← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14299

عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد - ت القضاة

الجلال السيوطي

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

١١٨٠ - حديث: "من صام الدهر ضيقت عليه جهنم ". قال في "النهاية": حمل بعضهم هذا الحديث على ظاهره، وجعله عقوبة لصائم الدهر، وفيه بعد، لأنه بالجملة قربة، وقد صامه جماعة من الصحابة والتابعين، فما يستحق فاعله تضييق جهنم عليه. وذهب آخرون إلى أن (على) ههنا بمعنى (عن): أي ضيقت عنه فلا يدخلها، و (عن) و (على) يتداخلان. ومنه حديث أبي سفيان: (لولا أن يأثروا علي الكذب لكذبت) أي يرووا عني. ومنه حديث زكاة الفطر: (على كل حر وعبد صاع). قيل: (على) بمعنى (عن)، لأن العبد لا تجب عليه الفطرة، وإنما تجب على سيده، وهو في العربية كثير. ١١٨١ - حديث: "وإني والنذير العريان فالنجاءَ ". قال الكرماني: بالنصب على أنه مفعول مطلق، أي: الإسراع، وفيه المدّ والقصر. وقال الطيبي: هو مصدر (نجا) إذا أسرع، ونصب إما على المصدر، أو على الإغراء. ١١٨٢ - حديث: "اثنان فما فوقهما جماعة ". قال الطيبي: (اثنان) مبتدأ، صفة لموصوف محذوف، ويجوز أن يخفض بالعطف، فإن الفاء للتعقيب، والمعنى: اثنان وما يزيد عليهما على التعاقب، واحدًا بعد واحد بعد جماعة، نحو قولك: الأمثل فالأمثل، والأفضل فالأفضل.

стр. 842

وقولك: بعته بدرهم فصاعدًا. ١١٨٣ - حديث: "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما ". قال الكرماني: (جنتان) خبر مبتدأ محذوف، أي: هما جنتان، فإنهما إشارة إلى ما في قوله تعالى: (ومن دونهما جنتان) [الرحمن: ٦٢] وتفسير له. و (آنيتهما) مبتدأ، و (من فضة) خبره، ويحتمل أن يكون فاعل فضة كما قال ابن مالك في قولهم: (مررت بواد أثل كله)، أن (كله) فاعل (الأثل) بالمثلثة، أي جنتان مفضض آنيتهما. قوله: (وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن). قال النووي: أي: والناظرون في جنة عدن، فهي ظرف للناظر. وقال القرطبي: (في جنة عدن) متعلق بمحذوف في موضع الحال من (القوم)، كأنه قال: كائنين في جنة عدن. وقال الطيبي: (على وجهه)، حال من (رداء الكبرياء) والعامل معنى لبس. وقوله: (في الجنة) متعلق بمعنى الاستقرار في الظرف. ١١٨٤ - حديث: "إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه بها عبد بعد الكبائر أن يموت رجل وعليه دين لا يدع قضاء ". قال الطيبي: (أن يلقاه) خبر (إنّ)، و (أن يموت) بدل منه، لأنك إذا قلت: إن أعظم الذنوب عند الله موت الرجل وعليه دين، استقام ولأن لقاء العبد ربه إنما هو بعد الموت، و (رجل) مظهر أقيم مقام العبد.

стр. 843

١١٨٥ - حديث: "قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات ". قال الطيبي: فيه ثلاثة أوجه من الإعراب: أحدها: أن يكون (فينا)، و (بخمس) حالين مترادفين أو متداخلين، وذلك أن يكون الثاني حالاً من الضمير المستتر في الحال الأول، أي: قام خطيبًا فينا مذكرًا بخمس كلمات. وثانيها: أن يكون (فينا) متعلقًا بـ (قام) بأن يضمن معنى (خطب)، والثاني حال، أي: خطب قائمًا مذكرًا بخمس. و (قام) في الوجهين بمعنى القيام. وثالثها: أن يعلق (بخمس) بـ (قام) ويكون (فينا) بيانًا، كأنه لما قيل: قام بخمس، فقيل: في حق من؟، أجيب: في حقنا، وفي جهتنا، فعلى هذا: قام بالأمر، أي: تشمّر له وتجلّد. قال التوربشتي: وهم يطلقون الكلمة، ويعنون به الجملة المركبة المفيدة، ولهذا يسمون القصيدة كلمة. وإحدى الكلمات: أن الله لا ينام. والثانية: ولا ينبغي له أن ينام. والثالثة: يخفض القسط ويرفعه. والرابعة: يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل. والخامسة: حجابه النور. ١١٨٦ - حديث: "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها ".

стр. 844

قال الطيبي: (من) إذا كان متعلقًا بـ (خلق) تكون ابتدائية، أي: ابتداء خلقه من قبضة، وإذا كان حالاً من (آدم) تكون بيانية. ١١٨٧ - حديث: "في ساعة الجمعة وهي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تنقضي الصلاة ". قال الطيبي: أصل الكلام يقتضي أن تقترن لفظة (بين) بظرفي الزمان، فيقال: بين أن يجلس وبين أن ينقضي، إلا أنه أتى بـ (إلى) لتعين أن جميع الزمان المبتدئ من الجلوس إلى انقضاء الصلاة تلك الشريفة، و (إلى) هذه مقابلة (من) في قوله تعالى: (ومن بيننا وبينك حجاب) [فصلت: ٥] فإن (من) هناك لتحقيق الابتداء، فيلزم منه الانتهاء، كما أن (إلى) هنا لتحقيق الانتهاء فيلزم منه الابتداء. قال في "الكشاف": لو قيل: بيننا وبينك حجاب، لكان المعنى أن حجابًا حاصل وسط الجهتين. فأمّا بزيادة (من) فالمعني أن الحجاب ابتداء منا وابتداء منك، فالمسافة المتوسطة لجهتنا متوسعة بالحجاب لا فراغ فيها. وقال ابن مالك في "شرح التسهيل": وقد تكون (بين) ظرف زمان، كما تكون ظرف مكان، فمن ذلك حديث ساعة يوم الجمعة: (هي ما بين خروج الإمام، وانقضاء الصلاة). وقال أبو حيان في "الارتشاف": زعم ابن مالك أن بين قد تكون ظرف زمان واستدل على ذلك بلفظ جاء في الأثر، على عادته في إثبات القواعد النحوية، مما روى من ذلك.

стр. 845

مسند أبي هريرة ﵁ ١١٨٨ - حديث: "والذي نفس محمَّد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار ". قال الطيبي: قوله (والذي نفس محمد بيده) في البيان من أسلوب التجريد، لأنه ﷺ جرد من نفسه الزكية من يسمى محمدًا، وهو هو. وأصل الكلام: والذي نفسي، ثم التفت من الغيبة إلى التكلم في قوله: (لا يسمع بي). ويقال: فلان سمع بفلان إذا بلغ إليه خبره، والباء يحتمل أن تكون زائدة، أي: لا يسمعني، فقد جاء: سمعتك وسمعت فلانًا، ويحتمل أن يكون بمعنى (من) يقال: سمعت من فلان، فتكون الباء كما في قوله تعالى: (عينًا يشرب بها عباد الله) [الإنسان: ٦].

стр. 846

قال المظهري: وفيه نظر؛ لأن المعنى لا يساعد عليه، فإن سمعني وسمع مني يقتضيان كلامًا أو قولاً من جانب الرسول، وليس المعنى عليه. قال صاحب الكشاف في قوله تعالى: (سمعنا مناديًا ينادي للإيمان) [آل عمران: ١٩٣]، تقول: سمعت رجلاً يقول كذا، وسمعت زيداً يتكلم. فتوقع الفعل على الرجل، وتحذف المسموع، لأنك وصفته بما يسمع، أو جعلته حالاً عنه، فأغناك عن ذكره، ولولا الوصف أو الحال لم يكن منه بدّ، والأظهر أن يضمن (يسمع) معنى أخبر، فيعدى بالباء، كقوله تعالى: (ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين) [القصص: ٣٦]، أي: ما أخبرنا سماعًا، وهو آكد. لأن الإخبار أعم من أن يكون سماعًا أو غير سماع، فالمعنى: ما أخبر برسالتي أو ببعثتي أحد ولم يؤمن، إلا كان من أصحاب النار. و (أحد) إذا استعمل في النفي يكون لاستغراق جنس العقلاء، ويتناول القليل والكثير، والذكر والأنثى، كقوله تعالى: (فما منكم من أحد عنه حاجزين) [الحاقة: ٤٧] و (لستن كأحد من النساء) [الأحزاب: ٣٢] وتقول: مافي الدار أحد، لا واحد، ولا اثنان فصاعدًا لا مجتمعين ولا متفرقين. وقوله: (من هذه الأمة) صفة (أحد) و (يهودي) إما بيان، أو بدل من (أحد). و (من) في (من هذه الأمة) إما للبيان، أو للتبعيض، وعلى التقديرين هو مرفوع المحل، فعلى أن يكون للتبعيض معناه: لا يسمع بي أحد وهو بعض هذه الأمة يهودي، والإشارة بهذه إلى ما في الذهن، و (الأمة) بيان له، و (الأمة) حينئذ أمة الدعوة. وعلى أن يكون للبيان: فلفظة (هذه) تكون إشارة إلى أمة اليهود والنصارى

стр. 847

وهم هم كقوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير) [آل عمران: ١٠٤]. فسره صاحب الكشاف بالوجهين. فإن قلت: كيف يجعل (من) التبعيضية اسمًا؟ قلت: هو مجاز عن متعلق معناه. قال صاحب "الكشاف" في قوله تعالى: (حاش لله) [يوسف: ٣١]، حاش: حرف من حروف الجر، وضعت موضع التنزيه والبراءة، والدليل عليه قراءة: (حاشا لله) بالتنوين، وإنما ترك على بنائه ولم يعرب مراعاة للأصل الذي هو الحرفية، ألا ترى إلى قولهم: جلست عن يمينه، كيف تركوه غير معرب على أصله؟ فإن قلت: كيف عطف (ولا نصراني) على (يهودي) وهو منتف، والكلام الفصيح في العطف بلا: أن يكرر لفظة (لا) كقوله تعالى: (فلا صدق ولا صلى) [القيامة: ٣١]. قلت (يهودي) في حيز النفي لكونه فاعلاً للفعل المنفي، كقوله تعالى: (ما أدري ما يفعل بي ولا بكم) [الأحقاف: ٩]. والأمة هنا أمة الدعوة، بدليل قوله ﷺ : (ولم يؤمن بي)، واللام للاستغراق أو للجنس أو للعهد، والمراد بها أهل الكتاب. ويعضد الأخير وصف الأحد باليهودي والنصراني، لأن لفظ (ثم) موضوع حينئذ للتراخي، دال على أن الإيمان بما أرسل به نبينا ﷺ مهما صدر من الكافر وحصل منه فإنه ينفعه، ويمحي منه ما سلف في كفره، وإن تراخى ذلك الإيمان عن أول سماعه

стр. 848

وتقدير الاستثناء: لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ثم لم يؤمن بالذي أرسلت به فيكون له حال من الأحوال إلا أن كان من أصحاب النار. قال الطيبي: والوجه أن يقال: إن (ثم) هذه للاستبعاد، كما في قوله تعالى: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها) [السجدة: ٢٢] يعني: ليس أحد أظلم ممن بينت له آيات الله الظاهرة والباطنة، ودلائله الباهرة، فعرفها ثم أنكرها. أي: بعيد ذلك عن العاقل، كما تقول: وجدت مثل تلك الفرصة ثم لم تنتهزها. فالمعنى: ما أبعد الذي له عقل أن يسمع بي يهودي ونصراني، بعد انتظارهما بعثتي، واستفتاحهما الكفرة بنصرتي، ثم لما بعثت لم يؤمن بي. فعلى هذا التقدير يختص الحديث بأهل الكتاب، ولا يحتاج إلى التكلف في نسبته إلى غيرهم، كما عليه كلام الشارحين. فإن قلت: في الحديث (السماع) و (الإيمان) كلاهما منفيان، فيلزم على هذا من لم يسمع ولم يؤمن يكون من أصحاب النار، وهو على خلاف قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) [الإسراء: ١٥]. فكان من حق الظاهر أن يقول: يسمع ولا يؤمن. قلنا: لما تقرر أن (ثم) للاستبعاد رجع حاصل الاستثناء إلى قولنا: لا يحصل هذا الاستبعاد المذكور في حق يهودي أو نصراني، فيكون له حال من الأحوال إلا إذا كان من أصحاب النار، فالمنفي السماع الذي لم يترتب عليه الإيمان، لأنه المستبعد، وفهم منه أن السماع الذي يترتب عليه الإيمان يكون حكمه بالعكس، ونظيره قوله تعالى: (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول

стр. 849

كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم) [الحجرات: ٢] في أحد وجهيه، وهو أن يكون الفعل المعلل منهيا، لا أن يكون الفعل المنهي معللا، فاعرف. انتهى ما في شرح المشكاة. وأقول: قد ورد الحديث في مسند أحمد بلفظ: "لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني ... " فعلم أن في الرواية الأولى حذفًا من الرواة، والمراد (بهذه الأمة) العرب. وفي مسند أحمد أيضًا من حديث أبي موسى: "من سمع بي من أمتي أو يهودي أن نصراني فلم يؤمن بي لم يدخل الجنة". وقد ورد علنا من نحو عشرين سنة سؤال من الإسكندرية صورته: قد روي في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يمؤن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار". قال النووي في شرحه: قوله: (من هذه الأمة)، أي: ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة، فكلهم ممن يجب عليه الدخول في طاعته، وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيهًا على من سواهما، فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابًا، فغيرهم ممن لا كتاب له أولى. قال السائل: وقد أشكل هذا الحديث من جهة التنزيل المقصود منه على القواعد النحوية، فإن المقصود من الحديث أنه من سمع بنبينا ﵊ ممن شملته بعثته العامة ثم مات غير مؤمن بما أرسل به كان من أصحاب النار.

стр. 850

وفي تنزيل لفظ الحديث على هذا المقصود قلق، وهذا الإشكال يعرض كثيرًا في غير لفظ الحديث كقولك: ما جاءني زيد إلا أكرمته، وما أحسنت إلى لئيم إلا أساء إليّ. وما أنعمت على عمرو إلا شكر، وأمثال ذلك كثير في الكتاب والسنة وكلام العرب، والغرض في الجميع أن يكون الواقع بعد (إلاّ) مرتبًا مضمونة على مضمون ما بعد حرف النفي، أي: مهما جاءني زيد أكرمته، ومهما أحسنت إلى لئيم أساء وهكذا في سائر الأمثلة التي بهذه المثابة، وتطبيق اللفظ على هذا الغرض غير متأتٍ بحسب الظاهر، فإنه غاية ما يتخيل في هذا الاستثناء، أن يكون مفرغًا باعتبار الأحوال، فتكون الجملة الواقعة بعد (إلا) في محل نصب على أنها حال من الفاعل أو من المفعول المتقدم ذكره، أي: ما جاءني زيد إلا في حال كوني مكرمًا له، وما أحسنت إلى لئيم إلا في حال كونه مسيئًا. وهذا مشكل، فإن الحال مقيدة لعاملها ومقارنة له، وليس الإكرام مقيدًا بمجيء زيد بحسب المقصود، ولا مقارنُا له في الزمن، وكذا بقية الأمثلة. فإن قلت: اجعل الحال مقدرة، أي: ما جاءني زيد إلا في حال كوني مريدًا لإكرامه، وما أنعمت على عمرو إلا في حال كونه مريدًا للشكر. قلت: هذا وإن كان في نفسه معنى ممكن الاستقامة، فهو غير مفيد للغرض المصوغ لهذا الكلام، إذ المقصود وقوع مضمون ما بعد النفي، ولا يلزم من إنعامك على عمرو في حال إرادته للشكر أن يكون الشكر وقع بالفعل مرتبًا على الإنعام عليه، لجواز تخلف متعلق الإرادة الحادثة عنها. وكذا في بقية الأمثلة، فقد ظهر امتناع جعل ما بعد (إلاّ) حالاً، لا من قبيل الحال المحققة، ولا من قبيل الحال المقدرة، ولا مساغ لغير الحال فيه فيما يظهر.

стр. 851

وفي الحديث إشكال من جهة أخرى، وهو أنه تقدم الاستثناء الواقع فيه جمل، فإن أعدته إلى الجميع وبنينا على أن العامل في المستثنى ما قبل (إلا) من فعل أو معناه بواسطتها - كما يراه البصريون - لزم اجتماع عوامل على معمول واحد، وهو باطل على ما تقرر في علم النحو، وإن أعدته إلى الجملة الأولى فقط، لزم الخلف في الخبر، وذلك أن التقدير حينئذ: لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني إلا إذا كان من أصحاب النار. وكم من يهودي ونصراني يسمع به بعد البعثة ولا يكون من أصحاب النار، بأن يسلم ويموت على الإسلام، وإن جعلته راجعًا إلى ما بعد الجملة الأولى فقط على ما فيه صارت الجملة الأولى لا تعرض فيها إلى الاستثناء، فيلزم الخلف، إذ كثير من اليهود والنصارى يسمع به بعد البعثة، هذا آخر السؤال. فكتبت في الجواب ما نصّه: قال ابن مالك في " التسهيل " في تقرير القاعدة التي من أفرادها هذا الحديث: ويليها - أي: (إلا) - في النفي فعل مضارع بلا شرط، وماض مسبوق بفعل أو مقرون بقد. وقال في شرحه: مثال المضارع ما كان زيد إلا يفعل كذا، وما خرج زيد إلا يجر ثوبه، وما زيد إلا يفعل كذا. ومثال الماضي مسبوقًا بفعل: قوله تعالى: (وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به

стр. 852

يستهزئون) [الحجر: ١١] ومقرونًا بقد قول الشاعر: ما المجد إلا قد تبين أنه ... ببذل وحلم لا يزال مؤثلا قال: وإنما أغنى اقتران الماضي بقد عن تقدم فعل، لأن قد تقربه من الحال، فيكون بذلك شبيهًا بالمضارع، وإنما كان المضارع مستغنيًا عن شرط، لأنه شبيه بالاسم. وإنما ساغ تقديم الفعل مقرونًا بالنفي لجعل الكلام بمعنى: كلما كان كذا، فكان فيه فعلان، كما كان مع كلما، فلو قلت: ما زيد إلا قام، لم يجز، لأنه ليس مما ذكر، وعلة ذلك أن المستثنى لا يكون إلا اسمًا أو مؤولاً باسم، والماضي المجرد من (قد) بعيد من شبه الاسم، وأما قولهم: أنشدك بالله إلاّ فعلت، فإنه في معنى النفي، كقولهم: شرا أهر ذا ناب، أي: ما أسألك إلا فعلك. انتهى. وقال أبو البقاء: في قوله تعالى: (وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون): إن الجملة حال من ضمير المفعول في (يأتيهم)، وهي حال مقدرة، ويجوز أن تكون صفة لـ (رسول) على اللفظ أو الموضع، انتهى. فعلم من ذلك تخريج الحديث على الوجهين، والأرجح الحالية لأمرين: أحدهما أن وقوع ما بعد (إلا) وصفًا لما قبلها رأي ضعيف في العربية، بل قال ابن

стр. 853

مالك: إنه لا يعرف لبصري ولا لكوفي، وإن الزمخشري تفرد بذلك، وإن ما أوهم ذلك فمؤول على الحال. وكأن أبا البقاء تابعه في ذلك الزمخشري. الثاني: أن الحالية تطرد في جميع الأمثلة، والوصفية لا تطرد، بل تختص بما إذا كان الاسم السابق نكرة كما في الحديث. أما نحو: ما جاءني زيد إلا أكرمته، فلا يمكن فيه الوصفية، كما لا يخفى، فعلم بذلك ترجيح الحالية، وأنها مقدرة كما صرح به أبو البقاء، وما أورده السائل من عدم الملازمة، وجواز تخلف متعلق الإرادة الحادثة عنها، فهو وإن كان كلاما صحيحًا في نفسه إلا أنه لا يقدح في التخريج، ولو روعي هذا المعنى، لم يكد يصح لنا حال مقدرة، وكم من قاعدة نحوية قررت ثم لم يبال بمخالفتها للقاعدة العقلية، فإن كلاًّ من النحو والفقه معقول من منقول، كما ذكر ذلك ابن جني، فتارة يلاحظ فيهما الأمر العقلي، وتارة يلاحظ الأمر النقلي، على أن ما ذكر من الترتيب وما أورد عليه من عدم الملازمة، إنما يتجه لو كان الترتيب المذكور عقليًا لا يتخلف، وليس الأمر كذلك، فإن الترتيب الذي في الحديث شرعي لا عقلي، والذي في الأمثلة أيضًا ليس بعقلي، بل عاديّ خاص، أي بحسب عادة المتكلم، أو من تعلق به فعله، ومثل ذلك يكتفى به في الحال المقدرة. وأمر آخر: وهو أن ما ذكر في وجه الترتيب تفسير معنى، وما ذكر في تقرير الحال تفسير إعراب، وهم يفرقون بين تفسير المعنى وتفسير الإعراب، ولا يلتزمون توافقهما كما وقع ذلك كثيرًا لسيبويه والزمخشري وغيرهما. وأما الإشكال الثاني ففي غاية السقوط، لأن الجمل السابقة ليست مستقلة، بل

стр. 854

جملة: (ثم يموت ولا يؤمن) مرتبطة بالجملة الأولى على أنها قيد فيها، و (ثم) هنا واقعة موقع الفاء، فإنها لمجرد الربط لا التراخي كما في قوله: . . . . . . . ... جرى في الأنابيب ثم اضطرب وفي بعض طرق الحديث: "لا يسمع بي أحد يهودي ولا نصراني فلم يؤمن بي إلا كان من أهل النار". فعلم أن جملة (فلم يؤمن) مرتبطة بالأولى، وفاء الربط تصير الجملتين في حكم جملة واحدة كما قرره النحاة في باب العطف في مسألة: (الذي): الذي يطير فيغضب زيد الذباب، فقوله: إن أعدته إلى الجملة الأولى لزم الخَلَف .. إلى آخره، مدفوع بأنه إذا أعيد إليها مقيدة بمضمون ما بعدها لا يلزم ما ذكر، والله أعلم. هذا آخر ما كتبته إذ ذاك. وقال الرضي: اعلم أن أصل (إلا)، أن تدخل على الاسم، وقد يليها في المفرغ فعل مضارع، إما خبر مبتدأ، كقولك: ما زيد إلا يقوم، وما الناس إلا يعبرون، أو حال، نحو: ما جاءني زيد إلا يضحك، أو صفة، نحو: ما جاءني منكم رجل إلا يقوم ويقعد، ويجوز أن يكون هذا حالاً لعموم ذي الحال، وإنما شرط التفريغ: أن تكون (إلا) ملغاة عن العمل على قول، أو عن التوصيل بها إلى العمل على قول آخر، فيسهل دفعها عما تقتضيه من الاسم، لانكسار شوكتها بالإلغاء. وشرط كونه مضارعًا لمشابهته الاسم. وأما الماضي، فيجوز أن يليها في المفرغ بأحد قيدين: وذلك إما باقترانه بقد، نحو: ما الناس إلا قد عبروا، وذلك لتقريبها له من الحال المشبهة للاسم.

стр. 855

وإما تقدم ماض منفي، نحو: قولك: ما أنعمت عليه إلا شكر، وما أتيته إلا أتاني، وعنه ﵇: "ما أيس الشيطان من بني آدم إلا أتاهم من قبل النساء"، وذلك إذا قصد لزوم تعقيب مضمون ما بعد (إلاّ)، لمضمون ما قبلها. وإنما جاز أن يليها الماضي مع هذا القصد، لأن هذا المعنى هو معنى الشرط والجزاء، في الأغلب، نحو: إن جئتني أكرمتك، وإنما قلت: في الأغلب، لأنه قد لا يكون مضمون الجزاء متعقبًا لمضمون الشرط، بل يكون مقارنًا له في الزمان، نحو: إن كان هناك نار كان احتراق، وإن كان هناك احتراق فهناك نار، وإن كان الإنسان ناطقًا فالحمار ناهق، لكن التعقيب المذكور هو الأغلب، فلما كان تعقب مضمون ما بعد (إلاّ) لمضمون ما قبلها هو المراد، وكان حرف النفي مع (إلا) يفيد معنى الشرط والجزاء، أعني لزوم الثاني للأول، جاز أن يعتبر معنى الشرط والجزاء مع حرف النفي، وإلا فيصاغ ما قبل (إلا) وما بعدها صوغ الشرط والجزاء، وذلك إما بكونهما ماضيين، نحو: ما زرتني إلا أكرمتك، أو مضارعين نحو: ما أزورك إلا تزورني، ومثل هذا هو الغالب في الشرط والجزاء، أعني كونهما ماضيين أو مضارعين، فجاز كون الماضي الذي بعد (إلا) ههنا مجردًا عن (قد) والواو مع أنه حال، وذلك لكونه متضمنًا معنى الجزاء، فيكون (إلا) على هذا المعنى المذكور إما ماضيًا أو مضارعًا مجردًا، وجاز أن ينظر أيضًا أن ينظر إلى كون مثل هذا الفعل حالاً في الحقيقة، وإن كان فيه معنى الجزاء، فيؤتى به ماضيًا أو مضارعًا مع الواو، نحو: ما زرته إلا وأكرمني، ولا أزوره إلا ويكرمني، وإنما اطرد الواو مع هذا النظر لكون هذا الحال غير مقترن مضمونه بمضمون عامله، كما هو الغالب في الحال، نحو: ما جاءني زيد راكبًا، ولفظه أيضًا منفصل عن العامل بـ (إلا)، فجاز أن يستظهر مطردًا في ربط مثل هذه الحال بعاملها لفظًا، بحرف الربط، أي: الواو فمن ثم اطرد نحو: ما أزوره إلا ويكرمني، وندر: قمت وأصك عينه.

стр. 856

ويجيء في الماضي مع الواو أيضًا، نحو: ما زرته إلا وقد زارني، ولا يجوز الاقتصار على قدْ، فلا يقال: ما زرته إلا قد زارني، لأنك إن نظرت إلى معنى الجزاء الذي يستفاد من مثل هذا الحال، فالجزاء لا يتجرد عن الفاء، إلا إذا كان مع (قد)، وإن نظرت إلى الحال الذي هو أصله فليس فيه حرف الربط المذكور. وإنما قلنا: إن الأغلب مقارنة مضمونه بمضمون عامله، لأنه قد يجيء بخلاف ذلك، كقولهم: خرج الأمير معه صقر صائدًا به غدًا. وهذا أيضًا من حيث التأويل مقارن، إذ المعنى: عازمًا على الصيد، وكذا معنى الحديث: (ما أيس الشيطان من بني آدم من جهة غير النساء، إلا عازمًا على إتيانهم من قبلهن)، جعلوا المعزوم عليه المجزوم به، كالواقع الحاصل. انتهى. ومن وقوع المضارع بعد (إلا) حديث أبي هريرة ﵁: (لا يتوضأ أحدٌ فيحسن وضوءه، ويسبغُه ثم يأتي باب المسجد، لا يريد إلا الصلاة إلا يستبشر الله به كما يستبشر أهل الغائب بطلعته). ومن نظائر هذا الحديث، حديث الجمعة: (في يوم الجمة ساعة لا يسأل فيها عبد شيئًا إلا أتاه الله إياه). ١١٨٩ - وحديث: "ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولاً لا يفكه إلا العدل، وما من رجل قرأ القرآن ثم نسيه إلا لقي الله يوم القيامة وهو أجذم ". ١١٩٠ - وحديث: "لا يكيد أهل المدينة أحدٌ إلا انماع كما ينماع الملح في الماء ".

стр. 857

١١٩١ - وحديث: "ما لقيك الشيطان قط سالكًا فجًّا إلا سلك فجًّا غير فجك ". ١١٩٢ - وحديث: "لا يبقى باب في المسجد إلا سُدّ إلا باب أبي بكر ". ١١٩٣ - وحديث: "أنه لم يكن نبي إلا وقد وصف الدجال لأمته ". ١١٩٤ - وحديث: "ما منكن امرأة لها ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجابًا من النار ". ١١٩٥ - وحديث: "ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن، ولا أذىً ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله من خطاياه ". ١١٩٦ - وحديث: "ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته وإما أن يذخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها ". ١١٩٧ - وحديث: "لا يصوم عبد يومًا في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم النار عن وجهه سبعين خريفًا ". ١١٩٨ - وحديث: "لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة ". ١١٩٩ - وحديث: "ما بعث الله بنبي ولا استخلف خليفة إلا كانت له

стр. 858

بطانتان ... " الحديث. ١٢٠٠ - وحديث: "ما جاءني جبريل قط إلا أمرني بالسواك ". ١٢٠١ - وحديث: "إن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء ". ١٢٠٢ - وحديث: "ليس منكم أحد إلا وقد وكل به قرين من الشيطان ". ١٢٠٣ - وحديث عبد الله بن بسر المازني مرفوعًا: " ما من أمتي أحد إلا وأنا أعرفه يوم القيامة ". ١٢٠٤ - وحديث: "ما من عبد مؤمن تصدق بصدقة من طيب إلا وهو يضعها في كف الرحمن ". انتهى الجواب. ١٢٠٥ - حديث: "ما من مسلم سلم علي إلا رد الله عليه روحي، حتى أرد ﵇ ". استشكل هذا الحديث، فإن ظاهرة مفارقة الروح في بعض الأوقات، وهو مناف للأحاديث الواردة في حياة الأنبياء، وقد خرجته على أنّ قوله: (رد الله علي) جملة حالية، وقاعدة العربية أن جملة الحال إذا صدّرت بفعل ماض قدرت فيها قَدْ، كقوله تعالى: (أو جاءوكم حصرت صدورهم) [النساء: ٩٠] أي: قد حصرت، وكذا هنا تقدر،

стр. 859

والجملة ماضية سابقة على السلام الواقع من كل أحد، و (حتى) ليست للتعليل بل مجرد عطف بمعنى الواو، فصار تقدير الحديث: ما من أحد يسلم علي إلا وقد رد الله علي روحي قبل ذلك فأرد عليه. وإنما جاء الإشكال من ظن أن الجملة (رد الله) بمعنى الحال أو الاستقبال، وظن أنّ (حتى) تعليلية، وليست كذلك. ثم بعد أن خرجت هذا التخريج، رأيت هذا الحديث مخرّجًا في كتاب (حياة الأنبياء) للبيهقي، بلفظ: (وقد ردّ الله علي روحي)، فصرح فيه بلفظ: (وقد)، فترى أن رواية سقوطها محمولة على إضمارها، وأنّ حذفها من تصرف الرواة. ١٢٠٦ - حديث: "تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا، إلا رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء ". قال الطيبي: قوله: (لا يشرك بالله) صفة (عبد)، وقوله: (إلا رجل) الظاهر فيه النصب لأنه استثناء من كلام موجب، ويمكن أن يقال: الكلام محمول على المعنى، أي: لا يبقى ذنب أحد إلا ذنب رجل. ونحوه قال الفرزدق: ... ... ... لم يدع ... من المال إلا مسحتًا أو مجلَّفُ كأنه قال: لم يبق من المال إلاًّ مُسْحتًا أو مجلف. وقوله تعالى: (فشربوا منه إلا قليل منهم) [البقرة: ٢٤٩] أي: فلم يطيعوه إلا قليل.

стр. 860

١٢٠٧ - حديث: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة ". قال التوربشتي: هو على بناء المجهول، و (الحقوق) مرفوع. وزعم بعضهم ضم الدال. ونصب (الحقوق)، والفعل مسند إلى الجماعة الذين خوطبوا به. قلت: هذا أظهر، بل متعين، لأنه لو كان مسندًا إلى الحقوق لقيل: لتؤدّين الحقوق، بقلب الألف من (لتؤدى) ياء مفتوحة عند الاتصال بنون التوكيد، كما تقول: أخشنّ. ١٢٠٨ - حديث: "يقول العبد: مالي، وإن ما له من ماله إلاّ ثلاث ". قال الطيبي: (ما) موصولة، و (من ماله) متعلق بالصلة، و (ثلاث) خبر، وإنما أنثه على تأويل المنافع. ١٢٠٩ - حديث: "إن الدنيا ملعون ما فيها، إلا ذكر الله، وما والاه، وعالم ومتعلم ". قال الأشرفي: قوله: (وعالم ومتعلم) مرفوع في النسخ، والقاعدة العربية تقتضي أن يكون عطفًا على (ذكر الله)، فإنه منصوب من المستثنى الموجب. وقال الطيبي: في جامع الترمذي بالرفع، وفي سنن ابن ماجة: (عالمًا أو متعلمًا) بالنصب، وهو الظاهر، والرفع على التأويل، كأنه قيل: الدنيا مذمومة لا يحمد مما فيها إلا ذكر الله تعالى وعالم أو متعلم. ونظيره قوله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم). [المؤمنون: ٥ - ٦].

стр. 861

قال في الكشاف: ضمّن (حافظون) معنى النفي، كما ضمن في قولهم: نشدتك بالله إلا فعلت، معنى ما طلبت منك إلا فعلك. ١٢١٠ - حديث: "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ".

стр. 862

قال الكرماني: (كلمتان)، أي: كلامان، والكلمة تطلق على الكلام كما يقال: كلمة الشهادة، و (الحبيبتان) المحبوبتان بمعنى المفعول، لا بمعنى الفاعل. فإن قلت: الفعيل بمعنى المفعول، لا سيما إذا كان موصوفه مذكورًا معه، يستوي فيه المذكر والمؤنث، فما وجه لحوق علامة التأنيث؟ قلت: التسوية بينهما جائزة لا واجبة، لوجوبها في المفرد لا في المثنى، أو أنثها لمناسبة الخفيفة والثقيلة، لأنهما بمعنى الفاعلة لا المفعولة، وهذه التاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية، وقد يقال: هي فيما لم تقع بعد، تقول: خذ ذبيحتك - للشاة التي لم تذبح – وإذا وقع عليها الفعل فهي ذبيح. و (سبحان) مصدر لازم النصب بإضمار الفعل وهو للتسبيح، والعلم على نوعين: علم شخص، وعلم جنس الذي للمعنى. فإن قلت: قالوا لفظ (سبحان) واجب الإضافة، فكيف الجمع بين العلمية والإضافة؟ قلت: ينكر ثم يضاف، كما قال الشاعر: علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم فإن قلت: (وبحمده) معطوف، فما المعطوف عليه؟ قلت: الواو للحال، وتقديره: سبحت الله متلبِّسًا بحمدي له من أجل توفيقه لي للتسبيح، ونحوه.

стр. 863

ويحتمل أن يكون (الحمد) مضافًا إلى الفاعل، والمراد من الحمد لازمه مجازًا، وهو ما يوجب الحمد من التوفيق ونحوه، أو لعطف الجملة على الجملة، نحو: والتشبث بحمده. انتهى. وقال الزركشي: (كلمتان) خبر مقدم، و (خفيفتان) و (ثقيلتان) صفة له، والمبتدأ قوله: (سبحان الله وبحمده) وما بعده، وإنما قدم الخبر على المبتدأ لقصد تشويق السامع إلى المبتدأ كقوله: ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر قال السكاكي: وكون التقديم يفيد التشويق حقه تطويل الكلام في الخبر. وإلا لم يحسن ذلك الحسن، لأنه كلما كثر بذكر أوصافه الجارية عليه ازداد شوق السامع إلى المبتدأ. انتهى. وقال القرطبي: (سبحان الله) علم لمصدر سبح، وقع موقعه فنصب نصبه، وهو لا ينصرف للتعريف، والألف والنون الزائدتين، كعثمان، ومعناه البراءة لله من كل نقص وسوء، وهو في الغالب مما لا ينفصل عن الإضافة، وقد جاء منفصلاً عنها في قول الأعشى شاذًّا: أقول لما جاءني فخره ... سبحان من علقمة الفاخر وقد أشربه في هذا البيت معنى التعجب، فكأنه قال: تعجبًا من علقمة، هذا قول حذاق النحويين وأئمتهم.

стр. 864

وقد ذهب بعضهم إلى أن (سبحان) جمع (سباح) من سبّح في الأرض إذا ذهب فيها سبحًا وسبحانًا، وهذا كحساب وحسبان، وقيل جمع سبيح للمبالغة من التسبيح كقضيب وقُضبان، وهذان القولان باطلان، بدليل عدم صرفه، كما ذكرناه من بيت الأعشى. وقوله: (وبحمده) متعلق بفعل محذوف دل عليه التسبيح، أي: بحمده سبحته. أي: بتفضله وهدايته، هذا قولهم، وكأنهم لاحظوا أن الحمد هنا بمعنى الشكر. قال: والذي يظهر لي وجه آخر، وهو إبقاء معنى الحمد على أصله، وتكون الباء باء السبب، ويكون معناه: إنك موصوف بصفات الكمال والجلال، سبحك المسبحون، وعظمك المعظمون. انتهى. وقال القاضي عياض: يقال: إن التسبيح مأخوذ من قولهم: سبح الرجل في الأرض، إذا ذهب، ومنه قيل للفرس الجواد سابح. قال تعالى: (كل في فلك يسبحون) [الأنبياء: ٣٣] فكان التسبيح على هذا المعنى بمعنى التعجب من المبالغة في الجلال والعظمة، والبعد عن النقائص. انتهى. وقد ألف أستاذنا شيخ الإسلام كمال الدين بن الهمام ﵀ في إعراب هذا الحديث رسالة وهي هذه: الحمد لله، اللهم صل على سيدنا محمد عبدك ونبيك ورسولك محمد وآله وسلم. وبعد: فقد دخلت علي امرأة بورقة ذكرت أن رجلاً دفعها إليها، يسأل الجواب عما فيها، فإذا فيها: سؤال عن إعراب قوله ﷺ : "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم".

стр. 865

هل (كلمتان) مبتدأ، و (سبحان الله) الخبر، أو قلبه؟ وهل قول من عيّن (سبحان الله) للابتداء لتصرفه صحيح أم لا؟ وهل الحديث مما تعدد فيه الخبر أم لا؟ فكتب العبد الضعيف على قلة البضاعة، وطول الترك، وعجلة الكتابة في الوقت ما نصه: الوجه الظاهر أن (سبحان الله) ... إلى آخره، الخبر لأنه مؤخر لفظًا، والأصل عدم مخالفة اللفظ محله، إلا لموجب يوجبه، وهو من قبيل الخبر المفرد بلا تعدد، لأن كلاًّ من (سبحان الله) مع عامله المحذوف الأول، والثاني مع معموله الثاني، إنما أريد لفظه، والجمل الكثيرة إذا أريد لفظها فهي من قبيل المفرد الجامد، ولذا لا تتحمل ضميرًا ولأنه محطّ الفائدة بنفسه بخلاف عكسه، فإنه إنما يكون محطًّا باعتبار وصفه. ألا ترى في عكسه يكون الخبر (كلمتان)، ومن البيّن أن ليس متعلق الغرض الإخبار من النبي ﷺ عن (سبحان الله) .. إلى آخره، بأنهما (كلمتان). بل بملاحظة وصفه، أعني: (خفيفتان)، (ثقيلتان)، (حبيبتان)، فكان اعتبار (سبحان الله) .. إلى آخره خبرًا أولى. فهو مثال هجّيرى أبي بكر لا إله إلا الله، ونحوه، ما أوردوه مثالاً للإخبار بالجملة التي أريد لفظها. وأما منع كونه خبرًا أو مبتدأ بسبب لزوم نصب (سبحان الله) فإنما يصدر ممن لم يفهم معنى قوله: إنما أريد بالجملة لفظها، وعلامة إعراب الخبر في مثله ورد، وهو الرفع في محله. فالحاصل أن كلاًّ من حيث العربية يجوز، وأما من حيث الأولوية بالنظر إلى

стр. 866

المعنى، فـ (كلمتان) مبتدأ موصوف بالأوصاف المختصة، ولفظ (سبحان الله) وما بعده، خبر. وأما جعل (سبحان الله) معرفة، فإن أراد به حال كونه مرادًا به معناه، فصحيح، وتعريفه بالإضافة، وهو ما إذا كان المتكلم ذاكرًا مسبحًا، وإن أراد به حال كونه أريد به مجرد لفظه، على معنى أن الكلمتين الموصوفتين بتعلق حب الله تعالى بهما، هاتان اللفظتان اللتان هما (سبحان الله) صادرتان من مريد معناهما، وهو تنزيه الله تعالى فلا. فإن أنواع المعارف محصورة وليس هو منها، إذ لم يرد على هذا التقدير معنى الإضافة، ولا خصوص النسبة التي باعتبارها يحصل التعريف، فإن ادعى أنه من قبيل العلم، بناء على أن كل لفظ وضع ليدل على نفسه كما وضع ليدل على غيره، كما ذكره ابن الحاجب فليسلم أنه على صحة تقرير هذه الدعوى، لم يعط لهذا الوضع حكم الوضع للدلالة على غيره، ولذا لم يقل أحد بأن كل لفظ مشترك، وهو لازم من جعل كل لفظ وضع ليدل على نفسه، كما وضع ليدل على غيره. فعلم أن إعطاء اسم المعرفة والنكرة والمشترك، وسائر الألقاب الاصطلاحية باعتبار الوضع للدلالة على غيره، والله سبحان أعلم، ثم دفعت الرقعة للمرأة، ثم بعد أن مضى على (هذا) نحو خمسة أشهر، سمعت أن بعض الإخوان ذهب بجوابي هذا مقترنًا بثلاثة أجوبة لأهل العصر، مخالفة لجوابي وجواب رابع للذاهب، إلى بعض ملوك الدنيا، لما كان من أهل العلم والفهم في الاصطلاحات، ليوقفه خطأ المخطئ، وإصابة المصيب. وحاصل ذلك اتفاقهم على أن الوجه الذي رجحوه جعلوه متعينًا، بناء على أن محط الفائدة يتعين أن يكون (سبحان الله) ... إلى آخره.

стр. 867

ومنهم من ذكر أوجهًا لإبطال قلبه، منها أن (سبحان الله) لزم الإضافة إلى مفرد فجرى مجرى الظروف، والظرف لا يقع إلا خبرًا، ولأنه ملزوم النصب، ولأنه مركب من معطوف ومعطوف عليه. وهذه الأوجه الثلاثة يستثقل بدفعها على ما في بعضها من التحكم ما ذكرناه، من أن الكلام الواقع خبرًا إنما أريد به لفظه، ومن أمثلتهم في ابتدائية المتعاطفين إذا أريد مجرد اللفظ: (لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة). ومنها أن (سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) كلمة، إذ المراد بالكلمة في الحديث اللغوية، فلو جعل مبتدأ لزم المراد اعتبار (سبحان الله وبحمده) كلمة، و (سبحان الله العظيم) كلمة بالمجموع كما يصح أن يعبر عنه بكلمة، كذلك يصح أن أعني: (سبحان الله وبحمده) و (سبحان الله العظيم) مما يستقل ذكرًا تامًّا، ويفرد بالقصد إليه، وبقوله، اعتبر كلمة، وعبر عنها بكلمتين، على أن ما ذكره غير لازم على تقدير جعل (سبحان الله) الخبر، كما هو لازم على تقدير جعله مبتدأ، لأنه كما لا يصح أن يخبر عما هو بكلمة بأنه كلمتان، كذلك لا يخبر عما هو كلمتان بما هو كلمة. فإن الحاصل على تقدير كون (كلمتان) المبتدأ، أن الكلمتين (اللتين) هما: كذا وكذا، هما الكلمة التي هي: (سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم). وبجوابنا اندفع عن الشقين، لا بما قيل في جوابه أن (سبحان الله ...) الخ، تضمن عطفًا فيقوم مقام المعدد، ويخبر عنه بكلمتين، وهذا إن أريد به الكائن في (وبحمده) فهو على تقدير كونه خبرًا محضًا، وإلا فإن جعل (سبحان الله) نقل إلى الإنشاء، وإن كان

стр. 868

إخبارًا، صيغ كصيغة العقود، كبعث، و (بحمده) مع متعلقة خبرًا لم يكن عطفًا عليه، لأن إنشاء على تقدير حذف المضاف، أي: العاطف، أي: (وسبحان الله)، وهو قليل، ومختلف فيه. وعلى تقدير صحتهما لا يندفع السؤال، فإن السائل قال: المراد بالكلمة اللغوية. فالمجموع من (سبحان الله ... الخ) آخر لكل كلمة، ومعلوم أن وجود العطف في أثناء الكثير، لا يمنع من إطلاق لفظ كلمة عليه. أترى قولنا: له كلمة شاعر، يعنون القصيدة، لا يصح إلا أن يكون قصيدة لم يقع في مجموعها عطف؟ أنى يكون هذا! وحينئذ فالمجموع من المتعاطفين كلمة، فلا يخبر عنه بأنه كلمتان، ويعود السؤال، فلا يفيد إلا أن يعود إلى جواب الفقير إن شاء الله تعالى. ومنها أن جعل المبتدأ (سبحان الله .. الخ) يفوت نكتة، وهي إرادة حصر الخبر في المبتدأ، وأنت لا يخفى عنك أن الحصر إما أن يكون بالأداة، أو بتقديم الخبر أو المعمول، والتقديم إنما هو في جعل (سبحان الله وبحمده) المبتدأ، وكلمتان الخبر، فيصير من قبيل: تميمي أنا، لا في جعل (كلمتان) المبتدأ، و (سبحان الله) الخبر، وهو مراده، إذ لا تقديم فيه، وإذا لم يكن تقديم، فإنما يجيء الحصر في المعرف بلام الجنس للاستغراق لزومًا عقليًا كقولنا: العالم زيد، إذا جعلنا (العالم) مبتدأ، واليمين على المدّعى عليه، فيفيد أنه لا يمين على غيره، بسبب جعل الكل عليه، لأنه ليس وراء الكل شيء. وكأنه ذهب عليه أن المذكور في الحديث: الكلمتان الخفيفتان الحبيبتان: سبحان الله .. الخ. وليس بمثله بعجيب على الإنسان، كما ذهب على الذاهب بجوابي ليرى غلطه، وأني جعلت كون الفائدة في جعل (سبحان الله) مبتدأ، باعتبار

стр. 869

وصف الخبر لا نفسه وجهًا كرد ابتدائية (سبحان الله .. الخ)، ما ورد عليه لزوم عدم صحة: زيد رجل صالح، وأنا لست من هذا، وإنما جعلته، كما هو صريح في كتابي وجه مرجوحيته، وأولوية كونه خبرًا فليرجع إلى نظر الكتابة، غير أن النفس إذا ملئت بقصد الرد، يقع لها نحو هذا السهو في الحس. وإذا كان المذكور في الحديث (كلمتان) بلا تعريف جنس استغراقي لم يكن حصر، بل المراد الإخبار (سبحان الله وبحمده .. الخ) عن الكلمتين الموصوفتين، كما ارتضاه الكاتبون، وجعله العبد الضعيف أولى الوجهين، أو عن (سبحان الله وبحمده) بأنهما حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، والمعنى: أن اللفظ الذي عهدتموه وتقولونه: وهو (سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) له من المقدار عند الله أنهما كلمتان ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن. ولا يخفى أنه لم يرد مطلق ثقل ما ومحبة ما، لأن ذلك معلوم للمؤمنين، غير مجهول لهم في كل ذكر لله، هذا وغيره أنه كذلك، فلو أريد ذلك لم يكف الجملة الخبرية كلها مجددة فائدة عند السامعين، سواء جعلت (سبحان الله) مبتدأ، أو خبرًا بل هي حينئذ بمنزلة: النار حارة، ونحوه، ومثله يجب صون كلام البلغاء عنه. فكيف بالنبي ﷺ ، سواء جعلت زيادة الفائدة شرطًا لكون الجملة كلامًا، أو لم تجعله، فإن الذي لا يشترطه لا يقول إنه قد حصل فائدة زائدة، إلا أنه لا يشترطها في مسمى الكلام اصطلاحًا، وحينئذ وجب كون المراد زيادة ثقل وزيادة محبة، مما يلزم علم كل مؤمن يعلم أن للذكر ثوابًا. وإذن ظهر أن كلاًّ من (ثقيلتان حبيبتان) و (سبحان الله وبحمده) يصلح محطّ فائدة تكون بها خبرًا، ويزداد جعل (سبحان الله) مبتدأ قدم خبره بنكتة بلاغية، لأجلها قدم الخبر، وهي التشويق إلى المبتدأ، وكلما طال الخبر حسن هذا النوع، لأنه كلما أطال

стр. 870

الحديث بذكر الأوصاف، ازداد الشوق إلى المحدث عنه بها، كما هو في الحديث الكريم، حيث قال: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن). فإن النفس كثر شوقها بذلك إلى سماع المحدَّث عنه بها، فلم يجئ (سبحان وبحمده سبحان الله العظيم)، إلا والنفس في غاية الشوق إلى سماعه، فهو مثل قوله: ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر وهذا ما ذكره السلف الذين أعربوا (سبحان الله) مبتدأ، ولم يرتضِ من وجّه سمعَه من أهل عصرنا بمثل ما أسمعتك، وأستغفر الله من شغلي سمعك بمثله، ولولا ما فيه من كون محط الفائدة فيه يكون باعتبار الوصف الخبر كما أسلفته في الجواب، لكان أولى من جعل (كلمتان) مبتدأ. وعسى أن يكون رجوعي عنه أولى لأن مراعاة مثل هذه النكتة البلاغية هو الظاهر من تقديم الخبر حينئذ، فلا يعدل عنه بعد ظهور بطلان انحصار محطّ الفائدة في (سبحان الله) [وبهذا تم ما يتعلق بالحديث. بقي أنه وقع في نفي كون (سبحان الله)] إذا أريد لفظه معرفة، لأن المعارف أنواعها محصورة، وليس هو منها، كما هو مسطور في أصل جوابي، فارجع إليه. ثم قلت: فإن ادعى أنه يكون من قبيل العلم بناء على أن كل لفظ وضع ليدل على نفسه، كما وضع ليدل على غيره، فليعلم أنه على تقدير صحة هذه الدعوى، لم يعط بهذا الوضع حكم الوضع لغيره. وكذا صرح بأنه لا يصيّر كل لفظ مشتركًا، وهو لازم من وضع كل لفظ ليدل على نفسه، ووضع ليدل على غيره، فاعترض ذلك الأخ عليه بأنه من قبيل العلم.

стр. 871

قال الرضي: وهو عندهم من قبيل المنقول، لأنه نقل من مدلول هو معنى إلى مدلول اللفظ، ولا يخفى عليك أن حاصل هذا الاعتراض لم يزد على نسبة ما ذكرت أنه مما يقال. وخفي عليه أنني أنقله عن خلق، غير أن لي فيه بحثًا مكتتبًا من نحو عشرين سنة، مع القائلين به، فبناء عليه ذكرت. وحاصل ذلك البحث كتبته عند نقل المحققين قول ابن الحاجب في المنتهى: أكثر ما يطلق اللفظ على مدلول مغاير، وقد يطلق والمراد اللفظ، نحو: زيد مبتدأ، و (ز ي د) لأنهم لو وضعوا له أدى إلى (سيب التسلسل، ولو سلم فنفسه أولى، يعني لو سلم التسلسل أن لا يلزم) التسلسل لو وضعوا له، فإذا أمكن أن يطلق والمراد به نفسه كان أولى. انتهى. وذكر هنا أن موضوع فخلق لي فيه هذا، وهو أن الحاجة هنا ليست إلا مجرد التعبير عن اللفظ، وقد حصل بنفسه، فإن أمكن بطريق المجاز كان أولى، لأنه بطريق الوضع يثبت به معنى الاشتراك، والمجاز خير منه. ويناقش هذا بأنا إذا قلنا: زيد كذا وكذا، قبل ذلك الخبر يبادر إرادة معنى غير لفظ، إلى أن يذكر المسند، فيرى غير صالح إلا للفظ فيحكم به حينئذ للقرينة الملازمة للمسند، فتبادر معنى على التعيين من مجرد الإطلاق ظاهر في عدم تعدد الوضع للمعاني المتعددة، لأن لازم ذلك بحسب الأصل والغالب التردد والتوقف. وقد أمكن جعله مجازًا علاقة الاشتراك في الصورة، فيكون كإطلاق لفظ الفرس عل المثال المنقوش في الحائظ، فبناء على بحثي هذا معهم، قلت في أصل جوابي:

стр. 872

فليعلم أنه على تقدير صحة هذه الدعوى، يعني لو تنزلنا عن هذا وقلنا إنه وضع لنفسه لا يوصف باعتبار هذا الوضع (أي: الدعوى)، بكونه معرفة ولا نكرة، بل الألقاب الاصطلاحية إنما يوصف بها اللفظ باعتبار الوضع للمعنى المغاير، لأن ذلك الوضع هو القصدي، وأما هذا الوضع فقد صرح بأنه لا يكون اللفظ به مشتركًا، فلما تعدد الوضع للمعاني المحتملة، ولم يكن مشتركًا علم أنه لم يعتبر في إطلاق الألقاب الاصطلاحية، إلا الوضع القصدي. ثم هذا لا ينفي تعين المعنى والعلم به، لأن المنفي الوصف الاصطلاحي، وهو لا يقتضي عدم تعيين المعنى، أرأيت لو لم يسم كل نوع باسم خاص أصلاً، كما كان عند العرب قبل حدوث الاصطلاح، أما ما كان يصح مبتدأ فكان، ولذا جعلنا (سبحان الله) مرادًا مجرد لفظه مبتدأ مع نفي الحكم عليه بأنه معرفة ولا نكرة، كما ذكرنا، لأن صحة الابتدائية، والحديث محدث عنه إنما يقتضي تعيين معناه كليًّا، كان ذلك المفهوم أو جزئيًّا لا تسمية. وكم نكرة يتعين معناها في الاستعمال، فتصير كمعنى المعرفة، لا يتفاوتان إلا في أصل الوضع، والله أعلم. ١٢١١ - حديث: "خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال يوم الأحد .. الحديث ". قال ابن الحاجب في أماليه: قولهم: (خلق الله السموات)، من قال: إن الخلق هو المخلوق، فواجب أن يكون (السموات) مفعولاً مطلقًا، لبيان النوع. إذ حقيقة

стр. 873

المصدر المسمى بالمفعول المطلق: أن يكون اسمًا لما دل عليه فعل الافعل المذكور. وهذا كذلك، لأنه بناء على أن الخلق هو المخلوق، فلا فرق بين قولك: خلق الله خلقًا، وبين قولك: (خلق الله السموات) إلا ما في الأول من الإطلاق، وفي الثاني من التخصيص، فهو مثل قولك: قعدت قعودًا، وقعدت القرفصاء، فإن أحدهما للتأكيد، والثاني لبيان النوع، وإن استويا في حقيقة المصدرية، وهذا أمر مقطوع به، بعد إثبات أن المخلوق هو الخلق. ومن قال: إن المخلوق غير الخلق، وإنما هو متعلق الخلق، وجب أن يقول: إن (السموات) مفعول به، مثله في قولك: ضربت زيدًا، ولكنه غير مستقيم، لأنه لا يستقيم أن يكون المخلوق متعلق الخلق، لأنه لو كان متعلقًا له، لم يخل أن يكون المتعلق قديمًا أو مخلوقًا، فإن كان مخلوقًا تسلسل وكان باطلاً، وإن كان قديمًا فباطل، لأنه لم يجب أن يكون متعلقه معه، إذ خلق ولا مخلوق محال، فيؤدي إلى أن تكون المخلوقات أزلية، وهو باطل، فصار القول بأن الخلق غير المخلوق يلزم منه محال، وإذا كان اللازم محالاً فملزومه كذلك، فثبت أن الخلق هو المخلوق. وإنما جاء الوهم لهذه الطائفة من جهة أنهم لم يعهدوا في الشاهد مصدرًا إلا وهو غير جسم، فتوهموا أنه لا مصدر إلا كذلك، فلما جاءت هذه أجسامًا، استبعدوا مصدريتها لذلك، ورأوا تعلق الفعل فحملوه على المفعول به. ولو نظروا حق النظر لعلموا أن الله تعالى يفعل الأجسام، كما يفعل الأعراض،

стр. 874

فنسبتها الى خلقه واحدة، فإذا كان كذلك وكان معنى المصدر ما ذكرناه، وجب أن تكون مصادر، وليست هذه المسألة وحدها بالتي حملوا فيها أمر الغائب على الشاهد. بل أكثر مسائلهم التي يخالفون فيها، كمسألة الرؤية، وعذاب القبر، وأشباههما. انتهى كلام ابن الحاجب. وقال الشيخ جمال الدين بن هشام: وقد سبق ابن الحاجب إلى هذا القول الشيخ عبد القاهر، فقال: إن انتصاب (الزمان) في قولهم: خلق الله الزمان، على أنه مفعول مطلق، لا على أنه مفعول به، وهذا هو التحقيق، لأن حقيقة المفعول به ما أوقعت به كقولك: ضربت زيدًا، فهذا يستدعي أن يكون ذلك الشيء موجودًا أولاً، ثم توقع أنت به الفعل، ولهذا سميته مفعولاً به، أي: فعل به فعل. وحقيقة المفعول المطلق أنه الشيء الذي أوجده الفاعل كضربت ضربًا، فإن الضرب هو عين ما أوجد بك، ومن ثم سمي مفعولاً مطلقًا، لأنك تطلق عليه قولك مفعولك مفعول ولا يحتاج أن تقول: به، ولا فيه، ولا نحو ذلك من القيود، انتهى. ١٢١٢ - حديث: "إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه عليه ". قال الزمخشري في الفائق: (ما) مبتدأ، و (يدري) معلق عنه لتضمنه معنى الاستفهام. قوله: (ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي). قال جماعة من المتأخرين: يستدل بهذا على أن متعلق البسملة يقدر فعلاً ماضيًا

стр. 875

مؤخرًا مناسبًا، لما جعلت التسمية مبتدأ له، لما جنح إليه صاحب الكشاف، فيقدر في (باسم الله) عند القراءة: أقرأ، وعند السفر: أرتحل، لا كما قال البصريون: إنه يقدر: ابتدائي كائن باسم الله. قوله: (وبك أرفعه). قال الشيخ تقي الدين السبكي: فكرت في ذلك عند الاضطجاع، فأردت أن أقول: إن شاء الله، في (أرفعه)، لقوله تعالى: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) [الكهف: ٢٣ - ٢٤] ثم قلت في نفسي: إن ذلك لم يرد في الحديث في هذا الذكر المقول عند النوم، ولو كان مشروعاً لذكره النبي ﷺ ، الذي أوتي جوامع الكلم. فتطلبت فرقاً بينه وبين كل ما يخبر به الإنسان من الأمور المستقبلة المستحب فيها ذكر المشيئة. ولا يقال: إن (أرفعه) حال، وليس بمستقبل لأمرين: أحدهما: أن لفظه وإن كان كذلك، لكنا نعلم أن رفع جنب المضطجع ليس حال اضطجاعه. والثاني: أن استحباب المشيئة عام فيما ليس بمعلوم الحال أو المضي. وظهر لي أن الأولى الاقتصار على الوارد في الحديث في الذكر عند النوم بغير زيادة، وأن ذلك ينبه على قاعدة يفرق بها بين تقدم الفعل على الجار والمجرور، وتأخره عنه، فإنك إذا قلت: أرفع جنبي باسم الله، كان المعنى الإخبار الرفع، وهو عمدة الكلام، وجاء الجار والمجرور بعد ذلك تكملة ذلك. وإذا قلت: باسم الله أرفع جنبي، كان المعنى الإخبار بأن الرفع كائن باسم

стр. 876

الله وهو عمدة الكلام. فافهم هذا السر اللطيف، وتأمله في جميع موارد كلام العربية، تجده يظهر لك شرف كلام المصطفى ﷺ ، وملازمة المحافظة على الأذكار المأثورة عنه، وإياك أن تنظر إلى الإطلاق أن الجار والمجرور فضلة في الكلام، وتأخذه على الإطلاق، بل تأمل موارد تقدمه وتأخره في الكتاب والسنة، وكلام الفصحاء، وتفهم هذه القاعدة الجليلة التي يفهم منها اللفظ والمعنى. واعلم أنه لا بد من المحافظة على قواعد العربية، وعلى فهم معنى كلام العرب ومقاصدها، وقواعد العربية تقتضي أن الجار والمجرور فضلة في الكلام لا عمدة، وأن الفعل هو المخبر به والاسم هو المخبر عنه، فهذا أصل الكلام ووضعه، ثم قد يكون ذلك مقصود المتكلم، وقد لا يكون على هذه الصورة، فإنه قد يكون المخبر عنه والمخبر به معلومين أو كالمعلومين، ويكون محط الفائدة، في كونه على الصفة المستفادة من الجار والمجرور، كما نحن فيه، فإن المضطجع ووضع جنبه معلوم، ورفعه كالمعلوم. وإنما قلنا كالمعلوم ولم نقل: معلوم، لأنه قد يموت، انتهى. قوله: (فاحفظها بما تحفظ به الصالحين). قال الطيبي: الباء مثلها في: كتبت بالقلم، و (ما) موصولة مبهمة، وبيانها ما دل عليه صلتها. ١٢١٣ - حديث: "لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار ".

стр. 877

قال الطيبي: قوله: (لا يشير) خبر في معنى النهي. وقوله: (لعل الشيطان) مفعول (يدري)، ويجوز أن يكون (يدري) نازلاً منزلة اللازم، فنفى الدراية عنه رأسًا، ثم استأنف بقوله: (لعل). وقوله: (في يده) حال من الضمير في (ينزع) معناه: يرمي به كائنًا في يده. والفاء في قوله: (فيقع) فصيحة. ١٢١٤ - حديث: "صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر، ونساء كاسيات عاريات ". قال الطيبي: (صنفان) مبتدأ، و (لم أرهما) خبره. وقوله: (قوم) و (نساء) بيان أو بدل لقوله: (صنفان) وما بعدهما صفات لهما. وذكر قوله: (لا يدخلن الجنة) صفة للنساء، ولم يذكر للرجال مثلها، اختصارًا وإيجازًا. وقوله: (كاسيات عاريات) أثبت لهن الكسوة ثم نفاها، لأن حقيقة الاكتساء ستر العورة، فإذا لم يتحقق الستر فكأنه لا اكتساء، ومنه قول الشاعر: خلقوا وما خلقوا لمكرمة ... فكأنهم خلقوا وما خلقوا رزقوا وما رزقوا سماح يد ... فكأنهم رزقوا وما رزقوا ١٢١٥ - حديث: "رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر أحدُهما أو كلاهما، فلم يدخل الجنة ".

стр. 878

قال الطيبي: قوله: (عند الكبر) بالإضافة، و (أحدهما أو كلاهما) مرفوعان، وروى: (عنده) بالهاء، و (كليهما) بالنصب، وعلى الرواية الأولى: (عند الكبر) ظرف في موضع الحال، برفع ما بعده، فـ (أحدهما) مرفوع بالظرف، و (كلاهما) معطوف على (أحدهما). وقال الأشرفي: يجوز أن يكون (أحدهما) خبر المبتدأ المحذوف، أي: مدرك أحدهما. فإن من أدرك شيئًا فقد أدركه الشيء. وهذه الجملة بيان لقوله: (من أدرك أبويه). ١٢١٦ - حديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ". قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس في التعليقة: هو من باب: أكثر شربي السويقَ مَلتوتًا، وأخطبُ ما يكون الأمير قائمًا، فـ (أكثر) و (أخطب) مبتدأ، وأفعل التفضيل مضاف إلى ما بعده، وهو في (أكثر) مضاف إلى صريح المصدر، وفي (أخطب) مضاف إلى (ما) بعده. وهو في (أخطب) مضاف إلى ما يكون، وهو مؤول بالمصدر، تقديره: كون الأمير، وفي إضافة (أخطب) إلى الكون، نوع تجوّز، لأن أفعل لا يضاف إلا إلى ما هو بعضه، وليس الخطابة بعض الكون، فقدروا لذلك حذف مضاف، أي: أخطب أوقات كون الأمير، وليست الخطابة أيضًا بعض الأوقات، لكن لما كانت لا تقع إلا في الأوقات جازت إضافتها إليها، كما في قوله تعالى: (بل مكر الليل والنهار) [سبأ: ٣٣] لما كان المكر واقعًا فيهما.

стр. 879

ومن النحاة من أعرب (أكثر) وأخطب (فاعلاً) بفعل مضمر تقديره: يقع، أو ثبت. والذين قالوا: بأنه مبتدأ، اختلفوا: هل يحتاج إلى تقدير خبر أم لا؟، فقال بعضهم: ليس ثم تقدير خبر لوقوع المبتدأ هنا موقع الفعل، كما في قولهم: أقائم الزيدان؟. وقال الكسائي وهشام والفراء وابن كيسان: إنّ (قائمًا) و (ملتوتًا) حال، وهي بنفسها خبر لا سادة مسده. ثم قال الثلاثة الأولون: إنما نصب على الحال، وإن كان خبرًا لما لم يكن المبتدا. ألا ترى: أن الملتوت هو السويق لا لا الشرب، والقائم هو الأمير لا الكون. فلما كان خلاف المبتدأ انتصب على الخلاف، لأن الخلاف عندهم يوجب النصب. وقال ابن كيسان: إنما أغنت الحال عن الخبر لشبهها بالظرف، والذين قالوا بتقدير خبر اختلفوا في كيفية تقديره، ومكانه، فذهب البصريون في المشهور عنهم إلى تقديره قبل ملتوت وقائم، واختلفوا في كيفيته، فقال الأكثرون: تقديره: إذ كان قائمًا، إن أردت الماضي، وإن كان قائمًا، إن أردت المستقبل. وقال بعضهم: تقديره بعد قائم، والتقدير: ثابت أو موجود، أو ما أشبه ذلك، و (قائمًا) عندهم حال من الأمير سادّة مسد الخبر، والعامل فيها المبتدأ. وقال ابن خروف: مذهب سيبويه أن الحال لا يسد مسد الخبر إلا إذا كانت منصوبة مع صلاحية المعنى. وإذا كانت فعلاً، أو بالواو، فلا. وجوز الأخفش ما أجازه سيبويه، وإذا كانت فعلاً، وأجاز الفراء ما أجازا، وإذا كانت بالواو.

стр. 880

ونقل ابن مالك: أن مذهب الفراء منع وقوع الحال المذكورة فعلاً فرارًا من كثرة مخالفة الأصل، لأن سدّ الحال مسدّ الخبر خلاف الأصل، (ووقوع الفعل موقع الحال خلاف الأصل) فتكثر المخالفة، وما ذكره موجود في الجملة الاسمية، وقد جوزه. وذكر ابن عصفور أن الذي يمنعه الفراء، الفعل المضارع المرفوع، وعلله بأن النصب كالذي في لفظ المفرد عوض من التصريح بالشرط، والمستقبل المرفوع ليس في لفظه ما يكشف مذهب الشرط. قال ابن النحاس: وهذا يقتضي أن يمنع الفراء أيضًا الجملة الاسمية، لأنها لا يظهر في لفظها النصب أيضًا. وشاهد مجيء الحال جملة اسمية هذا الحديث، وهو قوله ﷺ : (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد). وقول الشاعر: خير اقترابي من المولى حليف رضا ... وشر بعدي عنه وهو غضبان انتهى. وقال الرضي: إذا كانت الحال المذكورة جملة اسمية، فعند غير الكسائي يجب معها واو الحال، نحو: ضربي زيدًا وعبدُ الله قائم. قال النبي ﷺ : " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد "، إذ الحال فضلة، وقد وقعت موقع العمدة، فيجب معها علامة الحالية، إذ كل واقع غير موقعه ينكر. وجوز الكسائي تجردها عن الواو، لوقوعها موقع خبر المبتدأ، فتقول: ضربي زيدًا أبوه قائمٌ، كما في قوله: كلمته فوه إلى فيّ.
следующие страницы →