قال أبو البقاء: (غضوض) يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون جمع (غضّ)، وجاز أن يجمع المصدر لتعدد فاعليه أو لاختلافه.
والثاني: أن يكون واحدًا مثل: القعود، والجلوس، والشكور.
مسند أبي عسيب ﵁
١١٣٤ - حديث: "أن عمر قال: يا رسول الله إنا لمسئولون عن هذا يوم القيامة قال: نعم إلا من ثلاثة: خرقة كفّ بها الرجلُ عورته، أو كسرة سدّ بها جوعته، أو حجرًا يتدخل فيه من الحرّ والقرّ ".
مسند أبي طلحة ﵁
١١٣٥ - حديث: "لا يدخل الملائكة بيتًا فيه كلبٌ ولا تصاوير ".
قال الطيبي: قوله: (ولا تصاوير) معطوف على قوله (كلب)، ومن حق الظاهر أن
стр. 807
يكرر (لا) ويقال: لا كلب ولا تصاوير، ولكن لما وقع في سياق النفي جاز كقوله تعالى: (ما أدري ما يُفْعَل بي ولا بكم) [الأحقاف: ٩]، وفيه من التأكيد أنه لو لم يذكر (لا) لاحتمل أن المنفي الجمع بينهما، نحو قولك: ما كلمت زيدًا ولا عمرًا، ولو حذفت لجاز أن تكلم أحدهما، لأن الواو للجمع وإعادة (لا) لإعادة الفعل.
١١٣٦ - حديث: "أقرئ السلام فإنهم ما علمتُ أعِفَّةٌ صُبُرٌ ".
قال الطيبي: (أعفّة) خبر (إنّ) و (ما علمت) معترضة، و (ما) موصولة والخبر محذوف، أي: الذي علمت منهم أنهم كذلك.
مسند أبي عياش الزُّرَقي ﵁
١١٣٧ - حديث: "من قال إذا أصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. كعدل رقبة .. الحديث ".
قال الشيخ أكمل الدين: أداة الحصر في كلمة التوحيد لقصر الصفة على الموصوف قصر إفراد، لأن معناه: الألوهية منحصرة على الله الواحد في مقابلة من يدعي إشراك غيره معه. وليس بقصر قلب لأن أحدًا من الكفرة لم ينفها عن الله، وإنما أشركوا غيره معه في الألوهية.
وقوله: (وحدَه) حال مؤكدة بمعنى: منفردًا في الألوهية.
стр. 808
قوله: (لا شريكَ له)، بيان لذلك.
وقال في موضع آخر: حال يجوز أن تكون منتقلة ومؤكدة، وهي أولى.
وقوله: (لا شريك) بيان أن ليس المراد بالوحدة التي تقابل الكثرة، بل المراد الوحدة التي تقابل نفي الشركة، هي مبدأ الوحدة المقابل للكثرة، فتأمل. فإنه معنى غريب، انتهى.
وقال ابن دقيق العيد عن بعض المشهورين في عصره: اتفقت النحاة على أن محل (إلاّ) في هذه الكلمة محل (غير)، والتقدير: لا إله غير الله. كقول الشاعر:
وكلُّ أخٍ مفارقُه أخوه ... لعمرُ أبيك إلا الفرقدان
أي: غير الفرقدين. وقال تعالى: (لو كان فيهما آلهةٌ إلا اللهُ لفسدتا).
قال: والذي يدل على الصحة أنّا لو حملنا (إلاّ) على الاستثناء لم يكن قولنا: (لا إله إلا الله) توحيدًا محضًا، فإن تقدير الكلام: لا إلهَ مستثنى عنهم، ولا يكون نفيًا لآلهة لا يستثنى عنهم الله، بل عند من يقول بدليل الخطاب يكون إثباتًا لذلك، وهو كفر، ولما أجمعت العقلاء على أنه يفيد التوحيد المحض وجب حمل (إلاّ) على معنى (غير). انتهى.
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في أماليه: للنحاة في (وحدَه) مذهبان:
أحدهما: أنه مصدر فيكون العامل فيه فعلاً مضمرًا تقديره: نوحده.
стр. 809
الثاني: أنه حال، فيكون العامل أيضًا مضمرًا تقديره: نعبده وحده، كما يقال: لا إله إلا الله مخلصين.
وللشيخ تقي الدين السبكي تأليف يسمى (الوحدَة في معنى (وحْدَهُ))، قال فيه: مذهب جمهور النحويين منهم سيبويه والخليل: أنه اسم موضوع الحال، كأنه قال: إيحادًا، وإيحادًا موضع موحَّدًا، واختلف هؤلاء إذا قلت: رأيت زيدًا وحده، فالأكثرون يقدرونه في حال إيحادي له بالرؤية، ويعبرون عن هذا بأنه حال من الفاعل.
والمبرد يقدّره: حالاً من المفعول (لا) الفاعل.
وقال: إنه حال من المفعول ليس إلاّ، لأنهم إذا أرادوا الفاعل قالوا: مررت به وحدي.
ومنهم من يقول: (وحدَه) مصدر موضوع موضع الحال وهؤلاء يخالفون الأولين في كونه اسم مصدر.
فمن هؤلاء من يقول: إنه مصدر على حذف حروف الزيادة، أي: إيحاده، ومنهم من يقول: إنه مصدر لم يوضع له فعل.
وذهب يونس وابن هشام: إلى أنه منتصب انتصاب الظروف، فجرى مجرى (عنده)، فجاء زيد وحده، تقديره: جاء زيد على وحده، ثم حذف الحرف، ونصب على الظرف. فقولنا: (لا إله إلا الله وحده)، معناه أنا أفردناه بالوحدانية، وإذا قلت: حمدت الله وحده، أو ذكرت ربك وحده، فمعناه وتقديره عند سيبويه: موحِّدًا إياه بالحمد والذكر على أنه حال من الفاعل، والحاء في (موحّدًا) مكسورة، وعلى رأي ابن طلحة (موحِّدًا) هو، والحاء مفتوحة. وعلى رأي هشام معناه: حمدت الله وذكرته على انفراده. فهذه التقادير الصناعية الثلاثة، والمعنى لا يختلف إلاّ اختلافًا يسيرًا.
стр. 810
فإذا جعلناه من (أوحد) الرباعي فمعناه موحّدًا بالمعنيين المتقدمين، وإذا جعلناه من (وحد) الثلاثي، فمعناه: منفردًا بذلك، وعلى الأول جامد، والذاكر أفرده بذلك، وعلى الثاني هو انفرد بذلك. والعامل في الحال حمدت وذكرت، وصاحب الحال الاسم المنصوب على التعظيم، أو الضمير الذي في حمدت وذكرت على القولين، وإذا قلت: الحمد لله وحده، فالعامل في الحال المستقر المحذوف الذي هو الخبر في الحقيقة وهو العامل في الجار والمجرور، وصاحب الحال (الله). و (وحده) حال. وإن جعلتها ظرفًا فالمعنى: الحمد لله على انفراده. فلم يختلف المعنى اختلافًا مخلاًّ بالمقصود.
وإذا قلنا: لا إله إلا الله وحده، فإما أن نقول: معناه على انفراده، إن جعل ظرفًا، أو منفردًا بالوحدانية، أو مفردًا بها على الاختلاف في تقدير الحال، وصاحب الحال الضمير في كائن العائد على الله تعالى، والعامل في الحال كائن.
وقال ابن دقيق العيد في إعراب (لا شريكَ له) وجهان:
أحدهما: أن يكون (له) خبرًا يتعلق بما يتعلق به المجرورات إذا كانت أخبارًا.
والثاني: أن يكون (له) صفة فيتعلق بمحذوف أيضًا. ويكون في محله وجهان ولا يتعلق بـ (شريك)، لأنه حينئذ مطول فلا يبنى.
مسند أبي قتادة ﵁
стр. 811
١١٣٨ - حديث: "لاها الله إذن يعمدُ إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه ".
اعلم أن أئمة اللغة العربية أطبقوا على أن قوله (إذن) في هذا الحديث من تصحيف الرواة، وأن صوابه: (لاها الله ذا) ونازعهم ابن حجر، وقد ألّفت فيه كراسة سميتها: (الإذن في توجيه لاها الله إذن)، وها أنا أسوقه هنا ليستفاد.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى
حديث: (لاها الله إذن) تكلم عليه أئمة اللغة العربية قديمًا وحديثًا، وذكروا أنه تصحيف من الرواة، وأن صوابه: (لاها الله إذا).
قال الخطابي في "معالم السنن": هكذا يروونه، وإنما هو في كلامهم: لاها الله ذا، والهاء: بدل من الواو، كأنه قال: لا والله يكون ذا.
وقال المازني: لاها الله ذا يميني.
وقال أبو زيد: (ذا) زائدة، وفيها لغتان: المد والقصر.
قالوا: ويلزم الجر بعدها كما يلزم بعد الواو.
وقال الجوهري: (ها) للتنبيه، وقد يقسم بها يقال: لاها الله ما فعلت، وقولهم: لاها الله ذا، أصله: لا والله هذا، ففرقت بين هذا وذا، وتقديره: لا والله ما فعلت هذا.
وقال القاضي عياض في شرح "مسلم" في قول عائشة في حديث بريرة: (لاها
стр. 812
الله إذن، إلا أن يكون الولاء لي) هكذا يقول المحدثون هذا اللفظ بمدها، و (إذا) بألف، وصوابه: (لاها الله ذا).
كذا قال إسماعيل القاضي، وحكاه عن المازني وغيره من أهل اللسان بالقصر وحذف الألف من (ذا).
قالوا: وغيره خطأ. قالوا: ومعناه: ذا يميني. وصوب أبو زيد وغيره القصر والمد.
قال: و (ذا) صلة في الكلام، وليس فى كلامهم (لاها الله إذن) وفي البارع، قال أبو حاتم: يقال: لاها الله ذا، في القسم، والعرب تقوله بالهمز، والقياس تركه، والمعنى: لا والله هذا ما أقسم به، فأدخل اسم (الله) بين (ها) و (ذا). انتهى.
وقال ابن القواس في شرح "ألفية ابن معطي": في (ذا) من قولهم: (لاها الله ذا) قولان:
أحدهما للخليل: وهو أن (ذا) من جملة المقسم عليه، والتقدير: والله للأمر هذا، فحذف المبتدأ واللام الرابطة وقدم (ها) وفصل بينها وبين اسم الإشارة.
ثانيهما للأخفش: وهو أن (ذا) في محل الجر، إما بدل من اسم الله، والمقسم عليه محذوف، بدليل إتيانهم به بعد نحو: لاها الله ذا لقد كان كذا، وإما صفة لاسم الله، أي: لا والله الحاضر، كما قال تعالى: (وهو معكم) [الحديد: ٤] وقول أبي بكر ﵁ في قتيل أبي قتادة: لا (ها) الله إذن، لا يعمد إلى أسد من أسد الله. الظاهر أن (إذن) من تصحيف الرواة، إنما يقال (ذا)، لا (إذن). انتهى.
стр. 813
وقال الحافظ أبو الفرج بن الجوزي في "جامع المسانيد" في حديث أنس: خطب النبي ﷺ على جليبيب امرأة من الأنصار إلى أبيها، فقال: حتى أستأمر أمها، فقال النبي ﷺ : فقم إذن. فانطلق الرجل إلى امرأته، فذكر ذلك لها، فقالت: لاها الله إذن، ما وجد رسول الله ﷺ إلا جليبيبًا ... الحديث.
قال ابن الجوزي: قوله: (لاها الله إذن) كذا روي والصواب: لاها الله ذا، والمعنى: لا والله.
وقال أبو البقاء في "إعراب الحديث": الجيد: لاها الله ذا، والتقدير: هذا والله، فأخّر (ذا).
ومنهم من يقول: (ها) بدل من همزة القسم المبدلة من الواو، و (ذا) مبتدأ، والخبر محذوف، أي: هذا ما أحلف به، وقد روي في الحديث (إذن) وهو بعيد، ويمكن أن يوجد له وجه تقديره: لا والله لا أزوجها إذن. انتهى.
وقال ابن مالك في "شرح التسهيل": يفصل هاء التنبيه من اسم الإشارة المجرد بأنا وأخواته، كقولك: ها أنذا، وها نحن أولاء، وقد يفصل بغير ذلك، وزعم الخليل أن من ذلك ها الله ذا.
وقال في "توضيحه": في (لاها الله) شاهد على جواز الاستغناء عن واو القسم، بحرف التنبيه، ولا يكون هذا الاستغناء إلا مع (الله)، وفي اللفظ بـ (ها الله) أربعة أوجه:
стр. 814
(أحدهما: أن يقال: (ها لله)، بـ (ها) تليها اللام).
والثاني: أن يقال: (ها الله) بألف ثابتة قبل اللام، وهو شبيه بقولهم: التقت حلقتا البطان. بألف ثابتة بين التاء واللام.
والثالث: أن يجمع بين ثبوت الألف وقطع همزة (الله).
والرابع: أن تحذف الألف، وتقطع همزة الله.
والمعروف في كلام العرب: ها الله ذا. وقد وقع في هذا الحديث (إذنْ)، وليس ببعيد. انتهى.
وقال الكرماني: المعنى صحيح أيضًا على لفظ (إذن) جوابًا وجزاءً، وتقديره: والله إذن لا يكون.
وقال صاحب "المفهم": الرواية المشهور (ها) بالمد والهمز و (إذن) بالهمز والتنوين التي هي حرف جواب، وقد قيده بعضهم بقصرها، وإسقاط الألف من (إذًا) فتكون (ذا) صلة، وصوبه جماعة من العلماء منهم القاضي إسماعيل والمازني وغيرهما.
وقال النووي في "شرح مسلم" في حديث بريدة: هكذا هو في النسخ، وفي روايات المحدثين: لاها الله إذن، بمد قوله: (ها) وبالألف في (إذًا).
قال المازني وغيره من أهل العربية: هذان لحنان، وصوابه: لاها الله ذا، بالقصر في (ها)، وحذف الألف من (إذا).
стр. 815
قالوا: وما سواه خطأ، قالوا: ومعناه: (ذا يميني).
وكذا قال الخطابي وغيره: إن الصواب: لاها الله ذا، بحذف الألف.
وقال أبو زيد النحوي وغيره: يجوز القصر والمد في (ها)، وكلهم ينكرون الألف في (إذًا)، ويقولون صوابه (ذا)، قالوا: وليست الألف من كلام العرب.
قال أبو حاتم السجستاني: جاء في القسم: لاها الله ذا، والعرب تقول بالهمز، والقياس تركه.
قال: ومعناه: لا والله هذا ما أقسم به، فأدخل (اسم الله) بين (ها) و (ذا). انتهى.
وقال الزركشي في "التنقيح": يروى (ها) ممدودًا ومقصورًا، وهي قسم، و (إذن) منون، حرف جواب يقتضي التعليل، وفيه حذف، أي: يجوز أو لا يعدل.
وقال جماعة من أئمة النحاة: هذا فيه لحنان: مد (ها)، وإثبات الألف في (ذا) والصواب: لاها الله ذا، بالقصر في (ها)، وحذف الألف من (إذًا) غير منون.
وقالوا: إن (هذا) التي للإشارة فصل بينها وبين هاء التنبيه باسم الله تعالى.
وفي "لمع ابن جني": (ها اللهِ ذا) فتجريها الاسم، لأنها صارت بدلاً من الواو، وقيل تقديره: لاها ذا، متعذرًا وغير ممكن، فذا مبتدأ، والخبر محذوف.
وقال الرضي في "باب الإشارة": وتفصل هاء التنبيه عن اسم الإشارة المجردة عن اللام والكاف تعويلاً على العلم باتصالها به لكثرة استعمالها معه. وذلك بـ (أنا)
стр. 816
وأخواته كثيرًا، نحو: ها أنذا، وها أنتم أولاء، وها هو ذا، وبغيرها قليلاً كقولهم في القسم: لاها الله ذا ما فعلت.
وقال في باب القسم: وتختص لفظة (الله) بتعويض (هاء) أو همزة الاستفهام من الجار، وكذا يعوض من الجار فيها قطع همزة الله في الدرج، فكأنها حذفت للدرج، ثم ردت عوضًا من الحرف.
وجار الله جعل هذه الأحرف بدلاً من الواو، ولعل ذلك لاختصاصها بلفظة (الله) كالتاء، فإذا جئت بهاء التنبيه بدلاً فلا بد أن تجى بلفظة (ذا) بعد المقسم به، نحو: لا ها الله ذا، وأي ها الله ذا. والظاهر أن حرف التنبيه من تمام اسم الإشارة قدم على لفظ المقسم به عند حذف الحرف ليكون عوضًا منها. وإذا دخلت (ها) على (الله) ففيه أربعة أوجه، أكثرها إثبات ألف (ها) وحذف همزة الوصل من (الله) فيلتقي ساكنان: ألف ها، واللام الأولى من (الله)، وكان القياس حذف
الألف، لأن مثل ذلك إنما يغتفر في كلمة واحدة كالضالين، أما في كلمتين، فالواجب الحذف نحو: ذا الله، وما الله، إلا أنه لم يحذف في الأغلب ههنا ليكون كالتنبيه على كون ألف ها من تمام ذا، فإن (ها الله ذا) بحذف ألف (ها) ربما يوهم أن الهاء عوض عن همزة (الله) كهرقت في أرقت، وهياك في إياك.
والثانية: وهي المتوسطة في القلة والكثرة: ها الله ذا، بحذف ألف (ها) للساكنين كما في (ذا الله) و (ها الله).
والثالثة: وهي دون الثانية في الكثرة: إثبات ألف (ها) وقطع همزة (الله) مع كونها في الدرج، تنبيهًا على أن حق (ها) أن يكون مع (ذا) بعد (الله)، فكأن الهمزة لم تقع في الدرج.
стр. 817
والرابعة: حكاها أبو علي، وهي أقل الجميع: (هأ لله)، بحذف همزة الوصل وفتح ألف (ها) للساكنين، بعد قلبها همزة، كما في (الضألين ودأبة).
قال الخليل: (ذا) من جملة جواب القسم، وهو خبر لمبتدأ محذوف أي: الأمر ذا، أو فاعل، أي: ليكونن ذا، أو لا يكون ذا، أو لا أفعل بدل من الأول، ولا يقاس عليه، فلا يقال: ها الله أخوك، أي: لأنا أخوك، ونحوه.
وقال الأخفش: (ذا) من تمام القسم، أما صفة لله، أي: الله الحاضر الناظر، أو مبتدأ محذوف الخبر: أي ذا قسمي، فبعد هذا: إما أن يجيء الجواب أو يحذف مع القرينة. انتهى.
وقال ابن يعيش في "شرح المفصل": أما قولهم: (لاها الله ذا) فـ (ها) للتنبيه، وهي عوض من حرف الجر، و (ذا) إشارة. قال الخليل: وهو من جملة المقسم به، كأنه صفة لاسم الله، والمعنى: لا والله الحاضر، نظرًا إلى قوله تعالى: (وهو معكم أين ما كنتم) [الحديد: ٤]، وقوله: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) [المجادلة: ٧]، والجواب محذوف، والتقدير: إن الأمر لكذا وكذا.
قال المبرد: أما (ذا) فهو الشيء الذي يقسم به، والتقدير: لا والله هذا ما أقسم به، فحذف الخبر.
وقال الأخفش: هو من جملة الجواب، وهو خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: لا والله للأمر ذا.
ويجوز في ألف (ها) وجهان: أحدهما: إثبات الألف، وإن كان بعدها ساكن،
стр. 818
إذا كان مدغمًا فهو كدابة وشابة.
والوجه الثاني: أن تحذف الألف حين وصلتها وجعلتها عوضًا من الواو، كما فعلت ذلك في هلمّ، وتقول: ها لله.
وبعضهم يحتج بأنّ (ها) على حرفين، فكان تقدير المنفصل، كقولك: يخشى الراعي، ويغزو الجيش، فتحذف الألف والواو، لأن بعدهما المدغم، وهو منفصل من (ها)، والمنفصل إذا حذف منه حرف المد لالتقاء الساكنين، لم يقع به اختلال، كما لو حذفها من الكلمة الواحدة. إذ اجتماع الساكنين في الكلمة الواحدة يقع لازمًا، فيختل بناء الكلمة، وليس كذلك في الكلمتين.
وقال القرطبي بعد حكاية ما أورده القاضي عياض: ويظهر لي أن الرواية المشهورة صواب، وليست بخطأ، ووجه ذلك أن هذا الكلام قسم على جواب إحداهما للأخرى، وههنا هي التي يعوض بها عن باء القسم، فإن العرب تقول: أألله لأفعلن، ممدودة الهمزة، ومقصورتها.
ثم إنهم عوضوا من الهمزة (ها)، فقالوا: ها الله، لتقارب مخرجيهما، كما قد أبدلوها منها في قولهم: لِهَنَّكَ، وهَيّاكَ.
ولما كانت الهاء بدلاً من الهمزة وفيها المد والقصر، فالهاء تمد وتقصر، كما حكاه أبو زيد، وتحقيقه أن الذي مدّ مع الهاء كأنه نطق بهمزتين، أبدل من أخراهما ألفًا استثقالاً لاجتماعهما، كما تقول: ألله، والذي قصر كأنه نطق بهمزة واحدة، فلم يحتج إلى المد، كما تقول: ألله.
وأما (إذنْ) فهي بلا شك حرف جواب وتعليل، وهي مثل التي وقعت في قوله
стр. 819
صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن (بيع) الرطب بالتمر، فقال: أينقص الرطب إذا يبس فقالوا: نعم. قال: فلا، إذن. فلو قال: فلا والله إذن، لكان مساويًا لهذه من كل وجه. لكنه لم يحتج إلى القسم فلم يذكره.
وقد بينا تقرير المعنى ومناسبته واستقامته، واستيفاء منه معنى، ووضعًا من غير حاجة إلى ما تكلفه من سبق حكاية كلامه من النحويين من التقدير البعيد المخرج للكلام عن البلاغة.
وأبعد من هذا كله، وأفسد أن جعلوا (ها) للتنبيه و (ذا) للإشارة، وفصلوا بينهما بالمقسم به، وهذا ليس قياسًا فيطّرد، ولا فصيحًا فيحمل عليه كلام رسول الله ﷺ ، ولا مرويًّا برواية ثانية، وما وجد للعذيري من ذلك فإصلاح منه، أو من غيره، ممن اغتر بما حكي عمن سبق ذكرهم من اللغويين، والحق أولى مطلوب، والتمسك بالقياس المنقول أجل مصحوب، فالصحيح رواية المحدثين، والله خير معين.
وقول أبي زيد: ليس في كلامهم: (لاها الله إذن) شهادة على نفي فلا تسمع، ثم نعارضه بنقل أبي حاتم أنه يقال: لاها الله، وليس كل ما يقتضيه القياس نوعًا يجب وجود جميع أشخاصه وضعًا. انتهى.
وقال الطيبي: ثبت في الرواية: (لاها الله إذن)، فحمله بعض النحويين على أنه تغيير من بعض الرواة، لأن العرب لا تستعمل (لا ها الله) بدون (ذا)، وإن سلم استعماله بدون (ذا) فليس هذا موضع (إذن)، لأنها حرف جزاء، والكلام هنا على ما
стр. 820
يقتضيه، فإن مقتضى الجزاء أن لا يذكر (لا) في قوله: (لا يعمد) بل كان يقول: إذن يعمد إلى أسد .. إلى آخره، ليصبح جوابًا لطالب السلب.
قال: والحديث صحيح المعنى، وهو كقولك لمن قال لك: افعل كذا، فقلت: والله إذن لا أفعل كذا. فقلت: والله لا أفعل، فالتقدير: والله إذن لا يعمد إلى أسد ... الخ. ويحتمل أن تكون (إذن) زائدة، كما قال أبو البقاء إنها زائدة في قول الحماسي:
إذن لقام بنصري معشرٌ خُشُن
في جواب قوله:
لو كنتُ من مازنٍ لم تستبح إبلي
قال: والعجب من الذين يعتنون بشرح الحديث، ويقدم نقل بعض الأدباء على أئمة الحديث وجهابذته، وينسبون إليهم الغلط، والتصحيف. ولا أقول: إن جهابذة المحدثين أعدل وأتقن في النقل، إذ يقتضي المشاركة بينهم، بل أقول: لا يجوز العدول عنهم في النقل إلى غيرهم. انتهى.
وقال أبو جعفر الغرناطي، نزيل حلب: استرسل جماعة من القدماء في هذا
стр. 821
الإشكال إلى أن جعلوا المخلص منه أن اتهموا الأثبات بالتصحيف، وقالوا: الصواب: (لا ها الله ذا)، باسم الإشارة.
قال: ويا عجبًا من قوم يقبلون التشكيك على الروايات الثابتة، ويطلبون لها تأويلاً.
وجوابهم: أن (ها الله) لا تستلزم اسم إشارة كما قال ابن مالك، وأما جعل (لا يعمد) جواب (فارضة) وهو سبب الغلط، وليس بصحيح ممن زعمه، وإنما هو جواب شرط مقدر يدل عليه قوله: (صدق فارضة)، فكأن أبا بكر قال: إذا صدق في أنه صاحب السلب إذن لا يعمد إلى السلب فيعطيك حقه، فالجزاء على هذا صحيح، لأن (صدق) سبب أن لا يفعل ذلك، وقال: هذا واضح لا تكلف فيه. انتهى.
قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": وهو توجيه حسن، والذي قبله أقعد.
قال: ويؤيد كثرة وقوع هذه الجملة في كثير من الأحاديث، منها ما وقع في حديث عائشة في قصة بريرة، لما ذكرت أن أهلها يشترطون الولاء قالت: فأقرتها. فقلت: لا ها الله إذن.
ومنها ما وقع في قصة جليبيب: أن النبي ﷺ خطب عليه امرأة من الأنصار إلى أبيها، فقال: حتى أستأمر أمها، قال: (فنعم إذن)، فذهب إلى امرأته، فذكر لها ذلك، فقالت: لا ها الله إذن، وقد منعناها فلاناً ... الحديث. صححه ابن حبان من حديث أنس.
ومنها ما أخرجه أحمد في الزهد قال: قال مالك بن دينار للحسن: يا أبا سعيد لو لبست مثل عباءتي هذه.
стр. 822
ووقع أيضًا في كثير من الأحاديث في سياق الإثبات بقسم وبغير قسم، فمن ذلك في قصة جليبيب: (فنعم إذن).
ومنه حديث عائشة ﵂ في قصة صفية لما قال ﷺ : (أحابستنا هي) وقالوا: إنها طافت بعدما أفاضت، قال: فلتنفر إذن. وفي رواية: فلا إذن.
ومنها حديث عمرو بن العاص وغيره في سؤاله عن أحب الناس، فقال: عائشة، قال: لم أعْنِ النساء، قال: فأبوها إذن.
ومنها حديث ابن عباس في قصة الأعرابي الذي أصابته الحمى، فقال: كل حمى تفور على شيخ كبير تزيده القبور. قال: فنعم إذن.
ومنها ما أخرجه (الحاكمي) من طريق سفيان، قال لقيت لبطة بن الفرزدق فقلت: أسمعت هذا الحديث من أبيك، قال: أي ها الله إذن، سمعت أبي يقول: فذكر قصته.
ومنها ما أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أرأيت لو أني فرغت من صلاتي فلم أرض كمالها أفلا أعود لها قال: بلى ها الله إذن.
قال: والذي يظهر من تقدير الكلام بعد أن يتقرر أن (إذن) حرف جواب وجزاء. كأنه كأنه قال: إذن والله لا نعطيك، إذن والله لا نشترط إذن والله لا ألبسه، وأخر الجواب في الأمثلة كلها.
стр. 823
وقد قال بن جرير في قوله تعالى: (أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرًا) [النساء: ٥٣] فلا يؤتون الناس إذن، وجعل ذلك جوابًا عن عدم النصب بها، مع أن الفعل مستقبل. وذكر أبو موسى المديني في "المغيث": له في قوله تعالى: (وإذن لا يلبثون خلفك إلا قليلاً) [الإسراء: ٧٦] (إذن) قيل: هو اسم بمعنى الحروف الناصبة، وقيل: أصله (إذا) الذي هو من ظروف الزمان، وإنما نوّن للفرق ومعناه: حينئذٍ، أي: إن أخرجوك من مكة فحينئذ لا يلبثون خلافك إلا قليلاً.
وإذا تقرر ذلك أمكن حمل ما ورد من هذه الأحاديث عليه، فيكون التقدير: لا والله، ثم أراد بيان السبب في ذلك فقال لا يعمد ... إلى آخره. والله أعلم. انتهى.
١١٣٩ - حديث: "إذا أتيتم الصلاة فعليكم السكينة ".
قال الزركشي: هو بالرفع على الابتداء والخبر، وبالنصب على الإغراء، أي: الزموا السكينة. وروي: فعليكم بالسكينة، وفي إدخال الباء في هذه الرواية إشكال، لأنه متعد بنفسه كقوله تعالى: (عليكم أنفسكم) [المائدة: ١٠٥].
قوله: (فما أدركتم فصلوا).
قال الكرماني: الفاء جزاء شرط محذوف، أي: إذا تبين لكن ذلك فما أدركتم فصلوا.
١١٤٠ - حديث: "إنا أصَدَّنا حمارَ وحش ".
بوصل الألف وتشديد الصاد، أصله: اصتدنا واصطدنا، افتعل مع الصيد،
стр. 824
فأدغمت التاء أو الطاء في الصاد، وروي: اصطدنا وصدنا وأصدنا بفتح الهمزة، وتخفيف الصاد، و (أُصدنا) بضم الهمزة، أي: عرض لنا صيد.
وفي هذا الحديث: (وهو قائل السقيا).
قال الزركشي: اسم فاعل من (القول) ومن (المقايلة) أيضًا، والأول هو المراد هنا، و (السقيا) مفعول بفعل مضمر، كأنه قال: اقصدوا السقيا.
وقال الكرماني: (قائل) اسم فاعل من القيلولة أي: وفي عزمه أن يقيل بالسقيا.
قلت: ويؤيده رواية النسائي: وهو قائل بالسقيا.
١١٤١ - حديث: "إنما هي طعمةٌ أطعمكموها اللهُ ".
١١٤٢ - حديث: "مرت جنازة فقال رسول الله ﷺ : مستريح ومستراح منه ".
قال أبو البقاء: التقدير: الناس أو الموتى مستريح ومستراح منه.
١١٤٣ - حديث: "سرنا مع النبي ﷺ فقال بعض القوم: يا رسول الله لو عرّست بنا ".
стр. 825
قال الكرماني: جواب (لو) محذوف، نحو: لكان أسهل علينا، أو هو للتمني.
١١٤٤ - حديث: "الآياتُ بعد المائتين ".
قال الطيبي: مبتدأ وخبر.
١١٤٥ - حديث: "أسوأ الناس سرقةً الذي يسرق في صلاته ".
قال الطيبي: (سرقةً) تمييز.
١١٤٦ - حديث: "ثلاثٌ من كل شهر ورمضانُ إلى رمضانَ فهذا صيام الدهر كله ".
قال الطيبي: دخل الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط، وذلك أن (ثلاث) مبتدأ و (من كل شهر) صفته، أي ثلاثة أيام يصومها الرجل من كل شهر صيام الدهر كله، وإنما طرح التاء اعتبارًا بالليل.
وقوله: (صيامُ يوم عرفة احتسب على الله أن يكفر ...) عداه بـ (على) الذي للوجوب على سبيل الوعد، مبالغة لحصول الثواب.
١١٤٧ - حديث: "أرأيت إنْ قتلت في سبيل الله مقبلاً غيرَ مدبر ".
стр. 826
قال الطيبي: (غير مدبر) حال مؤكدة، مقررة لما يرادفها ونحوه في الصفة قولك: أمس الدابر لا يعود.
قوله: (أيُكَفِّرُ الله عني خطاياي؟ قال: نعم، إلا الدين).
قال الطيبي: فإن قلت: (الدين) ليس من جنس الخطايا فكيف يستثنى منه فالجواب: أنه منقطع، أي: لكن الدين لا يكفر، لأنه من حقوق الآدميين. ويحتمل أن يكون متصلاً على تقدير حذف المضاف، أي: خطيئة الدين، أو بجعل من باب قوله تعالى: (يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم) [الشعراء: ٨٨ - ٨٩] فيذهب إلى أن أفراد جنس الخطيئة قسمان متعارف، فيخرج بالاستثناء أحد قسميه مبالغة في التحذير من الدين.
١١٤٨ - حديث: "خيرُ الخيل الأدهم الأقرح الأرثم المحجلُ ثلاثٍ ".
قال أبو البقاء: في هذه الرواية ثلاث بالجر، والصواب أن يرفع، فيكون التقدير: المحجل ثلاث منه و (ثلاث) مرفوع بـ (المحجل) ولا يجوز جره، لأنهم أجمعوا على أنه لا يجوز إضافة ما فيه الألف واللام إلى النكرة ولو كان (المحجل الثلاث) لجاز الجر.
стр. 827
مسند أبي مالك الأشعري ﵁
١١٤٩ - حديث: "أربعٌ في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن ".
قال الطيبي: (في أمتي) و (من أمر الجاهلية) و (لا يتركونهن) يحتمل وجوهًا من الإعراب، أحسنها أن يكون (في أمتي) خبرًا لـ (أربع) أي: خصال أربع كائنة في أمتي، و (من أمر الجاهلية) و (لا يتركونهن) حالان من الضمير المتحول إلى الجار والمجرور.
١١٥٠ - حديث: "ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غدًا ".
قال الكرماني: الباء في (بسارحة) زائدة في الفاعل، نحو (كفى بالله شهيدًا) [الرعد: ٤٣] وهو مفعول به بالواسطة، والفاعل مضمر، وهو الراعي، بقرينة المقام إذ (السارحة) لا بد لها من الراعي، روي (سارحة) بحذف الباء وفاعل (يأتيهم) إما للآتي أو الراعي أو المحتاج أو الرجل والسياق يشعر بذلك، وفي بعض المخرجات (يأتيهم رجل لحاجة) تصريحًا بلفظ رجل.
وروي تأتيهم بتاء الخطاب.
стр. 828
١١٥١ - حديث: "وسبحانَ الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السموات والأرض ".
قال النووي: ضبطناه بالتاء المثناة من فوق في (تملآن) أو (تملأ)، فالأول: ضمير مؤنثتين غائبتين، والثاني: ضمير هذه الجملة من الكلام.
وقال "صاحب التحرير": يجوز تملآن بالتأنيث والتذكير على إرادة النوعين أو الذكرين، قال: وأما تملأ فمذكر على إرادة المذكر.
مسند أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري ﵁
١١٥٢ - حديث: "أدعو رسول الله ﷺ خامسَ خمسةٍ ".
قال أبو البقاء: (خامسَ خمسةٍ) منصوب على الحال، والتقدير: أحد خمسة، كما قال تعالى: (ثانيَ اثنين) [التوبة: ٤٠].
وقال الزركشي: الجيد النصب على الحال، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والجملة حال.
стр. 829
١١٥٣ - حديث: "ومن قرأ بالآيتين من سورة البقرة في ليلة كفتاه ".
قال الشيخ أكمل الدين: الباء في قوله: (بالآيتين) زائدة. واللام للعهد.
١١٥٤ - حديث: "فإن كانوا في القراءة سواءً ".
قال أبو البقاء: (سواء) خبر كان، والضمير اسمها، وأفرد لأنه مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع، ومنه قوله تعالى: (سواء عليهم) [البقرة: ٦] أي: ليسوا سواء، والتقدير: مستوين. وقع المصدر موضع اسم الفاعل.
١١٥٥ - حديث: "من صلى بالناس فليخفف فإن فيهم المريضَ والضعيف وذا الحاجة ".
وفي رواية القابسي: (وذو الحاجة)، ووجهه بأنه عطف على موضع اسم (إنّ) قبل دخولها، أو على الضمير الذي هو في الخبر المقدر، أو هو استئناف، ذكره الزركشي وابن حجر.
١١٥٦ - حديث: "إن منكم منفرين، فأيكم ما صلى بالناس فليتجوّزْ ".
قال الكرماني: (ما) زائدة، وزيادتها مع (أيّ) الشرطية كثيرة، وفائدتها التأكيد، وزيادة التعميم.
وقال الطيبي: (ما) صلة مؤكدة لمعنى الإبهام في (أيّ)، و (صلى) فعل شرط، و (فليتجوز) جوابه.
стр. 830
١١٥٧ - حديث: "إنّ مما أدرك الناس من كلام النبوة: إذا لم تستح فاصنع ما شئت ".
قال الكرماني: (الناس) بالرفع، والعائد محذوف، وبالنصب، والعائد ضمير الفاعل، أي: مما أدركه الناس، أو مما بلغ الناس، والجملة الشرطية اسم إنّ على تقدير القول، أو خبره على تأويل من التبعيضية بلفظ البعض، ولفظ (فاصنع) إما أمر بمعنى الخبر أو أمر تهديد.
١١٥٨ - حديث: "من ههنا جاءت الفتن نحو المشرق ".
قال الكرماني: (نحو المشرق) بيان أو بدل لـ (ههنا).
١١٥٩ - حديث: "للهُ أقدرُ عليك منك عليه ".
قال الطيبي: علق العمل باللام الابتدائية، ولله مبتدأ و (أقدر) خبره، وعليك صلة أقدر، و (منك) متعلق أفعل.
وقوله: (عليه) لا يجوز أن يتعلق بقوله: (أقدر)، لأنه أخذ ماله، لا بمصدر مقدر عند قوله: (منك)، أي: من قدرتك، كما ذهب إليه المظهري لأن المعنى يأباه. بل هو حال من الكاف، أي: أقدر منك حال كونه قادرًا عليه، أو يتعلق بمحذوف على سبيل البيان كأنه لما قيل: لله أقدر عليك منك، قيل: قدرتك على ما قيل عليه كما في قوله تعالى: (فلما بلغ معه السعي) [الصافات: ١٠٢].
стр. 831
قال في "الكشاف": (معه) لا يخلو إما أن يتعلق بـ (بلغ) أو بـ (السعي)، أو بمحذوف، ولا يصح تعلقه بـ (بلغ) لاقتضائه بلوغهما معًا حدّ السع. ولا بـ (السعي) لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه، فبقي أن يكون بيانًا، كأنه لما قال: فلمّا بلغ معه الحدّ الذي يقدر فيه على السعي: قيل: مع من؟ قال: مع أبيه. وهذا أسلوب غريب يقرب في التفضيل من قولهم: العسل أحلى من الخلّ. انتهى.
مسند أبي موسى الأشعري ﵁
١١٦٠ - حديث: "إذا مرت بك جنازة يهودي أو نصراني أو مسلم فقوموا لها ".
قال أبو البقاء: خاطب في الابتداء الواحد، ثم عاد إلى الجمع، إما لأنه كان وحده، أو كان المعظَّم من دونهم، لما وصل إلى الحكم الذي هو القيام عمّ، إما ليعلم من كان معه أن الحكم عام، أو ليأمر أبو موسى مَنْ يكون معه وقت مرور الجنازة به أن يفعلوا ذلك.
١١٦١ - حديث: "ثم أمر لنا بثلاث ذودٍ ".
قال أبو البقاء: الصواب تنوين (ثلاثٍ)، وأن يكون (ذود) بدلاً من (ثلاث)
стр. 832
وكذلك (خمس ذود)، ولو أسقطت التنوين وأضفت لتغير المعنى، لأن العدد المضاف غير المضاف إليه، فيلزم أن يكون: ثلاث ذود تسعة أبعرة، لأن أقلّ الذود ثلاثة أبعرة.
١١٦٢ - حديث: "أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدُهم فأبعدهم ممشى ".
قال الكرماني: الفاء في (فأبعدهم) للاستمرار، نحو: الأمثل فالأمثل، و (ممشى) اسم مكان.
١١٦٣ - حديث: "قال: والله إنْ قلتها ".
قال أبو البقاء: (إن) بكسر الهمزة بمعنى (ما) النافية، أي: ما قلتها. ولا فرق بين أن تكون بعدها إلا أو لا، قال تعالى: (إن عندكم من سلطان بهذا) [يونس: ٦٨] أي: ما عندكم.
١١٦٤ - حديث: "بعث رسول الله ﷺ أبا موسى ومعاذًا إلى اليمن، فقال لهما: يسروا ولا تعسروا ... الحديث ".
قال أبو البقاء: إن قيل: المخاطب اثنان، فكيف قال: (يسّروا) على الجمع؟ قيل: فيه أجوبة:
стр. 833
أحدها: أنه خاطب الاثنين بخطاب الجمع، لأن الاثنين جمع في الحقيقة، إذ الجمع ضم شيء إلى شيء، ومنه قوله تعالى: (وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب * إذ دخلوا على داود ففزع منهم، قالوا: لا تخف خصمان) [ص: ٢١ - ٢٢] وعلى هذا المعنى حمل قوله تعالى: (فإن كان له إخوة) [النساء: ١١] يريد اثنين.
الثاني: أن الاثنين هنا أميران، والأمير إذا قال شيئًا توبع فيه، فيؤول الأمر إلى الجمع.
الثالث: أنه أراد أمرهما وأمر من يوليانه، فلما كان لا بد من استعانتهما بغيرهما، نزل ذلك الغير موجودًا معهما، وخاطب الجمع.
١١٦٥ - حديث: "أيُّ الإسلام أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده ".
قال أبو البقاء: لا بد في الحديث من تقدير: ولك فيه تقديران: أحدهما: أن يكون التقدير: أي خصال الإسلام أفضل؟ فقال: من سلم، أي: خصلة من سلم. ولا بد من ذلك ليكون الجواب على وفق السؤال.
والثاني: أن يكون التقدير: أيّ ذوي الإسلام؟ فيكون قوله: (من سلم) غير محتاج إلى تقدير انتهى.
قال ابن حجر: ويؤيد الثاني رواية مسلم: (أي المسلمين أفضل؟) قال: فإن قلت: لم جرّد أفضل ههنا عن العمل؟ أجيب: بأن الحذف عند العلم به جائز، والتقدير: أفضل من غيره.
١١٦٦ - حديث: "ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ".
стр. 834
قال الكرماني: (ثلاثة) مبتدأ، و (لهم أجران) خبره، و (رجل) بدل من (ثلاثة) والجملة صفته، فإن قلت: إذا كان بدلاً، أهو بدل البعض أو بدل الكل؟ قلت: بالنظر إلى كل رجل بدل البعض، وبالنظر إلى المجموع بدل الكل.
١١٦٧ - حديث: "لا أحد أصبرُ على أذىً يسمعه من الله، يدّعون له ندًّا وولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم ".
قال الكرماني: (من الله) صلة لقوله (أصبر). وإنما جاز الفصل بينهما لأنه بغير أجنبي.
وقال الطيبي: (يسمعه) صفة (أذى)، و (من الله) متعلق بقوله: (أصبر) لا بـ (يسمعه). ويدعون ... إلى آخره بيان للكلام السابق.
قال: وفي الكلام إشكال، وذلك أنك إذا قلت: زيد أجرأ من عمرو، فإنه يلزم منه فضل جرأة زيد على جرأة عمرو، فإذا نفيته فقلت: ما زيد بأجرأ من عمرو، لزم منه إما نقص زيد أو مساواتها، وكذا ههنا، ولكن القصد إلى أن الله أصبر من كل أحد، فكيف ذلك؟ والجواب: المراد هنا نفي ذات المفضل وقلعه من سنيحه، فإذا انتفت ذاته انتفت المساواة والنقصان بالطريق الأولى، ألا تراهم يقولون في مثل قولك ما زيد إلا شاعرًا، أنّ (ما) دخلت على زيد فنفت الذات. فلمّا لم يكن النزاع فيها توجه النفي إلى ما فيه النزاع من صفاته، والقصد هنا إلى نفي الذات، وليس النزاع إلا فيه، فلا يلزم المساواة ولا النقصان، فإن الغرض نفي الموصوف، وإنما ضمت إليه الصفة ليؤذن الغرض نفي الموصوف، وإنما ضمت إليه الصفة ليؤذن بأن انتفاء الموصوف أمر محقق لا نزاع فيه، وبلغ من تحققه إلى أن هناك كالشاهد على نفي الصفة كما تقول في قوله:
стр. 835
ولا ترى الضب بها ينجحر
أي: لا حب هناك، فيكون الانجحار إذ لو وجد لوجد.
وقوله: (يسمعُه) تتميم للمبالغة. انتهى.
١١٦٨ - حديث: "من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبلٍ فيأخذ على نصالها ".
قال الكرماني: فإن قلت (النبل) ليس مرورًا كما في قولك: مررت بزيد، فما معنى الباء؟ قلت: معناه المصاحبة، أي: مرّ مصاحبًا للنبل. وأما الذي في (بزيد) فهو للإلصاق، فإن قلت الأخذ لا يعدى لـ (على) فما وجهه؟ قلت: ضمن معنى الاستعلاء للمبالغة.
وقوله: (لا يعقر) بالجزم جواب الأمر، وبالرفع استئنافًا.
وقوله: (بكفه) متعلق بقوله: (فليأخذ) انتهى.
١١٦٩ - حديث المواقيت .
قوله: "ثم أمر بلالاً فأقام الظهر، حين زالت الشمس، حتى قال القائل: انتصف النهار، وهو أعلم".
стр. 836
قال الشيخ ولي الدين العراقي: أي: أنه صلى الظهر في وقت يشك فيه هل انتصف النهار أم لا، وأصله: أانتصف النهار، فحذف الاستفهام، وهو جائز. ويدل لكونه على سبيل الاستفهام قوله في رواية الدارقطني وأبي عوانة: (والقائل يقول: انتصف النهار أو لم). وفي رواية للدارقطني والبيهقي: (والقائل يقول: قد زالت الشمس أو لم تزل).
ويوافقه قوله في هذا الحديث: (في الصبح): فقلنا: أطلعت الشمس؟ فصرح بهمزة الاستفهام. فإن قلت: ينافي ذلك قوله في رواية مسلم: (والقائل يقول: قد انتصف النهار). قلت: لا منافاة، فإنه يصح تقدير الهمزة مع قدْ، فيقال: أقد انتصف النهار؟ فليست رواية مسلم صريحة في جزم القائل بذلك، فردُّها إلى الرواية المصرحة بالاستفهام متعين. انتهى.
قلت: الرواية الأولى: أنه حذف منها همزة الاستفهام سهوًا. فإن القاعدة: أنه إذا دخلت همزة الاستفهام على فعل أوله همزة الوصل تقرّ همزة الاستفهام مفتوحة، وتحذف همزة الوصل للاستغناء بهمزة الاستفهام عن اجتلابها، ومنه قوله تعالى: (أصطفى البنات) [الصافات: ١٥٣]، (أَفْترى على الله كذبًا) [سبأ: ٨]، (أتَّخذتموهم سخريًّا) [ص: ٦٣]، (أتّخذتم عند الله عهدًا) [البقرة: ٨٠]، وهذا واضح معروف.
١١٧٠ - حديث: "من أحبّ دنياه أضرّ بآخرته ".
قال الطيبي: الباء فيه للتعدية، وكذا في القرينة الأخرى.
١١٧١ - حديث: "كان كثيرًا مما يرفع رأسه ".
стр. 837
قال الطيبي: (مما) بيان لـ (كثير) وهو خبر (كان)، أي: كثيرًا رفعُ رأسِه، و (ما) مصدرية، ويجوز أن تكون (من) مزيدة.
وقوله: (أنا أمنة أصحابي) يحتمل وجهين:
أن يكون مصدرًا مبالغة، نحو قولهم: رجل عدل، أو جمعًا، فيكون من باب قوله تعالى: (شهابًا رصدًا) [الجن: ٩]، أي: راصدين، وقوله تعالى: (إن إبراهيم كان أمة قانتًا) [النحل: ١٢٠] فجعل ﷺ أمناء لأصحابه بمنزلة الجماعة.
١١٧٢ - حديث: "خُسفت الشمسُ، فقام النبي ﷺ فزعًا، فأتى المسجد فصلى بأطول قيام وركوع وسجود رأيته قطّ يفعله". ولفظ النسائي: "يفعلُه في صلاة قطّ ".
قال الكرماني: إن حرف النفي مقدر قبل رأيته كما في قوله تعالى: (تفتؤ تذكر يوسف) [يوسف: ٨٩].
وإمّا أن (أطول) فيه معنى عدم المساواة، أي: ما لم يساو قطّ قيامًا رأيته يفعله.
أو (قطّ) بمعنى حسْب، أي: صلى في ذلك اليوم فحسب بأطول قيام رأيته أو أنه بمعنى أبدًا.
١١٧٣ - حديث: "الخازن الأمين يعطي ما أمر به كاملاً موفورًا طيبة به نفسُه ".
стр. 838
قال الزركشي: مرفوعان: مبتدأ وخبر، ويروى: طيبًا بها نفسه، بنصب (طيبًا) على الحال من ضمير (الخازن) ورفع (نفسه) لأن اسم الفاعل يرفع كالفعل.
وقوله: (أحد المتصدقين) يروى بلفظ المثنى وبلفظ الجمع.
قال الطيبي: هو خبر (الخازن)، وهو نحو قولهم في المبالغة: القلم أحد اللسانين، والخال أحد الأبوين.
١١٧٤ - حديث: "مثل المسلمين واليهود والنصارى ... إلى قوله: حتى إذا كان حين صلاة العصر ".
قال الزركشي: يجوز في (حين) الرفع والفتح.
قوله: (واستكملوا أجر الفريقين كلاهما).
قال الكرماني: هو بالألف على لغة من يجعل المثنى في الأحوال الثلاثة بها.
١١٧٥ - حديث: "ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان ".
قال الزركشي: بنصب (أهل) على الاختصاص، ويصح الجر على البدل من الضمير.
١١٧٦ - حديث: "مثل القلب كريشة ملقاة بأرض فلاة تقلبها الرياح ظهرًا لبطن ".
قال الطيبي: لفظ (أرض) مقحمة في ذكر الفلاة غنية عنها، وهو كقولك: أخذت بيدي، ونظرت بعيني، تقريرًا ودفعًا للتجوز، وأن يتوهم متوهم خلافه، ولا يسلك إلا في أمر خطير، و (يقلبها) صفة أخرى لـ (ريشة).
стр. 839
وقال المظهري: (ظهرًا) بدل بعض من الضمير في (تقلبها)، واللام في (البطن) بمعنى إلى، كقوله تعالى: (مناديًا ينادي للإيمان) [آل عمران: ١٩٣].
ويجوز أن يكون (ظهرًا لبطن) مفعولا مطلقًا، اي: يقلبها تقليبًا مختلفًا، وأن يكون حالاً أي: تقلبها مختلفة، أي: وهي مختلفة. انتهى.
قال ابن مالك: وفيه شاهد على ما ذهب إليه الأخفش من جواز أن يبدل من ضمير الحاضر بدل كل من كل، فيما لا يدل على إحاطة، وعليه حمل الأخفش: (ليَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) [الأنعام: ١٢].
ويشهد لصحته قول الشاعر:
وشوهاء تعدو بي إلى صارخ الوغى ... بمستلئم مثل الفنيق المُرَجَّل
أما بدل البعض أو الاشتمال وبدل الكل الدال على الإحاطة، فإنه جائز بالإجماع.
قوله: (وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين).
قال الطيبي: (لا أحلف) جواب القسم، و (إن شاء الله) معترضة، والقسمية خبر إنّ، و (على يمين) مصدر مؤكد لقوله (أحلف).
١١٧٨ - (*) حديث: "على كل مسلم صدقةٌ، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: فيعملُ بيديه
стр. 840
وينفع نفسه ويتصدقُ".
قال الزركشي: مرفوع في المواضع الثلاثة عن ابن مالك.
قوله: (تعين ذا الحاجة الملهوف).
قال الطيبي: (الملهوف) نصب نعتًا لـ (ذا).
١١٧٩ - حديث: "اشفعوا فلتؤجروا ".
قال الكرماني: فإن قلت: ما هذه الفاء؟ قلت: هي الفاء السببية التي ينتصب بعدها الفعل المضارع، واللام بالكسر بمعنى كي، وجاز اجتماعهما، لأنهما أمر واحد، أو الجزائية لكونها جوابًا للأمر أو زائدة على مذهب الأخفش، أو هي عاطفة على (اشفعوا)، واللام للأمر أو على مقدر، أي: اشفعوا لتؤجروا، نحو: (وإياي فارهبون) [البقرة: ٤٠].
فإن قلت: ما فائدة اللام؟
قلت: اشفعوا تؤجروا، في تقدير: إن تشفعوا تؤجروا، والشرط متضمن للسببية، فإذا ذكرت اللام فقد صرحت بالسببية.
وقال الطيبي: الفاء واللام مقحمان للتأكيد، لأنه لو قيل: اشفعوا تؤجروا، صحّ جوابًا للأمر.
стр. 841
١١٨٠ - حديث: "من صام الدهر ضيقت عليه جهنم ".
قال في "النهاية": حمل بعضهم هذا الحديث على ظاهره، وجعله عقوبة لصائم الدهر، وفيه بعد، لأنه بالجملة قربة، وقد صامه جماعة من الصحابة والتابعين، فما يستحق فاعله تضييق جهنم عليه.
وذهب آخرون إلى أن (على) ههنا بمعنى (عن): أي ضيقت عنه فلا يدخلها، و (عن) و (على) يتداخلان. ومنه حديث أبي سفيان: (لولا أن يأثروا علي الكذب لكذبت) أي يرووا عني.
ومنه حديث زكاة الفطر: (على كل حر وعبد صاع). قيل: (على) بمعنى (عن)، لأن العبد لا تجب عليه الفطرة، وإنما تجب على سيده، وهو في العربية كثير.
١١٨١ - حديث: "وإني والنذير العريان فالنجاءَ ".
قال الكرماني: بالنصب على أنه مفعول مطلق، أي: الإسراع، وفيه المدّ والقصر.
وقال الطيبي: هو مصدر (نجا) إذا أسرع، ونصب إما على المصدر، أو على الإغراء.
١١٨٢ - حديث: "اثنان فما فوقهما جماعة ".
قال الطيبي: (اثنان) مبتدأ، صفة لموصوف محذوف، ويجوز أن يخفض بالعطف، فإن الفاء للتعقيب، والمعنى: اثنان وما يزيد عليهما على التعاقب، واحدًا بعد واحد بعد جماعة، نحو قولك: الأمثل فالأمثل، والأفضل فالأفضل.
стр. 842
وقولك: بعته بدرهم فصاعدًا.
١١٨٣ - حديث: "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما ".
قال الكرماني: (جنتان) خبر مبتدأ محذوف، أي: هما جنتان، فإنهما إشارة إلى ما في قوله تعالى: (ومن دونهما جنتان) [الرحمن: ٦٢] وتفسير له. و (آنيتهما) مبتدأ، و (من فضة) خبره، ويحتمل أن يكون فاعل فضة كما قال ابن مالك في قولهم: (مررت بواد أثل كله)، أن (كله) فاعل (الأثل) بالمثلثة، أي جنتان مفضض آنيتهما.
قوله: (وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن).
قال النووي: أي: والناظرون في جنة عدن، فهي ظرف للناظر.
وقال القرطبي: (في جنة عدن) متعلق بمحذوف في موضع الحال من (القوم)، كأنه قال: كائنين في جنة عدن.
وقال الطيبي: (على وجهه)، حال من (رداء الكبرياء) والعامل معنى لبس.
وقوله: (في الجنة) متعلق بمعنى الاستقرار في الظرف.
١١٨٤ - حديث: "إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه بها عبد بعد الكبائر أن يموت رجل وعليه دين لا يدع قضاء ".
قال الطيبي: (أن يلقاه) خبر (إنّ)، و (أن يموت) بدل منه، لأنك إذا قلت: إن أعظم الذنوب عند الله موت الرجل وعليه دين، استقام ولأن لقاء العبد ربه إنما هو بعد الموت، و (رجل) مظهر أقيم مقام العبد.
стр. 843
١١٨٥ - حديث: "قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات ".
قال الطيبي: فيه ثلاثة أوجه من الإعراب:
أحدها: أن يكون (فينا)، و (بخمس) حالين مترادفين أو متداخلين، وذلك أن يكون الثاني حالاً من الضمير المستتر في الحال الأول، أي: قام خطيبًا فينا مذكرًا بخمس كلمات.
وثانيها: أن يكون (فينا) متعلقًا بـ (قام) بأن يضمن معنى (خطب)، والثاني حال، أي: خطب قائمًا مذكرًا بخمس. و (قام) في الوجهين بمعنى القيام.
وثالثها: أن يعلق (بخمس) بـ (قام) ويكون (فينا) بيانًا، كأنه لما قيل: قام بخمس، فقيل: في حق من؟، أجيب: في حقنا، وفي جهتنا، فعلى هذا: قام بالأمر، أي: تشمّر له وتجلّد.
قال التوربشتي: وهم يطلقون الكلمة، ويعنون به الجملة المركبة المفيدة، ولهذا يسمون القصيدة كلمة.
وإحدى الكلمات: أن الله لا ينام.
والثانية: ولا ينبغي له أن ينام.
والثالثة: يخفض القسط ويرفعه.
والرابعة: يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل.
والخامسة: حجابه النور.
١١٨٦ - حديث: "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها ".
стр. 844
قال الطيبي: (من) إذا كان متعلقًا بـ (خلق) تكون ابتدائية، أي: ابتداء خلقه من قبضة، وإذا كان حالاً من (آدم) تكون بيانية.
١١٨٧ - حديث: "في ساعة الجمعة وهي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تنقضي الصلاة ".
قال الطيبي: أصل الكلام يقتضي أن تقترن لفظة (بين) بظرفي الزمان، فيقال: بين أن يجلس وبين أن ينقضي، إلا أنه أتى بـ (إلى) لتعين أن جميع الزمان المبتدئ من الجلوس إلى انقضاء الصلاة تلك الشريفة، و (إلى) هذه مقابلة (من) في قوله تعالى: (ومن بيننا وبينك حجاب) [فصلت: ٥] فإن (من) هناك لتحقيق الابتداء، فيلزم منه الانتهاء، كما أن (إلى) هنا لتحقيق الانتهاء فيلزم منه الابتداء.
قال في "الكشاف": لو قيل: بيننا وبينك حجاب، لكان المعنى أن حجابًا حاصل وسط الجهتين. فأمّا بزيادة (من) فالمعني أن الحجاب ابتداء منا وابتداء منك، فالمسافة المتوسطة لجهتنا متوسعة بالحجاب لا فراغ فيها.
وقال ابن مالك في "شرح التسهيل": وقد تكون (بين) ظرف زمان، كما تكون ظرف مكان، فمن ذلك حديث ساعة يوم الجمعة: (هي ما بين خروج الإمام، وانقضاء الصلاة).
وقال أبو حيان في "الارتشاف": زعم ابن مالك أن بين قد تكون ظرف زمان واستدل على ذلك بلفظ جاء في الأثر، على عادته في إثبات القواعد النحوية، مما روى من ذلك.
стр. 845
مسند أبي هريرة ﵁
١١٨٨ - حديث: "والذي نفس محمَّد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار ".
قال الطيبي: قوله (والذي نفس محمد بيده) في البيان من أسلوب التجريد، لأنه ﷺ جرد من
نفسه الزكية من يسمى محمدًا، وهو هو.
وأصل الكلام: والذي نفسي، ثم التفت من الغيبة إلى التكلم في قوله: (لا يسمع بي). ويقال: فلان سمع بفلان إذا بلغ إليه خبره، والباء يحتمل أن تكون زائدة، أي: لا يسمعني، فقد جاء: سمعتك وسمعت فلانًا، ويحتمل أن يكون بمعنى (من) يقال: سمعت من فلان، فتكون الباء كما في قوله تعالى: (عينًا يشرب بها عباد الله) [الإنسان: ٦].