← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

الأنعام آية ١٥٥ ١٥٦ وصاكم بِهِ بطريق الاستئنافِ تصديقاً له وتقريراً لمضمونه فعلنا ذلك ثم آتينا الخ كما أن قوله تعالى وَنَطْبَعُ على قُلُوبِهِمْ معطوفٌ على ما يدلُّ عليهِ معنى أَوَ لَمْ يَهْدِ الخ كأنه قيل يغفُلون عن الهداية وتطيع الخ وأما عطفُه على ذلكم وصاكم به ونظمُه معه في سلك الكلامِ الملقّن كما أجمع عليه الجمهورُ فمما لا يليق بجزال النظمِ الكريم فتدبر وثم للتراخي في الإخبار كما في قولك بلغني ما صنعتَ اليوم ثم ما صنعتَ أمسِ أعجبُ أو للتفاوت في الرتبة كأنه قيل ذلكم وصاكم به قديماً وحديثاً ثم أعظمُ من ذلك أنا آتينا موسى التوراةَ فإن إيتاءَها مشتملةً على الوصية المذكورةِ وغيرِها أعظمُ من التوصية بها فقط ﴿تَمَامًا﴾ للكرامة والنعمة أي إتماماً لهما على أنه مصدرٌ من أتمّ بحذف الزوائد ﴿عَلَى الذى أَحْسَنَ﴾ أي على مَنْ أحسن القيامَ به كائناً مَنْ كان ويؤيده أنه قرىء على الذين أحسنوا وتماماً على المحسنين أو على الذي أحسن تبليغَه وهو مُوسى ﵇ أو تماماً على ما أحسنه موسى ﵇ أي أجاده من العلم والشرائعِ أي زيادةً على علمه على وجه التتميم وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي على الذي هو أحسن دين وأرضاه وآتينا موسى الكتاب تماماً أي تاماً كاملاً على أحسنِ ما يكون عليه الكتُب ﴿وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَىْء﴾ وبياناً مفصلاً لكلِّ مَا يُحتاج إليهِ في الدين وهو عطفٌ على تماماً ونصبُهما إما على العلية وعلى المصدرية كمَا أُشير إليهِ أو على الحالية وكذا قوله تعالى ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ وضمير ﴿لعلهم﴾ لبني إسرائي المدلولِ عليهم بذكر موسى وإيتاءِ الكتاب والباء في قوله تعالى ﴿بِلَقَاء رَبّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ قدمت عليه محافظةً على الفواصل قال ابن عباس ﵄ كي يؤمنوا بالبعث ويصدّقوا بالثواب والعذاب

стр. 1682

﴿وهذا﴾ أي الذي تُليت عليكم أوامرُه ونواهيه أي القرآن ﴿كِتَابٌ﴾ عظيمُ الشأنِ لا يقادَر قدرُه وقوله تعالى ﴿أنزلناه مُبَارَكٌ﴾ أي كثيرُ المنافع ديناً ودنيا صفتان لكتابٌ وتقديمُ وصفِ الإنزال مع كونه غيرَ صريحٍ لأن الكلام مع منكريه أو خبرانِ آخرانِ لاسمِ الإشارة أي أنزلناه مشتملاً على فنون الفوائدِ الدينية والدنيوية التي فُصِّلت عليكم طائفةٌ منها والفاء في قوله تعالى ﴿فاتبعوه﴾ لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن عِظمَ شأنِ الكتابِ في نفسه وكونَه منزلاً من جنابِه مستتبعاً للمنافع الدينية والدنيوية موجبٌ لاتباعه أيَّ إيجاب ﴿واتقوا﴾ مخالفتَه ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ بواسطة اتباعِه والعمل بموجبه

стр. 1683

﴿أَن تَقُولُواْ﴾ علةٌ لأنزلناه المدلولِ عليه بالمذكور لا لنفسه للزوم الفصلِ حينئذ بين العامل والمعمولِ بأجنبيّ هو مباركٌ وصفاً كان أو خبراً أي أنزلناه كذلك كراهةَ أن تقولوا يوم القيام لو لم تُنْزِله ﴿إِنَّمَا أُنزِلَ الكتاب﴾ الناطقُ بتلك الأحكام العامة لكل الأمم ﴿على طائفتين﴾ كمائنتين ﴿مِن قَبْلِنَا﴾ وهما اليهودُ والنصارى وزتخصيص الإنزال بكتابيهما لأنهما الذي اشتهر حينئذ فيما بين الكتب السماويةِ بالاشتمال على الأحكام لا سيما الأحكامِ المذكورة ﴿وإن كنا﴾

стр. 1684

الأنعام آية ١٥٧ أنْ هيَ المخففةُ منَ إن واللام فارقةٌ بينهما وبين النَّافيةِ وضميرُ الشَّأنِ محذوفٌ ومرادُهم بذلك دفعُ ما يرد عليهم من أن نزولَه عليهما لا ينافي عمومَ أحكامِه فلمَ لمْ تعملوا بأحكامه العامة أي وإنه كنا ﴿عَن دِرَاسَتِهِمْ لغافلين﴾ لا ندري ما في كتابهم إذ لم يكن على لغتنا حتى نتلقّى منه تلك الأحكامَ العامة ونحافظَ عليها وإن لم يكن منزلاً علينا وبهذا تبيّن أن معذرتَهم هذه مع أنهم غيرُ مأمورين بما في الكتابين لاشتمالهما على الأحكام المذكورة المتناولة الأممِ كما أن قطعَ تلك المعذرةِ بإنزال القرآنِ لاشتماله أيضاً عليها لا على سائر الشرائعِ والأحكام فقط

стр. 1685

﴿أَوْ تَقُولُواْ﴾ عطفٌ على تقولوا وقرىء كلاهما بالياء على الالتفات من خطاب فاتبعوه واتقوا ﴿لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الكتاب﴾ كما أنزل عليهم ﴿لَكُنَّا أهدى مِنْهُمْ﴾ إلى الحقِّ الذي هو المقصِدُ الأقصى أو إلى ما في تضاعيفِه من جلائل الأحكام والشرائع ودقائقِها لحِدّة أذهانِنا وثَقابةِ أفهامنا ولذلك تلقّفنا من فنون العلم كالقصص والأخبار والخُطب والأشعار ونحوِ ذلك طرفاً صالحاً ونحن أمّيون وقوله تعالى ﴿فَقَدْ جَاءكُمْ﴾ متعلِّق بمحذوفٍ يُنبىء عنه الفاءُ الفصيحةُ إما معللٌ به أي لا تعتذروا بذلك فقد جاءكم الخ وإما شرطٌ له أي إن صدقتم فيما كنتم تعدّون من أنفسكم من كونكم أهدى من الطائفتين على تقدير نزولِ الكتابِ عليكم فقد حصل ما فرضتم وجاءكم ﴿بينة﴾ وأي بينة أي حجة واضحة لا يُكتَنهُ كنهها وقوله تعالى ﴿من رَّبّكُمْ﴾ متعلق بجاءكم أو بمحذوف هو صفةٌ لبينة أي بينةٌ كائنا منه تعالى وأيا ما كان ففيه دلالة على فضلها الإضافي كما أن في تنوينها التفخيميِّ دلالةٌ على فضلها الذاتي وفي التعرُّض لوصفِ الربوبيةِ مع الإضافةِ إلى ضميرِهم مزيدُ تأكيدٍ لإيجاب الاتباع ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ عطفٌ على بينةٌ وتنوينُهما أيضاً تفخيميٌّ عبّر عن القرآن بالبينة إيذاناً بكمال تمكنِهم من دراسته ثم بالهدى والرحمة تنبيهاً على أنه مشتملٌ على ما اشتمل عليه التوراةُ من هداية الناس ورحمتِهم بل هو عينُ الهداية والرحمة ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ الفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن مجيءَ القرآن المشتمل على الهدى والرحمة موجبٌ لغاية أظلمية مَنْ يكذّبه أي وإذَا كانَ الأمرُ كذلك فَمَنْ أَظْلَمُ ﴿مِمَّن كَذَّبَ بآيات الله﴾ وُضع الموصولُ موضعَ ضميرِهم بطريق الالتفات تنصيصاً على اتصافهم بما في حيزلصلة وإشعارا بعلة التحكيم وإسقاطاً لهم عن رتبة الخطابِ وعبّر عما جاءهم بآيات الله تهويلاً للأمر وتنبيهاً على أن تكذيبَ أي آيةٍ كانت من آياتِ الله تعالى كافٍ في الأظلمية فما ظنكتكذيب القرآن المنطوي على الكل والمعنى إنكارُ أن يكون أحد ظلم ممن فعل ذلك أو مساوياً له وإن لم يكن سبكُ التركيب متعرضاً لإنكار المساواة أو نفيها فإذا قيل مَنْ أكرمُ من فلان أو لا أفضل منه فالمراد به حتماً بحكم العرف الفاشي والاستعمال المطرد أنه أكرمُ من كل كريم وأفضل من كل فاضل وقد مر مراراً ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾

стр. 1686

الأنعام آية ١٥٨ أي صرَفَ الناس عنها فجمعَ بين الضلال والإضلالِ ﴿سَنَجْزِى الذين يَصْدِفُونَ﴾ الناسَ ﴿عَنْ آياتنا﴾ وعيدٌ لهم ببيان جزاء إضلالِهم بحيث يُفهم منه جزاءُ ضلالهم ايضا ووضعُ الموصول موضعَ المضمرِ لتحقيق مناطِ الجزاء ﴿سُوء العذاب﴾ أي العذابَ السيءَ الشديدَ النكاية ﴿بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ﴾ أي بسببِ ما كانُوا يفعلون الصَّدْف والصرْف على التجدد والاستمرارِ وهذا تصريحٌ بما أَشعَرَ به إجراءُ الحُكم على الموصول من عِلِّيَّةِ مَا في حيزِ الصِّلةِ له

стр. 1687

﴿هَلْ يَنظُرُونَ﴾ استئنافٌ مَسوقٌ لبيان أنَّه لا يتأتَّى منهمْ الإيمانُ بإنزال ما ذكر من اللبينات والهدى وأنهم لا يرعوون عن التمادي في المكابرة واقتراحِ ما ينافي الحكمةَ التشريعية من الآيات المُلجئة وأن الإيمانَ عند إتيانها مما لا فائدةَ له أصلاً مبالغةً في التبليغ والإنذار وإزاحةِ العلل والأعذار أي ما ينتظرونَ ﴿إِلا أَن تَأْتِيهُمُ الملائكة أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ﴾ حسبما اقترحوا بقولهم لول أُنزِلَ عَلَيْنَا المَلائِكَةُ أَوْ نرى رَبَّنَا وبقولهم أو تأتي بالله والملائكة قَبِيلاً وبقولهم لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ونحو ذلك أو إلا أن تأتيهم ملائكةُ العذاب أو يأتيَ أمرُ ربك بالعذاب والانتظارُ محمولٌ على التمثيل كما سيجيء وقرىء يأتيَهم بالياء لأن تأنيثَ الملائكة غيرُ حقيقي ﴿أو يأتي بعضُ آيات ربِّكَ﴾ أي غيرُ ما ذكركما اقترحوا بقولهم أَوْ تُسْقِطَ السماء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا ونحوِ ذلك من عظائمِ الآياتِ التي علّقوا بها إيمانَهم والتعبيرُ عنها بالبعض للتهويل والتفخيم كما أن إضافةَ الآياتِ في الموضعين إلى اسم الربِّ لمنبىء عن المالكية الكليةِ لذلك وإضافته إلى ضميره ﷺ للتشريف وقيل المرادُ بالملائكة ملائطكة الموت وبإتيانه إتيانُ كل آياتِه بمعنى آياتِ القيامةِ والهلاكُ الكليُّ بقرينة ما بعده من إتيان بعضِ آياتِه تعالى على أن المرادَ به أشراطُ الساعةِ التي هي الدخانُ ودابةُ الأرضِ وخسفٌ بالمشرق وخسف بماغرب وخسف بجزيرة العرب والدجالوطلوع الشمس من مغربها ويأجوجُ ومأجوجُ ونزولُ عيسى ﵇ ونارٌ تخرج من عَدَنَ كما نطق به الحديثُ الشريفُ المشهورُ وحيث لم يكن إتيانُ هذه الأمورِ مما ينتظرونه كإتيان ما اقترحوه من الآيات فإن تعليقَ إيمانِهم بإتيانها انتظارٌ منهم له ظاهراً حُمل الانتظارُ على التمثيل المبنيِّ على تشبيه حالِهم في الإصرار على الكفر والتمادي في العناد إلى أن تأتيَهم تلك الأمورُ الهائلةُ التي لا بد لهم من الإيمان عند مشاهدتِها البتةَ بحال المنتظرين لها وأنتَ خبيرٌ بأنَّ النظمَ الكريمَ بسباقه المُنبىءِ عن تماديهم في تكذيبِ آياتِ الله تعالى وعدمِ الاعتدادِ بها وسياقِه الناطقِ بعدم نفع الإيمانِ عند إتيان ما ينتظرونه يستدعي أن يُحملَ ذلك على أمور هائلةٍ مخصوصةٍ بهم إما بأن تكونَ عبارةً عما اقترحوه أو عن عقوبات مترتبةٍ على جناياتهم كإتيان ملائكةِ العذاب وإتيانِ أمرِه تعالى بالعذاب وهُو الأنسبُ لما سيأتِي من قوله تعالى قُلِ انتظروا إِنَّا مُنتَظِرُونَ وأما حملُه على ما ذكر من إتيان ملائكةِ الموتِ وإتيانِ كل آياتِ القيامةِ وظهورِ أشراطِ الساعة مع شمول إتيانها

стр. 1688

الأنعام آية ١٥٨ لكل ر وفاجر واشتمالِ غائلتِها على كل مؤمن وكافرٍ فمما لا يساعده المقامُ على أن بعضَ أشراطِ الساعةِ ليس مما ينسدّ به بابُ الإيمان والطاعة نعم يجوزُ حملُ بعضِ الآياتِ في قولِه ﴿يوم يأتي بعضُ آيات ربِّكَ﴾ على ما يعم مقترحاتِهم وغيرها من الدواهي العاظام السالبةِ للاختيار الذي عليه يدجور فلكُ التكليفِ فإنه بمنزلة الكبرى من الشكل الأولِ فيتم التقريبُ عند وقوعِها جوابَ القسم وقرىء يومُ بالرفع على الابتداء والخبرُ هو الجملةُ والعائدُ محذوفٌ أي لا ينفع فيه ﴿نَفْساً﴾ من النفوس ﴿إيمانها﴾ حينئذ لانكشاف وكون الأمرِ عياناً ومدارُ قَبولِ الإيمان أن يكون بالغيب كقوله تعالى فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم لَمَّا رأو بَأْسَنَا وقُرِىءَ لا تنفعُ بالتاءِ القوقانية الاكتساب الإيمانِ من ملابسة المضاف إليه تأنيثاً وقوله تعالى ﴿لم تكن آمنت مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل إتيان بعض الآيات صفى ة لنفساً فصل بينهما بالفاعل لاشتماله على ضمير الموصوفِ ولا ضيرَ فيه لأنه غيرُ أجنبيَ منه لاشتراكهما في العامل ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِى إيمانها خَيْرًا﴾ عطفٌ على آمنت بإيراد الترديدِ على النفي المفيدِ لكفاية أحد النفيين في عدم النفعِ والمعنى أنه لا ينفع الإيمانُ حينئذ نفساً لم تقدم إيمانَها أو قدّمتْه ولم تكسِبْ فيه خيراً ومن ضرورته اشتراطُ النفعِ بتحقق الأمرين أي الإيمانِ المقدَّمِ والخير المكسوف فيه معاً بمعنى أن النافعَ هو تحققُهما والإيمانُ المؤخرُ لغوٌ وتحصيلٌ للحاصل لا أنه هو النافعُ وتحققُهما شرطٌ في نفعه كما لو كان المقدَّمُ غيرَ المؤخرِ بالذات فإن قولَك لا ينفع الصومُ والصدقةُ مَنْ لم يؤمِنْ قبلَهما معناه أنهما ينفعانه عند وقوعِهما بعد الإيمان وقد استدل به أهلُ الاعتزالِ على عدم اعتبارِ الإيمانِ المجردِ عن الأعمال وليس بناهض ضرورةَ صحةِ حملِه على نفي الترديدِ المستلزِمِ لعمومه المفيدِ بمنطوقه لاشتراط عدمِ النفع بعدم الأمرين معاً وبمفهومه لاشتراط النفعِ بتحقق أحدِهما بطريق منعِ الخلوِّ دون الانفصالِ الحقيقي فالمعنى أنه لا ينفع الإيمانُ حينئذ نفساً لم يصدُرْ عنها من قبلُ أحدُ الأمرين أما الإيمانُ المجردُ أو الخيرُ المكسوبُ فيه فيتحقق النفعُ بأيهما كان حسبما تنطِقُ به النصوصُ الكريمةُ من الآيات والأحاديث وما قيل من أن عدم افيمان السابقِ مستلزمٌ لعدم كسب الخيرِ فيه بالضرورة فيكون ذكرُه تكراراً بلا فائدة على أن الموجبَ للخلود في النار هو العدمُ الأولُ من غير أن يكون للثاني دخلٌ ما في ذلك قطعاً فيكون ذكرُه بصدد بيانِ ما يوجب الخلودَ لغواً من الكلام لغو من الكلام مبني على توهم أن المقصودَ بوصف النفسِ بالعدمين المذكورين مجرد بيان غيجابهما للخلود فيها وعدمِ نفعِ الإيمان الحادثِ في إنجائها عنه وليس كذلك إلا لكفى في البيان أن يقال لا ينفعُ نفساً إيمانُها الحادثُ بل المقصِدُ الأصليُّ من وصفها بذينك العدمين في أثناء بيانِ عدم نفعِ الإيمان الحادثِ تحقيقُ أن موجبَ النفع إحدى ملكيتهما أعني الإيمانَ السابقَ والخيرَ المكسوبَ فيه بما ذكر من الطريقة والترغيبِ في تحصيلهما في ضمن التحذيرِ من تركهما ولا سبيلَ إلى أن يقال كما أن عدمَ الأولِ مستقلٌّ في إيسجاب الخلود في النار فيلغو ذكرُ عدمِ الثاني كذلك وجوده مستقل في إيجاب الخلاصعنها فيكون ذكرُ الثاني لغواً لما أنه قياسٌ مع الفارق كيف لا والخلود فيها أمرٌ لا يُتصوَّر فيه تعددُ العللِ وأما الخلاصُ عنها مع دخولِ الجنةِ فله مراتبُ بعضُها مترتبٌ على نفس الإيمان وبعضها على فروعه

стр. 1689

الأنعام آية ١٥٩ المتفاوته كما وكيفما وإنما لم يقتصِرْ على بيان ما يوجب أصلَ النفع وهو الإيمان السابق مع أنه هو المقابلُ لما لا يوجبه أصلاً أعني الإيمانَ الحادثَ بل قرَنَ به ما يوجب النفع الوائد أيضاً إرشاداً إلى تحرّي الأعلى وتنبيهاً على كفاية الأدنى وإقناطاً للكفرة عمَّا علَّقوا به أطماعَهم الفارغةَ من أعمال البِرّ التي عمِلوها في الكفر من صلة الأرحام وإعتاق الرقاب وفك العُناةِ وإغاثةِ الملهُوفين وقِرى الأضيافِ وغير ذلك ممَّا هو من باب المكارم ببيان أن كل ذلك لغوٌ بحتٌ لابتنائه على غير أساسٍ حسبما نطق به قوله تعالى والذين كَفَرُواْ أعمالهم كَرَمَادٍ اشتدت بِهِ الريح الآية ونحوُ ذلك من النصوص الكريمة وأن افيمان الحادثَ كما لا ينفعهم وحده لا ينفعهم بانضمام أعمالِهم السابقةِ واللاحقة ولك أن تقول المقصودُ بوصف النفسِ بما ذُكر من العدمين التعريضُ بحال الكفرة في تمردهم وتفريطِهم في كلِّ واحدٍ من الأمرين الواجبين عليهم وإن كان وجوبُ أحدِهما منوطاً بالآخر كما في قوله فلا صدق ولا صلى تسجيلاً بكمال طغيانِهم وإيذاناً بتضاعف عقابِهم لما تقرَّر من أنَّ الكفارَ مخاطَبون بفروع الشرائعِ في حق المؤاخذخ كما ينبىء عنه قوله تعالى فويل لّلْمُشْرِكِينَ الذين لَا يُؤْتُونَ الزكاة إذا تححققت هذا وقفتَ على أن الآيةَ الكريمة أحقُّ بأن تكون حجةً على المعتزلة من أن تكون حجةً لهم هذا وقد قيل إنها من باب اللف التقديريِّ أي لا ينفع نفساً إيمانُها ولا كسبُها في الإيمان لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فيه وليس بواضح فإن مبنى اللفِّ التقديريِّ أن يكون المقدرُ من متمّمات الكلامِ ومقتَضَيات المقام قد ترك ذكرَه تعويلاً على دِلالة الملفوظِ عليه واقتضائِه إياه كما مرَّ في تفسيرِ قولِه وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ ويستكبر فيحشرهم إِلَيهِ جَمِيعاً فإنه قد طُوي في المفصل ذكرُ حشر المؤممنين ثقةً بإنباء التفصيل عنه أعني قوله تعالى فَأَمَّا الذين آمنوا الآية ولا ريب في أن ما قدر ههنا ليس مما يستدعيه قوله تعالى أَوْ كَسَبَتْ فِى إيمانها خَيْرًا ولا هو من مقتضيات المقامِ لأنه ليس ممنا وُعِدوه وعلّقوه بإتيان ما ذُكر من الآيات كالإيمان حتى يرِدَ عليهم ببيان عدمِ نفعِه إذ ذاك على أن ذلك مشعرٌ بأن لهم بعد ما أصابهم من الدواهي ما أصابهم بقاء على السلاة وزماناً يتأتى منهم الكسبُ والعملُ فيه وفيه من الإخلال بمقام تهويلِ الخطبِ وتفظيعِ الحالِ ما لا يخفى وقد أُجيب عن الاستدلال بوجوه أُخَرَ قصارى قصارى أمرِها إسقاطُ الآية الكريمةِ عن رتبة المعارضةِ للنصوص القطعية المنون القويةِ الدلالةِ على ما ذُكر من كفاية الإيمان المجردِ عن العمل في الإنجاء الخالدِ ولو بعد اللتيا والتي لِما تقرَّر من أنَّ الظنيَّ بمعزل من معارضة القطعي ﴿قُلْ﴾ لهم بعد بيانِ حقيقةِ الحالِ على وجه التهديد ﴿انتظروا﴾ ما تنتظرونه من إتيان أحدِ الأمورِ الثلاثةِ لترَوا أيَّ شيء تنتظرون ﴿إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ لذلك لنشاهدَ ما يحِلُّ بكم من سوء العاقبة وفيه تأييدٌ لكون المرادِ بما ينتظرونه إتيانَ ملائكةِ العذابِ أو إتيانَ أمرِه تعالى بالعذاب كما اشير غليه وعِدَةٌ ضمنيةٌ لرسول الله ﷺ والمؤمنين بمعاينتهم لما يَحيق بالكفرة من العقاب ولعل ذلك هو الذي شاهدوه يوم بدر والله سبحانه أعلم

стр. 1690

﴿إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ﴾ استئناف

стр. 1691

الأنعام آية ١٦٠ ١٦١ لبيان أحوالِ أهلِ الكتابين إثرَ بيانِ حالِ المشركين أي بدّدوه وبعّضوه فتمسك بكل بعضٍ منه فِرقةٌ منهم وقرىء فارقوا أي باينوا فإن تركَ بعضِه وإن كان بأخذ بعضٍ منه تركٌ للكل ومفارقةٌ له ﴿وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ أي فِرقاً تشيّع كلُّ فِرقةٍ إماتما لها قال ﷺ افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقةً كلهم في الهاوية إلا واحدة وافترقت النصارى اثنتين وسبعين فرقةً كلهم في الهاوية إلا واحدة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقةً كلهم في الهاوية إلا واحدة واستثناء الواحدة من فِرَق كلَ من أهل الكتابين إنما هو باتلنظر إلى العصر الماضي قبل النسخِ وأما بعده فالكلُّ في الهاوية وإن اختلفت أسبابُ دخولِهم فمعنى قوله تعالى ﴿لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْء﴾ لست من البحث عن تفرقهم والتعرّضِ لمن يعاصرك منهم بالمناقشة والمؤاخذة وقيل من قتالهم في شيء سوى تبليغِ الرسالةِ وإظهارِ شعائرِ الدين الحقِّ الذي أُمرت بالدعوة إليه فيكون منسوخاً بآية السيف وقوله تعالى ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الله﴾ تعليلٌ للنفي المذكورِ أي هو يتولى وحده أمر أولاهم وأخراهم ويدبره كيف يشاء حسبما تقتضيه الحكمة يؤاخذهم في الدنيا متى شاء ويأمر بقتالهم إذا أراد وقيل المفرقون أهل البدع والأهواء الزائغة من هذه الأمة ويرده أنه ﷺ مأمور بمؤاخذتهم والاعتذار بأن معنى لست منهم في شيء حينئذ أنت بريء منهم ومن مذهبهم وهم برآء منك يأباه التعليل المذكور ﴿ثُمَّ يُنَبّئُهُم﴾ أي يوم القيامة ﴿بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ عبر عن إظهاره بالتنبئة لما بينهما من الملابسة في أنهما سببان للعلم تنبيهاً على أنهم كانوا جاهليل بحال ما ارتكبوه غافلين عن سوء عاقبته أي يظهر لهم على رءوس الأشهاد ويعلمهم أي شيء شنيع كانوا يفعلونه في الدنيا على الاستمرار ويرتب عليه ما يليقُ به من الجزاء وقوله تعالى

стр. 1692

﴿مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ استئناف مبين لمقادير أجزية العاملين وقد صدر ببيان أجزية المحسنين المدلول عليهم بذكر أضدادهم ال عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم يريد من عمل من المصدقين حسنة كتبت له عشر حسنات أي من دجاء يوم القيامة بالأعمال الحسنة من المؤمنين إذلا حسنة بغير غيمان فله عشر حسنات أمثالها تفضلا من الله وقرىء عشر بالتنوين وأمثالها بالرفع على الوصف وهذا أقل ما وعد من الأضعاف وقد جاء الوعد بسبعين وبسبعمائة وبغير حساب ولذلك قيل المراد بذكر العشر بيان الكثرة لا الحصر في العدد الخاص ﴿وَمَن جَاء بالسيئة﴾ أي بالأعمال السيئة كائنا من كان من العاملين ﴿فَلا يَجْزِى إِلَاّ مِثْلَهَا﴾ بحكم الوعد واحدة بواحدة ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ بنقصِ الثواب وزيادة العقاب

стр. 1693

﴿قُلْ إِنَّنِى هَدَانِى رَبّى﴾ أمر رسول الله ﷺ بأن يبين لهم ما هُو عليه من الدين الحق الذين يدعون أنهم عليه وقد فارقوه بالكلية وتصديرُ الجملة بحرفِ التَّحقيقِ لإظهار كمال الاعتناء بمضمونها والتعرضُ لعنوانِ الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميره ﷺ لمزيد تشريفه أي قل لأولئك المفرقين أرشدني ربي بالوحي وبما نصب في الآفاق والأنفسِ من الآيات التكوينية ﴿إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ موصل إلى الحق

стр. 1694

الأنعام آيو ١٦٢ ١٦٤ وقوله تعالى ﴿دِينًا﴾ بدلٌ من إلى صراط فإن محله النصبُ كما في قوله تعالى وَيَهْدِيَكَ صراطا مُّسْتَقِيماً أو مفعولٌ لفعل مُضمر يدلُّ عليه المذكورُ ﴿قَيِّماً﴾ مصدرٌ نُعت به مبالغة والقياسُ قِوَماً كعِوَض فاعل لإعلال فعلِه كالقيام وقرىء قيما وهو فعيل من قام كسيّد من ساد وهو أبلغُ من المستقيم باعتبار الزنة وإن كان هو أبلغَ منه باعتبار الصيغة ﴿مِلَّةِ إبراهيم﴾ عطفُ بيانٍ لديناً ﴿حَنِيفاً﴾ حال من غبراهيم أي مائلاً عن الأديان الباطلةِ وقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ مِنَ المشركين﴾ اعتراضٌ مقرر لنزاهته ﷺ عما عليه المفرِّقون لدينه من عقْد وعَمَل أي ما كان منهم في أمر من أمور دينهم أصلا وفرعا صرح بذلك رداً على الذين يدَّعُون أنَّهم على ملته ﵇ من أهل مكةَ واليهود والمشركين بقولهم عزيرا ابنُ الله والنصارى المشركين بقولهم المسبح ابنُ الله

стр. 1695

﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى﴾ أعيد الأمر لماأن المأمور به متعلِّقٌ بفروع الشرائعِ وما سبق أصولها أي عبادتي كلَّها وقيل وذبحي جُمع بينه وبين الصلاة كما في قوله تعالى فَصَلّ لِرَبّكَ وانحر وقيل صلاتي وحجّي ﴿وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى﴾ أي وما أنا عليه في حياتي وما أكونُ عليه عند موتي من الإيمان والطاعةِ أو طاعات الحياة الخيرات المضافة إلى الممات كالوصية والتدبير وقرىء محيايْ بسكون الياء إجراءً للوصل مُجرى الوقفِ ﴿للَّهِ رَبّ العالمين﴾

стр. 1696

﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ خالصةً له لا أُشرِك فيها غيرَه ﴿وبذلك﴾ إشارةٌ إلى الإخلاص وما فيه من معنى البُعدِ للإشعارِ بعلوِّ رتبتِه وبُعدِ منزلتِه في الفضل أي بذلك الإخلاصِ ﴿أُمِرْتُ﴾ لا بشيء غيرِه وقوله تعالى ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ المسلمين﴾ لبيان مسارعتِه ﵇ إلى الامتثال بما أُمر به وأن ما أُمر به ليس من خصائصِه ﵇ بل الكلُّ مأمورون به ويقتدي به ﵇ من أسلم منهم

стр. 1697

﴿قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِى رَبّا﴾ فأُشرِكَه في العبادة ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلّ شَىْء﴾ جملةٌ حالة مؤكدةٌ للإنكار أي والحالُ أنَّ كلَّ ما سواهُ مربوبٌ له مثلي فكيفَ يُتصوّر أن يكونَ شريكاً لي في المعبودية ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَاّ عَلَيْهَا﴾ كانوا يقولون للمسلمين اتبعوا سبيلنا ولتنحمل خطاياكم إما بمعنى لِيُكْتَبْ علينا ما عمِلتم من الخطايا لا عليكم وإما بمعنى لنحمِلْ يوم القيامة ما كُتب عليكم من الخطايا فهذا ردٌّ له بالمعنى الأول أي لا تكونُ جنايةُ نفسٍ من النفوس إلا عليها ومُحالٌ أن يكون صدورُها عن شخص وقرارُها على شخص آخرَ حتى يتأتى ما ذكرتم وقولُه تعالى ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ ردٌّ له بالمعنى الثاني أي لا تحمِلُ يومئذ نفسٌ حاملةٌ حِمْلَ نفسٍ أخرى حتى يصِحّ قولُكم ﴿ثُمَّ إلى رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى الكل لتأكيد الوعدِ وتشديد الوعيد أي إلى مالك أمورِكم ورجوعِكم يوم القيامة ﴿فَيُنَبّئُكُمْ﴾ يومئذ ﴿بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ببيان الرُّشدِ من الغيِّ وتمييزِ الحق من الباطل

стр. 1698

الأنعام آية

стр. 1699

١٦٥ - ٣ ﴿وَهُوَ الذى جَعَلَكُمْ خلائف الأرض﴾ حيث خلقتم الأممَ السالفة أو يخلُف بعضُكم بعضاً أو جعلكم خلفاءَ الله تعالى في أرضه تتصرفون فيها على أن الخطابَ عام ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ﴾ في الشرف والغنى ﴿فَوْقَ بَعْضٍ درجات﴾ كثيرةٍ متفاوتة ﴿ليبلوكم في ما آتاكم﴾ من المال والجاهِ أي ليعاملكم معاملة من يبتليكم لينظر مذا تعملون من الشكر وضدَّه ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ تجريدُ الخطابِ لرسول الله ﷺ مع إضافة اسم الربِّ إلى ضميره ﷺ لإبراز مزيدِ اللطفِ به ﷺ ﴿سَرِيعُ العقاب﴾ أي عقابُه سريعُ الإتيان لمن لم يُراعِ حقوقَ ما آتاه الله تعالى ولم يشكُرْه لأن كلَّ آتٍ قريبٌ أو سريعُ التمامِ عند إرادتِه لتعاليه عن استعمال المبادي والآلات ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لمن راعاها كما ينبغي وفي جعل خبرِ هذه الجملةِ من الصفات الذاتيةِ الواردةِ على بناء المبالغةِ مؤكداً باللام مع جعل خبرِ الأولى صفةً جاريةً على غيرِ مَنْ هيَ له في من التنبيه على أنه تعالى غفور رحيم بالذات مبالغ فيعما فاعلٌ للعقوبة بالعَرَض مسامحٌ فيها ما لا يَخْفى والله أعلم عن رسولِ الله ﷺ أنزلت عليَّ سورةُ الأنعام جملةً واحدةً يشيِّعها سبعونَ ألفَ ملكٍ لهم زَجَلٌ بالتسبيح والتحميد فمن قرأ الأنعامَ صلَّى عليه واستغفرَ له أولئك السبعونَ الف ملك بعدد كل آية من سورة الأنعام يوماً وليلة والله تعالى أعلم

стр. 1700

الأعراف آية ١ ﴿ سورة الأعراف مكية غير ثماني آيات من قوله واسألهم إلى قوله وإذ نتقنا الجبل وآيها مائتان وخمس ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾

стр. 1701

﴿المص﴾ إمَّا مسرودٌ على نمطِ التعديدِ بأحد الوجهين المذكورين في فاتحةِ سُورةِ البقرةِ فلا محلَّ له من الإعرابِ وإمَّا اسمٌ للسُّورةِ فمحلُّه الرفعُ على أنه خبر مبتدأ محذوف والتقديرُ هذا ألمص أي مسمّىً به وتذكيرُ اسمِ الإشارة مع تأنيث المسمَّى لما أن الإشارةَ إليه من حيث إنه مسمى بالاسم المذكور لا من حيث أنه مسمّىً بالسورة وإنما صحت الإشارةُ إليه من حيث إنه مسمى بالاسم المذكور لا من حيث أنه مسمّىً بالسورة وإنما صحت الإشارةُ إليه معَ عدمِ سبْق ذكرِه لما أنه باعتبار كونِه بصدد الذكرِ صار في حكم الحاضِرِ المشاهَد وقوله عز وجل

стр. 1702

﴿كِتَابٌ﴾ على الوجه الأولِ خبرُ مبتدأ محذوفٍ وهو ما ينبىء عنه تعديدُ الحروفِ كأنه قيل المؤلَّفُ من جنس هذه الحروفِ مراداً به السورةُ كتابٌ الخ أو اسمُ إشارةٍ أُشير به إليه تنزيلاً لحضور المؤلَّفِ منه منزلةَ حضورِ نفسِ المؤلّف أي هذا كتابٌ الخ وعلى الوجه الثاني خبرٌ بعد خبر جىء به غثر بيان كونه مترجما باسمٍ بديع مُنبىءٍ عن غرابته في نفسه إبانةً لجلالة محلهببيان كونِه فرداً من أفراد الكتبِ الإلهية حائزاً للكمالات المختصَّة بها وقد جُوّز كونُه خبراً وألمص مبتدأٌ أي المسمى المص كتابٌ وقد عرفتَ ما فيه من أن ما يُجعل عُنواناً للموضوعِ حقُه أنْ يكونَ قبلَ ذلكَ معلومَ الانتسابِ إليه عند المخاطَب وإذْ لا عهدَ بالتَّسميةِ قبلُ فحقُها الإخبارُ بها ﴿أَنزَلَ إِلَيْكَ﴾ أي من جهته تعالى بُني الفعل للمفعول جرياً على سَنن الكبرياءِ وإيذاناً بالاستغناء عن التصريح بالفاعل لغاية ظهورِ تعيُّنِه وهو السرُّ في ترك مبدأ الإنزال كما في قوله جل ذكره بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ ونظائرِه والجملةُ صفةٌ لكتاب مشرفة له ولم أُنزل إليه وجعلُه خبراً له على معنى كتابٌ عظيمُ الشأنِ أُنزل إليك خلاف الأصل ﴿فَلَا يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ أي شك كما في قوله تعالى فَإِن كُنتَ فِي شك مما أنزلنا إليك خلا أنه عبّر عنه بما يلازمه من الحَرَج فإن الشاكَّ يعتريه ضيقُ الصدرِ كما أن المتيقِّنَ يعتريه انشراحه وانفساحه مبالغةً في تنزيه ساحتِه ﵊ عن نسبة الشك إليه ولو في ضمن النهي فإنه من الأحوال القللبية التي يستحيل اعترؤها إياه وما قديقع من نسبته إليه في ضمن النمهي فعلى طريقةِ التهيجِ والإلهاب والمبالغةِ في التَّنفيرِ والتحذيرِ بإيهام أن ذلك من القُبحِ والشرِّية بحيثُ يُنهى عنه من لا يمكن صدوره عنه

стр. 1703

الأعراف آية ٣ أصلاً فكيف بمَن يُمكن ذلك منه والتنوينُ للتحقير والجارُّ في قوله تعالى ﴿مِنْهُ﴾ متعلقٌ بحرَجٌ يقال حرِج منه أي ضاق به صدرُه أو بمحذوف وقع صفة له أي حرجٌ كائنٌ منه أي لا يكن فيك شك ما في حقِّيته أو في كونه كتاباً منزلاً إليك من عنده تعالى فالفاءُ على الأول لترتيب النهي أو النتهاء على مضمون الجملةِ فإنه مما يوجب انتفاءَ الشكِّ فيما ذُكر بالكلية وحصولَ اليقينِ به قطعاً وأما على الثاني فهي لترتيب ما ذُكر على الإخبار بذلك لا على نفسه فتدبرو توجيه النهي إلى الحرَج مع أن المراد نهيه عليه الصلام والسلام عنه إما لما مر من المبالغة في تنزيهِه ﵊ عن الشك فيما ذُكر فإن النهيَ عن الشيء مما يوهم إمكانَ صدورَ المنهي عنه عن المهي عنه وإما للمبالغة في النهي فإن وقوعَ الشكِّ في صدَره ﵊ سبب لاتصافه ﵊ به والنهيُ عن السبب نهيٌ عن المسبَّب بالطريق البرهاني ونفيٌ له من أصله بالمرة كما في قوله تعالى وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ الآية وليس هذا من قبيل لا أرينك ههنا فإن النهيَ هناك واردٌ على المسبب مرادا به النهيُ عن السبب فيكون المآل نهيهِ ﵊ عن تعاطي ما يُورِثُ الحرَجَ فتأملْ وقيل الحرجُ على حقيقته أي لا يكنْ فيك ضيقُ صدرٍ من تبليغه مخافةَ أن يكذّبوك وأن تُقصِّر في القيام بحقه فإنه ﵊ كان يخاف تكذيبَ قومِه له وإعراضَهم عنه فكان يضيق صدرُه من الأداء ولا ينبسِطُ له فآمنه الله تعالى ونهاه عن المبالاة فالفاءُ حينئذ للترتيب على مضمون الجملةِ أو على الإخبار به فإنَّ كُلاًّ منهما موجبٌ للإقدام على التبليغ وزوالِ الخوفِ قطعاً وإن كان إيجابُه الثاني بواسطة الأول وقولُه تعالى ﴿لِتُنذِرَ بِهِ﴾ أي بالكتاب المنزل متعلقٌ بأُنزل وما بينهما اعتراضٌ توسّط بينهما تقريراً لمَا قبلَه وتمهيداً لما بعده وحسماً لتوهم أن موردَ الشكِّ هو الإنزالُ للإنذار وقيل متعلقٌ بالنهي فإن انتفاءَ الشكِّ في كونه منزلا من عنده تعالى موجبٌ للإنذار به قطعاً وكذا انتفاءُ الخوفِ منهم أو العلمُ بأنه موفقٌ للقيام بحقه موجبٌ للتجاسر على ذلك وأنت خبيرٌ بأنه لا يتأتى التفسير الأولِ لأن تعليلَ النهي عن الشك بما ذكر من الإنذار والتذكيرِ مع إيهامه لإمكان صدورِه عنه ﵊ مُشعرٌ بأن المنهيَّ عنه ليس محذوراً لذاته بل لإفضائه إلى فوات الإنذارِ والتذكير لا أقل من الإيذان بأن ذلك معظمُ غائلتِه ولا ريب في فساده وأما على التفسير الثاني فإنما يتأتى التعليلُ بالإنذار لا بتذكير المؤمنين إذ ليس فيه شائبةُ خوفٍ حتى يُجعل غايةً لانتفائه وقوله تعالى ﴿وذكرى للمؤمنين﴾ في حين النصبِ بإضمار فعلِه معطوفاً على تنذرَ أي وتذكّرَ المؤمنين تذكيراً أو الجرِّ عطفاً على محلِّ إنَّ تنذرَ أي للإنذار والتذكير وقيل مرفوعٌ عطفاً على كتابٌ أو خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ وتخصيصُ التذكيرِ بالمؤمنين للإيذان باختصاص الإنذارِ بالكفرة أي لتنذرَ به المشركين وتذكرَ المؤمنين وتقديمُ الإنذار لأنه أهمُّ بحسب المقام

стр. 1704

﴿اتبعوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم﴾ كلامٌ مستأنفٌ خوطب به كافةُ المكلفين بطريق التلوينِ وأُمروا باتباع ما أمر النبيِّ ﷺ قبله بتبليغه بطريق الإنذار والتذكيرِ وجعلُه منزلاً إليهم بواسطة إنزالِه إليه ﵊ أثر ذكر ما يصححه من الإنذار والتذكير لتأكيد وجحوب اتباعه وقوله تعالى

стр. 1705

الأعراف آية ٤ ﴿مّن رَّبّكُمْ﴾ متعلقٌ بأُنزل على أن مِنْ لابتداء الغايةِ مجازاً أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً منَ الموصولِ أو مِنْ ضميره في الصلة وفي التعرُّض لوصفِ الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضمير المخاطَبين مزيدُ لطفٍ بهم وترغيبٌ لهم في الامتثال بما أُمروا به وتأكيدٌ لوجوبه وجعلُ ما أنزل ههنا عاما للسنة الوقلية والفعلية بعيدٌ نعم يعمُّهما حكمُه بطريق الدِلالةِ لا بطريق العبارة ولما كان اتباعُ ما أنزله الله تعالى اتباعاً له تعالى عُقّب الأمرُ بذلك بالنهي عن اتباع غيرِه تعالى فقيل ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ﴾ أي مِن دُونِهِ أي من دون ربكم الذي أنزل إليكم ما يهديكم إلى الحق ومحلُّه النصبُ على أنَّه حال من فافعل فعلُ النهي أي لا تتبعوا متجاوزين الله تعالى ﴿أَوْلِيَاء﴾ من الجن والإنسِ بأن تقبلوا منهم ما يُلْقونه إليكم بطريق الوسوسةِ والإغواءِ من الأباطيل ليضلّوكم عن الحق ويَحمِلوكم على البدع والأهواءِ الزائغةِ أو مِنْ أولياءَ قُدِّم عليه لكونه نكرةً إذ لو أُخِّرَ عنه لكانَ صفةً لهُ أيْ أولياءَ كائنةً غيرَه تعالى وقيل الضميرُ للموصول على حذف المضافِ في أولياء أي ولا تتبعوا من دون ما أَنزل أباطيلَ أولياءَ كأنه قيل ولا تتبعوا من دون دينِ ربِّكم دينَ أولياءَ وقرىء ولا تبتغوا كما في قوله تعالى وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا وقولُه تعالى ﴿قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ بحذفِ إحدى التَّاءينِ وتخفيفِ الذال وقرىء بتشديدها على إدغام التاء لمهموسة في الذال المجهورة وقرىء يتذكرون على صيغة الغَيبة وقليلاً نُصب إما بما بعده على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ مقدَّمٍ للقصر أو لزمانٍ كذلك محذوفٍ ومكا مزيدةٌ لتأكيدِ القِلة أي تذكراً قليلاً أو زماناً قليلاً تذكرون لا كثيراً حيث لا تتأثرون بذلك ولا تعملون بموجبه وتتركون دينَ الله تعالى وتتبعون غيرَه ويجوز أن يُراد بالقِلة العدمُ كما قيل في قوله تعالى فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ والجملة اعتراضٌ تذييليٌّ مسوقٌ لتقبيح حالِ المخاطَبين والالتفاتُ على القراءة الأخيرةِ للإيذان باقتضاء سوءِ حالِهم في عدم الامتثالِ بالأمر والنهي صرفِ الخطابِ عنهم وحكايةِ جناياتِهم لغيرِهم بطريق المبالة وإما نُصبَ على أنه حالٌ من فاعل لا تتبعوا وما مصدريةٌ مرتفعةٌ به أي لا تتبعوا من دونه أولياءَ قليلاً تذكّرُكم لكن لا على توجيه النهي إلى المقيد فقط كما في قولِه تعالى لا تقربوا الصلوة وَأَنتُمْ سكارى بل إلى المقيد والقيدِ جميعاً وتخصيصُه بالذكر لكمزيد تقبيحِ حالِهم بجمعهم بين المنكرين

стр. 1706

﴿وَكَم مّن قَرْيَةٍ أهلكناها﴾ شروعٌ في إنذارهم بما جرى على الأمم الماضيةِ بسبب إعراضِهم عن اتباع الله تعالى وإصرارِهم على اتباع دينِ أوليائِهم وكم خبربة للتكثير في موضع رفعٍ على الابتداء كما في قولك زيدٌ ضربته والخبرُ هو الجملةُ بعدها ومن قرية تمييزٌ والضميرُ في أهلكناها راجعٌ إلى معنى كم أي كثيرٌ من القرى أهلكناها أو في موضع نصب بأهلكناها كما في قوله تعالى إِنَّا كُلَّ شَىْء خلقناه بِقَدَرٍ والمرادُ بإهلاكها إرادةُ إهلاكِها كما في قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلوة أي أردنا إهلاكَها ﴿فَجَاءهَا﴾ أي فجاء أهلَها ﴿بَأْسُنَا﴾ أي عذابُنا بَيَاتًا مصدرٌ بمعنى الفاعل واقعٌ موقعَ الحال أي بائتين كقوم لوطٍ ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ عطف عليه أي أو قائلين من القيلولة نصفَ النهار كقوم شعيب وإنما حُذفت الواو من الحال المعطوفةِ على أختها استثقالاً لاجتماع العاطفَين فإن واو الحال حرفُ عطفٍ قد استعيرت للوصل لا اكتفاءً بالضمير كما في جاءني زيد هو فارس

стр. 1707

الأعراف آية ٥ ٨ فإنه غيرُ فصيح وتخصيصُ الحالتين بالعذاب لما أن نزولَ المكروهِ عند الغفلة والدعَةِ أفظعُ وحكايتَه للسامعين أزجرُ وأردَعُ عن الاغترار بأسباب الأمن والراحةِ ووصفُ الكلِّ بوصفي البياتِ والقيلولة مع أن بعضَ المُهلَكين بمعزل منهما لا سيما القيلولةِ للإيذان بكمال غفلتِهم وأمنِهم

стр. 1708

﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ﴾ أي دعاؤهم واستغاثتُهم ربَّهم أو ما كانوا يدّعونه من دينهم وينتحِلونه من مذهبهم ﴿إِذْ جَاءهُم بَأْسُنَا﴾ عذابُنا وعاينوا أمارته ﴿إِلَاّ أَن قَالُواْ﴾ جميعاً ﴿إِنَّا كُنَّا ظالمين﴾ أي إلا اعترافَهم بظلمهم فيما كانوا عليه وشهادتَهم ببطلانه تحسراً عليه وندامةً وطمعاً في الخلاص وهيهاتَ ولاتَ حين نجاة

стр. 1709

﴿فلنسألن الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ بيانٌ لعذابهم الأخرويِّ إثرَ بيانِ عذابِهم الدنيويِّ خلا أنه قد تعرض لبيان مبادي أحوالِ المكلفين جميعاً لكونه أدخلَ في التهويل والفاءُ لترتيب الأحوالِ الأخرويةِ على الدنيوية ذِكراً حسَبَ ترتبها عليها وجوداً أي لنسألن الأممَ قاطبةً قائلين ماذا أجبتم المرسلين ﴿وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِين﴾ عما أُجيبوا قال تعالى يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ والمرادُ بالسؤال توبيخُ الكفرة وتقريعُهم والذي نُفيَ بقوله تعالى وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون سؤالُ الاستعلامِ أو الأولُ في موقف الحساب والثاني في موقف العقاب

стр. 1710

﴿فَلَنَقصَنَّ عَلَيهِم﴾ أي على الرسل حين يقولن لا علم لنا إِنَّكَ أَنتَ علامُ الغيوب أو عليهم وعلى المرسَل إليهم جميعاً ما كانوا عليه ﴿بِعِلْمِ﴾ أي عالمين بظواهرهم وبواطنهم أو بمعلومنا منهم ﴿وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ عنهم في حالٍ من الأحوالِ فيخفى علينا شيءٌ من أعمالهم وأحوالِهم والجملةُ تذييلٌ مقرِّر لما قبلها

стр. 1711

﴿والوزن﴾ أي وزنُ الأعمالِ والتمييزُ بين راجحِها وخفيفِها وجيّدِها ورديئها ورفعُه على الابتداءِ وقولُه تعالَى ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ خبرُه وقوله تعالى ﴿الحق﴾ صفتُه أي والوزنُ الحقُّ ثابتٌ يومَ إذ يكون السؤالُ والقَصّ وقيل خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ كأنَّهُ قيل ما ذلك الوزن فقيل الحقُّ أي العدلُ السويُّ وقرىء القسطُ واختُلف في كيفية الوزن والجمهورُ على أن صحائفَ الأعمالِ هي التي توزن بميزان له لسانٌ وكِفّتان ينظُر إليه الخلائق إظهار للمعادلة وقطعاً للمعذرة كما يسألهم عن أعمالهم فتعترف بها ألسنتُهم وجوارحُهم ويشهد عليهم الأنبياءُ والملائكةُ والأشهادُ وكما يُثبَتُ في صحائفهم فيقرءونها في موقف الحساب ويؤيده ما رُوي أن الرجلَ يؤتى به الميزان فيُنشر له تسعةٌ وتسعون سجلا مدج البصر فيخرُج له بطاقةٌ فيها كلمتا الشهادة فتوضَع السجلات في في كِفة والبِطاقةُ في كفة فتطيش السجلاتُ وتثقُل البطاقةُ وقيل يوزن الأشخاصُ لما رُوي عنْهُ ﵊ أنه ليأتي العظيمُ السمينُ يوم القيامة لا يزنُ عندَ الله جناحَ بعوضةٍ وقيل

стр. 1712

الأعراف آية ٩ الوزنُ عبارةٌ عن القضاءِ السويِّ والحُكمُ العادلُ وبهِ قال مجاهدٌ والأعمشُ والضحاكُ واختارَهُ كثيرٌ من المتأخرينَ بناءً على أن استعمالَ لفظِ الوزنِ في هذا المعنى شائعٌ في اللغة والعُرفِ بطريق الكناية قالوا إن الميزانَ إنما يُراد به التوصلُ إلى معرفة مقاديرِ الشيءِ ومقاديرُ أعمالِ العباد لا يمكن إظهارُها بذلك لأنها أعراضٌ قد فَنِيَت وعلى تقدير بقائها لا تَقبل الوزن وقيلَ إن الأعمالَ الظاهرةَ في هذه النشأةِ بصور عرضيةٍ تبرُز في النشأة الآخرة بصور جوهريةٍ مناسبةٍ لها في الحسن والقبحِ حتى إنَّ الذنوبَ والمعاصيَ تتجسم هناك وتتصورُ بصورةِ النَّارِ وعَلى ذلكَ حُمل قولُه تعالى وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين وقوله تعالى الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً وكذا قولُه ﵊ في حقِّ مَنْ يشربُ من إناء الذهبِ والفضةِ إنما يُجرجِر في بطنِه نارَ جهنمَ ولا يعد في ذلكَ ألا يُرى أن العلمَ يَظهر في عالم المثال على سورة اللبنِ كما لا يَخْفى عَلَى مَنْ له خِبرةٌ بأحوالِ الحضَراتِ الخمس وقد رُوي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه يؤتى بالأعمال الصالحة على صور حسنة وزبالأعمال السيئةِ على صورٍ قبيحةٍ فتوضع في الميزان إن قيل إن المكلّف يوم القيامةِ إما مؤمنٌ بأنه تعالى حكيمٌ منزَّهٌ عن الجور فيكفيه حكمِه تعالى بكيفيات الأعمالِ وكمياتها وإما منكِرٌ له فلا يسلمُ حينئذ أن رجحانَ بعضِ الأعمالِ على بعض الخصوصيات راجعةٍ إلى ذوات تلك الأعمالِ بل يُسنده إلى إظهار الله تعالى إياه على ذلك الوجه فما الفائدةُ في الوزن أجيب بأنه ينكشف الحالُ يومئذ وتظهر جميعُ الأشياء بحقائقها على ما هي عليه وبأوصافها وأحوالِها في أنفسها من الحسن والقبحِ وغيرِ ذلك وتنخلع عن الصور المستعارةِ التي بها ظهرت في الدنيا فلا يبقى لأحد ممن يشاهدَها شُبهةٌ في أنها هي التي كانت في الدُّنيا بعينها وأن كل واحد منها قد ظهر في هذه النشأة بصورته الحقيقة المستتبِعةِ لصفاته ولا يخطُر بباله خلافُ ذلك والله تعالى أعلم ﴿فَمَن ثَقُلَتْ موازينه﴾ تفصيلٌ للأحكام المترتبة على الوزن والموازينُ إما جمعُ ميزانٍ أو جمعُ موزونٍ على أن المرادَ به ما له وزنٌ وقدْرٌ وهو الحسنات فإن رجحان أحدهما مستلزم لرجحان الآخَر أي فمَنْ رجَحت موازينُه التي توزن بها حسناتُه أو أعمالُه التي لها قدْرٌ وزنة وعن الحسن البصري وحُقّ لميزان توضع فيه الحسنات أن يقل وحُقّ لميزانٍ توضع فيه السيئاتُ أن يخِفّ ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافِه بثقل الميزانِ والجمعيةُ باعتبار معناه كما أن جمعَ الموازينِ لذلك وأما ضميرُ موازينِه فراجعٌ إليه باعتبار لفظِه وما فيه من معنى البُعدِ للإيذانِ بعلوِّ طبقتهم وبُعدِ منزلَتهِم في الفضلِ والشرف ﴿هُمْ المفلحون﴾ الفائزون بالنجاة والثوابِ وهم إما ضميرُ فصلٍ يفصِلُ بين الخبر والصفةِ ويؤكد النسبةَ ويفيد اختصاصَ المسندِ بالمسند إليه أو مبتدأٌ خبرُه المفلحون والجملةُ خبرٌ لأولئك وتعريفُ المفلحون للدِلالة على أنهم الناسُ الذين بلغك أنهم مُفلحون في الآخرة أو إشارةٌ إلى ما يعرِفه كلُّ أحد من حقيقة المفلحين وخصائصِهم

стр. 1713

﴿وَمَنْ خَفَّتْ موازينه﴾ أي موازينُ أعمالِه أو أعمالُه التي لا وزن لها ولا اعتدادَ بها وهب أعْمالُه السيئة ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إليهم باعتبارِ اتصافِهم بتلك الصفة القبيحةِ والجمعيةُ ومعنى البُعدِ لما مر آنفاً في نظيره وهو مبتدأٌ خبره

стр. 1714

الأعراف ١٠ ١١ ﴿الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم﴾ أي ضيّعوا الفطرةَ السليمةَ التي فُطروا عليها وقد أُيّدت بالآيات البينة وقولُه تعالى ﴿بِمَا كَانُواْ بآياتنا يَظْلِمُونَ﴾ متعلق بخسر وما مصدريةٌ وبآياتنا متعلقٌ بيظلمون على تضمين معنى التكذيب قد عليه لمراعاة الفواصلِ والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبلِ للدَلالةِ على استمرار الظلمِ في الدنيا أي فأولئك الموصوفون بخفة الموازين الذين خسروا أنفسَهم بسبب تكذيبِهم المستمر بآياتنا ظالمين

стр. 1715

﴿وَلَقَدْ مكناكم فِى الارض﴾ لما أمر الله سبحانه أهلَ مكةَ باتباع ما أنزل إليهم ونهاهم عن اتباع غيرِه وبيّن لهم وخامةَ عاقبتِه بالإهلاك في الدنيا والعذاب المخلّد في الآخرة ذكّرهم ما أفاض عليهم من فُنونِ النعمِ الموجبةِ للشكر ترغيباً في الامتثال بالأمر والنهي إثرَ ترهيبِ أي جعلنا لكم فيها مكاناً وقراراً أو ملكناكم فيها وأقدرناكم على التصرف فيها ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش﴾ المعايشُ جمعُ معيشةٍ وهي ما يُعاش به من المطاعم والمشاربِ وغيرِها أو ما يُتوصَّل به إلى ذلك والوجهُ في قراءته إخلاصُ الياء وعن ابن عامرٍ أنه همزة تسبيها له بصحائف ومدائن والجعلُ بمعنى الإنشاء والإبداع أي أنشأنا وأبدعنا لمصالحكم ومنافعِكم فيها أسباباً تعيشون بها وكلُّ واحد من الظرفين متعلقٌ به أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من مفعولِه المنكر إذلو تأخرَ لكانَ صفةً لهُ وتقديمها على المفعول مع أن حقهما التأخيرُ عنه لما مر غير مرة من الاعتناء بشأ المقدمِ والتشويقِ إلى المؤخرِ فإنَّ النفسَ عند تأخيرِ ماحقه التقديمُ لا سيَّما عند كونِ المقدم منبئاً عن منفعة للسامع تبقى مترقبةً لورود المؤخَّرِ فيتمكن فيها عند الورود فضل تمكن وأمات تقديمُ اللامِ على في فلما أنه المنبىءُ عما ذُكر من المنفعة فالاعتناءُ بشأنه أتمُّ والمسارعةُ إلى ذكره أهم هذا وقد قيلَ إنَّ الجعلَ متعدَ إلى مفعولين ثانيهما أحدُ الظرفين على أنه مستقر قُدّم على الأول والظرفُ الآخَرُ إما لغوٌ متعلقٌ بالجعل أو بالمحذوف الواقع حالاً من المفعول الأولِ كما مر وأنت خبيرٌ بأنه لا فائدةَ معتدٌّ بها في الإخبار بجعل المعايشِ حاصلةً لهم أو حاصلةً فِى الارض وقولُه تعالى ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ أي تلك النعمةَ تذييلٌ مَسوقٌ لبيان سوءِ حالِ المخاطبين وتحذيرِهم وبقيةُ الكلامِ فيه عينُ ما مرَّ في تفسيرِ قولِه تعالى قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ

стр. 1716

﴿وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم﴾ تذكيرٌ لنعمة عظيمةٍ فائضةٍ على آدمَ ﵇ ساريةٍ إلى ذريته موجبةٍ لشكرهم وتأخيرُه عن تذكير ما وقع قبله من نعمة التمكين في الأرض إما لأنها فائضةٌ على المخاطَبين بالذات وهذه بالواسطة وإما للإيذان بأن كلا منها نعمةٌ مستقلةٌ مستوجِبةٌ للشكر على حيالها فإن رعايةَ الترتيبِ الوقوعيِّ ربما تؤدِّي إلى توهّم عدِّ الكلِّ نعمةً واحدةً كمَا ذكر في قصة البقرة وتصديرُ الجملتين بالقسم وحرفِ التحقيقِ لإظهار كمالِ العناية بمضمونهما وإنما نُسب الخلقُ والتصويرُ إلى المخاطَبين مع أن المرادَ بهما خلقُ آدم ﵇ وتصويرُه حتماً توفيةً لمقام الامتنانِ حقَّه وتأكيداً لوجوب الشكر عليهم

стр. 1717

الأعراف آية ١١ بالرمز إلى أن لهم حظاً من خلقه ﵇ وتصويرِه لما أنهما ليسا من الخصائص المقصورة عليه ﵇ كسجود الملائكةِ له ﵇ بل من الأمور الساريةِ إلى ذريته جميعاً إذ الكلُّ مخلوقٌ في ضمن خلقِه على نمطه ومصنوعٌ على شاكلته فكأنهم الذي تعلق به خلقُه وتصويرُه أي خلقنا أباكم آدمَ طيناً غيرَ مُصوَّرٍ ثم صوَّرناه أبدعَ تصويرٍ وأحسنَ تقويمٍ سارَ إليكم جميعاً ﴿ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ﴾ صريحٌ في أنه ورد بعد خلقَه ﵊ وتسويتِه ونفخِ الروحِ فيه أمرٌ مُنجَزٌ غيرُ الأمر المعلَّق الواردِ قبل ذلك بقوله تعالى فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ ساجدين وهو المراد بما حكي بقوله تعالى وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لاِدَمَ الآية في سُورةِ البقرةِ وسُورة بني إسرائيلَ وسورة الكهفِ وسورة طه من غير تعرضٍ لوقته وكلمة ثم ههنا تقتضي تراخِيَه عن التصوير من غيرِ تعرضٍ لبيانِ ما جرى بينهما من الأمور وقد بينا في سورة البقرةِ أن ذلك ظهورُ فضلِ آدمَ ﵇ بعد المحاورة المسبوقةِ بالإخبار باستخلافه ﵇ حسبما نطق به قوله وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنّي جَاعِلٌ فِى الأرض خَلِيفَةً إلى قوله وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ فإن ذلك أيضاً من جملة ما نيط به الأمرُ المعلقُ من القسوية ونفخِ الروح وعدمُ ذكرِه عند الحكايةِ لا يقتضي عدمَ ذكره عند وقوعِ المحكيِّ كما أن عدمَ ذكر الأمر المعلق عند حكاية ألمر المنْجزِ لا يستلزمُ عدمَ مسبوقيتِه به فإن حكايةَ كلامٍ واحدٍ على أساليب مختلقة يقتضيها ليست بعزيزة في الكلام العزيزِ فلعله قد ألقى إلى الملائكة ﵈ أولا جميعُ ما يتوقفُ عليه الأمرُ المنجزُ إجمالاً بأن قيل مثلاً إني خالقٌ بشراً من طين وجاعلٌ إياه خليفةً في الأرض فإذا سويتُه ونفختُ فِيهِ مِن رُّوحِى وتبيَّن لكم فضلُه فقَعوا له ساجدين فخلقه فسوَّاه فنفخ فيه من روحه فقالوا عند ذلك ما قالوا أو ألقيَ إليهم خبرُ الخلافةِ بعد تحققِ الشرائطِ المذكورةِ بأن قيل إثرَ نفخِ الروحِ إني جاعلٌ هذا خليفةً في الأرض فهنالك ذكروا في حقه ﵇ ما ذكروا فأيده الله تعالى بتعليم الأسماءِ فشاهدوا منه ﵇ ما شاهدوا فعند ذلك ورد الأمر من المنْجزُ اعتناء بشأن المأمور به وإيذاناً بوقته وقد حُكي بعضُ الأمور المذكورة في بعض المواطنِ وبعضُها في بعضِها اكتفاء بما ذكر في كل موطنٍ عما تُرك في موطن آخرَ والذي يرفع غشاوةَ الاشتباهِ عن البصائر السليمةِ أن ما في سورة ص من قوله تعالى إِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة الآياتن بدلٌ من قولِه إِذْ يَخْتَصِمُونَ فيما قبله من قوله مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بالملإ الاعلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ أي بكلامهم عند اختصامِهم ولا ريب في أن المرادج بالملأ الأعلى وآدمُ ﵈ وإبليسُ حسبما أطيق عليه جمهورُ المفسرين وباختصامِهم ما جرى بينهم في شأن الخلافةِ من التقاول الذي من جملته ما صدر عنه ﵇ من الإنباء بالأسماء ومن قضية البدلية وقوعُ الاختصامِ المذكورِ في تضاعيف ما شُرح فيه مفصّلاً من الأمر المعلّق وما علق به من الخلق والتسويةِ ونفخِ الروحِ فيه وما ترتب عليه من سجود الملائكةِ وعنادِ إبليسَ ولعنِه وإخراجِه من بَيْن الملائكةِ وما جرى بعده من الأفعالِ والأقوالِ وإذ ليس تمامُ الاختصامِ بعد سجودِ الملائكة ومكابرةِ إبليسَ وطردِه من أنه أحدُ المختصِمين كما أنه ليس قبل الخلق ضرورة فإذن هو بعد نفخِ الروحِ وقبل السجودبأحد الطريقين المذكورين والله تعالى أعلم ﴿فَسَجَدُواْ﴾ أي الملائكةُ ﵈ بعد الأمرِ من غير تلعثم ﴿إِلَاّ إِبْلِيسَ﴾ استثناءٌ متَّصل

стр. 1718

الأعراف آية ١٢ لما أنه كانَ جنِّياً مفرَداً مغموراً بألوفٍ من الملائكة متصفاً بصفاتهم فغَلبوا عليه في فسجدوا ثمَّ استُثنِيَ استثناءَ واحدٍ منُهم أو لأنَّ من الملائكة جنساً يتوالدون يقال لهم الجنُّ كما مر في سورة البقرة فقوله تعالى ﴿لَمْ يَكُن مّنَ الساجدين﴾ أي ممن سجد لآدمَ كلامٌ مستأنفٌ مبين لكيفية عدمِ السّجودِ المفهومِ من الاستثناءِ فإن عدم السجود قد يكون للتأمل ثم يقع السجودُ وبه عُلم أنه لم يقعْ قطُّ وقيل منقطعٌ فحينئذ يكون متصلاً بما بعده أي لكن إبليس لم يكن من الساجدين

стр. 1719

﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مَسوقٌ للجواب عن سؤالٍ نشأَ من حكايةِ عدم سجوده كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ الله تعالى حينئذ وبه يظهر وجهُ الالتفاتِ إلى الغَيبة إذ لا وجهَ لتقدير السؤال على وجه المخاطبة وفيه فائدةٌ أخرى هي الإشعارُ بعدم تعلقِ المحكيِّ بالمخاطَبين كما في حكاية الخلْقِ والتصوير ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ﴾ أي أن تسجُد كما وقعَ في سورةِ ص ولا مزيدةٌ مؤكدةٌ لمعنى الفعل الذي دخلت عليهِ كما في قولِهِ تعالى لّئَلَاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب منبّهةٌ على أن الموبَّخَ عليه تركُ السجود وقيل الممنوعُ عن الشيء مصروفٌ إلى خلافه فالمعنى ما صرفك إلى أن لا تسجد ﴿اذ أَمَرْتُكَ﴾ قيل فيه دلالةٌ على أن مُطلقَ الأمرِ للوجوب والفور وفي سورة الجن يا إبليس مالك أن لا تكون مَعَ الساجدين وفي سورة ص مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ واختلافُ العبارات عند الحكاية دل على أن اللعينَ قد أدمج في معصية واحدة ثلاث معاص مخالفة الأملار ومفارقة الجماعة والإباء عن الانتظامِ في سلكِ أولئك المقرّبين والاستكبارَ مع تحقير آدمُ ﵇ وقد وُبِّخ حينئذ على كل واحدة منها لكن اقتُصر عند الحكاية في كل موطن على ما ذكر يه اكتفاء بما ذكر في موطن آخر واشعار بأن كل واحدةٍ منها كافيةٌ في التوبيخ وإظهار بطلان ما ارتكبه وقد تُركت حكايةُ التوبيخ رأسا في سُورةِ البقرةِ وسُورة بني إسرائيلَ وسورة الكهلف وسورة طه ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ كما سبق مبنيٌّ على لا سؤالٍ نشأَ من حكايةِ التوبيخِ كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ اللعينُ عند ذلكَ فقيل قال ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ﴾ متجانفاً عن تطبيق جوابِه على السؤال بأن يقول معنى كذا مدّعياً لنفسه بطريق الاستئنافِ شيئاً بيِّنَ الاستلزامِ لمنعهِ من السُّجودِ على زعمه ومشعِراً بأن مَنْ شأنُه هذا لا يحسُن أن يسجُدَ لمن دونه فكيف يحسُن أن يؤمرَ بهِ كما يُنبىء عنْهُ ما في سورة الحِجْرِ من قولُه ﴿لَمْ أَكُن لاِسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِّن صلصال مّنْ حَمَإٍ مسنون﴾ فهو أولُ من أسس بنيانَ التكبر واخترع القولَ بالحسن والقبح العقلين وقولُه تعالَى ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ تعليلٌ لما ادَّعاهُ من فضله عليه ولقد أخطأ اللعينُ حيث خَصّ الفضلَ بما من جهةِ المادةِ والعنصُر وزلَّ عنه ما من جهة الفاعل كَمَا أنبأَ عَنْهُ قولِهِ تعالى مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَي بغير واسطةٍ على وجه الاعتناءِ به وما من جهة الصُّورة كما نُبّه عليه بقوله تعالى وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى وما من جهة الغايةِ وهو ملاكُ الأمرِ ولذلك أمر الملائكة بالسجود له ﵇ حين ظهرَ لهم أنَّه أعلمُ منهم بما يدور عليه أمرُ الخلافةِ في الأرضِ وأنَّ له خواصَّ ليست لغيره وفي الآية دليلٌ على الكون والفساد وأن الشياطينَ أجسامٌ كائنةٌ ولعل إضافةَ خلق البشرِ إلى الطين والشياطينِ إلى النار باعتبار الجزء الغالب

стр. 1720

الأعراف آية ١٣ ١٥
следующие страницы →