← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14299

عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد - ت القضاة

الجلال السيوطي

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وعلى هذا فإذا قلت تسعين، فعلامة النصب فيه هي فتحة النون وانحذف للإضافة التنوين من تسعين، ومائة منصوب بدلاً من تسعين. قال: وروي مائة إلا واحدة، فأنّث الاسم لأنه كلمة لأن الاسم بمعنى التسمية كما زعم بعضهم. قال سيبويه: الكلمة اسم وفعل وحرف، فجعل الاسم كلمة ولا يكون الاسم بمعنى التسمية أبدًا. وقال الطيبي: أنّث واحدة ذهابًا إلى معنى التسمية أو الصفة أو الكلمة. قال: وقوله: (هو الله) مبتدأ وخبر. (الذي لا إله إلا هو) صفته، و (الرحمن) إلى آخره خبر بعد خبر، والجملة مستأنفة، والضمير، إما للأسماء وذكره نظرًا إلى الخبر، وإما المسمى الدال عليه قول (الله)، وإما للشأن، فعلى هذا (الله) مبتدأ، و (الذي لا إله إلا هو) خبر، والجملة خبر الأول، ويجوز أن يكون الرحمن خبره، والموصول مع الصلة صفة (الله). ١٢٥٢ - حديث: "استوصوا بالنساء خيرًا ". قال أبو البقاء: المعنى: أوصيكم بالرفق بهن، فاستوصوا، أي: اقبلوا وصيتي، فعلى هذا في نصب (خيرًا) وجهان، أحدهما: هو مفعول استوصوا، لأن المعنى: افعلوا بهن خيرًا. والثاني: معناه اقبلوا وصيتي، وائتوا في ذلك خيرًا، فهو منصوب بفعل محذوف

стр. 912

كقوله تعالى: (ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم) [النساء: ١٧١]، أي انتهوا عن ذلك وائتوا خيرًا لكم. قال: ونظيره قوله في حديث يعلى: استوص به معروفًا كما وصيت: (هو مفعول به على تقدير افعل به معروفًا)، ويجوز أن يكون نعتًا لمصدر محذوف، أي استيصاء معروفًا. وقال الكرماني: أي تواصوا أيها الرجال في حق النساء بالخير. ويجوز أن تكون الباء للتعدية والاستفعال بمعنى الإفعال، نحو الاستجابة. وقال البيضاوي: الاستيصاء قبول الوصية، والمعنى أوصيكم بهن خيرًا، فاقبلوا وصيتي فيهنّ. وقال الطيبي: الأظهر أن السين للطلب مبالغة، أي اطلبوا الوصية من أنفسكم في حقهن بخير، ويجوز أن يكون من الخطاب العام، أي ليستوص بعضكم من بعض في حقهن. قوله: (وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه)، قال الكرماني: فإنْ قلت: العوج من العيوب فكيف يصح منه أفعل التفضيل، قلت: إنه أفعل الصفة، أو إنه شاذ، أو الامتناع عند الالتباس بالصفة، فحيث تميز عنه بالقرينة جاز البناء منه. ١٢٥٣ - حديث: "منزلنا إذا فتح الله الخيفُ إن شاء الله ".

стр. 913

قال القرطبي: (الخيف)، مرفوع على أنه خبر المبتدأ الذي هو منزلنا، ومفعول (فتح) محذوف تقديره: إذا فتح الله السير إلى مكة. ١٢٥٤ - حديث: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن ائتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة ". قال الحافظ زين الدين العراقي في شرح الترمذي: المشهور في الرواية: رفع السكينة على أن قوله: (وعليكم السكينة) جملة في موضع الحال. قال صاحب المفهم: إنه نصب على الإغراء أي: الزموا السكينة. وقال الطيبي: قوله: (وأنتم تسعون)، حال من ضمير الفاعل، وهو أبلغ في النهي من: لا تسعوا. والفاء في قوله: (فما أدركتم)، جواب شرط محذوف أي: إذا أتيتم ما هو أولى بكم فما أدركتم فصلوا. ١٢٥٥ - حديث: "إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكُهم ".

стр. 914

قال النووي: روي على وجهين رفع الكاف وفتحها، والرفع أشهر، ومعناه: أشدّهم هلاكًا. وأما رواية الفتح فمعناها: هو جعلهم هالكين لا أنهم هلكوا في الحقيقة. ١٢٥٦ - حديث: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ". قال الشيخ أكمل الدين: (ما) بمعنى المدة، أي مدة كون العبد في عون أخيه. ووضع المظهر موضع المضمر، إيذانًا بأن كون الرجل في عون أخيه عبودية تعبّد بها الربَّ، فإذا كان في موضع المضمر يجوز أن تكون (ما) موصولة، وتقديره: والله في عون العبد الذي كان في عون أخيه. ويجوز أن تكون زائدة، وتقديره: والله في عون العبد الذي هو في عون أخيه. ١٢٥٧ - حديث: "نعم المُنيحة اللِّقْحَةُ منيحةً " قال أبو البقاء: (المنيحة) واللقحة: هي المخصوصة بالمدح، و " منيحة " منصوب على التمييز توكيدًا، ومثله:

стр. 915

فنعم الزادُ زادُ أبيك زادا وقوله: (والشاةُ الصَّفِيُّ) معطوف على اللقحة. وقال الطيبي: قوله (تغدو) صفة لـ (منيحة)، إما تمييز أي: مميزة عن الملبنة المطلقة، أو صفة مدح وهو أرجح الوجهين، لقوله: (نعم). وقوله: (بإناء)، إما خبر (تغدو) أو حال، إذا كانت ناقصة، أي: تغدو ملتبسة بملء إناء. وقال الكرماني: لم تدخل التاء على الصفي لأنها إما فعيل أو فعول، يستوي فيه المذكر والمؤنث. وقال ابن مالك: تضمن هذا الحديث وقوع التمييز بعد فاعل (نعم) ظاهرًا، وهو مما منعه سيبويه، فإنه لا يجيز أن يقع التمييز بعد فاعل نِعْمَ وبئس إلا إذا أضمر الفاعل كقوله تعالى: (بئس للظالمين بدلاً) [الكهف: ٥٠]. وأجاز المبرد وقوعه بعد الفاعل الظاهر، وهو الصحيح، ومن نمع وقوعه بعد الفاعل الظاهر يقول: إن التمييز فائدة المجيء به رفع الإبهام ولا إبهام إلا بعد الإضمار فتعيّن تركه مع الإظهار. وهذا الكلام تلفيق عارٍ من التحقيق، فإن التمييز بعد الفاعل الظاهر وإن لم يرفع

стр. 916

إبهامًا، فإن التوكيد به حاصل فيسوغ استعماله، كما ساغ استعمال الحال مؤكدة نحو: (ولى مدبرًا) [النمل:١٠]، و (يوم أبعث حيا) [مريم: ٣٣]، مع أن الأصل فيها أن تبين كيفية مجهولة، فكذا التمييز أصله أن يرفع به إبهام، نحو: له عشرون درهمًا، ثم يجاء به بعد ارتفاع الإبهام قصدًا للتوكيد، نحو: عندي من الدراهم عشرون درهمًا، ومنه قوله تعالى: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا) [التوبة: ٣٦]. وقول أبي طالب: ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا فلو لم ينقل التوكيد بالتمييز بعد إظهار فاعل "نعم" و"بئس" لساغ استعماله قياسًا على التوكيد به مع غيرهما. فكيف وقد صح نقله، وقرر فرعه وأصله. ومنه قول امرأة عبد الله بن عمر تعنيه: (نعم الرجل من رجلٍ لم يطأ لنا فراشًا ولم يغش لنا كنفًا). ومن شواهد الموافقة للحديثين المذكورين، قول جرير: تزود مثل زاد أبيك فينا ... فنعم الزاد زاد أبيك زادا

стр. 917

وقوله: والتغلبيون بئس الفحل فحلهم ... فحلا وأمهم زلاء منطيق وقول الآخر: نعم الفتاة فتاة هند لو بذلت ... رد التحية نطقًا أو بايماء ١٢٥٨ - حديث: "ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة ". قال أبو البقاء: (ما) هنا استفهام بمعنى التعظيم، وهو في موضع نصب (بلقيت). أي: أي شيء لقيت. فما ههنا، مثل قوله تعالى: (ما أصحاب اليمين) [الواقعة: ٢٧] و (ما القارعة) [القارعة: ٢]. قال الطيبي: يجوز أن تكون للتعجب، أي أمرًا عظيمًا. وأن تكون موصولة والخبر محذوفًا، أي الذي لقيت لم أصفه لشدته. ١٢٥٩ - حديث: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق

стр. 918

الإبل ببُصرى". قال أبو البقاء: (أعناق) بالنصب، و (تضيء) هنا متعدّ، والفاعل النار، أي: أن تجعل على أعناق الإبل ضوءًا. قال الشاعر: أضاءت لنا النار وجهًا أغرَّ ... ملتبسًا بالفؤاد التباسا ولو روي بالرفع، لكان له وجه. أي: تضيء أعناق الإبل به، كما جاء في الحديث الآخر: (أضاءت له قصور الشام). ١٢٦٠ - حديث: "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد بكل عقدة يضرب عليك ليلاً طويلاً ". قال أبو البقاء: (ليلاً)، مفعول (يضرب) كأنه قال: يصير وهو مثل قوله

стр. 919

تعالى: (فضربنا على آذانهم)، أي: أنمناهم. ويجوز أن يكون ظرفًا، لأن يضرب بمعنى ينيم. أي: ينيمك في ليل طويل. وقال القاضي عياض: رواية الأكثر عند مسلم بالنصب على الإغراء ومن رفع (عليك ليل طويل)، فعلى الابتداء والخبر أو بإضمار فعل، أي: بقي عليك. وقال القرطبي: الرفع أولى من جهة المعنى، لأنه أمكن في الغرور من حيث إنه يخبره عن طول الليل ثم يأمره بالرقاد بقوله فارقد. وحينئذ يكون قوله فارقد سائغًا. وقال الكرماني: (ليل) مبتدأ، وعليك: خبره، أي: باق عليك، أو فاعل فعل محذوف، أي: بقي عليك ليل، والجملة مقول القول محذوف، أي: يضرب كل عقده قائلاً هذا الكلام. وقال الطيبي: (عليك) إما خبر (ليل) أي: ليل طويل باق عليك، أو إغراء، أي: عليك بالنوم أمامك ليل. فالكلام جملتان والثانية كالتعليل للأولى. ١٢٦١ - حديث: "من أفطر يوماً من رمضان في غير رخصة رخصها الله له، فلن يقبل منه الدهر كله ". قال أبو البقاء: يجوز فيه الرفع على تقدير: لن يقبل منه صوم الدهر، فحذف

стр. 920

المضاف كقوله تعالى: (الحج أشهر معلومات) [البقرة: ١٩٧] أي حج أشهر معلومات. والنصب على تقدير: فلن يقبل منه الصوم الدهر، فهو منصوب على الظرف. ١٢٦٢ - حديث: "سمع سامع بحمد الله وحسن بلائه علينا. ربنا صاحبنا، وأفْضِل علينا. عائذًا بالله من النار ربَّنا ". قال أبو البقاء: أي: ربنا، وهذا القول هو الذي سمعه سامع، و (صاحبنا) سؤال، (وعائذًا بالله) يجوز أن يكون مصدرًا على فاعل كما قالوا: العافية والعقبة، فكأنه قال: أعوذ بالله عياذًا. ويجوز أن يكون اسم فاعل حالاً، أي تقول ذلك عائذًا بالله. وقال النووي: روي بالوجهين، فتح الميم وتشديدها وكسرها مع التخفيف، وهو أمر بلفظ الخبر. وحقيقته ليسمع السامع. قال الطيبي: إذا روي (سمع) بالتشديد، قالوا وفي (حسن بلائه) العطف. وإذا روي بالتخفيف تكون بمعنى مع، لأن حسن البلاء، غير مسمع بل هو مبلغ، وكلاهما قريب من خطاب العام. وقال البيضاوي: (عائذًا) نصب على المصدر، أي: أعوذ عياذًا، أقيم اسم الفاعل مقام المصدر، كما في قولهم: قم قائمًا، أو على الحال من الضمير المرفوع في (يقول) أو (أستجير) ويكون من كلام الراوي.

стр. 921

قال الطيبي: يريد أن (عائذًا) إذا كان مصدرًا، يكون من كلام الرسول ﷺ ، وإذا كان حالاً كان من كلام الراوي. قال: وجوز النووي أن يكون حالاً من كلام الرسول، حيث قال: أي أقول هذا في حال استعاذتي، واستجارتي من النار. قال الطيبي: والأرجح هذا؛ لئلا يلزم خرم النظم، وذكر ابن الأثير في النهاية: أنه روي بالرفع، أي أنا عائذ. ١٢٦٣ - حديث: "سبعة يظلهم الله في ظله – قوله: وشاب نشا في عبادة الله ". قال النووي: أي نشأ ملتبسًا بها، ومصاحبًا لها أو ملتصقًا بها. وقال القرطبي: هي باء المصاحبة. قال: ويحتمل أن يكون بمعنى "في" كما يكون (في) بمعنى الباء. (ورجل قلبه معلق بالمساجد). قال الكرماني أي: بالمساجد وحروف الجر بعضها يقوم مقام بعض. قوله: (رجلان تحابا في الله)، قال الكرماني: كلمة (في) قد تجيء للسببية كما ورد في الحديث: (في النفس مائة من الإبل) أي بسبب قتل النفس.

стр. 922

قال: وقوله: (واجتمعا عليه)، أي على حبّ الله، يعني كأن سبب اجتماعهما حب الله، واستمرّا عليه حتى تفرقا من مجلسهما، فإن قلت: التفاعل هو الإظهار أنّ أصل الفعل حاصل له وهو منتف ولا يريد حصوله نحو تجاهلت. قلت: قد تجيء لغير ذلك، نحو باعدته فابتعد. قوله: (ورجل تصدق أخفى) قال الزركشي: كذا (أخفى) فعل ماض، وضبطه الآمدي (إخفاء) بكسر الهمزة ممدودًا مصدرًا وهو نعت لمصدر محذوف، أي صدقة إخفاء أو حال: أي مخفيًا. وقال الكرماني: (أخفى) بلفظ الماضي، وهو جملة حالية بتقدير (قد) وبلفظ المصدر، أي مخفيًا. وقوله: (حتى لا تعلم شمالُه) بالرفع، نحو: مرض حتى لا يرجونه، وبالنصب نحو: سرت حتى تغيبَ الشمس. ١٢٦٤ - حديث: "من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ قال أبو بكر أنا ". قال الشيخ أكمل الدين: اسم أصبح ضمير يعود إلى (مَنْ) وخبره (صائمًا)، ويجوز أن تكون تامة فيكون (صائمًا) حالاً. أي: من دخل في الصبح صائمًا، و (من) في كلا الوجهين للبيان و (اليوم) نصب على الظرفية. ١٢٦٥ - حديث: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً ".

стр. 923

قال الشيخ أكمل الدين: اللام في (الكلمة) إما لتعريف الجنس، فيكون قوله: (لا يلقي لها بالاً) حال من الضمير في ليتكلم، أي: ليتكلم بالكلمة حال كونها من رضوان الله وحال كونه لا يلقي لها بالاً. وإما زائدة: أي ليتكلم بكلمة، ويكونان صفتين كقوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني ويجوز على الوجه الأول أيضصا أن يكونا صفتين. وقال الطيبي: (من) في (من رضوان الله)، بيانية، حال من الكلمة وكذا قوله: (لا يلقي لها بالاً). ١٢٦٦ - حديث: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ".

стр. 924

قال الكرماني: قال أبو عبيد: لفظة (بيد) تكون بمعنى "غير" وبمعنى "على" وبمعنى "من أجل" وكله صحيح هنا. وقال في فتح الباري: (بيد) بموحدة ثم تحتية ساكنة مثل غَيْر وزنًا ومعنًى وإعرابًا، وبه جزم الخليل والكسائي ورجحه ابن سيدة. وروى ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي عن الربيع عنه أن معنى (بَيْد): من أجل، كذا ذكره ابن حبان والبغوي عن المزني عن الشافعي، وقد استبعده عياض. ولا بعد فيه، بل معناه أنا سبقنا بالفضل إذ هدينا للجمعة مع تأخرنا في الزمان، بسبب أنهم ضلوا عنها مع تقدمهم. ويشهد له: رواية: (لأنهم أوتوا الكتاب من قبلنا). وقال الداودي: هي بمعنى على أو مع. قال القرطبي: إن كانت بمعنى غير، فنصب على الاستثناء، وإن كانت بمعنى مع، فنصب على الظرف الزماني. وقال الطيبي: هي للاستثناء من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم والمعنى: نحن السابقون بالفضل غير أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا. ووجه التأكيد فيه ما أدمج فيه من معنى النسخ، لأن الناسخ هو السابق في الفضل وإن كان متأخرًا في الوجود. وقال ابن مالك في توضيحه: (بيد) بمعنى (غير)، والمشهور استعمالها متلوة بأنْ نحو: بيد أنهم أوتوا الكتاب. ومنه قول الشاعر: بيد أن الله قد فضلكم ... فوق من أحكأ صلبًا بإزار وقول الراجز:

стр. 925

عمدًا فعلت ذاك بَيْدَ أني ... إخال لو هلكت لم تُرِنِّي وروي في الحديث: (بيد كلُّ أمةٍ أوتوا الكتاب من قبلنا)، والأصل فيه (بيد أنّ كل أمة)، فحذفت (أن) وبطل عملها، وأضيفت (بيد) إلى المبتدأ والخبر اللذين كانا معمولي "أن". وهذا الحذف في "أن" نادر، لكنه غير مستبعد في القياس، على حذف (أنْ) فانهما أختان في المصدرية وشبيهان في اللفظ. وقد حمل بعض النحويين على حذف (أن) قول الزبير ﵁: فلولا بنوها حولها لخطبتها ومما حذف فيه (أنْ) واكتفي بصلتها قوله تعالى: (ومن آياته يريكم البرق) [الروم: ٢٤]، والأصل: أن يريكم، لأن الموضع موضع مبتدأ خبره (ومن آياته). ومثله قوله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث". وقوله ﷺ : "لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها". أراد: أن تحد، وأن تسال. والمختار في (بيد) أن تجعل حرف استثناء، ويكون التقدير: (إلا كل أمة أوتوا الكتاب من قبلنا)، على معنى (لكنْ)، لأن معنى إلاّ مفهوم منها، ولا دليل على اسميتها.

стр. 926

وقال: قوله: فغدًا اليهودُ وبعد غد النصارى. قال ابن مالك: فيه وقوع ظرف الزمان خبر مبتدأ هو من أسماء الجثث. والأصل أن يكون المخبر عنه بظرف الزمان من أسماء المعاني، كقولك: غدا التأهبُ، وبعد غد الرحيل. فلو قيل: غدًا زيدٌ، وبعد غدٍ عمرو، لم يجز. فلوكان معه قرينة تدل عليه، أي اسم معنى جاز، كقولك: قدومُ زيدٍ اليوم وعمرو غدًا، أي: وقدوم عمرو، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه لوضوح المعنى. فكذلك يقدر قبل اليهود والنصارى مضافان من أسماء المعاني، ليكون ظرف الزمان خبرًا عنهما، فالمراد - والله أعلم-: فغدًا تعييد اليهود وبعد غد تعييدُ النصارى. وعلى ذلك قول الراجز: أكُلُّ عام نَعَمٌ تحوونه أراد: أكل عام إحراز نعم. وقال القرطبي: (غدًا) هنا منصوب على الظرف وهو متعلق بمحذوف تقديره: اليهود يعظمون غدًا. وكذا قوله (بعد غد) ولا بد من هذا التقدير، لأن ظروف الزمان لا تكون خبرًا عن الجثة. قال ابن حجر: وما قاله ابن مالك أوجه.

стр. 927

وقال الكرماني: (غدًا) ظرف متعلق إما بالخبر وإما بالمبتدأ، أو معناه: الاجتماع في غد، وللنصارى في بعد غد. وفي بعض الروايات: (فغدٌ) بالرفع، فإن قلت المبتدأ نكرة صرفة، ومعه على الظرف، والقواعد النحوية تأباه. قلت: هو في حكم المضاف ونحوه، أي: غدًا الجمعةُ، وغدُ بعد غدٍ النصارى. وقال القرطبي: روي فغدٌ لليهود وبعد غدٍ للنصارى بالرفع على المبتدأ وخبرها في المجرورين بعدهما، وروي كذلك بالنصب بناء على أنهما ظرفان غير مكملتين و (الأول) أولى لأنهما قد أخبر عنهما هنا فقد خرجا عن الظرفية. وقوله: (نحن الآخرون من أهل الدنيا). قال الطيبي: (ال) في الآخرون موصولة و (من أهل الدنيا)، حال من الضمير في الصلة. وقوله: (المقضي لهم) صفة (الآخرون)، والضمير في (لهم) راجع إلى اللام، لأن المعنى: الآخرون الذين يقضي لهم قبل الناس. ١٢٦٧ - حديث: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ". قال ابن مالك في شرح التسهيل: ونَدَر حذف النون مفردة في الرفع نظمًا ونثرًا.

стр. 928

قال في الشرح: مثال حذفها في النظم قول الراجز: أبِيتُ أسْرِي وتَبِيتِي تَدلُكِي ... وَجهَكِ بالعَنْبَرِ والمِسْك الذكي وقال أبو طالب: فإن يَكُ قومٌ سَرَّهم ما صنعتم ... سَيَحتَلِبُوها لاقِحًا غير باهِل ومثال حذفها نثرًا قول النبي ﷺ : "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا". وقال ابن هشام في تذكرته: قد تعمل (لا) حملاً على (لم) كما في مثل: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا"، في أحد القولين. وقال النووي: الرواية لا تدخلون الجنة بإثبات النون، ولا تؤمنوا بحذف النون، وهي لغة معروفة صحيحة. وقال القرطبي: ولا تؤمنوا بإسقاط النون، والصواب إثباتها، لأن (لا) نفي لا نهي. ١٢٦٨ - حديث: "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويلتا ".

стр. 929

قال القرطبي: (الألف) في (يا ويلتا)، للندبة والتفجع. وقال الطيبي: (يبكي ويقول) حالان من فاعل (اعتزل)، مترادفان أو متداخلان. وفي النهاية: (الويل) الحزن والهلاك، ومعنى النداء فيها: يا حزني ويا هلاكي احضر فهذا أوانك، كأنه ناداه لما عرض له من الأمر الفظيع. ١٢٦٩ - حديث: "إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة ثلاثة: رجل استشهد فأتي به ". قال الأشرفي: (يقضى) صفة للناس وهو نكرة معنىً، أي: أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل. قوله: (فعرفه نعمه فعرفها، قال فما عملت). قال الطيبي: (الفاء) في (فعرفه) للتعقيب، وفي (فعرفها) للتبيين، وفي (فما عملت) جزاء شرط محذوف هو مقول القول، أي: إذا كان مقررًا عندك أن تلك النعمة الموجبة للشكر مني فما عملت في حق تلك النعمة. ١٢٧٠ - حديث: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعًا ".

стр. 930

قال الطيبي: (طهور إناء أحدكم) مبتدأ، و (إذا) ظرف معمول للمصدر، والخبر (أن يغسله) كما أنّ (إذا) في قوله تعالى: (والنجم إذا هوى)، ظرف للقسم، وليس بشرط ونحو: آتيك إذا احمرّ البسر. ١٢٧١ - حديث: "ورجل بايع رجلاً بسلعة بعد العصر ". قال القرطبي: رويناه: (باع سلعته) بغير ياء، ورويناه بالياء، فعلى الياء يكون (بايع) بمعنى ساوم، كما في الرواية الأخرى (ساوم)، فكأنه بايع، وتكون (الباء) بمعنى (عن) كما قال الشاعر: فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب (أي عن النساء)، وعلى إسقاطها يكون معنى (بايع) باع فيتعدى بنفسه، و (سلعة) مفعول. قوله: (ورجل بايع)، إما لا يريد إلا للدنيا، فإن أعطاه منها وفى، وإن لم يعطه لم يف. قال القرطبي: هكذا الرواية، (وفى) مخفف الفاء، و (يف) محذوف الواو

стр. 931

مخففًا، وهو الصحيح هنا رواية ومعنى لأنه يقال: وفى بعهده يفي وفاءً والوفاء ممدودًا ضد الغد، وأما: وفّى المشدد الفاء فهو بمعنى توفية الحق وإعطائه، يقال: وفّاه يوفّيه توفية. ومنه قوله تعالى: (وإبراهيم الذي وفّى) [النجم: ٣٧]، أي قام بما كلفه من الأعمال كخصال الفطرة وغيرها. ١٢٧٢ - حديث: "صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسٍ وعشرين ضعفًا ". قال الزركشي: كذا وقع في الصحيحين بخفض خمس على تقدير الباء، كقول: إذا قل أيُّ الناس شرُّ قبيلةٍ ... أشارت كليبٍ بالأكف الأصابعُ أي: أشارت إلى كليب. قال ابن مالك في التسهيل: وأصله بخمسة وكأنه على تأويل الخبر بالدرجة كما في الرواية الأخرى. وقال الكرماني: فإن قلت: مميزه مذكر وهو الضعف فتجب التاء فما وجه حذفها؟

стр. 932

قاعدة التاء وإسقاطها إنما هي فيما إذا كان المميز مذكورًا، أما لم يكن فيستوي فيه التاء وعدمها. وهنا مميز الجنس غير مذكور فجاز الأمران. ١٢٧٣ - حديث: "تفضُلُ صلاة الجمع صلاةَ أحدكم وحدَه بخمس وعشرين جزءًا ". قال الكرماني: الإضافة فيه بمعنى في لا بمعنى اللام. ١٢٧٤ - حديث: "الشهداء خمسٌ ". قال الزركشي: كذا وقع، وأصله (خمسة) ويجوز الوجهان لأنه جمع. وقال الكرماني: فإن قلت: القياس يقتضي أن يقال خمسة، قلت: المميز إذا كان غير مذكور، جاز في لفظ العدد وجهان. قوله: "المطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله". قال الطيبي: فإن قلت: خمس خبر للمبتدأ والمعدود بعده بيان له، فكيف يصح في الخامس، فإنه حمل الشيء علي نفسه فكأنه قال: الشهيد هو الشهيد. قلت: هو من باب:

стр. 933

أنا أبو النجم وشعري شعري وقال الكرماني: الأولى أن يقال: المراد بالشهيد القتيل فكأنه قال: الشهداء كذا وكذا والقتيل في سبيل الله. قوله: "ومن مات في الطاعون فهو شهيد". قال الشيخ أكمل الدين: يجوز أن يكون (في الطاعون) حالاً. أي: مات كائنًا في مرض الطاعون. ويجوز أن يكون في معنى السبب، أي بسبب الطاعون. وكذا قوله: "ومن مات في البطن". ١٢٧٥ - حديث: "إذا وسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ". قال صاحب النهاية: (إلى) هنا بمعنى اللام، أو ضمن معنى (أسند). وقال الكرماني: كان حقه أن يقال لغير أهله فأتى بكلمة (إلى) لتدل على تضمن معنى الإسناد. فإن قلت: (إذا) هنا هل تضمّن معنى المجازاة أم لا؟ قلت: الظاهر لا. والفاء في فانتظر الساعة للتفريغ أو جواب شرط محذوف، أي إذا كان الأمر فانتظر الساعة. ١٢٧٦ - حديث: "لا يموت لمسلمٍ ثلاثةٌ من الولد فيلج النار" وفي لفظ:

стр. 934

"فتمسّه النار إلا تحلّةَ القسم". قال ابن الحاجب في أماليه: هو محمول على الوجه الثاني في قولك ما تأتينا فتحدثنا، ولا يستقيم على الوجه الأول لأن معنى الأول: أن يكون الفعل الأول سببًا للثاني كقولك: ما تأتينا فتحدثنا، أي: لو أتيتنا. وليس علة قوله: (لا يموت لأحد)، لأنه يؤدي الى عكس المعنى المقصود، ويصير المعنى: إن موت الأولاد سبب لمس النار. والمقصود ضد معنى المذكور، وإذا حمل على الوجه الثاني، وهو أن الغرض الثاني لا يكون عقب الأول، أفاد الفائدة المقصودة بالحديث: إذ يصير المعنى: إن مس النار لا يكون عقب موت الأولاد، وهو المقصود. فإنه إذا لم يكن المسّ مع موت الأولاد، وجب دخول الجنة إذ ليس بين الجنة والنار منزلة أخرى في الآخرة، فثبت أن الخبر لا يمكن حمله إلا على الوجه الثاني لا على الوجه الأول. وقال الأشرفي: (الفاء) إنما تنصب المضارع بتقدير أنْ إذا كان بين ما قبلها وما بعدها سببية، ولا سببية هنا، إذ لا يجوز أن يكون موت الأولاد سببًا لولوج أبيهم النار، فالفاء بمعنى الواو التي للجمعية وتقديره: لا يجتمع لمسلم موت ثلاثة

стр. 935

من الأولاد وولوجه النار. ونظيره: "ما من عبد يقول باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء فيضرَّه" بالنصب. وتقديره لا يجتمع لعبد هذه الكلمات ومضرة شيء إياه. وقال الطيبي: إن كانت الرواية بالنصب، فلا محيد عن ذلك، والرفع يدل على أنه لا يوجد الولوج عقب الموت للأولاد إلا مقدارًا يسيرًا. ومعنى فاء التعقيب ههنا كمعنى المضي في: (ونادى أصحاب الجنة) [الأعراف: ٤٤] في أن يكون ما سيكون بمنزلة المعاين. وقال ابن حجر: وهذا تلقاه جماعة عن الطيبي وأقروه عليه وفيه نظر، لأن السببية حاصلة بالنظر إلى الاستثناء، لأن الاستثناء بعد النفي إثبات، فكأن المعنى أن تخفيف الولوج مسبب عن موت الأولاد، وهو ظاهر لأن الولوج عام، وتخفيفه يقع بأمور منها موت الأولاد بشرطه. قال: وما ادعاه من أن الفاء بمعنى الواو التي للجمع فيه نظر. قال: ووجدت في (مشارق الأنوار) للشيخ أكمل الدين: المعنى أن الفعل الثاني لم يحصل عقب الأول فكأنه نفى وقوعهما بصفة أن يكون الثاني عقب الأول، لأن المقصود نفي الولوج عقب الموت. قال الإمام بدر الدين في تذكرته:

стр. 936

قوله: (فتمسّه النار)، منصوب على معنى نفي اجتماع موت الثلاثة ومس النار. وهو كقولك ما تأتينا فتحدثنا وله أربعة معان: معنيان يجب فيهما النصب، وآخران يجب فيهما الرفع. فالأول من وجهي النصب: نفي الحديث لانتفاء الإتيان الذي هو سببه، ولا يجوز تقدير هذا الوجه هنا وإلا كان موت الأولاد سببًا لمس النار كقوله تعالى: (لا يقضى عليهم فيموتوا) [فاطر: ٣٦]، لأن القضاء عليهم سبب الموت. الثاني من وجهي النصب: أن لا يجتمع أن يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد وتمسه النار. فإذا مات له ثلاثة من الولد، لزم أن لا تمسه النار فوجب أن يدخل الجنة، لأنه لا بد بعد الموت من الجنة أو النار، والأول من وجهي الرفع نفي كل واحد من الاثنين، والحديث نفي الأول وإثبات الثاني، أي: فأنت تحدثنا كقوله: ألم تسأل الربع القواء فينطقُ أي: فهو ينطق. إذا عرفت هذا، علمت أن الرفع لا يجوز في الحديث بحال إفساد المعنى على كل من الوجهين، وأن النصب مختص بالمعنى الثاني، وإلا كان ﷺ نافيًا لأن يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد وهو باطل. قال: وقوله: (إلا تحلةَ القسم) في نصبه وجهان:

стр. 937

أحدهما: على المصدر، والثاني: مفعول لأجله، أي لا تمسه النار لتعذيب ولغيره من الأشياء، إلا لتحلة القسم، وهذا أظهر، والمعنى عليه. وفي هذا الاستثناء وجهان: أحدهما: أنه متصل على أن كل واحد تمسه النار، فالكافر تمسه النار للعذاب والمؤمن تمسه تحلة القسم، وإبراره لا غير. والثاني: أنه منقطع، لأن المؤمن لا تمسه النار، والمعنى لا تمسه النار لكن تحلة القسم لا بد منها وذلك بورودها. قال القاضي عياض: قوله: (إلا تحلة القسم) محمول على الاستثناء عند الأكثر، وعبارة عن القلة عند بعضهم. يقال: ما ضربه إلا تحليلاً، إذا لم يبالغ في الضرب قدر أن يصيبه منه مكروه، وقيل (إلاّ) بمعنى الواو، أي لا تمسه النار كثيرًا ولا قليلاً ولا مقدار تحلة القسم. وقد جوز الأخفش مجيء إلا بمعنى الواو، وجعل منه قوله تعالى: (لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم) [النمل: ١٠]. وقال الكرماني: فإن قلت ما المستثنى منه؟ قلت: (تمسه النار)، لأنه في حكم البدل من (لا يموت) فكأنه قا ل: لا تمس النار من مات له ثلاثة إلا بقدر الورود. ١٢٧٧ - حديث: "لا يموت لإحداكن ثلاثةٌ من الولد فتحتسبه إلا دخلت الجنة ".

стр. 938

قال الطيبي: ليس هذه (الفاء) كما في (فَيْلج) بل للتسبيب للموت، وحرف النفي منصّب على السبب والمسبب بها. ١٢٧٨ - حديث: "للصائم فرحتان يفرحهما ". قال الكرماني: أصله يفرح الصائم بهما، فحذف الجار وأوصل الضمير كما في قوله تعالى: (فليصمه) [البقرة: ١٨٥] أي فليصم فيه، أو هو مفعول مطلق، فأصله يفرح الفرحتين فجعل الضمير بدله، نحو: عبد الله أظنه منطلق. ١٢٧٩ - حديث: "جف القلم بما هو كائن ". قال الطيبي: لم نجد هذا اللفظ مستعملاً على هذا الوجه فيما انتهى إلينا من كلام العرب، إلا في كلام رسول الله ﷺ ، فأراها من الألفاظ المستعارة التي لم يهتد إليها البلغاء، فاقتضتها الفصاحة النبوية. قوله: (فاختص على ذلك أو ذر)، قال البيضاوي: (أو) للتسوية، ومعناه: أن الأمرين سواء، فإن ما قدر كائن لا محالة. وقال الطيبي: (على) متعلق بمحذوف هو حال من المستكن في (اختص)؛ والمعنى اختص في حال عرفانك أن القلم جف ما هو كائن، فيكون حالك مخالفًا

стр. 939

لحال المؤمنين، أو ذر الاختصاء، وأذعن وأسلم لقضاء الله؛ فعلى هذا يكون الأول للتهديد، وروى (فاختصر) بالراء، فعلى هذا يكون (على) متعلقًا به على تضمين (اختصر) معنى (اقتصر)، أي اقتصر على ما ذكرت لك، واترك الاختصار، وارض بقضاء الله، أو ذر ما ذكرته، وامض لشأنك واختص، فعلى هذا يكون الثاني للتهديد على عكس السابق، و (أو) على التقديرين للتخيير. ١٢٨٠ - حديث: "أنه ﷺ قال لبلالٍ حدثني بأرجى عمل عملتَه في الإسلام ". قال البيضاوي: (أرجى) من أسماء التفضيل التي بنيت للمفعول، نحو قولك: فلان أشهر من فلان، فإن قياس (أفعل) أن لا يبنى للمفعول، وقد بنيت هذه له. فإن العمل مرجو به الثواب وعلو الدرجة، ويجوز أن تكون إضافته إلى العمل، لأنه هو السبب الداعي للرجاء، فيكون المعنى: حدثني بما أنت أرجى من نفسك به من أعمالك. قوله: (ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طهورًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت).

стр. 940

قال الكرماني: (أني) بفتح الهمزة و (من) مقدرة قبلها لتكون صلة أفعل التفضيل، وجاز الفصل بين أفعل وصفته بالظرف. وقوله: في ساعة ... قال ابن حجر بالتنوين وخفض (ليل) على البدل. ١٢٨١ - حديث: "أوصاني خليلي ﷺ بثلاث، لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر ". قال الزركشي: (صوم بالجر)، بدل من قوله بثلاث وبالرفع خبر لمبتدأ مضمر، وكذا قوله: وصلاة الضحى ونوم على وتر. ١٢٨٢ - حديث جريج قوله: "في وجوه الميامين ". هو جمع مؤمن بكسر الميم. قال ابن الجوزي: إثبات الياء فيه غلط والصواب (ميامِن) بحذفها. قال ابن حجر: وخرج على إشباع الكسرة، وحكى غيره جوازه، وفي التنقيح يجمع على ميامين. والمحدثون يقولون: ميامين، ولا يصح إلا على إشباع الكسرة فتصير ياء، كمطفل ومطافل ومطافيل.

стр. 941

١٢٨٣ - حديث: "لا تشد الرحال ". قال الكرماني: بلفظ النفي بمعنى النهي، فإن قلت لم عدل عن النهي إليه، قلت لإظهار الرغبة في وقوعه أو بحمل السامع على الترك، أبلغ حمل بألطف وجه. قوله: "إلا إلى ثلاثة مساجد". قال الكرماني: الاستثناء مفرغ، فإن قلت: فتقدير الكلام، لا تشد الرحال إلى موضع، فيلزم أن لا يجوز السفر إلى مكان غير المستثنى، حتى لا يجوز السفر لزيارة إبراهيم الخليل ﵇ ونحوه، لأن المستثنى منه في المفرغ لا بد أن يقدر أعم العام. قلت: المراد بأعم العام، ما يناسب المستثنى، نوعًا ووضعًا كما إذا قلت: ما رأيت إلا زيدًا، كان تقديره: ما رأيت رجلاً أو واحدًا إلا زيدًا، لا ما رأيت شيئًا أو حيوانًا إلا زيدًا، فهنا تقديره: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد. قال: أي لا تشد إلى مسجد إلا إلى ثلاثة. قال: وقد وقع في هذه المسألة في عصرنا مناظرات كثيرة في البلاد الشامية وصنف فيها رسائل من الطرفين. قوله: (المسجد الحرام)، قال الكرماني: بالجر على البدل من ثلاثة، وبالرفع مبتدأ محذوف.

стр. 942

تابع مسند أبي هريرة ١٢٨٤ - حديث: "سؤال القبر ". قوله: (فيجلس في القبر غيرَ فزع). قال الطيبي: (غير فزع)، (فزع) صفة مشبهة. قوله: (وما هذا الرجل). (ما) استفهام، مبتدأ، و (هذا الرجل) الصفة والموصوف خبره، و (ما) يسأل به عن الوصف، ولذلك سماه ووصفه، أي صاحب ذلك الاسم المفخم المشتهر لا يخفى على كل أحد، وهو أنه رسول الله ﷺ . فقوله: (رسول الله) يحتمل أن يكون خبرًا، و (جاءنا) جملة استئنافية مبينة للجملة الأولى، أو أن يكون صفة، و (جاءنا) خبرًا، والأول أوجه. وذكر ضمير النار في (إليه) لتأويل العذاب وأنثها في قوله: (يحطم بعضها بعضًا) نظرًا إلى اللفظ. ١٢٨٥ - حديث: "إذا صلى أحدكم فلا يضع نعليه عن يمينه ولا عن يساره فيكونَ عن يمين صاحبه ". قال الطيبي: (فيكون) بالنصب جواب النهي.

стр. 943

١٢٨٦ - حديث: "من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل ... ". قال الطيبي: (أهل البيت)، مجرور بدلاً من الضمير المجرور في علينا، كما في قوله: على حالة لو أن في القوم حاتمًا ... على جوده لضنَّ بالماء حاتمُ ويجوز أن يكون منصوبًا بتقدير: أعني. وقوله: (إذا صلى أحدكم) شرط، جزاؤه (فليقل)، فالشرط مع الجزاء جواب الشرط الأول. ويجوز أن تكون (إذا) ظرفًا، والعامل (فليقل)، على قول من ذهب إلى أن ما بعد الفاء الجزائية يعمل فيما قبله، كما في قوله تعالى: (لإيلاف قريش) [قريش: ١]، فإنه معمول لقوله: (فليعبدوا) [قريش: ٣]. ١٢٨٧ - حديث: "وأومأ أنْ كما أنتم ". قال الطيبي: (أنْ) مفسرة، لأن في (أومأ) معنى القول، ويجوز أن تكون مصدرية، والجار محذوف، أي أشار إليهم بالكون على حالهم. ١٢٨٨ - حديث: "أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليها ".

стр. 944

قال ابن مالك: أنث الضمير العائد على الخبر وهو مذكر، وكان القياس (إليه) لكن المذكر يجوز تأنيثه إذا أول بمؤنث، كتأويل الخير الذي تقدم إليه النفس الصالحة بالرحمة أو بالحسنى أو باليسرى، كقوله تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) [يونس: ٢٦]، وكقوله: (فسنيسره لليسرى) [الليل: ٧]. ومن إعطاء المذكر حكم المؤنث باعتبار التأويل، قوله ﷺ في إحدى الروايتين: "فإنَّ في إحدى جناحيه دواءً والأخرى شفاءً"، والجناح مذكر، ولكنه من الطائر بمنزلة اليد، فجاز تأنيثه مؤولاً بها. ومن تأنيث المذكر لتأويله بمؤنث قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) [الأنعام: ١٦٠]، فأنَّث عدد الأمثال وهي مذكرة لتأويلها بحسنات. وقال الكرماني: قوله: (فخير) خبر مبتدأ محذوف أي: فهو خير، أو مبتدأ خبره محذوف أي: فيها خير، أو فهناك خير. ١٢٨٩ - حديث: "لا تصروا الإبل ". قال القاضي عياض والنووي: المشهور في الرواية ضم التاء وفتح الصاد ونصب الإبل بوزن (تزكّوا) من يصرِّي يصرى تصرية. وروي بفتح التاء وضم الصاد من

стр. 945

الصرورى (لا تصر الإبل)، بضم التاء بغير واو بعد الراء، ورفع الإبل على ما لم يسم فاعله من الصرّ أيضًا والصحيح الأول. قال القرطبي: أصل (تصروا) تصريوا، استثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى ما قبلها، لأن واو الجمع لا يكون ما قبلها مضمومًا، فانقلبت الياء واوًا، فاجتمع ساكنان، فحذفت الواو الأولى وبقيت واو الجمع، لا يكون ما قبلها إلا مضمومًا، فانقلبت الياء واوًا فاجتمع ساكنان، فحذفت الواو الأولى وبقيت واو الجمع. هذا أحسن ما قيل في هذا، وإجرائه على غير قياس التصريف. قوله: وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر. قال الكرماني: فإن قلت: الرد بعد الأخذ فما معنى الرد في الصاع، قلت هو من قبيل: علفتها تبنًا وماء باردًا ... بأن يقال: إن ثَمَّ إضمار: أي: وسقيتها، أو يجعل علفتها مجازًا عن فعل شامل للعلف والسقي نحو أعطيتها. ١٢٩٠ - حديث الجمعة: " ... وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعةٌ من دعا الله فيها استُجيب له ".

стр. 946

قال الطيبي: (في) هنا تجريدية، إذ الساعة في نفس آخر الساعات كما في قولك: في البيضة عشرون رطلاً من حديد، والبيضة نفس الأرطال. ١٢٩١ - حديث: "في كل كبد رطبة أجر ". قال الكرماني: فإن قلت: لم أنث رطبة؟ قلت: لأن الكبد مؤنث سماعي، فإن قلت: الكبد ليست ظرفًا للأجر، فما معنى كلمة الظرفية؟ قلت: تقديره: الأجر ثابت في إرفاء أو في رعاية كل حي. أو الكلمة للسببية كما قال بعضهم: في النفس المؤمنة مائة إبل، أي بسبب قتل النفس المؤمنة. ١٢٩٢ - حديث: "نهى عن الصلاة نصف النهار ". قال الطيبي: (نصف) ظرف للصلاة على تأويل أن يصلي. ١٢٩٣ - حديث: "نبني صومعتك من ذهب، قال: لا، إلا من طين ". قال ابن مالك: فيه شاهد على حذف المجزوم بلا التي للنهي، فإن مراده، لا تبنوها إلا من طين.

стр. 947

١٢٩٤ - حديث: "إن أول ما يحاسب به العبد صلاته إلى قوله: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمِّلُ بها ". قال الطيبي: أنث ضمير التطوع نظرًا إلى معنى الصلاة، والظاهر نصبه على جواب الاستفهام على أنه من كلام الله تعالى، وتؤيده رواية فكملوا بها فريضته، وهو عطف على انظروا. ١٢٩٥ - حديث: "لو كان لي مثل أحد ذهبًا ما يسرني أن لا يمر علي ثلاثٌ وعندي منه شيء ". قال ابن مالك: تضمن هذا الحديث ثلاثة أوجه: أحدها، وهو أسهلها، وقوع التمييز بعد "مثل" ومنه قول الشاعر: ولو مثل ترب الأرض درًّا وعسجدا ... بذلت لوجه الله كان قليلَا والثاني: وقوع جواب "لو" مضارعًا منفيًا بما، وحق جوابها أن يكون ماضيًا مثبتًا، نحو: لو قام لقمت، أومنفيًّا بلمْ نحو: لو قام لم أقم. ولنا في وقوع المضارع في هذا الحديث جوابان: أحدهما: أن يكون وضع موضعه وهو شرط، كقوله تعالى: (لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم) [الحجرات: ٧]، والأصل: لو أطاعكم. فكما وقع "يطيع " موقع "أطاع" وهو شرط، وقع

стр. 948

"يسرني" موقع "سرني" وهو جواب. والثاني: أن الأصل: ما كان يسرني، فحذف "كان" وهو جواب "لو"، وفيه ضمير هو الاسم، و"يسرني" خبر. وحذف "كان " مع اسمها وبقاء خبرها كثير في نثر الكلام ونظمه. فمن النثر قوله ﷺ : "المرء مجزيٌّ بعمله، إن خيرًا فخيرٌ وإن شرًّا فشر"، أي: (إن كان عمله خيرًا فجزاؤه خير، وإن كان عمله شرا فجزاؤه شر". ومن النظم قول الشاعر: لا تقربن الدهر آل مطرف ... إنْ ظالمًا أبدًا وإنْ مظلوما أي: إن كنت ظالمًا فيهم، وإن كنت مظلومًا. وأشبه شيء بحذف "كان" قبل "يسرني"، حذف "جعل" قبل "يجادلنا" في قوله تعالى: (فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط) [هود: ٧٤]، أي: جعل يجادلنا في قوم لوط، لأن "لمّا" مساوية للَوْ في استحقاق جواب بلفظ الماضي، فلما وقع المضارع في موقع الماضي دعت الحاجة إلى أحد أمرين: إما تأويل المضارع بماض، وإما تقدير ماض قبل المضارع، وهو أولى الوجهين. الثالث: وقوع "لا" بين " أن " و "يمر" والوجه فيه أن تكون "لا" زائدة، كما في قوله تعالى: (ما منعك ألا تسجد) [الأعراف: ١٢] أي: ما منعك أن تسجد، لأنه امتنع من ثبوت السجود لا من انتفائه.

стр. 949

وكذا "ما يسرني أن لا يمر"، معناه: ما يسرني أن يمر، و "لا" زائدة. وقوله: (إلاّ شيء أرصده لدين). قال الطيبي: استثناء من قوله: (شيء) وجاز لأن المستثنى منه مطلق عام، والمستثنى مقيد خاص. ووجه رفعه: أن المستثنى منه في سياق النفي في جواب لو، على معنى أنه يجوز أن يحمل (لا) في (أن لا يمر) على النفي، وأن تحمل بألا على الصفة. ١٢٩٦ - حديث: "من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا أحدٌ قال مثل ما قال أو زاد عليه ". قال الشيخ أكمل الدين: في الكلام حذف يدل عليه سياقه، وتقديره والله أعلم: لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به أو بمثله إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه، ليكون قائل الزائد آتيًا بأفضل، والقائل مثل ما قال بالمثل. ولولا التقدير، لزم أن يكون الآتي بالمثل آتيًا بأفضل وليس كذلك. قال: والأصل أن يستعمل أحد في النفي وواحد في الإثبات، وقد يستعمل أحدهما مكان الآخر، وعلى هذا الحديث. قلت: الأولى أن يجعل (أو) بمعنى الواو، أي قال مثل ما قال وزاد عليه وحينئذ لا يحتاج إلى تقدير. وقال الطيبي: الاستثناء قوله: (إلا أحد) منقطع، والتقدير: لم يأت أحد

стр. 950

بأفضل مما جاء به، ولكن رجل قال مثل ما قاله، فإنه يأتي بمساويه، ولا يستقيم أن يكون متصلاً إلا على التأويل. نحو قوله: وبلدةٍ ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس ١٢٩٧ - حديث: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ". قال ابن مالك ﵀: هذا من باب حذف الفاعل، فإن الضمير لا يرجع إلى الزاني، بل الفاعل مقدر دل عليه ما قبله أي: ولا يشرب الشارب. قال الزركشي: ورواه بعضهم بكسر الباء على النهي بقوله: إذا كان مؤمنًا فلا يفعل. ١٢٩٨ - حديث: "ما من أيام العملُ أحبُّ إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة ". قال الطيبي: لو قيل: (أن يتعبد) مبتدأ و (أحب) خبره، و (من) متعلقة بـ (أحب)،
следующие страницы →