← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

﴿وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم﴾ تذكيرٌ لنعمة عظيمةٍ فائضةٍ على آدمَ ﵇ ساريةٍ إلى ذريته موجبةٍ لشكرهم وتأخيرُه عن تذكير ما وقع قبله من نعمة التمكين في الأرض إما لأنها فائضةٌ على المخاطَبين بالذات وهذه بالواسطة وإما للإيذان بأن كلا منها نعمةٌ مستقلةٌ مستوجِبةٌ للشكر على حيالها فإن رعايةَ الترتيبِ الوقوعيِّ ربما تؤدِّي إلى توهّم عدِّ الكلِّ نعمةً واحدةً كمَا ذكر في قصة البقرة وتصديرُ الجملتين بالقسم وحرفِ التحقيقِ لإظهار كمالِ العناية بمضمونهما وإنما نُسب الخلقُ والتصويرُ إلى المخاطَبين مع أن المرادَ بهما خلقُ آدم ﵇ وتصويرُه حتماً توفيةً لمقام الامتنانِ حقَّه وتأكيداً لوجوب الشكر عليهم

стр. 1717

الأعراف آية ١١ بالرمز إلى أن لهم حظاً من خلقه ﵇ وتصويرِه لما أنهما ليسا من الخصائص المقصورة عليه ﵇ كسجود الملائكةِ له ﵇ بل من الأمور الساريةِ إلى ذريته جميعاً إذ الكلُّ مخلوقٌ في ضمن خلقِه على نمطه ومصنوعٌ على شاكلته فكأنهم الذي تعلق به خلقُه وتصويرُه أي خلقنا أباكم آدمَ طيناً غيرَ مُصوَّرٍ ثم صوَّرناه أبدعَ تصويرٍ وأحسنَ تقويمٍ سارَ إليكم جميعاً ﴿ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ﴾ صريحٌ في أنه ورد بعد خلقَه ﵊ وتسويتِه ونفخِ الروحِ فيه أمرٌ مُنجَزٌ غيرُ الأمر المعلَّق الواردِ قبل ذلك بقوله تعالى فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ ساجدين وهو المراد بما حكي بقوله تعالى وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لاِدَمَ الآية في سُورةِ البقرةِ وسُورة بني إسرائيلَ وسورة الكهفِ وسورة طه من غير تعرضٍ لوقته وكلمة ثم ههنا تقتضي تراخِيَه عن التصوير من غيرِ تعرضٍ لبيانِ ما جرى بينهما من الأمور وقد بينا في سورة البقرةِ أن ذلك ظهورُ فضلِ آدمَ ﵇ بعد المحاورة المسبوقةِ بالإخبار باستخلافه ﵇ حسبما نطق به قوله وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنّي جَاعِلٌ فِى الأرض خَلِيفَةً إلى قوله وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ فإن ذلك أيضاً من جملة ما نيط به الأمرُ المعلقُ من القسوية ونفخِ الروح وعدمُ ذكرِه عند الحكايةِ لا يقتضي عدمَ ذكره عند وقوعِ المحكيِّ كما أن عدمَ ذكر الأمر المعلق عند حكاية ألمر المنْجزِ لا يستلزمُ عدمَ مسبوقيتِه به فإن حكايةَ كلامٍ واحدٍ على أساليب مختلقة يقتضيها ليست بعزيزة في الكلام العزيزِ فلعله قد ألقى إلى الملائكة ﵈ أولا جميعُ ما يتوقفُ عليه الأمرُ المنجزُ إجمالاً بأن قيل مثلاً إني خالقٌ بشراً من طين وجاعلٌ إياه خليفةً في الأرض فإذا سويتُه ونفختُ فِيهِ مِن رُّوحِى وتبيَّن لكم فضلُه فقَعوا له ساجدين فخلقه فسوَّاه فنفخ فيه من روحه فقالوا عند ذلك ما قالوا أو ألقيَ إليهم خبرُ الخلافةِ بعد تحققِ الشرائطِ المذكورةِ بأن قيل إثرَ نفخِ الروحِ إني جاعلٌ هذا خليفةً في الأرض فهنالك ذكروا في حقه ﵇ ما ذكروا فأيده الله تعالى بتعليم الأسماءِ فشاهدوا منه ﵇ ما شاهدوا فعند ذلك ورد الأمر من المنْجزُ اعتناء بشأن المأمور به وإيذاناً بوقته وقد حُكي بعضُ الأمور المذكورة في بعض المواطنِ وبعضُها في بعضِها اكتفاء بما ذكر في كل موطنٍ عما تُرك في موطن آخرَ والذي يرفع غشاوةَ الاشتباهِ عن البصائر السليمةِ أن ما في سورة ص من قوله تعالى إِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة الآياتن بدلٌ من قولِه إِذْ يَخْتَصِمُونَ فيما قبله من قوله مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بالملإ الاعلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ أي بكلامهم عند اختصامِهم ولا ريب في أن المرادج بالملأ الأعلى وآدمُ ﵈ وإبليسُ حسبما أطيق عليه جمهورُ المفسرين وباختصامِهم ما جرى بينهم في شأن الخلافةِ من التقاول الذي من جملته ما صدر عنه ﵇ من الإنباء بالأسماء ومن قضية البدلية وقوعُ الاختصامِ المذكورِ في تضاعيف ما شُرح فيه مفصّلاً من الأمر المعلّق وما علق به من الخلق والتسويةِ ونفخِ الروحِ فيه وما ترتب عليه من سجود الملائكةِ وعنادِ إبليسَ ولعنِه وإخراجِه من بَيْن الملائكةِ وما جرى بعده من الأفعالِ والأقوالِ وإذ ليس تمامُ الاختصامِ بعد سجودِ الملائكة ومكابرةِ إبليسَ وطردِه من أنه أحدُ المختصِمين كما أنه ليس قبل الخلق ضرورة فإذن هو بعد نفخِ الروحِ وقبل السجودبأحد الطريقين المذكورين والله تعالى أعلم ﴿فَسَجَدُواْ﴾ أي الملائكةُ ﵈ بعد الأمرِ من غير تلعثم ﴿إِلَاّ إِبْلِيسَ﴾ استثناءٌ متَّصل

стр. 1718

الأعراف آية ١٢ لما أنه كانَ جنِّياً مفرَداً مغموراً بألوفٍ من الملائكة متصفاً بصفاتهم فغَلبوا عليه في فسجدوا ثمَّ استُثنِيَ استثناءَ واحدٍ منُهم أو لأنَّ من الملائكة جنساً يتوالدون يقال لهم الجنُّ كما مر في سورة البقرة فقوله تعالى ﴿لَمْ يَكُن مّنَ الساجدين﴾ أي ممن سجد لآدمَ كلامٌ مستأنفٌ مبين لكيفية عدمِ السّجودِ المفهومِ من الاستثناءِ فإن عدم السجود قد يكون للتأمل ثم يقع السجودُ وبه عُلم أنه لم يقعْ قطُّ وقيل منقطعٌ فحينئذ يكون متصلاً بما بعده أي لكن إبليس لم يكن من الساجدين

стр. 1719

﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مَسوقٌ للجواب عن سؤالٍ نشأَ من حكايةِ عدم سجوده كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ الله تعالى حينئذ وبه يظهر وجهُ الالتفاتِ إلى الغَيبة إذ لا وجهَ لتقدير السؤال على وجه المخاطبة وفيه فائدةٌ أخرى هي الإشعارُ بعدم تعلقِ المحكيِّ بالمخاطَبين كما في حكاية الخلْقِ والتصوير ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ﴾ أي أن تسجُد كما وقعَ في سورةِ ص ولا مزيدةٌ مؤكدةٌ لمعنى الفعل الذي دخلت عليهِ كما في قولِهِ تعالى لّئَلَاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب منبّهةٌ على أن الموبَّخَ عليه تركُ السجود وقيل الممنوعُ عن الشيء مصروفٌ إلى خلافه فالمعنى ما صرفك إلى أن لا تسجد ﴿اذ أَمَرْتُكَ﴾ قيل فيه دلالةٌ على أن مُطلقَ الأمرِ للوجوب والفور وفي سورة الجن يا إبليس مالك أن لا تكون مَعَ الساجدين وفي سورة ص مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ واختلافُ العبارات عند الحكاية دل على أن اللعينَ قد أدمج في معصية واحدة ثلاث معاص مخالفة الأملار ومفارقة الجماعة والإباء عن الانتظامِ في سلكِ أولئك المقرّبين والاستكبارَ مع تحقير آدمُ ﵇ وقد وُبِّخ حينئذ على كل واحدة منها لكن اقتُصر عند الحكاية في كل موطن على ما ذكر يه اكتفاء بما ذكر في موطن آخر واشعار بأن كل واحدةٍ منها كافيةٌ في التوبيخ وإظهار بطلان ما ارتكبه وقد تُركت حكايةُ التوبيخ رأسا في سُورةِ البقرةِ وسُورة بني إسرائيلَ وسورة الكهلف وسورة طه ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ كما سبق مبنيٌّ على لا سؤالٍ نشأَ من حكايةِ التوبيخِ كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ اللعينُ عند ذلكَ فقيل قال ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ﴾ متجانفاً عن تطبيق جوابِه على السؤال بأن يقول معنى كذا مدّعياً لنفسه بطريق الاستئنافِ شيئاً بيِّنَ الاستلزامِ لمنعهِ من السُّجودِ على زعمه ومشعِراً بأن مَنْ شأنُه هذا لا يحسُن أن يسجُدَ لمن دونه فكيف يحسُن أن يؤمرَ بهِ كما يُنبىء عنْهُ ما في سورة الحِجْرِ من قولُه ﴿لَمْ أَكُن لاِسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِّن صلصال مّنْ حَمَإٍ مسنون﴾ فهو أولُ من أسس بنيانَ التكبر واخترع القولَ بالحسن والقبح العقلين وقولُه تعالَى ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ تعليلٌ لما ادَّعاهُ من فضله عليه ولقد أخطأ اللعينُ حيث خَصّ الفضلَ بما من جهةِ المادةِ والعنصُر وزلَّ عنه ما من جهة الفاعل كَمَا أنبأَ عَنْهُ قولِهِ تعالى مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَي بغير واسطةٍ على وجه الاعتناءِ به وما من جهة الصُّورة كما نُبّه عليه بقوله تعالى وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى وما من جهة الغايةِ وهو ملاكُ الأمرِ ولذلك أمر الملائكة بالسجود له ﵇ حين ظهرَ لهم أنَّه أعلمُ منهم بما يدور عليه أمرُ الخلافةِ في الأرضِ وأنَّ له خواصَّ ليست لغيره وفي الآية دليلٌ على الكون والفساد وأن الشياطينَ أجسامٌ كائنةٌ ولعل إضافةَ خلق البشرِ إلى الطين والشياطينِ إلى النار باعتبار الجزء الغالب

стр. 1720

الأعراف آية ١٣ ١٥

стр. 1721

﴿قال﴾ استئناف كما سلف والفاء في قوله تعالى ة ﴿فاهبط مِنْهَا﴾ لترتيب الأمرِ على ما ظهر من اللَّعينِ من مخالفة الأمرِ وتعليلِه بالأباطيل وإصرارِه على ذلك أي فاهبِطْ من الجنة والإضمار قبل ذكرِها لشهرة كونِه من سكانها قال ابن عباس ﵄ كانوا في عدْنٍ لا في جنة الخلد وقيل من زمرة الملائكة المعززين فإن الخروجَ من زمرتهم هبوطٌ وأيُّ هبوط وفي سورة الحجر فاخرج مِنْهَا وأما ما قيل من أن المرادَ الهبوطُ من السماء فيردّه أن وسوستَه لآدمَ ﵇ كانتْ بعد هذا الطردِ فلا بد أن يُحمل على أحد الوجهينقطعا وتكونُ وسوستُه على الوجه الأول بطريق النداءِ من باب الجنة كما رُوي عن الحسنِ البصري وقوله تعالى ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ﴾ أي فما يصح ولا يستقيم لك ولا يليقُ بشأنك ﴿أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ أي في الجنةِ أو في زمرة الملائكة تعليلٌ للأمر بالهبوط فإن عدمَ صحةِ أن يتكبر فيها علةٌ للأمر المذكور فإنها مكانُ المطيعين الخاشعين ولا دِلالة فيه على جواز التكبُّر في غيرها وفيه تنبيه على أن التكبرَ لا يليق بأهل الجنةِ وأنه تعالى إنما طرده لتكبُّره لا لمجرد عصيانِه وقوله تعالى ﴿فاخرج﴾ تأكيدٌ للأمر بالهبوط متفرِّغٌ على علته وقوله تعالى ﴿إِنَّكَ مِنَ الصاغرين﴾ تعليلٌ للأمر بالخروج مُشعرٌ بأنه لتكبره أي من الأذلاء وأهلِ الهوانِ على الله تعالى وعلى أوليائه لتكبرك وعن عمر ﵁ من تواضَع لله رفع الله حكمته ة وقال انتعش نعشك الله ومن تكبر وعَدا طَوْرَه وهَصَه الله إلى الأرض

стр. 1722

﴿قَالَ﴾ استئناف كما مر مبني على سؤال نشأ مما قبله كأنه قيل فماذا قال اللعين بعدما سمع هذا الطردَ المؤكد فقيل قال ﴿أَنظِرْنِى﴾ أي أمهلني ولا تُمِتْني ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أي آدمُ وذريتُه للجزاء بعد فنائهم وهو قوت النفخةِ الثانية وأراد اللعينُ بذلك أنْ يجدَ فُسحةً من إغوائهم ويأخذَ منهم ثأرَه وينجوَ من الموت لاستحالته بعد البعث

стр. 1723

﴿قال﴾ استئناف كما سلف ﴿إِنَّكَ مِنَ المنظرين﴾ ورودُ الجوابِ بالجملةِ الاسميَّةِ مع التَّعرُّضِ لشمول ما سأله الآخرين على وجه يُشعر بأن السائلَ تبَعٌ لهم في ذلك صريحٌ في أنَّه إخبارٌ بالإنظارِ المقدَّر لهم أزلاً لا إنشاءٌ لإنظار خاصَ به إجابةً لدعائِه وأنَّ استنظارَه كان طَلَباً لتأخيرِ الموتِ غذ به يتحقق كونُه من جملتهم لا لتأخيرِ العُقوبةِ كما قيل أي إنَّك من جُملةِ الذينَ أخِّرتْ آجالُهم أزلاً حسبما تقتضيه الحِكمةُ التكوينيةُ إلى وقت فناءٍ غيرَ ما استثناه الله تعالى من الخلائق وهو النفخة الأولى إلى وقتِ البعثِ الذي هو المسئول وقد تُرك التوقيتُ للإيجاز ثقةً بما وقع في سُورة الحجرِ وسُورة ص كما ترك ذكرُ النِّداءُ والفاء في الاستنظار والإنظار تعويلاً على ما ذكر فيهما بقوله رَبّ فَأَنظِرْنِى إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين إلى يَوْمِ الوقت المعلوم وفي إنظاره ابتلاءٌ للعباد وتعريضٌ للثواب إن قلت لار ريبَ في أن الكلامَ المحكيَّ له عند صدورِه عن المتكلم حالة

стр. 1724

الأعراف آية ١٦ مخصوصةٌ تقتضي ورودَه على وجه خاصَ من وجوه النظمِ بحيث لو أخل بشيء من ذلك سقط الكلامُ عن رتبة البلاغةِ البتة فالكلامُ الواحدُ المحكيُّ على وجوه شتى إن اقتضى الحالُ ورودَه على وجه معينٍ من تلك الوجوهِ الواردةِ عند الحكاية فذلك الوجهُ هو المطابقُ لمقتَضى الحالِ والبالغُ إلى رتبة البلاغةِ دون ما عداه من الوجوه إذا تمكهد هذا فنقولُ لا يخفى أن استنظارَ اللعينِ إنَّما صدرَ عنه مرةً واحدةً لا غيرُ فمقامُه إن اقتضى إظهارَ الضراعةِ وترتيبَ الاستنظار على ما حاق به من اللعن والطردِ على نهج استدعاءِ الجبْرِ في مقابلة الكسر كما هو المتبادَرُ من قوله رب فأنظرني حسبما حُكي عنه في السورتين فما حكي ههنا يكون بمعزل من المطابقة لمقتضى الحال فضلاً عن العُروجِ إلى معارج الإعجازِ قلنا مقامُ استنظاره مُقتضٍ لما ذُكر من إظهار الضراعة وترتيب الاستنظار على الحِرمان المدلولِ عليه بالطرد والرجم وكذا مقامُ الإنظارِ مقتضٍ لترتيب الإخبارِ بالإنظار على الاستنظار وقد طُبّق الكلامُ عليه في تينك السورتين ووُفّي كلُّ واحد من مقامَي الحكايةِ والمحكيِّ جميعا حظه وأما ههنا فحيث اقتضى مقامُ الحكايةِ مجردَ الإخبار بالاستنظار والإنظارِ سيقت الحكايةُ على نهج الإيجاز والاختصارِ من غيرِ تعرّضٍ لبيانِ كيفيةِ كل واحدٍ منهما عند المخاطبة والحِوار إن قلت فإذن لا يكونُ ذلك نقلاً للكلام على ما هو عليه ولا مطابقاً لمقتضى المقامِ قلنا الذي يجب اعتبارُه في نقل الكلامِ إنما هو أصلُ معناه ونفسُ مدلولِه الذي يفيده وأما كيفية إفادته فليس مما يجب مراعاتُه عند النقل البتة بل قد تراعى وقد لا تراعى حسب اقتضاءِ المقامِ ولا يقدح في أصل الكلامِ تجريدُه عنها بل قد يراعى عند نقلِه كيفيات وخصوصات لم يُراعِها المتكلمُ أصلاً ولا يُخلُّ ذلك بكون المنقولِ أصلَ المعنى ألا يُرى أن جميعَ المقالات المنقولةِ في القرآن الكريمِ إنما تحكى بكيفيات واعتباراتٍ لا يُكاد يَقدِر على مراعاتها مَنْ تكلم بها حتماً وإلا لأمكن صدورُ الكلام المعجِزِ عن البشر فيما إذا كان المحكيُّ كلاماً وأما عدمُ مطابقتِه لمقتضى الحالِ فمنشؤه الغفلةُ عما يجب توفيرُ مقتضاه من الأحوال فإن مَلاكَ الأمرِ هو مقامُ الحكايةِ وأما مقام وقوعِ المحكيِّ فإن كان مقتضاه موافقاً لمقتضى مقامِ الحكايةِ يُوفَّى كلُّ واحدٍ من المقامين حقَّه كما في سُورة الحجرِ وسُورة ص فإن مقامَ الحكايةِ فيهما لمّا كان مقتضياً لبسط الكلامِ وتفصيلِه على الكيفيات التي وقع عليها رُوعيَ حقُّ المقامين معاً وأما في هذه السورةِ الكريمةِ فحيث اقتضى مقامُ الحكايةِ الإيجازَ رُوعيَ جانبُه ألا يُرى أن المخاطبَ المنكِرَ إذا كان ممن لا يفهم إلا أصلَ المعنى وجب على المتكلم أن يجرِّد كلامَه عن التأكيد وسائرِ الخواصِّ والمزايا التي يقتضيها المقامُ ويخاطِبَه بما يناسبه من الوجوه لكنه مع ذلك يجب أن يقصِدَ معنى زائداً يفهمه سامعٌ آخرُ بليغٌ هو تجريدُه عن الخواصِّ رعايةً لمقتضى حالِ المخاطَبِ في الفهم وبذلك يرتقي كلامُه عن رتبة أصوات الحيوانات كا حُقِّق في مقامه فإذا وجب مراعاةُ مقامِ الحكايةِ مع اقتضائها إلى تجريد الكلامِ عن الخواص والمزايا بالمرة فما ظنُّك بوجوب مراعاتِه مع تحلية الكلام بمزايا أُخَرَ يرتقي بها إلى رتبة الإعجازِ لا سيما إذا وفى حق مقام المحكيِّ في السورتين الكريمتين وكان هذا الإيجازُ مبنياً عليه وثقة به

стр. 1725

﴿قَالَ﴾ استئنافٌ كأمثاله ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى﴾ الباءُ للقسم كما في قوله تعالى

стр. 1726

الأعراف آية ١٧ ١٩ فَبِعِزَّتِكَ لَاغْوِيَنَّهُمْ فإن إغواءَه تعالى إلى إيَّاهُ أثرٌ من آثارِ قدرته وحُكمٌ من أحكام سلطانِه تعالى فمآلُ الإقسامِ بهما واحدٌ فلعل اللعينَ أقسمَ بهما جميعاً فحكة تارةً قسَمَه بأحدِهما وأُخرى بالآخر والفاءُ لترتيبِ مضمونِ الجملةِ على الإنظار وما مصدريةٌ أي فأقسم بإغوائك إياي ﴿لاقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ أو للسببية على أن الباءَ متعلقةٌ بفعل القسمِ المحذوفِ لا بقوله لاقْعُدَنَّ لَهُمْ كما في الوجه الأول فإن اللام تصُدّ عن ذلك أي فبسبب إغوائِك غياي لأجلهم أُقسم بعزتك لأقعُدّن لآدمَ وذرِّيتِه ترصّداً بهم كما يقعُد القُطّاع للقطع على السابلة ﴿صراطك المستقيم﴾ الموصِلَ إلى الجنة وهو دينُ الإسلام فالقعودُ مجازٌ متفرع على الكتابة وانتصابُه على الظرفية كما في قوله كما عَسَلَ الطريقَ الثعلبُ وقيل على نزع الجارِّ تقديرُه على صراطك كقولك ضرب زيد الظهرَ والبطنَ

стр. 1727

﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ﴾ أي من الجهات الأربعِ التي يُعتاد هجومُ العدوِّ منها مثلُ قصدِه إياهم للتسويل والإضلال من أي وجهٍ يتيسر بإتيان العدوِّ من الجهات الأربعِ ولذلك لم يذكر الفرق والتحتُ وعن ابن عباس ﵄ من بين ايديهم من قيل الآخرة ومن خلفهم من جهة الدنيا وعن أيمانهم وعن شمائلهم من جهخة حسناتِهم وسيئاتِهم وقيل من بين أيديهم من حيث يعلمون ويقدِرون على التحرز منه ومن خلفهم من حيث لا يعلمون ولا يقدرون وعن أيمانهم وعن شمائلهم من حيث يتيسر لهم أن يعلموا ويتحرزوا ولكن لم يفعلوا لعدم تيّقظهم واحتياطِهم ومن حيث لا يتيسر لهم ذلك وإنما عُدِّي الفعلُ إلى الأوَّلَيْن بحرف الابتداء لأنه منهما متوجهٌ إليهم وإلى الآخَرَين بحرف المجاوزة فإن الآتيَ منهما كالمنحرف المتجافي عنهم المارِّ على عَرضهم ونظيرُه جلست عن يمينه ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين﴾ أي مطيعين وإنما قاله ظناً لقوله تعالى وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ لما رأى منهم مبدأ الشرِّ متعدداً ومبدأَ الخيرِ واحداً وقيل سمعه من الملائكةِ عليهمِ السَّلامُ

стр. 1728

﴿قال﴾ استئناف كما سلف مراراً ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا﴾ أي من الجنَّةِ أو من السماء أو من بينِ الملائكة ﴿مذموما﴾ أي مذموماً من ذَأَمه إذا ذمّه وقرىء مَذوماً كمسول في مسئول أو كَمَكول في مكيل من ذامه يذيمه ذيماً ﴿مَّدْحُورًا﴾ مطروداً ﴿لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ اللامُ موطئةٌ للقسم وجوابه ﴿لامْلانَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وهو سادٌّ مسدَّ جوابِ الشرط وقرىء لِمَنْ تبعك بكسر اللام على أنه خبرُ لأملأن على معنى لِمَنْ تبعك هذا الوعيدُ أو علةٌ لاخرُجْ ولأملأن جواب قسم محذوفٌ ومعنى منكم منك ومنهم على تغليب المخاطب

стр. 1729

﴿ويا آدم﴾ أي وقلنا كما وقعَ في سورةِ البقرة

стр. 1730

الأعراف آية ٢٠ ٢٢ وتصديرُ الكلامِ بالنداء للتنبيه على الاهتمام بتلق المأمورِ به وتخصيصُ الخطابِ به ﵇ للإيذان بأصالته في تلقي الوحي وتعاطي المأمور به ﴿اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة﴾ هو من السكَن الذي هو عبارةٌ عن اللَّبْثِ والاستقرارِ والإقامةِ لا من السكونِ الذي هو ضدُّ الحركة وأنت ضميرٌ أكِّد به المستكنُّ ليصحَّ العطفُ عليهِ والفاءُ في قولِه تعالى ﴿فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ لبيان المرادِ مما في سورةِ البقرةِ من قوله تعالى وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا من أن ذلك كان جمعاً مع الترتيب وقوله تعالى مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا في معنى منها حيث شئتما ولم يذكر ههنا رَغَداً ثقةً بما ذكر هناك وتوجيهُ الخطابِ إليهما لتعميم التشريفِ والإيذانِ بتساويهما ي مباشرة المأمورِ به فإن حواءَ أُسوةٌ له عليه السى لام في حق الأكلِ بخلاف السكنِ فإنها تابعةٌ له فيه ولتعليق النهي بها صريحاً في قوله تعالى ﴿وَلَا تَقْرَبَا هذه الشجرة﴾ وقرىء هذي وهو الأصلُ لتصغيره على ذَيّا والهاءُ بدلٌ من الياء ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظالمين﴾ إما جزمٌ على العطف أو نصبٌ على الجواب

стр. 1731

﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان﴾ أي فعل الوسوسةَ لأجلهما أو تكلم لهما كلاماً خفياً متداركا وهي في الأصل الصوتُ الخفي كالهيمنة والخشخشة ومنه وسوَسَ الحَلْيُ وقد سبق بيانُ كيفيةِ وسوستِه في سُورة البقرى ﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا﴾ أي ليُظهر لهما واللامُ للعاقبة أو للغرض على أنه أراد بوسوسته أن يسوءَهما بانكشاف عورتيهما ولذلك عبّر عنهما بالسوأة وفيه دليلٌ على أنَّ كشف العورةِ في الخلوة وعند الزوجِ من غيرحاجة قبيحٌ مستهجَنٌ في الطباع ﴿ما ووري عنهما من سوآتهما﴾ نما غطى ة وسُتر عنهما من عوراتهما وكانا لا يَرَيانها من أنفسهما ولا أحدُهما من الآخر وإنما لم تُقلب الواوُ المضمومةُ همزةً في المشهورة كما قلبت في أو يصل تصغير واصل لأن الثانيةَ مدة وقرىء سواتهما بحذ ف الهمزة وإلقاء حركاتها على الواو وبقلبها واواً وإدغام الواو الساكنة فيها ﴿وَقَالَْ﴾ عطف على وسوس بطريق البيان ﴿مَا نهاكما رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة﴾ أي عن أكلها ﴿إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ أي إلا كراهةَ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين﴾ الذين لا يموتون أو يخلدون في الجنة وليس فيه دلالةٌ على أفضلية الملائكةِ ﵈ لما أن من المعلوم أن الحقائقَ لا تنقلب وإنما كانت رغبتُهما في أن يحصُل لهما أوصافُ الملائكةِ من الكمالات الفطريةِ والاستغناء عن الأطعمة والأشربة وذلك بمعزلٍ من الدِلالة على الأفضلية بالمعنى المتنازَعِ فيه

стр. 1732

﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين﴾ أي أقسم لهما وصيغةُ المغالبة للمبالغة وقيل أقسما له بالقَبول وقيل قالا له أتقسم بالله إنكى لمن الناصحين وأقسم لهما فجُعل ذلك مقاسمة

стр. 1733

﴿فدلاهما﴾

стр. 1734

الأعراف ٢٣ ٢٥ فنزلهما على الكل من الشجرة وفيه تنبيهٌ على أنَّه أهبطهما بذلك من درجة عاليةٍ فإن التدلية والإدلاء إرسالُ الشيء من الأعلى إلى السفل ﴿بِغُرُورٍ﴾ بما غرّهما به من القسم فإنهما ظنا أن أحداً لا يُقسِم بالله كاذبا أو متلبسين بغرور ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتهمَا﴾ أي فلما وجدا طعمَها آخِذَين في الأكل منها أخذْتهما العقوبةُ وشؤمُ المعصية فتهافت عنهما لباسُهما وظهرت لهما عوراتُهما واختلف في أن الشجرة كانت السنبلة والكرم أو غيرَهما وأن اللباسَ كان نوراً أو ظفراً ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ﴾ طفِق من أفعال الشروعِ والتلبس كأخذ وجعل وأنشأ وهَبْ وانبرى أي أخذا يَرْقعَان ويُلزِقان ورقةً فوق ورقة ﴿عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة﴾ قيل كان ذلك ورقَ التينِ وقرىء يُخصِفان من أخصف أي يخصفان أنفسَهما ويُخَصِّفان من التخصيف ويَخِصّفان أصله يختصفان ﴿وَنَادَاهُمَا ربهما﴾ مالك أمرهمنا بطريق العتاب والتوبيخِ ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾ وهو تفسيرٌ للنداء فلا محلَّ له من الإعراب أو معهمول لقول محذوفٍ أي وقال أو قائلاً ألم أنهَكُما ﴿عَن تِلْكُمَا الشجرة﴾ ما في إسمِ الإشارةِ من معنى البُعد لما أنه إشارةٌ إلى الشجرة التي نُهي عن قُربانها ﴿وَأَقُل لَّكُمَا﴾ عطفٌ على أنهَكما أي ألم أقل لكما ﴿إِنَّ الشيطان لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ وهذا عتابٌ وتوبيخٌ على الاغترار بقول العدوِّ كما أن الأولَ عتابٌ على مخالفة النهي قيل فيه دليلٌ على أنَّ مطلقَ النهي للتحريم ولكما متعلقٌ بعدو لما فيه من معنى الفعل أو بمحذوفٍ هو حالٌ من عدوٌّ ولم يُحك هذا القول ههنا وقد حُكي في سورة طه بقوله تعالى إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ الآية روي أنه تعالى قال لآدمَ ألم يكنْ فيما منحتُك من شجر الجنة مندوحةٌ عن هذه الشجرة فقال بلى وعزتك ولكن ما ظننتُ أن أحداً من خلقك يحلِفُ بك كاذباً قال فبعزتي لأُهبِطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيشَ إلا كدّاً فأُهبط وعُلّم صنعةَ الحديد وأُمر بالحَرْثِ فحرَثَ وسقى وحصد ودرس وذرَى وعجَن وخَبَز

стр. 1735

﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾ أي ضرّرناها بالمعصية والتعريضِ للإخراج من الجنة ﴿وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا﴾ ذلك ﴿وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين﴾ وهو دليلٌ على أن الصغائرَ يُعاقب عليها إن لم تغفر وقال المعتزلةُ لا يجوز المعاقبةُ عليها مع اجتناب الكبائرِ ولذلك حمَلوا قولَهما ذلك على عادات المقربين في استعظام الصغيرِ من السيئات واستصغارِ العظيمِ من الحسنات

стр. 1736

﴿قَالَ﴾ استئناف كما مر مراراً ﴿اهبطوا﴾ خطابٌ لآدمَ وحواءَ وذريتِهما أو لهما ولإبليس كررا الأمر له تبعاً لهما ليعلمَ أنهم قرناءُ أبداً أو أُخبر عما قال لهم مفرّقاً كما في قوله تعالى يأَيُّهَا الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات ولم يذكر ههنا قَبولُ توبتِهما ثقةً بما ذكر في سائر المواضع ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ جملةٌ حاليةٌ من فاعلِ اهبطوا أي مُتعادِين ﴿وَلَكُمْ فِى الارض مُّسْتَقِرٌّ﴾ أي استقرارٌ أو موضعُ استقرارٍ ﴿ومتاع﴾ أي تمتعٌ وانتفاع ﴿إلى حين﴾ هو جحين انقضاءِ آجالِكم

стр. 1737

﴿قَالَ﴾ أُعيد الاستئنافُ إما للإيذان بعدم اتصالِ ما بعده بما قبله كما في قوله تعالى قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون إثرَ قوله تعالى قَالَ ومن

стр. 1738

الأعراف آية ٢٦ ٢٧ يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلَاّ الضآلون وقوله تعالى قال أرأيتك هذا الذى كَرَّمْتَ عَلَىَّ بعد قوله تعالى قَالَ أأسجد لمن خلقت طيناً وإما لإظهار الاعتناءِ بمضمون ما بعدَهُ منْ قولِه تعالى ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ أي للجزاءِ كقوله تعالى مِنْهَا خلقناكم وفيها نعيكم وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى

стр. 1739

﴿يا بني آدم﴾ خطابٌ للناس كافةً وإيرادُهم بهذا العنوان مما لا يخفى سرُّه ﴿قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ أي خلقناه لكم بتدبيرات سماويةٍ وأسبابٍ نازلةٍ منها ونظيرُه وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الأنعامِ الخ وقوله تعالى وَأَنزْلْنَا الحديد ﴿يوارى سَوْآتكم﴾ التي قصد إبليسُ إبداءَها من أبويكم حتى اضطر إلى خصف الأوراق وأنتم مستغنون عن ذلك وروي أن العرب كانوا يطوفون بالبيت عرايا ويقولون لا نطوف بثياب عصينا الله تعالى فيها فنزلت ولعل ذكر قصةِ آدمَ ﵇ حينئذ للإيذان بأن انكشافَ العورة أولُ سوءٍ أصاب الإنسان من قِبَل الشيطان وأنه أغواهم في ذلك كما أغة وى أبويهم ﴿وَرِيشًا﴾ ولباساً تتجملون به والريشُ الجمالُ وقيل مالاً ومنه ترّيش الرجلُ أي تموّل وقرىء رياشاً وهو جمعُ ريشٍ كشِعْب وشِعاب ﴿وَلِبَاسُ التقوى﴾ أي خشيةُ الله تعالى وقيلَ الإيمانُ وقيل السمتُ الحسَنُ وقيل لباسُ الحرب ورفعُه بالابتداء خبرُه جملةُ ﴿ذلك خَيْرٌ﴾ أو خبرٌ وذلك صفتُه كأنه قيل ولباسُ التقوى المشارُ إليه خيرٌ وقرىء ولباس التقوى بلنصب عطفاً على لباساً ﴿ذلك﴾ أي إنزالُ اللباس ﴿مِنْ آيات الله﴾ دالةٌ على عظيم فضلِه وعميمِ رحمتِه ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ فيعرِفون نعمتَه أو يتّعظون فيتورّعون عن القبائح

стр. 1740

﴿يا بني آدم﴾ تكريرُ النداءِ للإيذان بكمال الاعتناءِ بمضمون ما صدر به وإيرادهم بهذا العنون مما لا يخفى سببُه ﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان﴾ أي لا يوقِعنّكم في الفتنة والمحنة بأن يمنعَكم من دخول الجنة ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ الجنة﴾ نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي لا يفتِننّكم فتنةً مثلَ إخراجِ أبويكم وقد جُوّز أن يكون التقديرُ لا يُخرِجَنكم بفتنته إخراجاً مثلَ إخراجِه لأبويكم والنهيُ وإن كان متوجهاً إلى الشيطان لكنه في الحقيقة متوجِّهٌ إلى المخاطبين كما في قولك لا أرينك ههنا وقد مرَّ تحقيقُه مراراً ﴿يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتهما﴾ حال من أبويكم أو من فاعل أخرج وإسنادُ النزعِ إليه للتسبيب وصيغةُ المضارعِ لاستحضارِ الصُّورَةِ وقوله تعالى ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ أي جنودُه وذريتُه استئنافٌ لتعليل النهي وتأكيد التحذير منه ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ من لابتداء غايةِ الرؤية حيث ظرفٌ لمكان انتفاءِ الرؤية ولا ترَوْنهم في محل الجرِّ بإضافة الظرفِ إليه ورؤيتُهم لنا من حيث لا نراهم لا تقتضي امتناع رؤيتنا

стр. 1741

الأعراف آية ٢٨ ٢٩ لهم مطلقاً واستحالةَ تمثّلِهم لنا ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشياطين﴾ جُعل قبيلُه من جملته فجمع ﴿الذين لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي جعلناعهم بما أوجدنا بينهم من المناسبة أو بإرسالهم عليهم وتمكينِهم من إغوائهم وحملِهم على ما سوّلوا لهم أولياءَ أي قُرناءَ مسلّطين عليهم والجملة تعليلٌ آخرُ للنهي وتأكيدٌ للتحذير إثرَ تحذير

стр. 1742

﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فاحشة﴾ جملةٌ بمتدأ لا محلَّ لها من الإعراب وقد جُوّز عطفُها على الصة والفاحشةُ الفَعلةُ المتناهيةُ في القبح والتاء لأنها مُجراةٌ على الموصوف المؤنث أو للنقل من الوصفية إلى الاسمية والمراد بها عبارة الأصنامِ وكشفُ العورة في الطواف ونحوُهما ﴿قَالُواْ﴾ جواباً للناهين عنها ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آباءنا والله أَمَرَنَا بِهَا﴾ محتجين بأمرين تقليدِ الآباءِ والافتراءِ على الله سبحانه ولعل تقديمَ المقدم للإيذان منهم بأن ى باءهم إنما كانوا يفعلونها بأمر الله تعالى بها على أن ضمير أمرنا لهم ولآبائهم فحينئذ يظهر وجهُ الإعراض عن الأول في رد مقالتِهم بقوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّ الله لَا يَأْمُرُ بالفحشاء﴾ فإن عادتَه تعالى جاريةٌ على الأمر بمحاسن الأعمالِ والحثِّ على مراضي الخِصال ولا دِلالةَ فيه على أن قبحَ الفعلِ بمعنى ترتبِ الذم عليه عاجلا والعقاب ى جلا عقلي فإن المرادَ بالفاحشة ما ينفِر عنه الطبعُ السليم ويستنقِصُه العقلُ المستقيم وقيل هما جوابا سؤالين مترتبين كأنه قيل لما فعلوها لم فعلتم فقالوا وجدنا عليها آباءَنا فقيل لمَ فعلها آباؤُكم فقالوا الله أمرنا بها وعلى الوجهين يُمنع التقليدُ إذا قام الدليلُ بخلافه لا مطلقاً ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لَا تعلمون﴾ من تمام القولِ المأمورِ به والهمزةُ لإنكارِ الواقعِ واستقباحِه وتوجيهُ الإنكارِ والتوبيخِ إلى قولهم عليه تعالى ما لا يعلمون صدورَه عنه تعالى مع أن بعضَهم يعلمون عدمَ صدورِه عنه تعالى مبالغةٌ في إنكار تلك الصورةِ فإن إسنادَ ما لم يعلم صدوره عنه تعالى إليه تعالى إذا كان مُنكراً فإسنادُ ما عُلم عدمُ صدورِه عنه إليه أشدُّ قبحاً وأحقُّ بالإنكار ...

стр. 1743

﴿قُلْ أَمَرَ رَبّي بالقسط﴾ بيانٌ للمأمور به إثرَ نفس ما أُسند أمرُه إليه تعالى من الأمور المنهيِّ عنها والقسط هو العدلُ وهو الوسَطُ من كل شيء المتجافي عن طرفي الإفراطِ والتفريط ﴿وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ وتوجهوا إلى عبادته مستقيمين غيرَ عادلين إلى غيرها أو أقيموا وجوهَكم نحو القِبلة ﴿عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ﴾ في كل وقت سجودٍ أو مكانِ سجودٍ وهو الصلاةُ أو في أي مسجدٍ حضَرتْكم الصلاةُ عنده ولا تؤخروها حتى تعودوا إلى مساجدكم ﴿وادعوه﴾ واعبدوه ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ أي الطاعةَ فإن مصيرَكم إليه بالآخرة ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ﴾ أي أنشأكم ابتداءً ﴿تَعُودُونَ﴾ إليه بإعادته فيجازيكم على أعمالكم وإنما شُبه الإعادةُ بالإبداء تقريراً لإمكانها والقدرةِ عليها وقيل كما بدأكم من التراب تعودون إليه وقيل حفاة عراة غر لا تعودون إليه وقيل كما بدأكم مؤمناً وكافراً يعيدكم

стр. 1744

الأعراف آية ٣٠ ٣٣

стр. 1745

﴿فَرِيقًا هدى﴾ بأن وفقهم للإيمان ﴿وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضلالة﴾ بمقتضى القضاءِ السابقِ التابعِ للمشيئة المبنيةِ على الحِكَم البالغةِ وانتصابُه بفعل مُضمرٍ يفسِّره ما بعده أي وخذل فريقاً ﴿إِنَّهُمُ اتخذوا الشياطين أَوْلِيَاء مِن دُونِ الله﴾ تعليلٌ لخِذلانه أو تحقيقٌ لضلالتهم ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ فيه دلالةٌ على أن الكافرَ المُخطِىءَ والمعانِدَ سواءٌ في استحقاق الذمِّ وللفارق أن يحمِلَه على المقصِّر في النظر

стр. 1746

﴿يا بني آدم خُذُواْ زِينَتَكُمْ﴾ أي ثيابَكم لمواراة عورتِكم ﴿عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ﴾ أي طوافٍ أو صلاةٍ ومن السنة أن يأخذ الرجلُ أحسنَ هيئتِه للصلاة وفيه دليلٌ على وجوب سترِ العورة في الصلاة ﴿وَكُلُواْ واشربوا﴾ مما طاب لكم روي أن بني عامرٍ كانوا في أيم حجِّهم لا يأكلون الطعام إلا قوتاً ولا يأكلون دسماً يعظِّمون بذلك حجهم فهمّ المسلمون بمثله فنزلت ﴿وَلَا تُسْرِفُواْ﴾ بتحريم الحلالِ أو بالتعدّي إلى الحرام أو بالإفراط في الطعامِ والشّرَه عليه وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كل ماشئت ما أخطأتْك خصلتانِ سَرَفٌ ومَخِيلة وقال علي بن الحسين بن واقد جمع الله الطبَّ في نصف آية فقال كُلُواْ واشربوا وَلَا تُسْرِفُواْ ﴿إِنَّهُ لَا يحب المسرفين﴾ أيب لا يرتضي فعلَهم

стр. 1747

﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله﴾ من الثياب وما يُتجمَّل به ﴿التى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ من النبات كالقُطن والكتّان والحيوانِ كالحرير والصوفِ والمعادن كالدروع ﴿والطيبات مِنَ الرزق﴾ أي المستلذاتِ من المآكل والمشارب وفيه دليلٌ على أنَّ الأصل في المطاعم والملابس وأنواعِ التجمُّلات الإباحةُ لأن الاستفهامَ في من إنكاري ﴿قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا﴾ بالأصالة والكفرةُ وإن شاركوهم فيها فبِالتَّبع ﴿خَالِصَةً يَوْمَ القيامة﴾ لا يشارركهم فيها غيرُهم وانتصابُه على الحالية وقرىء بالرفع على أنه خبرٌ بعد خبر ﴿كَذَلِكَ نُفَصِلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي مثلَ هذا التفصيلِ نفصِّلُ سائرَ الأحكامِ لقوم يعلمون ما في تضاعيفها من المعاني الرائقة

стр. 1748

﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ الفواحش﴾ أي ما تفاحش قبحُه من الذنوب وقيل ما يتعلق منها بالفروج ﴿ما ظهرَ منها وما بَطَنَ﴾ بدلٌ من الفواحش أي جهرَها وسرَّها ﴿والإثم﴾ أي ما يوجب الإثمَ وَهُوَ تعميمٌ بعدَ تخصيصٍ وقيل هو شربُ الخمر ﴿والبغى﴾ أي الظلم أو الكبر أفرد بالذكر

стр. 1749

الأعراف آية ٣٤ ٣٥ للمبالغة في الزجرعنه ﴿بغير الحق﴾ متعلق بالغي مؤكدٌ له معنى ﴿وَأَن تُشْرِكُواْ بالله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا﴾ تهكّمٌ بالمشركين وتنبيهٌ على تحريم اتباعِ ما لا يدل عليه برهان ﴿وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ بالإلحاد في صفاته والافتراء عليه كقولهم والله أَمَرَنَا بِهَا وتوجيهُ التحريم إلى قولهم عليه تعالى ما لا يعلمون وقوعَه لا يعلمون عدمَ وقوعِه قد مر سرُّه

стр. 1750

﴿ولكل أمةٍ﴾ من الأمم المُهلَكة ﴿أَجَلٌ﴾ حدٌّ معينٌ من الزمان مضروبٌ لِمَهلِكهم ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ﴾ إن جعل الضميرُ للأمم المدلولِ عليها بكل أمة فإظهار الأجل مضافا إليه لإفادة المعنى المقصودِ الذي هو بلوغ كل أمة أجلها الخاص بها ومجيئه غياها بواسطة اكتسابِ الأجل بالإضافة عموما يفيده معنى الجمعية كأنه قيل إذا جاءهم آجالهم بأن يجيء كل واحدةٍ من تلك الأمم أجلُها الخاصُّ بها وإن جُعل لكل أمةٍ خاصةً كما هو الظاهرُ فالإظهارُ في موقع الإضمار لزيادة التقريرِ والإضافةُ إلى الضمير لإفادة أكملِ التمييزِ أي إذا جاءها أجلُها الخاصُّ بها ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن ذلك الأجلِ ﴿سَاعَةً﴾ أي شيئا قليلا من الزما فإنها مثل ي غاية القلةِ منه أي لا يتأخرون أصلاً وصيغةُ الاستفعا ل للإشعار بعجزهم وحِرمانهم عن ذلك مع طلبهم له ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ أي ولا يتقدمون عليهِ وهو عطفٌ عَلى يستأخرون لكن لا لبيان انتفاء التقدم مع إمكانه في نفسه كالتأخر بل المبالغة في انتفاء التأخر بنظمه في سلك المستحيلِ عقلاً كمكا في قوله سبحانه وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ إِنّى تُبْتُ الان وَلَا الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ فإن من مات كافراً مع ظهور أن لا توبةَ له رأساً قد نُظم في عدم القبولِ في سلك من سوفها إلى حضور الموتِ إيذاناً بتساوي وجودِ التوبة حينئذ وعدمها بالمرة وقيل المرادُ بالمجيء الدنوُّ بحيث يمكن التقدمُ في الجملة كمجيء اليومِ الذي ضُرب لهلاكهم ساعةٌ فيه وليس بذاك وتقديمُ بيانِ انتفاء الاستيخار لما أن المقصودَ بالذات بيانُ عدمِ خلاصِهم من العذاب وأمَّا ما في قولِه تعالى مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يستأخرون من سبق السبق في الذكر فلما أن المراد هناك بيانُ سرِّ تأخيرِ إهلاكِهم مع استحقاقهم له حسبما ينبيء عنه قوله تعالى ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الامل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ فالأهمُّ هناك بيانُ انتفاءِ السبْق

стр. 1751

﴿يا بني آدم﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى كافى الناس اهتماماً بشأن ما في حيّزه ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ هي إنْ الشرطيةُ ضُمَّت إليها ما لتأكيد معنى الشرطِ ولذلك لزِمت فعلَها النونُ الثقيلةُ أو الخفيفةُ وفيه تنبيه على أن إرسال الرسل أمر حائز لا واجبٌ عقلاً ﴿رُسُلٌ مّنكُمْ﴾ الجارُّ متعلقٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ لرسلٌ أي كائنون من جنسكم وقولُه ﴿يقصون عليكم آياتي﴾ صفةٌ أخرى لرسلٌ أي يبينون لكم أحكاميوشرائعي وقولُه تعالى ﴿فَمَنِ اتقى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ جملةٌ شرطية وقعت جوابا

стр. 1752

الأعراف آية ٣٦ ٣٧ للشرط أيس فمن اتقى منكك التكذيبَ وأصلح عملَه فلا خوف الخ وكذا وقوله تعالى

стр. 1753

﴿والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون﴾ أي والذين كذبوا منكم بآياتنا وإيرادُ الاتقاءِ في الأول للإيذان بأن مدارَ الفلاحِ ليس مجردَ عدمِ التكذيبِ بل هو الاتقاءُ والاجتنابُ عنه وإدخالُ الفاءِ في الجزاء الأولِ دون الثاني للمبالغة في الوعد والمسامحةِ في الوعيد

стр. 1754

﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كذبا أو كذب بآياته﴾ أي تقول عليه ما لم يقُلْه أو كذّب ما قاله أيْ هُو أظلمَ منْ كل ظالمٍ وقد مرَّ تحقيقُه مراراً ﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى الموصول والجمعُ باعتبارِ معناه كما أن إفرادَ الفعلين باعتبار لفظِه وما فيه من معنى البعد للإيذان بتماديهم في سُوءِ الحالِ أي أولئك الموصوفون بما ذُكر من الافتراءِ والتَّكذيبِ ﴿ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ أي مما كُتب لهم من الأرزاق والأعمارِ وقيل الكتابُ اللوحُ أي ما أُثبت لهم فيه وأياً ما كان فمِن الابتدائيةُ متعلقةٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من نصيبهم أي ينالُهم نصيبُهم كائناً من الكتاب وقيل نصيبُهم من العذاب وسوادِ الوجه وزُرقةِ العيون وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كُتب لمن يفتري على الله سوادُ الوجهِ قال تعالى وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ وقولُه تعالى ﴿حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا﴾ أي ملكُ الموتِ وأعوانُه ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ أي حالَ كونِهم مُتوفِّين لأرواحهم يؤيد الأول فإنَّ حتَّى وإنْ كانتْ هي التي يُبتدأ بها الكلام لكنها غايةٌ لما قبلها فلا بد أن يكون نصيبُهم مما يتمتعون بها إلى حين وفانهم أي ينالهم نصيبُهم من الكتاب إلى أن يأتيَهم ملائكةُ الموتِ فإذا جاءتهم ﴿قَالُواْ﴾ لَهُمْ ﴿أَيْنَ مَا كُنتُمْ تدعون مِن دُونِ الله﴾ أي أين الآلهةُ التي كنتم تعبُدونها في الدنيا وما وقعت موصولةً بأين في خط المصحف وحقُّها الفصلُ لأنها موصولة ﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ وقع جوابا عن سؤالٍ نشأَ من حكايةِ سؤالِ الرسل كأنه قيل فماذا قالوا عند ذلك فقيل قَالُواْ ﴿ضَلُّواْ عَنَّا﴾ أي غابوا عنا أي لا ندري مكانَهم ﴿وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ عطفٌ على قالُوا أي اعترفوا على أنفسهم ﴿أَنَّهُمْ كَانُواْ﴾ أي في الدنيا ﴿كافرين﴾ عابدين لما لا يَستحِق العبادةَ أصلاً حيث شاهدوا حالَه وضلالَه ولعله أريد بوقت مجيءِ الرسل وحالِ التوفي الزمانُ الممتدُّ من ابتداء المجيءِ والتوفي إلى انتهائه يوم الجزاءِ بناءً على تحقق المجيءِ والتوفي في كل ذلك الزمان بقاءً وإن كان حدوثُهما في أوله فقط أو قُصد بيانُ غاية سرعةِ وقوعِ البعثِ والجزاء كأنهما حاصلان عند ابتداءِ التوفي كما ينبىء عنه قوله ﷺ من مات فقد قامت قيامتُه وإلا فهذا السؤال والجوابُ وما ترتب عليهما من الأمر بدخول النارِ وما جرى بين أهلها من التلاعن

стр. 1755

الأعراف آي ٣٨ ٤٠ والتقاولِ إنما يكون بعد البحث لا محالة
следующие страницы →