← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

﴿يعدهم﴾ أى مالا يكاد يُنجِزُه ﴿وَيُمَنّيهِمْ﴾ أي الأمانيَّ الفارغةَ أو يفعل لهم الوعدَ والتمنيةَ على طريقة فلان يُعطي ويمنَعُ والضميران لمَنْ والجمعُ باعتبارِ معناهَا كما أن الإفراد في يتخذ وخسر باعتبار لفظها ﴿وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلَاّ غُرُوراً﴾ وهو إظهارُ النفعِ فيما فيه الضررُ وهذا الوعدُ إما بإلقاء الخواطرِ الفاسدةِ أو بألسنة أوليائِه وغروراً إما مفعولٌ ثانٍ للوعد أو مفعولٌ لأجله أونعت لمصدر محذوفٍ أي وعداً ذا غرورٍ أو مصدرٌ على غير لفظِ المصدرِ لأنّ يَعِدُهُمْ في قوة يغرّهم بوعده والجملةُ اعتراضٌ وعدمُ التعرّضِ للتمنية لأنها بابٌ من الوعد

стр. 1122

﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى أولياء الشيطان وما فيه من معنى البُعد للإشعارِ ببُعد منزلتِهم في الخُسران وهو مبتدأٌ وقولُه تعالى ﴿مَأْوَاهُمْ﴾ مبتدأٌ ثانٍ وقولُه تعالَى ﴿جَهَنَّمُ﴾ خبرٌ للثانِي والجملةُ خبرٌ للأولِ ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً﴾ أي معدِلاً ومهرَباً من حاص الحمارُ إذا عدَل وقيل خلَص ونجا وقيل الحَيْصُ هو الروغان بنفور وعنها متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من محيصاً أي كائناً عنها ولا مَساغَ لتعلُّقه بمحيصاً أما إذا كان اسمَ مكانٍ فظاهرٌ وأما إذا كان مصدراً فلأنه لا يعملُ فيما قبلَهُ

стр. 1123

١٢٢ - ١٢٣ النساء

стр. 1124

﴿والذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى ﴿سندخلهم جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَداً﴾ قرَن وعيدَ الكفرةِ بوعد المؤمنين زيادةً لمَسرَّة هؤلاءِ ومَساءةِ أولئك ﴿وَعْدَ الله حَقّا﴾ أي وعَده وعداً وحقَّ ذلك حقاً فالأولُ مؤكدٌ لنفسه لأن مضمونَ الجملةِ الاسميةِ وعدٌ والثاني مؤكدٌ لغيره ويجوز أن ينتصِبَ الموصولُ بمضمر يفسِّره ما بعده وينتصب وَعَدَ الله بقوله تعالى سَنُدْخِلُهُمْ لأنه في معنى نعِدُهم إدخالَ جناتٍ الخ وحقاً على أنه حال من المصدر ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً﴾ جملةٌ مؤكدةٌ بليغةٌ والمقصودُ من الآية معارضَةُ مواعيدِ الشيطانِ الكاذبةِ لقرنائه بوعد الله الصادقِ لأوليائه والمبالغةُ في تأكيده ترغيباً للعباد في تحصيله والقيلُ مصدرٌ كالقول والقال وقال ابنُ السِّكِّيتِ القيلُ والقالُ اسمانِ لا مصدرانِ ونصبُه على التمييز وقرئ بإشمام الصادِ وكذا كلُّ صادٍ ساكنةٍ بعدها دالٌ

стр. 1125

﴿لَّيْسَ بأمانيكم وَلا أَمَانِىّ أَهْلِ الكتاب﴾ أي ليس ما وعد الله تعالى من الثواب يحصُل بأمانيكم إيها المسلمون ولا بأمانيِّ أهلِ الكتابِ وإنما يحصُل بالإيمان والعملِ الصالحِ ولعل نظمَ أمانيِّ أهلِ الكتابِ في سلك أمانيِّ المسلمين مع ظهور حالِها للإيذان بعدم إجداءِ أمانيِّ المسلمين أصلاً كما في قوله تعالى وَلَا الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ كما سلف وعن الحسن ليس الإيمانُ بالتمنِّي ولكنْ ما وقر في القلب وصدّقه العملُ إن قوماً ألهتْهم أمانيُّ المغفرةِ حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنةَ لهم وقالوا نُحسِنُ الظنَّ بالله وكذَبوا لو أحسنوا الظنَّ به لأحسنوا العملَ وقيل إن المسلمين وأهلَ الكتاب افتخروا فقال أهلُ الكتاب نبيُّنا قبل نبيِّكم وكتابُنا قبل كتابِكم فنحن أولى بالله تعالى منكم فقال المسلمون نحنُ أولى منكم نبيُّنا خاتمُ النبيين وكتابُنا يقضي على الكتب المتقدمةِ فنزلت وقيل الخطابُ للمشركين ويؤيده تقدّمُ ذكرِهم أي ليس الأمرُ بأمانيِّ المشركين وهو قولُهم لا جَنةَ ولا نارَ وقولُهم إنْ كانَ الأمرُ كَما يزعُم هؤلاء لنكونَنّ خيراً منهم وأحسنَ حالاً وقولُهم لأوتين مالاً وولداً ولا أمانيِّ أهلِ الكتاب وهو قولُهم لنْ يدخلَ الجنةَ إلَاّ من كان هودا أو نصارى وقولُهم لَن تَمَسَّنَا النار إلا أياما معدودة ثم قرر ذلك بقوله تعالى ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ﴾ عاجلاً أو آجلاً لما رُوي أَنَّهُ لمَّا نزلتْ قال أبُو بكرٍ رضيَ الله تعالى عنه فمن ينجو مع هذا يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ أما تحزنُ أو تمرَضُ أو يصيبُك البلاء قال بلى يا رسولَ الله قالَ هو ذاك ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ الله﴾ أي مجاوزاً لموالاة الله ونُصرتِه ﴿وَلِيّاً﴾ يواليه ﴿وَلَا نَصِيراً﴾ ينصُره في دفع العذاب عنه

стр. 1126

١٢٤ - ١٢٥ النساء

стр. 1127

﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات﴾ أي بعضَها أو شيئاً منها فإن كلَّ أحدٍ لا يتمكن من كلها وليس مكلَّفاً بها ﴿من ذَكَرٍ أَوْ أنثى﴾ في موضع الحالِ من المستكنِّ في يَعْمَلُ ومن للبيان أو من الصالحات فمن للابتداء أي كائنةً من ذكر الخ ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ حالٌ شرَط اقترانَ العملِ بها في استدعاء الثوابِ المذكورِ تنبيهاً على أنه لا اعتدادَ به دونه ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى مَنْ بعنوان اتصافِه بالإيمان والعملِ الصالحِ والجمعُ باعتبار معناها كما أنَّ الإفرادَ فيما سبقَ باعتبار لفظِها وما فيهِ من معنى البعدِ لما مرَّ غيرَ مرَّةٍ من الإشعار بعلوِّ رُتبةِ المُشَارِ إليهِ وبُعد منزلتِه في الشَّرفِ ﴿يَدْخُلُونَ الجنة﴾ وقرئ يُدخَلون مبنياً للمفعول من الإدخال ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ لا يُنقصون شيئاً حقيراً من ثواب أعمالِهم فإن النقيرَ عَلَم في القلة والحَقارةِ وإذا لم يُنقص ثوابُ المطيعِ فلأَنْ لا يزادَ عقابُ العاصي أولى وأحرى كيف لا والمجازي أرحمُ الراحمين وهو السرُّ في الاقتصار على ذكره عَقيبَ الثواب

стр. 1128

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أسلم وجهه لله﴾ أي أخلص نفسَه له تعالى لا يعرِف له رباً سواه وقيل بذل وجهَه له في السجود وقيل أخلص عمله له وقيل فوّض أمرَه إليه تعالى وهذا إنكارٌ واستبعادٌ لأن يكون أحدٌ أحسنَ ديناً ممن فعل ذلك أو مساوياً له وإن لم يكن سبكُ التركيب متعرضاً لإنكار المساواة ونفيها يُرشِدُك إليه العُرفُ المطّردُ والاستعمالُ الفاشي فإنه إذا قيل مَنْ أكرم من فلان أولا أفضلَ من فلان فالمرادُ به حتماً أنه أكرمُ من كل كريم وأفضل من كل فاضلٍ وعليه مساقُ قوله تعالى وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى ونظائرِه وديناً نُصب على التمييز من أحسنُ منقولٌ من المبتدأ والتقديرُ ومن دينُه أحسنُ من دين مَنْ أسلم الخ فالتفضيلُ في الحقيقة جارٍ بين الدينين لا بين صاحبيهما ففيه تنبيهٌ على أن ذلك أقصى ما تنتهي إليه القوةُ البشرية ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي آتٍ بالحسنات تاركٌ للسيئات أو آتٍ بالأعمال الصالحة على الوجه اللائقِ الذي هو حسنُها الوصفيُّ المستلزِمُ لحسنها الذاتي وقد فسره ﷺ بقولِه أنْ تعبدَ الله كأنَّك تراهُ فإنْ لم تكنْ تراهُ فإنَّه يراكَ والجملة حال من فاعل أسلم ﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبراهيم﴾ الموافقةُ لدين الإسلامِ المتّفق عل صحتها وقبولِها ﴿حَنِيفاً﴾ مائلاً عن الأديان الزائغةِ وهو حالٌ من فاعلِ اتبع أو من إبراهيم ﴿واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً﴾ اصطفاه وخصَّه بكرامات تُشبه كراماتِ الخليلِ عند خليله واظهاره ﷺ في مواقع الإضمار لتفخيم شأنِه والتنصيصِ على أنه الممدوحُ وتأكيدِ استقلالِ الجملةِ الاعتراضية والخُلّةُ من الخِلال فإنه ودٌّ تخلَّل النفسَ وخالطَها وقيل من الخَلَل فإن كلَّ واحدٍ من الخليلين يسد خلَلَ الآخَر أو من الخل وهو الطريقُ في الرمل فإنهما يتوافقان في الطريقة أو من الخَلّة

стр. 1129

١٢٦ - ١٢٧ النساء بمعنى الخَصْلة فإنهما يتوافقان في الخِصال وفائدةُ الاعتراضِ جملة من جملتها الترغيبُ في اتباع ملتِه ﵇ فإن من بلغ من الزُّلفى عند الله تعالى مَبْلغاً مصحِّحاً لتسميته خليلاً حقيقٌ بأن يكون اتباعُ طريقته أهم مايمتد إليه أعناقُ الهِمم وأشرفَ ما يَرمُق نحوه أحداقُ الأمم قيلَ إنَّه ﵊ بَعث إلى خليل له بمصرَ في أزمة أصابت الناسَ يمتارُ منه فقال خليلُه لو كان إبراهيمُ يطلب المِيرةَ لنفسه لفعلت ولكنه يُريدها للأضياف وقد أصابنا ما أصاب الناسَ من الشدة فرجَع غِلمانُه ﵊ فاجتازوا ببطحاء لينة فملئوا منها الغرائرَ حياءً من الناس وجاؤا بها إلى منزل إبراهيمَ ﵊ وألقَوْها فيه وتفرّقوا وجاء أحدُهم فأخبر إبراهيمَ بالقصة فاغتم لذلك غماً شديداً لاسيما لاجتماع الناسِ ببابه رجاءَ الطعام فغلبه عيناه وعمَدت سارةُ إلى الغرائر فإذا فيها أجودُ ما يكون من الحُوَّارَى فاختبزت وفي رواية فأطعمت الناس وانتبه إبراهيم ﵇ فاشتم رائحةَ الخبزِ فقال من أين لكم قالت سارة من خليلك المِصريِّ فقال بل من عند خليلى الله فسماه الله تعالى خليلاً

стр. 1130

﴿ولله ما في السماوات وَمَا فِي الارض﴾ جملةٌ مبتدأةٌ سيقت لتقريرٍ وجوبِ طاعة الله تعالى على أهل السموات والأرض ببين أن جميعَ ما فيهما من الموجوداتِ له تعالى خَلْقاً وملكا لايخرج عن ملكوته شئ منها فيجازي كلاًّ بموجب أعماله خيرا وشرا وقيل لبيان أن اتخاذَه لإبراهيمَ ﵇ خليلاً ليس لاحتياجه سبحانه إلى ذلك في شأنٍ من شئونه كما هو دأبُ الآدميين فإن مدار خُلَّتِهم افتقارُ بعضِهم إلى بعض في مصالحهم بل لمجرد تكرمتِه وتشريفِه ﵇ وقيل لبيان أن الخُلة لا تخرجه عن رتبة العبوديةِ وقيل لبيان أن اصطفاءَه ﵇ للخُلّة بمحض مشيئته تعالى أى تعالى ما فيهما جميعاً يختار منهما ما يشاء وقوله ﴿وَكَانَ الله بِكُلّ شَىْء مُّحِيطاً﴾ تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ماقبله على الوجوه المذكورةِ فإن إحاطتَه تعالى علماً وقُدرةً بجميعِ الأشياءِ التي مِنْ جملتها ما فيهما من المكلفين وأعمالِهم مما يقرِّرُ ذلك أكملَ تقرير

стр. 1131

﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النساء﴾ أي في حقهن على الإطلاق كما ينبئ عنه الأحكامُ الآتية لا في حق ميراثِهن خاصة فإنه ﷺ قد سُئل عن أحوال كثيرةٍ مما يتعلق بهن فما بُيِّن حكمُه فيما سلف أحيل بيانُه على ماورد في ذلك من الكتاب ومالم يبين حكمه بعد ههنا وذلك قوله تعالى ﴿قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عليكم فى الكتاب﴾ بإسناد الإفتاءِ الذي هو تبيين المُبهم وتوضيحُ المُشكلِ إليه تعالى وإلى ما تُليَ من الكتاب فيما سبق باعتبارين على طريقة قولِك أغناني زيدٌ وعطاؤُه بعطف مَا على المبتدأ أو ضميرِه في الخبر لمكان الفصلِ بالمفعول والجارِّ

стр. 1132

والمجرور وإيثارُ صيغة المضارعِ للإيذان باستمرار التلاوةِ ودوامِها فِى الكتاب إما متعلقٌ بيُتلى أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من المستكنّ فيه أي يتلى كائناً فيه ويجوز أن يكون ما يتلى عليكم مبتدأً وفي الكتاب خبرُه على أن المرادَ به اللوحُ المحفوظُ والجملةُ معترضةٌ مسوقةٌ لبيان عِظَمِ شأن المتلوِّ عليهم وأن العدلَ في الحقوق المبينة فيه من عظائم الأمورِ التى تجب مراعاتها والمحافظة عليها فما يتلى حينئذ متناولٌ لما تُليَ وما سيتلى ويجوز أن يكون مجروراً على القسم المنبئ عن تعظيم المقسَم به وتفخيمِه كأنه قيل قل الله يُفتيكم فيهن وأُقسِم بما يتلى عليكم في الكتاب فالمرادُ بقوله تعالى يُفْتِيكُمْ بيانُه السابقُ واللاحقُ ولا مساغَ لعطفه على المجرور من فيهن لاختلاله لفظاً ومعنى وقولُه تعالى ﴿فِى يتامى النساء﴾ على الوجه الأولِ وهو الأظهرُ متعلقٌ بيتلى أي ما يتلى عليكم في شأنهن وعلى الأخيرين بدلٌ من فيهن وهذه الإضافةُ بمعنى من لأنها إضافة الشئ إلى جنسه وقرئ ييامى على قلب همزةِ أيامى ياءً ﴿اللاتى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ أي ما فُرض لهن من الميراث وغيره ﴿وَتَرْغَبُونَ﴾ عطفٌ على الصلة عطفَ جملةٍ مُثبتةٍ على جملة منفية وقيل حال من فاعل تؤتونهن بتأويل وأنتم ترغبون ولاريب في أنه لا يظهر لتقييدِ عدمِ الإيتاءِ بذلك فائدةٌ إلا إذا أريد بما كُتب لهن صَداقُهن ﴿أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ أي في ان تنكحوهن لالأجل التمتعِ بهن بل لأكل ما لهن أوفي أن تنكحوهن بغير إكمالِ الصَّداقِ وذلك ما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رضيَ الله تعالى عنها من أنها اليتيمةُ تكون في حجر وليها هو وليِّها فيرغب في مالها وجمالِها ويريد أن ينكِحَها بأدنى من سُنة نسائِها فنُهوا أن ينكِحوهن إلا أن يُقسِطوا لهن في إكمال الصَّداقِ أو عن أن تنكحوهن وذلك ماروى عنها ﵂ أنَّها يتيمةٌ يرغب وليُّها عن نكاحها ولا يُنكِحُها فيعضُلها طمعاً في ميراثها وفي رواية عنها رضى الله عنه هو الرجلُ يكون عنده يتيمة ووارثُها وشريكُها في المال حتى في العِذْق فيرغب أن ينكِحَها ويكره أن يزوِّجَها رجلاً فيَشرُكَه في ماله بما شرَكَتْه فيعضُلها فالمرادُ بما كُتب لهن على الوجه الأولِ والأخير ميراثُهن وبما يتلى في حقهن قوله تعالى وآتوا اليتامى أموالهم وقولُه تعالى وَلَا تَأْكُلُوهَا ونحوُهما من النصوص الدالةِ على عدم التعرّضِ لأموالهم وعلى الوجه الثاني صَداقُهن وبما يتلى فيهن قولهِ تعالى وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ فِى اليتامى الآية ﴿والمستضعفين مِنَ الولدان﴾ عطفٌ على يتامى النساءِ وما يتلى في حقهم قولُه تعالى يُوصِيكُمُ الله الخ وقد كانوا في الجاهلية لا يورِّثونهم كما لا يورِّثون النساءَ وإنما يورِّثون الرجالَ القوام بالأمور رُوي أن عيينةَ بنَ حصنٍ الفزاريَّ جاء إلى رسول الله ﷺ فقال أُخبرنا بأنك تعطي الابنةَ النصفَ والأختَ النصفَ وإنما كنا نورِّث من يشهد القتال ويحوز الغنيمة فقال ﷺ كذلك أُمِرْتُ ﴿وَأَن تَقُومُواْ لليتامى بالقسط﴾ بالجر عطفٌ على ما قبله وما يتلى في حقهم قولُه تعالى وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب وَلَا تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم ونحوُ ذلك مما لا يكاد يحصر هذا على تقديرِ كونِ فِى يتامى النساء متعلقاً بيتلى وأما على تقدير كونِه بدلاً من فيهن فالوجهُ نصبُه عطفاً على موضع فِيهِنَّ أي يفتيكم أن تقوموا ويجوز نصبُه بإضمار فعلٍ أي ويأمركم وهو خطابٌ للولاة أو للأولياء والأوصياءِ ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ﴾ في حقوق المذكورين ﴿مّنْ خَيْرٍ﴾ حسبما أُمرتم به أو ما تفعلوه من خير على الإطلاق فيندرجُ فيه ما يتعلق بهم اندراجاً أولياً ﴿فَإِنَّ الله كَانَ بِهِ عَلِيماً﴾ فيجازيكم بحسبه

стр. 1133

١٢٨ - النساء

стр. 1134

﴿وَإِنِ امرأة خافت﴾ شروعٌ في بيان ما لم يُبيَّن فيما سلف من الأحكام أي إن توقعت امرأةٌ ﴿مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً﴾ أي تجافياً عنها وترفّعاً عن صحبتها كراهةً لها ومنعاً لحقوقها ﴿أَوْ إِعْرَاضاً﴾ بأن يُقِلَّ محادثَتَها ومؤانستَها لما يقتضي ذلك من الدواعي والأسباب ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ حينئذ ﴿أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً﴾ أي في أن يصلحا بينهما بأن تحط له المَهرَ أو بعضَه أو القَسْمَ كما فعلت سَودةُ بنتُ زَمعةٍ حين كرِهت أن يفارِقَها رسولُ الله ﷺ فوهبت يومها لعائشة ﵂ أو بأن تهَبَ له شيئا تستميله وقرئ يَصّالحا من يتصالحا ويصَّلِحا من يصطلحا ويُصالِحا من المفاعلة وصُلحاً إما منصوبٌ بالفعل المذكورِ على كل تقديرٍ على أنه مصدرٌ منه بحذف الزوائدِ وقد يُعبّر عنه باسم المصدرِ كأنه قيل إصلاحاً أو تصلحا أو إصطلاحا حسبما قرئ الفعل أو بفعل مترتبٍ على المذكور أي فيُصلِح حالَهما صلحاً وبينهما ظرفٌ للفعل أو حال من صُلحاً والتعرُّضُ لنفي الجُناحِ عنهما مع أنه ليسَ من جانبها الأخذُ الذي هو المَظِنَّةُ للجُناح لبيان أن هذا الصلحَ ليس من قبيل الرَّشوةِ المحرمة للمعطي والآخذ ﴿والصلح خَيْرٌ﴾ أي من الفُرقة أو من سوء العِشرةِ أو من الخصومة فاللامُ للعهد أو هو خيرٌ من الخيور فاللامُ للجنس والجملةُ اعتراضٌ مقرِّرٌ لما فبله وكذا قوله تعالى ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح﴾ أي جعلت حاضرةً له مطبوعةً عليه لا تنفك عنه أبداً فلا المرأةُ تسمح بحقوقها من الرجل ولا الرجلُ يجود بحسن المعاشرةِ مع دمامتها فإن فيه تحقيقاً للصلح وتقريراً له بحثِّ كلَ منهما عليه لكنْ لا بالنظر إلى حال نفسِه فإن ذلك يستدعي التمادي في المماكسة والشقاقِ بل بالنظر إلى حال صاحبِه فإن شحَّ نفسِ الرجلِ وعدمَ ميلِها عن حالتها الجِبِلِّية بغير استمالةٍ مما يحمِل المرأةَ على بذل بعض حقوقِها إليه لاستمالته وكذا شحُّ نفسِها بحقوقها مما يحمل الرجلَ على أن يقتنع من قِبَلها بشيء يسير ولا يُكلّفَها بذلَ الكثيرِ فيتحقق بذلك الصلح ﴿وَإِن تُحْسِنُواْ﴾ في العِشرة ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ النشوز والإعراض وإن تعاضدت الأسبابِ الداعيةِ إليهما وتصبِروا على ذلك مراعاةً لحقوق الصُّحبةِ ولم تَضْطَرُّوهن إلى بذل شئ من حقوقهن ﴿فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي من الإحسان والتقوى أو بما تعملون جميعاً فيدخُل ذلك فيه دخولاً أولياً ﴿خبيرا﴾ فيجازيكم ويثيبكم على ذلك البتةَ لاستحالة أن يُضيِّعَ أجرَ المحسنين وفي خطاب الأزواجِ بطريق الالتفاتِ والتعبيرِ عن رعاية حقوقِهن بالإحسان ولفظِ التقوى المنبئ عن كون النشوزِ والإعراض مما يُتوقى منه وترتيبِ الوعدِ الكريمِ عليه من لطف الاستمالةِ والترغيب في حسن المعاملة مالا يخفى رُوِيَ أنَّها نزلتْ في عَمرةَ بنتِ محمدِ بنِ مَسلمةَ وزوجِها سعدِ بنِ الربيع تزوّجها وهي شابةٌ فلما علاها الكِبَرُ تزوج شابةً وآثرها عليها وجفاها فأتت رسولَ الله ﷺ وشكت إليه ذلك وقيل نزلتْ في أبي السائب كانت له امرأةٌ قد كبِرَت وله منها أولادٌ فأراد أن يطلقَها ويتزوجَ غيرَها فقالت لا تُطلِّقَني ودعني على أولادي فاقسِمْ لي من كل شهرين إن شئت وإن شئت فلا تقسِمْ لي فقال إن كان

стр. 1135

١٢٩ - ١٣٠ ١٣١ النساء يصلُح ذلك فهو أحبُّ إلي فأتى رسولَ الله ﷺ فذكر له ذلك فنزلت

стр. 1136

﴿وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النساء﴾ أي مُحال أن تقدورا على أن تعدِلوا بينهن بحيث لا يقع ميلٌ ما إلى جانب إحداهن في شأن من الشئون البتةَ وقد كان رسولُ الله ﷺ يقسِمُ بين نسائِه فيعدِلُ ثم يقول اللهم هذا قَسْمي فيما أملِك فلا تؤاخِذْني فيما تملِكُ ولا أملِكُ وفي رواية وأنت أعلم بما لاأملك يعني فرطَ محبتِه لعائشة رضى الله عنها ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ أي على إقامة العدلِ وبالغتم في ذلك ﴿فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الميل﴾ أي فلا تجوروا على المرغوب عنها كلَّ الجَوْرِ واعدِلوا ما استطعتم فإن عجْزَكم عن حقيقة العدلِ إنما يصحح عدمَ تكليفِكم بها لا بما دونها من المراتب الداخلةِ تحت استطاعتِكم ﴿فَتَذَرُوهَا﴾ أي التي مِلْتم عنها ﴿كالمعلقة﴾ التي ليست ذاتَ بعلٍ أو مطلقة وقرئ كالمسجونة وفي الحديث مَنْ كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحدُ شِقَّيه مائلٌ ﴿وَإِن تُصْلِحُواْ﴾ ما كنتم تُفسِدون من أمورهن ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ الميلَ فيما يستقبل ﴿فَإِنَّ الله كَانَ غَفُوراً﴾ يغفرُ لكم ما فرَط منكُم من الميل ﴿رَّحِيماً﴾ يتفضل عليكم برحمته

стр. 1137

﴿وإن يتفرقا﴾ وقرئ يتفارقا أي وإن يفارقْ كلٌّ منهما صاحبَه بأن لم يتفِقْ بينهما وِفاقٌ بوجه ما من الصلح وغيرِه ﴿يُغْنِ الله كُلاًّ﴾ منهما أي يجعلْه مستغنياً عن الآخر ويكفيه مُهمّاتِه ﴿مّن سَعَتِهِ﴾ من غناه وقُدرته وفيه زجرٌ لهما عن المفارقة رُغماً لصاحبه ﴿وَكَانَ الله واسعا حَكِيماً﴾ مقتدراً متْقِناً في أفعاله وأحكامِه وقولُه تعالى

стр. 1138

﴿ولله ما في السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ أي من الموجوداتِ كائناً ما كانَ منْ الخلائق وأرزاقُهم وغيرُ ذلك جملةٌ مستأنفةٌ منبّهةٌ على كمال سعتِه وعِظَم قدرتِه ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذين أُوتُواْ الكتاب من قَبْلِكُمْ﴾ أي أمرناهم في كتابهم وهم اليهودُ والنصارى ومَنْ قبلهم من الأمم واللامُ في الكتاب للجنس ومن متعلقة بوصّينا أو بأوتوا ﴿وإياكم﴾ عطف على الموصول ﴿أَنِ اتقوا الله﴾ أي وصينا كلا منكم بأن اتقوا الله على أنَّ أنْ مصدريةٌ حذف عنها الجارُّ ويجوز أن تكون مفسِّرةً لأن التوصيةَ في معنى القولِ فقوله تعالى ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ ما في السماوات وَمَا فِي الارض﴾ حينئذ من تتمة القولِ المحكيِّ أي ولقد قلنا لهم ولكم اتقوا الله وإن تكفروا إلى آخر الآية وعلى تقدير كونِ أنْ مصدرية مبني الكلام إرادة القول أي أمرناهم وإياكم بالتقوى وقلنا لهم ولكم إن تكفروا الآية وقيل هي جملةٌ مستأنفةٌ خوطب بها هذه الأمة وأيما ما كان فالمترتبُ على كفرهم ليس مضمونَ قولِه تعالى فإن لله الآية بل هو الأمرُ بعلمه كأنه قيل وإن تكفروا فاعلَموا إِنَّ للَّهِ مَا فِى السموات وما في الأرض

стр. 1139

١٣٢ - ١٣٣ ١٣٤ النساء من الخلائق قاطبةً مفتقرون إليه في الوجود وسائرِ النعمِ المتفرِّعةِ عليه لا يستغنون عن فيضه طرفةَ عينٍ فحقُّه أن يُطاع ولا يعصى ويتقى عقابُه ويجى ثوابُه وقد قرر ذلك بقوله تعالى ﴿وَكَانَ الله غَنِيّاً﴾ أي عن الخلق وعبادتِهم ﴿حَمِيداً﴾ محموداً في ذاته حمِدوه أو لم يحْمَدوه فلا يتضرر بكفرهم ومعاصيهم كما لا ينتفع بشكرهم وتقواهم وإنما وصّاهم بالتقوى لرحمته لا لحاجته

стр. 1140

﴿ولله ما في السماوات وَمَا فِي الارض﴾ كلامٌ مبتدأٌ مسوقٌ للمخاطبين توطئةً لما بعده من الشرطية غيرُ داخلٍ تحت القول المحكيِّ أي له سبحانه ما فيهما من الخلائق خلقاً ومُلكاً يتصرف فيهم كيفما يشاء إيجاداً وإعداماً وإحياءً وإماتة ﴿وكفى بالله وَكِيلاً﴾ في تدبير أمورِ الكلِّ وكلِّ الأمور فلا بد من أن يُتوكلَ عَلَيْهِ لا على أحد سواه

стр. 1141

﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس﴾ أي يُفْنِكم ويستأصِلْكم بالمرة ﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ أي يوجد دفعةً مكانكم قوماً آخرين من البشر أو خلقاً آخرين مكانَ الإنسِ ومفعولُ المشئية محذوفٌ لكونه مضمونَ الجزاءِ أي إن يشأ إفناءَكم وإيجادَ آخرين يذهبْكم الخ يعني أن إبقاءَكم على أما أنتم عليه من العصيان إنما هو لكمال غناه عن طاعتكم ولعدم تعلقِ مشيئته المبنية على الحكم البالغةِ بإفنائكم لا لعجزه سبحانه تعالى عن ذلكَ عُلواً كبيراً ﴿وَكَانَ الله على ذلك﴾ أي على إفناءكم بالمرة وإيجاد آخرين دفعة مكانكم ﴿قديرا﴾ بليغ القدرة وفيه لا سيما في توسيط الخطابِ بين الجزاءِ وما عُطف عليهِ من تشديد التهديد ما لا يخفى وقيل هو خطاب لمن عادى رسولَ الله ﷺ من العرب أي إن يشأ يُمِتْكم ويأتِ بأناس آخرين يوالونه فمعناه هو معنى قوله تعالى وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أمثالكم ويروى أنها لما نزلت ضرب رسول الله ﷺ بيده على ظهر سلمانَ وقال إنهم قومُ هذا يريد أبناءَ فارسَ

стр. 1142

﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا﴾ كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة ﴿فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والاخرة﴾ أي فعنده تعالى ثوابُهما له إن أراده فما له يطلُب أخسَّهما فليطلُبْهما كمن يقول ربنا آتِنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً أو لِيَطلُبْ أشرفَهما فإن من جاهد خالصاً لوجهِ الله تعالى لم تُخطِئْه الغنيمةُ وله في الآخرة ما هي في جنبه كلا شئ أي فعند الله ثوابُ الدارين فيعطي كلاًّ ما يريده كقوله تعالى مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ الآية ﴿وَكَانَ الله سَمِيعاً بَصِيراً﴾ عالماً بجميع المسموعاتِ والمُبصَرات فيندرج فيها ما صدَر عنهُم من الأقوال والأعمالِ المتعلقةِ بمراداتهم اندراجاً اوليا

стр. 1143

١٣٥ - ١٣٦ النساء

стр. 1144

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط﴾ مبالِغين في العدْل وإقامةِ القسطِ في جميع الأمورِ مجتهدين في ذلك حقَّ الاجتهاد ﴿شهداء لله﴾ بالحق تقيمون شهاداتِكم لوجه الله تعالى وهو خبرٌ ثانٍ وقيلَ حَالٌ ﴿وَلَوْ على أنفسكم﴾ أى ولو كانت الشهادةُ على أنفسكم بأن تُقِرُّوا عليها على أن الشهادةَ عبارةٌ عن الإخبار بحق الغيرِ سواءٌ كان ذلك عليه أو على ثالث بأن يكون الشهادةُ مستتبِعةً لضرر ينالكم من جهة المشهودِ عليه ﴿أَوِ الوالدين والاقربين﴾ أي ولو كان على والدِيكم وأقاربِكم ﴿إِن يَكُنَّ﴾ أي المشهودُ عليه ﴿غنيا﴾ ينبغى في العادة رضاه ويتقى سَخَطُه ﴿أَوْ فَقَيراً﴾ يُترحّم عليه غالبا وقرئ إن يكن غنيٌّ أو فقيرٌ على أنَّ كانَ تامةٌ وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالة قوله تعالى ﴿فالله أولى بهما﴾ عليه أى فلا تمنعوا عنها طلباً لرضا الغِنى أو ترحماً على الفقير فإن الله تعالى أَولى بجنسي الغنيِّ والفقير المدلولِ عليهما بما ذكر ولولا أن الشهادةَ عليهما مصلحةٌ لهما لما شرعها وقرئ أَوْلى بهم ﴿فَلَا تَتَّبِعُواْ الهوى أَن تَعْدِلُواْ﴾ أي مخافةَ أن تعدِلوا عن الحق فإن اتباعَ الهوى من مظانِّ الجَوْرِ الذي حقُّه أن يُخافَ ويُحذر وقيل كراهةَ أن تعدِلوا بين الناسِ أو إرادةَ أن تعدِلوا عن الحق ﴿وَإِن تَلْوُواْ﴾ أي ألسنتَكم عن شهادة الحقِّ أو حكومةِ العدلُ بأن تأتوا بها لا على وجهها وقرئ وإن تلُوا من الولاية والتصدي أي وإن وَلِيتم إقامةَ الشهادة ﴿أَوْ تُعْرِضُواْ﴾ أي عن إقامتها رأساً ﴿فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ مِن لَيِّ الألسنةِ والإعراضِ بالكلية أو من جميعِ الأعمالِ التي من جُملتها ما ذكر ﴿خَبِيراً﴾ فيجازيكم لا محالة على ذلك فهو على القراءة المشهورةِ وعيدٌ محضٌ وعلى القراءة الأخيرةِ متضمِّنٌ للوعيد

стр. 1145

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ﴾ خطابٌ لكافة المسلمين فمعنى قولِه تعالى ﴿آمنُوا بالله وَرَسُولِهِ والكتاب الذى نَزَّلَ على رَسُولِهِ والكتاب الذى أَنَزلَ مِن قَبْلُ﴾ اثبُتوا على الإيمان بذلك وداوموا عليه وازدادوا فيه طُمأْنينةً ويقيناً أو آمِنوا بما ذكر مفصلا بناء على أن إيمانَ بعضِهم إجماليٌّ والمرادُ بالكتاب الثاني الجنسُ المنتظِمُ لجميعِ الكتبِ السماوية لقوله تعالى وكتبه بالإيمان به الإيمانُ بأن كلَّ كتاب من تلك الكتبِ مُنزَّلٌ منه تعالى على رسول معينٍ لإرشاد أمتِه إلى ما شرَع لهم من الدين بالأومر والنواهي لكن لا على أن مدارَ الإيمانِ بكل واحد من تلك الكتب خصوصيةُ ذلك الكتابِ ولا على أن أحكامَ تلك الكتبِ وشرائعَها باقيةٌ بالكلية ولا على أن الباقيَ منها معتبرٌ بالإضافة إليها بل على أن الإيمانَ بالكل

стр. 1146

١٣٧ - ١٣٨ النساء مندرجٌ تحت الإيمانِ بالكتاب المنزلِ على رسوله وأن أحكامَ كلَ منها كانت حقة ثابتة إلى ورود ما نسخها وأن ما لم ينسخ منها إلى الآن من الشرائع والأحكام ثابتةٌ من حيث إنها من أحكام هذا الكتاب الجليلِ المصونِ عن النسخ والتبديلِ كما مر في تفسير خاتمةِ سورة البقرةِ وقرئ نُزل وأُنزل على البناء للمفعول وقيل هو خطابٌ لؤمنى أهل الكتاب لما أنَّ عبدَ اللَّه بنَ سلام وابنَ أختِه سلامةَ وابنَ أخيه سَلَمةَ وأسَداً وأُسيداً ابنى كعبٍ وثعلبةَ بنَ قيسٍ ويامينَ بنَ يامينَ أتَوا رسول الله ﷺ وقالوا يا رسولَ الله أنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراةِ وعزيرٍ ونكفر بما سواه من الكتب والرسل فقال ﷺ بل آمِنوا بالله ورسولِه محمدٍ وكتابه القرآنِ وبكل كتابٍ كان قبله فقالوا لا نفعل فنزلت فآمنوا كلُّهم فأمرهم بالإيمان بالكتاب المتناوِلِ للتوراة مع أنهم مؤمنون بها من قبلُ ليس لكون المرادِ بالإيمان ما يعُمّ إنشاءَه والثباتَ عليه ولالأن متعلَّقَ الأمر حقيقةً هو الإيمانُ بما عداها كأنه قيل آمِنوا بالكل ولا تخُصُّوه بالبعض بل لأن المأمور به إنما هو الإيمانُ بها في ضمن الإيمانِ بالقرآن على الوجه الذي أشير إليه آنفاً لا إيمانُهم السابقُ ولأن فيه حملاً لهم على التسوية بينهما وبين سائر الكتبِ في التصديق لاشتراك الكلِّ فيما يوجبه وهو النزولُ من عند الله تعالى وقيل خطابٌ لأهل الكتابين فالمعنى آمنوا بالكل لا ببعض دون بعض وأمر كل طائفةٍ بالإيمان بكتابه في ضمن الأمرِ بالإيمان بجنس الكتابِ لما ذكر وقيل هو للمنافقين فالمعنى آمِنوا بقلوبكم لا بألسنتكم فقط ﴿ومن يكفر بالله وملائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ واليوم الاخر﴾ أى بشئ من ذلك ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضلالا بَعِيداً﴾ عن المقصِد بحيث لا يكاد يعود إلى طريقه وزيادةُ الملائكةِ واليومِ الآخرِ في جانب الكفر لما أن بالكفر بأحدهما لا يتحقق الإيمانُ أصلاً وجمعُ الكتبِ والرسلِ لما أن الكفرَ بكتاب أو برسول كفرٌ بالكل وتقديمُ الرسولِ فيما سبق لذكر الكتابِ بعنوان كونِه منزلاً عليه وتقديمُ الملائكة والكتبِ على الرسل لأنهم وسايط بين الله وبيّن الرسلِ في إنزال الكتب

стр. 1147

﴿إن الذين آمنوا﴾ قال قتادة هم اليهودُ آمنوا بموسى ﴿ثُمَّ كَفَرُواْ﴾ بعبادتهم العجلَ ﴿ثُمَّ آمنوا﴾ عند عَودِه إليهم ﴿ثُمَّ كَفَرُواْ﴾ بعيسى والإنجيل ﴿ثُمَّ ازدادوا كُفْراً﴾ بكفرهم بمحمد ﷺ وقيل هم قومٌ تكررَ منهم الارتدادُ وأصرّوا على الكفر وازدادوا تمادياً في الغي ﴿لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ لما أنه يُستبعد منهم أن يتوبوا عن الكفر ويثبُتوا على الإيمان فإن قلوبَهم قد ضربت بالكفر وتمرّنت على الرِّدة وكان الإيمانُ عندهم أهونَ شئ وأدونه لاانهم لو أخلصوا الإيمانَ لم يُقبل منهم ولم يغفَرْ لهم وخبرُ كان محذوفٌ أي مريداً ليغفر لهم وقوله عز وجل

стр. 1148

﴿بَشّرِ المنافقين بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ يدل على أن المرادَ بالمذكورين الذين آمنوا في الظاهر نِفاقاً وكفروا في السر مرةً بعد أخرى ثم ازدادوا كفرا ونفاقا ووضع

стр. 1149

١٣٩ - ١٤٠ النساء بشر موضع أنذر تهكماً بهم

стр. 1150

﴿الذين يَتَّخِذُونَ الكافرين أَوْلِيَاء﴾ في محل النصبِ أو الرفعُ على الذم بمعنى أريد بهم الذين أوهم الذين وقيل نُصب على أنه صفةٌ للمنافقين وقوله تعالى ﴿مِن دُونِ المؤمنين﴾ حال من فاعل يتخذون أي يتخذون الكفرةَ أنصاراً متجاوزين ولايةَ المؤمنين وكانوا يوالونهم ويقول بعضُهم لبعض لايتم أمر محمدٍ ﷺ فتولَّوا اليهود ﴿أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة﴾ إنكارٌ لرأيهم وإبطالٌ له وبيانٌ لخيبة رجائِهم وقطعٌ لأطماعهم الفارغةِ والجملةُ معترضةٌ مقررةٌ لما قبلها أي أيطلُبون بموالاة الكَفرةِ القوةَ والغلبة قال الواحدي أصلُ العزة الشدةُ ومنه قيل للأرض الشديدة الصُلبة عَزازٌ وقوله تعالى ﴿فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً﴾ تعليلٌ لما يفيده الاستفهامُ الإنكاريُّ من بُطلانِ رأيِهم وخَيبةُ رجائِهم فإن انحصارَ جميعِ أفرادِ العزةِ في جنابه عز وعلا بحيث لا ينالها إلا أولياؤُه الذين كُتب لهم العزةُ والغَلَبةُ قال تعالَى وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يقضي ببطلان التعززِ بغيره واستحالةِ الانتفاعِ به وقيل هو جوابُ شرطٍ محذوفٍ كإنَّه قيل إن يبتغوا عندهم عزة فإن العزةَ لله وجميعاً حال من المستكن في قوله تعالى لِلَّهِ لاعتماده على المبتدأ

стр. 1151

﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ خطابٌ للمنافقين بطريق الالتفاتِ مفيدٌ لتشديد التوبيخ الذى بستدعيه تعداد جناياتهم وقرئ مبنَّياً للمفعولِ من التَّنزيلِ والإنزالِ ونزَلَ أيضاً مخففاً والجملةُ حالٌ من ضمير يتخذون أيضاً مفيدةٌ لكمال قباحةِ حالِهم ونهاية استعصائِهم عليه سبحانه بييان أنهم فعلُوا ما فعلُوا من موالاة الكفرة مع تحقق ما يمنعهم من ذلك وهو وردود النهي الصريحِ عن مجالستهم المستلزمِ للنهي عن موالاتهم على أبلغِ وجهٍ وآكدِه إثرَ بيانِ انتفاءِ ما يدعوهم إليه بالجملة المعترضة كأنه قيل تتخذونهم أولياءَ والحالُ أنَّه تعالَى قد نزّل عليكم قبل هذا بمكة ﴿فِى الكتاب﴾ أي القرآن الكريم ﴿أن إذا سمعتم آياتِ الله يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فلا تقعدوا معهم حتى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غيره﴾ وذلك قوله تعالى وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ فِى آياتنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ الآية وهذا يقتضي الانزجارَ عن مجالستهم في تلك الحالة القبيحةِ فكيف بموالاتهم والاعتزازِ بهم وأنْ هي المخففةُ من أنَّ وضميرُ الشأنِ الذي هو اسمُها محذوفٌ والجملةُ الشرطية خبرُها وقولُه تعالى يَكْفُرُ بِهَا حالٌ من آياتِ الله وقوله تعالى وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا عطفٌ عليهِ داخلٌ في حكم الحاليةِ وإضافةُ الآياتِ إلى الاسمِ الجليلِ لتشريفها وإبانةِ خطرِها وتهويلِ أمر الكفرِ بها أي نزل عليكم في الكتاب أنه إذا سمعتم آياتِ الله مكفوراً بها ومستهزَأً بها وفيه دِلالةٌ على أن المنزلَ على النبيِّ ﷺ وإن خوطب به خاصةً منزلٌ على الأمة وأن مدارَ الإعراضِ عنهم هو العلمُ بخوضهم في الآيات ولذلك عبّر عن ذلك تارة بالرؤية

стр. 1152

١٤١ - ١٤٢ النساء وأخرى بالسماع وأن المرادَ بالإعراض إظهارُ المخالفةِ بالقيام عن مجالسهم لا الإعراضُ بالقلب أو بالوجه فقط والضميرُ في معهم للكفرة المدلولِ عليهم بقولِه تعالى يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا ﴿إنكم إذا مّثْلُهُمْ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ سيقت لتعليل النهي غيرُ داخلةٍ تحت التنزيلِ وإذن ملغاةٌ عن العمل لوقوعها بين المبتدأ والخبر أي لا تقعدوا معهم في ذلك الوقتِ إنكم إن فعلتموه كنتم مثلَهم في الكفر واستتباعِ العذابِ وإفرادُ المثلِ لأنه كالمصدر أو للاستغناء بالإضافة إلى الجمع وقرئ شاذاً مثلَهم بالفتح لإضافتِه إلى غيرِ متمكنٍ كما في قوله تعالى مّثْلَ ماانكم تَنطِقُونَ وقيلَ هو منصوبٌ على الظرفية أي في مثل حالهم وقوله تعالى ﴿إِنَّ الله جَامِعُ المنافقين والكافرين فِى جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ تعليلٌ لكونهم مثلَهم في الكفر ببيان ما يستلزمه من شِرْكتهم لهم في العذاب والمرادُ بالمنافقين إما المخاطَبون وقد وُضع موضِعَ ضميرهم المظهر تسجيلاً بنفاقهم وتعليلاً للحكم بمأخذ الاشتقاقِ وإما الجنسُ وهم داخلون تحته دخولاً أولياً وتقديمُ المنافقين على الكافرين لتشديد الوعيدِ على المخاطبين ونصبُ جميعاً مثلُ ما قبله

стр. 1153

﴿الذين يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى المؤمنين بتعديد بعضٍ آخرَ من جنايات المنافقين وقبائحِهم وهو إما بدلٌ من الذين يتخذون أو صفةٌ للمنافقين فقط إذ هم المتربصون دون الكافرين أو موفوع أو منصوبٌ على الذمِّ أي ينتظرون أمرَكم وما يحدُث لكم من ظفَر أو إخفاقٍ والفاء في قوله تعالى ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ الله﴾ لترتيب مضمونِه على ما قبلها فإن حكايةَ تربُّصِهم مستتبعة لحاية ما يقع بعد ذلك كما أن نفس التربُّص يستدعي شيئاً ينتظر المتربَّصُ وقوعَه ﴿قَالُواْ﴾ أي لكم ﴿أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ﴾ أي مُظاهرين لكم فأسهموا لنا في الغنيمة ﴿وَإِن كَانَ للكافرين نَصِيبٌ﴾ من الحرب فإنها سِجالٌ ﴿قَالُواْ﴾ أي للكفرة ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ أي ألم نغلِبْكم ونتمكنْ من قتالكم وأسرِكم فأبقَينا عليكم ﴿وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ المؤمنين﴾ بأن ثبّطناهم عنكم وخيّلنا لهم ما ضَعُفَت به قلوبُهم ومرِضوا في قتالكم وتوانَينا في مظاهرتهم وإلا لكنتم نُهبةً للنوائب فهاتوا نصيباً لنا مما أصبتم وتسميةُ ظفرِ المسلمين فتحاً وما للكافرين نصيباً لتعظيم شأنِ المسلمين وتخسيس حظ الكافرين وقرئ ونمنعَكم بإضمار أن ﴿فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة﴾ حكماً يليق بشأن كلَ منكم من الثواب والعقاب وأما في الدنيا فقد أُجريَ على من تفوه بكلمة الإسلام حُكمُه ولم يضع السيفَ على من تكلم بها نفاقاً ﴿وَلَن يَجْعَلَ الله للكافرين عَلَى المؤمنين سَبِيلاً﴾ حينئذ كما قد يجعل ذلك في الدنيا بطريق الابتلاءِ والاستدراجِ أو في الدنيا على أن المرادَ بالسبيل الحجة

стр. 1154

﴿إِنَّ المنافقين يخادعون الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ كلام مبتدأٌ سيق لبيان طرف

стр. 1155

١٤٣ - ١٤٤ النساء آخرَ من قبائح أعمالِهم أي يفعلون ما يفعل المخادِعُ من إظهار الإيمانِ وإبطال نقيضِه والله فاعلٌ بهم ما يفعل الغالبُ في الخدّاع حيث تركهم في الدنيا معصومي الدماء والأموالِ وَأَعَدَّ لَهُمْ في الآخرة الدرك الأسفل من النار وقد مر التحقيق في صدر سورةِ البقرةِ وقيل يُعطَوْن على الصراط نوراً كما يعطى المؤمنون فيمضون بنورهم ثم يُطفأ نورُهم ويبقى نورُ المؤمنين فينادون انظُرونا نقتبِسْ من نوركم ﴿وإذا قَامُوا إلَى الصَّلاةِ قَامُوا كسالى﴾ متثاقلين كالمكره على الفعل وقرئ بفتح الكاف وهما جَمْعا كسلان ﴿يراؤون الناس﴾ ليحسَبوهم مؤمنين والمراءاةُ مفاعلة بمعنى التفعيل كنَعِم وناعم أو للمقابلة فإن المرئى يُري غيرَه عملَه وهو يُريه استحسانَه والجملةُ إمَّا استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأَ من الكلامِ كأنَّه قيل فماذا يريدون بقيامهم إليها كُسالى فقيل يراءون إلخ أو حالٌ من ضمير قاموا ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ الله إِلَاّ قَلِيلاً﴾ عطف على يراءون أي لا يذكرونه سبحانه إلا ذكراً قليلاً وهو ذكرُهم باللسان فإنه بالإضافة إلى الذكر بالقلب قليلٌ أو إلا زماناً قليلاً أو لا يصلّون إلا قليلاً لأنهم لايصلون إلا بمر أى من الناس وذلك قليلٌ وقيل لا يذكرونه تعالى في الصلاة إلا قليلاً عند التكبيرِ والتسليمِ

стр. 1156

﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك﴾ حال من فاعل يراءون أو منصوبٌ على الذمِّ وذلك إشارةٌ إلى الإيمان والكفرِ المدلولِ عليهما بمعونة المقامِ أى مرددين بينهما متحيرين قد ذبذبهم الشيطانُ وحقيقةُ المذبذبِ ما يُذَبّ ويُدفع عن كِلا الجانبين مرةً بعد أخرى وقرئ بكسر الذالِ أي مذَبْذِبين قلوبَهم أو رأيَهم أو دينهم او هو بمعنى متذبذبين كما جاء صلصل بمعنى نصلصل وفي مصحف ابن مسعودٍ ﵁ متذبذبين وقرئ مدبدبين بالدال غير المعجمة وكأن المعنى أخذ بهم تارة في دُبَّةٍ أي طريقة وأخرى في أخرى ﴿لَا إلى هَؤُلاء وَلَا إلى هؤلاء﴾ اى لامنسوبين إلى المؤمنين ولا منسوبين إلى الكافرين أولا صائرين إلى الأولين ولا إلى الآخَرين فمحلُّه النصبُ على أنه حال من ضمير مذبذبين أو على أنه بدلٌ منه أو بيان وتفسيرله ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله﴾ لعدم استعدادِه للهداية والتوفيق ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ موصِلاً إلى الحق والصواب فضلاً عن أن تهديه إليه والخطابُ لكلِّ من يصلُح له كائناً من كانَ

стр. 1157

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين﴾ نُهوا عن موالاة الكفرةِ صريحاً وإن كان في بيان حال المنافقين مزجرة عن ذلك مبالغةً في الزجر والتحذير ﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾ أي أتريدون بذلك أن تجعلوا لله عليكم حجةً بيّنةً على أنكم منافقون فإن موالاتَهم أوضحُ أدلةِ النفاقِ أو سلطاناً يُسلِّط عليكم عقابَه وتوجيهُ الإنكار إلى الإرادة دون متعلَّقِها بأن يقال أتجعلون المبالغة في إنكارِه وتهويلِ أمرِه ببيان أنه مما لا يصدُر عن العاقل إرادتُه فضلاً عن صدور نفسِه كما في قوله أم تريدون أن تسألوا رسولكم

стр. 1158

١٣٥ - ١٤٦ ١٤٧ ١٤٨ النساء

стр. 1159

﴿إنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ وهو الطبقة التى فى قعر جهنم وإنما كان كذلك لأنهم أخبث الكفرة حيث ضموا إلى الكفر الاستهزاء بالإسلام وأهله وخداعهم وأما قوله ﷺ ثلاثٌ من كنّ فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان ونحوه فمن باب التشديد والتهديد والتغليظ مبالغة فى الزجر وتسمية طبقاتها السبع دركات لكونها متداركة متتابعة بعضها تحت بعض وقرئ بفتح الراء وهو لغة كالسطر والسطر ويعضده أن جمعه أدراك ﴿ولن تجد لهم نصيراً﴾ يخلصهم منه والخطاب كما سبق

стр. 1160

﴿إلا الذين تابوا﴾ أي عن النفاق وهو استثناء من المنافقين بل من ضميرهم فى الخبر ﴿وأصلحوا﴾ ما أفسدوا من أحوالهم فى حال النفاق ﴿واعتصموا بالله﴾ أى وثقوا به وتمسكوا بدينه ﴿وأخلصوا دينهم﴾ أى جعلوه خالصاً ﴿لله﴾ لا يبتغون بطاعتهم إلا وجهه ﴿فأولئك﴾ إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلةِ وما فيهِ منْ مَعْنى البُعدِ للإيذانِ ببعدِ المنزلة وعلو الطبقة ﴿مع المؤمنين﴾ أى المؤمنين المعهودين الذين لم يصدر عنهم نفاق أصلا منذ آمنوا وإلا فهم أيضاً مؤمنون أى معهم فى الدرجات العالية من الجنة وقد بين ذلك بقوله تعالى ﴿وسوف يؤت الله المؤمنين أَجْراً عَظِيماً﴾ لا يُقادر قدره فيساهمونهم فيه
следующие страницы →