Полный текст (8 642 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك﴾ حال من فاعل يراءون أو منصوبٌ على الذمِّ وذلك إشارةٌ إلى الإيمان والكفرِ المدلولِ عليهما بمعونة المقامِ أى مرددين بينهما متحيرين قد ذبذبهم الشيطانُ وحقيقةُ المذبذبِ ما يُذَبّ ويُدفع عن كِلا الجانبين مرةً بعد أخرى وقرئ بكسر الذالِ أي مذَبْذِبين قلوبَهم أو رأيَهم أو دينهم او هو بمعنى متذبذبين كما جاء صلصل بمعنى نصلصل وفي مصحف ابن مسعودٍ ﵁ متذبذبين وقرئ مدبدبين بالدال غير المعجمة وكأن المعنى أخذ بهم تارة في دُبَّةٍ أي طريقة وأخرى في أخرى
﴿لَا إلى هَؤُلاء وَلَا إلى هؤلاء﴾ اى لامنسوبين إلى المؤمنين ولا منسوبين إلى الكافرين أولا صائرين إلى الأولين ولا إلى الآخَرين فمحلُّه النصبُ على أنه حال من ضمير مذبذبين أو على أنه بدلٌ منه أو بيان وتفسيرله
﴿وَمَن يُضْلِلِ الله﴾ لعدم استعدادِه للهداية والتوفيق
﴿فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ موصِلاً إلى الحق والصواب فضلاً عن أن تهديه إليه والخطابُ لكلِّ من يصلُح له كائناً من كانَ
стр. 1157
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين﴾ نُهوا عن موالاة الكفرةِ صريحاً وإن كان في بيان حال المنافقين مزجرة عن ذلك مبالغةً في الزجر والتحذير
﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾ أي أتريدون بذلك أن تجعلوا لله عليكم حجةً بيّنةً على أنكم منافقون فإن موالاتَهم أوضحُ أدلةِ النفاقِ أو سلطاناً يُسلِّط عليكم عقابَه وتوجيهُ الإنكار إلى الإرادة دون متعلَّقِها بأن يقال أتجعلون المبالغة في إنكارِه وتهويلِ أمرِه ببيان أنه مما لا يصدُر عن العاقل إرادتُه فضلاً عن صدور نفسِه كما في قوله أم تريدون أن تسألوا رسولكم
стр. 1158
١٣٥ - ١٤٦ ١٤٧ ١٤٨ النساء
стр. 1159
﴿إنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ وهو الطبقة التى فى قعر جهنم وإنما كان كذلك لأنهم أخبث الكفرة حيث ضموا إلى الكفر الاستهزاء بالإسلام وأهله وخداعهم وأما قوله ﷺ ثلاثٌ من كنّ فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان ونحوه فمن باب التشديد والتهديد والتغليظ مبالغة فى الزجر وتسمية طبقاتها السبع دركات لكونها متداركة متتابعة بعضها تحت بعض وقرئ بفتح الراء وهو لغة كالسطر والسطر ويعضده أن جمعه أدراك
﴿ولن تجد لهم نصيراً﴾ يخلصهم منه والخطاب كما سبق
стр. 1160
﴿إلا الذين تابوا﴾ أي عن النفاق وهو استثناء من المنافقين بل من ضميرهم فى الخبر
﴿وأصلحوا﴾ ما أفسدوا من أحوالهم فى حال النفاق
﴿واعتصموا بالله﴾ أى وثقوا به وتمسكوا بدينه
﴿وأخلصوا دينهم﴾ أى جعلوه خالصاً
﴿لله﴾ لا يبتغون بطاعتهم إلا وجهه
﴿فأولئك﴾ إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلةِ وما فيهِ منْ مَعْنى البُعدِ للإيذانِ ببعدِ المنزلة وعلو الطبقة
﴿مع المؤمنين﴾ أى المؤمنين المعهودين الذين لم يصدر عنهم نفاق أصلا منذ آمنوا وإلا فهم أيضاً مؤمنون أى معهم فى الدرجات العالية من الجنة وقد بين ذلك بقوله تعالى
﴿وسوف يؤت الله المؤمنين أَجْراً عَظِيماً﴾ لا يُقادر قدره فيساهمونهم فيه
стр. 1161
﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم﴾ استئناف مسوق لبيان أن مدار تعذيبهم وجوداً وعدماً إنما هو كفرهم لاشئ آخر فيكون مقرراً لما قبله من إثابتهم عن توبيتهم وما استفهامية مفيدة للنفى على أبلغِ وجهٍ وآكدِه أى أى شئ يفعل الله سبحانه بتعذيبكم أيتشفى به من الغيظ أم يدرك به الثأر أم يستجلب به نفعاً أم يستدفع به ضرراً كما هو شأن الملوك وهو الغنى المتعالى عن أمثال ذلك وإنما هوأمر يقتضيه كفركم فإذا زال ذلك بالإيمان والشكر انتفى التعذيب لامحالة وتقديم الشكر على الإيمان لما أنه طريق موصل إليه فإن النظر يدرك أولا ما عليه من النعم الأنفسية والافاقية فيشكر شكراً مبهماً ثم يترقى إلى معرفة المنعم فيؤمن به وجوابُ الشرط محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه
﴿وكان الله شاكراً﴾ الشكر من الله سبحانه هو الرضا باليسير من طاعة عباده وأضعاف الثواب بمقابلته
﴿عَلِيماً﴾ مُبالغاً في العلمِ بجميعِ المعلوماتِ التي مِنْ جملتها شكركم وإيمانكم فيستحيل أن لا يوفيكم أجوركم
стр. 1162
﴿لَاّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول﴾ عدمُ محبتِه تعالى لشيء كنايةٌ عن سَخَطه والباءُ متعلقةٌ بالجهر ١٤٨ ومِنْ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من السوء أي لا يحب الله تعالى أن يجهرَ أحدٌ بالسوء كائناً من القول
﴿إَلَاّ مَن ظَلَمَ﴾
стр. 1163
أي إلا جهرَ مَن ظُلم بأن يدعُوَ على ظالمه أو يَتظلَّمَ منه ويذكرَه بما فيه من السوء فإن ذلك غيرُ مسخوط عنده سبحانه وقيل هو أن يبدأ بالشتيمة فيردَّ على الشاتم وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ الآية وقيل ضاف رجلا قوماً فلم يُطعِموه فاشتكاهم فعوتب على الشكاية فنزلت وقرئ إلا من ظَلَم على البناء للفاعل فالاستثناءُ منقطِعٌ أي ولكنِ الظالمُ يرتكب مالا يُحبه الله تعالى فيجهر بالسوء
﴿وَكَانَ الله سَمِيعاً﴾ لجميع المسوعات فيندرجُ فيها كلامُ المظلومِ والظالم
﴿عَلِيماً﴾ بجميعِ المعلوماتِ التي مِنْ جملتها حالُ المظلومِ والظالم فالجملةُ تذييلٌ مقرِّرٌ لما يفيده الاستثناء
стр. 1164
﴿إِن تُبْدُواْ خَيْراً﴾ أيَّ خير كان من القوال والأفعالِ
﴿أَوْ تُخْفُوهْ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوء﴾ مع ما سُوِّغ لكم من مؤاخذة المسئ والتنصيص عليه مع اندراجه في إبداء الخيرِ وإخفائه لما أنه الحقيقُ بالبيان وإنما ذُكر إبداءُ الخير وإخفاؤه بطريق التسبيب له كما ينبئ عنه قولُه
﴿فَإِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً﴾ فإن إيرادَه في معرِض جوابِ الشرطِ يدل على أن العُمدة هو العفوُ مع القدرة أي كان مبالِغاً في العفو مع كمال قدرتِه على المؤاخذة وقال الحسن يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام فعليكم أن تقتدوا بسُنة الله تعالى وقال الكلبي هو أقدر على عفو ذنوبِكم منكم على عفو ذنوبِ مَنْ ظلمكم وقيل عفُوّاً عمن عفا قديراً على إيصال الثوابِ إليه
стр. 1165
﴿إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بالله وَرُسُلِهِ﴾ أي يؤدِّي إليه مذهبهم ويقتضيه رأيهم لاانهم يصرحون بذلك كما ينبئ عنه قولُه تعالى
﴿وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ﴾ أي بأن يؤمنوا به تعالى ويكفُروا بهم لكن لا بأن يصرِّحوا بالإيمان به تعالى وبالكفر بهم قاطبةً بل بطريق الاستلزامِ كما يحكيه قوله تعالى
﴿وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ أي نؤمن ببعض الأنبياءِ ونكفُر ببعضهم كما قالت اليهود نؤمن بموسى والتوراةِ وعزيرٍ ونكفر بما وراء ذلك وما ذاك إلا كفرٌ بالله تعالى ورسُلِه وتفريقٌ بين الله تعالى ورسُله في الإيمان لأنه تعالى قد أمرهم بالإيمان بجميع الأنبياءِ ﵈ وما من نبيَ من الأنبياء إلا وقد أخبر قومَه بحقية دين نبينا محمدٍ ﷺ وعليهم أجعين فمن كفر بواحد منهم فقد كفر بالكل وبالله تعالى أيضاً من حيث لايحتسب
﴿وَيُرِيدُونَ﴾ بقولهم ذلك
﴿أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك﴾ أي بين الإيمان والكفرِ
﴿سَبِيلاً﴾ يسلُكونه مع أنه لا واسطةَ بينهما قطعاً إذِ الحق لا يختلف وماذا بعد الحقِّ إلا الضلال
стр. 1166
﴿أولئك﴾ الموصوفون بالصفات القبيحةِ
﴿هُمُ الكافرون﴾ الكاملون في الكفر لا عبرة بمايدعونه ويسمونه إيماناً أصلاً
﴿حَقّاً﴾ مصدرٌ مؤكدٌ لمضمون الجملةِ أي حَقَّ ذلك أي كونُهم كاملين في الكفر حقاً أو صفةٌ لمصدر الكافرين أي هم الذين كفروا حقا أى
стр. 1167
١٥٢ - ١٥٣ النساء ثابتاً يقيناً لا ريب فيه
﴿وَأَعْتَدْنَا للكافرين﴾ أي لَهم وإنما وُضع المُظهرُ مكان المضمر ذما وتذكيراً لوصفهم أو لجميع الكافرين وهم داخلونَ في زُمرتهم دخولا أولياء
﴿عَذَاباً مُّهِيناً﴾ سيذوقونه عند حلوله
стр. 1168
﴿والذين آمنوا بالله وَرُسُلِهِ﴾ أي على الوجه الذي بُيّن في تفسيرِ قولِه تعالى يَأَيُّهَا الذين آمنوا آمنوابالله وَرَسُولِهِ الآية
﴿وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ﴾ بأن يؤمنوا ببعضهم ويكفروا بآخَرين كما فعله الكفرة ودخولُ بَيْنَ على أحد قد مرَّ تحقيقُه في سورة البقرة بما لا مزيدَ عليهِ
﴿أولئك﴾ المنعوتون بالنعوت الجليلةِ المذكورةِ
﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ الموعودةَ لهم وتصديرُه بسوف لتأكيد الوعدِ والدلالةِ على إنه كائنٌ لا محالةَ وإن تراخى وقرئ نُؤتيهم بنون العظمة
﴿وَكَانَ الله غَفُوراً﴾ لما فرَط منهم
﴿رَّحِيماً﴾ مبالغاً في الرحمة عليهم بتضعيف حسناتِهم
стр. 1169
﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كتابا مّنَ السماء﴾ نزلت في أحبار اليهودِ حين قالوا لرسول الله ﷺ إن كنت نبياً فأتِنا بكتاب من السماء جملةً كما أتى به موسى ﵊ وقيل كتاباً محرَّراً بخطَ سماويَ على اللوح كما نزلت التوراةُ أو كتاباً نعايته حين يَنزِل أوْ كتاباً إلينا بأعياننا بأنك رسولُ الله وما كان مقصِدُهم بهذه العظيمة إلا التحكمَ والتعنّتَ قال الحسنُ ولو سألوه لكي يتبيَّنوا الحقَّ أعطاهم وفيما آتاهم كفاية
﴿فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك﴾ جوابُ شرطٍ مقدّر أى إن استكبرت ماسألوه منك فقد سألوا موسى شيئا اكبر وقيل تعليلٌ للجوابِ أي فلا تُبالِ بسؤالهم فقد سألوا موسى أكبر وهذه المسألةُ وإن صدَرت عن أسلافهم لكنهم لما كانوا مقتدين بهم في كلِّ ما يأتُون وما يذرون أُسنِدت إليهم والمعنى أن لهم في ذلك عِرْقاً راسخاً وأن ما اقترحوا عليك ليس أولَ جهالاتِهم
﴿فقالوا أرنا الله جهرة﴾ أي أرِناه نَرَهُ جهرةً أي عِياناً أو مجاهرين معاينين له والفاءُ تفسيريةٌ
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة﴾ أي النارُ التى جاءت من السماء فأهلكتهم وقرئ الصعقةُ
﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ أي بسبب ظلمِهم وهو تعنتُهم وسؤالُهم لما يستحيل في تلك الحالةِ التي كانوا عليها وذلك لا يقتضي امتناعَ الرؤيةِ مطلقاً
﴿ثُمَّ اتخذوا العجل مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات﴾ أي المعجزاتِ التى أظهرها لفرعون من العصا واليدِ البيضاءِ وفلْقِ البحر وغيرِها لاالتوراة لأنها لم تنزلْ عليهم بعد
﴿فَعَفَوْنَا عَن ذلك﴾ ولم نستأصِلْهم وكانوا أحقاءَ به قيل هذا استدعاءٌ لهم إلى التوبة كأنه قيل إن أولئك أجرموا تابوا فعفونا عنهم فتوبوا أنتم أيضاً حتى نعفو عنكم
﴿وآتينا موسى سلطانا مبينا﴾ سلطانا ظاهرا عليهم حيث أمرهم بأن يقتُلوا
стр. 1170
١٥٤ - ١٥٥ النساء أنفسَهم توبةً عن معصيتهم
стр. 1171
﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطور بميثاقهم﴾ أي بسبب ميثاقِهم ليُعطوه على ماروى أنهم امتنعوا عن قبول شريعة التوراة فرفع الله تعالى عليهم الطور فقبلوها أو ليخافوا فلا ينقضوه على ما روي أنهم هموا بنقضه فرفع الله تعالى عليهم الجبل فخافوا وأقلعوا عن النقض وهو الأنسبُ بما سيأتي من قولهِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ميثاقا غَلِيظاً
﴿وَقُلْنَا لَهُمُ﴾ على لسان موسى ﵇ والطورُ مظل عليهم
﴿ادخلوا الباب﴾ قال قتادة كنا نحدَّث أنه بابٌ من أبواب بيتِ المقدس وقيل هو إيليا وقيل هو أريحا وقيل هو اسمُ قريةٍ وقيل بابُ القُبة التي كانوا يصلون إليها فإنهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى ﵇
﴿سُجَّدًا﴾ أي متطامنين خاضعين
﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُواْ﴾ أي لاتظلموا باصطياد الحيتانِ
﴿فِى السبت﴾ وقرئ لاتعتدوا بفتح العين وتشديد الدال على أن أصله تعتدوا فأدغمت التاءُ في الدال لتقاربهما في المخرج بعد نقل حركتها إلى العين
﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ﴾ على الامتثال بما كُلّفوه
﴿ميثاقا غَلِيظاً﴾ مؤكداً وهو العهدُ الذي أخذه الله عليهم في التوراة قيل إنهم أعطَوا الميثاقَ على أنهم إن همّوا بالرجوع عن الدين فالله تعالى يعذِّبهم بأي أنواع العذاب أراد
стр. 1172
﴿فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم﴾ ما مزيدةٌ للتأكيد أو نكرةٌ تامةٌ ونقضُهم بدلٌ منها والباءُ متعلقةٌ بفعل محذوفٍ أي فبسبب نقضِهم ميثاقَهم ذلك فعلْنا بهمْ مَا فعلنَا من اللعن والمسخِ وغيرِهما من العقوبات النازلةِ عليهم أو على أعقابهم روي أنهم اعتَدَوا في السبت في عهد داودَ ﵇ فلُعنوا ومُسِخوا قِردةً وقيل متعلقةٌ بحَرَّمْنا على أنَّ قولَه تعالى فَبِظُلْمٍ بدلٌ من قوله تعالى فيما وما عطف عليه فيكون التحريمُ معلّلاً بالكل ولا يخفى أن قولَهم إنا قتلنا المسيحَ وقولَهم على مريمَ البهتانُ متأخرٌ عن التحريم ولامساغ لتعلّقها بما دل عليه قوله تعالى بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ لأنه رد لقولهم قُلُوبُنَا غُلْفٌ فيكون من صلة قولِه تعالى وَقَوْلِهِمْ المعطوفِ على المجرور فلا يعمل في جاره
﴿وكفرهم بآيات الله﴾ أي بالقرآن أو بما في كتابهم
﴿وَقَتْلِهِمُ الانبياء بِغَيْرِ حَقّ﴾ كزكريا ويحيى ﵉
﴿وَقَوْلِهِمْ قلوبنا غلف﴾ جمع أغلف أي هي مغشاةٌ بأغشية جبلية لايكاد يصل إليها ماجاء به محمدٍ ﷺ أو هو تخفيفُ غُلُفٌ جمع غِلاف أي هي أوعيةٌ للعلوم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره قاله ابن عباس وعطاء وقال الكلبي يعنون أن قلوبَنا بحيث لا يصل إليها حديث إلا وعته ولو كان في حديثك خير لوعته أيضا
﴿بل طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ كلامٌ معترِضٌ بين المعطوفَين جئ به على وجه الاستطرادِ مسارعةً إلى رد زعمِهم الفاسدِ أي ليس كفرُهم وعدمُ وصولِ الحقِّ إلى قلوبهم لكونها غُلفاً بحسب الجِبِلّة بل الأمرُ بالعكس حيث ختم الله عليها بسبب كفرهم أو ليست قلوبهم كما زعموابل هي مطبوع عليها
стр. 1173
١٥٦ - ١٥٧ النساء بسبب كفرِهم
﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَاّ قَلِيلاً﴾ منهم كعبدِ اللَّهِ بنِ سَلَام وأضرابه أو إلا إيماناً قليلاً لا يُعبأ به
стр. 1174
﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ أي بعيسى ﵇ وهو عطفٌ على قولهم وإعادةُ الجارِّ لطول ما بينهما بالاستطراد وقد جُوِّز عطفُه على بكفرهم فيكون هو ما عُطف عليه من أسباب الطبعِ وقيل هذا المجموعُ معطوفٌ على مجموع ما قبلَه وتكريرُ ذكر الكفرِ للإيذان بتكرُّر كفرِهم حيث كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمَّدٍ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ
﴿وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بهتانا عَظِيماً﴾ لا يقادَر قدرُه حيث نسبوها إلى ما هي عنه بألف منزل
стр. 1175
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ الله﴾ نظمُ قولِهم هذا في سلك سائر جناياتِهم التي نُعيت عليهم ليس لمجرد كونِه كذباً بل لتضمُّنه لابتهاجهم بقتل النبيِّ ﵇ والاستهزاءِ به فإن وصفَهم له بعنوان الرسالةِ إنما هو بطريق التهكّم به ﵇ كَما في قوله تعالى يا أيها الذى نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر الخ ولإنبائه عن ذكرهم له ﵇ بالوجه القبيحِ على ما قيلَ من أن ذلك وُضِع للذكر جميل من جهته تعالى مكان ذكرهم القبيح وقيل نعت له ﵇ من جهته تعالى مدحاً له ورفعاً لمحله ﵇ وإظهاراً لغاية جَراءتِهم في تصدِّيهم لقتله ونهايةِ وقاحتِهم في افتخارهم بذلك
﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ حالٌ واعتراض
﴿ولكن شُبّهَ لَهُمْ﴾ رُوي أنَّ رهطاً مِنْ اليهود سبُّوه ﵇ وأُمَّه فدعا عليهم فمسخهم الله تعالى قردةً وخنازيرَ فأجمعت اليهودُ على قتله فأخبره الله تعالى بأنه يرفعه إلى السماء فقال لأصحابه أيُّكم يرضى بأن يُلقى عليه شبهي فيقتل فيصلب ويدخُلَ الجنة فقال رجل منهم أنا فألقَى الله تعالى عليه شبَهَه فقتل وصُلب وقيل كان رجل ينافق عيسى ﵇ فلما أرادوا قتلَه قال أنا أدلُّكم عليه فدخل بيتَ عيسى ﵇ فرُفعَ عيسى ﵇ وأُلقي شبَهُه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى ﵇ وقيل إن طيطانوس اليهوديَّ دخل بيتاً كان هو فيه فلم يجده فألقى الله تعالى عليه شبَهه فلما خرج ظُن أنه عيسى ﵇ فأُخذ وقُتل وأمثالُ هذه الخوارقِ لا تستبعد في عصر النبوةِ وقيل إن اليهودَ لما همّوا بقتله ﵇ فرفعه الله تعالى إلى السماء خاف رؤساءُ اليهودِ من وقوع الفتنةِ بين عوامِّهم فأخذوا إنسانا فقتلوه وصلبوه ولبّسوا على الناس وأظهروا لهم أنه هو المسيحُ وما كانوا يعرفونه إلا بالاسم لعدم مخالطتِه ﵇ لهم إلا قليلا وشبه مسندا إلى الجار والمجرور كأنه قيل ولكن وقع لهم التشبيهُ بين عيسى ﵇ والمقتول أوفى الأمر على قول من قال لم يُقتَلْ أحدٌ ولكنِ أُرجِفَ بقتله فشاع بين الناسِ أو إلى ضمير المقتولِ لدِلالة إِنَّا قَتَلْنَا على أن ثمَّ مقتولاً
﴿وَإِنَّ الذين اختلفوا فِيهِ﴾ أي في شأن عيسى ﵇ فإنه لما وقعت تلك الواقعةُ اختلف الناسُ فقال بعضُ اليهود إنه كان كذبا فقتلناه حتماً وتردد آخرون فقال بعضُهم إن كان هذا عيسى
стр. 1176
١٥٨ - ١٥٩ النساء فأين صاحبُنا وقال بعضُهم الوجهُ وجهُ عيسى والبدنُ بدنُ صاحبِنا وقال مَنْ سمِع منه ﵇ إن الله يرفعني إلى السماء إنه رُفع إلى السماء وقال قوم صُلب الناسوتُ وصعِدَ اللاهوت
﴿لَفِى شَكّ مّنْهُ﴾ لفي تردد والشكُ كما يطلق على ما لم يترجح أحدُ طرفيه يُطلق على مطلق الترددِ وعلى ما يقابل العلم ولذلكَ أُكِّدَ بقولِه تعالى
﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَاّ اتباع الظن﴾ استثناءٌ منقطعٌ أي لكنهم يتبعون الظن ويجوز أن يفسَّر الشكُ بالجهل والعلمُ بالاعتقاد الذي تسمن إليه النفسُ جزماً كان أو غيرَه فالاستثناءُ حينئذ متصلٌ
﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ أي قتلاً يقيناً كما زعموا بقولهم إنا قتلنا المسيحَ وقيل معناه وما علموه يقيناً كما في قوله من قال كذاك تُخبِرُ عنها العالماتُ بها وقد قَتَلْتُ بعلمي ذلكم يقَناً من قولهم قتلتُ الشيءَ علماً ونحَرتُه علماً إذا تَبالغَ علمُك فيه وفيه تهكمٌ بهم لإشعاره بعلمهم في الجملة وقد نُفيَ ذلك عنهم بالكلية
стр. 1177
﴿بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ﴾ رد وإنكار لقتله وإثبات الرفعة
﴿وَكَانَ الله عَزِيزاً﴾ لا يغالَب فيما يريده
﴿حَكِيماً﴾ في جميع أفعالِه فيدخُل فيها تدبيراتُه تعالى في أمر عيسى ﵇ دخولاً أولياً
стр. 1178
﴿وإن من أهل الكتابِ﴾ أي من اليهود والنصارى وقوله تعالى
﴿إِلَاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ جملةٌ قَسَمية وقعت صفةً لموصوف محذوفٍ إليه يرجع الضميرُ الثاني والأول لعيسى ﵇ أي وما من أهل الكتاب أحدٌ إلا ليؤمِنَنّ بعيسى ﵇ قبل أن تَزهَقَ روحُه بأنه عبدُ الله ورسولُه ولات حين إيمان لانقطاع وقت التكليف ويعضده بأنه قرئ ليؤمنن قبل موتهم بضم النون لِما أن أحداً في معنى الجمعِ وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهُمَا أنَّه فسّره كذلك فقال له عِكرِمة فإن أتاه رجلٌ فضَرَبَ عُنقَه قال لا تخرُجُ نفسُه حتى يُحرِّك بها شفتيه قال فإن خرَّ من فوق بيت أو احترق أو أكله سبُعٌ قال يتكلم بها في الهواء ولا تخرُجُ روحُه حتى يؤمِنَ به وعن شهرِ بنِ حَوْشبَ قال لي الحجاج آيةٌ ما قرأتُها إلا تَخالَج في نفسي شيءٌ منها يعني هذه الآيةَ وقال إني أوتى بالأسير من اليهود والنصارى فأضربُ عُنقَه فلا أسمعُ منه ذلك فقلت إن اليهوديَّ إذا حضره الموتُ ضربت الملائكةُ دُبُرَه ووجهَه وقالوا يا عدوَّ الله أتاك عيسى ﵇ نبياً فكذبتَ به فيقول آمنتُ أنه عبدٌ نبيٌّ وتقول للنصراني أتاك عيسى ﵇ نبياً فزعمتَ أنه الله وابن الله فيؤمنُ أنه عبدُ الله ورسولُه حيث لا ينفعه إيمانُه قال وكان متكئا فاستولا جالساً فنظر إليَّ وقال ممن سمعتَ هذا قلت حدثني محمدُ بنُ عليَ بنِ الحنفيةِ فأخذ ينكُث الأرضَ بقضيبه ثم قال لقد أخذتُها من عين صافية والإخبارُ بحالهم هذه وعيدٌ لهم وتحريضٌ على المسارعة إلى الإيمان به قبل أن يُضْطروا إليه مع انتفاء جدواه وقيل كلا الضميرين لعيسى والمعنى وما من أهل الكتاب الموجودين عند نزولِ عيسى ﵇ أحدٌ إلا ليؤمنن به قبل موته روي أنه ﵇ ينزِلُ من السماء في آخر الزمانِ فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمنُ به حتى تكونَ الملةُ واحدةً وهي ملةُ الإسلام ويُهلك الله في زمانه الدجالَ وتقعُ الأمنة
стр. 1179
١٦٠ - ١٦١ ١٦٢ النساء حتى ترتعَ الأسودُ مع الإبلِ والنمورُ مع البقر والذئاب مع الغنم ويعلب الصبيانُ بالحيّاتِ ويلبث في الأرض أربعين سنةً ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفِنونه وقيل الضميرُ الأولُ يرجِعُ إلى الله تعالى وقيل إلى محمدٍ ﷺ
﴿وَيَوْمَ القيامة يَكُونُ﴾ أي عيسى ﵇
﴿عَلَيْهِمْ﴾ على أهل الكتاب ﴿شَهِيداً﴾ فيشهد على اليهود بالتكذيب وعلى النصارى بأنهم دعَوْه ابن الله تعالَى الله عن ذلكَ علواً كبيراً
стр. 1180
﴿فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ﴾ لعل ذكرَهم بهذا العنوانِ للإيذان بكمالِ عِظَمِ ظلمهم بتذكير وقوعه بعد أن هادُوا أي تابوا من عبادة العجلِ مثلَ تلك التوبةِ الهائلةِ المشروطةِ ببخْع النفوسِ إثرَ بيانِ عِظَمِه في حد ذاتِه بالتنوين التفخيميِّ أي بسبب ظلمٍ عظيمٍ خارجٍ عن حدود الإشباه والإشكال الصادر عنهم
﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ ولِمن قبلَهم لا بشيء غيرِه كما زعموا فإنهم كانوا كلما ارتكبوا معصيةً من المعاصي التي اقترفوها يُحرَّم عليهم نوعٌ من الطيبات التي كانت محلَّلةً لهم ولمن تقدّمهم من أسلافهم عُقوبةً لهم وكانوا مع ذلك يفترون على الله سبحانه ويقولون لسنا بأولِ مَنْ حرمت عليه وإنما كان على نوح وإبراهيم من بعدَهما حتى انتهى الأمرُ إلينا فكذبهم الله في مواقعَ كثيرةٍ وبكّتهم بقوله تعالى كلك الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسرائيلَ إلا ما حرم اسرائيل على نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة قُلْ فَأْتُواْ بالتوراة فاتلوها إِن كُنتُمْ صادقين أي في ادعاكم أنه تحريم قديم روي أنه ﵇ لما كلفهم إخراجَ التوراةِ لم يجسُرْ أحدٌ على إخراجها لِما أن كونَ التحريمِ بظلمهم كان مسطوراً فيها فبُهتوا وانقلبوا صاغرين
﴿وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ الله كَثِيراً﴾ أي ناساً كثيراً أو صداً كثيراً
стр. 1181
﴿وَأَخْذِهِمُ الربا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ﴾ فإن الربا كان محرَّماً عليهم كما هو محرَّمٌ علينا وفيه دليلٌ على أنَّ النهيَ يدل على حرمة المنهيِّ عنه
﴿وَأَكْلِهِمْ أموالَ الناس بالباطل﴾ بالرّشوة وسائرِ الوجوهِ المحرَّمةِ
﴿وَأَعْتَدْنَا للكافرين مِنْهُمْ﴾ أي للمُصِرِّين على الكفر لا لمن تاب وآمن من بينهم
﴿عَذَاباً أَلِيماً﴾ سيذوقونه في الآخرة كما ذاقوا في الدنيا عقوبةَ التحريم
стр. 1182
﴿لكن الراسخون فى العلم مِنْهُمْ﴾ استدراكٌ من قولِه تعالَى وَأَعْتَدْنَا الخ وبيانٌ لكون بعضِهم على خلاف حالهم عاجلاً أو آجلاً أي لكن الثابتون في العلم منهم المُتقِنون المستبصِرون فيه غيرُ التابعين للظن كأولئك الجَهَلة والمرادُ بهم عبدُ اللَّه بنُ سلام وأصحابُه
﴿والمؤمنون﴾
أي منهم وصفوا بالإيمان بعد ما وُصِفوا بما يوجبُه من الرسوخ في العلم بطريق العطف المنبئ عن المغايرة بين المعطوفَين تنزيلاً للاختلاف العنوانيِّ منزلةَ الاختلافِ الذاتيِّ وقوله تعالى
﴿يؤمنون بما أنزل إليك وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ حال من المؤمنون مبيِّنةٌ لكيفية إيمانِهم وقيل اعتراضٌ مؤكدٌ لما قبله وقوله
﴿والمقيمين الصلاة﴾ قيل نُصب بإضمار
стр. 1183
١٦٣ - النساء فعلى تقديرُه وأعني المقيمين الصلاةَ على أن الجملةَ معترضةٌ بين المبتدأ والخبرِ وقيل هُو عطفٌ على ما أزل إليك على أن المرادَ بهم الأنبياءُ ﵈ أي يؤمنون بالكتب وبالأنبياء أو الملائكة قال مكي أي ويؤمنون بالملائكة الذين صفتهم إثامة الصلاةِ لقوله تعالى يُسَبّحُونَ الليلَ والنهارَ لَا يَفْتُرُونَ وقيل عطفٌ على الكافِ في إليك أي يؤمنون بما أنزل إليه وإلى المقيمين الصلاة وقرئ بالرفع على أنه معطوفٌ على المؤمنون بناءً على ما مر من تنزيل التغاير العنواني في منزلة التغاير الذاتي وكاذ الحالُ فيما سيأتي من المعطوفَين فإن قوله تعالى
﴿والمؤتون الزكاة﴾ عطفٌ على المؤمنون مع اتحاد الكلِّ ذاتاً وكذا الكلامُ في قولِه تعالى
﴿والمؤمنون بالله واليوم الاخر﴾ فإن المراد بالكل مؤمنو أهلِ الكتابِ قد وُصِفوا أولاً بكونهم راسِخين في علم الكتابِ إيذاناً بأن ذلك موجبٌ للإيمان حتماً وأن مَنْ عداهم إنما بقُوا مُصرِّين على الكفر لعدم رسوخِهم فيه ثم بكونهم مؤمنين بجميع الكتبِ المنزلةِ على الأنبياء ثم بكونهم عاملين بما فيها من الشَّرائعِ والأحكامِ واكتُفي من بينها بذكر إقامةِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ المستتبعين لسائر العباداتِ البدنيةِ والماليةِ ثم بكونهم مؤمنين بالمبدأ والمعادِ تحقيقاً لحيازتهم الإيمانَ بقطريه وإحاطتِهم به من طرفيه وتعريضاً بأن مَنْ عداهُم من أهلِ الكتابِ ليسوا بمؤمنين بواحد منهما حقيقةً فإنهم بقولهم عزيرٌ ابنُ الله مشركون بالله سبحانه وبقولهم لن تمسنا النارُ إلا أياماً معدودةً كافرون باليوم الآخِرِ وقولُه تعالى
﴿أولئك﴾ إشارةٌ إليهم باعتبارِ اتصافِهم بما عُدِّد من الصفات الجميلةِ وما فيه من معنى البُعد للإشعار بعلوّ درجتِهم وبُعدِ منزلَتهِم في الفضلِ وهو مبتدأُ وقولُه تعالى
﴿سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً﴾ خبرُه والجملةُ خبرٌ للمبتدأ الذي هو الراسخون وما عطف عليه والسينُ لتأكيد الوعدِ وتنكيرُ الأجرِ للتفخيم وهذا أنسبُ بتجاوُبِ طرَفي الاستدراكِ حيث أُوعِد الأولون بالعذاب الأليم ووُعِد الآخَرون بالأجر العظيم كأنه قيل إثر قولِه تعالى وَأَعْتَدْنَا للكافرين مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً لكنِ المؤمنون منهم سنؤتيهم أجراً عظيماً وأما ما اجتح إليه الجمهورُ من جعل قوله تعالى يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ الخ خبراً للمبتدأففي كمال السداد خلا أنه غير معترض لتقابل الطرفين وقرئ سيؤتيهم بالياء مراعاةً لظاهر قوله تعالى والمؤمنون بالله
стр. 1184
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ والنبيين مِن بَعْدِهِ﴾ جوابٌ لأهل الكتابِ عن سؤالهم رسولَ الله ﵊ إن ينزلَ عَلَيْهِمْ كتابا مّنَ السماء واحتجاجٌ عليهم بأنه ليس بِدْعاً من الرسل وإنما شأنُه في حقيقة الإرسالِ وأصلِ الوحي كشأن سائرِ مشاهيرِ الأنبياءِ الذين لا ريب لأحد في نبوَّتهم والكافُ في محل النصب على أنه نعب لمصدر محذوفٍ أي إيحاءً مثلَ إيحائِنا إلى نوح أو على أنه
стр. 1185
١٦٤ - النساء حالٌ من ذلك المصدرِ المقدر معرّفاً كما هُو رأيُ سيبويهِ أي أوحينا الايحاءَ حال كونِه مشبهاً بإيحائنا الخ ومن بعدِه متعلقٌ بأوحينا وإنما بدئ بذكر نوحٍ لأنه أبو البشر وأولُ نبيَ شرَع الله تعالى على لسانه الشرائعَ والأحكامَ وأولُ نبيَ عُذّبت أمتُه لردهم دعوتَه وقد أهلك الله بدعائه أهلَ الأرضِ
﴿وَأَوْحَيْنَا إلى إبراهيم﴾ عطفٌ على أوحينا إلى نوح داخلٌ معه في حكم التشبيهِ أي وكما أوحينا إلى إبراهيم
﴿وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط﴾ وهم أولادُ يعقوبَ ﵈
﴿وعيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وهارون وسليمان﴾ خُصوا بالذكر مع ظهور انتظامِهم في سلك النبيين تشريفاً لهم وإظهاراً لفضلهم كما في قوله تعالى مَن كَانَ عدوا لله وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال وتصريحاً بمن ينتمي إليهم اليهودُ من الأنبياء وتكريرُ الفعلِ لمزيد تقريرِ الإيحاء والتنبيهِ على أنهم طائفةٌ خاصةٌ مستقلةٌ بنوع مخصوصٍ من الوحي
﴿وآتينا داود زَبُوراً﴾ قال القرطبي كان فيه مائة وخمسون ليس فيها حكم من الأحكام إنما هي حِكَمٌ ومواعظُ وتحميدٌ وتمجيدٌ وثناءٌ على الله تعالى وقرئ بضم الزاءِ وهو جمعُ زِبْرٍ بمعنى مزبور والجملةُ عطف على أوحينا داخلٌ في حكمه لأن إيتاءَ الزبورِ من باب الإيحاءِ أي وكما آتينا داودَ زبورا وإيثاره على وأوحينا إلى داود لتحقيق المماثلة في أمر خاصَ هو إيتاءُ الكتابِ بعد تحقيقِها في مطلق الإيحاءِ ثم أشير إلى تحقيقها في أمر لازمٍ لهما لزوماً كلياً وهو الإرسال فإن قوله تعالى
стр. 1186
﴿وَرُسُلاً﴾ نُصب بمضمر يدل عليه أوحينا معطوفٍ عليهِ داخلٌ معه في حكم التشبيهِ كما قبله أي وكما أرسلنا رسلاً لا بما يفسِّره قولُه تعالى
﴿قَدْ قصصناهم عَلَيْكَ﴾ أي وقصصنا رسلاً كما قالوا وفرّعوا عليه إنَّ قولَه تعالَى قَدْ قصصناهم على الوجه الأول منصوبٌ على أنه صفةٌ لرسلاً وعلى الوجه الثاني لا محلَّ له من الإعراب فإنه مما لا سبيل إليه كما ستقف عليه وقرئ برفع رسلٌ وقولُه تعالى
﴿مِن قَبْلُ﴾ متعلقٌ بقصصنا أي قصصنا من قبلِ هذه السورةِ أو اليوم
﴿وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ عطفٌ على رسلاً منصوبٌ بناصبه وقيل كلاهما منصوبٌ بنزع الخافضِ والتقديرُ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نوحٍ وإلى الرسل الخ والحقُّ أن يكون انتصابُهما بأرسلنا فإن فيه تحقيقاً للمماثلة بين شأنِه ﵊ وبين شؤونِ من يعترفون بنبوته من الأنبياءِ ﵈ في مطلق الإيحاءِ ثم في إيتاءِ الكتابِ ثم في الإرسال فإن قوله تعالى إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ منتظِمٌ بمعنى آتيناك وأرسلناك حتماً كأنه قيل إنا أوحينا إلى إبراهيمَ ومَنْ بعده وآتيناك وأرسلناك حتماً كأنه قيل إنا أوحينا إليك إيحاءً مثلَ ما أوحينا إلى نوح ومثلَ ما أوحينا إلى إبراهيمَ ومَنْ بعده وآتيناك الفرقانَ إيتاءً مثلَ ما آتينا داودَ زبوراً وأرسلناك إرسالاً مثلَ ما أرسلنا رسلاً قد قصصناهم عليك من قبل رسلنا وآخرين لم نقصُصْهم عليك من غير تفاوت بيك وبينهم في حقيقة الإيحاءِ وأصلِ الإرسالِ فما للكفرة يسألونك شيئاً لم يُعطَه أحدٌ من هؤلاء الرسلِ ﵈ ومنْ ههُنا اتضحَ أنَّ رسلاً لا يمكن نصبُه بقصصنا فإن ناصبه أنْ يكونَ معطوفاً على أوحينا داخلاً معه في حكم التشبيه الذي عليه يدورُ فلَكُ الاحتجاجِ على الكفرة ولا ريب في أن قصصنا لا تعلُّقَ له بشيء من الإيحاء والإيتاءِ حتى يمكنَ اعتبارُه في ضمن
стр. 1187
١٦٥ - النساء قوله تعالى إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثم يعتبرُ بينه وبين المذكورِ مماثلةٌ مصحِّحةٌ للتشبيه على أن تقديرَه في رسلاً الأوّلِ يقتضي تقديرَ نفيِه في الثاني وذلك أشدُّ استحالةً وأظهرُ بطلاناً
﴿وَكَلَّمَ الله موسى﴾ برفع الجلالةِ ونصبِ موسى وقرئ على القلب وقوله تعالى
﴿تَكْلِيماً﴾ مصدرٌ مؤكدٌ رافعٌ لاحتمال المجازِ قال الفراء العربُ تسمِّي ما وصل إلى الإنسان كلاماً بأي طريق وصَل مالم يؤكَّدْ بالمصدر فإذا أُكّد به لم يكنْ إلا حقيقةُ الكلامِ والجملةُ إما معطوفةٌ على قولِه تعالى إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ عطفَ القصةِ على القصة لا على آتينا وما عطف عليه وإما حالٌ بتقدير قد كما ينبئ عنه تغييرُ الأسلوبِ بالالتفات والمعنى أن التكليمَ بغير واسطةٍ منتهى مراتبِ الوحي خُصَّ به موسى من بينهم فلم يكن ذلك قادحاً في نبوة سائرِ الانبياء علهم السلام فكيف يُتوَّهم كونُ نزول التوراة عليه ﵇ جملةً قادحاً في صحة نبوةِ من أنزل عليه الكتابُ مفصلاً مع ظهور أن نزولُها كذلك لما آمنوا بها ومع ذلك ما آمنوا بها إلا بعد اللئيا والتي وقد فضل الله تعالى نبينا محمدٍ ﷺ بأن أعطاه مثلَ ما أعطى كلَّ واحدٍ منهم ﷺ تسليماً كثيراً
стр. 1188
﴿رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ نُصب على المدحِ أو بإضمار أرسلنا أو على الحال بأن يكون رسلاً موطئاً لما بعده أو على البداية من رُسلاً الأولِ أي مبشرين لأهل الطاعةِ بالجنة ومنذرين للعُصاة بالنار
﴿لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ﴾ أي مَعذرةٌ يعتذرون بها قائلين لَوْلا أرسلتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فيبينَ لنا شرائعَك ويعلمنا مالم نكن مالم نكن نعلم من أحكامك لقصور القوةِ البشريةِ عن إدراك كلياتِها كما في قوله وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فنتبع آياتك الآية وإنما سُمِّيت حجةً مع استحالة أن يكون لأحد عليه سبحانه حجةٌ في فعل من أفعاله بل له أن يفعلَ ما يشاءُ كما يشاءُ للتنبيه على أن المعذرةَ في القَبول عنده تعالى بمقتضى كرمِه ورحمتِه لعباده بمنزلة الحجةِ القاطعةِ التي لا مرد لها ولذلك قال تعالى وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً قال النبيِّ ﷺ ما أحدٌ أغيرُ مِنَ الله تعالى ولذلك حرَّم الفواحشَ ما ظهرَ منها وما بطن وما أحدٌ أحبُّ إليه المدحُ من الله تعالى ولذلك مدح نفسَه وما أحدٌ أحبُّ إليه العذر من الله تعالى ولذلك أرسلَ الرسلَ وأنزلَ الكتُب فاللامُ متعلقةٌ بأرسلنا وقيل بقوله تعالى مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وحجةٌ اسمُ كان وللناس خبرُها وعلى الله متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من حجة كائنةً على الله أو هو الخبرُ وللناس حالٌ على الوجه المذكور ويجوز أن يتعلق كلٌّ منهما بما تعلقَ به الآخرُ الذي هو الخبرُ ولا يجوز التعلقُ بحجة لأن المعمول المصدر لا يتقدم عليه وقوله تعالى
﴿بَعْدَ الرسل﴾ أي بعد إرسالِهم وتبليغِ الشرائعِ إلى الأمم على ألسنتهم متعلقٌ بحجة أو بمحذوف وقع صفة لها لأن الظروف يوصف بها الأحداثُ كما يُخبر بها عنها نحو القتالُ يومُ الجمعة
﴿وَكَانَ الله عَزِيزاً﴾ لا يغالَب في أمرٍ من أمورِه ومن قضيته الامتناعُ عن الإجابة إلى مسألة المتعنّتين
﴿حَكِيماً﴾ في جميع أفعالِه التي من جملتها إرسالُ الرسلِ وإنزالُ الكتبِ فإن تعدد الرسل والكتب واختلافها في كيفية النزولِ وتغايُرَها
стр. 1189
١٦٦ - ١٦٧ ١٦٨ النساء في بعض الشرائعِ والأحكامِ إنما لتفاوت طبقاتِ الأممِ في الأحوال التي عليها يدورُ فلكُ التكليفِ فكما أنه برَأَهم على أنحاءَ شتى وأطوارٍ متباينةٍ حسبما تقتضيه الحِكمةُ التكوينيةُ كذلك تعبّدهم بما يليق بشأنهم وتقتضيه أحوالُهم المتخالفةُ واستعداداتُهم المتغايرةُ من الشرائع والأحكامِ حسبما تستدعيه الحِكمةُ التشريعيةُ وراعى في إرسال الرسلِ وإنزالِ الكتبِ وغيرِ ذلكَ من الأمورِ المتعلقةِ بمعاشهم ومعادِهم ما فيه مصلحتُهم فسؤالُ تنزيلِ الكتابِ جملةً اقتراحٌ فاسدٌ إذ حينئذ تتعاقم التكاليفُ فيثقُل على المكلَّف قَبولُها والخروجُ عن عُهدتها وأما التنزيلُ المُنَجَّم الواقعُ حسب الأمورِ الداعيةِ إليه فهو أيسرُ قَبولاً وأسهلُ امتثالاً
стр. 1190
﴿لكن الله يَشْهَدُ﴾ بتخفيف النون ورفع الجلالة وقرئ بتشديد النونِ ونصبِ الجلالةِ وهو استدراك عما يُفهم مما قبله كأنهم لما تعنّتوا عليه بما سبق من السؤال واحتَجّ عليهم بقوله تعالى إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كما أَوْحَيْنَا الخ قيل إنهم لا يشهدون بذلك لكنَّ الله يشهد
﴿بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ﴾ على البناء للفاعل وقرئ على البناء للمفعولِ والباءُ صلةٌ للشهادة أي يشهد بحقية مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن القرآن المعجزِ الناطِقِ بنبوتك وقيل لمَّا نزل قوله تعالى إنا أوحينا إِلَيْكَ قالوا ما نشهد لك بهذا فنزل لكنِ الله يشهد
﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أي ملتبساً بعلمه الخاصِّ الذي لا يعلمه غيرُه وهو تأليفُه على نمط بديعٍ يَعجِز عنه كلُّ بليغٍ أو بعلمه بحال مَنْ أنزله عليه واستعدادِه لاقتباس الأنوارِ القدسية أو بعلمه الذي يحتاج إليه الناسُ في معاشهم ومعادِهم فالجارُّ والمجرورُ على الأولَينِ حالٌ من الفاعل وعلى الثالث من المفعولِ والجملةُ في موقع التفسير لما قبلها وقرئ نزله وقوله تعالى
﴿والملائكة يشهدون﴾ أي بذلك مبتدأوخبر والجملة عطفٌ على ما قبلَها وقيل حالٌ من مفعول أنزله أي أنزله والملائكةُ يشهدون بصدقه وحقِّيتِه
﴿وكفى بالله شَهِيداً﴾ على صحة نُبوّتِك حيث نصَبَ لها معجزاتٍ باهرةً وحججاً ظاهرةً مغْنيةً عن الاستشهاد بغيرها
стр. 1191
﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ أي بما أنزل الله تعالى وشهِد به أو بكلِّ ما يجبُ الإيمانُ به وهو داخلٌ فيه دخولاً أولياً والمرادُ بهم اليهودُ حيث كفروا به
﴿وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله﴾ وهو دينُ الإسلام مَنْ أراد سلوكَه بقولهم ما نعرِف صفةَ محمدٍ في كتابنا وقرئ صُدُّوا مبنياً للمفعول
﴿قَدْ ضَلُّواْ﴾ بما فعلُوا منَ الكفرِ والصدِّ عن طريق الحق
﴿ضلالا بَعِيداً﴾ لأنهم جمعوا بين الضلال والإضلالِ ولأن المُضِل يكون أعرقَ في الضلال وأبعدَ من الإقلاع عنه
стр. 1192
﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ أي بما ذكر آنفاً
﴿وَظَلَمُواْ﴾ أي محمدا ﷺ بإنكار نبوّتِه وكتمانِ نعوتِه الجليلةِ ووضعِ غيرِها مكانَها أو الناسَ بصدهم عما فيه صلاحُهم في المعاش والمعاد
﴿لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ لاستحالة تعلّقِ المغفرةِ بالكافر
﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طريقا﴾
стр. 1193
١٦٩ - ١٧٠ النساء
стр. 1194
﴿إِلَاّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ لعدم استعدادِهم للهداية إلى الحق والأعمالِ الصالحةِ التي هي طريقُ الجنةِ والمرادُ بالهداية المفهومةِ من الاستثناء بطريق الإشارةِ خلقُه تعالى لأعمالهم السيئة المؤديةِ بهم إلى جهنم عند صرف قددرتهم واختيارِهم إلى اكتسابها أو سوقُهم إليها يوم القيامة بواسطة الملائكةِ والطريقُ على عمومه والاستثناءُ متصل وقيل خاصٌّ بطريق الحقِّ والاستثناءُ منقطع
﴿خالدين فِيهَا﴾ حالٌ مقدرةٌ من الضمير المنصوب والعاملُ فيها ما دل عليه الاستثناءُ دلالةً واضحةً كأنه قيل يُدخلهم جهنمَ خالدين فيها الخ وقوله تعالى
﴿أَبَدًا﴾ نصبٌ على الظرفية رافعٌ لاحتمال حملِ الخلودِ على المكث الطويل
﴿وَكَانَ ذلك﴾ أي جعلهم خالدين في جهنم
﴿عَلَى الله يَسِيراً﴾ لاستحالة أن يتعذّر عليه شيءٌ من مراداته تعالى
стр. 1195
﴿يا أيها الناس﴾ بعد ما حكَى لرسول الله ﷺ تعللَ اليهودِ بالأباطيل واقتراحَهم الباطلَ تعنتاً وردّ عليهم ذلك بتحقيق نبوتِه ﵊ وتقريرِ رسالتِه ببيان أن شأنِه ﵊ في أمر الوحي والإرسالِ كشئون من يعترفون بنبوته من مشاهيرِ الأنبياءِ ﵈ وأكد ذلك بشهادته سبحانه وشهادة الملائكة أمر المكلفون كافةً على طريق تلوينِ الخطابِ بالإيمان بذلك أمراً مشفوعاً بالوعد بالإجابة والوعيدِ على الرد تنبيهاً على أن الحجةَ قد لزِمَت ولم يبقَ بعد ذلك لأحد عذرٌ في عدم القبول وقوله
﴿قَدْ جَاءكُمُ الرسول بالحق مِن رَّبّكُمْ﴾ تكريرٌ للشهادة وتقريرٌ لحقية المشهودِ به وتمهيدٌ لما يعقُبه من الأمر بالإيمان وإيرادُه ﵊ بعنوان الرسالةِ لتأكيد وجوبِ طاعتِه والمرادُ بالحق هو القرآنُ الكريمُ والباء متعلقةٌ بجاءكم فهي للتعدية أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من الرسول أي ملتبساً بالحق ومِنْ أيضاً متعلقةٌ إما بالعقل وإمَّا بمحذوفٍ هو حالٌ من الحق أي جاءكم به من عنده تعالى أو جاءكم بالحق ومِنْ أيضاً متعلقةٌ إما بالفعل وإمَّا بمحذوفٍ هو حالٌ من الحق أي جاءكم به من عنده تعالى أو جاءكم بالحق كائناً من عندِه تعالَى والتعّرضُ لعنوان الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضمير المخاطَبين للإيذان بأن ذلك لتربيتهم وتبليغِهم إلى كمالهم اللائقِ بهم ترغيباً لهم في الامتثال بما بعده من الأمر والفاء في قوله
﴿فَآمِنُواْ﴾ للدِلالة على إيجاب ما قبلَها لما بعدَها أي فآمنوا به وبما ءجاء به من الحق وقولُه تعالى
﴿خَيْراً لَّكُمْ﴾ منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ لفعل واجبِ الإضمار كما هو رأيُ الخليل وسيبويهِ أي اقصِدوا أو ائتوا أمراً خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر أو على أنه نعتٌ لمصدر محذوف كما هو في رأي الفراء أي آمنوا إيماناً خيراً لكم أو على أنَّه خبرُ كان المضمرةِ الواقعةِ جواباً للأمر لاجزاء للشرط الصناعيّ وهو رأيُ الكسائي وأبي عبيدةَ أي يكنِ الإيمانُ خيراً لكم
﴿وَإِن تَكْفُرُواْ﴾ أي أن تُصِرُّوا وتستمروا على الكفر به
﴿فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى السماوات والارض﴾ من الموجودات سواء كانت داخلةً في حقيقتهما وبذلك يُعلم حالُ أنفسِهما على أبلغِ وجهٍ وآكدِه أو خارجة عنهما متسقرة فيهما من العُقلاء وغيرِهم فيدخلُ في جملتهم المخاطَبون دخولاً أولياً أي كلُّها له عز وجل
следующие страницы →