Полный текст (8 642 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
البقرة (٦٤ - ٦٣)
في الاتصاف به غيرُ مخل بكونهم أسوة لأ ولئك الأقدمين في استحقاق الأجرِ وما يتبعه من الأ من الدائم وأما ما قيل في تفسيره من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ مصدقا بقلبه بالمبدأ والمعاد عاملاً بمقتضى شرعه فمما لا سبيلَ إليه أصلاً لأن مقتضى المقام هو الترغيبُ في دينِ الإسلامِ وأما بيانُ حال من مضى على دين آخرَ قبل انتساخِه فلا ملابسةَ له بالمقام قطعاً بل ربما يُخِلُّ بمقتضاه من حيث دَلالتُه على حقِّيته في زمانه في الجملةِ على أنَّ المنافقين والصابئين لا يتسنى في حقهم ما ذكروا أما المنافقون فإن كانوا من أهل الشرك فالأمرُ بيِّن وإن كانوا من أهل الكتاب فمن مضى منهم قبل النسخِ ليسوا بمنافقين وأما الصابئون فليس لهم دينٌ يجوز رعايتُه في وقتٍ من الأوقاتِ ولو سَلِم أنه كان لهم دينٌ سماوي ثم خرجوا عنه فمن مضى من أهل ذلك الدين قبل خروجِهم منه فليسوا من الصابئين فكيف يُمكِنُ إرجاعُ الضمير الرابطِ بين اسم وإن وخبرِها إليهم أو إلى المنافقين وارتكابُ إرجاعِه إلى مجموعة الطوائفِ من حيثُ هو مجموعٌ لا إلى كل واحدةٍ منها قصداً إلى درج الفريقِ المذكور فيه ضرورةَ أن من كان من أهل الكتاب عاملاً بمقتضى شرعِه قبل نسخِه من مجموع الطوائفِ بحُكم اشتمالِه على اليهود والنصارى وإن لم يكن من المنافقين والصابئين مما يجبُ خبرها عينٌ ولا أثر فتأمل وكن على الحق المبين
стр. 177
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم﴾ تذكيرٌ لجناية أخرى لأسلافهم أي واذكروا وقت أخْذِنا لميثاقكم بالمحافظة على ما في التوراة
﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور﴾ عطفٌ على قوله أخذْنا أو حال أي أي وقد رفعنا فوقَكم الطورَ كأنه ظُلة رُوي أن موسى ﵇ لمّا جاءهم بالتوراة فرأَوْا ما فيها من التكاليف الشاقةِ كبُرت عليهم فأبَوْا قَبولها فأُمر جبريلُ ﵇ فقلَعَ الطورَ فظلله عليهم حتى قبِلوا
﴿خُذُواْ﴾ على إرادة القول
﴿مَا آتيناكم﴾ من الكتاب
﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجدَ وعزيمة
﴿واذكروا مَا فِيهِ﴾ أي احفَظوه ولا تنسَوْه أو تتفكروا فيه فإنه ذكرٌ بالقلب أو اعملوا به
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ لكي تتقوا المعاصيَ أو لتنجُوا من هلاك الدارين أو رجاءً منكم أن تنتظِموا في سلك المتقين أو طلباً لذلك وقد مر تحقيقُه
стр. 178
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي أعرضْتم عن الوفاء بالميثاق
﴿مِن بَعْدِ ذلك﴾ من بعد أخذِ ذلك الميثاقِ المؤكد
﴿فَلَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ بتوفيقكم لتوبة أو بمحمد ﷺ حيث يدْعوكم إلى الحق ويهديكم إليه
﴿لَكُنتُم مّنَ الخاسرين﴾ أي المغبونين بالانهمالك في المعاصي والخبْطِ في مهاوي الضلال عند الفترة وقيل لولا فضل تعالى عليكم بالإمهال وتأخيرِ العذاب لكنتم من الهالكين وهو الأنسبُ بما بعده وكلمةُ لولا إما بسيطةٌ أو مركبة من لو الامتناعية وحرف النفي ومعناها امتناع الشئ لوجود غيرِه كما أن لو لامتناعه لامتناعِ غيرِه والاسم الواقعُ بعدها عند سيبويه مبتدأٌ خبرُه محذوف وجوباً لدلالة الحال عليه وسد الجواب
стр. 179
البقرة (٦٧ - ٦٥)
مسدَّه والتقديرُ لولا فضلُ الله حاصلٌ وعند الكوفيين فاعل فعلٍ محذوف أي لولا ثبَتَ فضلُ الله تعالى عليكم
стр. 180
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ أي عرفتم
﴿الذين اعتدوا مِنكُمْ فِى السبت﴾ رُوي أنهم أُمروا بأن يتمحَّضوا يوم السبت للعبادة ويتجرَّدوا لها ويتركوا الصيدَ فاعتدى فيه أناسٌ منهم في زمن داودَ ﵇ فاشتغلوا بالصيد وكانوا يسكُنون قريةً بساحل البحر يقال لها أَيْلة فإذا كان يومُ السبت لم يبقَ في البحر حوتٌ إلا برزَ وأخرج خُرطومه فإذا مضى تفرقت فحفَروا حِياضاً وشرَعوا إليها الجداولَ وكانت الحيتانُ تدخلُها يوم السبت فيصطادونها يوم الأحد فالمعنى وبالله لقد علمتموهم حين فعلوا من قَبيل جناياتكم ما فعلوا فلم نُمهِلْهم ولم نؤخِّرْ عقوبتَهم بل عجلناها
﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين﴾ أي جامعين بين صورةِ القردةِ والخسُوء وهو الطرد والصَّغار على أن حاسئين نعتٌ لقِردة وقيل حال من اسم كونوا عند من يُجيز عملَ كان في الظروفِ والحالِ وقيل من الضَّمير المستكِّنِ في قِردة لأنه في معنى ممسوخين وقال مجاهد ما مسخت صورهم ولكن فلوبهم فمُثلوا بالقِردة كما مُثِّلوا بالحمار في قوله تعالى ﴿كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ والمرادُ بالأمر بيانُ سرعةِ التكوين وأنهم صاروا كذلك كما أراده وقرىء قَرِدةً بفتح القاف وكسر الراء وخاسين بغير همز
стр. 181
﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ أي المَسخةَ والعقوبة
﴿نكالا﴾ عبرةً تُنكّل المعتبِرَ بها أي تمنعُه وتردعُه ومنه النِّكْلُ للقيد
﴿لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ لما قبلها وما بعدها من الأمم إذ ذُكِرَتْ حالُهم في زبُر الأولين واشتهرت قصصُهم في الآخِرين أو لمعاصريهم ومَنْ بعدهم أو لِما بحضرتها من القُرى وما تباعد عنها أو لأهل تلك القرية وما حواليها أو لأجل ما تقدم عليها من ذنوبهم وما تأخَّر منها
﴿وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ﴾ من قومهم أو لكلِّ مُتقٍ سمِعَها
стр. 182
﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ﴾ توبيخ آخرُ لإخلاف بني إسرائيلَ بتذكير بعضِ جناياتٍ صدرت عن أسلافهم أي واذكروا وقت قولِ موسى ﵇ لأجدادكم
﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ وسببه أنَّهُ كانَ في بني إسرائيلَ شيخٌ موسر فقتلَه بنو عمِّه طمعاً في ميراثه فطرَحوه على باب المدينة ثم جاءوا يطالبون بديته فأمرهم الله تعالى أن يذبحوا بقرةً ويضرِبوه ببعضها فيَحْيَا فيُخْبِرَهم بقاتله
﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ وقع جوابا عما ينساقُ إليهِ الكلامُ كأنَّه قيل فماذا صنعوا هل سارعوا إلى الامتثال أو لا فقيل قالوا
﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ بضم الزاء وقلب الهمزة واوا وقرئ بالهمزة مع الضم والسكون أي أتجعلنا مكان هزؤ أو أهل هزؤ أو مهزوء ابنا أو الهزؤ نفسه استبعاداً لما قاله واستخفافاً به
﴿قَالَ﴾ استئناف كما سبق
﴿أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين﴾ لأن الهُزْؤ في أثناء تبليغ أمر الله سبحانه جهلٌ وسفَهٌ نفى عنه عليه السلام
стр. 183
البقرة (٦٩ - ٦٨) ما توهموه من قبله على أبلغِ وجهٍ وآكدِه بإخراجه مخرج مالا مكروهَ وراءَه بالاستعاذة منه استفظاعاً له واستعظاماً لما أقدَموا عليه من العظيمة التي شافهوه ﵇ بها
стр. 184
﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ كما مر كأنه قيل فماذا قالوا بعد ذلك فقيل توجهوا نحو الامتثال وقالوا
﴿ادع لَنَا﴾ أي لأجلنا
﴿رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ﴾ ما مبتدأ وهي خبرُه والجملةُ في حيز النصبِ يبين أي يبين لنا جوابَ هذا السؤال وقد سألوا عن حالها وصفتها لِما قرَعَ أسماعَهم ما لم يعهدوه من بقرةٍ ميتةٍ يضرب ببعضها ميت فيحيا فإنَّ ما وإنْ شاعتْ في طلبِ مفهومِ الاسمِ والحقيقة كما في ما الشارحة والحقيقةِ لكنَّها قد يُطلب بَها الصفةُ والحالُ تقولُ ما زيد فيقال طبيبٌ أو عالم وقيل كان حقُه ان يستفحم بأيَ لكنهم لما رأوا ما أمروا به على حالة مغايرة لما عليه الجنس أخرجوه عن الحقيقة فجعلوه جنساً على حياله
﴿قَالَ﴾ أي موسى ﵇ بعدما دعا ربه بالبيان وأتاه الوحْيُ
﴿أَنَّهُ﴾ تعالى
﴿يَقُولُ إِنَّهَا﴾ أي البقرةُ المأمورُ بذبحها
﴿بَقَرَةٌ لَاّ فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ أي لا مُسنة ولا فتية يقال فرَضَت البقرةُ فروضاً أي أسنت من الفرْض بمعنى القطع كأنها قطعَتْ سنها وبلغت آخرَها وتركيبُ البكر للأولية ومنه البَكرة والباكورة
﴿عَوَانٌ﴾ أي نصف لا قحم ولا ضَرْع قال
طِوالٌ مثلُ أعناقِ الهوادي ... نواعمْ بين أبكارٍ وعُونِ
﴿بَيْنَ ذلك﴾ إشارة إلى ما ذكر من الفارض والبِكْر ولذلك أضيف إليه بين لاختصاصه بالإضافة إلى المتعدد
﴿فافعلوا﴾ أمرٌ من جهة موسى ﵇ متفرِّع على ما قبله من بيان صفةِ المأمور به
﴿مَا تُؤْمَرونَ﴾ أي ما تؤمرونه بمعنى تؤمَرون به كما في قوله
أمرتُك الخيرَ فافعلْ ما أمرت بهِ
فإن حذفَ الجار قد شاع في هذا الفعل حتى لَحِق بالأفعال المتعدية إلى مفعولين وهذا الأمرُ منه ﵇ لحثِّهم على الامتثال وزجرِهم عن المراجعة ومع ذلك لم يقتنعوا به وقوله تعالى
стр. 185
﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ كما مر كأنه قيل ماذا صنعوا بعد هذا البيان الشافي والأمرِ المكرَّرِ فقيل قالوا
﴿ادع لنا ربك يبين لَّنَا مَا لَوْنُهَا﴾ حتى يتبين لنا البقرةُ المأمور بها
﴿قَالَ﴾ أي موسى ﵇ بعد المناجاةِ إلى الله تعالى ومجىءِ البيان
﴿أَنَّهُ﴾ تعالى
﴿يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا﴾ إسنادُ البيان في كل مرةٍ إلى الله لإظهار كمالِ المساعدةِ في إجابة مسئولهم بقولهم يبينْ لنا وصيغةُ الاستقبال لاستحضارِ الصورة والفُقوعُ نصوعُ الصُّفرةِ وخلوصُها ولذلك يؤكَّد به ويقال أصفرُ فاقعٌ كما يقال أسودُ حالك واحمر قانئ وفي إسناده إلى اللون مع كونِه من أحوال الملون لملابسته به مالا يخفى من فضل تأكيدٍ كأنه قيل صفراءُ شديدُ الصُفرةِ صُفرتها كما في جَدّ جِدّه وعن الحسنِ ﵁ سوداءُ شديدةُ السواد وبه فسر قوله تعالى
стр. 186
البقرة (٧١ - ٧٠)
﴿جمالة صُفْرٌ﴾ قيل ولعل التعبير عن السواد بالصفر لما أنها من مقدماته وإما لأن سَواد الإبل يعلوه صُفْرةٌ ويأباه وصفُها بقوله تعالى
﴿تَسُرُّ الناظرين﴾ كما يأباه وصفُها بفقوع اللون والسرورُ لذةٌ في القلب عند حصول نفعٍ أو توقُّعِه من السر عن عليَ ﵁ من لبِسَ نعلاً صفراءَ قل همُّه
стр. 187
﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ كنظائره
﴿ادع لنا ربك يبين لنا مَا هِىَ﴾ زيادةُ استكشافٍ عن حالها كأنهم سألوا بيانَ حقيقتها بحيث تمتاز عن جميع ما عداها مما تشاركها في الأوصاف المذكورة والأحوالِ المشروحة في أثناء البيان ولذلك علّلوه بقولهم
﴿إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا﴾ يعنُون أن الأوصافَ المعدودةَ يشترك فيها كثير من البقر ولا نهتدي بها إلى تشخيص ما هو المأمور بها بل صادقةً على سائر افراد الجنس وقرئ إنَّ الباقِرَ وهو اسمٌ لجماعة البَقر والأباقر والبواقر ويتشابه بالياء والتاء وَيشّابه بطرح التاء والإدغام على التذكير والتأنيث وتَشَابهت مخففاً ومشدداً وتَشَبَّهُ بمعنى تتشبه وتشبه بالتذكير ومتشابِهٌ ومتشابهةٌ ومُتَشَبِّهٌ ومُتَشَبِّهَةٌ وفيهِ دلالةٌ على أنَّهم ميَّزوها عن بعض ما عداها في الجملة وإنما بقي اشتباهٌ بشرف الزوال كما ينبئ عنه قولهم
﴿وَإِنَّا إِن شَاء الله لَمُهْتَدُونَ﴾ مؤكداً بوجوه من التوكيد أي لمهتدون بما سألنا من البيان الى الأمور بذبحها وفي الحديث لولم يستثنوا لما بُيِّنَتْ لهم آخرَ الأبد
стр. 188
﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَاّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الارض وَلَا تَسْقِى الحرث﴾ أي لم تُذلَّلْ للكِراب وسقى الحرث ولا ذلول صفةٌ لبقرةٌ بمعنى غير ذلول ولا الثانية لتأكيد الأولى والفعلان صفتا ذلول كأنه قيل لا ذلولٌ مثيرةٌ وساقية وقرئ لا ذلول بالفتح أي حيث هي كقولك مررت برجل لا بخيلٍ ولا جبان أي حيث هو وقرئ تُسْقي من أسقى
﴿مُّسَلَّمَةٌ﴾ أي سلَّمها الله تعالى من العيوب أو أهّلها من العمل أو خلص لها لونها من سَلِم له كذا إذا خَلَص له ويؤيده قوله تعالى
﴿لَاّ شِيَةَ فِيهَا﴾ أي لا لونَ فيها يخالف لونَ جلدِها حتى قَرْنُها وظِلْفُها وهي في الأصل مصدرُ وشاه وشّياً وشِيةً إذا خلَط بلونه لوناً آخر
﴿قالوا﴾ عند ما سمعوا هذه النعوت
﴿الآن جئت بالحق﴾ أي بحقيقة وصفِ البقرةِ بحيث ميَّزْتها عن جميع ما عداها ولم يبقَ لنا في شأنها اشتباهٌ أصلاً بخلاف المرتين الأوليين فإن ما جئتَ به فيهما لم يكن في التعيين بهذه المرتبة ولعلهم كانوا قبلَ ذلك قد رأَوْها ووجدوها جامعةً لجميع ما فُصِّل من الأوصاف المشروحةِ في المرات الثلاثِ من غير مشارِكٍ لها فيما عُدَّ في المرَّةِ الأخيرةِ وإلا فمن أين عرَفوا اختصاصَ النعوت الأخيرةِ بها دون غيرها وقرئ الآنَ بالمد على الاستفهام والآنَ بحذف الهمزةِ وإلقاءِ حركتِها على اللام
﴿فَذَبَحُوهَا﴾ الفاء فصيحة كما في فانفجَرت أي فحصّلوا البقرةَ فذبحوها
﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ كاد
стр. 189
البقرة (٧٢)
من أفعال المقاربة وُضع لدنوِّ الخبر من الحصول والجملةُ حالٌ من ضمير ذبحوا أي فذبحوها والحال إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ بمعزل منه أو اعتراضٌ تذييلي ومآلُه استثقالُ استعصائِهم واستبطاءٌ لهم وأنهم لفَرْط تطويلِهم وكثرةِ مراجعاتِهم ما كاد ينتهي خيط اسهابهم فيها قيل مضى من أول الأمرِ إلى الامتثال اربعون سنة وقيل وما كادوا يفعلون ذلك لغلاء ثمنها رُوي أنَّهُ كانَ في بني إسرائيلَ شيخٌ صالح له عجلة فأني بها الغَيْضة وقال اللهم اني استودعتكها لا بني حتى يكبَرَ وكان برّاً بوالدَيه فتُوفِّيَ الشيخُ وشبَّتِ العِجْلة فكانت من أحسن البقرِ وأسمنِها فساوَموها اليتيمَ وأمَّه حتى اشتَرَوْها بملء مَسْكِها ذهباً لمّا كانت وحيدةً بالصفات المذكورة وكانت البقرةُ إذ ذاك بثلاثة دنانيرَ واعلم أنه لا خلافَ في أن مدلولَ ظاهرِ النظمِ الكريم بقرةٌ مطلقةٌ مُبْهمة وأن الامتثالَ في آخرِ الأمرِ إنما وقعَ بذبح بقرةٍ معيّنة حتى لو ذبحوا غيرَها ما خَرَجوا عن عُهدة الأمرِ لكن اختُلفَ في أن المرادَ المأمورُ به إثرَ ذي أثيرٍ هل هي المعينةُ وقد أُخِّر البيانُ عن وقت الخطاب أو المبهمةُ ثم لَحِقها التغييرُ إلى المعيَّنة بسبب تثاقلِهم في الامتثال وتماديهم في التعمق والاستكشاف فذهب بعضُهم إلى الأول تمسكاً بأن الضمائرَ في الأجوبة أعني أنها بقرةٌ إلى آخر للمعيَّنة قطعاً ومن قضيتِه أن يكونَ في السؤال أيضاً كذلك ولا ريبَ في أن السؤالَ إنما هو عن البقرة المأمور بذبحها فتكونُ هي المعينةُ وهو مدفوعٌ بأنهم لما تعجّبوا من بقرة ميتةٍ يضرب ببعضها ميت فيحيا ظنُّوها معيّنةً خارجةً عما عليه الجنسُ من الصفات والخواصِّ فسألوا عنها فرجعت الضمائرُ إلى المعيَّنة في زعمهم واعتقادِهم فعيّنها الله تعالى تشديداً عليهم وإن لم يكن المرادُ من أول الأمرِ هي المعينة والحقُّ أنها كانت في أول الأمر مُبْهمةً بحيث لوذبحوا أيةَ بقرةٍ كانت لحصل الامتثالُ بدِلالة ظاهرِ النظم الكريمِ وتكرير الأمرِ قبل بيان اللون وما بعدَه من كونها مسلّمةً الخ وقد قال ﷺ لو اعترَضوا أدنى بقرةٍ فذبحوها لكفَتْهم ورُوي مثلُه عن رئيس المفسرين عبد الله بن عباس ﵄ ثم رجع الحكمُ الأولُ منسوخاً بالثاني والثاني بالثالث تشديداً عليهم لكنْ لا على وجهِ ارتفاعِ حكمِ المُطْلقِ بالكلية وانتقالِه إلى المعيّن بل على طريقة تقييده وتخصصه به شيئاً فشيئاً كيف لا ولو لم يكُن كذلكَ لما عُدّت مراجعاتُهم المَحْكيةُ من قَبيل الجنايات بل من قبيل العبادة فإن الامتثالَ بالأمر بدون الوقوفِ على المأمورَ به مما لا يكاد يتسنّى فتكونُ سؤالاتُهم من باب الاهتمام بالامتثال
стр. 190
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ منصوبٌ بمُضْمر كما مرت نظائرُه والخطابُ لليهود المعاصِرين لرسول الله ﷺ وإسنادُ القتلِ والتدارُؤ إليهم لما مر من نسبة جنايات الأسلاف إلى الأخلاف توبيخاً وتقريعاً وتخصيصُهما بالإسناد دون ما مر من هناتهم لظهور قُبْحِ القتلِ وإسناده إلى الغير أي اذكروا وقت قتلِكم نفساً محرمة ﴿فادارأتم فِيهَا﴾ أي تخاصمتم في شأنها إذ كلُّ واحد من الخصماء يدافع الآخرَ أو تدافعتم بأن طرَح كلُّ واحد قتلها إلى آخر وأصله ئداراتم فأدغمت التاءُ في الدال واجتُلبت لها همزةُ الوصل
﴿والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ أي مظهر لما تكتمونه لا محالة والجمعُ
стр. 191
البقرة (٧٣)
بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار وإنما أُعمِلَ مُخرجٌ لأنه حكايةُ حالٍ ماضية
стр. 192
﴿فَقُلْنَا اضربوه﴾ عطف على فادار اتم وما بينهما اعتراضٌ والالتفاتُ لتربية المهابةِ والضميرُ للنفس والتذكيرُ باعتبار أنها عبارةٌ عن الرجل أو بتأويل الشخصِ أو القتيل
﴿بِبَعْضِهَا﴾ أيْ ببعض البقرة أيِّ بعضٍ كان وقيل بأصغَرَيها وقيل بلسانها وقيل بفخِذِها اليُمنى وقيل بأذُنها وقيل بعُجبها وقيل بالعظم الذي يلي الغُضْروف وهذا أولُ القصة كما ينبئ عنه الضمير الراجعُ إلى البقرة كأنه قيل وإذ قتلتم نفسا فادار اتم فيها فقلنا اذبحوا بقرةً فاضرِبوه ببعضها وإنما غُيّر الترتيبُ عند الحكاية لتكرير التوبيخِ وتثنيةِ التقريعِ فإن كلَّ واحدٍ من قتل النفس المحرَّمة والاستهزاءِ برسولِ الله ﷺ والافتياتِ على أمره وتركِ المسارعةِ إلى الامتثال به جنايةٌ عظيمة حقيقة بأن تنعى عليهم بحيالها ولو حُكيت القصةُ على ترتيب الوقوعِ لما علم استقلالُ كلَ منها بما يُخَصُّ بها من التوبيخ وإنما حُكي الأمر بالذبح عن موسى ﵇ مع انه من الله كالأمر بالضرب لما أن جناياتِهم كانت بمراجعتهم إليه ﵇ والافتياتِ على رأيه
﴿كذلك يحيي الله الموتى﴾ على إرادة قولٍ معطوفٍ على مقدَّر ينسحب عليه الكلام أي فضرَبوه فحَيِيَ وقلنا كذلك يُحيي الخ فحذفت الفاءُ الفصيحة في فحِييَ مع ما عطف بها وما عُطف هو عليه لدلالة كذلك على ذلك فالخطابُ في كذلك حينئذ للحاضرين عند حياة القتيل ويجوزُ أنْ يكونَ ذلكَ للحاضرين عند نزولِ الآيةِ الكريمة فلا حاجةَ حينئذٍ إلى تقدير القولِ بل تنتهي الحكايةُ عند قوله تعالى ببعضها مع ما قُدّر بعده فالجملة معترضة أي مثلَ ذلك الإحياءِ العجيبِ يُحيي الله الموتى يوم القيامه
﴿ويريكم آياته﴾ ودلائلَه الدالةَ على أنِه تعالَى على كُلِّ شئ قدير ويجوز أن يُراد بالآياتِ هذا الإحياءُ والتعبيرُ عنه بالجمع لاشتماله على أمورٍ بديعةٍ من ترتّب الحياة على عضو ميتٍ وإخبارِه بقاتله وما يلابسه من الأمور الخارقة للعادة
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي لكي تكمُلَ عقولُكم وتعلموا أن من قدَرَ على إحياء نفسٍ قدَر على إحياء الأنفس كلها أو تعلم على قضية عقولِكم ولعل الحكمة في اشتراط ما اشتُرط في الإحياء مع ظُهور كمالِ قُدرته على إحيائه ابتداءً بلا واسطة أصلاً اشتمالُه على التقربِ إلى الله تعالى وأداءِ الواجب ونفعِ اليتيم والتنبيهُ على برَكة التوكلِ على الله تعالى والشفقةِ على الأولاد ونفعِ برِّ الوالدين وأن من حق الطالب أن يقدّم قُربة ومن حق المتقرِّب أن يتحرَّى الأحسن ويغاليَ بثمنه كما يُروى عن عمر ﵁ أنَّه ضحّى بنَجيبةٍ اشتراها بثلثمائة دينار وأن المؤثرّ هو الله تعالى وإنما الأسبابُ أَماراتٌ لا تأثيرَ لها وأن من رام أن يعرف أعدى عدوِّه الساعي في إماتتِه الموتَ الحقيقيَّ فطريقُه أن يذبَحَ بقرةَ نفسِه التي هي قوتُه الشهويةُ حين زال عنها شَرَهُ الصِّبا ولم يلحَقها ضَعف الكِبَر وكانت معجِبةً رائقةَ المنظرَ غيرَ مذللةٍ في طلب الدنيا مسلَّمةً عن دنسها لا سمة بها من قبائحها بحيث يتَّصلُ أثرُه إلى نفسه فيحيا بها حياةً طيبةً ويُعربَ عما به ينكشف الحالُ ويرتفعُ ما بين العقل والوهم من التدارُؤ والجدال
стр. 193
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ الخطاب لمعاصري النبيِّ ﷺ والقسوةُ عبارةٌ عن الغِلَظ والجفاء والصَّلابة كما في الحَجَر استُعيرت لنُبوِّ قلوبهم عن التأثر
стр. 194
البقرة (٧٤)
بالعِظات والقوارعِ التي تميعُ منها الجبالُ وتلينُ بها الصخور وإيرادَ الفعل المفيدِ لحدوث القساوة مع أن قلوبَهم لم تزل قاسيةً لما أن المراد بيان بلوغِهم إلى مرتبةٍ مخصوصةٍ من مراتبِ القساوة حادثةٍ وإما لأن الاستمرارَ على سئ بعد ورود ما يوجب الإقلاعَ عنه أمرٌ جديد وصنع حادث وثم لاستبعاد القسوةِ بعد مشاهدةِ ما يُزيلها كقوله تعالى ﴿ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾
﴿مِن بَعْدِ ذلك﴾ إشارة إلى ما ذكر من إحياء القتيلِ أو إلى جميع ما عُدِّد من الآيات الموجبة للين القلوب وتوجيهها نحوَ الحقِّ أيْ من بعد سماعِ ذلك وما فيه من معنى البعدِ للإيذان ببُعد منزلتِه وعلوِّ طبقتِه وتوحيدُ حرفِ الخطاب مع تعدُّد المخاطبين إما بتأويل الفريقِ أو لأن المرادَ مجردُ الخطاب لا تعيينُ المخاطَب كما هو المشهور
﴿فَهِىَ كالحجارة﴾ في القساوة
﴿أَوْ أَشَدَّ﴾ منها
﴿قَسْوَةً﴾ أي هي في القسوة مثلُ الحجارة أو زائدةٌ عليها فيها أو أنها مثلُها أو مثلُ ما هو أشدُّ منها قسوة كالحديد وحذف المضافُ وأُقيمَ المضافُ إليهِ مُقامه ويعضُده القراءة بالجر عطفاً على الحجارة وإيرادُ الجملة اسميةً مع كون ما سبق فعليةً للدلالة على استمرارِ قساوةِ قلوبهم والفاء إما لتفريع مشابَهتِها لها على ما ذكر من القساوة تفريعَ التشبيه على بيان وجه الشبه في قولك أحمرُ خدُّه فهو كالورد وإما للتعليلِ كَما في قولِكَ اعبُدْ ربَّكَ فالعبادةُ حقٌّ له وإنما لم يقل أو أقسى منها لما في التصريح بالشدة من زيادةِ مبالغةٍ ودلالةٍ ظاهرة على اشتراك القسوتين في الشدة واشتمالِ المفضَّل على زيادة وأو للتخيير أو للترديدِ بمعنى أن مَنْ عرَفَ حالَها شبَّهها بالحجارة أو بما هو أقسى أو من عَرَفها شبهها بالحجارة أو قال هي أقسى من الحجارة وترْكُ ضميرِ المفضَّل عليه للأمن من الالتباس
﴿وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الانهار﴾ بيانٌ لأشَدِّية قلوبِهم من الحجارة في القساوة وعدمِ التأثر واستحالةِ صدورِ الخيرِ منها يعني أن الحجارةَ ربما تتأثر حيث يكون منها ما يتفجر منه المياهُ العظيمة
﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ﴾ أي يتشقق
﴿فَيَخْرُجُ مِنْهُ الماء﴾ أي العيونُ
﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله﴾ أي يتردَّى من الأعلى إلى الأسفل بقضية ما أودعه الله فيها من الثِقل الداعي إلى المرْكز وهو مجازٌ من الانقياد لأمره تعالى والمعنى أن الحجارةَ ليس منها فردٌ إلا وهو منقادٌ لأمره عز وعلا آتٍ بما خُلق له من غير استعصاء وقلوبُهم ليست كذلك فتكونُ أشدَّ منها قسوةً لا محالة واللام في لَما لامُ الابتداء دخلت على اسم إن لتقدم الخبر وقرئ أن على أنَّها مُخفّفة مِن الثقيلة واللامُ فارقةٌ وقرئ يهبُط بالضم
﴿وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ عن متعلقة بغافل وما موصلة والعائدُ محذوف أو مصدرية وهو وعيدٌ شديد على ما هم عليه من قساوة القلوب وما يترتبُ عليها من الأعمال السيئة وقرئ بالياء على الالتفات وقوله تعالى
стр. 195
البقرة (٧٥)
стр. 196
﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ تلوينٌ للخطاب وصرْفٌ له عن اليهود إثرَ ما عدت هناتهم ونُعيتْ عليهم جناياتُهم إلى النبيِّ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ من المؤمنينَ والهمزةُ لإنكار الواقِع واستبعادِه كما في قولك أتضرب أباك لا لإنكار الوقوعِ كما في قوله أأضرِب أبي والفاء للعطف على مقدّرٍ يقتضيه المقامُ ويستدعيه نظامُ الكلام لكن لا على قصد توجيهِ الإنكارِ إلى المعطوفين معاً كما في أفلا تبصرون على تقدير المعطوفِ عليه منفياً أي ألا تنظُرون فلا تبصرونَ فالمُنْكَر كلا الأمرين بل إلى ترتب الثاني على الأول مع وجوب أن يترتبَ عليه نقيضُه كما إذا قُدِّر الأول مُثْبتاً أي أتنظرون فلا تبصرون فالمنْكَر ترتُّبُ الثاني على الأول مع وجوب أن يترتبَ عليه نقيضه أي أتسمعون أخبارَهم وتعلمون أحوالَهم فتطمعون ومآلُ المعنى أبَعْدَ أنْ علِمتم تفاصيلَ شؤونِهم المُؤْيِسةِ عنهم تطمعون
﴿أَن يُؤْمِنُواْ﴾ فإنهم متماثلون في شدة الشكيمةِ والأخلاقِ الذميمة لا يتأتى من أخلاقهم إلا مثلُ ما أتى من أسلافِهم وأنْ مصدريةٌ حذف عنها الجارُّ والأصلُ في أن يؤمنوا وهيَ مع ما في حيزها في محل النصبِ أو الجرِّ على الخلاف المعروف واللام في لَكُمْ لتضمين معنى الاستجابة كما في قوله ﴿فآمن لَهُ لُوطٌ﴾ أي في إيمانهم مستجيبين لكم أو للتعليل أي في أن يُحدثوا الإيمان لأجل دعوتِكم وصلةُ الإيمان محذوفةٌ لظهور أن المرادَ به معناه الشرعيُّ وستقف على ما فيه من المزية بإذن الله تعالى
﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ﴾ الفريقُ اسمُ جمع لا واحد له من لفظه كالرهط والقوم والجار والمجرور في محل الرفعِ أي فريق كائنٌ منهم وقوله تعالى
﴿يَسْمَعُونَ كلام الله﴾ خبرُ كان وقرئ كلِمَ الله والجملة حاليةٌ مؤكِّدة للإنكار حاسمةٌ لمادة الطمَع مثلُ أحوالِهم الشنيعةِ المحْكيةِ فيما سلف على منهاج قوله ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ بعد قوله تعالى ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِى﴾ أي والحالُ أن طائفةً منهم قال ابن عباس ﵄ هم قومٌ من السبعين المختارين للميقات كانوا يسمعون كلامَه تعالى حين كلَّم مُوسى ﵇ بالطور وما أُمِرَ به ونُهيَ عنه
﴿ثُمَّ يُحَرّفُونَهُ﴾ عن مواضعه لا لقصورِ فهمِهم عن الإحاطة بتفاصيله على ما ينبغي لاستيلاء الدهشةِ والمهابةِ حسبما يقتضيه مقامُ الكبرياء بل
﴿مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ أي فهِموه وضبَطوه بعقولهم ولم تبقَ لهم في مضمونه ولا في كونه كلامَ ربِّ العزةِ رِيبةٌ أصلاً فلما رجَعوا إلى قومهم أدّاه الصادقون إليهم كما سمعوا وهؤلاء قالوا سمعنا الله تعالى يقول في آخر كلامه إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياءَ فافعلوا وإن شئتم فلا تفعلوا فلا بأس فثُم للتراخِي زماناً أو رتبةً وقال القفال سمِعوا كلامَ الله وعقَلوا مرادَه تعالى منه فأوّلوه تأويلاً فاسداً وقيل هم رؤساءُ أسلافِهم الذين تولَّوْا تحريفَ التوراة بعد ما أحاطوا بما فيها علماً وقيل هم الذين غيروا نعت النبيِّ ﷺ في عصره وبدّلوا آيةَ الرجْم ويأباه الجمعُ بينَ صيغتي المَاضِي والمستقبل الدالِّ على وقوع السماعِ والتحريفِ فيما سلف الاأن يُحملَ ذلك على تقدّمه على زمانِ نزولِ الآية الكريمةِ لا على تقدمه على عهدِه ﵊ هذا والأول هو الأنسبُ بالسماع والكلام إذ
стр. 197
البقرة (٧٦)
التوراةُ وإن كانت كلامَ الله عز وعلا لكنها باسم الكتاب أشهرُ وأثرُ التحريفِ فيه أظهر ووصفُ اليهودِ بتلاوتها أكثر لا سيما رؤساؤُهم المباشرون للتحريف فإن وظيفتهم التلاوةُ دون السماع فكان الأنسبَ حينئذ أن يقالَ يتلون كتابَ الله تعالى فالمعنى أفتطمعون في أن يؤمنَ هؤلاءِ بواسطتكم ويستجيبوا لكم والحالُ أن أسلافَهم الموافقين لهم في خِلال السوءِ كانوا يسمعون كلامَ الله بلا واسطةٍ ثم يحرِّفونه من بعد ما علِموه يقيناً ولا يستجيبون له هيهاتَ ومن ههنا ظهر ما في إيثار لكم على بالله من الفخامة والجزالة وقوله
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ جملةٌ حاليةٌ من فاعلِ يحرّفونه مفيدةٌ لكمال قباحةِ حالِهم مُؤْذِنةٌ بأن تحريفَهم ذلك لم يكن بناءً على نسيان ما عقَلوه أو على الخطأ في بعض مقدِّماته بل كان ذلك حالَ كونهم عالمين مستحضِرين له اووهم يعلمون أنهم كاذبون ومفترون
стр. 198
﴿وَإِذَا لَقُواْ﴾ جملةٌ مستأنفة سيقتْ إثرَ بيانِ ما صدر عن أشباههم لبيان ما صدرَ عنهم بالذات من الشنائع المُؤْيسةِ عن إيمانهم من نفاق بعضٍ وعتابِ آخَرين عليهم أو معطوفةٌ على ما سبق من الجلمة الحالية والضميرُ لليهود لما ستقف على سره لالمنافقيهم خاصةً كما قيل تحرّياً لاتحاد الفاعل في فعلي الشرط والجزاءِ حقيقةً
﴿الذين آمنواْ﴾ من أصحاب النبيِّ ﷺ
﴿قالوا﴾ أي الاقون لكن لا بطريق تصدّي الكلِّ للقول حقيقةً بل بمباشرة منافقهم وسكوتِ الباقين كما يقال بنُو فلان قتلُوا فُلاناً والقاتلُ واحدٌ منهم وهذا أدخلُ في تقبيح حال الساكتين أولاً العاتبين ثانياً لما فيهِ منَ الدلالةِ على نفاقهم واخلاف أحوالهم وتناقضِ آرائهم من إسناد القول إلى المباشرين خاصةً بتقدير المضافِ أي قال منافقوهم
﴿آمنا﴾ لم يقتصروا على ذلك بل عللوه بأنهم وجدوا نعتَ النبيِّ ﷺ في التوراة وعلموا أنه النبيُّ المبشَّر به وإنما لم يصرَّحْ به تعويلاً على شهادة التوبيخِ الآتي
﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ﴾ أي بعض المذكورين وهم الساكتون منهم أي إذا فرَغوا من الاشتغال بالمؤمنين متوجِّهين ومنضمَّين
﴿إلى بَعْضِ﴾ آخرَ منهم وهم منافقوهم بحيث لم يبقَ معهم غيرُهم وهذا نصٌّ على اشتراك الساكتين في لقاء المؤمنين كما أشير إليه آنفاً إذِ الخلوُّ إنما يكون بعد الاشتغال ولأن عتابَهم معلقٌ بمحض الخلوِّ ولولا أنهم حاضرون عند المقاولة لوجب أن يُجعلَ سماعُهم لها من تمام الشرط ولأن فيه زيادةَ تشنيعٍ لهم على ما أتَوْا من السكوت ثم العتاب
﴿قَالُواْ﴾ أي الساكتون موبّخين لمنافقيهم على ما صنعوا
﴿أَتُحَدّثُونَهُم﴾ يعنون المؤمنين
﴿بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ﴾ ما موصولةٌ والعائدُ محذوفٌ أي بيَّنه لكم خاصةً في التوراة من نعْت النبيِّ ﷺ والتعبيرِ عنه بالفتْح للإيذان بأنه سرٌّ مكنونٌ وباب مغلَقٌ لا يقف عليه أحدٌ وتجويزُ كونِ هذا التوبيخ من جهة المنافقين لأعقابهم إراءةً للتصلُّب في دينهم كما ذهب إليه عصابةٌ مما لا يليق بشأن التنزيل الجليلِ واللامُ في قولِه
﴿لِيُحَاجُّوكُم بِهِ﴾ متعلقةٌ بالتحديث دون الفتح والمرادُ تأكيدُ النكير وتشديدُ التوبيخ فإن التحديثَ بذلك وإن كان مُنْكراً في نفسه لكن التحديثَ به لأجل هذا الغرض
стр. 199
البقرة (٧٧)
مِمَّا لا يكادُ يصدُرُ عن العاقل أي أتحدِّثونهم بذلك ليحتجوا عليكم فيُبَكِّتوكم والمحدّثون به وإن لم يحوموا حولَ ذلك الغرضِ لكن فعلَهم ذلك لما كان مستتبِعاً له ألبتة جُعلوا فاعلين للغرض المذكور وإظهارا لكمال سخافةِ عقولِهم وركاكةِ آرائِهم
﴿عِندَ رَبّكُمْ﴾ أي في حُكمه وكتابه كما يقال هو عند الله كذا إى في يدفعه إذ هم عالمون بأنهم محجوجون يومئذ حدَّثوا به أو لم يحدثوا والاعتذار إلزام المؤمنين كتابه وشرعه وقيل عند ربكم يومَ القيامة ورُدَّ عليه بأن الإخفاءَ لا إياهم وتبكيتَهم بأن يقولوا لهم ألم تحدِّثونا بما في كتابكم في الدنيا من حقّية دينِنا وصدقِ نبيِّنا أفحشُ فيجوز أن يكون المحذورُ عندهم هذا الإلزامَ بإرجاع الضمير في به إلى التحديث دون المحدَّث به ولا ريب في أنه مدفوعٌ بالإخفاء لا تسادعه الآية الكريمة الايتة كما ستقف عليه بإذنِ الله
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ من تمام التوبيخ والعتابِ والفاءُ للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي أَلَا تلاحظونَ فلا تعقِلون هذا الخطأَ الفاحشَ أو شيئاً من الأشياء التي من جملتها هذا فالمنْكرُ عدمُ التعقُّل ابتداءً أو أتفعلون ذلك فلا تعقلون بُطلانَه مع وضوحة حتى تحتاجون إلى التنبيه عليه فالمنكرُ حينئذ عدمُ التعقل بعد الفعل هذا وأمَّا مَا قيلَ من أنه خطابٌ من جهة الله سبحانه للمؤمنين متصلٌ بقوله تعالى ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ والمعنى أفلا تعقلون حالَهم وأن لا مطْمَعَ لكم في إيمانهم فيأباه قولُه تعالى
стр. 200
﴿أَوْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فإنه إلى آخره تجهيلٌ لهم من من جهته تعالى فيما حكى عنهم فيكون إيرادُ خطاب المؤمنين في أثنائه من قبيل الفصل بين الشجرِ ولِحائِه على أن في تخصيص الخطاب بالمؤمنين من التعسف وفي تعميمِه للنبي أيضا ﷺ كما في أفتطمعون من سوء الأدب مالا يخفى والهمزةُ للإنكار والتوبيخ كما قبلها والواوُ للعطفِ على مقدرٍ ينساق إليه الذهنُ والضميرُ للموبَّخين أي أيلومونهم على التحديث المذكورِ مخافةَ المُحاجَّةِ ولا يَعْلَمُونَ
﴿أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ أي يُسرُّونه فيما بينهم من المؤمنين أو ما يضمرونه في قلوبهم فيثبتُ الحكمُ في ذلك بالطريق الأولى ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أي يظهرونه للمؤمنين لأصحابهم حسبما سبق فحينئذ يظهر الله تعالى ما أرادوا إخفاءَه بواسطة الوحى إلى النبيِّ ﷺ فتحصُلُ المحاجَّة ويقعُ التبكيت كما وقع في آية الرجم وتحريمِ بعضِ المحرماتِ عليهم فأيُّ فائدةٍ في اللوم والعتاب ومن ههنا تبين أن المحذور عندهم هو المُحاجّة بما فتحَ الله عليهم وهي حاصلةٌ في الدارَيْن حدَّثوا به أم لا لا بالتحديث به حتى يندفعَ بالإخفاء وقيل الضميرُ للمنافقين فقط أولهم وللموبَّخين أو لآبائهم المحرِّفين أي أيفعلون ما يفعلون ولا يَعْلَمُونَ أَنَّ الله يَعْلَمُ جميعَ مَا يُسِرُّون وَمَا يُعْلِنُونَ ومن جملته إسرارُهم الكفرَ وإظهارُهم الإيمانَ وإخفاءُ ما فتح الله عليهم وإظهارُ غيرِه وكتمُ أمرِ الله وإظهارُ ما أظهروه افتراءً وإنما قُدم الإسرارُ على الإعلان للإيذانِ بافتضاحِهِم ووقوعِ ما يحذَرونه من أولِ الأمرِ والمبالغةِ في بيانِ شمولِ علمِه المحيطِ لجميعِ المعلوماتِ كأنَّ علمَه بما يُسرونه أقدمُ منه بما يعلنونه مع كونِهِما في الحقيقةِ على السويةِ فإنَّ علمَه تعالَى بمعلوماتهِ ليسَ بطريقِ حصولِ صُورِها بل وجودُ كلِّ شئ في نفسِه عِلْمٌ بالنِّسبةِ إليه تعالى وفي
стр. 201
البقرة (٧٨)
هذا المعنى لا يختلفُ الحال بين الشياء البارزةِ والكامنةِ ونظيره قولُه عز وعلا ﴿قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ الله﴾ حيث قُدم فيه الإخفاءُ على الإبداء لما ذُكر من السر على عكس ما وقع في قوله تعالى ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله﴾ فإن الأصلَ في تعلق المحاسبة به هو الأمورُ الباديةُ دون الخافية ويجوزُ أنْ يكونَ ذلكَ باعتبار أن مرتبةَ السرِّ متقدمةٌ على مرتبة العلنِ إذ ما من شئ يُعلَنُ إلا وهُو أو مباديهِ قبل ذلك مضمرٌ في القلبِ يتعلقُ بهِ الإسرارُ غالباً فتعلُقُ علمِه تعالَى بحالتِهِ الأُولى متقدمٌ على تعلقهِ بحالتِهِ الثانية
стр. 202
﴿ومنهم أميون﴾ وقرئ بتخفيف الياء جمع أُمِّيّ وهو من لا يقدرُ على الكتابة والقراءة واختُلف في نسبته فقيل إلى الأم بمعنى أنه شبيهٌ بها في الجهل بالكتابة والقراءة فإنهما ليستا من شئوون النساء بل من خِلال الرجال أو بمعنى أنه على الحالة التي ولدتْه أمُه في الخلوِّ عن العلم والكتابة وقيل إلى الأُمّة بمعنى أنه باقٍ على سذاجتها خالٍ عن معرفة الأشياء كقولهم عامّي أي على عادة العامة روي عن عكرمة والضحاك أن المراد بهم نصارى العربِ وقيل هم قومٌ من أهل الكتاب رُفع كتابُهم لذنوب ارتكبوها فصاروا أمّيين وعَنْ عليَ رضيَ الله تعالى عنه هم المجوسُ والحقُّ الذي لا محيدَ عنه أنهم جَهلةُ اليهودِ والجملةُ مستأنفةٌ مَسوقةٌ لبيان قبائحِهم إثرَ بيانِ شنائعِ الطوائفِ السالفة وقيل هي معطوفةٌ على الجملة الحالية وما بعدها فإن الجهل بالكتاب في منافاة الإيمان ليس بمثابة تحريفِ كلامِ الله بعد سماعِه والعلمِ بمعانيه كما وقع من الأولين أو النفاق والنهي عن إظهار ما في التوراة كما وقع من الفِرقتين الأخْرَيين أي ومنهم طائفةٌ جهَلةٌ غيرُ قادرين على الكتابة والتلاوة
﴿لَا يَعْلَمُونَ الكتاب﴾ أي لا يعرِفون التوراةَ ليطالعوها ويتحقَّقوا ما في تضاعيفها من دلائل النبوة فيؤمنوا وحَملُ الكتاب على الكتابة يأباه سباقُ النظم الكريم وسياقُه
﴿إِلَاّ أَمَانِىَّ﴾ بالتشديد وقرئ بالتخفيف جمع أمنية أصلُها أُمنُوية أفعولة من منَّى قدِّر أو بمعنى تلا كَتَمَنَّى في قوله ... تمنَّى كتاب الله أو ليله ...
فأُعلَّت إعلالَ سيِّد وميِّت ومعناها على الأول ما يقدّره الإنسان في نفسه ويتمناه وعلى الثاني ما يتلوه وعلى التقديرين فالاستثناءُ منقطع إذ ليس ما يُتمنَّى وما يُتلى من جنس علم الكتاب أي لا يعلمون الكتابَ لكن يتمنَّوْن أمانيَّ حسبما منَّتْهم أحبارُهم من أن الله سبحانه يعفو عنهم وأن آباءَهم الأنبياءَ يشفعون لهم وغيرُ ذلك من أمانيهم الفارغةِ المستندة إلى الكتاب على زعم رؤسائِهم أو لا يعلمون الكتابَ لكن يتلقَّوْنه قدْرَ ما يُتلى عليهم فيقْبَلونه من غير أن يتمكنوا من التدبر فيه وأما حملُ الأمانيَّ على الأكاذيبِ المختلفة على الإطلاق من غير أن يكون لها ملابسةٌ بالكتاب فلا يساعدُه النظمُ الكريمُ
﴿وَإِنْ هُمْ إِلَاّ يَظُنُّونَ﴾ ما هُم إلا قومٌ قُصارى أمرِهم الظنُّ والتقليدُ من غير أن يصِلوا إلى رتبة العلمِ فأنَّى يرجى منهم الإيمانُ المؤسَّسُ على قواعد اليقينِ ولما بين حالَ هؤلاء في تمسكهم بحبال الأمانيّ واتباعِ الظن عقَّب ببيان حال الذين أو قعوهم في تلك الورطةِ وبكشف كيفية إضلالِهم وتعيين مرجعِ بالآخر فقيل على وجه الدعاء
стр. 203
البقرة (٧٩)
عليهم
стр. 204
﴿فَوَيْلٌ﴾ هو وأمثالُه من ويحٍ وويسٍ وويبٍ وويهٍ وويكٍ وعوْلٍ من المصادر المنصوبة بأفعال من غير لفظها لا يجوز إظهارُها البتة فإن أضيف نُصب نحو ويلك وويحك عن الإضافة رُفع نحوُ ويلٌ له ومعنى الويلِ شدةُ الشر قاله الخليل وقال الأصمعيُّ الويلُ التفجُّع والويحُ الترحُّم وقال سيبويه ويلٌ لمن وقع في الهَلَكة وويحٌ زجرٌ لمن أشرف على الهلاك وقيل الويلُ الحزن وهل ويح وويب وويس بذلك المعنى أو بينه وبينها فرق وقيل ويل في الدعاء عليه وويح وما بعده في الترحم عليه وقالَ ابنُ عباسٍ ﵄ الويلُ العذاب الأليم وعن سفيان الثوري أنه صديدُ أهلِ جهنم ورَوى أبو سعيدٍ الخدريُّ رضيَ الله تعالى عنه عنِ النبيِّ ﷺ أنه قال الويلُ وادٍ في جهنمَ يهوي فيه الكافرُ أربعينَ خريفاً قبل أنْ يبلُغ قَعْرَه وقال سعيد ابن المسيب إنه وادٍ في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لماعت من شدة حرِّه وقال ابن بريدة جبلُ قيحٍ ودمٍ وقيل صهريج في جهنم وحكى الزهراوي أنه باب من أبواب جهنم وعلى كل حالٍ فهو مبتدأً خبرُه قوله عز وعلا
﴿لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب﴾ أي المحرَّفَ أو ما كتبوه من التأويلات الزائغة
﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ تأكيدٌ لدفع توهمِ المجاز كقولك كتبتُه بيميني
﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هذا﴾ أي جميعاً على الأول وبخصوصه على الثاني
﴿مِنْ عِندِ الله﴾ رُوي أن أحبارَ اليهودِ خافوا ذهابَ مآكلِهم وزوالَ رياستهم حين قدِم النبيِّ ﷺ المدينةَ فاحتالوا في تعويق أسافلِ اليهودِ عن الإيمان فعمَدوا إلى صفة النبيِّ ﷺ في التوراة وكانت هي فيها حسنُ الوجهِ حسَنُ الشعر اكحل العينيين رَبْعةٌ فغيّروها وكتبوا مكانها طوُالٌ أزرقُ سِبَطُ الشعر فإذا سألَهم سَفَلتُهم عن ذلك قرءوا عليهم ما كتبوا فيجدونه مخالف لصفته ﵇ فيكذِّبونه وثم للتراخي الرتبيّ فإن نسبةَ المحرف والتأويل الزايغ إلى الله سبحانه صريحاً أشدُّ شناعةً من نفس التحريفِ والتأويلِ
﴿لِيَشْتَرُواْ بِهِ﴾ أي يأخذوا لأنفسهم بمقابلته
﴿ثَمَناً﴾ هو ما أخذوه من الرشى بمقابلة ما فعلوا من التحريف والتأويل وإنما عُبر عن المشتري الذي هو المقصودُ بالذات في عقد المعاوضة بالثمن الذي هو وسيلةٌ فيه إيذاناً بتعكيسهم حيث جعلوا المقصود بالذات وسيلة والوسيلة بالذات
﴿قَلِيلاً﴾ لا يُعبأ به فإن ذلك وإن جل في نفسه فهو أقلُّ قليلاً عندما استوجبوا به من العذاب الخالد
﴿فَوَيْلٌ لَّهُمْ﴾ تكريرٌ لما سبق للتأكيد وتصريحٌ بتعليله بما قدمت أيديهم بعد الإشعار به فيما سلف بإيراد بعضِه في حيِّز الصلةِ وبعضِه في معرِضِ الغرض والفاءُ للإيذان بترتُّبه عليه ومن في قولِه
﴿مّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ تعليليةٌ متعلقةٌ بويل أو بالاستقرار في الخبر وما موصولةٌ اسميةٌ والعائدُ محذوف أي كتَبَتْه أو مصدرية والأول أدخَلُ في الزجر عن تعاطي المحرَّفِ والثاني في الزجر عن التحريف
﴿وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ الكلام فيه كالذي فيما قبله والتكريرُ لما مر من التأكيد والتشديد إلى التعليل بكل من الجانبين وعدم التعرض لقولهم هذا من عند الله لما أنه من مبادي ترويجِ ما كتبت أيديهم فهو
стр. 205
البقرة (٨١ - ٨٠)
داخل في التعليل به
стр. 206
﴿وَقَالُواْ﴾ بيانٌ لبعضٍ آخرَ من جناياتهم وفصلُه عما قبله مُشعرٌ بكونه من الأكاذيب التي اختلفوها ولم يكتبوها في الكتاب
﴿لَن تَمَسَّنَا النار﴾ في الآخرة
﴿إِلَاّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾ قليلةً محصورةً عددَ أيام عبادتِهم العجلَ أربعين يوماً مُدةَ غَيْبةِ موسى ﵇ عنهم وحَكى الأصمعي عن بعض اليهود أن عدد أيام عبادتهم العجل سبعة ورُوي عن ابن عبَّاسٍ ومجاهدٍ أن اليهودَ قالوا عُمرُ الدنيا سبعةُ آلاف سنة وإنما نعذَّب بكل ألفِ سنةٍ يوماً واحداً ورَوى الضحَّاكُ عنِ ابنِ عباس رضي الله تعالى عنهما أن اليهود زعمت أنهم وجدوا في التوراة أن ما بين طرفي جهنمَ مسيرةُ أربعين سنةً إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم وأنهم يقطعون في كل مسيرةَ سنة فيكملونها
﴿قُلْ﴾ تبكيتاً لهم وتوبيخاً
﴿اتخذتم﴾ بإسقاط الهمزةِ المجتَلَبة لوقوعها في الدرج وبإظاهر الذال وقرئ بإدغامها في التاء
﴿عِندَ الله عَهْدًا﴾ خبَراً أو وعداً بما تزعمون فإن ما تدّعون لا يكون إلا بناءً على وعدٍ قوي ولذلك عَبَّر عنه بالعهد
﴿فَلَن يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ﴾ الفاءُ فصيحة معربة عن شرطٍ محذوفٍ كما في قول مَن قالَ
قالُوا خراسانُ أقْصَى ما يُراد بنا ... ثمَّ القُفولُ فقد جئنا خراسان
أي إن كان الأمر كذلك فلن يُخلِفَه والجملةُ اعتراضيةٌ وإظهارُ الاسمِ الجليل للإشعارِ بعلَّةِ الحُكم فإنَّ عدم الإخلاف من قضية الألوهية وإظهارُ العهدِ مضافاً إلى ضميره لكا ذكر أو لأنَّ المرادَ بهِ جميع عهدوه لعمومه بالإضافة فيدخل فيه العهدُ المعهودُ دخولاً أولياً وفيه تجافٍ عن التصريح بتحقق مضمونِ كلامِهم وإن كان معلقاً بما لم يكَدْ يشَمُّ رائحةَ الوجود قطعاً أعني اتخاذَ العهد
﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ مفترين
﴿عَلَى الله مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وقوعَه وإنما عُلّق التوبيخ بإسنادهم إليه سبحانه مالا يعلمون وقوعَه مع أن ما أسندوه إليه تعالى من قبيل ما يعلمون عدمَ وقوعِه للمبالغة في التوبيخ والتنكير فإن التوبيخَ على الأدنى مستلزِمٌ للتوبيخ على الأعلى بالطريق الأَوْلى وقولُهم المحكيُّ وإن لم يكن تصريحاً بالافتراء عليه سبحانه لكنه مستلزِمٌ له لأن ذلك الجزمَ لا يكون إلا بإسناد سببِه إليه تعالى وام متصلةٌ والاستفهام للتقرير المؤدي إلى التبكيت لتحقق العلمِ بالشق الأخيرِ كأنه قيل أم لم تتخذوه بل تتقوّلون عليه تعالى وإما منقطعةٌ والاستفهام لإنكار الاتخاذِ ونفيِه ومعنى بل فيها الإضرابُ والانتقال من التوبيخ بالإنكار على اتخاذ العهدِ إلى ما تفيد همزتُها من التوبيخ على التقوُّل على الله سبحانه كما في قوله ﴿قل آلله أذِنَ لكم أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ﴾
стр. 207
﴿بلى﴾ إلى آخره جوابٌ عن قولهم المحكيِّ وإبطالٌ له من جهته تعالى وبيانٌ لحقيقة الحالِ تفصيلاً في ضمن تشريعٍ كليَ شاملٍ لهم ولسائر الكَفَرة بعد إظهار كذِبِهم إجمالاً وتفويضُ ذلك إلى النبيِّ ﷺ لما أن المُحاجَّةَ والإلزامَ من وظائفه ﵇ مع ما فيه من الإشعار
стр. 208
البقرة (٨٣ - ٨٢)
بأنه أمر هين لايتوقف على التوقيف وبلى حرفُ إيجابٍ مختصٌّ بجواب النفي خبراً واستفهاماً
﴿مَن كَسَبَ سَيّئَةً﴾ فاحشةً من السيئات أي كبيرةً من الكبائر كدأب هؤلاء الكَفَرة والكسبُ استجلابُ النفعِ وتعليقُه بالسيئة على طريقة فبشِّرْهم بعذاب أليم
﴿وأحاطت بِهِ﴾ من جميع جوانبِه بحيثُ لم يبقَ له جانبٌ من قلبه ولسانه وجوارحِه إلا وقد اشتملت واستولت عليه
﴿خَطِيئَتُهُ﴾ التي كسَبها وصارت خاصةً من خواصّه كما تنبئ عنه الإضافةُ إليه وهذا إنما يتحقق في الكافر ولذلك فسرها السلفُ بالكفر حسبما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس وأبي هريرة ﵃ وابنُ جرير عن أبي وائل ومجاهدٌ وقَتادةُ وعطاءٌ والربيعُ وقيل السيئةُ الكفرُ والخطيئةُ الكبيرة وقيل بالعكس وقيل الفرق بينهما أن الأُولى قد تطلق على ما يُقصَد بالذات والثانيةُ تغلِبُ على ما يُقصَدُ بالعَرَض لأنها من الخطأ وقرئ خَطِيَّتُه وخطِيّاتُه على القلب والإدغام فيهما وخطيئاتُه وخَطاياه وفي ذلك إيذانٌ بكثرة فنون كفرهم
﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ مبتدأ
﴿أصحاب النار﴾ خبرُه والجملةُ خبرٌ للمبتدأ والفاءُ لتضمُّنه معنى الشَّرطِ وإيرادُ اسمِ الإشارة المنبئ عن استحضار المشارِ إليه بماله من الأوصاف للإشعار بعلِّيتها لصاحبيّة النار وما فيه من معنى البُعد للتَّنبيهِ على بُعد منزلتهم في الكفر والخطايا وإنما أشير إليهم بعنوان الجَمْعية مراعاةً لجانب المعنى في كلمة مَنْ بعدَ مراعاة جانبِ اللفظ في الضمائر الثلاثةِ لما أن ذلك هو المناسبُ لما أسند إليهم في تَيْنِك الحالتين فإن كسب السيئة وأحاطت خطيئتِه به في حالة الانفراد وصاحية النارِ في حالة الاجتماع أي أولئك الموصوفون بما ذكر من كسب السيئات وإحاطة خطاياهم بهم أصحابُ النار أيْ مُلازمُوهَا في الآخرة حسب ملازمتهم في الدنيا لما يستوجبُها من الأسباب التي من جملتها ما هم عليه من تكذيبِ آياتِ الله تعالى وتحريفِ كلامِه والافتراءِ عليه وغيرِ ذلك وإنما لم يُخَصَّ الجوابُ بحالهم بأن يقال مثلاً بلى إنهم أصحابُ النار الخ لما في التعميم من التهويل وبيانِ حالِهم بالبرهان والدليل مع مامر من قصد الإشعار بالتعليل
﴿هُمْ فِيهَا خالدون﴾ دائماً أبداً فأنَّى لهم التفَصِّي عنها بعد سبعة أيام أو أربعين كما زعموا فلا حجةَ في الآيةِ الكريمةِ على خلود صاحبِ الكبيرة لما عرفت من اختصاصها بالكافر ولا حاجة إلى حمل الخلودِ على اللُبْث الطويل على أن فيه تهوينَ الخطب في مقام التهويل
стр. 209
﴿والذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون﴾ جرت السنةُ الإلهيةُ على شفْع الوعدِ بالوعيد مراعاةً لما تقتضيه الحِكمةُ في إرشاد العبادِ من الترغيب تارةً والترهيبِ أخرى والتبشيرِ مرةً والإنذارِ أخرى
стр. 210
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاق بَنِى إسرائيل﴾ شروع
стр. 211
البقرة (٨٤)
في تَعداد بعضٍ آخرَ من قبائح أسلافِ اليهودِ مما ينادي بعدم إيمانِ أخلافِهم وكلمةُ إذ نُصب بإضمار فعلٍ خوطب به النبيُّ ﷺ والمؤمنون ليؤدِّيَهم التأملُ في أحوالهم إلى قطع الطمَع عن إيمانهم أو اليهودُ الموجودون في عهد النبوة توبيخاً لهم بسوء صنيعِ أسلافِهم أي اذكروا إذ أخذنا ميثاقهم
﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَاّ الله﴾ على إرادةِ القولِ أيْ قلنا أو قائلين لا تعبدون إلخ وهو إخبارٌ في معنى النهي كقوله تعالى ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شهيد﴾ وكما يقول تذهب إلى فلان وتقول كيتَ وكيتْ وهو أبلغُ من صريح النهي لما فيهِ من إيهامِ أن المنهيَّ حقُّه أن يسارعَ إلى الانتهاء عما نُهي عنه فكأنه انتهى عنه فيُخبرُ به الناهيَ ويؤيده قراءةُ لا تعبدوا وعطفُ قولوا عليه وقيل تقديره أن لا تعبدوا إلخ فحُذِف الناصبُ ورُفع الفعلِ كما في قولِه
أَلَا أيُهذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الوَغَى ... وأنْ أشهدَ اللذاتِ هل أنت مُخْلِدي
ويعضُدُه قراءةُ أن لا تعبُدوا فيكون بدلاً من الميثاق أو معمولاً له بحذف الجار وقيل إنه جوابُ قسمٍ دل عليه المعنى كأنه قيل وحلّفناهم لا تعبدون إلا الله وقرئ بالياء لأنهم غُيَّبٌ
﴿وبالوالدين إحسانا﴾ متعلق بمضمر أي وتحسنون او احسنوا
﴿وَذِى القربى واليتامى والمساكين﴾ عطفٌ على الوالدين ويتامى جمع يتيم كندمي جمع نديم وهو قليل ومسكين مغعيل من السكون كأن الفقرَ أسكنه من الحَراك وأثخنه عن التقلب
﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أي قولاً حسناً سماه حسنا مبالغة وقرئ كذلك وحُسُناً بضمتين وهي لغةُ أهلِ الحجازِ وحُسْنى كبُشرى والمراد به ما فيه تخلّقٌ وإرشاد
﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة﴾ هما ما فُرض عليهم في شريعتهم
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ إن جُعل ناصبُ الظرف خطاباً للنبي ﷺ والمؤمنين فهذا التفاتٌ إلى خطاب بني إسرائيلَ جميعاً بتغليب أخلافِهم على أسلافهم لجريان ذكرى كلِّهم حينئذ على نهْج الغَيْبة فإن الخطاباتِ السابقةَ لأسلافهم محْكيةٌ داخلةٌ في حيز القول المقدّر قبل لاتعبدون كأنهم استُحضِروا عند ذكرِ جناياتهم منعيت هي عليهم وإنْ جعل خطابا لليهود المعاصرين للرسول الله ﷺ والمؤمنين فهذا تعميمٌ للخطاب بتنزيل الأسلافِ منزلةَ الأخلاف كما أنه تعميمٌ للتولي بتنزيل الأخلافِ منزلةَ الأسلاف للتشديد في التوبيخ أي أعرضتم عن المُضِيِّ على مقتضى الميثاقِ ورفضتموه
﴿إِلَاّ قَلِيلاً مِنْكُمْ﴾ وهم من الأسلاف مَنْ أقام اليهوديةَ على وجهها قبل النسخِ ومن الأخلاف مَنْ أسلم كعبدِ اللَّهِ بنِ سَلَام وأضرابه
﴿وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ جملةٌ تذييلية أي وأنتم قوم عادتكم الإعراضُ عن الطاعة ومراعاةِ حقوق الميثاق أصل الإعراض الذهابُ عن المواجهة والإقبالُ إلى جانب العَرْض
стр. 212
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم﴾ منصوب بفعل مُضمرٍ خوطب به اليهودُ قاطبةً على ما ذكر من التغليب ونُعي عليهم إخلالُهم بمواجب الميثاق المأخوذِ منهم في حقوق العبادِ على طريقة النهي إثرَ بيانِ ما فعلوا بالميثاق المأخوذِ منهم في حقوق الله سبحانه وما يجرى مجراها على سبيل الأمرِ فإن المقصودَ الأصليَّ من النهي عن عبادةَ غيرِ الله تعالى هو الأمرُ بتخصيص العبادةِ به تعالى أي واذكروا وقت أخذِنا ميثاقَكم
стр. 213
البقرة (٨٥)
في التوراة وقوله تعالى
﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مّن دياركم﴾ كما قبله إخبارٌ في معنى النهي غُيِّر السبكُ إليه لما ذَكر من نُكتة المبالغة والمرادُ به النهيُ الشديدُ عن تعرُّض بعض بنى أسرئيل لبعضٍ بالقتل والإجلاءِ والتعبيرُ عن ذلك بسفك دماءِ أنفسِهم وإخراجِها من ديارهم بناءً على جَرَيان كلِّ واحدٍ منهم مجرى أنفسِهم لما بينهم من الاتصال القويِّ نسَباً وديناً للمبالغة في في الحمل على مراعاة حقوقِ الميثاق بتصوير المنهيِّ عنه بصورةٍ تكرَهها كلُّ نفس وتنفر عنه كلُّ طبيعةٍ فضميرُ أنفسَكم للمخاطبين حتماً إذ به يتحقق تنزيلُ المخْرِجين منزلتَهم كما أن ضميرَ ديارِكم للمخرَجين قطعاً إذ المحذورُ إنما هو إخراجُهم من ديارهم لا من ديار المخاطَبين من حيث إنهم مخاطَبون كما يفصحُ عنه ما سيأتِي من قولِه تعالى ﴿مِن ديارهم﴾ وإنما الخطابُ ههنا باعتبار تنزيلِ ديارِهم منزلةَ ديارِ المخاطَبين بناءً على تنزيل أنفسِهم منزلتَهم لتأكيد المبالغةِ وتشديدِ التشنيع وأما ضميرُ دماءَكم فمحتمل لوجهين مفاد الأول كون كون المسفوك دماء ادعايئة للمخاطَبين حقيقةً ومَفادُ الثاني كونُه دماءً حقيقيةً للمخاطبين ادعاءً وهما متقاربان في إفادة المبالغةِ فتدَّبرْ وأمَّا ما قيل من أنَّ المعنى لا تباشروا ما يؤديّ إلى قتل أنفسِكم قِصاصاً أو ما يبيح سفكَ دمائِكم وإخراجَكم من دياركم أو لا تفعلُوا ما يُرديكم ويصرِفُكم عن الحياة الأبدية فإنه القتلُ في الحقيقة ولا تقترفوا ما تُحْرَمون به عن الجنة التي هي دارُكم فإنه الجلاءُ الحقيقيُّ فممَّا لا يساعده سياقُ النظمِ الكريم بل هو نصٌّ فيما قلناه كما ستقف عليه
﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ أي بالميثاق وبوجوب المحافظةَ عليه
﴿وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ توكيدٌ للإقرار كقولك أقرَّ فلانٌ شاهداً على نفسه وأنتم أيها الحاضرون تشهدون اليوم على إقرار أسلافِكم بهذا الميثاق
стр. 214
﴿ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء﴾ خطابٌ خاص في الحاضرين فيه توبيخ شديدٌ واستبعادٌ قويٌّ لما ارتكبوه بعد ما كان من الميثاق به والشهداة عليه فأنتم مبتدأ وهؤلاء خبرُه ومَناطُ الإفادةِ اختلافُ الصفات المنزل منزلةَ اختلافِ الذات والمعنى أنتم بعد ذلك هؤلاءِ المشاهِدون الناقضون المتناقضون حسبما تُعربُ عنه الجملُ الآتية فإنَّ قولَه
﴿تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ الخ بيانٌ له وتفصيلٌ لأحوالهم المُنْكَرة المندرجةِ تحت الإشارةِ ضمناً كأنهم قالوا كيف نحن فقيل تقتُلون أنفسَكم أي الجارين مَجرى أنفسِكم كما أسير اليه وقرئ تُقتّلون بالتشديد للتكثير
﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مّنكُم﴾ الضمير إما للمخاطبين والمضافُ محذوفٌ أي من أنفسكم وإما للمقتولين والخطابُ باعتبار أنهم جُعلوا أنفُسَ المخاطَبين وإلا فلا يتحقق التكافُؤُ بين المقتولين والمخرجين في ذلك العنوان الذي عليه يدورُ فلَكُ المبالغة في تأكيد الميثاقِ حسبما نُصَّ عليه ولا يظهر كمالُ قباحةِ
стр. 215
جناياتِهم في نقضه
﴿مِن ديارهم﴾ الضمير للفريق وإيثارُ الغَيْبة مع جواز الخِطاب أيضاً بناءً على اعتبار العنوان المذكورِ كما مرَّ في الميثاق للاحتراز عن توهم كونِ المرادِ إخراجَهم من ديار المخاطَبين من حيث هي ديارُهم لا من حيث هي ديارُ المخرِجين وقيل هؤلاءِ موصولٌ والجملتان في حيّز الصلةِ والمجموعُ هو الخبرُ لأنتم
﴿تظاهرون علَيْهِم﴾ بحذف إحدى التاءين وقرئ بإثباتهما وبالإدغام وتظّهرون بطرح إحدى التاءين من تتظهرون ومعنى الكل تتعاونون وهي حالٌ من فاعل تَخرجون أوْ منْ مفعولِه أو منهما جميعا مبنية لكيفية الإخراج دافعةٌ لتوهم اختصاصِ الحُرمة بالإخراج بطريق الأصالةِ والاستقلالِ دون المظاهرةِ والمعاونة
﴿بالإثم﴾ متعلقٌ بتظاهرون حال من فاعله أي ملتبسين بالإثم وهو الفعلُ الذي يستحق فاعلُه الذمَّ واللومَ وقيل هو ما ينفِرُ عنه النفسُ ولا يطمئن إليه القلب
﴿والعدوان﴾ وهو التجاوزُ في الظلم
﴿وَإِن يَأْتُوكُمْ أسارى﴾ جمعُ أسير وهو من يؤخذ قهراً فعيل بمعنى مفعول من الأسر أي الشدّ أو جمعُ أسرى وهو جمع أسير كجرحى وجريح وقد قرئ أسْرى ومحلُّه النصبُ عَلى الحاليّةِ
﴿تفادوهم﴾ أي تخرجوهم من الأسر بإعطاء الفداء وقرئ تَفْدوهم قال السدي إن الله تعالى أخذ عَلى بني إسرائيلَ فِى التوراة الميثاقَ أن لا يقتُلَ بعضُهم بعضاً ولا يُخرجَ بعضُهم بعضاً من ديارهم وأيُّما عبدٍ أو أمةٍ وجدتموه من بني إسرائيلَ فاشترُوه وأعتِقوه وكانت قريظةُ حلفاءَ الأوسِ والنضيرُ حلفاءَ الخزرج حين كان بينهما ما كان من العداوة والشَنَآن فكان كلُّ فريقٍ يقاتل مع حُلفائه فإذا غَلَبوا خرَّبوا ديارَهم وأخرجوهم منها ثم إذا أُسر رجل من الفريقين جمعوا له مالاً فيَفُدونه فعيَّرتهم العربُ وقالت كيف تقاتلونهم ثم تَفْدونهم فيقولون أُمرنا أن نفديَهم وحُرِّم علينا قتالُهم ولكن نستحي أن ندل حلفاء نا فذ مهم الله تعالى على المناقضة
﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ هو ضميرُ الشأن وقع مبتدأ ومحرمٌ فيه ضمير قائم مقامَ الفاعلِ وقع خبراً من إخراجهم والجملة خبرٌ لضمير الشأن وقيل محرَّمٌ خبرٌ لضمير الشأن وإخراجُهم مرفوع على انه مفعول مالم يُسمَّ فاعلُه وقيل الضميرُ مهم يفسّره إخراجهم أو راجعٌ إلى ما يدل عليه تُخرجون من المصدر وإخراجُهم تأكيدا وبيان والجملةُ حالٌ منَ الضميرِ في تخرجون أو من فريقاً أو منهما كما مر بعد اعتبار القيد بالحال السابقة وتخصيصُ بيان الحرمةِ ههنا بالإخراج مع كونه قريناً للقتل عند أخذ الميثاقِ لكونه مِظنّةً للمساهلة في أمره بسبب قِلة خَطَره بالنسبة إلى القتل ولأن مساقَ الكلام لذمّهم وتوبيخِهم على جناياتهم وتناقض أفعالهم معاً وذلك مختص بصورة الإجراج حيث لم يُنقلْ عنهم تدارك القتلى بشئ من دِيَةِ أو قِصاصٍ هو السر في تخصيص التظاهرِ به فيما سبق وأما تأخيرُه من الشرطية المعترضةِ مع أن حقه التقديمُ كما ذكره الواحدي فلأن نظْمَ أفاعيلِهم المتناقضةِ في سَمْطٍ واحدٍ من الذكر أدخَلُ في إظهار بطلانها
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب﴾ أي التوراة التي أُخذ فيها الميثاقُ المذكور والهمزةُ للإنكار التوبيخي والفاءُ للعطف على مقدر يستدعيه المقام أي أتفعلون ذلك فتؤمنون ببعض الكتاب وهو المفاداة
﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ وهو حرمةُ القتالِ والإخراج مع أن مِن قضية الإيمان ببعضه الإيمانُ بالباقي لكون الكلِّ من عند الله تعالى داخلاً في الميثاق فمناطُ التوبيخ كفرُهم بالبعض مع إيمانهم بالبعض حسبما يفيده ترتيبُ النظمِ الكريم فإن التقديمَ يستدعي في المقام الخطابي أصالةَ المقدَّم وتقدُّمَه بوجهٍ من الوجوه حتماً وإذ ليس ذلك ههنا باعتبار الإنكارِ والتوبيخ عليه وهو باعتبار الوقوعِ قطعاً
следующие страницы →