Полный текст (8 642 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
البقرة (٢٧)
ذلك أقيلة أهل الهدى بالنسبة إلى أهل الضلالِ حسبما نطَق به قولُه تعالى ﴿وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور﴾ ونحو ذلك واعتبار كثرتهم الذاتية دون قلتهم الإضافة لتكميل فائدة ضربِ المثل وتكثيرِها ويجوز أن يراد في الأولين الكثرةُ من حيث العددُ وفي الآخَرين من حيث الفضلُ والشرفُ كما في قول من قال
إن الكرامَ كثيرٌ في البلاد ... وإن قَلُّوا كما غيرهم قُلٌّ وإن كثروا
وإسنادُ الإضلال أي خلق الضلال إليه سبحانه مبنيٌّ على أن جميع الشياء مخلوقةٌ له تعالى وإن كان أفعالُ العباد من حيث الكسبُ مستندةً إليهم وجعلُه من قبيلِ إسنادِ الفعلِ إلى سببه يأباه التصريحُ بالسبب وقرئ يُضَلُّ به كثيرٌ ويهدى به كثير على البناء للمفعول وتكرير به مع جواز الاكتفاء بالأول لزيادة تقريرِ السببية وتأكيدِها
﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ﴾ أي بالمثل أو بضربه
﴿إِلَاّ الفاسقين﴾ عطف على ما قبله وتكلمة للجواب والردِّ وزيادةُ تعيينٍ لمن أريد إضلالُهم ببيان صفاتهم القبيحةِ المستتبعةِ له وإشارةٌ إلى أن ذلك ليس إضلالاً ابتدائياً بل هو تثبيتٌ على ما كانُوا عليهِ من فنون الضلال وزيادة فيه وقرئ وما يُضَل به إلا الفاسقون على البناء للمفعول والفِسق في اللغة الخروج يقال فسَقت الرُّطْبة عن قشرها والفأرةُ من جُحرها أي خرجت قال رؤية
يذهبْن في نجدٍ وغَوْرا غائرا ... فواسقاً عن قصدها جوائرا
وفي الشريعة الخروجُ عن طاعةِ الله بارتكاب الكبيرة التي من جملتها الإصرارُ على الصغيرة وله طبقاتٌ ثلاثٌ الأولى التغابي وهو ارتكابُها أحياناً مستقبِحاً لها والثانية الانهماكُ في تعاطيها والثالثةُ المثابرة عليها مع جحود قُبحها وهذه الطبقةُ من مراتب الكفر فما لم يبلُغْها الفاسقُ لا يُسلب عنه اسمُ المؤمن لاتصافه بالتصديق الذي عليه يدور الإيمان ولقوله تعالى ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا﴾ والمعتزلةُ لما ذهبوا إلى أن الايمان عبارة عن مجموعة تصديق والإقرارِ والعملِ والكفرَ عن تكذيب الحق وجحوده ولم يتسنَّ لهم إدخالُ الفاسقِ في أحدهما فجعلوه قسماً بين قسمي المؤمن والكافر لمشاركة كلَّ واحدٍ منهما في بعض أحكامه والمرادُ بالفاسقين ههنا العاتون الماردون في الكفر الخارجون عن حدوده ممن حُكي عنهم ما حُكي من إنكار كلامِ الله تعالى والاستهزاءِ به وتخصيصُ الإضلالِ بهم مترتباً على صفة الفسق وما أجريَ عليهم من القبائح للإيذانِ بأنَّ ذلك هو الذي أعدَّهم للإضلال وأدى بهم إلى الضلال فإن كفرَهم وعدولَهم عن الحق وإصرارهم على الباطل صرفت وجوهَ أنظارِهم عن التدبر في حكمة المثَل إلى حقارة الممثَّل به حتى رسَخت به جهالتُهم وازدادت ضلالتُهم فأنكروه وقالوا فيه ما قالوا
стр. 107
﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ الله﴾ صفةٌ للفاسقين للذم وتقريرِ ماهم عليه من الفسق والنقضُ فسخُ التركيب من المركبات الحسية كالحبْل والغزل ونحوهما واستعمالُه في إبطال العهد من حيث استعارةُ الحبل له لما فيه من ارتباط أحد كلامي المتعاهدين بالآخر فإن شُفِعَ بالحبل وأريد به العهدُ كان ترشيحاً للمجاز وإن قُرن بالعهد كان رمزاً إلى ما هو من روادفه وتنبيهاً على مكانه وأن المذكور قد استُعير له كما يقال شجاعٌ يفترس أقرانه
стр. 108
البقرة (٢٨)
وعالمٌ يغترف منه الناسُ تنبيهاً على أنه أسدٌ في شجاعته وبحرٌ في إفاضته والعهدُ المَوْثِقُ يقال عهِد إليه كذا إذا وصّاه به ووثّقه عليه والمرادُ ههنا إما العهدُ المأخوذ بالعقل وهو الحجة القائمةُ على عباده الدالةُ على وجوده ووَحدتِه وصدقِ رسولِه ﵇ وبه أُوّل قولُه تعالى ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى﴾ أو المعنى الظاهرُ منه أو المأخوذُ من جهة الرُّسلُ ﵈ على الأمم بأنهم إذا بعث إليهم رسولٌ مصدِّقٌ بالمعجزات صدّقوه واتبعوه ولم يكتُموا أمرَه وذِكرُه في الكتب المتقدمة ولم يخالفوا حكمه كما ينبئ عنه قولُه ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ ونظائرُه وقيل عهودُ الله تعالى ثلاثة الأولُ ما أخذه على جميع ذريةِ آدمَ ﵇ بأن يقروا على ربوبيته والثاني ما أخذه على الأنبياءِ ﵈ بأن يُقيموا الدينَ ولا يتفرقوا فيه والثالث ما أخذه على العلماء بأن يُبينوا الحق ولا يكتموه
﴿مِن بَعْدِ ميثاقه﴾ الميثاقُ إما اسمٌ لما يقع به الوَثاقة والإحكام وإما مصدرٌ بمعنى التوثقة كالميعاد بمعنى الوعد فعلى الأول إن رجع الضمير إلى العهد كان المرادُ بالميثاق ما وثّقوه به من القَبول والالتزام وإن رجع إلى لفظ الجلالة يُراد به آياتُه وكتبُه وإنذارُ رسلِه ﵈ والمضافُ محذوفٌ على الوجهين أي من بعد تحقّق ميثاقِه وعلى الثاني إن رجَع الضميرُ إلى العهد والميثاقُ مصدرٌ من المبنيّ للفاعل فالمعنى من بعد أن وثّقوه بالقبول والالتزام أو من بعد أن وثقه اللَّهِ بإنزالِ الكتب وإنذارِ الرسل وإن كان مصدرٌ من المبنيِّ للمفعولِ فالمعنى من بعد كونه مُوَثقاً إما بتوثيقهم إياه بالقَبول وإما بتوثيقه تعالى إياه بإنزال الكتب وإنذارِ الرسل
﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ يحتمل كلَّ قطيعة لا يرضى بها الله كقطع الرحم وموالاة المؤمنين والتفرقةِ بين الأنبياءِ ﵈ والكتب في التصديق وتركِ الجماعات المفروضةِ وسائرِ ما فيه رفضُ خيرٍ أو تعاطي شر فإنه يقطع مابين الله تعالى وبين العبد من الوصلة التي هي المقصودةُ بالذات من كل وصلٍ وفصل والأمر هو القولُ الطالبُ للفعل مع العلو وقيل بالاستعلاء وبه سمِّي الأمرُ الذي هو واحدُ الأمور تسميةً للمفعول بالمصدر فإنه مما يؤمَر به كما يقال له شأنٌ وهو القصدُ والطلب لما أنه أثَرٌ للشأن وكذا يقال له شيء وهو مصدرُ شاء لما أنه أثرٌ للمشيئة ومحلُّ أن يوصل إما النصبُ على أنه بدل من الموصول أو من ضميره والثاني أولى لفظاً ومعنى
﴿وَيُفْسِدُونَ فِى الارض﴾ بالمنع عن الإيمان والاستهزاءِ بالحق وقطعِ الوصل التي عليها يدورُ فلكُ نظام العالم وصلاحُه
﴿أولئك﴾ إشارة إلى الفاسقين باعتبار اتصافِهم بما فُصل من الصفاتِ القبيحة وفيه إيذانٌ بأنهم متميزون بها أكملَ تميز ومنتظمون بسببِ ذلكَ في سلكِ الأمور المحسوسة وما فيه من معنى البُعد للدِلالة على بُعد منزلتهم في الفساد
﴿هُمُ الخاسرون﴾ الذين خسروا بإهمال العقلِ عن النظر واقتناصِ ما يفيدهم الحياةَ الأبدية واستبدالِ الإنكار والطعنِ في الآيات بالإيمان بها والتأملِ في حقائقها والاقتباسِ من أنوارها واشتراءِ النقض بالوفاءِ والفسادِ بالصلاح والقطيعةِ بالصلة والعقاب بالثواب
стр. 109
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله﴾ التفات إلى خطاب المذكورين مبنيٌّ على ايراد ما عدد من
стр. 110
البقرة (٢٩)
قبائحهم السابقة لتزايد السَخَط الموجب للمشافهة بالتوبيخ والتقريع والاستفهامُ إنكاريٌّ لا بمعنى إنكارُ الوقوعِ كما في قوله تعالى ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله وَعِندَ رَسُولِهِ﴾ الخ بل بمعنى إنكارُ الواقعِ واستبعادُه والتعجيبُ منه وفيه من المبالغة ما ليس في توجيه الإنكارِ إلى نفس الكفرِ بأن يقال أتكفرون لأن كلَّ موجودٍ يجب أن يكون وجودُه على حال من الأحوال قطعاً فإذا انتفى جميعُ أحوال وجودِه فقد انتفى وجودُه على الطريق البرهاني وقوله
﴿وَكُنتُمْ أمواتا﴾ إلى آخر الآية حالٌ من ضمير الخطاب في تكفرون مؤكدةٌ للإنكار والاستبعادِ بما عُدِّد فيها من الشئون العظيمة الداعيةِ إلى الإيمان الرادعة عن الكفر من حيث كونُها نعمةً عامة ومن حيث دلالتُها على قدرة تامةٍ كقوله تعالى ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ وكيف منصوبةٌ على التشبيه بالظرف عند سيبويه وبالحال عند الأخفش أي في أي حال أو على أي حالٍ تكفُرون به تعالى والحالُ أنكم كنتم أمواتاً أيْ أجساماً لا حياة لها عناصرَ وأغذيةً ونُطفاً ومُضَغاً مخلّقةٍ وغيرَ مخلّقةٍ والأمواتُ جمع ميت كأقوال جمع قيل وإطلاقُها على تلك الأجسام باعتبار عدمِ الحياةِ مطلقاً كما في قوله تعالى ﴿بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ وقوله تعالى ﴿وآية لَّهُمُ الارض الميتة﴾
﴿فأحياكم﴾ بنفْخِ الأرواحِ فيكم والفاء للدلالة على التعقيب فإنّ الإحياءَ حاصلٌ إثرَ كونِهم أمواتاً وإنْ توارد عليهم في تلك الحالة أطوارٌ مترتبةٌ بعضُها متراخٍ عن بعض كما أشير إليه آنفاً
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ أي عند انقضاءِ آجالِكم وكونُ الإماتة من دلائل القدرةِ ظاهر وأما كونُها من النعم فلكونها وسيلةً إلى الحياة الثانية التي هي الحيَوان والنعمةُ العظمى والتراخي المستفادُ من كلمة ثم بالنسبة إلى زمان الإحياءِ دون زمان الحياة فإن زمانَ الإماتةِ غيرُ متراخٍ عنه
﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بالنشور يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصور أو للسؤال في القبور واياما كان فهو متراخٍ من زمان الإماتة وإن كان إثرَ زمانِ الموتِ المستمر
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بعد الحشرِ لا إلى غيره فيجازيكم بأعمالكم إنْ خيراً فخيرٌ وإنْ شرا فشر واليه تُنْشرون من قبوركم للحساب وهذه الأفعالُ وإن كان بعضُها ماضياً وبعضُها مستقبلاً لا يتسنى مقارنة شئ منها لما هو حالٌ منه في الزمان لكن الحالَ في الحقيقة هو العلم المتعلّقُ بها كأنه قيل كيف تكفرون بالله وأنتم عالمون بهذه الأحوال المانعةِ منه ومآلُه التعجيبُ من وقوعِه مع تحقق ما ينفيه وإنما نُظم ما ينكرونه من الإحياء الأخيرِ والرَّجْعِ في سِلك ما يعترفون به من الإحياء الأولِ والإماتةِ تنزيلاً لتمكّنهم من العلم لما عاينوه من الدلائل القاطعةِ منزلةَ العلمِ بذلك بالفعل في إزاحة العللِ والأعذار والحياةُ حقيقةٌ في القوة الحساسة أو ما يقتضيها وبها سُمي الحيوان حيواناً مجازٌ في القوة النامية لكونها من طلائعها وكذا فبما يخصُّ الإنسانَ من العقل والعلم والإيمان من حيث إنه كمالُها وغايتُها والموتُ بإزائها يطلق على ما يقابل كلَّ مرتبة من تلك المراتب قال تعالى ﴿قُلِ الله يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ وقال تعالى ﴿اعلموا أن الله يحيي الارض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وقال تعالى ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى الناس﴾ وعند وصفِه تعالى بها يُراد صِحةَ اتصافِه تعالى بالعلم والقدرة اللازمة لهذه القوة فينا أو معنى قائمٌ بذاته تعالى مقتض لذلك وقرئ تَرجِعون بفتح التاء والأولُ هو الأليقُ بالمقامِ
стр. 111
﴿هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارض جَمِيعاً﴾
стр. 112
تقريرٌ للإنكار وتأكيدٌ له من الحيثيتين المذكورتين غُيِّر سبكُه عن سبك ما قبله مع اتحادهما في المقصود إبانةً لما بينهما من التفاوت فإن ما يتعلق بذواتهم من الإحياءِ والإمانة والحشرِ أدخلُ في الحث على الإيمان والكفِّ عن الكفر مما يتعلق بمعايشهم وما يجري مَجراها وفي الضمير مبتدأً والموصولِ خبراً من الدلالة على الجلالة مالا يخفى وتقديمُ الظرفِ على المفعولِ الصريح لتعجيل المسرة ببيان كونِه نافعاً للمخاطبين وللتشويق إليه كما سلف أي خلق لأجلكم جميعَ ما فى الأرض من الموجودات لتنتفعوا بها في أمور دنياكم بالذات أو بالواسطة وأمورِ دينكم بالاستدلال بها على شئون الصانعِ تعالى شأنُه والاستشهادِ بكل واحد منها على ما يلائمُه من لذّات الآخرة وآلامِها وما يعمُّ جميعَ ما في الأرضِ لا نَفْسَها إلا أن يُرادَ بها جهةُ السفل كما يراد بالسماء جهةُ العلو نعم يعمُّ كل جزءٍ من أجزائها فإنَّه من جملةِ ما فيها ضرورةُ وجودِ الجزءِ في الكل وجميعا حال من الموصول الثاني مؤكدةٌ لما فيه من العموم فإن كلَّ فردٍ من أفرادِ ما في الأرض بل كلُّ جزءٍ من أجزاءِ العالم له مدخَلٌ في استمراره على ما هو عليه من النظام اللائق الذي عليه يدور انتظامُ مصالحِ الناس أما من جهة المعاشِ فظاهرٌ وأما من جهة الدينِ فلما أنه ليس في العالم شئ مما يتعلق به النظرُ وما لا يتعلق به إلا وهو دليلٌ على القادر الحكيم ﷻ كما مرَّ في تفسيرِ قولِه تعالى ﴿رَبّ العالمين﴾ وإن لم يستدِلَّ به أحد بالفعل
﴿ثُمَّ استوى إِلَى السماء﴾ أي قصَدَ إليها بإرادته ومشيئته قصداً سوياً بلا صارفٍ يَلويه ولا عاطفٍ يَثنيه من ارادة خلق شئ آخَرَ في تضاعيف خلقِها أو غير ذلك مأخوذ من قولهم استوى إليه كالسهم المُرْسل وتخصيصُه بالذكر ههنا إما لعدم تحققِه في خلق السُفليات لما رُوي مِنْ تخلّل خلقِ السموات بين خلقِ الأرضِ ودحوها عن الحسن ﵁ خلق الله تعالى الأرضَ في موضعِ بيتِ المقدس كهيئة الفِهْرِ عليها دخانٌ يلتزقُ بها ثمَّ أصعدَ الدخانَ وخلقَ منهُ السمواتِ وأمسكَ الفِهْرَ في موضعِها وبسَط منها الأرَضين وذلكَ قولُه تعالى ﴿كَانَتَا رَتْقاً ففتقناهما﴾ وإما لإظهار كمالِ العنايةِ بإبداع العُلويات وقيل استوى استولى وملك والأولُ هو الظاهر وكلمةُ ثم للإيذان بما فيه من المزِية والفضل على خلق السفليات لا للتراخي الزماني فإن تقدّمَه على خلقُ ما في الأرض المتأخرِ عن دَحْوها مما لا مِريةَ فيه لقولِه تعالى ﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها﴾ ولما رُوي عن الحسن والمرادُ بالسماء إما الأجرامُ العلوية فإن القصداليها بالإرادة لا يستدعي سابقةَ الوجود وإما جهاتُ العلو
﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ أي أتمهنّ وقوَّمهن وخلقهنّ ابتداءً مصونةً عن العِوَج والفُطورِ لا أنه تعالى سواهن بعد أن لم يكن كذلك ولا يَخْفَى ما في مقارنة التسوية والاستواءِ من حُسن الموقع وفيه إشارة إلى أن لا تغيير فيهن بالنمو والذُّبول كما في السُفليات والضميرُ على الوجه الاول للسماء فإنها في معنى الجنس وقيل هي جمعُ سماءةٍ أو سماوة وعلى الوجه الثاني منهم يفسّره قولُه تعالى
﴿سَبْعَ سماوات﴾ كما في قولهم رُبَّه رجلاً وهو على الوجه الأولِ بدلٌ من الضمير وتأخيرُ ذكرِ هذا الصُنع البديعِ عن ذكر خلقِ ما في الأرض مع كونه أقوى منه في الدِلالة على كمالِ القدرةِ القاهرةِ كما نُبه عليه لما أنَّ المنافعَ المنوطةَ بما في الأرض أكثرُ وتعلقَ مصالحِ الناسِ بذلكَ أظهر وإن كان في إبداع العلوياتِ أيضاً من المنافع الدِّينيَّةِ والدُّنيويَّةِ مالا يُحصى هذا ما قالوا وسيأتي في حم السجدة مزيدُ تحقيقٍ وتفصيلٍ بإذن الله تعالى
﴿وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ﴾ اعتراضٌ تذييليٌّ مقررٌ لما قبله
стр. 113
البقرة (٣٠)
من خلقِ السمواتِ والأرضِ وما فيها على هذا النمط البديعِ المنطوي على الحِكَم الفائقةِ والمصالحِ اللائقة فإن علمه بجميع الأشياءِ ظاهرِها وباطنِها بارزِها وكامنِها وما يليق بكل واحد منها يستدعي أن يخلُق كلَّ ما يخلُقه على الوجه الرائق وقرئ وهْو بسكون الهاء تشبيهاً له بعَضْد
стр. 114
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ بيان لأمرٍ آخرَ من جنس الأمورِ المتقدمةِ المؤكدةِ للإنكار والاستبعادِ فإن خلقَ آدمَ ﵇ وما خصّه به من الكرامات السنية المحْكية من أجل النعم الداعيةِ لذريته إلى الشكر والإيمان الناهيةِ عن الكفرِ والعصيان وتقريرٌ لمضمونِ ما قبله من قوله تعالى ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارض جَمِيعاً﴾ وتوضيحٌ لكيفية التصرفِ والانتفاعِ بما فيها وتلوينُ الخطاب بتوجيهه إلى النبيِّ ﷺ خاصةً للإيذان بأن فحوى الكلامِ ليس مما يهتدى إليه بأدلة العقلِ كالأمور المشاهدة التي نبه عليها الكفَرَةَ بطريق الخطاب بل إنما طريقُه الوحيُ الخاصُّ به ﵇ وفي التعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التبيلغ الى الكمال مع الضافة إلى ضميرِه ﵇ من الإنباء عن تشريفه ﵇ ما لا يخفى وإذْ ظرفٌ موضوعٌ لزمانِ نسبةٍ ماضيةٍ وقعَ فيه نسبةٌ أخرى مثلها كما أن إذا موضوعٌ لزمانِ نسبةٍ مستقبلةٍ يقع فيه أخرى مثلُها ولذلك يجب إضافتُهما إلى الجمل وانتصابه بمُضمرٍ صُرِّح بمثله في قولِه ﴿واذكروا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ﴾ وقوله تعالى ﴿واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ﴾ وتوجيهُ الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودةُ بالذات للمبالغة في إيجاب ذكرِها لما أن إيجابَ ذكر الوقت إيجابٌ لذكر ما وقع فيه بالطريق البرهانيِّ ولأن الوقتَ مشتملٌ عليها فإذا استُحضِر كانت حاضرةً بتفاصيلها كأنها مشاهَدةٌ عِياناً وقيل ليس انتصابُه على المفعولية بل على تأويل اذكُرِ الحادث فيه بحذف المظروفِ وإقامةِ الظرفِ مقامه وأياما كان فهو معطوفٌ على مضمر آخرَ ينسحبُ عليه الكلامُ كأنَّه قيل له ﵇ غب ماأوحى إليه ما خوطب به الكفرةُ من الوحي الناطقِ بتفاصيل الأمورِ السابقةِ الزاجرة عن الكفر به تعالى ذكِّرهم بذلك واذكُرْ لهم هذه النعمةَ ليتنبهوا بذلك لبطلان ما هم فيه وينتهوا عنه وأما ما قيل من أن المقدَّرَ هواشكر النعمةَ فِى خَلْقِ السمواتِ والأرض أو تدبَّرْ ذلك فغيرُ سديدٍ ضرورةَ أن مقتضى المقام تذكير المخلين بمواجب الشكرِ وتنبيهُهم على ما يقتضيه وأين ذاك من مقامه الجليل ﷺ وقيل انتصابُه بقوله تعالى قالوا ويأباه أنه يقتضي أن يكون هو المقصودَ بالذات دون سائرِ القصة وقيل بما سبقَ من قولِه تعالى ﴿وَبَشّرِ الذين آمنوا﴾ ولا يخفى بُعدُه وقيل بمضمرٍ دلَّ عليه مضمونُ الآية المتقدمة مثل وبدأ خلقَكم إذ قال الخ ولا ريب في أنه لا فائدةَ في تقييد بدءِ الخلقِ بذلك الوقت وقيل بخلقكم أو بأحياكم مضمراً وفيه ما فيه وقيل إذْ زائدة ويْعزى ذلك إلى أبي عبيد ومَعْمَر وقيل إنه بمعنى قد واللامُ في قوله عز قائلاً
﴿للملائكة﴾ للتبليغ وتقديمُ الجارِّ والمجرور في هذا الباب مطَّرِدٌ لما في المقول من الطول غالباً مع ما فيه من
стр. 115
الاهتمامِ بما قُدِّمَ والتشويقِ إلى ما أُخِّر كما مرَّ مراراً أو الملائكة جمعُ ملك باعتبار أصلِه الذي هو مَلأك على أن الهمزة مزيدة كالشمائل في جمع شمأل والتاء لتأكيد تأنيثِ الجماعة واشتقاقُه من مَلَك لما فيه من معنى الشدة والقوة وقيل على أنه مقلوبٌ من مأْلَكٍ من الألوكة وهي الرسالة أي موضعَ الرسالة أو مرسلٌ على أنه مصدرٌ بمعنى المفعول فإنهم وسائطُ بين الله تعالى وبين الناسِ فهم رسله أو بمنزلة رسلِه ﵈ واختلف العقلاءُ في حقيقتهم بعد اتفاقِهم على أنها ذواتٌ موجودةٌ قائمةٌ بأنفسها فذهب أكثرُ المتكلمين إلى أنها أجسامٌ لطيفةٌ قادرةٌ على التشكل بأشكال مختلفة مستدلين بأن الرسلَ كانوا يرَوُنهم كذلك ﵈ وذهب الحكماءُ إلى أنها جواهرٌ مجردةٌ مخالفةٌ للنفوس الناطقةِ في الحقيقة وأنها أكملُ منها قوة وأكثر علما تجرى منها مَجرى الشمس من الأضواء منقسمةٌ إلى قسمين قِسمٌ شأنُهم الاستغراقُ في معرفة الحقِّ والتنزُّهِ عن الاشتغال بغيره كما نعتَهم الله بقولِهِ ﴿يُسَبّحُونَ الليلَ والنهارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ وهم العِلِّيُّون المقرَّبون وقسمٌ يدبِّرُ الأمرَ مِنَ السماء إلى الأرض حسبما جرى عليه قلمُ القضاء والقدرِ وهم المدبِّراتُ أمراً فمنهم سماويةٌ ومنهم أرضية وقالت طائفة من النصارى هي النفوسُ الفاضلةُ البشرية المفارِقةُ للأبدان ونُقل في شرح كَثرتِهم أنه ﵇ قال أَطَّتِ السَّمَاءُ وحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ ما فيها مَوضِعُ قدم إلا وفيه مَلَكٌ ساجدٌ أو راكع وروي أن بني آدمَ عشرُ الجن وهما عشرُ حيوانات البَرّ والكلُّ عشرُ الطيور والكلُّ عشرُ حيوانات البحار وهؤلاءِ كلُّهم عشرُ ملائكةِ الأرض الموكلين وهؤلاءِ كلُّهم عشرُ ملائكةِ السماءِ الدنيا وكلُّ هؤلاءِ عشرُ ملائكةِ السماء الثانية وهكذا إلى السماء السابعة ثم كلُّ أولئك في مقابلة ملائكةِ الكُرسيِّ نَزْرٌ قليل ثم جميعُ هؤلاءِ عشرُ ملائكةِ سُرادقٍ واحدٍ من سُرادقاتِ العرش التي عددُها ستمائة ألفٍ طولُ كلِّ سُرادقٍ وعَرضُه وسَمكُه إذا قوبلت به السمواتُ والأرضُ وما فيهما وما بينهما لا يكونُ لها عنده قَدْرٌ محسوسٌ وما منه من مقدارِ شبرٍ إلا وفيه ملك ساجد أو راكعٌ أو قائم لهم زجَلٌ بالتسبيح والتقديس ثم كلُّ هؤلاءِ في مقابلة الملائكةِ الذين يحومون حولَ العرش كالقَطْرةِ في البحر ثم ملائكةُ اللوحِ الذين هم أشياعُ إسرافيلَ ﵇ والملائكةُ الذين هم جنودُ جبريلَ ﵇ لا يُحصي أجناسَهم ولا مُدةُ أعمارِهم ولا كيفياتُ عباداتهم إلا بارِئهُم العليمُ الخبير على ما قال تعالى وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلَاّ هُوَ وروي أنه ﵇ حين عُرج به إلى السماء رأى ملائكةً في موضعٍ بمنزلةِ شرفٍ يمشي بعضُهم تُجاهَ بعض فسأل رسول الله ﷺ جبريلَ ﵇ إِلَىَّ أين يذهبون فقال جبريلُ لا أدري إلا أني أراهم منذ خلقتُ ولا أرى واحداً منهم قد رأيته قبل ذلك ثم سألا واحداً منهم منذ كم خلقتَ فقال لا أدري غير أن الله يخلُق في كل أربعمائة ألفِ سنةٍ كوكباً وقد خلق منذ خلقني أربعَمائة ألفِ كوكب فسبحانه مِنْ إلهٍ ما أعظمَ قدرَه وما أوسعَ ملكوتَه واختُلف في الملائكة الذين قيل لهم ما قيل فقيل هم ملائكةُ الأرضِ ورَوَى الضحَّاكُ عنِ ابنِ عباس ﵄ أنهم المختارون مع إبليسَ حين بعثه الله لمحاربة الجنِّ حيث كانوا سكانَ الأرض فأفسدوا فيها وسفَكوا الدماءَ فقتلوهم إلا قليلاً قد أخرجوهم من الأرض وألحقوهم بجزائرِ البحار وقُلل الجبالِ وسكنوا الأرض وخفف الله تعالى عنهم البابدة وأعطى إبليسَ مُلك الأرض ومُلك السماءِ الدنيا وخِزانةَ الجنة فكان يعبُد الله تعالى تارةً في الأرض
стр. 116
وتارةً في السماء وأخرى في الجنة فأخذه العُجب فكان من أمره ما كان وقال أكثر الصحابة والتابعين رضوانُ الله تعالَى عليهم في أنهم كلُّ الملائكة لعموم اللفظ وعدمِ المُخصِّص وقولُه تعالى
﴿إِنّي جَاعِلٌ فِى الارض خَلِيفَةً﴾ في حيِّز النصبِ على أنه مقولُ قال وصيغةُ الفاعل بمعنى المستقبل ولذلك عمِلت عملَه وفيها ماليس في صيغة المضارعِ من الدلالة على أنه فاعلٌ ذلك لا محالةَ وهي من الجَعْل بمعنى التصيير المتعدِّي إلى مفعولين فقيل أولُهما خليفةٌ وثانيهما الظرفُ المتقدم على ما هو مقتضى فإن مفعولي التصيير في الحقيقة اسمُ صارَ وخبرُه أولُهما الأول وثانيهما الثاني وهما مبتدأٌ وخبرٌ والأصل في الأرض خليفةٌ ثم قيل صارَ في الأرض خليفةٌ ثم قيل صارَ في الأرض خليفةٌ ثم مصيرٌ في الأرض خليفةٌ فمعناه بعد اللتيا والتي إني جاعل خليفةً من الخلائف أو خليفةً بعينه كائناً في الأرض فإن خبرَ صار في الحقيقة هو الكونُ المقدَّر العامل في الظروف ولا ريب في أن ذلك ليس مما يقتضيه المقامُ أصلاً وإنما الذي يقتضيه هو الإخبارُ بجعل آدم خليفةً فيها كما يعرب عنه جوابُ الملائكة ﵈ فإذن قولُه تعالى خليفةً مفعولٌ ثانٍ والظرفُ متعلقٌ بجاعل قُدّم على المفعول الصريحِ لما مر من التشويق إلى ما أخر أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً مما بعده لكونه نكرة وأما المفعولُ الأولُ فمحذوفٌ تعويلاً على القرينة الدالة عليهِ كما في قولِهِ تعالى ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم التى جَعَلَ الله لَكُمْ قياما﴾ حُذف فيه المفعول الاول وهوضمير الأموالِ لدلالة الحالِ عليه وكذا في قولِه تعالى ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم﴾ حيث حُذف فيه المفعولُ الأول لدلالة يبخلون عليه أي لا يحسبنَّ البخلاءُ بخلَهم هو خيراً لهم ولا ريب في تحقيق القرينةِ ههنا أما إنْ حُمل على الحذف عند وقوعِ المحكيِّ فهي واضحةٌ لوقوعه في أثناء ذِكْرِه ﵇ على ما سنفصله كأنه قيل إني خالقٌ بشراً من طين وجاعلٌ في الأرض خليفة وإما إنْ حُمل على أنه لم يُحذفْ هناك بل قيل مثَلاً وجاعلٌ إياه خليفةً في الأرض لكنه حُذفَ عند الحكاية فالقرينةُ ما ذُكِرَ من جواب الملائكة ﵈ قَالَ العلامة الزمخشري في تفسيرِ قولِه تعالى ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إني خالقٌ بشراً من طين﴾ إن قلت كيف صح أن يقول لهم بشراً وما عرَفوا ما البشرُ ولا عهِدوا به قلت وجهُه أن يكون قد قال لهم اني خالقٌ خلقاً من صفته كيتَ وكيتَ ولكنه حين حكاه اقتصَر على الاسم انتهى فحيث جاز الاكتفاءُ عند الحكاية عن ذلك التفصيلِ بمجرد الاسمِ من غير قرينةٍ تدل عليه فما ظنُك بما نحن فيه ومعه قرينةٌ ظاهرةٌ ويجوزُ أنْ يكونَ مَنْ الجعل بمعنى الخلق المتعدي إلى مفعولٍ واحد هو خليفةً وحالُ الظرفِ في التعلق والتقديم كما مر فحينئذلا يكون ما سيأتي من كلام الملائكةِ مترتباً عليه بالذات بل بالواسطة فإنه رُوي أنه تعالى لما قال لهم إِنّي جَاعِلٌ فِى الأرض خَلِيفَةً قالوا ربنا وما يكون ذلك الخليفة قال تعالى يكون له ذريةٌ يفسدون في الأرض ويتحاسَدون ويقتُلُ بعضُهم بعضاً فعند ذلك قالوا ما قالوا والله تعالى أعلم والخليفةُ من يخلُفُ غيرَه وينوب مَنابَه فعيل بمعنى الفاعل والتاء للمبالغة والمراد به إما آدمُ ﵇ وبنوه وإنما اقتُصر عليه استغناءً بذكره عن ذكرهم كما يستغنى عن ذكر القبيلةِ بذكر أبيها كمُضَرَ وهاشمٍ ومنه الخلافةُ في قريش وإما مَنْ يخلُف أو خلف يخلُف فيعمُّه ﵇ وغيرَه من خلفاءِ ذريتِه والمرادُ بالخلافة إما الخلافةُ من جهته سبحانه في إجراء أحكامِه وتنفيذِ أوامره بين الناس وسياسةِ الخلقِ لكن لا لحاجةٍ به تعالى إلى ذلك بل لقصور استعدادِ المستخلَف عليهم وعدمِ لياقتِهم لقبول الفيضِ بالذات فتختصُّ
стр. 117
بالخواصِّ من بنيه وإما الخلافةُ ممن كان في الأرض قبل ذلك فتعمُّ حينئذ الجميع
﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ وقع جوابا عما ينساقُ إليه الأذهانُ كأنَّه قيلَ فماذا قالتْ الملائكة حينئذ فقيل قالوا
﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ وهو أيضاً من الجعل المتعدي إلى اثنين فقيل فيهما ما قيل في الأول والظاهرُ أن الأولَ كلمةُ مَنْ والثاني محذوفٌ ثقةً بما ذكر في الكلام السابق كما حُذف الأولُ ثَمةَ تعويلاً على ما ذُكر هنا قال قائلهم
لا تَخَلْنا على عزائك إنا ... طالما قد وشَى بنا الأعداءُ
بحذف المفعول الثاني أي لا تخَلْنا جازعين على عزائك والمعنى أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فيها خليفةً والظرفُ الأولُ متعلقٌ بتجعلُ وتقديمُه لما مر مراراً والثاني بيُفسِدُ وفائدتُه تأكيدُ الاستبعادِ لما أن في استخلاف المفسِدِ في محل إفساده من البعد ما ليس في استخلافه في غيره هذا وقد جوز كونه من الجعل بمعنى الخلق المتعدي الى المفعول واحدٍ هو كلمةُ مَنْ وأنت خبيرٌ بأن مدارَ تعجُّبِهم ليس خلقَ من يُفسد في الأرض كيف لا وأنَّ ما يعقُبه من الجملة الحالية الناطقة بدعوى أحقِّيتِهم منه يقضي ببُطلانه حتماً إذ لا صِحَّة لدعوى الأحقية منه بالخلق وهم مخلوقون بل مدارُه أن يُستخلف لعمارة الأرض وإصلاحِها بإجراء أحكامِ الله تعالى وأوامرِه أو يُستخلفَ مكان المطبوعين على الطاعة مَنْ مِنْ شأنِ بني نوعِه الإفسادُ وسفكُ الدماء وهو ﵇ وإن كان منزهاً عن ذلك إلا أن استخلافَه مستتبِعٌ لاستخلاف ذرّيتِه التي لا تخلو عنه غالباً وإنما أظهروا تعجُّبَهم استكشافاً عما خفِيَ عليهم من الحِكَم التي بدت على تلك المفاسد وألغَتْها واستخباراً عما يُزيح شبهتَهم ويرشدهم إلى معرفة ما فيه ﵇ من الفضائل التي جعلتْه أهلاً لذلك كسؤال المتعلم عما ينقدِحُ في ذهنه لا اعتراضاً على فعل الله سبحانه ولا شكاً في اشتماله على الحِكمة والمصلحة إجمالاً ولا طعناً فيه ﵇ ولا في ذريته على وجه الغَيْبة فإن منصِبَهم أجلُّ من أن يُظَنَّ بهم أمثالُ ذلك قال تعالى ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ وإنما عَرفوا ما قالوا إما بإخبارٍ من الله تعالى حسبما نُقل من قبلُ أو بتلقٍ من اللوح أو باستنباطٍ عما ارتكز في عقولهم في اختصاص العِصْمةِ بهم أو بقياسٍ لأحد الثقلين على الآخر ﴿وَيَسْفِكُ الدماء﴾ السفكُ والسفحُ والسبكُ والسكْبُ أنواع من الصب والأ ولان مختصانِ بالدم بل لا يستعمل أولُهما إلا في الدم المحرّم أي يقتل النفوسَ المحرمة بغير حق والتعبيرُ عنه بسفك الدماء لما أنه أقبحُ أنواعِ القتل وأفظعه وقرئ يُسفِك بضم الفاء ويُسفِك ويَسْفِك من أسفك وسَفَك وقرئ يُسفَكُ على البناء للمفعول وحُذف الراجع إلى مَنْ موصولةٌ أو موصوفةٌ أي يسفك الدماء فيهم ﴿وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ﴾ جملة حالي مقررة للتعجب السابق ومؤكدةٌ له على طريقة قول من يجِدُّ في خدمة مولاه وهو يأمرُ بها غيرَه أتستخدمُ العُصاةَ وأنا مجتهدٌ فيها كأنه قيل أتستخلف من من شأنُ ذريته الفسادُ مع وجود مَنْ ليس من شأنه ذلك أصلاً والمقصودُ عرضُ أحقيتِهم منهم بالخلافة واستفسارٌ عما رجَّحهم عليهم مع ما هو متوقَّعٌ منهم من الموانع لا العُجبُ والتفاخرُ فكأنهم شعَروا بما فيهم من القوة الشهوية التي رذيلتُها الإفراطيةُ الفسادُ في الأرض والقوةِ الغضبيةِ التي رذيلتُها الإفراطية سفكُ الدماء فقالوا ما قالوا وذَهِلوا عما إذا سخر تهما القوةُ العقلية ومرَّنتْهما على الخير يحصل ذلك من علو الدرجةِ ما يقصر عن البلوغ رُتبةِ القُوةِ العقلية عند أنفرادها فيب أفاعيلها كالإحاطة بتفاصيل أحوالِ الجزئيات واستنباطِ الصناعات واستخراج منافع الكائنات من
стр. 118
البقرة (٣١)
القوة إلى الفعل وغير ذلك مما نيط به أمر الخلافة والتسبيح تنزيهُ الله تعالى وتبعيدُه اعتِقاداً وقَولاً وعملاً عمَّا لَا يليقُ بجنابِه سُبحانَهُ مِنْ سبَح في الأرضِ والماءِ إذا أبعد وأمعنَ ومنه فرسٌ سَبُوحٌ أي واسع الجرْي وكذلك تقديسُه تعالى من قدَّسَ في الأرض إذا ذهَب فيها وأبعدَ ويقال قدَّسه أي طهَّره فإن مُطَهِّر الشئ مبعده عن القذار والباء في بحمدك متعلقةٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من الضمير أي ننزِّهُك عن كل ما لا يليقُ بشأنك ملتبسين بحمدك على ما أنعمت به علينا من فنونِ النعمِ التي من جملتها توفيقُنا لهذه العبادة فالتسبيحُ لإظهار صفاتِ الجلالِ والحمدُ لتذكير صفاتِ الإنعام واللامُ في لك إما مزيدة والمعنى نقدّسك وإما صلةٌ للفعل كما في سجدت لله وإما للبيان كما في سقيالك فتكون متعلقةً بمحذوف أي نقدّس تقديساً لك أي نصِفُك بما يليق بك من العلوّ والعزةِ وننزِّهُك عما لا يليق بك وقيل المعنى نطهِّر نفوسَنا عن الذنوب لأجلك كأنهم قابلوا الفسادَ الذي أعظمُه الإشراكُ بالتسبيح وسفكِ الدماء الذي هو تلويثُ النفس بأقبح الجرائمِ بتطهير النفسِ عن الآثام لا تمدُّحاً بذلك ولا إظهار للمِنة بل بياناً للواقع
﴿قَالَ﴾ استئناف كما سبق
﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾ ليس المرادَ بيانَ أنَّه تعالى يعلم مالا يعلمونه من الأشياءِ كائناً ما كان فإن ذلك مما لا شُبهة لهم فيه حتى يفتقِروا إلى التنبيه عليه لاسيما بطريق التوكيد بل بيانَ أن فيه ﵊ معانيَ مستدعيةً لاستخلافه إذ هو الذي خفيَ عليهم وبنَوا عليه ما بنَوْا من التعجّب والاستبعاد فما موصولةً كانت أو موصوفةً عبارةٌ عن تلك المعاني والمعنى إني أعلم ما لا تعلمونه من دواعي الخلافة فيه وإنما لم يقتصِرْ على بيان تحققِها فيه ﵇ بأن قيل مثلاً إن فيه ما يقتضيه من غير تعرض لإحاطته تعالى به وغفلتِهم عنه تفخيماً لشأنه وإيذاناً بابتناء أمرِه تعالى على العلم الرصينِ والحكمةِ المتقنة وصدورِ قولِهم عن الغفلة وقيل معناه إني أعلمُ من المصالحِ في استخلافه ما هو خفيٌّ عليكم وأنَّ هذا إرشادٌ للملائكة إلى العلم بأن أفعالَه تعالى كلَّها حسنةٌ وحِكمةٌ وإن خفي عليهم وجهُ الحسْنِ والحِكمة وأنت خبيرٌ بأنه مُشعِرٌ بكونهم غيرَ عالمين بذلك من قبلُ ويكون تعجبُهم مبنياً على تردّدهم في اشتمال هذا الفعلِ لحكمةٍ ما وذلك مما لا يليق بشأنهم فإنهم عالمون بأن ذلك متضمِّنٌ لحكمةٍ ما ولكنهم متردّدون في أنها ماذا هل هو أمرٌ راجعٌ إلى محض حُكم الله أو إلى فضيلةٍ من جهة المستخلَف فبيّن لهم أولاً على وجه الإجمالِ والإبهامِ أن فيه فضائلَ غائبةً عنهم ليستشرفوا إليها ثم أبرَزَ لهم طرفاً منها ليعاينوه جَهرةً ويظهَرَ لهم بديعُ صنعِه وحكمتِه وينزاحَ شبهتُهم بالكلية
стр. 119
﴿وعلم آدم الاسماء كُلَّهَا﴾ شروعٌ في تفصيل ما جَرى بعد الجواب الإجماليِّ تحقيقاً لمضمونه وتفسيراً لإبهامه وهو عطفٌ على قال والابتداءُ بحكاية التعليم يدل بظاهره على أن ما مرَّ من المقاولة المحكيةِ إنما جرت بعد خلقِه ﵇ بمحضَرٍ منه وهو الأنسبُ بوقوف الملائكة على أحواله ﵇ بأن قيل إثرَ نفخِ الروح فيه إني جاعلٌ إياه خليفةً فقيل ما قيل
стр. 120
كما أشير إليه وإيرادُه ﵇ باسمه العِلْميِّ لزيادة تعيين المرادِ بالخليفة ولأن ذكرَه بعنوان الخلافة لا يلائم مقامَ تمهيدِ مباديها وهو اسمٌ أعجميٌّ والأقربُ أن وزنه فاعلٌ كشالَخ وعاذَرَ وعابَرَ وفالغَ لا أفعل والتصدى لا شتقاقه من الأذمة أو الأَدَمة بالفتح بمعنى الأسوة أو من أديم الأرض بناء على ما روى عنه ﷺ من أنه تعالى قبض قبضةً من جميع الأرض سهلِها وحَزْنها فخلق منها آدم ولذلك اختلفت ألوانُ ذريته أو من الأَدْم والأدمة بمعنى الألفة تعسفٌ كاشتقاق إدريسَ من الدَّرْس ويعقوبَ من العقِب وإبليس من الإبلاس والاسمُ باعتبار الاشتقاقِ ما يكون علامةً للشئ ودليلاً يرفعُه إلى الذهن من الألفاظ والصفات والأفعال واستعمالُه عرفاً في اللفظ الموضوع لمعنى مُفرداً كانَ أو مُركباً مُخبَراً عنه أو خبراً أو رابطةً بينهما واصطلاحاً في المفرد الدال على معنى في نفسه غيرَ مقترنٍ بالزمان والمراد ههنا إما الأولُ أو الثاني وهو مستلزمٌ للأول إذ العلمُ بالألفاظ من حيث الدلالةُ على المعاني مسبوقٌ بالعلم بها والتعليمُ حقيقةً عبارةٌ عن فعلٍ يترتب عليه العلمُ بلا تخلف عنه ولا يحصل ذلك بمجرد إضافة المعلم بل يتوقف على استعداد المتعلم لقبول الفيضِ وتلقّيه من جهته كما مر في تفسير الهدى وهو السرُّ في إيثاره على الإعلام والإنباء فإنهما إنما يتوقفان على سماع الخبر الذي يشترك فيه البشرُ والمَلك وبه يظهر أحقيتُه بالخلافة منهم ﵈ لما أن جباتهم غيرُ مستعدةٍ للإحاطة بتفاصيلِ أحوالِ الجزئيات الجُسمانية خُبْراً فمعنى تعليمِه تعالى إياه أن يخلُقَ فيه إذ ذاك بموجب استعداده علماً ضرورياً تفصيلياً بأسماء جميعِ المسميات وأحوالِها وخواصِّها اللائقةِ بكلَ منها أو يُلقيَ في رُوعه تفصيلاً أن هذا فرس وشأنُه كيت وكيت وذاك بعيرٌ وحالُه ذَيْت وذَيْت إلى غير ذلك من أحوال الموجودات فيتلقاها ﵇ حسبما يقتضيه استعدادُه ويستدعيه قابليتُه المتفرعةُ على فطرته المنطويةِ على طبائعَ متباينة وقوى متخالفةٍ وعناصرَ متغايرة قال ابنُ عباس وعكرمةُ وقتادةُ ومجاهدٌ وابنُ جُبيرٍ ﵃ علّمه أسماءَ جميعِ الأشياءِ حتى القصعةَ والقصيعةَ وحتى الجفنةَ والمِحْلَب وأنحى منفعة كل شئ إلى جنسِه وقيل أسماءَ ما كان وما سيكونُ إلى يومِ القيامةِ وقيلَ معنى قولَه تعالى وعلم آدمَ الأسماءَ خلقه من أجزاءَ مختلفةٍ وقوىً متباينةٍ مستعداً لإدراكِ أنواع المُدرَكات من المعقولات والمحسوسات والمتخيَّلات والموهومات وألهمه معرفةَ ذواتِ الأشياءِ وأسمائها وخواصِها ومعارفِها وأصولَ العلم وقوانينَ الصناعاتِ وتفاصيلَ آلاتِها وكيفياتِ استعمالاتها فيكونُ ما مرَّ من المقاولةِ قبل خلقه ﵇ وقيل التعليمُ على ظاهره ولكنَّ هناك جملاً مطوية عطف عليهاالمدلول المدكور أي فخلقه فسواه ونفخ فيه الروح وعلمه الخ (ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الملائكة) الضمير للمسميات المدلول عليها بالأسماء كما في قوله تعالى ﴿واشتعل الرأس شَيْباً﴾ والتذكيرُ لتغليبِ العقلاءِ على غيرِهم وقرئ عرَضَهن وعرضَها أي عرضَ مسمَّياتِهن أو مسمياتها في الحديث أنه تعالى عرضهم امثال الذر ولعله عرضَ عليهم من أفراد كلِّ نوعٍ ما يصلحُ أنْ يكونَ أنموذجاً يُتعرفُ منه أحوالَ البقيةِ وأحكامها
﴿فَقَالَ أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَؤُلاء﴾ تبكيتاً لهم وإظهاراً لعجزهم عن إقامة ما علّقوا به رجاءَهم من أمرِ الخلافةِ فإن التصرفَ والتدبيرَ وإقامةَ المعدلةِ بغير وقوفِ على مراتبِ الاستعداداتِ ومقاديرِ الحقوق مما لا يكاد يمكنُ والإنباءُ إخبارُ فيه إعلامُ ولذلك يجري مجرى كل منهما والمرادُ ههنا ما خلا عنه وإيثاره
стр. 121
البقرة (٣٢)
على الإخبار للإيذان برفعة شأنِ الأسماء وعظمِ خطرها فإن النبأَ إنَّما يطلق على الخبرِ الخطيرِ والأمرِ العظيم
﴿إِن كُنتُمْ صادقين﴾ أي في زعمكم أنكم أحقاءُ بالخلافة ممن استخلفته كما ينبئ عنه مقالُكم والتصديق كما يتطَّرقُ إلى الكلامِ باعتبار منطوقه قد يتطرَّقُ إليه باعتبارِ ما يلزمُه من الإخبارِ فإن أدنى مراتبِ الاستحقاق هو الوقوفُ على أسماءِ ما في الأرض وأما ما قيل من أن المعنى في زعمكم أني أستخلفُ في الأرض مفسدين سفاكين للدماء فليس مما يقتضيه المقامُ وإن أُوِّلَ بأنْ يقالَ في زعمِكم أنِّي أستخلفُ مَنْ غالبُ أمرِه الإفسادُ وسفكُ الدماءِ منْ غيرِ أنْ يكونَ له مزيةٌ من جهةٍ أخرى إذ لا تعلق له بأمرهم بالإنباءِ وجواب الشرط محذوف لدلالة المذكورِ عليه
стр. 122
﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ واقعٌ موقعَ الجواب كأنه قيل فماذا قالوا حينئذ هل خرجوا عن عهده ماكلفوه أولا فقيل قالوا
﴿سبحانك﴾ قيل هو علمٌ للتسبيح ولا يكاد يستعملُ إلا مضافاً وقد جاءَ غيرَ مضافٍ على الشذوذِ غيرَ منصرفٍ للتعريف والألفِ والنون المزيدتين كما في قوله ... سُبحانَ مِنْ علقمَةَ الفاخرِ ... وأمَّا ما في قولِه ... سبحانه ثم سبحانا نعوذ به ... فقيل صَرَفه للضرورة وقيل إنه مصدر منكرٌ كغفران لا اسمُ مصدر ومعناه على الأول نسبحك عما لا يليق بشأنك الأقدسِ من الأمور التي من جملتها خلوُّ أفعالِك من الحِكَم والمصالحِ وعنَوا بذلك تسبيحاً ناشئاً عن كمال طمأنينة النفس والإيقان باشتمال استخلاف آدمَ ﵇ على الحِكَم البالغة وعلى الثاني تنزهّتَ عن ذلك تنزها ناشئا عن ذاتك وأراد به أنهم قالوه عن إذعان لما عملوا إجمالاً بأنه ﵇ يُكلَّف ما كُلِّفوه وأنه يقدِر على ما قد عجزوا عنه مما يتوقف عليه الخلافة وقوله عز وعلا
﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَاّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ اعتراف منهم بالعجز عما كُلِّفوه إذ معناه لا علم لنا إلا ما عملتناه بحسب فابليتنا من العلوم المناسبة لعالمنا ولا قُدرة بنا على ما هو خارجٌ عن دائرة استعدادِنا حتى لو كنا مستعدّين لذلك لأفَضْتَه علينا وما في ما علمتنا موصولةٌ حذف من صلتها عائدُها أو مصدرية ولقد نفَوْا عنهم العلمَ بالأسماء على وجه المبالغة حيث لم يقتصِروا على بيان عدمِه بأن قالوا مثلاً لا علم لنا بها بل جعلوه من جُملة مالا يعلمونه وأشعروا بأن كونَه من تلك الجملة غنيٌّ عن البيان
﴿إِنَّكَ أَنتَ العليم﴾ الذي لا يَخفى عليهِ خافيةٌ وهذا إشارةٌ إلى تحقيقهم لقوله تعالى ﴿إني أعلم ما لا تَعْلَمُونَ﴾
﴿الحكيم﴾ أي المحكِمُ لمصنوعاته الفاعلُ لها حسبما يقتضيه الحِكمةُ والمصلحة وهو خبرٌ بعد خبر أو صفةٌ للأول وانت ضميرُ الفصل لا محلَّ له من الإعراب أو له محل منه مشارِكٌ لما قبله كما قالَهُ الفَرَّاءُ أو لما بعده كما قاله الكسائي وقيل تأكيد للكاف كما في قولِك مررتُ بك أنت وقيل مبتدأ خبرُه ما بعده والجملة خبرأن وتلك الجملةُ تعليلٌ لما سبق من قصر علمِهم بما علّمهم الله تعالى وما يفهم من ذلك من علم آدمَ ﵇ بما خفيَ عليهم فكأنهم قالوا أنت العالمُ بكل المعلوماتِ التي // مِنْ جُملتِها استعدادُ آدمَ ﵇ لما نحن بمعزلٍ من الاستعداد له من العلوم الخفيةِ المتعلقةِ بما في الأرضِ من أنواع المخلوقات التي عليها يدورُ فَلَكُ خلافةِ الحكيمِ الذي لا يفعلُ إلا ما تقتضيهِ الحِكمةُ ومن جملته تعليمُ آدمَ ﵇ ما هو قابل من العلوم الكليةِ والمعارفِ الجزئيةِ المتعلقة بالأحكام الواردةِ على ما في الأرض وبناء امر الخلافة
стр. 123
البقرة (٣٣)
عليها
стр. 124
﴿قال﴾ استئناف كما سلف
﴿يا آدم أَنبِئْهُم﴾ أي أعلِمْهم أُوثرَ على أنبئى كما وقع في أمر الملائكة مع حصول المراد معه أيضاً وهو ظهورُ فضلِ آدمَ عليهم ﵈ إبانةً لما بين الأمرين من التفاوت الجليّ وإيذاناً بأن عِلْمَه ﵇ بها أمرٌ واضحٌ غيرُ محتاجٍ إلى ما يجري مَجرى الامتحان وأنه ﵇ حقيقٌ بأن يعلمها وغيره وقرئ بقلب الهمزة ياءً وبحذفِها أيضاً والهاء مكسورةٌ فيهما
﴿بِأَسْمَائِهِمْ﴾ التي عجَزوا عن علمها واعترفوا بتقاصُر هممِهم عن بلوغِ مرتبتها
﴿فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِم﴾ الفاء فصيحةٌ عاطفةٌ للجملة الشرطية على محذوفٍ يقتضيهِ المقامُ وينسحِبُ عليه الكلام للإيذان بتقروة وغِناه عن الذكر وللإشعارِ بتحقُّقه في أسرع ما يكون كما في قوله ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُستقرّاً عِندَه﴾ بعد قوله سبحانه ﴿أنا آتيك بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إليك طرفك﴾ وإظهارُ الأسماءِ في موقع الإضمارِ لإظهار كمالِ العنايةِ بشأنها والإيذانِ بأنه ﵇ أنبأهم بها على وجه التفصيلِ دون الإجمالِ والمعنى فأنبأهم بأسمائهم مفصّلةً وبيّن لهم أحوالَ كلَ منهم وخواصَّه وأحكامَه المتعلقة بالمعاش والمعاد فعلِموا ذلك لمّا رأَوْا أنه ﵇ لم يتلعثم في شئ من التفاصيل التي ذكرها مع مساعدة ما بين الأسماءِ والمسميات من المناسبات والمشاكلات وغيرِ ذلك من القرائن الموجبةِ لصدق مقالاتِه ﵇ فلما أنبأهم بذلك
﴿قال﴾ تقريراً لما مر من الجواب الإجماليِّ واستحضاراً له
﴿ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض﴾ لكن لا لتقرير نفسِه كما في قوله تعالى أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً ونظائرِه بل لتقرير ما يفيده من تحقق دواعي الخلافةِ في آدمَ ﵇ لظهور مِصْداقه وإيرادُ ما لا يعلمون بعنوان الغيبِ مضافاً إلى السموات والأرض للمبالغة في بيان كمالِ شمولِ علمِه المحيطِ وغايةِ سَعته مع الإيذانِ بأنَّ ما ظهر من عجزهم وعلم آدمَ ﵇ من الأمور المتعلقة بأهل السموات وأهل الأرض وهذا دليلٌ واضحٌ على أنَّ المرادَ بما لا تعلمون فيما سبق ما أشير إليه هناك كأنه قيل ألم أقل لكم إني أعلم فيه من دواعي الخلافة مالا تعلمونه فيه هو هذا الذي عاينتموه وقوله تعالى
﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ عطفٌ على جملة ألم أقل لكم لا على اعلم اذهوا غيرُ داخلٍ تحت القول وما في الموضعين موصولةٌ حذفَ عائدُها أيْ أعلم ما تبدونه وما تكتمونه وتغييرُ الأسلوب للإيذان باستمرار كَتْمِهم قيل المراد بما يبدون قولُهم أتجعل الخ وبما يكتمون استبطانُهم أنهم أحِقّاءُ بالخلافة وأنه تعالى لا يخلُق خلقاً أفضل مِنْهُمْ رُوي أنَّه تعالى لما خلقُ آدم ﵇ رأت الملائكةُ فِطرتَه العجيبةَ وقالوا ليكن ما شاء فلن يخلُقَ ربُنا خلقاً إلا كنا أكرمَ عليه منه وقيل هو ما أسره إبليسُ في نفسه من الكِبْر وتركِ السجود فإسنادُ الكِتمان حينئذ إلى الجميعِ من قبيلِ قولِهم بنُو فلان قتلُوا فلانا والقاتل واحدٌ من بينهم قالوا في الآية الكريمة دلالة على شرف الإنسان ومزية العلمِ وفضلِه على العبادة وأن ذلك هو المناطُ للخلافة وأن التعليم يصحُّ إطلاقُه على الله تعالى وإن لم يصح إطلاقُ المعلِّم عليه لاختصاصه عادة
стр. 125
البقرة (٣٤)
بمن يحترِفُ به وأن اللغاتِ توقيفيةٌ إذ الأسماءُ تدل على الألفاظ بخصوص أو بعموم وتعليمُها ظاهرٌ في إلقائها على المتعلم مبيناً له معانيَها وذلك يستدعي سابقةَ وضعٍ وما هو إلا من الله تعالى وأن مفهوم الحِكمة زائدٌ على مفهوم العلم والإلزام التكرارُ وأن علومَ الملائكة وكمالاتِهم تقبل الزيادة والحكماءُ منعوا ذلك في الطبقة العليا منهم وحملوا على ذلك قولَه تعالى ﴿وَمَا مِنَّا إِلَاّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ وأن آدمَ أفضلُ من هؤلاء الملائكة لأنه ﵇ أعلمُ منهم وأنه تعالى يعلمُ الأشياءَ قبل حدوثِها
стр. 126
﴿وَإِذْ قُلْنَا للملائكة﴾ عطفٌ على الظرف الأول منصوبٌ بما نصبه من المضمر أو بناصب مستقلٍ معطوفٍ على ناصبه عطفَ القصة على القصة أي واذكر وقتَ قولِنا لهم وقيل بفعل دل عليه الكلامُ أي أطاعوا وقت قولِنا الخ وقد عرفت ما في أمثاله وتخصيصُ هذا القول بالذكر مع كون مقتضى الظاهرِ إيرادَه على منهاج ما قبله من الأقوال المحكيةِ المتصلةِ به للإيذان بأن مافي حيّزه نعمةٌ جليلةٌ مستقلة حقيقةٌ بالذكر والتذكيرِ على حِيالها والالتفاتُ إلى التكلم لإظهار الجلالةِ وتربيةِ المهابةِ مع ما فيه من تأكيد الاستقلال وكذا إظهارُ الملائكة في موضع الإضمار والكلام في اللام وتقديمِها مع مجرورها على المفعول كما مر وقرئ بضم تاء الملائكة إتباعاً لضم الجيم في قوله تعالى
﴿اسجدوا لاِدَمَ﴾ كما قرئ بكسر الدال في قوله تعالى ﴿الحمد للَّهِ﴾ إتباعاً لكسر اللام وهي لغة ضعيفة والسجودُ في اللغة الخضوعُ والتطامُن وفي الشرع وضعُ الجبهة على الأرض على قصد العبادة فقيل أُمِروا بالسجود له ﵇ على وجه التحية والتكرمة تعظيماً له واعترافاً بفضله وأداءً لحق التعليم واعتذاراً عما وقع منهم في شأنه وقيل أمروا بالسجود له تعالى وإنما كان آدمُ قِبلةً لسجودهم تفخيماً لشأنه أو سبباً لوجوبه فكأنه تعالى لما بَرَأه أُنموذَجاً للمُبدَعات كلِّها ونسخةً منطويةً على تعلق العالم الروحاني بالعالم الجسماني وامتزاجها على نمط بديعٍ أمرهم بالسجود له تعالى لما عاينوا من عظيم قدرتِه فاللام فيه كما في قولِ حسَّانَ ﵁
أليس أولَ من صلَّى لقِبلتكم ... وأعرفَ الناسِ بالقرآنِ والسننِ
أو في قوله تعالَى ﴿أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس﴾ والأولُ هو الأظهر وقوله
﴿فَسَجَدُواْ﴾ عطف على قلنا والفاء لإفادة مسارعتِهم إلى الامتثال وعدمِ تلعثُمِهم في ذلك رُوي عن وهْب أن أولَ من سجد جبريلُ ثم ميكائيلُ ثم إسرافيلُ ثم عزرائيلُ ثم سائرُ الملائكة ﵈ وقوله تعالى
﴿إِلَاّ إِبْلِيسَ﴾ استثناءٌ متَّصل لما أنه كانَ جنِّياً مفرَداً مغموراً بألوفٍ من الملائكة متصفاً بصفاتهم فغَلبوا عليه في فسجدوا ثمَّ استُثنِيَ استثناءَ واحدٍ منُهم أو لأنَّ من الملائكة جنساً يتوالدون يقال لهم الجنُّ كما رُوي عن ابنِ عباس ﵄ وهو منهم أو لأن الجن أيضاً كانوا مأمورين بالسجود له لكن استُغني بذكر الملائكة عن ذكرهم أو منقطع وهو اسم أعجميٌ ولذلك لم ينصرِف ومن جعله مشتقاً من الإبلاس وهو إلباس قال إنه مُشبَّهٌ بالعجمة حيث لم يُسمَّ به أحدٌ فكان كالاسم الأعجميّ واعلم أن الذي تقتضيهِ هذه الآيةُ الكريمةُ والتي في سُورة الأعرافِ من قوله
стр. 127
تعالى ﴿ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلا إِبْلِيسَ﴾ الآية والتي في سورة بني إسرائيل وسورة الكهف وسورة طه من قوله تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا﴾ الآية أن سجودَ الملائكة إنما ترتب على الأمر التنجيزيّ الوارد بعد خلقِه وتسويتِه ونفخِ الروحِ فيه ألبتة كما يلوح به حكاية امتث الهم بعبارة السجود دون الوقوعِ الذي به ورد الأمرُ التعليقي ولكن ما في سورة الحِجْرِ من قوله عز وعلا ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنّى خالقٌ بَشَرًا مِّن صلصال مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ ساجدين فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ وما في سورة ص من قوله تعالى ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنّى خالقٌ بَشَراً من طِينٍ﴾ إلى آخر الآية يستدعيان بظاهرهما ترتُّبَه على ما فيهما من الأمر التعليقيِّ من غيرِ أنْ يتوسَّط بينهما شئ غير ما تُفصحَ عنه الفاءُ الفصيحةٌ من الخلق والتسويةِ ونفخِ الروحِ فيه ﵇ وقد رُوي عن وهْبٍ أنه كان السجود كما نفخ فيه الروح بلا تأخير وتأويلُ الآيات السابقة يحمل ما فيها من الأمر على حكاية الأمر التلعيقي بعد تحققِ المعلَّقِ به إجمالاً فإنه حينئذ يكون في حكم التنجيز يأباه ما في سُورة الأعرافِ من كلمة ثم المناديةِ بتأخر ورودِ الأمرِ عن التصوير المتأخرِ عن الخلق المتأخر عن الأمر التعليقي والاعتذارُ بحمل التراخي على الرُتبيّ أو التراخي في الإخبار أو بأن الأمرَ التَّعليقيُّ قبل تحققِ المعلَّق به لمّا كان في عدم إيجابِ المأمورِ به بمنزلة العدم جُعل كأنَّه إنَّما حدَث بعد تحقُّقهِ فحُكي على صورةِ التجيز يؤدى بعد اللتيا واللتي إلى أن ما جَرى بينَهُ وبينهم ﵈ في شأن الخلافة وما قالوا فيه وما سمعوا إنما جرى بعد السجود المسبوقِ بمعرفة جلالة منزلتِه ﵇ وخروجِ إبليسَ من البين باللعن الؤبد لعِناده وبعد مشاهدتهم لذلك كله عياناً وهل هو إلا خرقٌ لقضية العقل والنقل والالتجاء في التفصى عنه إلى تأويل نفخِ الروحِ بحمله على ما يعُمُّ إفاضةَ ما به حياةُ النفوس التي من جملتها تعليم السماء تعسف ينبئ عن ضيق المجال فالذي يقتضيِه التحقيقُ ويستدعيهِ النظرُ الأنيقُ بعد التصفح في مستودعات الكتاب المكنونِ والتفحصِ عما فيه من السر المخزون أن سجودَهم له ﵇ إنما ترتب على الأمر التنجيزيّ المتفرعِ على ظهور فضلِه ﵇ المبنى على المجاورة المسبوقةِ بالإخبار بخلافته المنتظمِ جميعَ ذلك في سلك ما نِيط به الأمرُ التعليقيُّ من التسوية ونفخِ الروحِ إذ ليس من قضيته وجوبُ السجود عقيبَ نفخِ الروحِ فيه فإن الفاءَ الجزائيةَ ليست بنصَ في وجوب وقوعِ مضمونِ الجزاء عقيبَ وجودِ الشرط من غير تراخٍ للقطع بعدم وجوبِ السعي عقيبَ النداء لقوله تعالى ﴿إِذَا نُودِىَ للصلاة مِن يوم الجمعة فاسعوا﴾ الآية وبعدم وجوب إقامةِ الصلاة غِبَّ الاطمئنانِ لقوله تعالى ﴿فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة﴾ بل إنما الوجوبُ عند دخول الوقت كيف لا والحكمة الداعية إلى ورود ما نحن فيه من الأمر التعليقيِّ إثرَ ذي أثيرٍ إنما هي حملُ الملائكة ﵈ على التأمُّل في شأنه ﵇ لتدبروا في أحواله طراً ويُحيطوا بما لديه خُبراً ويستفهموا ما عسى يستَبْهم عليهم في أمره ﵇ لابتنائه على حِكَم أبيّة وأسرارٍ خفية طُويت عن علومهم ويقفوا على جلية الحال قبل ورود الأمر التنجيزي وتحتُّمِ الامتثال وقد قالوا بحسب ذلك ما قالوا وعاينوا ما عاينوا وعدمُ نظمِ الأمر التنجيزيّ في سلك الأمور المذكورةِ في السورتين عند الحكاية لا يستلزمُ عدمَ انتظامِه فيه عند وقوعِ المحكيِّ كما أن عدمَ ذكرِ الأمرِ التعليقي عند حكايةِ الأمرِ التنجيزيِّ
стр. 128
في السورة الكريمة المذكورة لا يوجب عدمَ مسبوقيتِه به فإن حكايةَ كلامٍ واحدٍ على أساليبَ مختلفةٍ حسبما يقتضيه المقام ويستدعيه حسنُ الانتظامِ ليست بعزيزة في الكتاب العزيز وناهيك بما نقل في توجيه قولِه تعالى بَشَرًا مع عدم سبقِ معرفةِ الملائكةِ ﵈ بذلك وحيث صِيَر إليه مع أنه لم يرِدُ به نقلٌ فما ظنك بما قد وقع التصريحُ به في مواضعَ عديدةٍ فلعله قد أُلقي إليهم ابتداءً جميعُ ما يتوقفُ عليه الأمرُ التنجيزيُّ إجمالاً بأن قيل مثلاً إني خالقٌ بشراً من كذا وكذا وجاعلٌ إياه خليفةً في الأرض فإذا سويتُه ونفختُ فِيهِ مِن رُّوحِى وتبيَّن لكم شأنُه فقَعوا له ساجدين فخلقه فسواه ونفخ فيه الروح فقالوا عند ذلك ما قالوا أو ألقيَ إليهم خبرُ الخلافةِ بعد تحققِ الشرائطِ المعدودة بأن قيل إثرَ نفخِ الروح فيه إني جاعلٌ هذا خليفةً في الأرض فهناك ذكروا في حقه ﵇ ما ذكروا فأيده الله بتعليم الأسماءِ فشاهدوا منه ما شاهدوا فعند ذلك ورد الأمرُ التنجيزيّ اعتناء بشأن المأمور به وتعييناً لوقته وقد حُكي بعضُ الأمور في بعض المواطنِ وبعضُها في بعضِها اكتفاء بما ذكر في كل موطنٍ عما تُرك في موطن آخرَ والذي يحسم مادةَ الاشتباهِ أن ما في سورة ص من قوله تعالى ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة﴾ الخ بدل من قول تعالى ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ فيما قبله من قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بالملإ الاعلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أي بكلامهم عند اختصامِهم والمرادُ بالملأ الأعلى وآدمُ ﵈ وإبليسُ حسبما أطبق عليه جمهورُ الأمة وباختصامِهم ما جرى بينهم في شأن خلافةِ آدم ﵇ من التقاول الذي من جملته ما صدر عنه ﵇ من الإنباء بالأسماء ومن قضية البدلية وقوعُ الاختصامِ المذكورِ في تضاعيف ما ذكر فيه تفصيلاً من الأمر التعليقيّ وما عُلِّق به من الخلق والتسويةِ ونفخِ الروحِ فيه وما ترتب عليه من سجود الملائكةِ ﵈ وعنادِ إبليسَ وما تبِعه من لعنه وإخراجِه من بَيْن الملائكةِ وما جرى بعده من الأفعالِ والأقوالِ وإذ ليس تمامُ الاختصامِ بعد سجودِ الملائكة ومكابرةِ إبليسَ بالأسماء حينئذ فهو إذن بعد نفخِ الروحِ وقبل السجود حتماً بأحد الطريقين والله سبحانه أعلمُ بحقيقة الأمر
﴿أبى واستكبر﴾ استئنافٌ مبين لكيفية عدمِ السّجودِ المفهومِ من الاستثناءِ وأنه لم يكن للتردد أو للتأمل والإباءُ الامتناعُ بالاختيار والتكبرُ أن يرى نفسه أكبرَ من غيره والاستكبارُ طلب ذلك بالتشبّع أي امتنع عما أُمر به واستكبر من أن يعظِّمه أو يتخذه وصلةً في عبادة ربِّه وتقديمُ الإباءِ على الاستكبار مع كونه مسبِّباً عنه لظهوره ووضوحِ أثرِه واقتُصر في سورة ص على ذكر الاستكبار اكتفاءً به وفي سورة الحجر على ذكر الإباءِ حيث قيل أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين
﴿وَكَانَ مِنَ الكافرين﴾ أي في علم الله تعالى إذ كان أصلُه من كفرة الجنِّ فلذلك ارتكب ما ارتكبه على ما أفصح عنه قولُه تعالى ﴿كَانَ مِنَ الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ﴾ فالجملةُ اعتراضيةٌ مقرِّرةٌ لما سبق من الإباء والاستكبار أو صار منهم باستقباح أمرِه تعالى إياه بالسجود لآدمَ ﵇ زعماً منه أنه أفضلُ منه والأفضلُ لا يُحسِنُ أن يؤمَرَ بالخضوع للمفضول كما يفصحُ عنه قولُه ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ﴾ حين قيل له ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين﴾ لا بترك الواجب وحده فالجملةُ معطوفةٌ على ما قبلها وإيثارُ الواو على الفاء للدلالة على أن محضَ الإباءِ والاستكبار كفر لا أنهما سببان له كما تفيد الفاء
стр. 129
البقرة (٣٥)
стр. 130
﴿وَقُلْنَا﴾ شروعٌ في حكايةِ ما جَرَى بينَهُ تعالى وبين آدمَ ﵇ بعد تمام ما جرى بينه تعالى وبين الملائكة وإبليسَ من الأقوال والأفعالِ وقد تُركت حكايةُ توبيخِ ابليس وجوابه ولعنه واستظهاره وإنظارُه اجتزاءً بما فُصّل في سائرِ السورِ الكريمةِ وهو عطفٌ على قلنا للملائكة ولا يقدحُ في ذلك اختلافُ وقتيهما فإن المراد بالزمان المدلولِ عليه بكلمة إذْ زمانٌ ممتدٌ واسعٌ للقولين وقيل هو عطفٌ على إذ قلنا بإضمار إذ وهذا تذكيرٌ لنعمة أخرى موجبةٍ للشكر مانعةٍ من الكفرَ وتصديرُ الكلام بالنداء في قوله تعالى
﴿يا آدم اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة﴾ للتنبيه على الاهتمام بتلقّي المأمورِ به وتخصيصُ أصل الخطابِ به ﵇ للإيذان بأصالته في مباشرة المأمورِ به واسكن من السكنى وهو اللُّبث والإقامةُ والاستقرارُ دونَ السكونِ الذي هو ضدُّ الحركة وأنت ضميرأ كد به المستكنُّ ليصحَّ العطفُ عليه واختلف في وقت خلقِ زوجِه فذكر السدي عن ابن مسعود وابن عباس وناسٍ من الصَّحابةِ رضوانُ الله تعالى عليهم اجمعين ان الله تعالى لما أخرج إبليسَ من الجنة وأسكنها آدمَ بقيَ فيها وحدَه وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ يستأنسُ به فألقى الله تعالى عليه النومَ ثم أخذ ضِلْعاً من جانبه الأيسرِ ووضع مكانه لحماً وخلق حواءَ منه فلما استيقظ وجدها عند رأسه قاعدةً فسألها ما أنت قالت امرأة قال ولم خلقتِ قالت لتسكُنَ إلي فقالت الملائكةُ تجْربةً لعلمه من هذه قال امرأة قالوا لم سُمِّيت امرأةً قال لأنها من المَرءِ أُخِذَت فقالوا ما اسمُها قال حواء قالوا لم سميت حواء قال لأنها خلقت من شئ حيّ ورُوي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال بعث الله تعالى جنداً من الملائكة فحملوا آدمَ وحواءَ على سريرٍ من ذهب كما يُحمل الملوك ولباسُهما النور حتى أدخلوهما الجنة وهذا كما ترَى يدلُّ على خلقها قبل دخول الجنة والمراد بها دارُ الثواب لأنها المعهودة وقيل هي جنةٌ بأرض فلسطين أو بين فارسَ وكَرْمان خلقها الله تعالى امتحاناً لآدمَ ﵇ وحُمل الإهباطُ على النقل منهَا إلى أرضِ الهندِ كما في قوله تعالى اهبطوا مِصْرًا لما أن خلقه ﵇ كان في الأرض بلا خلاف ولم يذكر في هذه القصة رفعُه إلى السماء ولو وقع ذلك لكان أولى بالذكر والتذكير لما أنه من أعظم النعمِ ولأنها لو كانت دارَ الخلد لما دخلها إبليسُ وقيل إنها كانت في السماء السابعة بدليل اهبِطوا ثم إن الإهباطَ الأولَ كان منها إلى السماء الدنيا والثاني منها إلى الأرض وقيل الكلُّ ممكنٌ والأدلةُ النقلية متعارضةٌ فوجب التوقفُ وتركُ القطع
﴿وَكُلَا مِنْهَا﴾ أي من ثمارها وانما وجِّه الخطاب إليهما تعميماً للتشريف والترفيه ومبالغة في إزالة العِلل والأعذار وإيذاناً بتساويهما في مباشرة المأمورِ به فإن حواءَ أُسوةٌ له ﵇ في الأكلِ بخلاف السكنِ فإنها تابعة له في
﴿رَغَدًا﴾ صفةٌ للمصدر المؤكَّد أي أكلاً واسعاً رافهاً
﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ أي أيَّ مكان أردتما منها وهذا كما ترى إطلاقٌ كليٌّ حيث أبيحَ لهما الأكلُ منها على وجه التوسعةِ البالغةِ المزيحةِ للعلل ولم يحضر عليهما بعضُ الأكلُ ولا بعضُ المواضع الجامعةِ للمأكولات حتى لايبقى
стр. 131
البقرة (٣٦)
لهما عذرٌ في تناول ما منعا منه بقوله تعالى
﴿وَلَا تَقْرَبَا﴾ بفتح الراء من قرِبْتُ الشيء بالكسر أقربه بالفتح إذ التيست به وتعرضتُ له وقال الجوهري قَرُبَ بالضم يَقْرُبُ قُرْباً إذا دنا وقَرِبْتُه بالكسر قُرْبَاناً دنوتُ منه
﴿هذه الشجرة﴾ نصبٌ على أنه بدل من اسم الإشارةِ أو نعتٌ له بتأويلها بمشتقٍ أي هذه الحاضرة من الشجرة أي لاتأكلا منها وإنما عُلّق النهي بالقُربان منها مبالغةً في تحريم الأكلِ ووجوب الاجتناب عنه والمرادُ بها الحنطةُ أو العِنبَةُ أو التينة وقيل هي شجرةٍ مَنْ أكلَ منها أحْدَث والأَوْلى عدمُ تعيينها من غير قاطع وقرئ هذا بالياء وبكسر شين الشِّجَرة وتاء تقربا وقرئ الشِيَرةَ بكسر الشين وفتح الياء
﴿فَتَكُونَا مِنَ الظالمين﴾ مجزوم على أنه معطوفٌ على تقرَبا أو منصوبٌ على أنه جواب للنهي واياما كان فالقُرب أي الأكلُ منها سببٌ لكونهما من الظالمين أي الذين ظلموا أنفسَهم بارتكاب المعصية أو نقَصوا حظوظَهم بمباشرة ما يُخِلُّ بالكرامة والنعيم أو تعدَّوا حدود الله تعالى
стр. 132
﴿فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا﴾ أي أصدر زلَّتَهما أي زلَقَهما وحملهما على الزلة بسببها ونظيره عن هذا ما في قوله تعالى ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى﴾ أو أزلهما عن الجنة بمعنى أذهبَهما وأبعدهما عنها يقال زلَّ عني كذا إذا ذهب عنك ويعضدُه قراءة أزالهما وهما متقاربان في المعنى فإن الإزلالَ أي الإزلاق يقتضي زوالَ الزال عن موضعه ألبتة وإزلالُه قوله لهما هل ادلكم على شَجَرَةِ الخلد وَمُلْكٍ لَاّ يبلى وقوله مَا نهاكما رَبُّكُمَا عَنْ الشجرة إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين ومقاسَمتُه لهما إِنّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين وهذه الآياتُ مشعرةٌ بأنه ﵇ لم يؤمر بسُكنى الجنةِ على وجه الخلود بل على وجه التكرمةِ والتشريفِ لما قُلِّد من خلافة الأرض إلى حين البعث إليها واختُلف في كيفية توصُّله إليهما بعدَ ما قيلَ له اخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ فقيل إنه إنما مُنع من الدخول على وجه التكرمة كما يدخُلها الملائكةُ ﵈ ولم يُمنَعْ من الدخول للوسوسة ابتلاءً لآدمَ وحواءَ وقيل قام عند الباب فناداهما وقيل تمثل بصورة دابةٍ فدخل ولم يعرِفْه الخَزَنة وقيل دخل في فم الحية فدخَل معها وقيل أرسل بعضَ أتباعه فأزلّهما والعلم عند الله سبحانه
﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ أي من الجنة إن كان ضمير عنها للشجرة والتعبير عنها بذلك للإيذان بفخامتها وجلالتِها وملابستِهما له أي من المكان العظيم الذي كانا مستقِرَّيْن فيه أو من الكرامة والنعيم إن كان الضميرُ للجنة
﴿وَقُلْنَا اهبطوا﴾ الخطابُ لآدمَ وحواءَ ﵉ بدليل قوله تعالى ﴿اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً﴾ وجُمعَ الضمير لأنهما أصلُ الجنس فكأنهما الجنسُ كلُّهم وقيل لهما وللحية وإبليسَ على انه اخرج منها ثانية بعد ما كان يدخلها للوسوسة أو يدخلها مسارقة أو اهبط من السماء وقرئ بضم الباء
﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ حالٌ استغني فيها عن الواو بالضمير أي متعادِين يبغي بعضُكم على بعض بتضليله أو استئنافٌ لا محلَّ له من الإعراب وإفراد العدوّ إما للنظر إلى لفظ البعض وإما لأن وزانة وازن المصدر كالقبول
﴿وَلَكُمْ فِى الارض﴾ التي هي محلُّ الإهباط والظرفُ متعلقٌ بما تعلَّق بهِ الخبرُ أعني لكم من
стр. 133
البقرة (٣٨ - ٣٧)
الاستقرار
﴿مُّسْتَقِرٌّ﴾ أي استقرارٌ أو موضعُ استقرارٍ
﴿ومتاع﴾ أي تمتّعٌ بالعيش وانتفاعٌ به
﴿إلى حِينٍ﴾ هو حينُ الموت على أن المُغيَّا تمتُّع كلِّ فردٍ من المخاطبين أو القيامة على أنه تمتع الجنس في ضمن بعض الأفراد والجملة كما قبلها في كونها حالاً أي مستحقين للاستقرار والتمتع أو استئنافاً
стр. 134
﴿فتلقى آدم مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ أي استقبلها بالأخذ والقبولِ والعملِ بها حين علِمَها ووُفّق لها وقرئ بنصب آدمَ ورفع كلماتٌ دلالةً على أنها استقبلته بلغته وهي قوله تعالى ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾ الآية وقيل سُبحانَكَ اللَّهم وبحمدِك وتباركَ اسمُك وتعالى جدُّك لا إله إلا أنت ظلمتُ نفسي فاغفرْ لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وعن ابن عباس ﵄ قال يا رب ألم تخلُقْني بيدك قال بلى قال يا رب ألم تنفُخْ فيَّ من روحك قال بلى قال يا رب ألم تسبِقْ رحمتُك غضبك قال بلى قال ألم تسكنّي جنتَك قال بلى قال يا رب اني تبتُ وأصلحتُ أراجعي أنت إلى الجنة قال نعم والفاءُ للدِلالة على أن التوبة حصلت عَقيب الأمر بالهبوط قبل تحقق المأمور به والتعرضُ لعنوانِ الربوبيةِ مع الإضافة إليه ﵇ للتشريف والإيذان بعلّيته لإلقاء الكلمات المدلول عليه بتلقيها
﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ أي رجع عليه بالرحمة وقَبولِ التوبةِ والفاء للدلالة على ترتبه على تلقي الكلمات المتضمن لمعنى التوبة التي هي عبارةٌ عن الاعتراف بالذنب والندمِ عليه والعزمِ على عدم العود إليه واكتُفي بذكر شأن آدمَ ﵇ لما أن حواءَ تبَعٌ له في الحُكم ولذلك طُوي ذكرُ النساء في أكثر مواقع الكتاب والسنة
﴿إِنَّهُ هُوَ التواب﴾ أي الرجّاع على عباده بالمغفرة أو الذي يُكثر إعانتَهم على التوبة وأصلُ التوب الرجوع فإذا وصف به العبد كان رجوعا عن المعصية وإذا وصف به الباري عز وعلا أريد به الرجوعُ عن العقاب إلى المغفرة
﴿الرحيم﴾ المبالِغُ في الرحمة وفي الجمع بين الوصفين وعدٌ بليغٌ للتائب بالإحسان مع العفو والغفران والجملة تعليلٌ لقوله تعالى ﴿فتاب عليه﴾
стр. 135
﴿قُلْنَا﴾ استئناف مبنيٌ على سؤال ينسحبُ عليه الكلامُ كأنَّه قيل فماذا وقع بعد قَبولِ توبتِه فقيل قلنا
﴿اهبطوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ كُرِّر الأمرُ بالهبوط إيذاناً بتحتم مقتضاه وتحقُّقه لا محالة ودفعاً لما عسى يقعُ في أمنيَّتِه ﵇ من استتباع قبول التوبةِ للعفو عن ذلك واظهار لنوع رأفةٍ به ﵇ لما بين الأمرين من الفرق النيّر كيف لا والأولُ مشوبٌ بضرب سخطٍ مذيلٍ ببيان أن مهبِطهم دارُ بليةٍ وتعادٍ لا يخلدون فيها والثاني مقرون بوعد إيتاء الهدى المؤدي إلى النجاة والنجاح وأما ما فيه من وعيد العقاب فليس بمقصود من التكليف قصداً أولياً بل إنما هو دائرٌ على سوء اختيارِ المكلفين قيل وفيه تنبيه على أن الحازم يكفيه بالردع عن مخالفةَ حكمِ الله تعالى مخافةُ الإهباط المقترنِ بأحد هذين الأمرين فكيف بالمقترن بهما فتأمل وقيل الأول من الجنة إلى السماء الدنيا والثاني منها إلى الأرض ويأباه التعرضُ لاستقرارهم في الأرض في الأول ورجوع الضمير
стр. 136
البقرة (٣٩)
إلى الجنة في الثاني وجميعا حال في اللفظ وتأكيدٌ في المَعَنى كأنَّه قيلَ اهبطوا أنتم أجمعون ولذلك لا يستدعي الاجتماعَ على الهبوط في زمان واحد كما في قولك جاؤوا جميعاً بخلاف قولك جاءوا معاً
﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى﴾ الفاءُ لترتيب ما بعدها على الهبوط المفهوم من الأمر به وإما مركبةٌ من إنِ الشرطيةِ وما المزيدة المؤكدة لمعناها والفعل في محل الجزم بالشرط لأنه مبنيٌّ لاتصاله بنون التأكيد وقيل معرب مطلقاً وقيل مبني مطلقاً والصحيحُ التفصيل إن باشرَتْه النونُ بُني وإلا أُعرب نحو هل يقومانِّ وتقديمُ الظرفِ على الفاعلِ لما مرَّ غيرَ مرة والمعنى إن يأتينكم مني هدى برسول أبعثُه إليكم وكتابٍ أُنزله عليكم وجواب الشرط قوله تعالى
﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ كما في قولك إن جئتني فإن قدِرْت أحسنتُ إليك وإيرادِ كلمة الشَّكِّ مع تحقيق الإتيان لا محالة للإيذان بأن الإيمانَ بالله والتوحيد لا يشترط فيه بعثةُ الرسلِ وإنزالُ الكتب بل يكفي في وجوبه إفاضةُ العقل ونصب الأدلة الآفاقية والأنفسية والتمكينُ من النظر والاستدلال أو للجري على سَنن العظماء في إيراد عسى ولعل في مواقعِ القطعِ والجزم والمعنى أن من تبع هدايَ منكم فلا خوفٌ عَلَيْهِمْ في الدارين من لُحوق مكروهٍ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ من فواتِ مطلوبِ أي لا يعتريهم ما يوجب ذلك لا أنه يعتريهم ذلك لكنهم لا يخافون ولا يحزنون ولا أنه لا يعتريهم نفسُ الخوف والحُزن أصلاً بل يستمرون على السرور والنشاط كيف لا واستشعارُ الخوفِ والخشيةِ استعظاماً لجلال الله سبحانه وهيبتِه واستقصاراً للجد والسعي في إقامة حقوقِ العبوديةِ من خصائص الخواصِّ والمقرَّبين والمرادُ بيانُ دوامِ انتفائِهما لا بيانُ انتفاءِ دوامها كما يُتوهم من كون الخبر في الجملة الثانية مضارعاً لما تقرر في موضعه أن النفيَ وإن دخل على نفس المضارع يفيد الدوام والاستمرارَ بحسب المقام وإظهارُ الهدى مضافاً إلى ضمير الجلالةِ لتعظيمِه وتأكيدِ وجوب اتّباعه أو لأن المراد بالثاني ما هو أعمُّ من الهدايات التشريعية وما ذكر من إفاضة العقل ونصب الأدلة الآفاقيةِ والأنفسية كما قيل وقرئ هُدَيَّ على لغة هذيل ولا خوفَ بالفتح
стр. 137
﴿والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا﴾ عطف على من تِبعَ الخ قسيمٌ له كأنه قيل ومن لم يتْبَعْه وإنما أوثر عليه ما ذكر تفظيعاً لحال الضلالةِ وإظهار لكمالِ قُبحِها وإيراد الموصولِ بصيغة الجمعِ للإشعار بكثرة الكفرة والجمعُ بين الكفر والتكذيب للإيذان بتنوّع الهدى إلى ما ذكر من النوعين وإيراد نونِ العظمةِ لتربيةِ المهابةِ وإدخال الروعة وإضافةُ الآياتِ إليها لإظهار كمالِ قبحِ التكذيبِ بها أي والذين كفروا برُسُلنا المرسلةِ إليهم وكذبوا بآياتنا المنزلة عليهم وقيل المعنى كفروا بالله وكذبوا بآياته التي أنزلها على الأنبياءِ ﵈ أو أظهَرها بأيديهم من المعجزات وقيل كفروا بالآيات جَناناً وكذبوا بها لساناً فيكون كلا الفعلين متوجهاً إلى الجار والمجرور والآية في الأصل العلامة الظاهرة قال النابغة
توهمْتُ آياتٍ لها فعرَفتُها ... لستة أعوامٍ وذا العامُ سابعُ
ويقال للمصنوعات من حيث دلالتُها على الصانع تعالى وعلمِه وقدرتِه ولكل طائفةٍ من كلمات القرآنِ المتميِّزة عن غيرها بفصل لأنها علامةٌ لانفصال ما قبلها مما بعدها وقيل لأنها تُجْمَعُ كلماتٌ منه فيكون من قولهم خرج فلان بآيتهم أي
стр. 138
البقرة (٤٠)
بجماعتهم قال
خرجْنا من البيتين لاحى مثلُنا ... بآيتِنا نُزجي النِّعاجَ المَطافِلا
واشتقاقُها من أَيْ لأنها تبين أياً من أي أو أوى إليه أي رجَع وأصلُها أَوْية أو أيّة فأبدلت عينها ألفاً على غير قياس أو أوَيَة أو أبيه كرمكه فأعلت أو آتية كقائلة فحُذفت الهمزة تخفيفاً
﴿أولئك﴾ إشارة إلى الموصوف باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة من الكفر والتكذيب وفيه إشعارٌ بتميزهم بذلك الوصف تميزاً مصحِّحاً للإشارة الحسية وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم فيه وهو مبتدأ وقوله
﴿أصحاب النار﴾ أيْ مُلازمُوهَا وملابسوها بحيث لا يفارقونها خبره والجملة خبرٌ للموصول أو اسمُ الإشارةِ بدلٌ من الموصول أو عطفُ بيان له وأصحاب النار خبرٌ له وقوله تعالى
﴿هُمْ فِيهَا خالدون﴾ في حيز النصبِ على الحالية لورود التصريح به في قوله تعالى ﴿أصحاب النار خالدين فِيهَا﴾ وقد جُوِّز كونُه حالاً من النار لاشتماله على ضميرها والعاملُ معنى الإضافةِ أو اللامُ المقدرة أو في محلِ الرفعِ على أنه خبر آخر لألئك على رأي من جوّز وقوع الجملة خبراً ثانياً وفيها متعلق بخالدون والخلودُ في الأصل المكثُ الطويلُ وقد انعقد الإجماع على أن المرادَ به الدوام
стр. 139
﴿يا بني إسرائيل﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى طائفة خاصةٍ من الكفرة المعاصرين للنبي ﷺ لتذكيرهم بفنون النعم الفائضة عليهم بعد توجيهه إلى رسول الله ﷺ وأمرِه بتذكير كلهم بالنعمة العامة لبني آدم قاطبة بقوله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ الخ ﴿وَإِذْ قُلْنَا للملائكة﴾ الخ لأن المعنى كما أشير إليه بلّغهم كلامي واذكر لهم إذ جعلنا أباهم خليفةً في الأرض ومسجوداً للملائكة ﵈ وشرفناه بتعليم الأسماءِ وقبِلْنا توبتَه والابنُ من البِناء لأنه مَبْنَى أبيه ولذلك ينسب المصنوع إلى صانعه فيقال أبو الحرب وبنتُ فكرٍ وإسرائيلُ لقبُ يعقوبَ ﵇ ومعناه بالعبرية صفوةُ الله وقيل عبد الله وقرئ اسرائيل بحذف الياء وإسرالَ بحذفهما واسرائيل بقلب الهمزة ياء واسرائيل بهمزة مفتوحة واسرائيل بهمزة مكسورة بين الراء واللام وتخصيصُ هذه الطائفة بالذكر والتذكير لما أنهم أوفرُ الناس نعمةً وأكثرهم كفراً بها
﴿اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ بالتفكر فيها والقيام بشكرها وفيه إشعار بأنهم قد نسُوها بالكلية ولم يُخطروها بالبال لا أنهم أهملوا شكرها فقط وإضافةُ النعمة إلى ضمير الجلالةِ لتشريفها وإيجابِ تخصيصِ شكرها به تعالى وتقييد النعمة بهم لما أن الإنسان مجبولٌ على حب النعمة فإذا نظرَ إلى ما فاض عليه من النعم حملَه ذلك على الرضا والشُكر قيل أريد بها ما أنعم به على آبائهم من النعم التي سيجىء تفصيلُها وعليهم من فنونِ النعمِ التي أجلُّها إدراكُ عصر النبي ﵇ وقرئ اذَّكِروا من الافتعال ونعمتيْ بإسكان الياء وإسقاطها في الدرْج وهو مذهبُ من لا يحرك الياءَ المكسورَ ما قبلها
﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى﴾ بالإيمان والطاعة
﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ بحسن الإثابة والعهد يضاف إلى كل واحد ممن يتولى طرفيه ولعل الأولَ مضافٌ إلى الفاعل والثاني إلى المفعول فإنه تعالى عَهِد إليهم بالإيمان والعملِ الصالح
стр. 140
البقرة (٤١)
بنصب الدلائلِ وإرسالِ الرسل وإنزال الكتبِ ووعد لهم بالثواب على حسناتهم وللوفاء بهما عَرْضٌ عريض فأولُ مراتبه منا هو الإتيانُ بكلمتي الشهادة ومن الله تعالى حقنُ الدماء والأموال وآخرُها منا الاستغراقُ في بحر التوحيد بحيث نغفُل عن أنفسنا فضلاً عن غيرنا ومن الله تعالى الفوزُ باللقاء الدائم وأمَّا ما رُوي عن ابنِ عباس ﵄ أوفوا بعهدي في اتباع محمدٍ ﷺ أوفِ بعهدكم في رفع الآصارِ والأغلال وعن غيره أوفوا بأداء الفرائض وترك الكبائر أوفِ بالمغفرة والثواب أو أوفوا بالاستقامة على الطريق المستقيم أوفِ بالكرامة والنعيم المقيم فبالنظر إلى الوسائط وقيل كلاهما مضافٌ إلى المفعول والمعنى أوفوا بما عاهدتموني من الإيمان والتزام الطاعةِ أوفِ بما عاهدتُكم من حُسن الإثابةِ وتفصيلُ العهدين قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بني إسرائيل﴾ إلى قوله ﴿وَلَادْخِلَنَّكُمْ جنات﴾ الخ وقرئ أوَفِّ بالتشديد للمبالغة والتأكيد
﴿وإياى فارهبون﴾ فيمَا تأتونَ وما تذرونَ خصوصاً في نقض العهد وهو آكد في إفادة التخصيصِ من إياك نعبد لما فيه مع التقديم من تكرير المفعول والفاء الجزائية الدالةِ على تضمن الكلام معنى الشرطِ كأنه قيل إن كنتم راهبين شيئاً فارهَبوني والرهبة خوف معه تحر زو الآية متضمنة للوعد والوعيد ودالة على وجوب الشكر والوفاء بالعهد وأن المؤمن ينبغي ان لا يخاف إلا الله تعالى
стр. 141
﴿وآمنوا بِمَا أَنزَلْتُ﴾ أفرد الإيمانَ بالقرآن بالأمر به لما أنه العُمدةُ القصوى في شأن الوفاء بالعهود
﴿مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ﴾ من التوراة والتعبير عنها بذلك للإيذان بعلمهم بتصديقه لها فإن المعيةَ مِئنّةٌ لتكرر المراجعة إليها والوقوفِ على ما في تضاعيفها المؤدي إلى العلم بكونه مصدقاً لها ومعنى تصديقِه للتوراة أنه نازلٌ حسبما نُعت فيها أو من حيث إنه موافقٌ لها في القصص والمواعيد والدعوة إلى التوحيد والعدل بين الناس والنهي عن المعاصي والفواحش وأما ما يتراءى من مخالفته لها في بعض جزئياتِ الاحكام المتفاوته بسبب تفاوتِ الأعصارِ فليست بمخالفةٍ في الحقيقة بل هي موافقة لها من حيث إن كلا منها حق بالإضافة إلى عصره وزمانِه متضمِّنٌ للحكم التي عليها يدورُ فلكُ التشريع وليس في التوراة دلالة على أبدية أحكامِها المنسوخةِ حتى يخالفَها ما ينسخها وإنما تدلُّ على مشروعيتها مُطلقاً من غيرِ تعرضٍ لبقائها وزوالها بل نقول هي ناطقةٌ بنسخ تلك الأحكام فإن نُطقها بصحة القرآن الناسخِ لها نطقٌ بنسخها فإذن مناطُ المخالفة في الأحكام المنسوخةِ إنما هو اختلافُ العصر حتى لو تأخر نزول المتقدم لنزل على وفق المتأخر ولو تقدم نزول المتأخر لوافق المتقدم قطعا ولذلك قال ﵇ ﴿لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي﴾ وتقييدُ المُنْزَلِ بكونه مصدقاً لما معهم لتأكيدِ وجوبِ الامتثالِ بالأمرِ فإن إيمانهم بما معهم مما يقتضي الإيمانَ بما يصدِّقه قطعاً
﴿وَلَا تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ به﴾ أي لاتسارعوا إلى الكفر به فإن وظيفتكم أن تكونوا أولَ من آمنَ به لما أنكم تعرِفون شأنَه وحقِّيتَه بطريق التلقي مما معكم من الكتُب الإلهيةِ كما تعرِفون أبناءكم وقد كنتم تستفتحون به وتبشرون
стр. 142
البقرة (٤٢)
بزمانه كما سيجيء فلا تضعوا موضعَ ما يُتوقّع منكم ويجب عليكم مالا يُتوهم صدورُه عنكم من كونكم أولَ كافر به ووقوع أول كافر به خبراً من ضمير الجمع بتأويل أولِ فريق أو فوج أوبتأويل لا يكنْ كلُّ واحد منكم أو كافر به كقولك كسانا حُلةً ونهيُهم عن التقدم في الكفر به مع أن مشركي العربِ أقدمُ منهم لما أنَّ المرادَ به التعريضُ لا الدلالةُ على ما نطق به الظاهر كقولك أما أنا فلستُ بجاهل لأن المراد نهيهم عن كونهم أو كافر من أهل الكتاب أو ممن كفر بما عنده فإن مَنْ كفر بالقرآن فقد كفر بما يصدِّقه أو مثلُ من كفر من مشركي مكةَ وأول أفعلُ لا فِعلَ له وقيل أصله أوْأَل من وَأَل إليه إذا نجا وخلُص فأُبدلت الهمزةُ واواً تخفيفاً غيرَ قياسي أو أَأْوَل من آلَ فقلبت همزتُه واواً وأدغمت
﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بآياتي﴾ أي لا تأخُذوا لأنفسكم بدلاً منها
﴿ثَمَناً قَلِيلاً﴾ من الحظوظ الدنيوية فإنها وإن جلت قليلةٌ مسترذلة بالنسبة إلى ما فات عنهم من حظوظ الآخرةِ بترك الإيمان قيل كانت لهم رياسةٌ في قومهم ورسوم وهدايا فخافوا عليها لو اتبعوا رسول الله ﷺ فاختاروها على الإيمان وإنما عبر عن المشتري الذي هو العمدة في عقود المعاوضة والمقصودُ فيها بالثمن الذي شأنُه أن يكون وسيلةً فيها وقُرنت الآياتُ التي حقُّها أنْ يتنافسَ فيها المتنافسون بالباء التي تصحَبُ الوسائل إيذاناً بتعكيسهم حيث جعلوا ما هو المقصد الأصلي وسيلة والوسيلة مقصداً
﴿وإياى فاتقون﴾ بالإيمان واتباعِ الحقِ والإعراض عن حطام الدنيا ولما كانت الآية السابقةُ مشتملةً على ما هو كالمبادى لما في الآية الثانيةِ فُصِّلت بالرهبة التي هي من مقدِّمات التقوى أو لأن الخطابَ بها لما عمَّ العالِمَ والمقلِّدَ أُمر فيها بالرهبة المتناولةِ للفريقين وأما الخطابُ بالثانية فحيث خُصَّ بالعلماء أُمر فيها بالتقوى الذي هو المنتهى
стр. 143
﴿وَلَا تَلْبِسُواْ الحق بالباطل﴾ عطف على ما قبله واللَّبْسُ الخَلْطُ وقد يلزمه الاشتباه بين المختلطين والمعنى لا تخلِطوا الحقَّ المُنْزَلَ بالباطل الذي تخترعونه وتكتُبونه حتى يشتبِهَ أحدُهما بالآخر أو لا تجعلوا الحق ملتبسا بسب الباطل الذي تكتُبونه في تضاعيفه أو تذكُرونه في تأويله
﴿وَتَكْتُمُواْ الحق﴾ مجزوم داخلٌ تحت حكمِ النهي كأنهم أُمروا بالإيمان وتركِ الضلال ونُهوا عن الإضلال بالتلبيس على من سمع الحقَ والإخفاءِ عمن لم يسمعه أو منصوبٌ بإضمار أن على أن الواوَ للجمع أي لا تجمعوا بين لَبْس الحقِّ بالباطل وبين كتمانِه ويعضُده أنه في مصحف ابن مسعودٍ وتكتُمون أي وأنتم تكتمون أي كاتمين وفيه إشعارٌ بأن الستقباح اللَبسِ لما يصحبُه من كتمان الحق وتكريرُ الحق إما لأن المرادَ بالأخير ليس عينَ الأول بل هو نعت النبيِّ ﷺ الذي كتَموه وكتبوا مكانه غيرَه كما سيجىء في قولِه تعالَى ﴿فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ﴾ وإما لزيادةِ تقبيحِ المنهيِّ عنه إذ في التصريح باسمِ الحق ما ليس في ضميره
﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي كونِكم عالمين بأنكم لابسون كاتمون أو وأنتم تعلمون أنه حق أو وأنتم من أهل العلم وليس إيرادُ الحالِ لتقييد النهي به كما في قوله تعالى ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى﴾ بل لزيادة تقبيح حالهم إذ الجاهل عسى يعذر
стр. 144
البقرة (٤٤ - ٤٣)
стр. 145
﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وآتَوْا الزَّكَاةَ﴾ أي صلاةَ المسلمين وزكاتَهم فإن غيرَهما بمعزلٍ من كونه صلاةً وزكاةً أمرهم الله تعالى بفروع السلام بعد الأمرِ بأصوله
﴿واركعوا مَعَ الراكعين﴾ أي في جماعتهم فإن صلاةَ الجماعةِ تفضل على صلاة الفذِ بسبعٍ وعشرين درجة لما فيها من تظاهُر النفوسِ في المناجاة وعُبِّر عن الصلاة بالركوع احترازاً عن صلاة اليهود وقيل الركوع الخضوع والانقيادُ لما يُلزِمُهم الشارعُ قال الضبط بنُ قُريع السعدي
لا تحقِرَنّ الضعيفَ عَلَّك أن ... تركَعَ يوماً والدهرُ قد رَفَعَهْ
следующие страницы →