← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

﴿يا بني آدم﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى كافى الناس اهتماماً بشأن ما في حيّزه ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ هي إنْ الشرطيةُ ضُمَّت إليها ما لتأكيد معنى الشرطِ ولذلك لزِمت فعلَها النونُ الثقيلةُ أو الخفيفةُ وفيه تنبيه على أن إرسال الرسل أمر حائز لا واجبٌ عقلاً ﴿رُسُلٌ مّنكُمْ﴾ الجارُّ متعلقٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ لرسلٌ أي كائنون من جنسكم وقولُه ﴿يقصون عليكم آياتي﴾ صفةٌ أخرى لرسلٌ أي يبينون لكم أحكاميوشرائعي وقولُه تعالى ﴿فَمَنِ اتقى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ جملةٌ شرطية وقعت جوابا

стр. 1752

الأعراف آية ٣٦ ٣٧ للشرط أيس فمن اتقى منكك التكذيبَ وأصلح عملَه فلا خوف الخ وكذا وقوله تعالى

стр. 1753

﴿والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون﴾ أي والذين كذبوا منكم بآياتنا وإيرادُ الاتقاءِ في الأول للإيذان بأن مدارَ الفلاحِ ليس مجردَ عدمِ التكذيبِ بل هو الاتقاءُ والاجتنابُ عنه وإدخالُ الفاءِ في الجزاء الأولِ دون الثاني للمبالغة في الوعد والمسامحةِ في الوعيد

стр. 1754

﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كذبا أو كذب بآياته﴾ أي تقول عليه ما لم يقُلْه أو كذّب ما قاله أيْ هُو أظلمَ منْ كل ظالمٍ وقد مرَّ تحقيقُه مراراً ﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى الموصول والجمعُ باعتبارِ معناه كما أن إفرادَ الفعلين باعتبار لفظِه وما فيه من معنى البعد للإيذان بتماديهم في سُوءِ الحالِ أي أولئك الموصوفون بما ذُكر من الافتراءِ والتَّكذيبِ ﴿ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ أي مما كُتب لهم من الأرزاق والأعمارِ وقيل الكتابُ اللوحُ أي ما أُثبت لهم فيه وأياً ما كان فمِن الابتدائيةُ متعلقةٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من نصيبهم أي ينالُهم نصيبُهم كائناً من الكتاب وقيل نصيبُهم من العذاب وسوادِ الوجه وزُرقةِ العيون وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كُتب لمن يفتري على الله سوادُ الوجهِ قال تعالى وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ وقولُه تعالى ﴿حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا﴾ أي ملكُ الموتِ وأعوانُه ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ أي حالَ كونِهم مُتوفِّين لأرواحهم يؤيد الأول فإنَّ حتَّى وإنْ كانتْ هي التي يُبتدأ بها الكلام لكنها غايةٌ لما قبلها فلا بد أن يكون نصيبُهم مما يتمتعون بها إلى حين وفانهم أي ينالهم نصيبُهم من الكتاب إلى أن يأتيَهم ملائكةُ الموتِ فإذا جاءتهم ﴿قَالُواْ﴾ لَهُمْ ﴿أَيْنَ مَا كُنتُمْ تدعون مِن دُونِ الله﴾ أي أين الآلهةُ التي كنتم تعبُدونها في الدنيا وما وقعت موصولةً بأين في خط المصحف وحقُّها الفصلُ لأنها موصولة ﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ وقع جوابا عن سؤالٍ نشأَ من حكايةِ سؤالِ الرسل كأنه قيل فماذا قالوا عند ذلك فقيل قَالُواْ ﴿ضَلُّواْ عَنَّا﴾ أي غابوا عنا أي لا ندري مكانَهم ﴿وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ عطفٌ على قالُوا أي اعترفوا على أنفسهم ﴿أَنَّهُمْ كَانُواْ﴾ أي في الدنيا ﴿كافرين﴾ عابدين لما لا يَستحِق العبادةَ أصلاً حيث شاهدوا حالَه وضلالَه ولعله أريد بوقت مجيءِ الرسل وحالِ التوفي الزمانُ الممتدُّ من ابتداء المجيءِ والتوفي إلى انتهائه يوم الجزاءِ بناءً على تحقق المجيءِ والتوفي في كل ذلك الزمان بقاءً وإن كان حدوثُهما في أوله فقط أو قُصد بيانُ غاية سرعةِ وقوعِ البعثِ والجزاء كأنهما حاصلان عند ابتداءِ التوفي كما ينبىء عنه قوله ﷺ من مات فقد قامت قيامتُه وإلا فهذا السؤال والجوابُ وما ترتب عليهما من الأمر بدخول النارِ وما جرى بين أهلها من التلاعن

стр. 1755

الأعراف آي ٣٨ ٤٠ والتقاولِ إنما يكون بعد البحث لا محالة

стр. 1756

﴿قَالَ﴾ أي الله يوم القيامة بالذات أو بواسطة الملك ﴿ادخلوا فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أي كائنين من جملة أممٍ مصاحبين لهم ﴿مّنَ الجن والإنس﴾ يعني كفارَ الأمم الماضيةِ من النوعين ﴿فِى النار﴾ متعلقٌ بقوله أَدْخِلُواْ ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ﴾ من الأمم السابقةِ واللاحقةِ فيها ﴿لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ التي ضلت بالاقتداء بها ﴿حَتَّى إِذَا اداركوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ أي تداركوا وتلاحقوا في النار ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ﴾ دخولاً أو منزلة وهم الأتباعُ ﴿لاولاهم﴾ أي لأجلهم إذِ الخطابُ مع الله تعالى لا معهم ﴿رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا﴾ سنّوا لنا الضلال فاقتدنا بهم ﴿فَآتِهِم عَذَاباً ضِعْفاً﴾ أي مضاعفاً مِنَ النار لأنهم ضلّوا وأضلوا ﴿قَالَ لِكُلّ ضِعْفٌ﴾ أما القادةُ فلِما ذُكر من الضلال والإضلالِ وأما الأتباعُ فلكفرهم وتقليدِهم ﴿ولكن لَاّ تَعْلَمُونَ﴾ اي ما لكم وما لِكُلّ فريقٍ من العذاب وقرىء بالياء

стр. 1757

﴿وَقَالَتْ أولاهم﴾ أي مخاطِبين ﴿لأُخْرَاهُمْ﴾ حين سمعوا جوابَ الله تعالى لهم ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ أي فقد ثبت أن لا فضلَ لكم علينا وإنا وإياكم متساوون في الضلال واستحقاقِ العذاب ﴿فَذُوقُواْ العذاب﴾ أي العذابَ المعهودَ المضاعفَ ﴿بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ من قول القادة

стр. 1758

﴿إن الذين كذبوا بآياتنا﴾ مع وضوحها ﴿واستكبروا عَنْهَا﴾ أي عن الإيمان بها والعملِ بمقتضاها ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السماء﴾ أي لا تُقبل أدعيتُهم ولا أعمالهم ولا تعْرُج إليها أرواحُهم كما هو شأنُ أدعيةِ المؤمنين وأعمالِهم وأرواحِهم والتاء في تفتح لتأنيث الأبواب والتشديد لكثرتها وقرىء بالتخفيف وبالتخفيف والياء وقرىء على البناء للفاعل ونصب الأبواب على أن الفعلَ للآيات وبالياء على أنه لله تعالى ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الجنة حتى يَلِجَ الجمل فِى سَمّ الخياط﴾ أي حتى يدخُلَ ما هو مثل في عِظَم الجِرْم فيما علم في ضيق الملك وهو يقبة الإبرة وفي كون الجملِ مما ليس من شأنه الولج في سمِّ الإبرة مبالغةٌ في الاستبعاد وقرىء الجُمّل كالقمّل والجُمَل كالنُغَر والجُمل كالقُفل والجَمَل كالنصَب والجَمْل كالحبل وهي الحبلُ الغليظ من القنب وقيل حبلُ السفينة وسُمّ بالضم والكسر وقرىء في سَمّ المَخيط وهو الخِياط أي ما يُخاط به كالحِزام والمحزم ﴿وكذلك﴾ أيْ ومثلَ ذلكَ الجزاءِ الفظيعِ ﴿نَجْزِى المجرمين﴾ أي جنسَ المجرمين وهم داخلونَ في زُمرتهم دخولاً أوليا

стр. 1759

الأعراف آية ٤١ ٤٣

стр. 1760

﴿لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾ أي فراشٌ من تحتهم والتنوينُ للتفخيم ومن تجريدية ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ أي أغطيةٌ والتنوينُ للبدل عن الإعلال عند سيبويهِ وللصرْفِ عند غيره وقرىء غواشِ على إلغاء المحذوف كما في قوله تعالى وَلَهُ الجوار المنشآت ﴿وكذلك﴾ ومثلَ ذلك الجزاءِ الشديد ﴿نَجْزِى الظالمين﴾ عبّر عنهم بالمجرمين تارةً وبالظالمين أخرى إشعاراً بأنهم بتكذيبهم الآياتِ اتّصفوا بكل واحدٍ من ذيْنِك الوصفين القبيحين وذكرُ الجُرم مع الحِرمان من دخول الجنةِ والظلم مع التعذيب بالنار للتنبيه على أنه أعظمُ الجرائمِ والجرائر

стр. 1761

﴿والذين آمنوا﴾ أي بآياتنا أو بكلِّ ما يجبُ أنْ يُؤمن به فيدخُل فيه الآياتُ دُخولاً أوليَّا وقولُه تعالَى ﴿وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ أي الأعمالَ الصالحةَ التي شُرعت بالآيات وهذا بمقابلة الاستكبارِ عنها ﴿لَا نُكَلّفُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ اعتراضٌ وُسِّط بين المبتدإِ الذي هو الموصولُ والخبر الذي هو جملة ﴿أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة﴾ للترغيب في اكتساب ما يؤدي إلى النعيم المقيم ببيان سهولةِ منالِه وتيسُّر تحصيلِه وقرىء لا تُكَلَّف نفسٌ واسمُ الإشارةِ مبتدأٌ وأصحابُ الجنةِ خبرُه والجملةُ خبرٌ للمبتأ الأولِ أو اسمُ الإشارةِ بدلٌ من المبتدأ الأولِ الذي هو الموصول والخبر أصحابُ الجنة وما فيه من معنى البعد للإيذانِ ببُعدِ منزلتِهم في الفضل والشرف ﴿هُمْ فِيهَا خالدون﴾ جحال من أصحاب الجنة وقد جوز كونُه حالاً من الجنة لاشتماله على ضميرها والعاملُ معنى الإضافةِ أو اللامُ المقدرةِ أو خبرٌ ثانٍ لأولئك على رأي من جوّزه وفيها متعلق بخالدون

стр. 1762

﴿وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ﴾ أي نخرج من قلوبهم أسبابَ الغل أو نطهرها منه حتى لا يكون بينهم إلا التوادُّ وصيغةُ الماضي للإيذان بتحققه وتقررِه وعَنْ عليَ رضيَ الله تعالى عنه إني لأرجوا أن أكون أنا وعثمان وطلحةُ والزبيرُ منهم ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار﴾ زيادةٌ في لذتهم وسرورهم والجملةُ حالٌ منَ الضميرِ في صدورهم والعاملُ إما معنى الإضافة وإما العاملُ في المضاف أو حالٌ من فاعل نزعنا والعاملُ نزعنا وقيل هي مستأنفةٌ للإخبار عن صفة أحوالِهم ﴿وَقَالُواْ الحمد لِلَّهِ الذى هَدَانَا لهذا﴾ أي لِما جزاؤُه هذا ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ﴾ أي لهذا المطلبِ الأعلى أو لمطلب من المطالب التي هذا من جملتها ﴿لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله﴾ ووفقنا له واللام لتأكيد النفي وجواب النفي لولا محذوفٌ ثقةً بدِلالة ما قبلَهُ عليه ومفعولُ نهتدي وهدانا الثاني

стр. 1763

الأعراف آية ٤٤ ٤٦ محذوفٌ لظهور المرادِ أو لإرادة التعميمِ كما أشير إليه والجملةُ مستأنَفةٌ أو حالية وقرىء ما كنا لنهتديَ الخ بغير واو على أنها مبنية ومفسرةٌ للأولى ﴿لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا﴾ جوابُ قسمٍ مقدر قالوه تبجّحاً واغتباطاً بما نالوه وابتهاجاً بإيمانهم بما جاءتهم الرسلُ ﵈ والباء في قوله تعالى ﴿بالحق﴾ إما للتعدية فهي متعلقةٌ بجاءت أو للملابسة فهي متعلقةٌ بمقدرٍ وقع حالاً من الرسل أي والله لقد جاءوا بالحق ولقد جاءوا ملتبسين بالحق ﴿وَنُودُواْ﴾ أي نادتهم الملائكةُ ﵈ ﴿أَن تِلْكُمُ الجنة﴾ أن مفسرة لما في النِّداءِ من معنى القولِ أو مخففةٌ من أنَّ وضميرُ الشأنِ محذوفٌ ومعنى البُعد في اسم الإشارةِ إما لأنهم نوُدوا عند رؤيتِهم إياها من مكان بعيد غما لرفع منزلتِها وبُعدِ رتبتِها وإما للإشعار بأنها تلك الجنةَ التي وُعدوها في الدنيا ﴿أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنيا من الأعمالِ الصالحةِ أي أُعطيتموها بسبب أعمالِكم أو بمقابلة أعمالِكم والجملةُ حال من الجنة والعاملُ معنى الإشارةِ على أن تلكم الجنةُ مبتدأٌ وخبرٌ أو الجنةُ صفةٌ والخبرُ أورثتموها

стр. 1764

﴿وَنَادَى أصحاب الجنة أصحاب النار﴾ تبجحاً بحالهم وشماتةً بأصحاب النار وتحسيراً لهم لا لمجرد الإخبارِ بحالهم والاستخبارِ عن حال مخاطَبيهم ﴿أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّا﴾ حيث نلنا هذا المنالَ الجليلَ ﴿فهل وجدتم ما وعد رَبُّكُمْ حَقّا﴾ حُذف المفعولُ من الفعل الثاني إسقاطاً لهم عن رتبة التشريفِ بالخطاب عند الوعدِ وقيل لأن ما ساءهم من الموعود لم يكن بأسره مخصوصاً بهم وعداً كالبعث والحساب ونعيم أهل الجنة فإنهم قد وجدوا جميعَ ذلك حقاً وإن لم يكن وعدُه مخصوصاً بهم ﴿قَالُواْ نَعَمْ﴾ أي وجدناه حقاً وقرىء بكسرِ العينِ وهي لغةٌ فيه ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذّنٌ﴾ قيل هو صاحبُ الصُّور ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أي بين الفريقين ﴿أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾ بأنْ المخفَّفةِ أو المفسِّرةِ وقرىء بأنّ المشددةِ ونصْبِ لعنةُ وقرىء إنّ بكسر الهمزةِ على إرادة القول أو إجراء أذّن مُجرى قال

стр. 1765

﴿الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ صفةٌ مقرِّرةٌ للظالمين أو رُفع على الذم أو نصْبٌ عليه ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي يبغون لها عِوَجاً بأن يصفوها بالزيغ والميلِ عن الحق وهو أبعدُ شيء منهما والعِوَجُ بالكسر في المعاني والأعيان ما لم يكن منتصباً وبالفتح ما كان في المنتصِب كالرُّمحِ والحائط ﴿وَهُم بالاخرة كافرون﴾ غيرُ معترفين

стр. 1766

﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ أي بين الفريقين كقوله تعالى فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ أو بين الجنة والنار ليمنعَ وصولُ أثرِ إحداهما إلى الأخرى ﴿وَعَلَى الاعراف﴾ أي على أعراف الحجابِ وأعاليه وهو السورُ المضروبُ بينهما جمعُ

стр. 1767

الأعراف ى ية ٤٧ ٤٩ عُرف مستعار من عُرف الفرس وقيل العرف ما ارتفع من الشيء فإنه بظهوره أعرفُ من غيره ﴿رِجَالٌ﴾ طائفةٌ من الموحدين قصّروا في العمل فيجلسون بين الجنة والنارِ حتى يقضيَ الله تعالى فيهم ما يشاء وقيل قومٌ عَلَت درجاتُهم كالأنبياء والشهداء والأخيارِ والعلماءِ من المؤمنين أو ملائكةٌ يُرَون في صور الرجال ﴿يَعْرِفُونَ كُلاًّ﴾ من أهل الجنة والنار ﴿بسيماهم﴾ بعلامتهم التي أعلمهم الله تعالى بها كبياض الوجهِ وسوادِه فعلى من سام إبِلَه إذا أرسلها في المرعى مُعْلَمةً أو مِنْ وَسَم بالقلب كالجاه من الوجه وإنما يعرفون ذلك بالإلهام أو بتعليم الملائكة ﴿وَنَادَوْاْ﴾ أي رجالُ الأعراف ﴿أصحاب الجنة﴾ حين رأوهم ﴿أَن سلام عَلَيْكُمْ﴾ بطريق الدعاءِ والتحية أو بطريق الإخبارِ بنجاتهم من المكارة ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا﴾ حالٌ من فاعل نادَوْا أو من مفعولِه وقولُه تعالى ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ حال من فاعل يدخلوها أي نادوهم وهم لم يدخلوها حال كونهم طامعين في دخولها مترقبين له أي لم يدخلوها وهم في وقت عدمِ الدخول طامعون

стр. 1768

﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أبصارهم تِلْقَاء أصحاب النار﴾ أي إلى جهتهم وفي عدم التعرضِ لتعلق أنظارِهم بأصحاب الجنةِ والتعبير عن تعلق أبصارعهم بأصحاب النارِ بالصرف إشعارٌ بأن التعلقَ الأولَ بطريق الرغبة والميل الثاني بخلافه ﴿قَالُواْ﴾ متعوذين بالله تعالى من سوء حالِهم ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ القوم الظالمين﴾ أي في النار وفي وصفهم بالظلم دون ما هم عليه حينئذ من العذاب وسوءِ الحال الذي هو الموجبُ للدعاء إشعارٌ بأن المحذورَ عندهم ليس نفيَ العذابِ فقط بل مع ما يوجبه ويؤدي إليه من الظلم

стр. 1769

﴿ونادى أصحاب الاعراف﴾ كرر ذكرهم مع كفاية الإضمار لزيادة التقرير ﴿رِجَالاً﴾ من رؤساء الكفارِ حين رأَوْهم فيما بين أصحابِ النار ﴿يَعْرِفُونَهُمْ بسيماهم﴾ الدالةِ على سوء حالِهم يومئذ وعلى رياستهم في الدنيا ﴿قَالُواْ﴾ بدلٌ من نادى ﴿مَا أغنى عنكم﴾ ما إما الاستفهامية للتوبيخ والتقريع أو نافية ﴿جَمْعُكُمْ﴾ أي أتباعُكم وأشياعُكم أو جمعُكم للمال ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ما مصدريةٌ أي ما أغنى عنكم جميعا واستكبارُكم المستمرُّ عن قَبول الحقِّ أو على الخلق وهو الأنسب بما بعجه وقرىء تستكثرون من الكثرة أي من الأموال والجنود

стр. 1770

﴿أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ﴾ من تتمة قولِهم للرجال والإشارةُ إلى ضعفاء المؤمنين الذين كانت الكفرةُ يحتقرونهم في الدنيا ويحلِفون صريحاً أنهم لا يدخُلون الجنةَ أو يفعلون ما ينبىء عن ذلك كما في قولِه تعالى أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مّن زَوَالٍ ﴿ادخلوا الجنة﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى أولئك المذكورين أي ادخُلوا الجنة على رُغم

стр. 1771

الأعراف ى ية ٥٠ ٥٢ أنوفِهم ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ﴾ بعد هذا ﴿وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ أو قيل لأصحاب الأعراف ادخُلوا الجنةَ بفضل الله تعالى بعد أن حُبسوا وشاهدوا أحوالَ الفريقين وعرفوهم وقالوا لهم ما قالوا والأظهرُ أن لا يكون المراد بأصحالب الأعرافِ المقصِّرين في العمل لأن هذه المقالاتِ وما تنفرع هي عليه من المعرفة لا يليق بمن لم يتعيّنْ حالُه بعدُ وقيل لما عيّروا أصحابَ النار أقسموا أن أصحابَ الأعرافِ لا يدخُلون الجنة فقال الله تعالى أو الملائكةُ رداً عليهم أهؤلاء الخ وقرىء ادخَلوا ودَخَلوا على الاستئناف وتقديرُه دخلوا الجنةَ مقولاً في حقِّهم لا خوفٌ عليكم

стр. 1772

﴿ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة﴾ بعد أن استقر بكل من الفريقين القرارُ واطمأنت به الدار ﴿أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الماء﴾ أي صبوه وفيه دلالة على أن الجنة فوق النار ﴿أَوْ مما رزقكم الله﴾ من سائر الأشربة ليلائم الإضافة أو من الأطعمة على أن الإفاضةَ عبارةٌ عن الإعطاء بكثرة ﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على السؤالِ كأنه قيل فماذا قالوا فقيل قالوا ﴿إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين﴾ أي منعهما منهم منعاً كلياً فلا سبيل إلى ذلك قطعاً

стр. 1773

﴿الذين اتخذوا دِينَهُمْ لَهْوًا ولعبا﴾ متحريم البَحيرة والسائبةَ ونحوِهما والتصديةِ حولَ البيت واللهوُ صرفُ الهمِّ إلى ما لا يحسُن أن يُصْرفَ إليه واللعبُ طلبُ الفرحِ بما لا يحسن أن يُطلب ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا﴾ بزخارفها العاجلةِ ﴿فاليوم ننساهم﴾ نفعل بهم ما يفعل الناس بالمنسيِّ من عدم الاعتدادِ بهم وتركِهم في النار تركاً كلياً والفاء في فاليوم فصيحةٌ وقوله تعالى ﴿كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هذا﴾ في محل النصبِ على أنَّه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أي ننساهم مثلَ نسيانِهم لقاءَ يومِهم هذا حيث لم يُخطِروه ببالهم ولم يعتدّوا له وقولُه تعالى ﴿وَمَا كَانُواْ بآياتنا يَجْحَدُونَ﴾ عطفٌ على ما نسوا أي وكما كانوا منكرين بأنها من عند الله تعالى إنكاراً مستمراً

стр. 1774

﴿وَلَقَدْ جئناهم بكتاب فصلناه﴾ أي بيّنا معانيَه من العقائد والأحكامِ والمواعظ والضميرُ للكفرة قاطبةً والمرادُ بالكتاب الجنسُ أو للمعاصِرين منهم والكتابُ هو القرآن ﴿على عِلْمٍ﴾ حالٌ من فاعِل فصلناه أي عالمين بوجه تفصيلِه حتى جاء حكيماً أو من مفعولِه أي مشتملاً على علم كثير وقرىء فضلناه أي على سائر الكتب عالمين بفضله ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ حال من المفعول ﴿لقوم لا يُؤْمِنُونَ﴾ لأنهم المغتنمون لآثاره المقتبسون من أنواره

стр. 1775

الأعراف آية ٥٣ ٥٤

стр. 1776

﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ تَأْوِيلَهُ﴾ أي ما يناتظر هؤلاءِ الكفرةُ بعدم إيمانِهم به إلا ما يئول إليه أمرُه من تبيّن صدقِه بظهور ما أخبر به من الوعد والوعيد ﴿يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ﴾ وهو يومُ القيامة ﴿يَقُولُ الذين نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾ أي تركوه ترْكَ المنسيِّ من قبل إتيانِ تأويلِه ﴿قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بالحق﴾ أي قد تبين أنهم قد جاءوا بالحق ﴿فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لنا﴾ ويدفعوا عنا العذاب ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ أي هل نرد إلى الدنيا وقرىء بالنصب عطفاً على فيشفعوا أو لأن أو بمعنى إلى أن فعلى الأول المسئول أحدُ الأمرين إما الشفاعةُ لدفع العذاب أو الرد إلى الدنيا وعلى الثاني أن يكون لهم شفعاءُ إما لأحد الأمرين أو لأمر واحد هو الرد ﴿فَنَعْمَلَ﴾ بالنصب على أنه جواب الاستفهام الثاني وقرىء بالرفع أي فنحن نعمل ﴿غَيْرَ الذى كُنَّا نَعْمَلُ﴾ أي في الدنيا ﴿قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ بصرف أعمارِهم التي هي رأسُ مالِهم إلى الكفر والمعاصي ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي ظهر بطلانُ ما كانوا يفترونه من أن الأصنامَ شركاءُ لله تعالى وشفعاؤهم يوم القيامة

стр. 1777

﴿إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذى خلق السماوات والأرض فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ شروعٌ في بيان مبدأ الفطرةِ إثرَ بيانِ معادِ الكفَرة أي إن خالقَكم ومالككم الذي خالق الأجرامَ العلوية والسفليةَ في ستة أوقات كقوله تعالى وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ أو في مقدار ستةِ أيامٍ فإن المتعارفَ أن اليومَ زمانُ طلوعِ الشمسِ إلى غروبها ولم تكن هي حينئذ وفي خلق الأشياء مدرجاً مع القدرة على إبداعها دفعة دليل على الاختيار واعتبار للنظار وحث على التأني في الأمور ﴿ثُمَّ استوى عَلَى العرش﴾ أي استوى أمرُه واستولى وعن أصحابنا أن الاستواء على العرش صفة لله تعالى بلا كيف والمعنى أنه تعالى استوى على العرش على الوجه الذي عناه منزهاً عن الاستقرار والتمكن والعرشُ الجسم المحيط بسائر الأجسام سمي به لارتفاعه أو للتشبيه بسرير الملِك فإن الأمورَ والتدابير تنزِل منه وقيل الملك ﴿يَغْشَى اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ أي يغطّيه به ولم يُذكر العكسُ للعلم به أو لأن اللفظَ يحتملهما ولذلك قرىء بنصب الليلَ ورفع النهار وقرىء بالتشديد للدلالة على التكرار ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ أي يعقُبه سريعاً كالطالب له لا يفصل بينهما شيء والحثيثُ فعيل من الحث وهو صفةُ مصدرٍ محذوفٍ أو حالٌ من الفاعلِ أو من المفعول بمعنى حاثاً أو محثوثاً ﴿والشمس والقمر والنجوم مسخرات بِأَمْرِهِ﴾ أي خلقهن حال كونهِن مسخراتٍ بقضائه وتصريفِه وقرىء كلُّها بالرفع على

стр. 1778

الأعراف آية ٥٥ ٥٦ الابتداء والخبر ﴿أَلَا لَهُ الخلق والامر﴾ فإنه الموجدَ للكل والمتصرِّفَ فيه على الإطلاق ﴿تَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين﴾ أي تعالى بالوحدانية في الألوهية وتعظّم بالتفرد في الربوبية وتحقيقُ الآية الكريمةِ والله تعالى أعلم إن الكفرة كانوا متخذين أرباباً فبيّن لهم أن المستحق الربوبية واحدٌ هو الله تعالى لأنه الذي له الخلقُ والأمرُ فإنه تعالى خلق العالمَ على ترتيب قويمٍ وتدبيرٍ حكيم فأبدع الأفلاكَ ثم زينها بالشمس والقمر والنجومِ كما أشار إليه بقوله تعالى فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات فِى يَوْمَيْنِ وعمَد إلى األأجرام السفليةِ فخلق جسماً قابلاً للصور لمتبدلة والهيئاتِ المختلفة ثم قسمها لصور نوعية متبانة الآثار والأفعالِ وأشار إليه بقوله تعالى وخلق الارض فِى يَوْمَيْنِ أي ما في جهة السُّفلِ في يومين ثم أنشأ أنواعَ المواليدِ الثلاثةِ بتركيب موادِّها أولاً وتصويرِها ثانياً كما قال بعد قوله تعالَى خَلَقَ الأرضَ فِى يَوْمَيْنِ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِن فَوْقِهَا وبارك فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتَها فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أي مع اليومين الأولين لِما فُصّل في سورة السجدة ثم لمّا تم له عالمُ الملك عمد إلى تدجبيره كالمالك الجالس على سريره فدبر الأمرَ مِنَ السماء إِلَى الأرض بتحريك الأفلاكِ وتسيير لكواكب وتكويرِ الليالي والأيامِ ثم صرّح بما هو فذلكةُ التقريرِ ونتيجتُه فقال تعالى ألا له الحلق والامر تَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين ثم أمر بأن يدعوُه مخلِصين متذلِّلين فقال

стр. 1779

﴿ادعوا رَبَّكُمْ﴾ الذي قد عرفتم شئونه الجليلة ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ أي ذوي تضرّعٍ وخُفية فإن الإخفاءَ دليلُ الإخلاص ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المعتدين﴾ أي لا يحب دعاءَ المجاوزين لما أُمروا به في كلَّ شيءٍ فيدخُل فيه الاعتداءُ في الدعاء دخولاً أولياً وقد نُبِّه به على أن الداعيَ يجب أن لا يطلُب ما لا يليقُ به كرتبة الأنبياءِ والصعودِ إلى السماء وقيل هو الصياحُ في الدعاء والإسهابُ فيه وعن النبيِّ ﷺ سيكونُ قومٌ يعتدون في الدعاء وحسْبُ المرءِ أن يقول اللهم إني أسألُك الجنةَ وما قرَّب إليها من قول وعملٍ وأعوذُ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ثم قرأ إنَّهُ لا يحبُّ المعتدين

стр. 1780

﴿وَلَا تُفْسِدُواْ فِى الارض﴾ بالكفر والمعاصي ﴿بَعْدَ إصلاحها﴾ ببعث الأنبياء ﵈ وشرْعِ الأحكام ﴿وادعوه خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ أي ذوي خوفٍ نظرا إلى قصور أعمالكم وعدم اسحقاقكم وطمَعٍ نظراً إلى سَعة رحمتِه ووفورِ فضلِه وإحسانِه ﴿إن رحمة الله قريب مِّنَ الْمُحْسِنِين﴾ في كل شيء ومن الإحسان في الدعاء أن يكون مقروناً بالخوف والطمع وتذكيرُ قريبٌ لأن الرحمةَ بمعنى الرحم أو لأنه صفةٌ لمحذوف أي أمرٌ قريبٌ أو على تشبيه بفعيل الذي هو بمعنى مفعول أو الذي هو مصدر كالنقيض والصهيل أو للفرق بين القريب من النسَب والقريب من غيره أو لاكتسابه التذكيرَ من المضاف إليه كما أن المضاف يكتب التأنيثَ من المضاف إليه

стр. 1781

الأعراف آية ٥٧ ٥٨

стр. 1782

﴿وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح﴾ عطف على الجملة السابقة وقرىء الريحَ ﴿بُشْرًا﴾ تخفيفُ بُشُرٍ جمع بشير أي مبشّرات وقرىء بفتح الباءِ على أنه مصدرُ بَشَره بمعنى باشرات أو للبِشارة وقرىء نُشُراً بالنون المضمومة جمعُ نَشور أي ناشرات ونَشْراً على أنه مصدرٌ في موقعِ الحالِ بمعنى ناشرات أو مفعولٌ مطلقٌ فإن الإرسالَ والنَّشرَ متقاربان ﴿بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ﴾ قُدّامَ رحمتِه التي هي المطرُ فإن الصَّبا تُثير السحابَ والشَّمالَ تجمعُه والجَنوبَ تدُرّه والدَّبورَ تفرّقه ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ﴾ أي حملت واشتقاقُه من القِلة فإن المُقِلَّ للشيء يستقِلّه ﴿سَحَابًا ثِقَالاً﴾ بالماء جَمَعه لأنه بمعنى السحائب ﴿سقناه﴾ أي السحاب وإفرادُ الضميرِ لإفراد اللفظ ﴿لِبَلَدٍ مَّيّتٍ﴾ أي لأجله ولمنفعته أو لإحيائه أو لسقيه وقرىء ميْتٍ ﴿فَأَنزَلْنَا بِهِ الماء﴾ أي بالبلد أو بالسحاب أو بالسَّوْق أو بالريح والتذكيرُ بتأويل المذكور وكذلك قوله تعالى ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ ويحتمل أن يعود الضميرُ إلى الماء وهو الظاهرُ وإذا كان للبلد فالباءُ للإلصاق في الأول والظرفية في الثاني وإذا كان لغيره فهي للسببية ﴿مِن كُلّ الثمرات﴾ أيْ من كل أنواعها ﴿كذلك نُخْرِجُ الموتى﴾ الإشارةُ إلى إخراج الثمراتِ أو إلى إحياء البلدِ الميتِ أي كما نحييه بإحداث القوةِ الناميةِ فيه وتطريتِها بأنواعِ النباتِ والثمراتِ نخرج الموتى من الأجداث ونحييها بردّ النفوسِ إلى موادّ أبدانِها بعد جَمعِها وتطريتها بالقُوى والحواسّ ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ بطرح إحدى التاءين أي تتذكرون فتعلمون أن مَنْ قدَرَ على ذلك على هذا من غير شبهة

стр. 1783

﴿والبلد الطيب﴾ أي الأرضُ الكريمةُ التربة ﴿يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبّهِ﴾ بمشيئته وتيسيرِه عبر به عن كثرة النباتِ وحسنِه وغزارة نفحه لنه أوقعه في مقابلةِ قولِه تعالى ﴿والذى خَبُثَ﴾ من البلاد كالسبخة والحرَّة ﴿لَا يَخْرُجُ إِلَاّ نَكِدًا﴾ قليلاً عديمَ النفع ونصبُه على الحال والتقديرُ والبلدُ الذي خبُث لا يخرُج نباتُه إلا نكِداً فحُذف المضافُ وأُقيمَ المضافُ إليه مُقامَه فصار مرفوعاً مستتراً وقرىء لا يخرج إلا نكدا أي لا يخرجه البلدُ إلا نكداً فيكون إلا نكداً مفعولَه وقرىء نَكَداً على المصدر أي ذا نَكَدٍ ونَكْداً بالإسكان للتخفيف ﴿كذلك﴾ أي مثلَ ذلك التصريف البديع ﴿نصرف الآيات﴾ أي نرددها ونكررها ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ نعمةَ الله تعالى فيتفكرون فيها ويعتبرون بها وهذا كما ترى مثل لإرسال الرسل عليهم بالشرائع التي هي ماءُ حياةِ القلوبِ إلى المكلَّفين المنقسكمين إلى المقتبِسين من أنوارها والمحرومين من مغانمِ آثارِها وقد عُقّب ذلك بما يحققه ويقرّره من قصص الأممِ الخاليةِ بطريق الاستئناف فقيل

стр. 1784

الأعراف آية ٥٩ ٦١

стр. 1785

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ هو جوابُ قسمٍ محذوفٍ أيْ والله لقد ارسلنا الخ واطرادا استعمالِ هذه اللامِ مع قد لكون مدخولِها مَظِنّةً للتوقع الذي هو معنى قد فغن الجملة القسَميةَ إنما تُساق لتأكيد الجملةِ المُقسَم عليها ونوح هو ابن لملك بن متوشلح بنِ أُخنوخ وهو إدريسُ النبيُّ ﵉ قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بُعثَ ﵊ على رأس أربعيم سنةً من عمره ولبِث يدعو قومه تسمعاءة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة فكان عمرُه ألفاً ومائتين وأربعين سنة وقال مقاتل بعث وهو ابنُ مائةِ سنة وقيل وهو ابن خمسين سنة وقيل وهو ابنُ مائتين وخمسين سنةً ومكث يدعو قومَه تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسون سنة فكان عمره ألفا وأربَعَمِائةٍ وخمسين سنة ﴿فَقَالَ يا قوم اعبدوا الله﴾ أي اعبدوه وحدَه وتركُ التقييد بع للإيذان بأنها العبادةُ حقيقةً وأما العبادةُ بالإشراكِ فليستْ من العبادة في شيءٍ وقولُه تعالى ﴿مَّا لَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ﴾ أي من مستحِقَ للعبادة استئنافٌ مَسوقٌ لتعليل العبادةِ المذكورةِ أو الأمرِ بها وغيرُه بالرَّفعِ صفةٌ لإله باعتبارِ محلِّه الذي هو الرفعُ عَلَى الابتداءِ أو الفاعلية وقُرىء بالجرِّ باعتبار لفظه وقُرىء بالنَّصبِ على الاستثناءِ وحكمُ غيرٍ حكمُ الاسمِ الواقعِ بعد إلا أي مَا لَكُم مّنْ إله إلا إياه كقولك ما في الدار من أحد إلا زبد أو غيرَ زيدٍ فمن إله إن جعل مبتدأً فلكم خبرُه أو خبرُه محذوفٌ ولكُم للتَّخصيصِ والتَّبيينِ أي ما لكُم في الوجودِ أو في العالمِ إله غيرُ الله ﴿إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ أي إن لم تعبدوه حسبماأمرت به ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يومُ القيامة أو يومُ الطوفان والجملةُ تعليلٌ للعبادة ببيان الصارفِ عن تركها إثرَ تعليلِها ببيان الداعي إليها ووصفُ اليومِ بالعظم لبيان عظم ما يقع فيه وتكميلِ الإنذار

стр. 1786

﴿قَالَ الملا مِن قَوْمِهِ﴾ استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية قولِه ﵇ كأنه قيل فماذا قالُوا له ﵇ في مقابلة نصحِه فقيل قال الرؤساءُ من قومه والأشراف الذين يمثلون صدورَ المحافل بإجرامهم والقلوبَ بجلالهم وهيبتِهم والأبصارَ بجمالهم وأُبّهتهم ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضلال﴾ أي ذهاب عن طريق الحقِّ والصواب والرؤيةُ قلبيةٌ ومفعولاها الضميرُ والظرفُ ﴿مُّبِينٌ﴾ بيّنٌ كونُه ضلالاً

стр. 1787

﴿قَالَ﴾ استئناف كما سبق ﴿يا قوم﴾ ناداهم بإضافتهم إليه استمالةً لقلوبهم نحو الحق ﴿لَيْسَ بِى ضلالة﴾ أيُّ شيءٍ ما من الضلال قصد ﵊ تحقيق الحقي في نفي الضلالِ عن نفسه رداً على الكفرة حيث بالغوا في إثباته له ﵊ حيث جعلوه مستقراً في الضلال الواضِحِ كونُه ضلالاً وقوله تعالى ﴿وَلَكِنّي رَسُولٌ مِن رَّبّ العالمين﴾ استدراكٌ مما قبله باعتبار ما يستلزِمه من كونِه في أقصى مراتبِ الهداية فإن رسالةَ ربِّ العالمين مستلزِمةٌ

стр. 1788

الأعراف آية ٦٢ ٦٤ لا محالة كأنَّه قيل ليس بي شيءٌ من الضلال ولكني في الغايةِ القاصيةِ من الهداية ومِنْ لابتداء الغايةِ مجازاً متعلقةٌ بمحذوف هو صفةٌ لرسولٌ مؤكدةٌ لما يفيده التنوينُ من الفخامةِ الذاتيةِ بالفخامةِ الإضافيةِ أي رسولٌ وأيُّ رسولٍ كائنٌ من رب العالمين

стр. 1789

﴿أُبَلّغُكُمْ رسالات رَبّى﴾ استئنافٌ مسوق لتقرير رسالته ووتفصيل أحكامِها وأحوالِها وقيل صفة أخرى لرسولٌ على طريقة أنا الذي سمّتني أمي حيدَره وقُرِىءَ أبْلِغُكم من الإبلاغِ وجمع رسالات لاختلاف أوقاتِها أو لتنوّع معانيها أو لأن المرادَ بها ما أوحيَ إليه وإلى النبيين من قبله وتخصيصُ ربوبيتِه تعالى به ﵊ بعد بيانِ عمومِها للعالمين للإشعار لعلة الحُكمِ الذي هو تبليغُ رسالتِه تعالى إليهم فإن ربوبيته تعالى له ﵊ من موجبات امتثالِه بأمره تعالى بتبليغ رسالتِه تعالى إليهم ﴿وَأَنصَحُ لَكُمْ﴾ عطفٌ إلى أبلّغُكم مبينٌ لكيفية أداءِ الرسالة وزيادة الللام مع تعدّي النُصحِ بنفسه للدلالة على إمحاض النصيحةِ لهم وأنها لمنفعتهم ومصلحتِهم خاصة وصيغة المضارع للدللة على تجدد نصيحتِه لهم كما يعرب عنه قوله تعالى رَبّ إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً ونَهَارًا وقولُه تعالى ﴿وأعلم من الله مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ عطفٌ على ما قبله وتقريرٌ لرسالته ﵊ أي أعلم من جهة الله تعالى بالوحي ما لا تعلمونه من الأمورِ الآتيةِ أو أعلم من شئونه وقدرتِه القاهرةِ وبطشِه الشديدِ على أعدائه وأن بأسَه لا يرد عن القم المجرمين ما لا تعلمونه قيل كانوا لم يسمعوا بقوم حل بهم العذابُ قبلَهم فكانوا غافلين آمنين لا يعلمون ما علِمه نوحٌ ﵇ بالوحي

стр. 1790

﴿أوعجبتم أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مّن رَّبّكُمْ﴾ جوابٌ ورد لمّا اكتُفيَ عن ذكره بقولهم إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضلال مُّبِينٍ من قولهم مَا نَرَاكَ إِلَاّ بَشَرًا مّثْلَنَا وقولِهم لَوْ شَاء الله لَانزَلَ ملائكة والهمزةُ للإنكارِ والواوُ للعطفِ على مقدر ينسحب عليه الكلام كأنه قيل أاستبعدتم وعجِبتم من أن جاءكم ذكرٌ أي وحيٌ أو موعظةٌ من مالك أموركم ومربّيكم ﴿على رَجُلٍ مّنكُمْ﴾ أي على لسان رجلٍ من جنسكم كقوله تعالى مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ وقلتم لأدل ذلك ما قلت من أن الله تعالى لو شاء لأنزل ملائكة ﴿لِيُنذِرَكُمْ﴾ علةٌ للمجيء أي ليحذركم عاقبة الكفر والعاصي ﴿وَلِتَتَّقُواْ﴾ عطفٌ على العلة الأولى مترتبةٌ عليها ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ عطف على العلة الثانية مترتبةٌ عليها أي ولتتعلق بكم الرحمةُ بسبب تقواكم وفائدةُ حرفِ الترجّي التنبيه على عزة المطلبِ وأن التقوى غير موجب للرحمة بل هي منوطةٌ بفضل الله تعالى وأن المتقيَ ينبغي أن لا يعتمد على تقواه ولا يأمن عذاب الله عز وجل
следующие страницы →