← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

﴿وآمنوا بِمَا أَنزَلْتُ﴾ أفرد الإيمانَ بالقرآن بالأمر به لما أنه العُمدةُ القصوى في شأن الوفاء بالعهود ﴿مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ﴾ من التوراة والتعبير عنها بذلك للإيذان بعلمهم بتصديقه لها فإن المعيةَ مِئنّةٌ لتكرر المراجعة إليها والوقوفِ على ما في تضاعيفها المؤدي إلى العلم بكونه مصدقاً لها ومعنى تصديقِه للتوراة أنه نازلٌ حسبما نُعت فيها أو من حيث إنه موافقٌ لها في القصص والمواعيد والدعوة إلى التوحيد والعدل بين الناس والنهي عن المعاصي والفواحش وأما ما يتراءى من مخالفته لها في بعض جزئياتِ الاحكام المتفاوته بسبب تفاوتِ الأعصارِ فليست بمخالفةٍ في الحقيقة بل هي موافقة لها من حيث إن كلا منها حق بالإضافة إلى عصره وزمانِه متضمِّنٌ للحكم التي عليها يدورُ فلكُ التشريع وليس في التوراة دلالة على أبدية أحكامِها المنسوخةِ حتى يخالفَها ما ينسخها وإنما تدلُّ على مشروعيتها مُطلقاً من غيرِ تعرضٍ لبقائها وزوالها بل نقول هي ناطقةٌ بنسخ تلك الأحكام فإن نُطقها بصحة القرآن الناسخِ لها نطقٌ بنسخها فإذن مناطُ المخالفة في الأحكام المنسوخةِ إنما هو اختلافُ العصر حتى لو تأخر نزول المتقدم لنزل على وفق المتأخر ولو تقدم نزول المتأخر لوافق المتقدم قطعا ولذلك قال ﵇ ﴿لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي﴾ وتقييدُ المُنْزَلِ بكونه مصدقاً لما معهم لتأكيدِ وجوبِ الامتثالِ بالأمرِ فإن إيمانهم بما معهم مما يقتضي الإيمانَ بما يصدِّقه قطعاً ﴿وَلَا تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ به﴾ أي لاتسارعوا إلى الكفر به فإن وظيفتكم أن تكونوا أولَ من آمنَ به لما أنكم تعرِفون شأنَه وحقِّيتَه بطريق التلقي مما معكم من الكتُب الإلهيةِ كما تعرِفون أبناءكم وقد كنتم تستفتحون به وتبشرون

стр. 142

البقرة (٤٢) بزمانه كما سيجيء فلا تضعوا موضعَ ما يُتوقّع منكم ويجب عليكم مالا يُتوهم صدورُه عنكم من كونكم أولَ كافر به ووقوع أول كافر به خبراً من ضمير الجمع بتأويل أولِ فريق أو فوج أوبتأويل لا يكنْ كلُّ واحد منكم أو كافر به كقولك كسانا حُلةً ونهيُهم عن التقدم في الكفر به مع أن مشركي العربِ أقدمُ منهم لما أنَّ المرادَ به التعريضُ لا الدلالةُ على ما نطق به الظاهر كقولك أما أنا فلستُ بجاهل لأن المراد نهيهم عن كونهم أو كافر من أهل الكتاب أو ممن كفر بما عنده فإن مَنْ كفر بالقرآن فقد كفر بما يصدِّقه أو مثلُ من كفر من مشركي مكةَ وأول أفعلُ لا فِعلَ له وقيل أصله أوْأَل من وَأَل إليه إذا نجا وخلُص فأُبدلت الهمزةُ واواً تخفيفاً غيرَ قياسي أو أَأْوَل من آلَ فقلبت همزتُه واواً وأدغمت ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بآياتي﴾ أي لا تأخُذوا لأنفسكم بدلاً منها ﴿ثَمَناً قَلِيلاً﴾ من الحظوظ الدنيوية فإنها وإن جلت قليلةٌ مسترذلة بالنسبة إلى ما فات عنهم من حظوظ الآخرةِ بترك الإيمان قيل كانت لهم رياسةٌ في قومهم ورسوم وهدايا فخافوا عليها لو اتبعوا رسول الله ﷺ فاختاروها على الإيمان وإنما عبر عن المشتري الذي هو العمدة في عقود المعاوضة والمقصودُ فيها بالثمن الذي شأنُه أن يكون وسيلةً فيها وقُرنت الآياتُ التي حقُّها أنْ يتنافسَ فيها المتنافسون بالباء التي تصحَبُ الوسائل إيذاناً بتعكيسهم حيث جعلوا ما هو المقصد الأصلي وسيلة والوسيلة مقصداً ﴿وإياى فاتقون﴾ بالإيمان واتباعِ الحقِ والإعراض عن حطام الدنيا ولما كانت الآية السابقةُ مشتملةً على ما هو كالمبادى لما في الآية الثانيةِ فُصِّلت بالرهبة التي هي من مقدِّمات التقوى أو لأن الخطابَ بها لما عمَّ العالِمَ والمقلِّدَ أُمر فيها بالرهبة المتناولةِ للفريقين وأما الخطابُ بالثانية فحيث خُصَّ بالعلماء أُمر فيها بالتقوى الذي هو المنتهى

стр. 143

﴿وَلَا تَلْبِسُواْ الحق بالباطل﴾ عطف على ما قبله واللَّبْسُ الخَلْطُ وقد يلزمه الاشتباه بين المختلطين والمعنى لا تخلِطوا الحقَّ المُنْزَلَ بالباطل الذي تخترعونه وتكتُبونه حتى يشتبِهَ أحدُهما بالآخر أو لا تجعلوا الحق ملتبسا بسب الباطل الذي تكتُبونه في تضاعيفه أو تذكُرونه في تأويله ﴿وَتَكْتُمُواْ الحق﴾ مجزوم داخلٌ تحت حكمِ النهي كأنهم أُمروا بالإيمان وتركِ الضلال ونُهوا عن الإضلال بالتلبيس على من سمع الحقَ والإخفاءِ عمن لم يسمعه أو منصوبٌ بإضمار أن على أن الواوَ للجمع أي لا تجمعوا بين لَبْس الحقِّ بالباطل وبين كتمانِه ويعضُده أنه في مصحف ابن مسعودٍ وتكتُمون أي وأنتم تكتمون أي كاتمين وفيه إشعارٌ بأن الستقباح اللَبسِ لما يصحبُه من كتمان الحق وتكريرُ الحق إما لأن المرادَ بالأخير ليس عينَ الأول بل هو نعت النبيِّ ﷺ الذي كتَموه وكتبوا مكانه غيرَه كما سيجىء في قولِه تعالَى ﴿فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ﴾ وإما لزيادةِ تقبيحِ المنهيِّ عنه إذ في التصريح باسمِ الحق ما ليس في ضميره ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي كونِكم عالمين بأنكم لابسون كاتمون أو وأنتم تعلمون أنه حق أو وأنتم من أهل العلم وليس إيرادُ الحالِ لتقييد النهي به كما في قوله تعالى ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى﴾ بل لزيادة تقبيح حالهم إذ الجاهل عسى يعذر

стр. 144

البقرة (٤٤ - ٤٣)

стр. 145

﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وآتَوْا الزَّكَاةَ﴾ أي صلاةَ المسلمين وزكاتَهم فإن غيرَهما بمعزلٍ من كونه صلاةً وزكاةً أمرهم الله تعالى بفروع السلام بعد الأمرِ بأصوله ﴿واركعوا مَعَ الراكعين﴾ أي في جماعتهم فإن صلاةَ الجماعةِ تفضل على صلاة الفذِ بسبعٍ وعشرين درجة لما فيها من تظاهُر النفوسِ في المناجاة وعُبِّر عن الصلاة بالركوع احترازاً عن صلاة اليهود وقيل الركوع الخضوع والانقيادُ لما يُلزِمُهم الشارعُ قال الضبط بنُ قُريع السعدي لا تحقِرَنّ الضعيفَ عَلَّك أن ... تركَعَ يوماً والدهرُ قد رَفَعَهْ

стр. 146

﴿أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر﴾ تجريدٌ للخطابِ وتوجيهٌ لهُ إلى بعضهم بعد توجيه إلى الكل والهمزةُ فيها تقريرٌ مع توبيخٍ وتعجيبٍ والبِرُّ التوسُّعُ في الخير من البَرّ الذي هو الفضاءُ الواسعُ يتناول جميعَ أصنافِ الخيرات ولذلك قيل البر ثلاثة بِرٌّ في عبادة الله تعالى وبِرٌّ في مراعاة الأقارب وبِرٌّ في معاملة الأجانب ﴿وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ أي تتركونها من البر كالمَنْسيات عن ابن عباس رضي اللع عنهما أنها نزلتْ في أحبارِ المدينة كانوا يأمُرون سراً من نصَحُوه باتباع النبيِّ ﷺ ولا يتبعونه طمعاً في الهدايا والصِلاتِ التي كانت تصلُ إليهم من أتباعهم وقيل كانوا يأمُرون بالصدقة ولا يتصدقون وقال السدي أنهم كانوا يأمرون الناسَ بطاعة الله تعالى وينهَوْنَهم عن معصيته وهم يتركون الطاعة ويُقْدِمون على المعصية وقال ابن جريج كانوا يأمرون الناسَ بالصلاة والزكاة وهم يتركونهما ومدارُ الإنكارِ والتوبيخِ هي الجملةُ المعطوفة دون ما عُطفت هي عليه ﴿وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الكتاب﴾ تبكيت لهم وتقريح كقوله تعالى ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي والحالُ أنكم تتلون التوراة الناطقة بنعوته ﷺ الآمرةِ بالإيمان به أو بالوعد بفعل الخيرِ والوعيدِ على الفسادِ والعنادِ وتركِ البِر ومخالفةِ القولِ العملَ ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي أتتلونه فلا تعقِلون ما فيه أو قبحَ ما تصنعون حتى ترتدعوا عنه فالإنكارُ متوجِّهٌ إلى عدم العقل بعد تحققِ ما يوجبه فالمبالغة من حيث الكيفُ أو ألا تتأملون فلا تعقلون فالإنكارُ متوجِّه إلى كلا الأمرين والمبالغةُ حينئذ من حيث الكم والعقلُ في الأصل المنعُ والإمساك ومنه العِقالُ الذي يُشدُّ به وظيفُ البعير إلى ذراعه لحبسِه عن الحَراك سُمّي به النورُ الروحاني الذي به تُدرِك النفسُ العلومَ الضرورية والنظريةَ لأنه يحسبه عن تعاطي ما يقبُح ويعقِله على ما يحسُن والآية كما ترى ناعيةٌ على كل من يعِظُ غيرَه ولا يتعظ بسوء صنيعِه وعدمِ تأثره وإن فعله الجاهلِ بالشرع أو الأحمق الخالي عن العقل والمرادُ بها كما أشير إليه حثُّه على تزكية النفس والإقبالُ عليها بالتكميل لتقوم بالحقِّ فتقيمَ غيرَها لا منعُ الفاسق عن الوعظ يروى أنه كان عالم من العلماء مؤثِّرُ الكلام قويُّ التصرف في القلوب وكان كثيراً ما يموتُ من أهل مجلسه واحدا أو اثنان من شدة تأثير وعظِه وكان في بلده عجوزٌ لها ابنٌ صالحٌ رقيقُ القلب سريعُ الانفعال وكانت تحترز عليه وتمنعُه من حضور مجلس الواعظِ فحضَره يوماً على حين غفلةٍ منها فوقع مَنْ أمرِ الله تعالَى ما وقع ثم إن العجوز لقِيت الواعظَ يوماً في الطريق فقالت ... لتهتدى الأنام

стр. 147

البقرة (٤٧ - ٤٥) ولا تهتدي ... ألا إنّ ذلك لا ينفعُ ... فيا حَجَرَ الشَّحْذ حتى متى ... تسُنُّ الحديدَ ولا تقطع فلما سمعه الواعظ شهَق شهقة فخر من فرسه مفشيا عليه فحلموه إلى بيته فتُوفّي إلى رحمة الله سبحانه

стр. 148

﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ متصلٌ بما قبله كأنهم لما كُلفوا ما فيه من ترك الرياسةِ والإعراضِ عن المال عولجوا بذلك والمعنى استعينوا على حوائجكم بانتظار النُّجْحِ والفرَج توكلاً على الله تعالى أو بالصوم الذي هو الصبرُ عن المفطِرات لما فيه من كسر الشهوةِ وتصفيةِ النفس والتوسل في الصلاة والاتجاء إليها فإنها جامعةٌ لأنواع العبادات النفسانية والبدنية من الطهارة وسترِ العورة وصرفِ المال فيهما والتوجهِ إلى الكعبة والعكوفِ على العبادة وإظهارِ الخشوعِ بالجوارحِ وإخلاصِ النية بالقلب ومجاهدةِ الشيطان ومناجاة الحقِّ وقراءةِ القرآنِ والتكلمِ بالشهادة وكفِّ النفسِ عن الأطيبَيْنِ حتى تجابوا إلى تحصيل المآرب وجبر المصائب روي أنه ﵇ كان إذا حزَبه أمرٌ فزِعَ إلى الصلاة ويجوزُ أنْ يُرادَ بها الدعاء ﴿وَإِنَّهَا﴾ أي الاستعانةَ بهما أو الصلاة وتخصيصَها بردِّ الضمير إليها لعِظم شأنِها واشتمالِها على ضروبٍ من الصبر كما في قوله تعالى ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا﴾ أو جُملةِ ما أُمروا بها ونُهوا عنها ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ لثقيلة شاقةٌ كقوله تعالَى ﴿كَبُرَ عَلَى المشركين مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ ﴿إِلَاّ عَلَى الخاشعين﴾ الخشوعُ الإخباتُ ومنه الخشْعةُ للرملة المتطامنةِ والخضوعُ اللين والانقيادُ ولذلك يقال الخشوعُ بالجوارح والخضوعُ بالقلب وإنما لم تثقُلْ عليهم لأنهم يتوقعون ما أُعد لهم بمقابلتها فتهونُ عليهم ولأنهم يستغرقون في مناجاة ربِّهم فلا يُدركون ما يجري عليهم من المشاقِّ والمتاعبِ ولذلك قال ﵇ وقرة عيني في الصَّلاة والجملةُ حاليةٌ أو اعتراضٌ تذييلي

стр. 149

﴿الذين يظنون أنهم ملاقو رَبّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجعون﴾ أي يتوقعون لقاءَه تعالى ونيلَ ما عنده من المثوبات والتعرضُ لعنوانِ الربوبيةِ مع الإضافة إليهم للإيذان بفيضَان إحسانِه إليهم أو يتيقنون أنهم يُحشرون إليه للجزاءِ فيعمَلون على حسب ذلك رغبةً ورهبة وأما الذين لا يوقنون بالجزاء ولا يرجُون الثوابَ ولا يخافون العقابَ كانت عليهم مشقةً خالصةً فتَثْقُلُ عليهم كالمنافقين والمرائين فالتعرُضُ للعنوان المذكور للإشعار بعلِّية الربوبيةِ والمالكيةِ للحُكْم ويؤيده أن في مصحف ابن مسعودٍ ﵁ يعملون وكأن الظنَّ لما شابه العلم في الرُّجحان أطلق عليه لتضمين معنى التوقع قال فأرسلْتُه مستيقِنَ الظنِّ إنه ... مخالطُ ما بين الشراسيفِ جائفُ وجعل خبر إن في الموضعين اسماً للدلالة على تحقيق اللقاء والرجوعِ وتقرُّرِهما عندهم

стр. 150

﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التى أنعمت عَلَيْكُمْ﴾ كُرر التذكيرُ للتأكيد ولربط ما بعده من الوعيد الشديدِ به ﴿وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ﴾ عطفٌ على نعمتيَ عطف الخاصِّ على العام لكماله أي فضلتُ آباءَكم ﴿عَلَى العالمين﴾ أي عالَمِي زمانِهم بما منحتُهم من العلم والإيمانِ والعملِ الصالحِ وجعلتُهم أنبياءَ وملوكاً مُقسِطين وهم آباءهم

стр. 151

البقرة (٤٩ - ٤٨) الذين كانوا في في عصر موسى ﵇ وبعده قبل أن يغيّروا

стр. 152

﴿واتقوا يَوْمًا﴾ أي حسابَ يومٍ أو عذابَ يوم ﴿لَاّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ أي لا تقضي عنها شيئاً من الحقوق فانتصابُ شيئاً على المفعولية أو شيئاً من الجزاء فيكون نصبُه على المصدرية وقرئ لا تجتزئ أي لا تغني عنها فيتعين النصبُ على المصدرية وإيرادُه منكراً مع تنكير النفسِ للتعميم والإقناطِ الكليّ والجملة صفةُ يوماً والعائد منها محذوف أي لا تَجْزي فيه ومن لم يجوز الحذفَ قال اتُسع فيه فحُذف الجارُّ وأُجرِيَ المجرورُ مجرى المفعولِ به ثم حذف كما حُذِفَ في قول من قال فما أدري أغَيَّرهمْ تناء ... وطولُ العهدِ أم مالٌ أصابوا أي أصابوه ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ أي من النفس الثانية العاصيةِ أو من الأولى والشفاعةُ من الشفْع كأن المشفوعَ له كان فرداً فجعله الشفيعُ شفعاً والعدلُ الفدية وقيل البدل وأصله التسوية سُمي به الفديةُ لأنها تساوي المَفْدِيَّ وتَجزي مَجزاه ﴿وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي يُمنعون من عذاب الله والضميرُ لما دلت عليه النفسُ الثانية المنَكّرة الواقعةُ في سياق النفي من النفوس الكثيرة والتذكيرُ لكونها عبارةً عن العبّاد والأَناسيِّ والنُصرةُ ههنا أخصُّ من المعونة لاختصاصها بدفع الضرر وكأنه أريد بالآية نفيُ أن يَدفعَ العذابَ أحدٌ عن أحد من كل وجهٍ محتمل فإنه إما أن يكون قهرا أولا والأول النُّصرة والثاني إما أن يكون مجانا أولا والأولُ الشفاعة والثاني إما أن يكونَ بأداء عينِ ما كان عليه وهو أن يجزيَ عنه أو بأداء غيرِه وهو أن يُعطيَ عنه عَدْلاً وقد تمسكت المعتزلةُ بهذه الآية على نفي الشفاعةِ لأهل الكبائرِ والجوابُ أنها خاصة بالكفار للآيات الواردة في الشفاعة والأحاديثِ المرويةِ فيها ويؤيده أن الخطابَ معهم ولردهم عمَّا كانوا عليه من اعتقاد أن آباءَهم الأنبياءَ يشفعون لهم

стр. 153

﴿وإذ نجيناكم من آل فِرْعَوْنَ﴾ تذكيرٌ لتفاصيلِ ما أُجمل في قولِه تعالَى ﴿نعمتي التى أنعمت عليكم﴾ من فنونِ النَعماء وصنوفِ الآلاءِ أي واذكروا وقت تنجيتِنا إياكم أي آباءَكم فإن تنجيتَهم تنجيةٌ لأعقابهم وقرئ أنجيتُكم وأصلُ آلٍ أهْلٌ لأن تصغيره أُهيل وخص بالإضافة إلى أولي الأخطارِ كالأنبياء ﵈ والملوك وفرعونُ لقبٌ لمن ملك العمالقة ككسرى لملِك الفرسِ وقيصرَ لملك الروم وخاقانَ لملك التُرك ولعُتُوِّه اشتُق منه تفر عن الرجلُ إذا عتا وتمرَّد وكان فرعونُ موسى ﵇ مُصعبُ بنُ ريانَ وقيل ابنهُ وليداً من بقايا عادٍ وقيل إنه كان عطّاراً أصفهانياً ركبتْه الديونُ فأفلس فاضطُر إلى الخروج فلحِقَ بالشام فلم يتسنَّ له المقامُ به فدخل مصْرَ فرأى في ظاهره حِمْلاً من البطيخ بدرهم وفي نفسه بِطِّيخةٌ بدرهم فقال في نفسه إن تيسر لي أداءُ الدين فهذا طريقُه فخرج إلى السواد فاشترى حملاً

стр. 154

البقرة (٥٠) بدرهم فتوجه به إلى السوق فكل من لقِيه من المكاسين أخذوا منه بطيخا فدخل البلد وما معه إلا بطيخة فذة باعها بدرهم ومضى لوجهه ورأى أهلَ البلد متروكين سُدى لا يتعاطى أحدٌ سياستهم وكان قد وقع بهم وباءٌ عظيمٌ فتوجه نحوَ المقابر فرأى ميْتاً يُدفن فتعرَّض لأوليائه فقال أنا المقابرِ فلا أدعُكم تدفِنونه حتى تعطوني خمسةَ دراهمَ فدفعوها إليه ومضى لآخرَ وآخرَ حتى جمع في مقدار ثلاثة أشهرٍ مالاً عظيماً ولم يُتعرضْ له أحد قطُّ إلى أن تعرَّض يوماً لأولياء ميتٍ فطلب منهم ما كان يطلب من غيرهم فأبَوْا ذلك فقالوا من نصَّبك هذا المنصِبَ فذهبوا به إلى فرعون فقال من أنت ومن أقامك بهذا المَقام قال لم يُقِمْني أحد وإنما فعلتُ ما فعلتُ ليُحضِرَني أحد إلى مجلسك فأنبهك على اختلال قومِك وقد جمعتُ بهذا الطريق هذا المقدارَ من المال فأحضَره ودفعه إلى فرعون فقال ولِّني أمورَك ترَني أميناً كافياً فولاه إياها فسار بهم سيرةً حسنة فانتظمتْ مصالحُ العسكر واستقامت أحوالُ الرعية ولبث فبهم دهراً طويلاً وترامى أمرُه في العدل والصلاحِ فلما مات فرعون أقاموه مُقامه فكان من أمره ما كان وكان فرعونَ يوسفَ ريانُ وكان بينهما أكثرُ من أربعمائة سنة ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ أي يبغونكم مِنْ سامه خَسفاً إذا أولاه ظلماً وأصله الذهاب في طلب الشئ ﴿سُوء العذاب﴾ أي أفظعَه وأقبحه بالنسبة إلى سائره والسُوء مصدرٌ من ساء يسوءُ ونصبُه على المفعولية ليسومونكم والجلمة حال من الضمير في نجيانكم أو من آلِ فرعونَ أو منهما جميعاً لاشتمالها على ضميريهما ﴿يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ﴾ بيانٌ ليسومونكم ولذلك تُرك العطف بينهما وقرئ يَذْبحون بالتخفيف وإنما فعلوا بهم ما فعلوا لما أن فرعونَ رأى في المنام أو أخبره الكهنةُ أنه سيولد منهم من يذهب بمُلكه فلم يردَّ اجتهادُهم من قضاءُ الله شيئاً قيل قتلوا بتلك الطريقة تسعمائة ألف مولود وتسعين ألفاً وقد أعطى الله نفس موسى ﵇ من القوة على التصرف ما كان يعطيه أولئك المقتولين لو كانوا أحياء ولذلك كانت معجزاته ظاهرةً باهرة ﴿وَفِى ذلكم﴾ إشارةٌ إلى ما ذكر من التذبيح والاستحياء أو إلى الإنجاء منه وجمعُ الضمير للمخاطبين فعلى الأول معنى قوله تعالى ﴿بَلاء﴾ محنةٌ وبلية وكونُ استحياءِ نسائهم أي استبقائهن على الحياة محنةً مع أنه عفو وتركٌ للعذاب لما أن ذلك كان للاستعمال في الأعمال الشاقة وعلى الثاني نعمةٌ وأصلُ البلاء الاختبار ولكن لما كان ذلك في حقه سبحانه مُحالاً وكان ما يجري مَجرى الاختبارِ لعباده تارةً بالمحنة وأخرى بالمنحنة أُطلق عليهما وقيل يجوز أن يُشارَ بذلكم إلى الجملة ويرلد بالبلاء القدرُ المشترك الشاملُ لهما ﴿عظِيمٌ﴾ صفةٌ لبلاءٌ وتنكيرُهما للتفخيم وفي الآية الكريمة تنبيهٌ على أن ما يصيب العبدَ من السرَّاء والضراءِ من قبيل الاختبارِ فعليه الشكرُ في المسار والصبرُ على المضارِّ

стр. 155

﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر﴾ بيان لسبب التنجيةِ وتصويرٌ لكيفيتها إثرَ تذكيرها وبيانُ عظمها وهو لها وقد بَيّن في تضاعيف ذلك نعمةً جليلةً أخرى هي الأنجاءُ من الغرق أي واذكروا إذ فلقناه بسلوككم أو متلبسا بكم كقوله تعالى ﴿تَنبُتُ بالدهن﴾ أو بسبب إنجائكم وفصَلْنا بين بعضِه وبعضٍ حتى حصلت مسالك وقرئ

стр. 156

البقرة (٥٢ - ٥١) بالتشديد للتكثير لأن المسالك كانت اثني عشَرَ بعدد الأسباط ﴿فأنجيناكم﴾ أي من الغرق بإخراجكم إلى الساحل كما يلوح به العدولُ إلى صيغة الإفعال بعد إيرادِ التخليصِ من فرعون بصيغة التفعيل وكذا قوله تعالى ﴿وأغرقنا آل فرعون﴾ أريد فرعونُ وقومُه وإنما اقتُصر على ذكرهم للعلم بأنه أولى به منهم وقيل شخصُه كما روُي أن الحسن ﵁ كان يقول اللهم صلَّ على آل محمدٍ أي شخصِه واستُغنى بذكره عن ذكر قومه ﴿وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ ذلك أوغرقهم وإطباقَ البحر عليهم أو انفلاقَ البحر عن طرق يابسة مذللة أوجثثهم التي قذفها البحرُ إلى الساحل أو ينظرُ بعضُكم بعضاً روي أنه تعالى أمر موسى ﵇ أن يسريَ ببني إسرائيلَ فخرج بهم فصبحهم فرعونُ وجنوده وصادفوهم على شاطئ البحر فأَوْحَى الله تعالى إليه أَنِ اضرِبْ بّعَصَاكَ البحر فضربه بها فظهر فيه اثنا عشر طريقاً يابساً فسلكوها فقالوا نخاف أن يغرَقَ بعضُ أصحابنا فلا نعلم ففتح الله تعالى فيها كُوىً فتراءَوْا وتسامعوا حتى عبروا البحرَ فلما وصل إليه فرعونُ فرآه منفلقاً اقتحمه هو وجنودُه فغشِيَهم ما غشيهم واعلم أن هذه الواقعة كما أنها لموسى معجزةٌ عظيمة تخِرُّ لها أطُمُ الجبال ونعمةٌ عظيمة لأوائل بني إسرائيلَ موجبةٌ عليهم شكرَها كذلك اقصاصها على ماهي عليه من رسول الله ﷺ معجزةٌ جليلةٌ تطمئن بها القلوبُ الأبية وتنقاد لها النفوس الغبية موجبةً لأعقابهم أن يتلقَّوْها بالإذعان فلا تأثرت أوائلُهم بمشاهدتها ورؤيتها ولا تذكرت أو اخرهم بتذكيرهاوروايتها فيالها من عصابة ما أعصاها وطائفةٍ ما أطغاها

стр. 157

﴿وَإِذْ واعدنا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ لما عادوا إلى مصرَ بعد مهلك فرعونَ وعد الله موسى ﵇ أن يعطيه التوراة وضرب له ميقاتاً ذا القعدة وعشر ذي الحجة وقيل وعد ﵇ بني إسرائيلَ وهو بمصرَ إن أهلك الله عدوَّهم أتاهم بكتاب مّنْ عِندِ الله تعالى فيه بيانُ ما يأتون وما يذرون فلما هلك فرعونُ سأل موسى ربه الكتابَ فأمره بصومِ ثلاثين وهو شهرُ ذي القَعدة ثم زاد عشراً من ذي الحجة وعبر عنها بالليالي لأنها غُررُ الشهور وصيغة المفاعلة بمعنى الثلاثي وقيل على أصلها تنزيلاً لقبول موسى ﵇ منزلةَ الوعدِ وأربعين ليلةً مفعول ثانٍ لواعدنا على حذفِ المضافِ أي بمقام أربعين ليلة وقرئ وعَدْنا ﴿ثُمَّ اتخذتم العجل﴾ بتسويل السامري إلهاً ومعبوداً وثم للتراخي الرتبي ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أي من بعد مضية إلى الميقات على حذف المضاف ﴿وَأَنتُمْ ظالمون﴾ بإشراككم ووضعِكم للشئ في غير موضعِه وهو حالٌ من ضمير اتخذتم أو اعتراضٌ تذييليّ أي وأنتم قوم عادتكم الظلم

стр. 158

﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ﴾ حين تبتم والعفوُ محوُ الجريمة من عفاه درَسه وقد يجيء لازماً قال عرفتُ المنزلَ الخالي ... عفا من بعد أحوالِ عفاه كلُّ هتان ... كثير الوبل هطال وقوله تعالى ﴿مِن بَعْدِ ذلك﴾ أي من بعد الاتخاذ الذي هو متناهٍ في القُبح للإيذان بكمال بعد العفو بعد تلك المرتبة من الظلم ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ لكي تشكروا نعمةَ العفو وتستمرّوا بعد ذلك على الطاعة

стр. 159

البقرة (٥٤ - ٥٣)

стр. 160

﴿وإذ آتينا مُوسَى الكتاب والفرقان﴾ أي التوراةَ الجامعةَ بين كونِها كتاباً وحُجةً تفرق بين الحق والباطلِ وقيل أريد بالفرقان معجزاتُه الفارقةُ بين المحق والمبطل في الدعوى أو بين الكفر والإيمان وقيل الشرعُ الفارقُ بين الحلالِ والحرام أو النصرُ الذي فرّق بينه وبين عدوِّه كقوله تعالى يوم الفرقان يريد به يومَ بدر ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ لكي تهتدوا بالتدبر فيه والعمل بما يحويه

стр. 161

﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ﴾ بيانٌ لكيفية وقوعِ العفو المذكور ﴿يا قوم إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ باتخاذكم العجل﴾ أي معبوداً ﴿فَتُوبُواْ﴾ أي فاعزِموا على التوبة ﴿إلى بَارِئِكُمْ﴾ أي إلى مَنْ خلقَكم بريئاً من العُيوب والنقصان والتفاوت وميّز بعضَكم من بعض بصور وهيئات مختلفة وأصلُ التركيب الخلوصُ عن الغير إما بطريق التفصى كما في برئ المريضُ أو بطريق الإنشاء كما في بَرَأ الله آدم من الطين والتعرض لعنوان البارئية للإشعار بأنهم بلغوا من الجهالة أقصاها ومن الغواية منتهاها حيث تركوا عبادةَ العليمِ الحكيم الذي خلقهم بلطيف حكمتِه بريئاً من التفاوت والتنافُرِ إلى عبادة البقر الذي هو مثلٌ في الغباوة وأن من لم بعرف حقوقَ مُنعِمِه حقيقٌ بأن تُستردّ هي منه ولذلك أُمروا بالقتل وفك التركيب ﴿فاقتلوا أَنفُسَكُمْ﴾ تماماً لتوبتكم بالبَخْع أو بقطع الشهوات وقيل أُمروا أن يقتُلَ بعضُهم بعضاً وقيل أُمر من لم يعبد العجل بقتل مَنْ عَبَده يروى أن الرجلَ كان يرى قريبَه فلم يقدِرْ على المُضِيِّ لأمر الله تعالى فأرسل الله ضَبابةً وسحابة سوداءَ لا يتباصَرون بها فأخذوا يقتلون من الغداة إلى العشي حتى دعا موسى وهارونُ ﵉ فكُشفت السحابةُ ونزلت التوبةُ وكانت القتلى سبعين ألفاً والفاء الأولى للتسبيب والثانية للتعقيب ﴿ذلكم﴾ إشارةٌ إلى ما ذكر من التوب والقتل ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ﴾ لما أنه طُهرةٌ عن الشرك ووَصْلةٌ إلى الحياة الأبدية والبهجة السرمدية ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ عطفٌ على محذوف على أنه خطابٌ منه سبحانه على نهج الالتفاتِ من التكلم الذي يقتضيهِ سباقُ النظمِ الكريمِ وسياقهِ فإنَّ مبنى الجميعِ على التكلم إلى الغَيْبة ليكون ذريعة إلى إسناد الفعلِ إلى ضمير بارئِكم المستتبع للإيذان بعلّية عنوانِ البارئية والخلق والإحياءِ لقبول التوبة التي هي عبارةٌ عن العفو عن القتل تقديرُه فعلتم ما أمرتم به فتابَ عليكم بارئُكم وإنما لم يقل فتابَ عليهم على أنَّ الضميرَ للقوم لما أن ذلك نعمةٌ أريد التذكيرُ بها للمخاطبين لا لأسلافهم هذا وقد جوِّز أنْ يكون فتاب عليكم متعلقاً بمحذوفٍ على إنه من كلام موسى ﵇ لقومه تقديرُه إن فعلتم ما أُمِرْتم به فقد تاب عليكم ولا يخفى أنه بمعزلٍ من اللَّياقة بجلالة شأنِ التنزيلِ كيف لا وهو حينئذ حكايةٌ لوعد موسى ﵇ قومَه بقَبول التوبةِ منه تعالى لا لقبوله تعالى حتماً وقد عرفتَ أن الآيةَ الكريمةَ تفصيلٌ لكيفية القبول المحكيِّ فيما قبل وأن المراد تذكيرُ المخاطبين بتلك النعمة ﴿إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم﴾ تعليل

стр. 162

البقرة (٥٧ - ٥٥) لما قبله أيْ إنَّ الذي يُكثر توفيقَ المذنبين لتوبة ويبالِغُ في قبولها منهم وفي الإنعام عليهم

стр. 163

﴿وإذ قلتم يا موسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ﴾ تذكيرٌ لنعمة أخرى عليهم بعد ما صدرَ عنهم ما صدر من الجناية العظيمةِ التي هي اتخاذُ العجل أي لن نؤمنَ لأجل قولِك ودعوتِك أو لن نُقرَّ لك والمؤمَنُ به إعطاءُ الله إياه التوراةَ أو تكليمَه إياه أو أنه نبيٌّ أو أنه تعالى جعل توبتَهم بقتلهم أنفسَهم ﴿حتى نَرَى الله جَهْرَةً﴾ أي عياناً وهي في الأصل مصدرُ قولِك جهَرتُ بالقراءة استُعيرت للمعاينة لما بينهما من الاتحاد في الوضوح والانكشافِ إلا أن الأولَ في المسموعات والثاني في المُبْصَرات ونصبُها على المصدرية لأنها نوع من الرؤية أو حالٌ من الفاعلِ أو المفعول وقرئ بفتح الهاء على أنها مصدر كالغَلَبة أو جمعٌ كالكَتَبة فيكون حالاً من الفاعل لا غير والقائلون هم السبعون المختارون لميقات التوبةِ عن عبادة العجل روُي أنهم لما ندِموا على ما فعلوا وقالوا لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا ويغفرْ لنا لنكونن من الخاسرين أمر الله موسى ﵇ أن يجمع سبعين رجلاً ويحضُرَ معهم الطورَ يُظهرون فيه تلك التوبةَ فلما خرجوا إلى الطور وقع عليه عمودٌ من الغمام وتغشاه كله فكلم الله موسى ﵇ يأمره وينهاه وكان كلما كلمه تعالى أوفع على جبهته نوراً ساطعاً لا يستطيع أحدٌ من السبعين النظرَ إليه وسمِعوا كلامَه تعالى معَ مُوسى ﵇ افعل ولا تفعل فعند ذلك طمِعوا في الرؤية فقالوا ما قالوا كما سيأتي في سورة الأعراف إنْ شاءَ الله تعالى وقيل عشرة آلاف من قومه ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة﴾ لفرط العنادِ والتعنّتِ وطلب المستحيل فإنهم ظنوا أنه مما يشبه الأجسامَ وتتعلق به الرؤيةُ تعلُّقَها بها على طريق المقابلة في الجهات والأحياز ولا ريبَ في استحالته إنما الممكنُ في شأنه تعالى الرؤيةُ المنزهة عن الكيفيات بالكلية وذلك للمؤمن ين في الآخرة وللأفرادِ من الأنبياء الذين بلغوا في صفاء الجوهر إلى حيث تراهم كأنهم وهم في جلابيبَ من أبدانهم قد نَضَوْها وتجرّدوا عنها إلى عالم القدس في بعض الأحوال في الدنيا قيل جاءت نارٌ من السماء فأحرقتهم وقيل صيحة وقيل جنودٌ سمعوا بحسيسها فخرّوا صعِقين ميتين يوماً وليلة وعن وهْبٍ أنهم لم يموتوا بل لما رأَوْا تلك الهيئة الهائلةَ أخذتهم الرعدةُ ورَجَفوا حتى كادت تبِينُ مفاصلُهم وتنقضُّ ظهورُهم وأشرفوا على الهلاك فعند ذلك بكى موسى ﵇ ودعا ربه فكشف الله عنهم ذلك فرجعت إليهم عقولُهم ومشاعرُهم ولم تكن صعقةُ موسى ﵇ موتاً بل غَشْيةً لقوله تعالى ﴿فلما أفاق﴾ ﴿وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ أي ما أصابكم بنفسه أوبآثاره

стр. 164

﴿ثُمَّ بعثناكم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ بتلك الصاعقة قيدُ البعثُ به لما أنه قد يكون من الإغماء وقد يكون من النوم كما في قوله تعالى ﴿ثُمَّ بعثناهم لِنَعْلَمَ﴾ الخ ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي نعمةَ البعث أو ما كفرتموه بما رأيتم من بأس الله تعالى

стр. 165

﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام﴾ أي جعلناها بحيث تُلقي عليكم ظلَّها وذلك أنه تعالى سخر

стр. 166

البقرة (٥٨) لهم السحابَ يسير بسيرهم وهم في التيه يُظلهم من الشمس وينزل بالليل عمودٌ من نار يسيرون في ضوئه وثيابُهم لا تتسخ ولا تَبْلى ﴿وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى﴾ أي الترنجبين والسمانى وقيل كان ينزل عليهم المنُّ مثلَ الثلج من الفجر إلى الطلوع لكل إنسانٍ صاعٌ وتبعَثُ الجَنوبُ عليهم السمانى فيذبح الرجلُ منه ما يكفيه ﴿كُلُواْ﴾ على إرادةِ القولِ أيْ قائلين لهم أو قيل لهم كلوا ﴿مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم﴾ من مستلذاته وما موصولةً كانت أوموصوفة عبارةٌ عن المن والسلوى ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ كلامٌ عدَل به عن نهج الخطابِ السابقِ للإيذان باقتضاء جناياتِ المخاطبين للإعراض عنهم وتَعدادِ قبائحهم عند غيرهم على طريق المباثة معطوفٌ على مضمر قد حذف للإيجار والإشعارِ بأنه أمرٌ محققٌ غنيٌّ عن التصريح به أي فظلموا بأن كفروا تلك النعمَ الجليلةَ وما ظلمونا بذلك ﴿ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بالكُفران إذ لا يتخطاهم ضرورة وتقديمُ المفعول للدلالة على القصْرِ الذي يقتضيه النفيُ السابقُ وفيه ضربُ تهكّمٍ بهم والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على تماديهم في الظلم واستمرارِهم على الكفر

стр. 167

﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ تذكيرٌ لنعمةٍ أخرى من جَنابه تعالى وكَفْرةٌ أخرى لأسلافهم أي واذكروا وقت قولِنا لآبائكم إثرَ ما أنقذناهم من التيه ﴿ادخلوا هذه القرية﴾ منصوبةٌ على الظرفية عند سيبويه وعلى المفعولية عند الأخفش وهي بيتُ المقدِس وقيل أريحا ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ أي واسعاً هنيئاً ونصبُه على المصدرية أو الحالية من ضمير المخاطبين وفيه دلالة على أن المأمورَ به الدخولُ على وجه الإقامة والسُكنى فيؤول إلى ما في سورة الأعراف من قولِه تعالى ﴿اسكنوا هذه القرية﴾ ﴿وادخلوا الباب﴾ أي بابَ القرية على ما رُوي من أنهم دخلوا أريحاءَ في زمن موسى ﵇ كما سيجىء في سورة المائدة أو بابُ القُبة التي كانوا يصلون إليها فإنهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى ﵇ ﴿سُجَّدًا﴾ أي متطامنين مُخْبتين أو ساجدين لله شكراً على إخراجهم من التيه ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ أي مسألتُنا أو أمرُك حِطة وهي فِعلة من الحَطّ كالجِلسة وقرئ بالنصب على الأصل بمعنى حُطَّ عنا ذنوبَنا حِطة أو على أنها مفعولٌ قولوا أي قولوا هذه الكلمة وقيل معناه أرنا حِطة أي أن نحُطَّ رحالنا في هذه القرية ونقيمَ بها ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم﴾ لما تفعلون من السجود والدعاء وقرئ بالياء والتاء على البناء للمفعول وأصلُ خطايا خطايىءُ كخضايع فعند سيبويه أُبدلت الياءُ الزائدة همزة لوقوعها بعد الألف واجتمعت همزتان وأُبدلت الثانية ياء ثم قلبت ألفاً وكانت الهمزة بين ألفين فأُبدلت ياءً وعند الخليل قُدمت الهمزة على الياء ثم فُعل بها ما ذكر ﴿وَسَنَزِيدُ المحسنين﴾ ثواباً جعل الامتثالَ توبة للمسئ وسبباً لزيادة الثواب للمُحْسِنِ وأُخرج ذلك عن صورة الجواب إلى الوعد إيذاناً بأن المحسنَ بصدد ذلك وإن لم يفعله فكيف إذا فعله وأنه يفعله لا محالة

стр. 168

البقرة (٦٠ - ٥٩)

стр. 169

﴿فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ﴾ بما أُمروا به من التوبة والاستغفار بأن أعرضوا عنه وأوردوا مكانه ﴿قَوْلاً﴾ آخرَ مما لا خيرَ فيه رُوي أنهم قالوا مكانَ حِطة حِنْطة وقيل قالوا بالنبطية حطا سمقاثا يعنون حنطةً حمراءَ استخفافاً بأمر الله ﴿غَيْرَ الذى قِيلَ لَهُمْ﴾ نعتٌ لقولا وإنما صُرِّح به مع استحالة تحقُّق التبديلِ بلا مغايَرةٍ تحقيقاً لمخالفتهم وتنصيصاً على المغايرة من كلِّ وجه ﴿فَأَنزَلْنَا﴾ أي عقيب ذلك ﴿عَلَى الذين ظَلَمُواْ﴾ بما ذكر من التبديل وإنما وُضِعَ الموصولُ موضعَ الضَّميرِ العائد إلى الموصول الأول للتعليل والمبالغةِ في الذم والتقريع وللتصريح بأنهم بما فعلوا قد ظلموا أنفسَهم بتعريضها لسخط الله تعالى ﴿رِجْزًا مّنَ السماء﴾ أي عذاباً مقدّراً منها والتنوينُ للتهويل والتفخيم ﴿بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ بسببِ فِسقهم المستمرِّ حسبما يفيده الجمعُ بينَ صيغتي المَاضِي والمستقبل وتعليلُ إنزال الرجزِ به بعد الإشعار بتعليله بظلمهم للإيذان بأن ذلك فسقٌ وخروجٌ عن الطاعة وغلوٌّ في الظلم وأن تعذيبَهم بجميع ما ارتكبوه من القبائح لا بعدم توبتهم فقط كما يُشعِرُ به ترتيبُه على ذلك بالفاء والرِّجْزُ في الأصل ما يُعاف عنه وكذلك الرجس وقرئ بالضم وهو لغة فيه والمراد به الطاعونُ روي أنه مات به في ساعة واحدةٍ أربعةٌ وعشرون ألفاً

стр. 170

﴿وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ﴾ تذكير لنعمةٍ أخرى كفروها وكان ذلك في التيه حين استولى عليهم العطشُ الشديد وتغييرُ الترتيب لما أشير إليه مراراً من قصد إبرازِ كلَ من الأمور المعدودة في معرِض أمرٍ مستقلَ واجبِ التذكير والتذكرِ ولو رُوعي الترتيبُ الوقوعيُّ لفُهم أن الكلَّ أمرٌ واحد أُمر بذكره واللام متعلقة بالفعل أي استسقى لأجل قومه ﴿فَقُلْنَا اضرب بّعَصَاكَ الحجر﴾ رُوي أنه كان حَجَراً طورياً مكعباً حمله معه وكان ينبُع من كل وجه منه ثلاث اعين يسيل كلُّ عين في جدول إلى سبط وكانوا ستمائة ألفٍ وسعةَ المعسكر اثنيْ عشَرَ ميلاً أو كان حجَراً أهبطه الله تعالى مع آدمَ ﵇ من الجنة ووقع إلى شُعيبٍ ﵇ فأعطاه موسى ﵇ مع العَصا أو كان هو الحجرَ الذي فرَّ بثوبِه حينَ وضعَه عليه ليغتسل وبرّأه الله تعالى به عما رمَوْه به من الأَدَرَة فأشار إليه جبريلُ ﵇ أنْ يحمِلَه أو كان حَجَراً من الحجارة وهو الأظهر في الحجة قيل لم يؤمَرْ ﵇ بضرب حجر بعينه ولكن لما قالوا كيف بنا لو أفضينا إلى أرض لا حجارة بها حَملَ حجَراً في مخلاتِه وكان يضربه بعصاه إذا نزل فيتفجَّر ويضرِبُه إذا ارتحل فييبَس فقالوا إنْ فقَد موسى عصاه مِتْنا عطشاً فأَوْحَى الله تعالى إليه أن لا تقرَعِ الحجَر وكلِّمْه يُطِعْك لعلهم يعتبرون وقيل كان الحجر من رُخام حجمُه ذِراعٌ في ذراع والعصا عشرةُ أذرُعٍ على طوله عليه السلام

стр. 171

البقرة (٦١) من آسِ الجنة ولها شُعبتان تتقدان في الظلمة ﴿فانفجرت﴾ عطفٌ على مقدَّرٍ ينسحبُ عليه الكلامُ قد حُذف للدِلالة على كمال سُرعة تحقُّق الانفجار كأنه حصلَ عَقيبَ الأمرِ بالضرب أي فضُرب فانفجَرَتْ ﴿مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ وأما تعلقُ الفاءِ بمحذوفٍ أي فإنْ ضَرَبْتَ فقد انفجرت فغيرُ حقيقٍ بجلالة شأن النظمِ الكريم كما لا يَخْفى على أحد وقرئ عشِرة بكسر الشين وفتحها وهما أيضاً لغتان ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾ كل سبط ﴿مَّشْرَبَهُمْ﴾ عينُهم الخاصةُ بهم ﴿كُلُواْ واشربوا﴾ على إرادةِ القولِ ﴿مِن رّزْقِ الله﴾ هو مارزقهم من المنّ والسلوى والماء وقيل هو الماءُ وحده لأنه يؤكَلُ ما ينبُت به من الزروع والثمار ويأباه أن المأمورَ به أكلُ النعمة العتيدة لا ما سيطلُبونه وإضافتُه إليه تعالى مع استناد الكلِّ إليه خلقاً وملكاً إما للتشريف وإما لظهوره بغير سبب عاديّ وإنما لم يقُلْ من رزقنا كما يقتضيهِ قولُهُ تعالى فقلنا إلخ إيذاناً بأن الأمرَ بالأكل والشرب لم يكن بطريق الخِطاب بل بواسطة موسى ﵇ ﴿ولا تَعْثَوْاْ فِى الأرض﴾ العثْيُ أشدُّ الفساد فقيل لهم لاتتمادوا في الفساد حال كونكم ﴿مُفْسِدِينَ﴾ وقيل إنما قيد به لأن العَثْيَ في الأصل مطلقُ التعدي وإن غلب في الفساد وقد يكون في غير الفساد كما في مقابلة الظالم المعتدي بفعله وقد يكون فيه صلاحٌ راجح كقتل الخَضِر ﵇ للغلام وخرقه للسفينة ونظيره العبث خلا أنه غالبٌ فيما يدرك حِساً

стр. 172

﴿وَإِذْ قُلْتُمْ﴾ تذكيرٌ لجناية أخرى لأسلافهم وكُفرانهم لنعمة الله وإخلادِهم إلى ما كانُوا فيه من الدناءة والخساسةِ وإسنادُ القول المحكّى إلى أخلاقهم وتوجيهُ التوبيخ إليهم لما بينهم من الاتحاد ﴿يا موسى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد﴾ لعلهم لم يريدوا بذلك جمعَ ما طلبوا مع ما كانَ لَهُم منْ النعمة ولا زوالَها وحصولَ ما طلبوا مكانها إذ يأباه التعرض لوحدة بل أرادوا أن يكون هذا تارةً وذاك أخرى رُوي أنهم كانوا فلاحة فنزعوا إلى عكرهم فأجمعوا ما كانُوا فيه من النعمة العتيدة لوحدتها النوعية وإطرادها وتاقت أنفسُهم إلى الشقاء ﴿فادع لَنَا رَبَّكَ﴾ أي سله لأجلنا بدعائك إياه والفاء لسببية عدمِ الصبر للدعاء والتعرضُ لعنوان الربوبية لتمهيد مبادي الإجابة ﴿يُخْرِجْ لَنَا﴾ أي يُظهِرْ لنا ويوجِدْ والجزم لجواب الأمر ﴿مِمَّا تُنبِتُ الارض﴾ إسناد مجازيٌّ بإقامَةِ القابلِ مُقامَ الفاعل ومن تبعيضيةٌ والتي في قوله تعالى ﴿مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ بيانية واقعةٌ موقعَ الحال أي كائناً من بقلها الخ وقيل بدلٌ بإعادة الجارِّ والبقلُ ما تنبتُ الأرضُ من الخضر والمراد أطايبُه التي تؤكلُ كالنَّعناع والكُرفُس والكُرَّاث وأشباهِها والفومُ الحنطة وقيل الثوم وقرئ قُثائها بضم القاف وهو لغة فيه ﴿قَالَ﴾ أي الله تعالى أوموسى عليه السلام

стр. 173

إنكاراً عليهم وهو استئنافٌ وقع جوابا عن سؤال مقدر كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ لهم فقيل قال ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ﴾ أي أتأخُذون لأنفسِكم وتختارون ﴿الذى هُوَ أدنى﴾ أي أقربُ منزلةً وأدون قدراً سهلُ المنال وهينُ الحصول لعدم كونه مرغوباً فيه وكونه تافهاً مرذولاً قليلَ القيمة وأصلُ الدنوّ القُرب في المكان فاستعير للخِسة كما استعير البُعدُ للشرف والرفعة فقيل بعيدُ المحل وبعيد الهمة وقرئ أدنأُ من الدناءة وقد حملت المشهورة على أن ألفها مبدلة من الهمزة ﴿بالذى هُوَ خَيْرٌ﴾ أي بمقابلة ما هو خيرٌ فإن الباء تصحب الذاهبَ الزائل دون دون الآتي الحاصل كما في التبديل في مثل قوله ﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان﴾ وقوله ﴿وبدلناهم بجنتيهم جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ وليس فيه ما يدل قطعاً على أنهم أرادوا زوالَ المنِّ والسلوى بالمرة وحصولُ ما طلبوا مكانه كتحقيق الاستبدال فيما مر من صورة المناوبة ﴿اهبطوا مِصْرًا﴾ أُمروا به بياناً لدناءة مطلَبِهم أو إسعافاً لمرامهم أي انحدروا إليه من التّيه يقال هبَط الواديَ وقرئ بضم الباء والمِصرُ البلدُ العظيم وأصله الحدُّ بين الشيئين وقيل أريد به العلُم وإنما صُرف لسكون وسَطِه أو لتأويله بالبلد دون المدينة ويؤيده أنه في مصحف ابن مسعودٍ ﵁ غيرُ منون وقيل أصلُه مِصْراييم فعرب ﴿فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ﴾ تعليلٌ للأمر بالهبوط أي فإن لكم فيه ما سألتموه ولعل التعبير عن الأشياء المسئولة بما للاستهجان بذكرها كأنه قيل فإنه كثيرٌ فيه مبتذلٌ يناله كلُّ أحد بغير مشقة ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة﴾ أي جعلتا محيطتين بهم إحاطةَ القُبة بمن ضربت عليه أو ألصِقتا بهم وجعلتا ضربةَ لازبٍ لا تنفكان عنهم مجازاةً لهم على كُفرانهم من ضرب الطين على الحائط بطريق الاستعارة بالكناية واليهودُ في غالب الأمر أذلاءُ مساكينُ إما على الحقيقة وإما لخوف أن تضاعف جزيتهم ﴿وباؤوا﴾ أي رجعوا ﴿بِغَضَبٍ﴾ عظيم وقولُه تعالى ﴿مِنَ الله﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ لغضبٍ مؤكِّدٌ لما أفادَه التنوينُ من الفخامةِ الذاتيةِ بالفخامةِ الإضافيةِ أي بغضب كائن من الله تعالى أو صاروا أحقاءَ به من قولهم باءَ فلانٌ بفلان أي صار حقيقاً بأن يُقتلَ بمقابلته ومنه قولُ مَن قالَ بُؤْ بشِسْعِ نعلِ كُلَيبٍ وأصل البَوْء المساواة ﴿ذلك﴾ إشارةٌ إلى ما سلف من ضرب الذِلة والمسكنةِ والبَوْءِ بالغضب العظيم ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم ﴿كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ على الاستمرار ﴿بآيات الله﴾ الباهرة التي هي المعجزاتُ الساطعة الظاهرةِ على يد موسى ﵇ مماعد وما لا يُعَدَّ ﴿وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ حق﴾ كشَعْيا وزكريا ويحيى ﵈ وفائدةُ التقييد مع أن قتل الأنبياءِ يستحيل أن يكون بحق الإيذانُ بأن ذلك عندهم أيضاً بغير الحق إذ لم يكن أحد معتقداً بحقية قتلِ أحدٍ منهم ﵈ وإنما حملهم على ذلك حبُّ الدنيا واتباعُ الهوى والغلوُّ في العصيان والاعتداءُ كما يفصحُ عنه قولُه تعالى ﴿ذلك بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ أي جرَّهم العصيانُ والتمادي في العُدوان إلى ما ذُكر من الكفر وقتلِ الأنبياءِ ﵈ فإن صِغارَ الذنوب إذا دُووِمَ عليها أدتْ إلى كبارها كما أن مداومةَ صغارِ الطاعات مؤديةٌ إلى تحرّي كبارِها وقيل كُرِّرت الإشارةُ للدلالة على أن ما لَحِقَهم كما أنه بسبب الكفر والقتلِ فهو بسببِ ارتكابِهم المعاصيَ واعتدائهم حدودَ الله تعالى وقيل الإشارةُ إلى الكفر والقتل والباء بمعنى مع ويجوز الإشارة إلى المتعدِّد بالمفرد بتأويلِ ما ذُكر أو تقدم كما في قول رؤبة بنِ العجاج فيها خطوطٌ من سوادٍ وبَلَق ... كأَنَّهُ فِي الجلدِ توليعُ البهقْ أي كان ما ذُكر والذي حسَّن ذلك في المضْمَرات والمبهمات

стр. 174

البقرة (٦٢) أن تثنيتها وجمعَها ليسا على الحقيقة ولذلك جاء الذي بمعنى الذين

стр. 175

﴿إن الذين آمنوا﴾ أي بألسنتهم فقط وهم المنافقون بقرينة انتظامِهم في سِلك الكفرةِ والتعبيرُ عنهم بذلك دون عُنوانِ النفاقِ للتصريح بأن تلك المرتبةَ وإن عُبِّر عنها بالإيمان لا تُجديهم نفعاً أصلاً ولا تُنْقِذُهم من ورطة الكفر قطعاً ﴿والذين هَادُواْ﴾ أي تهوَّدوا من هادَ إذا دخَل في اليهودية ويهودُ إما عربي من هاد إذا تاب سُموا بذلك حين تابوا من عبادة العجل وخُصوا به لما كانت توبتهم هائلة وإما معرَّبُ يهوذا كأنهم سُمّوا باسم أكبرِ أولاد يعقوب ﵊ ﴿والنصارى﴾ جمع نَصرانٍ كندامَى جمعُ ندمانٍ يقال رجلٌ نصرانٌ وامرأة نصرانةٌ والياء في نصراني للمبالغة كما في أحمريّ سُموا بذلك لأنهم نَصَروا المسيحَ ﵇ أو لأنهمُ كانوا معه في قرية يقال لها نَصرانُ فسُمّوا باسمها أو نُسبوا إليها والياء للنسبة وقال الخليل واحدُ النصارى نَصري كمَهْري ومهارى ﴿والصابئين﴾ هم قومٌ بين النصارى والمجوس وقيل أصلُ دينهم دينُ نوحٍ ﵇ وقيل هم عبدةُ الملائكة وقيل عبدةُ الكواكب فهو إن كان عربياً فمن صَبأ إذا خرج من دين إلى آخرَ وقرئ بالياء إما للتخفيف وإما لأنه من صَبَا إذا مال لما أنهم مالوا من سائر الأديان إلى ماهم فيه أو من الحق إلى الباطل ﴿من آمن بالله واليوم الآخر﴾ أي من أحدث من هذه الطوائف إيمانا خالصا بالمبدأ والمعاد على الوجه اللائق ﴿وَعَمِلَ﴾ عملاً ﴿صالحا﴾ حسبما يقتضيه الإيمانُ بما ذكر ﴿فلهم﴾ بمقابلة ذلك ﴿أَجْرَهُمْ﴾ الموعودُ لهم ﴿عِندَ رَبّهِمْ﴾ أي مالكَ أمرِهم ومُبلّغُهم إلى كمالهم اللائقِ فمَنْ إما في محلِ الرفعِ على الابتداء خبرُه جملةُ فلهم أجرُهم والفاءُ لتضمُّن الموصولِ معنى الشرط كما في قوله تعالى ﴿إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين﴾ الآية وجُمع الضمائرُ الثَّلاثةِ باعتبارِ معنى الموصول كما أن إفرادَ ما في الصلة باعتبار لفظِه والجملةُ كما هي خبرُ إن والعائد إلى اسمها محذوف أي من آمن الخ وإما في محل النصبِ على البدلية من اسم إن وما عطف عليه وخبرُها فلهم أجرهم وعند متعلقٌ بما تعلقَ بهِ لهم من معنى الثبوت وفي إضافته إلى الرب المضافِ إلى ضميرهم مزيدُ لُطفٍ بهم وإيذانٌ بأن أجرَهم مُتَيقَّنُ الثبوت مأمونٌ من الفَوات ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ عطف على جملة فلهم اجرهم أي لاخوف عليهم حين يخاف الكفارُ العقاب ﴿ولا هم يحزنون﴾ حين يحزن المقصِّرون على تضييع العمر وتفويت الثواب والمرادُ بيانُ دوامِ انتفائِهما لا بيانُ انتفاءِ دوامِهما كما يُوهمه كونُ الخبرِ في الجملة الثانية مضارعا لما مرَّ منْ أنَّ النفيَ وإن دخل على نفس المضارع يُفيد الدوام والاستمرارَ بحسب المقام هذا وقد قيل المرادُ بالذين آمنوا المتديّنون بدين الإسلام المُخلِصون منهم والمنافقون فحينئذ لا بد من تفسير مَنْ آمن بمن اتصف منهم بالإيمان الخالص بالمبدأ والمعاد على الإطلاق سواءٌ كان ذلك بطريق الثبات والدوام عليه كإيمان المُخلصين أو بطريق إحداثه وإنشائه كإيمان مَنْ عداهم من المنافقين وسائر الطوائف وفائدةُ التعميم للمخلصين مزيدُ ترغيبِ الباقين في الإيمان ببيان ان تأخيرهم

стр. 176

البقرة (٦٤ - ٦٣) في الاتصاف به غيرُ مخل بكونهم أسوة لأ ولئك الأقدمين في استحقاق الأجرِ وما يتبعه من الأ من الدائم وأما ما قيل في تفسيره من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ مصدقا بقلبه بالمبدأ والمعاد عاملاً بمقتضى شرعه فمما لا سبيلَ إليه أصلاً لأن مقتضى المقام هو الترغيبُ في دينِ الإسلامِ وأما بيانُ حال من مضى على دين آخرَ قبل انتساخِه فلا ملابسةَ له بالمقام قطعاً بل ربما يُخِلُّ بمقتضاه من حيث دَلالتُه على حقِّيته في زمانه في الجملةِ على أنَّ المنافقين والصابئين لا يتسنى في حقهم ما ذكروا أما المنافقون فإن كانوا من أهل الشرك فالأمرُ بيِّن وإن كانوا من أهل الكتاب فمن مضى منهم قبل النسخِ ليسوا بمنافقين وأما الصابئون فليس لهم دينٌ يجوز رعايتُه في وقتٍ من الأوقاتِ ولو سَلِم أنه كان لهم دينٌ سماوي ثم خرجوا عنه فمن مضى من أهل ذلك الدين قبل خروجِهم منه فليسوا من الصابئين فكيف يُمكِنُ إرجاعُ الضمير الرابطِ بين اسم وإن وخبرِها إليهم أو إلى المنافقين وارتكابُ إرجاعِه إلى مجموعة الطوائفِ من حيثُ هو مجموعٌ لا إلى كل واحدةٍ منها قصداً إلى درج الفريقِ المذكور فيه ضرورةَ أن من كان من أهل الكتاب عاملاً بمقتضى شرعِه قبل نسخِه من مجموع الطوائفِ بحُكم اشتمالِه على اليهود والنصارى وإن لم يكن من المنافقين والصابئين مما يجبُ خبرها عينٌ ولا أثر فتأمل وكن على الحق المبين

стр. 177

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم﴾ تذكيرٌ لجناية أخرى لأسلافهم أي واذكروا وقت أخْذِنا لميثاقكم بالمحافظة على ما في التوراة ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور﴾ عطفٌ على قوله أخذْنا أو حال أي أي وقد رفعنا فوقَكم الطورَ كأنه ظُلة رُوي أن موسى ﵇ لمّا جاءهم بالتوراة فرأَوْا ما فيها من التكاليف الشاقةِ كبُرت عليهم فأبَوْا قَبولها فأُمر جبريلُ ﵇ فقلَعَ الطورَ فظلله عليهم حتى قبِلوا ﴿خُذُواْ﴾ على إرادة القول ﴿مَا آتيناكم﴾ من الكتاب ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجدَ وعزيمة ﴿واذكروا مَا فِيهِ﴾ أي احفَظوه ولا تنسَوْه أو تتفكروا فيه فإنه ذكرٌ بالقلب أو اعملوا به ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ لكي تتقوا المعاصيَ أو لتنجُوا من هلاك الدارين أو رجاءً منكم أن تنتظِموا في سلك المتقين أو طلباً لذلك وقد مر تحقيقُه

стр. 178

﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي أعرضْتم عن الوفاء بالميثاق ﴿مِن بَعْدِ ذلك﴾ من بعد أخذِ ذلك الميثاقِ المؤكد ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ بتوفيقكم لتوبة أو بمحمد ﷺ حيث يدْعوكم إلى الحق ويهديكم إليه ﴿لَكُنتُم مّنَ الخاسرين﴾ أي المغبونين بالانهمالك في المعاصي والخبْطِ في مهاوي الضلال عند الفترة وقيل لولا فضل تعالى عليكم بالإمهال وتأخيرِ العذاب لكنتم من الهالكين وهو الأنسبُ بما بعده وكلمةُ لولا إما بسيطةٌ أو مركبة من لو الامتناعية وحرف النفي ومعناها امتناع الشئ لوجود غيرِه كما أن لو لامتناعه لامتناعِ غيرِه والاسم الواقعُ بعدها عند سيبويه مبتدأٌ خبرُه محذوف وجوباً لدلالة الحال عليه وسد الجواب

стр. 179

البقرة (٦٧ - ٦٥) مسدَّه والتقديرُ لولا فضلُ الله حاصلٌ وعند الكوفيين فاعل فعلٍ محذوف أي لولا ثبَتَ فضلُ الله تعالى عليكم

стр. 180

﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ أي عرفتم ﴿الذين اعتدوا مِنكُمْ فِى السبت﴾ رُوي أنهم أُمروا بأن يتمحَّضوا يوم السبت للعبادة ويتجرَّدوا لها ويتركوا الصيدَ فاعتدى فيه أناسٌ منهم في زمن داودَ ﵇ فاشتغلوا بالصيد وكانوا يسكُنون قريةً بساحل البحر يقال لها أَيْلة فإذا كان يومُ السبت لم يبقَ في البحر حوتٌ إلا برزَ وأخرج خُرطومه فإذا مضى تفرقت فحفَروا حِياضاً وشرَعوا إليها الجداولَ وكانت الحيتانُ تدخلُها يوم السبت فيصطادونها يوم الأحد فالمعنى وبالله لقد علمتموهم حين فعلوا من قَبيل جناياتكم ما فعلوا فلم نُمهِلْهم ولم نؤخِّرْ عقوبتَهم بل عجلناها ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين﴾ أي جامعين بين صورةِ القردةِ والخسُوء وهو الطرد والصَّغار على أن حاسئين نعتٌ لقِردة وقيل حال من اسم كونوا عند من يُجيز عملَ كان في الظروفِ والحالِ وقيل من الضَّمير المستكِّنِ في قِردة لأنه في معنى ممسوخين وقال مجاهد ما مسخت صورهم ولكن فلوبهم فمُثلوا بالقِردة كما مُثِّلوا بالحمار في قوله تعالى ﴿كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ والمرادُ بالأمر بيانُ سرعةِ التكوين وأنهم صاروا كذلك كما أراده وقرىء قَرِدةً بفتح القاف وكسر الراء وخاسين بغير همز
следующие страницы →