاعل.
وقال: إنه حال من المفعول ليس إلاّ، لأنهم إذا أرادوا الفاعل قالوا: مررت به وحدي.
ومنهم من يقول: (وحدَه) مصدر موضوع موضع الحال وهؤلاء يخالفون الأولين في كونه اسم مصدر.
فمن هؤلاء من يقول: إنه مصدر على حذف حروف الزيادة، أي: إيحاده، ومنهم من يقول: إنه مصدر لم يوضع له فعل.
وذهب يونس وابن هشام: إلى أنه منتصب انتصاب الظروف، فجرى مجرى (عنده)، فجاء زيد وحده، تقديره: جاء زيد على وحده، ثم حذف الحرف، ونصب على الظرف. فقولنا: (لا إله إلا الله وحده)، معناه أنا أفردناه بالوحدانية، وإذا قلت: حمدت الله وحده، أو ذكرت ربك وحده، فمعناه وتقديره عند سيبويه: موحِّدًا إياه بالحمد والذكر على أنه حال من الفاعل، والحاء في (موحّدًا) مكسورة، وعلى رأي ابن طلحة (موحِّدًا) هو، والحاء مفتوحة. وعلى رأي هشام معناه: حمدت الله وذكرته على انفراده. فهذه التقادير الصناعية الثلاثة، والمعنى لا يختلف إلاّ اختلافًا يسيرًا.
стр. 810
فإذا جعلناه من (أوحد) الرباعي فمعناه موحّدًا بالمعنيين المتقدمين، وإذا جعلناه من (وحد) الثلاثي، فمعناه: منفردًا بذلك، وعلى الأول جامد، والذاكر أفرده بذلك، وعلى الثاني هو انفرد بذلك. والعامل في الحال حمدت وذكرت، وصاحب الحال الاسم المنصوب على التعظيم، أو الضمير الذي في حمدت وذكرت على القولين، وإذا قلت: الحمد لله وحده، فالعامل في الحال المستقر المحذوف الذي هو الخبر في الحقيقة وهو العامل في الجار والمجرور، وصاحب الحال (الله). و (وحده) حال. وإن جعلتها ظرفًا فالمعنى: الحمد لله على انفراده. فلم يختلف المعنى اختلافًا مخلاًّ بالمقصود.
وإذا قلنا: لا إله إلا الله وحده، فإما أن نقول: معناه على انفراده، إن جعل ظرفًا، أو منفردًا بالوحدانية، أو مفردًا بها على الاختلاف في تقدير الحال، وصاحب الحال الضمير في كائن العائد على الله تعالى، والعامل في الحال كائن.
وقال ابن دقيق العيد في إعراب (لا شريكَ له) وجهان:
أحدهما: أن يكون (له) خبرًا يتعلق بما يتعلق به المجرورات إذا كانت أخبارًا.
والثاني: أن يكون (له) صفة فيتعلق بمحذوف أيضًا. ويكون في محله وجهان ولا يتعلق بـ (شريك)، لأنه حينئذ مطول فلا يبنى.
مسند أبي قتادة ﵁
следующие страницы →