← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملائكة﴾ تصريحٌ بما أَشعَرَ به قولُه وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لَا يُؤْمِنُونَ منَ الحكمةِ الداعيةِ إلى ترك الإجابةِ إلى ما اقترحُوه من الآيات إثرَ بيانِ أنها في حكمه تعالى وقضائه المبنيِّ على الحِكَم البالغةِ لا مدخلَ لأحد في أمرها بوجه من الوجوه وبيانٌ لكذبهم في أيْمانهم الفاجرةِ على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه أي ولو أننا لم نقتصِرْ على إيتاء ما اقترحوه ههنا من آية واحدةٍ من الآيات بل نزلنا إليهم الملائكةَ كما سألوه بقولهم لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا المَلائِكَةُ وقولِهم لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة ﴿وَكَلَّمَهُمُ الموتى﴾ وشهدوا بحقية الإيمانِ بعد أن أحييناهم حسبما اقترحوه بقولهم فأتوا بأبائنا ﴿وحشرنا﴾ أي جميعا ﴿عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْء قُبُلاً﴾ بضمتين وقرىء بسكون الباء أي كفلاء بصحة الأمر وصدق النبيِّ ﷺ على أنه جمع قبيل بمعنى الكفيل كرغيف ورُغُف وقضيب وقُضُب وهو الأنسبُ بقولِه تعالى أَوْ تَأْتِىَ بالله والملائكة قَبِيلاً أي لو لم نقتصر على ما اقتحوه بل زدنا على ذلك بأ أحضرنا لديهم كلَّ شيءٍ يتأتّى منه الكفالةُ والشهادةُ بما ذُكر لا فرادى بل بطريق المعيةِ أو جماعاتٍ على أنه جمعُ قبيل وهو الأوفق لعموم كلِّ شيءٍ وشمولِه للأنواع والأصنافِ أي حشرنا كلَّ شيء نوعاً نوعاً وصنفاً صنفاً وفوجاً فوجاً وانتصابُه على الحالية وجمعيتُه باعتبار الكل المجموعيِّ اللازمِ للكل الإفراديِّ أو مقابلةً وعِياناً على أنه مصدرٌ كقِبَلا وقد قرىء كذلك وانتصابُه على الوجهين على أنه مصدرٌ في موقعِ الحالِ وقد نقل عن المبرِّد وجماعةٍ من أهل اللغة أن الأخيرَ بمعنى الجهة كما في قولك لي قِبَلَ فلانٍ حقٌّ وأن انتصابَه على الظرفية ﴿مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ أي ما صح وما استقام لهم الإيمانُ لتماديهم في العصيان وغلوِّهم في التمرد والطُّغيانِ وأما سبق القضاءُ عليهم بالكفر فمن الأحكامِ المترتبةِ على ذلك حسبما ينبيء عنه قوله وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ وقوله تعالى ﴿إَّلا أَن يشاء الله﴾ استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأحوالِ والالتفاتُ إلى الإسم الجليل لتربية المهابةِ وإدخالِ الروعة أي ما كانوا ليؤمنوا بعد اجتماعِ ما ذُكِرَ منَ الأمورِ الموجبةِ للإيمان في حالٍ من الأحوالِ الداعيةِ إليه المتمِّمة لموجباته المذكورةِ إلا في حال مشيئتِه تعالى لإيمانهم أو من أعمِّ العللِ أي ما كانوا ليؤمنوا لعلة من العلل المعدودةِ وغيرِها إلا لمشيئته تعالى له وأيا ما كان فليس المرادُ بالاستثناء بيانَ أن إيمانَهم على خطر الوقوعِ بناءً على كون مشيئته

стр. 1612

الأنعام آية ١١٢ تعالى أيضاً كذلك بل بيانَ استحالةِ وقوعِه بناءً على استحالة وقوعِها كأنه قيل ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله وهيهات ذلك وحالهم حال بدليل ما سبقَ من قولِه تعالى وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ الآية كيف لا وقولُه ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ استدراكٌ من مضمون الشرطيةِ بعد ورودِ الاستثناءِ لا قبله ولا ريب في أن الذي يجهلونه سواءٌ أريد بهم المسلمون وهو الظاهرُ أو المُقسِمون ليس عدمَ إيمانِهم بلا مشيئة الله تعالى كما هو اللازمُ من حمل النظمِ الكريمِ على المعنى الأولِ فإنه ليس مما يعتقده الأولون ولا مما يدّعيه الآخَرون بل إنما هو عدمُ غيمانهم لعدم مشيئته غيمانهم ومرجعه إلى جهلهلم بعدم مشيئته غياه فالعمنى أن حالَهم كما شُرح ولكن أكثر المسلمين يجهلون عدم غيمانهم عند مجيء الآيات لجهلهم عدمَ مشيئتِه تعالى لإيمانهم فيتمنَّوْن مجيئَها طمعاً فيما لا يكون فالجملةُ مقرِّرةٌ لمضمون قوله تعالى وَمَا يُشْعِرُكُمْ الخ على القراءة المشهورة أو ولكن أكثرَ المشركين يجهلون عدمَ إيمانِهم عند مجيء الآيات لجهلهم عدمَ مشيئتِه تعالى لإيمانهم حينئذ فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يكاد يكونُ فالجملةُ على القراءة السابقةِ بيانٌ مبتدأٌ لمنشأ خطأ المقسِمين ومناطِ إقسامهم وتقريرٌ له على قراءة لا تؤمنون بالتاء الفوقانية وكذا على قراءة ما يشعرهم أنها إذا جاءتهم لا يؤمنون

стр. 1613

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً﴾ كلامٌ مبتدأٌ مَسوقٌ لتسليةِ رسولِ الله ﷺ عما كان يشاهده من عداوة قريش له ﵊ وما بنَوْا عليها مما لا خير فيه من الأقاويل والأفاعيلِ ببيان أن ذلك ليس مختصاً بك بل هو أمرٌ ابتُليَ به كلُّ من سبَقك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومحلُّ الكافِ النصبُ على أنَّه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أشير إليه بذلك منصوب بفعله المحذوف مؤكذا لما بعده وَذَلِكَ إشارةٌ إلى ما يفهم مما قبله أي جَعَلْنَا لِكُلّ نبيَ عَدُوّاً والتقديمُ على الفعل المذكورِ للقصر المفيدِ للمبالغة أي مثلَ ذلك الجعلِ الذي جعلنا في حقك حيث جعلنا لك عدواً يُضادُّونك ويضارُّونك ولا يؤمنون ويبغونك الغوائلويدبرون في إبطال أمرِك مكايدَ جعلنا لكل نبيَ تقدمَك عدواً فعلوا بهم ما فعل بك أعداؤُك لا جعلاً أنقصَ منه وفيه دليلٌ على أنَّ عداوةَ الكفرةِ للأنبياء ﵈ بخلقه تعالى للابتلاء ﴿شياطين الإنس والجن﴾ أي مَرَدةَ الفريقين على أن الإضافةَ بمعنى مِنْ البيانية وقيل هي إضافةُ الصفةِ إلى الموصوف والأصلُ الإنسُ والجنُّ الشياطين وقيل هي بمعنى اللام أي الشياطين التي للإنس والتي للجن وهو بدلٌ من عدواً والجَعلُ متعدٍ إلى واحد أو إلى اثنين وهو أولُ مفعوليْه قُدِّم عليه الثاني مسارعةً إلى بيان العداوةِ واللام على التقديرين متعلقةٌ بالجعل أو بمحذوفٍ هو حالٌ من عدواً وقوله تعالى ﴿يوحى بعضهم إلى بعض﴾ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبيانِ أحكامِ عداوتِهم وتحقيقُ وجهِ الشبهِ بين المشبهِ والمشبَّه به أو حالٌ من الشياطين أو نعتٌ لعدواً وجمعُ الضميرِ باعتبار المعنى فإنه عبارةٌ عن الأعداء كما في قوله ... إذَا أنا لم أنفعْ صديقي بودّه فإن عدوِّي لم يضُرَّهمو بغضي والوحيُ عبارةٌ عن الإيماء والقول السريعِ أي يلقى

стр. 1614

الأنعام ١١٣ ١١٤ ويوسوس شياطينُ الجنِّ إلى شياطينِ الإنسِ أو بعضُ كلَ من الفريقين إلى بعض آخَرَ ﴿زُخْرُفَ القول﴾ أي المموَّهَ منه المزيَّنَ ظاهرُه الباطلَ باطنُه من زخرفه إذ زيّنه ﴿غُرُوراً﴾ مفعول له ليوحي أي ليغرهم أو مصدرٌ في موقعِ الحال أي غارّين أو مصدر مؤكد لفعل مقدر هو حال من فاعل يوحى أي يغرونغرورا ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ﴾ رجوعٌ إلى بيان الشئون الجارية بينه ﷺ وبين قومِه المفهومةِ من حكايةِ ما جَرَى بينَ الأنبياء ﵈ وبيم أُممِهم كما يُنْبىءُ عنه الالتفاتُ والتعرضُ لوصفِ الربوبيةِ مع الإضافةِ إلى ضميره ﷺ المُعرِبة عن كمال اللطفِ في التسلية أي ولو شاء ربُّك عدمَ الأمورِ المذكورةِ لا إيمانَهم كما قيل فإن القاعدةَ المستمرةَ أن مفعولَ المشيئةِ إنما يحذف عند وقوعِها شرطاً وكونِ مفعولِها مضمونَ الجزاء وهو قوله تعالى ﴿مَّا فَعَلُوهُ﴾ أي ما فعلوا ما ذكر من عداوتك وإيحاءِ بعضهم إلى بعض مزخرفاتِ الأقاويلِ الباطلةِ المتعلقةِ بأمرك خاصة لا بما يعمّه وأمورَ الأنبياءِ ﵈ أيضاً كما قيلَ فإنَّ قولَه تعالى ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ صريحٌ في أنَّ المرادَ بهم الكفرةُ المعاصرون له ﵊ أي إذا كان ما فعلوه من أحكام عداوتِك من فنون المفاسد بمشيئته تعالى فاترُكْهم وافتراءَهم أو وما يفترونه من أنواع المكايدِ فإن لهم في ذلك عقوباتٍ شديدةً ولك عواقبُ حميدةٌ لابتناء مشيئتِه تعالى على الحِكَم البالغة البتة

стр. 1615

﴿ولتصغى إِلَيْهِ﴾ أي إلى زُخرُفِ القولِ وهو على الوجه الأولِ علة أخرى للإيحاء معطوفةٌ على غروراً وما بينهما اعتراضٌ وإنما لم ينصَبْ لفقد شرطِه إذ الغرورُ فعلُ الموحي وصغْوُ الأفئدةِ فعلُ الموحى إليه أي يوحي بعضُهم إلى بعض زُخْرفَ القولِ ليغرهم به ولتميل إليه ﴿أَفْئِدَةُ الذين لَا يُؤْمِنُونَ بالأخرة﴾ إنما خصَّ بالذكر عدمُ إيمانِهم بالآخرة دون ما عداها من الأمور التي يجب الإيمانُ بها وهم بها كافرون إشعاراً بما هو المدارُ في صغْو أفئدتِهم إلى ما يُلقى إليهم فإن لذّاتِ الآخرةِ محفوفةٌ في هذه النشأةِ بالمكاره وآلامُها مزينةٌ بالشهوات فالذين لا يؤمنون بها وبأحوال ما فيها لا يدرون أن وراءَ تلك المكاره لذات ودون الشهواتِ آلاماً وإنما ينظُرون إلى ما بدا لهم في الدنيا بادي الرأي فهم مضطرون إلى حبّ الشهواتِ التي من جملها مزخْرَفاتُ الأقاويلِ ومُموَّهاتُ الأباطيل وأما المؤمنون بها فحيث كانوا واقفين على حقيقة الحالِ ناظرين إلى عواقب الأمورِ لم يُتصوَّر منهم الميلُ إلى تلك المزخرَفاتِ لعلهم ببطلانها ووخامة عاقبتِها وأما على الوجهين الأخيرين فهو علةٌ لفعلٍ محذوف يدلُّ عليه المقامُ أي ولكون ذلك جعلنا ما جعلنا والمعتزلةُ جعلوا اللامَ لامَ العاقبةِ أو لام القسَم أو لامَ الأمر وضعفُه في غاية الظهور ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ لأنفسم بعد ما مالت إليه أفئدتهم ﴿وَلِيَقْتَرِفُواْ﴾ أي يكتسبوا بموجب ارتضائِهم له ﴿مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾ له من القبائح التي لا يليق ذكرُها

стр. 1616

﴿أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِى حَكَماً﴾ كلامٌ مستأنفٌ واردٌ على إرادة القول والهمزة

стр. 1617

الأنعام آية ١١٤ للإنكار والفاء للعطف على مقدر يقتضيه الكلامُ أي قل لهم أأمِيلُ إلى زخارف الشياطينِ فأبتغيَ حكماً غيرَ الله يحكمُ بيننا ويفصل المحِقَّ منا من المبْطِل وقيل إن مشركي قريشٍ قالُوا لرسولِ الله ﷺ اجعل بيننا وبينك حكما من أحبار اليهود أو من أساقفة النصارى ليخبرَنا عنك بما في كتابهم من أمرك فنزلت وإسنادُ الابتغاءِ المنكرِ إلى نفسه ﷺ لا إلى المشركين كما في قوله تعالى أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ مع أنهم الباغون لإظهار كمالِ النَّصَفةِ أو لمراعاة قولِهم اجعل بيننا وبينك حكما وغيرَ إما مفعولُ أبتغي وحكَماً حالٌ منه وإما بالعكس وأياً ما كان فتقديمُه على الفعل الذي هو المعطوفُ بالفاء حقيقةً كما أشير إليه للإيذان بأن مدارالإنكار هو ابتغاءُ غيرِه تعالى حكماً لا مطلقُ الابتغاء وقيل حكماً تمييزٌ لما في غيرَ من الإبهام كقولهم إن لنا غيرَها إبلاً قالوا الحكَمُ أبلغُ من الحاكمِ وأدلُّ على الرسوخ لما أنه لا يُطلق إلا على العادل وعلى مَنْ تكرَّر منه الحكمُ بخلاف الحاكم وقوله تعالى ﴿وَهُوَ الذى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الكتاب﴾ جملةٌ حاليةٌ مؤكدةٌ لإنكارِ ابتغاءِ غيرِه تعالى حكماً ونسبةُ الإنزالِ إليهم خاصةً مع أن مقتضى المقامِ إظهارُ تساوي نسبته إلى المتحاكمين لاستمالتعهم نحوَ المُنْزَل واستنزالِهم إلى قبول حكمه بإبهام قوةِ نسبتِه إليهم أي أغيرَه تعالى أبتغي حكَماً والحالُ أنه هو الذي أنزل غليكم وأنتم أمِّية لا تدرون ما تأتونَ وما تذرونَ القرآنَ الناطقَ بالحق والصوابِ الحقيقُ بأن يُخصَّ به اسمُ الكتاب ﴿مُفَصَّلاً﴾ أي مبيناً فيه الحقُّ والباطلُ والحلالُ والحرامِ وغيرُ ذلك من الأحكام بحيث لم يبْقَ في أمور الدينِ شيءٌ من التخليط والإبهامِ فأيُّ حاجة بعد ذلك إلى الحكم وهذا كما ترى صريحٌ في أن القرآنَ الكريمَ كافٍ في أمر الدينِ مغنٍ عن غيره ببيانه وتفصيلِه وأما أن يكون لإعجازه دخْلٌ في ذلك كما قيل فلا وقوله تعالى ﴿والذين آتيناهم الكتاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مّن رَّبّكَ بالحق﴾ كلامٌ مستأنفٌ غيرُ داخلٍ تحت القولِ المقدَّر مَسوقٌ من جهته سبحانه لتحقيق حقِّيةِ الكتابِ الذي نيط به أمرُ الحَكَمية وتقريرِ كونِه منزلا من عنده ببيانِ أنَّ الذين وثِقوا بهم ورضوا بحَكَميّتهم حسبما نُقل آنفاً من علماء اليهودِ والنصارى عالمون بحقيته ونزولِه من عنده تعالى وفي التعبير عن التوراة والإنجيلِ باسم الكتابِ إيماءٌ إلى ما بينهما وبين القرآنِ من المجانسة المقتضيةِ للاشتراك في الحقية والنزولِ من عنده تعالى مع ما فيه من الإيجاز وإيراد الطائفتين بعنون إيتاءِ الكتابِ للإيذان بأنهم علِموه من جهة كتابِهم حيث وجدوه حسبما نُعت فيه وعاينوه موافِقاً له في الأصول ما لا يختف من الفروع ومُخبِراً عن أمور لا طريقَ إلى معرفتها سوى الوحي والمرادُ بالموصول إما علماءُ الفريقين وهو الظاهرُ فالإيتاءُ هو التفهيمُ بالفعل وإما الكلُّ وهم داخلون فيه دخولا أولياً فهو أعمُّ مما ذكر ومن التفهيم بالقوة ولا ريب في أن الكل متمكنون من ذلك وقبل المرادُ مؤمنوا أهلِ الكتاب وقرىء مُنْزلٌ من الإنزال والتعرضُ لعنوانِ الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميره ﷺ لتشريفه ﵊ والباء في قوله تعالى بالحق متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من الضَّمير المستكنِّ في مُنزّلٌ أي ملتبساً بالحق ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الممترين﴾ أي في أنهم يعلمون ذلك لما لا تشاهِد منهم آثارَ العلم وأحكام المعرفة فالفاء لترتيب النهي على الإخبار بعلم أهل الكتاب بشأن القرآنِ أو في أنه منزلٌ من ربك بالحق فيكونُ منْ بابِ التَّهييج والإلهابِ كقوله تعالى وَلَا تَكُونَنَّ من

стр. 1618

الأنعام آية ١١٥ ١١٦ المشركين وقيل الخطابُ في الحقيقة للأمة وإن كان له ﷺ صورةً وقيلَ الخطابُ لكلِّ أحدٍ على معنى أن الأدلةَ قد تعاضدت وتظاهرت فلا ينبغي لأحد أن يمتريَ فيه والفاءُ على هذه الوجوهِ لترتيب النهي على نفس علمِهم بحال القرآن

стр. 1619

﴿وتمت كلمة رَبّكَ﴾ شروعٌ في بيان كمالِ الكتابِ المذكورِ من حيث ذاتُه إثرَ بيانِ كمالِه من حيث إضافتُه إليه تعالى بكونه منزلاً منه بالحق وتحقيقُ ذلك بعلم أهلِ الكتاب به وإنما عبر عنه بالكلمة لأنها الأصلُ في الاتصاف بالصدق والعدلِ وبها تظهر الآثارُ من الحكم وقرىء كلماتُ ربك ﴿صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ مصدران نصبا على الحال وقيل على التمييز وقيل على العلة وقوله تعالى ﴿لَا مُبَدّلَ لكلماته﴾ إما استئنافٌ مبينٌ لفضلها على غيرها إثرَ بيانِ فضلِها في نفسها وإما حالٌ أخرى من فاعلِ تمت على أن الظاهرَ مغنٍ عن الضمير الرابطِ والمعنى أنها بلغت القاصيةَ صدقاً في الإخبار والمواعيدِ وعدلاً في الأقضية والأحكامِ لا أحدَ يبدل شيئاً من ذلك بما هو أصدقُ وأعدلُ ولا بما هو مثلُه فكيف يُتصوّر ابتغاءُ حكمٍ غيرِه تعالى ﴿وَهُوَ السميع﴾ لكل ما يتعلق به السميع ﴿العليم﴾ بكل ما يمكن أن يُعلم فيدخُلُ في ذلك أقوالُ المتحاكمين وأحوالُهم الظاهرةُ والباطنةُ دخولاً أولياً هذا وقد قيل المعنى لا أحدَ يقدِر على أن يحرِّفها كما فُعل بالتوراة فيكونُ ضماناً لها من الله بالحفظ كقوله تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون أو لا نبيَّ ولا كتابَ بعدها ينسخها

стр. 1620

﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الارض﴾ لما تحقق اختصاصهتعالى بالحكمية لاستقلاله بما يوجبها من إنزال الكتابِ الكاملِ الفاصلِ بين الحقِّ والباطلِ وتمامِ صدقِ كلامِه وكمالِ عدالةِ أحكامِه وامتناعِ وجودِ من يبدل شيئاً منها واستبدادِه تعالى بالإحاطة التامةِ بجميع المسموعات والمعلومات عقّب ذلك ببيان أن الكفرةَ متصفون بنقائض تلك الكمالاتِ من النقائض التي هي الضلالُ والإضلالُ واتباعُ الظنونِ الفاسدةِ الناشىءُ من الجهل والكذبِ على الله إبانةً لكمال مباينةِ حالِهم لما يرومونه وتحذيراً عن الرّكون إليهم والعملِ بآرائهم والمرادُ بمن في الأرض الناسُ وبأكثرهم الكفارُ وقيل أهلُ مكةَ والأرضُ أرضُها أي إن تُطِعهم بأن جعلتَ منهم حكَماً ﴿يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ الله﴾ عن الطريق الموصلِ إليه أو عن الشريعة التي شرعها لعباده ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظن﴾ وهو ظمنهم أن آباءَهم كانوا على الحق فهم على آثارهم يهتدون أو جهالاتُهم وآراؤهم الباطلةُ على أن المرادَ بالظن ما يقابل العلم والجملةُ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من الشرطية كأنه قيل كيف يضلون فقيل لا يتبعون في أمور دينِهم إلا الظنَّ وإنّ الظنَّ لَا يُغْنِى مِنَ الحق شيئاً فيضلون ضلالاً مبيناً ولا ريبَ في أن الضالَّ المتصدّيَ للإرشاد إنما يُرشد غيرَه إلى مسلك نفسه فهو ضالون مضِلّون وقوله تعالى ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَاّ يَخْرُصُونَ﴾ عطف على ما قبله داخلٌ في حُكمهِ أيْ يكذِبون على الله سبحانه فيما ينسُبون إليه تعالى كاتخاذ الولد وجعل

стр. 1621

الأنعام آية ١١٧ ١١٩ عبادةِ الأوثانِ ذريعةً إليه تعالى وتحليل الميتة زوتحريم البحائرِ ونظائرِها أو يقدّرون أنهم على شيء وأنّى لهم ذلك ودونه مناطُ العَيُّوقِ وحقيقتُه ما يقال عن ظن وتخمين

стр. 1622

﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين﴾ تقريرٌ لمضمون الشرطيةِ وما بعدها وتأكيدٌ لما يفيده من التحذير أي هو أعلمُ بالفريقين فاحذر أن تكون من الأولين ومَن موصولةٌ أو موصوفةٌ في محل النصبِ لا بنفس أعلمُ فإن أفعلَ التفضيلِ لا ينصِبُ الظاهرَ في مثل هذه الصور بل بفعل دلَّ هو عليه أو استفهاميةٌ مرفوعة بالابتداء والخبرُ يَضِلّ والجملةُ معلقٌ عنها الفعلُ المقدر وقرىء يُضِل بضم الياء على أن من فاعلٌ ليُضِل ومفعولُه محذوفٌ ومحلها النصب بما ذكر من الفعل المقدر أي هو أعلم يعلم من يُضِل الناسَ فيكون تأكيد للتحذير عن طاعة الكفرةِ وأما أن الفاعلَ هو الله تعالى ومَنْ منصوبةٌ بما ذكر أي يعلم مَنْ يُضِلّه أو مجرورةٌ بإضافة أعلمإليها أي أعلمُ المُضِلّين مِنْ قوله تعالى مَن يُضْلِلِ الله أو من قولك أضللتُه إذا وجدتُه ضالاً فلا يساعده السباقُ والسياقُ والتفضيلُ في العلم بكثرته وإحاطتِه بالوجوه التي يمكن تعلّقُ العلمِ بها ولزومُه وكونُه بالذات لا بالغير

стр. 1623

﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ﴾ أمرٌ مترتبٌ على النهي عن اتباع المُضلّين الذين من جملة إضلالهم تحليل الحلال وتحريم الحرام وذلك أنهم كانوا يقولولن للمسلمين إنكم تعبدون الله فما قتله الله أحقُّ أن تأكُلوه مما قتلتم أنتم فقيل للمسلمين كلوا ممّا ذُكر اسمُه تعالى خاصة على ذبحه لا مما ذكر عليه اسمُ غيرِه فقط أو مع اسمه تعالى أو مات حتفَ أنفِه ﴿إِن كُنتُم بآياته﴾ التي منْ جُملتها الآياتُ الواردةُ في هذا الشأن ﴿مُّؤْمِنِينَ﴾ فإن الإيمانَ بها يقتضي استباحةَ ما أحله الله والاجتنابِ عما حرمه وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه

стр. 1624

﴿وما لكم ألا تأكُلوا مما ذكر اسم الله عَلَيْهِ﴾ إنكارٌ لأنْ يكونَ لهُم شيءٌ يدعوهم إلى الاجتناب عن أكل ما ذُكر عليه اسمُ الله تعالى من البحائر والسوائبِ ونحوِها وقوله تعالى ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم﴾ الخ جملةٌ حاليةٌ مؤكدةٌ للإنكار كما في قوله تعالى وَمَا لَنَا أَن لا نقاتل فِى سَبِيلِ الله وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن ديارنا وأبناءئنا أي وأيُّ سببٍ حاصلٍ لكُم في أَن لا تَأْكُلُواْ مِمَّا ذكر اسم الله عليه أو وأيُّ غرضٍ يحمِلُكم على أن لا تأكلوا ويمنعُكم من أكله والحالُ أنه قد فصل لكم ﴿مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ بقوله تعالى قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا الخ فبقي ما عدا ذلك على الحِلّ لا بقوله تعالى حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة الخ لأنها مدنية وأما التأخرُ في التلاوة فلا يوجبُ التأخّرَ في النزول وقُرِىءَ الفعلانِ على البناءِ للمفعول وقرىء الأول على البناء للفاعل والثاني للمفعول ﴿إِلَاّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ﴾ مما حرّم فإنه أيضاً حلالٌ حينئذ ﴿وَإِنَّ كثيرا﴾ أي من

стр. 1625

الأنعام آية ١٢٠ ١٢٢ الكفار ﴿لَّيُضِلُّونَ﴾ الناسَ بتحريم الحلالِ وتحليلِ الحرام كعمرو بن لحى وأضرا به وقرىء ﴿يَضِلّون﴾ بِأَهْوَائِهِم الزائغةِ وشهواتِهم الباطلة ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مقتبسٍ من الشريعة الشريفة مستندٍ إلى الوحي ﴿إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بالمعتدين﴾ المتجاوزين لحدود الحقِّ إلى الباطل والحلالِ إلى الحرام

стр. 1626

﴿وَذَرُواْ ظاهر الإثم وَبَاطِنَهُ﴾ أي ما يُعلن من الذنوب وما يُسَرّ أو ما يعمل منها بالجوارح وما بالقلب وقيل الزنا في الحوانيت واتخاذ الأخدان ﴿إِنَّ الذين يَكْسِبُونَ الإثم﴾ أي يكتسبونه من الظاهر والباطن ﴿سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ﴾ كائناً ما كان فلا بد من اجتنابهما والجملةُ تعليلٌ للأمر

стр. 1627

﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ﴾ ظاهرٌ في تحريم متروكِ التسميةِ عمْداً كان أو نسياناً وإليه ذهب داودُ وعن أحمد بن جنبل مثلُه وقال مالك والشافعي بخلافهلقوله ﷺ ذبيحةُ المسلم حلالٌ وإن لم يذكر اسم الله عليه وفرق أبو حنيفة بين العمْد والنسيانِ وأوّله بالميتة أو بما ذكر عليه اسمُ غيرِه تعالى لقوله ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ فإن الفسقَ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله والضميرُ لما ويجوز أن يكون للأكل المدلولِ عليه بلا تأكلوا والجملةُ مستأنفةٌ وقيل حالية ﴿وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ المرادُ بالشياطين إبليسُ وجنودُه فإيحاؤهم وسوستُهم إلى المشركين وقيل مرَدةُ المجوسِ فإيحاؤهم إلى أولياؤهم ما أَنْهَوا إلى قريشٍ بالكتاب أن محمداً وأصحابَه يزعُمون أنهم يتبعون أمرَ الله ثم يزعُمون أن ما يقتلونه حلالٌ وما يقتله الله حرام ﴿ليجادلوكم﴾ أي بالوساوس الشيطانيةِ أو بما نقل من أباطيلِ المجوسوهو يؤيد التأويلَ بالميتة ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ في استحلالِ الحرامِ وساعدتموهم على أباطيلهم ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ضرورةَ أن من ترك طاعةَ الله إلى طاعة غيرِه واتبعه في دينه فقد أشركه به تعالى بل آثرَه عليه سبحانه

стр. 1628

﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا﴾ وقرىء ميِّتاً على الأصل ﴿فأحييناه﴾ تمثيلٌ مَسوقٌ لتنفير المسلمين عن طاعة المشركينإثر تحذريهم عنها بالإشارة إلى أنهم مستضيئون بأنوار الوحي الإلهي والمشركون خابطون في ظلمات الكفرِ والطغيانِ فكيف يُعقل إطاعتُهم لهم والهمزةُ للإنكارِ والنَّفيِ والواوُ لعطف الجملةِ الاسميةِ على مثلها الذي يدل عليه الكلامُ أي أأنتم مثلُهم ومَنْ كان ميتاً فأعطيناه الحياةَ وما يتبعُها منَ القوى المُدْرِكة والمحرِّكة ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ﴾ مع ذلك من الخارج ﴿نُوراً﴾ عظيماً ﴿يَمْشِي بِهِ﴾ أي بسببه والجملةُ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأَ من الكلامِ كأنَّه قيل فماذا يصنع بذلك النورِ فقيل يَمْشِي بِهِ ﴿فِى الناس﴾ أي فيم بينهم آمِناً من جهتهم أو صفةٌ له ﴿كَمَن مَّثَلُهُ﴾ أي صفتُه العجيبةُ وهو مبتدأُ وقولُه تعالى ﴿فِى الظلمات﴾ خبرُه على أن

стр. 1629

الأنعام آية ١٢٣ المرادَ بهما اللفظُ لا المعنى كما في قولك زيدٌ صفتُه اسمرُ وهذه الجملةُ صلةٌ لمن وهي مجرورةٌ بالكاف وهي مع مجرورها خبرٌ لمن الأولى وقوله تعالى ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا﴾ حالٌ من المستكن في الظرف وقيل من الموصول أي غيرُ خارجٍ منها بحال وهذا كما ترى مثل ما أريد به من بقي في الضلالة بحيث لا يفارقها أصلاً كما أن الأولَ مثَلٌ أريد به مَنْ خَلقه الله تعالى على فطرة الإسلامِ وهداه بالآيات البينةِ إلى طريق الحقِّ يسلُكه كيف يشاء لكن لا على أن يدل على كل واحدٍ من هذه المعاني بما يليقُ بهِ من الألفاظ الواردةِ في المثَلين بواسطة تشبيهِه بما يناسبه من معانيها فإن ألفاظَ المثَلِ باقيةٌ في معانيها الأصلية بل على أنه قد انتُزعت من الأمور المتعددةِ المعتبرةِ في كلِّ واحدٍ من جانبي الممثلين هيئة على حدة ومن الأمور المتعددة المذكورة في كل كل واحدٍ من جانبي المَثَلين هيئةٌ على حِدَة فشبهت بهما الأوليان زنزلنا منزلتيهما فاستُعمل فيهما ما يدل على الأُخْريين بضرب من التجوّز وقد أشير في تفسيرِ قولِه تعالى خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ الآية إلى أن التمثيلَ قسمٌ برأسه لا سبيل إلى جعله من باب الاستعارةِ حقيقةً وأن الاستعارةَ التمثيليةَ من عبارات المتأخرين نعم قد يجري ذلك على سنن الاستعارةِ بأن لا يُذكرَ المشبّه كهذين التمثيلين ونظائرِهما وقد يجري على منهاج التشبيه كما في قوله ... وما الناسُ إلا كالديار وأهلُها بها يوم حلوها وغدوابلاقع ﴿كذلك﴾ أي مثلَ ذلك التزيينِ البليغ ﴿زُيّنَ﴾ أي من جهة الله تعالى بطريق الخلق عند إيحاءِ الشياطينِ أو من جهة الشياطين بطريق الزخرفةِ والتسويلِ ﴿للكافرين﴾ التابعين للوساوس الشيطانيةِ الآخذين بالمُزخْرَفات التي يوحونها إليهم ﴿مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ما استمرّوا على عمله من فنون الكفر والمعاصي التي من جملتها ما حُكي عنهُم من القبائحِ فإنها لو لم تكن مُزينةً لهم لما أصروا عليها ولما جادلوا بها الحقَّ وقيل الآية نزلت في حمزةَ ﵁ وأبي جهلٍ وقيل في عمر أو عمار ﵄ وأبي جهل

стр. 1630

﴿وكذلك﴾ قيل معناه كما جعلنا في مكةَ أكابرَ مجرميها ليمكروا فيها ﴿جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ﴾ من سائر القرى ﴿أكابر مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا﴾ ومفعولا جعلنا أكابرَ مجرميها على تقديم المفعولِ الثاني والظرفُ لغو أو هما الظرف وأكبر على أن مجرميها بدلٌ أو مضافٌ إليه فإنَّ أفعلَ التفضيلِ إذا أُضيف جاز الإفرادُ والمطابقةُ ولذلك قرىء أكبرَ مجرميها وقيل أكابرَ مجرميها مفعولُه الأولُ والثاني ليمكروا فيها ولا يخفى أن أيَّ معنى يراد من هذه المعاني لا بد أن يكون مشهود التحققِ عند الناسِ معهوداً فيما بينهم حتى يصلُحَ أن تُصرَفَ الإشارةُ عن سياق النظمِ الكريمِ وتوجَّهَ إليه ويُجعلَ مقياساً لنظائره بإخراجه مُخرجَ المصدرِ التشبيهيِّ وظاهرٌ أنْ ليس الأمرُ كذلك ولا سبيلَ إلى توجيهها إلى ما يُفهم من قولِه تعالَى كَذَلِكَ زُيّنَ للكافرين مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ وإن كان المرادُ بهم أكابرَ مكةَ لأن مآلَ المعنى حينئذ بعد اللتيا والتي كما جعلنا أعمالَ أهل مكة مزينة لهكم جعلنا في كل قرية أكابرَ مجرميها الخ فإذن الأقربُ إِنَّ ذلك إشارةٌ إلى الكفَرة المعهودين باعتبار اتصافِهم بصفاتهم والإفرادُ بتأويل الفريقِ أو المذكور ومحلُّ الكافِ النصبُ على أنه المفعولُ الثاني لجعلنا قدم

стр. 1631

الأنعام آية ١٢٤ عليه لإفادة التخصيصِ كما في قوله تعالى كذلك كُنتُمْ مّن قَبْلُ الآية والأولُ أكابرَ مجرميها والظرف لغو أي ومثلَ أولئك الكفرةِ الذين هم صناديدُ مكةَ ومجرموها جعلنا في كل قريةٍ أكابرَها المجرمين أي جعلناهم متصفين بصفات المذكورين مزيَّناً لهم أعمالُهم مُصِرّين على الباطل مجادلين به الحقَّ ليمكروا فيها أي ليفعلوا المكرَ فيها وهذا تسلية لرسول الله ﷺ وقوله تعالى ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَاّ بِأَنفُسِهِمْ﴾ اعتراضٌ على سبيل الوعدِ لرسول الله ﷺ والوعيدِ للكفرة أي وما تحيقُ غائلةُ مكرِهم إلا بهم ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ حال من ضمير يمكرون مع اعتبار ورود الاستثناء على النفي أي إنما يمكرون بأنفسهم والحالُ أنهم ما يشعُرون بذلك أصلاً بل يزعُمون أنهم يمكرون بغيرهم وقوله تعالى

стр. 1632

﴿وإذا جاءتهم آية﴾ رجوعٌ إلى بيان حالِ مجرمي أهلِ مكةَ بعد ما بُيِّن بطريق التسليةِ أن حالَ غيرِهم أيضاً كذلك وأن عاقبةَ مكرِ الكلِّ ما ذُكر فإن العظيمةَ المنقولةَ إنما صدَرت عنهم لا عن سائر المجرمين أي إذا جاءتهم آية بواسطة الرسول ﷺ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حتى نؤتى ﴿مثل ما أوتى رسل الله﴾ قال ابن عباس ﵄ حتى يوحيَ إلينا ويأتيَنا جبريلُ ﵇ فيخبرَنا أن محمداً صادق كما قالوا أَوْ تَأْتِىَ بالله والملائكة قَبِيلاً وعن الحسن البصْري مثلُه وهذا كما ترى صريحٌ ي أن ما عُلّق بإيتاء ما أوتيَ الرسلُ عليهم الصلاة والسلام هو إيمانُهم برسولِ الله ﷺ وبما أنزل إليه إيماناً حقيقياً كما هُو المتبادَرُ منه عند الإطلاقِ خلا أنه يستدعي أن يُحمل ما أوتى رسل الله على مطلق الوحي ومخاطبةِ جبريلُ ﵇ في الجملة ة وأن تُصرفَ الرسالةُ في قوله تعالى ﴿الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ عن ظاهرها وتُحملَ على رسالة جبريلَ ﵇ بالوجه المذكور ويُرادَ بجعلها تبليغُها إلى المرسَل إليه لا وضعُها في موضعها الذي هو الرسول ليتأتّى كونُه جوبا عن اقتراحهم ورداً له بأن يكونَ معنى الاقتراحِ لن نؤمنَ بكون تلك الآيةِ نازلةً من عند الله تعالى إلى الرسول حتى يأتينا بالذات عينانا كما يأتي الرسولُ فيخبرُنا بذلك ومعنى الردّ الله أعلم مَنْ يليقُ بإرسال جبريلَ ﵇ إليه لأمر من الأمور إيذاناً بأنهم بمعزل من استحقاق ذلك التشريفِ وفيه من التمحُّل ما لا يخفى وقال مقاتلٌ نزلتْ في أبي جهلٍ حين قال زاحَمْنا بني عبدِ منافٍ في الشرف حتى إذا صِرْنا كفرَسَيْ رهانٍ قالوا أمنا نبيٌّ يوحى إليه والله لا نرضى به ولا نتّبعه أبداً حتى يأتيَنا وحيٌ كما يأتيه وقال الضحاك سأل كلُّ واحد من القوم أن يُخَصّ بالرسالة والوحي كما أخبر الله تعالى عنْهُم فِي قوله بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرىء مّنْهُمْ أَن يؤتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً ولا يخفى أنَّ كلَّ واحدٍ من هذين القولين وإن كان مناسباً للرد المذكورِ لكنه يقتضي أن يراد بالإيمان المُعلَّقِ بإيتاء ما أوتيَ الرسلُ مجردُ تصديقِهم برسالته ﵊ في الجملة من غير شمولٍ لكافة الناس وأن تكون كلمةُ حتى في قول اللعينِ حتى يأتيَنا وحيٌ كما يأتيه الخ غايةً لعدم الرضا لا لعدم الاتباعِ فإنه مقررٌ على تقديرَيْ إيتاءِ الوحي وعدمِه فالمعنى لن نؤمنَ برسالته أصلاً حتى نؤتى نحن من الوحي والنبوة مثل ما أوتى رسل الله أو

стр. 1633

الأنعام آية ١٢٥ إيتاءً مثلَ إيتاءِ رسلِ الله وأما ما قيل من أن الوليدَ بنَ المغيرةِ قال لرسول الله ﷺ لو كانت النبوةُ حقاً لكنتُ أولى بها منك لأني أكبرُ منك سناً وأكثرُ منك مالاً وولداً فنزلت فلا تعلُّقَ له بكلامهم المردودِ إلا أن يرادَ بالإيمان المعلَّقِ بما ذكر مجردُ الإيمانِ بكون الآيةِ النازلةِ وحياً صادقاً لا الإيمانِ بكونها نازلةً إليه ﵊ فيكون المعنى وإذا جاءتهم آيةٌ نازلةٌ إلى الرسول قالوا لن نؤمنَ بنزولها من عند الله حختى يكونَ نزولُها إلينا لا إليه لأنا نحن المستحقون دونه فإن مُلخّصَ معنى قولِه لو كانت النبوةُ حقاً الخ لو كان ما تدّعيه من النبوة حقاً لكنتُ أنا النبيَّ لا أنت وإذ لم يكُنِ الأمرُ كذلكَ فليست بحق وماله تعليقُ الإيمانِ بحقية النبوةِ بكون نفسِه نبياً ومثلَ ما أُوتيَ نُصب على أنه نعت لمصدر محذوف وما مصدرية أي حتنى نؤتاها إيتاءً مثلَ إيتاءِ رسلِ الله وإضافةُ الإيتاءِ إليهم لأنهم منكِرون لإيتائه ﷺ وحيث نُصب على المفعولية توسعاً لا بنفس أعلمُ لما عرفتَ من أنَّه لا يعمل في الظاهر بل يفعل دلَّ هو عليه أي هو أعلمُ يعلم الموضِعَ الذي يضعها فيه والمعنى أن منصِبَ الرسالةِ ليس مما ينال بكثرة المالِ والولدِ وتعاضُدِ الأسبابِ والعدد وإنما يُنال بفضائلَ نفسانيةٍ يخُصّها الله تعالى بمن يشاء من خُلّص عبادِه وقرىء رسالاتِه ﴿سَيُصِيبُ الذين أَجْرَمُواْ﴾ استئنافٌ آخرُ ناعٍ عليهم ما سيلقونه من فنون الشر بعد مانعى عليهم حِرمانَهم مما أمّلوه والسين للتأكيد ووضعُ الموصولِ موضعَ الضميرِ للإشعار بأن إصابةَ ما يصيبهم لإجرامهم المستتبِعِ لجميع الشرورِ والقبائحِ أي يصيبهم البتةَ مكانَ ما تمنَّوْه وعلّقوا به أطماعَهم الفارغةَ من عزة النبوة وشرفِ الرسالة ﴿صَغَارٌ﴾ أي ذلة وحقارة بعد كِبْرِهم ﴿عَندَ الله﴾ أي يوم القيامة وقيل من عند الله ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الآخرةِ أو في الدنيا ﴿بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ﴾ أي بسبب مكرِهم المستمرِّ أو بمقابلته وحيث كان هذا من معظم موادِّ إجرامِهم صُرّح بسببيته

стр. 1634

﴿فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ﴾ أي يُعرِّفه طريقَ الحقِّ ويوفِّقَه للإيمان ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام﴾ فيتسعَ له وينفتح وهو كنايةٌ عن جعل النفس قابلةً للحق مهيئة لحلوله فيها مصفّاةً عما يمنعه وينافيه وإليه أشارَ ﵊ حين سئل فقال نورٌ يقذِفه الله في قلب المؤمن فينشرح له وينفتح فقالوا هل لذلك من أمارة يُعرف بها فقال نعم الإنابةُ إلى دارِ الخُلودِ والإعراضُ عن دار الغرورِ والاستعدادُ للموت قبل نزوله ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ﴾ أي يخلُقَ فيه الضلالَ بصرفِ اختيارِه إليه ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً﴾ بحيث ينبو عن قَبول الحقِّ فلا يكاد يدخله الإيمانُ وقرىء ضَيْقاً بالتخفيف وحرِجاً بكسر الراء أي شديد الضيق والأولُ مصدرٌ وُصف به مبالغةً ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ﴾ ما هذه مُهيِّئةٌ لدخول كأنّ على الجمل الفعلية ﴿فِى السماء﴾ شِبْهٌ للمبالغة في ضيق صدرِه بمن يزاول ما لا يكادُ يُقدر عليه فإن صعودَ السماءِ مثلٌ فيما هو خارجٌ عن دائرة الاستطاعة وفيه تنبيه على أن الإيمانَ يمتنع منه كما يمتنع منه الصعودُ وقيل معناه كأنما يتصاعد إلى السماء نبُوّاً عن الحق وتباعداً في الهرب منه وأصلُ يصعّد يتصعّد وقدقرىء به وقرىء يصّاعد وأصله يتصاعد ﴿كذلك﴾ أي مثلَ ذلك الجعلِ الذي هو جعل الصدر حرجا

стр. 1635

الأنعام آية ١٢٦ ١٢٨ على الوجه المذكور ﴿يَجْعَلُ الله الرجس﴾ أي العذابَ أو الخِذلانَ قال مجاهدٌ الرجس مالا خيرَ فيه وقال الزجاج الرجسُ اللعنةُ في الدنيا والعذابُ في الآخرة ﴿عَلَى الذين لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي عليهم ووضعُ الموصول موضعَ المضمرِ للإشعار بأن جعلَه تعالى معلَّلٌ بما في حيز الصلة من كمال نبُوِّهم عن الإيمان وإصرارِهم على الكفر

стр. 1636

﴿وهذا﴾ أي البيانُ الذي جاء به القرآنُ أو الإسلامُ أو ما سبق من التوفيق والخذلان ﴿صراط رَبّكَ﴾ أي طريقُه الذي ارتضاه أو عادتُه وطريقتُه التي اقتضتها حِكمتُه وفي التعرض لعنوان الربيوبية إيذانٌ بأن تقويمَ ذلك الصراطِ للتربية وإفاضةِ الكمال ﴿مُّسْتَقِيماً﴾ لا عِوَج فيه أو عادلا مطردا وهو حالٌ مؤكدة كقوله تعالى وَهُوَ الحق مُصَدّقًا والعاملُ فيها معنى الإشارةِ ﴿قَدْ فصلنا الآيات﴾ ببناها مفصلةً ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ يتذكرون ما في تضاعيفها فيعلمون أن كلَّ ما يحدُث من الحوادث خيرا كان أو شرا فإنما يحدُث بقضاء الله تعالى وخلقِه وأنه تعالى عالمٌ بأحوال العبادِ حكيمٌ عادلٌ فيما يفعل بهم وتخصيصُ القومِ المذكورين بالذكر لأنهم المنتفِعون بتفصيل الآيات

стр. 1637

﴿لَهُمْ دَارُ السلام﴾ أي للمتذكرين دارُ السلامة من كل المكاره وهي الجنة ﴿عِندَ رَبّهِمْ﴾ أي في ضمانه أو ذخيرةٌ لهم عنده لا يعلم كُنهَها غيرُه تعالى ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُم﴾ أي مولاهم وناصرُهم ﴿بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ بسبب أعمالِهم الصالحةِ أو متولِّيهم بجزائها يتولى إيصالَه إليهم

стр. 1638

﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾ منصوبٌ بمضمر إما على المفعولية أو الظرفية وقرىء بنون العظمةِ على الالتفاتِ لتهويل الأمرِ والضميرُ المنصوبُ لمن يُحشر من الثقلين أي واذكر يوم الحشر الثقلين قائلاً ﴿يَا مَعْشَرَ الجن﴾ أو ويوم يحشرهم يقول يا معشرَ الجنِّ أو ويوم يحشرهم ويقول يا معشرَ الجن يكونُ من الأحوال والأهوالمال لا يساعده لفظاعته والمعشرُ الجماعةُ والمرادُ بمعشر الجنِّ الشياطينُ ﴿قَدِ استكثرتم مّنَ الإنس﴾ أي من إغوائهم وإضلالِهم أو منهم بأن جعلتموهم أاتباعكم فحُشِروا معكم كقولهم استكثر الأمير من أي من الجنود وهذا بطريق التوبيخِ والتقريع ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم﴾ أي الذين أطاعوهم ومِنْ في قولِه تعالَى ﴿مّنَ الإنس﴾ إما لبيان الجنسِ أي أولياؤُهم الذين هم الإنسُ أو متعلقةٌ بمحذوفٍ هو حالٌ من أولياؤهم أي كاتئنين من الإنس ﴿رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ أي انتفع الإنسُ بالجن بأن دلُّوهم على الشهوات وما يُتوصَّل به إليها وقيل بأن ألقوا إليهم من الأراجيف والسِّحر والكهانة والجن بالإنس بأ أطاعوهم وحصّلوا مرادَهم بقَبول ما ألقوه إليهم وقيل استمتاعُ الإنسِ بهم أنهم كانوا يعوذون بهم في المفاوز

стр. 1639

الأنعام آية ١٢٩ ش ٣٠ والمخاوفِ واستمتاعُهم بالإنس اعترافُهم بأنهم قادرون على إجازتهم ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الذى أَجَّلْتَ لَنَا﴾ وهو يومُ القيامة قالوه اعترافاً بما فعلوه من طاعة الشياطينِ واتباعِ الهوى وتكذيبِ البعث وإظهاراً للندامة عليها وتحسراً على حالهم واستسلاماً لربهم ولعل الاقتصارَ على حكاية كلامِ الضالّين للإيذان بأن المُضلِّين قد أُفحموا بالمرة فلم يقدروا على التكلم أصلاً ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من حكاية كلا منهم كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ الله تعالى حينئذ فقيل قال ﴿النار مَثْوَاكُمْ﴾ أي منزِلُكم أو ذاتُ ثوُائِكم كما أن دارَ السلام مثوى المؤمنين ﴿خالدين فِيهَا﴾ حال والعاملُ مثواكم إن جُعل مصدراً ومعنى الإضافة إن جُعل مكاناً ﴿إِلَاّ مَا شَاء الله﴾ قال ابن عباس ﵄ استثنى الله تعالى قوماً قد سبق في علمه أنهم يُسلمون ويصدِّقون النبيَّ ﷺ وهذا مبنيٌّ على أن الاستثناءَ ليس من المحكيّ وما بمعنى مَنْ وقيل المعنى إلا الأوقاتَ التي يُنقلون فيها من النار إلى الزمهرير فقد رُوي أنهم يدخُلون وادياً فيه من الزمهرير ما يميِّزُ بعضَ أوصالِهم من بعض فيتعاوَوْن ويطلُبون الردَّ إلى الجحيم وقيل يفتح لهم وهم في النار بابٌ إلى الجنة فيُسرعون نحوه حتى إذا صاروا إليه سُدَّ عليهم الباب وعلى التقديرين فالاستثناءُ تهكّمٌ بهم وقيل إلا ما شاء الله قبل الدخولِ كأنه قيل النارُ مثواكم أبداً إلا ما أمهلكم ولا يخفى بعدُه ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في أفاعيله ﴿عَلِيمٌ﴾ بأحوال الثقلين وأعمالِهم وبما يليق بها من الجزاء

стр. 1640

﴿وكذلك﴾ أي مثلَ ما سيق من تمكين الجنِّ من إغواء الإنسِ وإضلالِهم ﴿نُوَلّى بَعْضَ الظالمين﴾ من الإنس ﴿بَعْضًا﴾ آخرَ منهم أي نجعلهم بحيث يتولَّوْنهم بالإغواء والإضلالِ أو نجعل بعضَهم قرناءَ بعضٍ في العذاب كما كانوا كذلك في الدنيا عند اقترافِ ما يُؤدِّي إليه من القبائح ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ بسبب ما كانوا مستمرِّين على كسبه من الكفر والمعاصي

стр. 1641

﴿يَا مَعْشَرَ الجن والإنس﴾ شروعٌ في حكاية ما سيكون من توبيخ المعشَرَين وتقريعِهم بتفريطهم فيما يتعلق بخاصة أنفسِهم إثرَ حكايةِ توبيخِ معشر الجنِّ بإغواء الإنسِ وإضلالِهم وبيانِ مآلِ أمرِهم ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ أي في الدنيا ﴿رُسُلُ﴾ أيْ مِنْ عندِ الله ولكن لا على أن يأتيَ كلُّ رسولٍ كلَّ واحدة من الأمم بل على أن يأتي كلَّ أمة رسولٌ خاصٌّ بها أي ألم يأتِ كلَّ أمة منكم رسولٌ معين وقوله تعالى ﴿مّنكُمْ﴾ متعلقٌ بمحذوف وقع صفةٌ لرسلٌ أي كائنةٌ من جملتكم لكن لا على أنهم من جنس الفريقين معاً بل من الإنس خاصةً وإنما جُعلوا منهما إما لتأكيد وجوبِ اتباعِهم والإيذانِ بتقاربهما ذاتاً واتحادِهما تكليفاً وخطاباً كأنّهما جنسٌ واحد ولذلك تمكن أحدُهما من إضلال الآخَر وإما لأن المرادَ بالرسل ما يعمُّ رسلَ الرسلِ وقد ثبت أن الجن قد استمعوا القرآن وأنذروا به قومَهم حيث نطق به قوله تعالى وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً من الجن يستمعون الرقآن

стр. 1642

الأنعام آية ١٣١ إلى قوله تعالى وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ وقوله تعالى ﴿يقصون عليكم آياتي﴾ صفةٌ أخرى لرسلٌ محققةٌ لما هو المرادُ من إرسال الرسل من التبليغ والإنذارِ وقد حصل ذلك بالنسبة إلى الثقلين ﴿وَيُنذِرُونَكُمْ﴾ بما هو في تضاعيفها من القوارع ﴿لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا﴾ يومِ الحشرِ الذي قد عاينوا فيه ما أُعدَّ لهم من أفانين العقوباتِ الهائلة ﴿قالوا﴾ استئناف مبني على سؤال نشأ من الكلام السابقِ كأنه قيل فماذا قالوا عند ذلك التوبيخِ الشديد فقيل قالوا ﴿شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ أي بإتيان الرسلِ وإنذارِهم وبمقابلتهم إياهم بالكفر والتكذيب وباستحقاقهم بسبب ذلك للعذاب المخلّد حسبما فصل ي حكاية جوابِهم عن سؤال خَزَنةِ النار حيث قالوا بلى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ الله مِن شَىْء إِنْ أَنتُمْ إِلَاّ فِى ضلال كَبِيرٍ وقد أجمل ههنا في الحكاية كما أُجمل في حكاية جوابِهم حيث قالوا بلى ولكن حَقَّتْ كَلِمَةُ العذاب عَلَى الكافرين وقوله تعالى ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا﴾ معَ ما عُطف عليه اعتراضٌ لبيان ما أداهم في الدنيا إلى ارتكابهم للقبائح التي ارتكبوها وألجأهم بعد ذلك في الآخرة إلى الاعتراف بالكفر واستيجاب العذابِ وذمٌّ لهم بذلك أي واغتروا في الدنيا بالحياة الدنيئةِ واللذات الخسيسةِ الفانية وأعرضوا عن النعيم المقيم الذي بشرت به الرسل واجترءوا على ارتكاب ما يجُرّهم إلى العذاب المؤبَّد الذي أنذروهم إياه ﴿وَشَهِدُواْ﴾ في الآخرة ﴿عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ﴾ في الدُّنيا ﴿كافرين﴾ أي بالآيات والنذر التي أتى بها الرسلُ على التفصيل المذكورِ آنفاً واضطُرّوا إلى الاستسلام لأشد العذابِ كما ينبىء عنه ما حُكيَ عنُهم بقولِه تعالى وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِى أصحاب السعير وفيه من تحسيرهم وتحذيرِ السامعين عن مثل صنيعِهم ما لا مزيدَ عليه

стр. 1643

﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما ذُكر من شهادتهم على أنفسهم بالكفر واستيجاب العذاب والخطاب للرسول ﷺ بطريق التلوين وهو مبتدأٌ خبرُه قولُه تعالى ﴿أَن لم يكن ربك مهلك القرى﴾ بحذف اللام ى أَنَّ أنْ مصدريةٌ أو مخففةٌ من أنَّ وضميرُ الشأن الذي هو اسمُها محذوفٌ وقوله تعالى ﴿بِظُلْمٍ﴾ متعلقٌ إما بمهلك أي بسبب ظلمٍ أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من القُرى أي ملتبسةً بظلم فإن مكلابسة أهلِها للظلم ملابسةٌ للقرية له بواسطتهم وأما كونُه حالاً من ربك أو من ضميرِه في مُهلكَ كما قيل فيأباه أن غفلةَ أهلِها مأخوذةٌ في معنى الظلمِ وحقيقتِه لا محالة فلا يحسُن تقييدُه بقوله تعالى ﴿وَأَهْلُهَا غافلون﴾ والمعنى ذلك ثابتٌ لانتفاء كونِ ربِّك أو لأن الشأنَ لم يكن ربك مهلك القرى بسبب أي ظلم فعلوه من أفراد الظلم قيل أن يُنْهَوْا عنه ويُنَبَّهوا على بُطلانه برسول وكتابٍ وإن قضَى به بديهةُ العقولِ ويُنذَروا عاقبةَ جناياتِهم أو لولا انتفاءُ كونِه تعالى معذباً لهم قبل إرسالِ الرسلِ وإنزالِ الكتبِ لَما أمكن التوبيخُ بما ذُكر ولَما شهِدوا على أنفسهم بالكفر واستيجابِ العذاب ولا اعتذروا بعدم إتيانِ الرسل كما في قوله تعالى وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فنتبع آياتك مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونخزى وإنما عُلّل ما ذُكر بانتفاء التعذيبِ الدنيويِّ الذي هو إهلاكُ القرى قبل الإنذارِ مع أن التقريبَ في تعليله بانتفاء مطلقِ التعذيب من غير بعث الرسلِ أتمُّ على ما نطقَ به قولُه تعالى وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً لبيان كمال

стр. 1644

الأنعام آية ١٣٢ ١٣٤ نزاهتِه عن كلا التعذيبين الدنيوي والأخروي معاً من غير إنذارٍ على أبلغِ وجهٍ وآكدِه حيث اقتُصِر على نفي التعذيبِ الدنيوي عنه تعالى ليثبُتَ نفيُ التعذيبِ الأخروي عنه تعالى على الوجه البرهانيّ بطريق الأولوية فإنه تعالى حيث لم يعذِّبهم بعذاب يسيرٍ منقطعٍ بدون إنذارٍ فلأن لا يعذِّبَهم بعذاب شديد مخلدٍ أولي وأجلي ولو عُلل بما ذكر من نفي التعذيبِ لا نصرف بحسب المقام إلى ما فيه الكلامُ من نفي التعذيب الأخروي ونفي التعذيب الدنيوي وغير متعرَّضٍ له لا صريحاً ولا دَلالةً ضرورةَ أن نفي الأعلى لا يدل على نفي الأدنى ولأن ترتب العذاب الدنيويِّ على الإنذار عند عدمِ تأثرِ المنذَرين منه معلومٌ مشاهدٌ عند السامعين فيستدلون بذلك على أن التعذيبَ الأخرويَّ أيضاً كذلك فينزجرون عن الإخلال بمواجب الإنذارِ أشدَّ انزجارٍ هذا هُو الذي تستدعيهِ جزالة النظمِ الكريم وأما جعلُ ذلك إشارةً إلى إرسال الرسلِ ﵈ وإنذارِهم وخبرُ المبتدأ محذوفٌ كما أطبقَ عليه الجمهورُ فبمعزل من مقتضى المقامِ والله سبحانه أعلم

стр. 1645

﴿وَلِكُلّ﴾ أي من المكلفين من الثقلين ﴿درجات﴾ متفاوتةٌ وطبقاتٌ متباينة ﴿مّمَّا عَمِلُواْ﴾ من أعمالهم صالحةً كانت أو سيئةً فإن أعمالَهم درجاتٌ في أنفسها أو من جزاء أعمالِهم فإن كلَّ جزاءٍ مرتبةٌ معينةٌ لهم أو من أجل أعمالِهم ﴿وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ فيخفى عليه عملٌ من أعمالهم أو قدْرُ ما يستحقون بها من ثواب أو عقاب وقرىء بالتاء تغليباً للخطاب على الغَيْبة

стр. 1646

﴿وَرَبُّكَ الغنى﴾ مبتدأٌ وخبرٌ أي هو المعروفُ بالغني عن كلِّ ما سواهُ كائنا من كان وكا كان فيدخُل فيه غناه عن العباد وعن عبادتهم في التعرُّض لوصف الربوبيةِ في الموضعين لا سيما في الثاني لكونه موقعَ الإضمار مع الإضافة إلى ضميره ﷺ من إظهار اللطفِ به ﷺ وتنزيهِ ساحتِه عن توهم شمولِ الوعيدِ الآتي لها أيضاً ما لا يخفى وقوله تعالى ﴿ذُو الرحمة﴾ خبرٌ آخرُ أو هو الخبرُ والغنيُّ صفةٌ أي يترحم عليهم بالتكليف تكميلاً لهم ويُمهلهم على المعاصي وفيه تنبيه على أن ما سلف ذكرُه من الإرسال ليس لنفعه بل لترحمه على العباد وتمهيدٌ لقوله تعالى ﴿إِن يَشَأْ يذهبكم﴾ أي مابه حاجةٌ إليكم إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا العصاةُ وفي تلوين الخطابِ من تشديد الوعيد ما لا يخفى ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم﴾ أي من بعد إذهابِكم ﴿مَا يَشَاء﴾ من الخلق وإيثارُ مَا على مَنْ لإظهار كمالِ الكبرياءِ وإسقاطِهم عن رتبة العقلاءِ ﴿كَمَا أَنشَأَكُمْ من ذرية قوم آخرين﴾ أي من نسل قومٍ آخرين لم يكونوا على مثل صفتِكم وهم أهلُ سفينة نوحٌ ﵊ لكنه أبقاكم ترحماً عليكم وما في كما مصدريةٌ ومحلُّ الكافِ النصبُ على أنه مصدر تشبيهي على غير الصدر فإن يستخلف في معنى ينشىء كأنه قيل وينشىء إنشاءً كائناً كإنشائكم الخ أو نعتٌ لمصدر الفعل المذكور أي يستخلف استخلافاً كائناً كإنشائكم الخ والشرطيةُ استئنافٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبلها من الغنى والرحمة

стр. 1647

﴿إن ما توعدون﴾

стр. 1648

الأنعام آية ١٣٥ ١٣٦ أي الذي توعدونه من البعث وما يتفرَّع عليه من الأمور الهائلةِ وصيغةُ الاستقبال للدِلالة على الاستمرار التجددي ﴿لأَتٍ﴾ لواقعٌ لا محالة كقوله تعالى إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لواقع وإيثارُه عليه لبيان كمالِ سرعةِ وقوعِه بتصويره بصورة طالبٍ حثيثٍ لا يفوته هاربٌ حسبما يُعرب عنه قوله تعالى ﴿وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ أي بفائتين ذلك وإن ركِبتم في الهرب متنَ كلِّ صَعْبٍ وذَلولٍ كما أن إيثارَ صيغةِ الفاعلِ على المستقبل للإيذان بكمال قربِ الإتيان والمرادُ بيانُ دوامِ انتفاءِ الإعجازِ لا بيانُ انتفاءِ دوامِ الإعجاز فإن الجملة الاسميةَ كما تدل على دوام الثبوتِ تدل بمعونة المقام إذا دخل عليها حرف النفي على دوام الانتفاءِ لا على انتفاء الدوامِ كما حُقّق في موضعه

стр. 1649

﴿قل يا قوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ﴾ إثرَ ما بيّن لهم حالَهم ومآلَهم بطريق الخطاب أُمر رسول الله ﷺ بطريق التلوينِ بأن يواجِهَهم بتشديد التهديد وتكريرِ الوعيد ويظهر لهم ما هو عليه غاية التصلب في الدين ونهايةِ الوثوقِ بأمره وعدم المبالاةِ بهم أي اعملوا على غاية تمكنكم واستطاعتك يقال نمكن مكانةً إذا تمكّن أبلغَ التمكّن أو على جهتكم وحالتِكم التي أنتمُ عليها من قولهم مكان ومكانة كمقامٌ ومقامة وقرىء مكاناتِكم والمعنى اثبتوا على كفرهم ومعاداتكم ﴿إِنّى عامل﴾ ما أُمرت به من الثبات على الإسلام والاستمرارِ على الأعمال الصالحةِ والمصابرةِ وإيرادُ التهديد بصيغة الأمرِ مبالغةٌ في الوعيد كأن المهددَ يريد تعذيبَه مجمِعاً عليه فيحمِله بالأمر على ما يؤدي إليه وتسجيلٌ بأن المهدِّد لا يتأتّى منه إلا الشرُّ كالذي أُمر به بحيث لا يجد إلى التقصّي عنه سبيلاً ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقبة الدار﴾ سوف لتأكيد مضمونِ الجملة والعلمُ عرفاني ومن إما استفهامية معلقة لفعل العلم محلُّها الرفعُ على الابتداءِ وتكون باسمها وخبرها خبرٌ لها وهي مع خبرها في محل نصبٍ لسدها مسدَّ مفعول تعلمون أي فسوف تعلمون أيُّنا تكون له العاقبةُ الحسنى التي خلق الله تعالى هذه الديار لها وإما موصولةٌ فمحلُّها النصبُ على أنَّها مفعولٌ لتعلمة ون أي فسوف تعلمون الذي له عاقبةُ الدارِ وفيه مع الإنذار إنصافٌ في المقال وتنبيهٌ على كمال وثوقِ المنذِرِ بأمره وقرىء بالياء لأن تأنيثَ العاقبةِ غيرُ حقيقي ﴿إِنَّهُ﴾ أي الشأنَ ﴿لَا يُفْلِحُ الظالمون﴾ وُضع الظلمُ موضِعَ الكفرِ إيذاناً بأن امتناعَ الفلاحِ يترتب على أي فردٍ كان من أفراد الظلمِ فما ظنُّك بالكفر الذي هو أعظمُ أفرادِه

стр. 1650

﴿وَجَعَلُواْ﴾ شروعٌ في تقبيح أحوالِهم الفظيعةِ بحكاية أقوالِهم وأفعالهم الشنيعة مشركوا العربِ كانوا يُعيِّنون أشياءَ من حرث ونتاج لله تعالى وأشياءَ منهما لآلهتهم فإذا رأوا ما جعلوه لله تعالى زاكياً نامياً يزيد في نفسه خيراً رجَعوا فجعلوه لآلهتهم وإذا زكا ما جعلوه لآلهتهم تركوه معتلين بأن اللع تعالى غنيٌّ وما ذاك إلا لحب آلهتِهم وإيثارِهم لها والجعلُ إما متعدَ إلى واحد فالجارّان في قوله تعالى
следующие страницы →