Полный текст (8 642 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
﴿قَالَ الملا مِن قَوْمِهِ﴾ استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية قولِه ﵇ كأنه قيل فماذا قالُوا له ﵇ في مقابلة نصحِه فقيل قال الرؤساءُ من قومه والأشراف الذين يمثلون صدورَ المحافل بإجرامهم والقلوبَ بجلالهم وهيبتِهم والأبصارَ بجمالهم وأُبّهتهم ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضلال﴾ أي ذهاب عن طريق الحقِّ والصواب والرؤيةُ قلبيةٌ ومفعولاها الضميرُ والظرفُ ﴿مُّبِينٌ﴾ بيّنٌ كونُه ضلالاً
стр. 1787
﴿قَالَ﴾ استئناف كما سبق ﴿يا قوم﴾ ناداهم بإضافتهم إليه استمالةً لقلوبهم نحو الحق ﴿لَيْسَ بِى ضلالة﴾ أيُّ شيءٍ ما من الضلال قصد ﵊ تحقيق الحقي في نفي الضلالِ عن نفسه رداً على الكفرة حيث بالغوا في إثباته له ﵊ حيث جعلوه مستقراً في الضلال الواضِحِ كونُه ضلالاً وقوله تعالى ﴿وَلَكِنّي رَسُولٌ مِن رَّبّ العالمين﴾ استدراكٌ مما قبله باعتبار ما يستلزِمه من كونِه في أقصى مراتبِ الهداية فإن رسالةَ ربِّ العالمين مستلزِمةٌ
стр. 1788
الأعراف آية ٦٢ ٦٤
لا محالة كأنَّه قيل ليس بي شيءٌ من الضلال ولكني في الغايةِ القاصيةِ من الهداية ومِنْ لابتداء الغايةِ مجازاً متعلقةٌ بمحذوف هو صفةٌ لرسولٌ مؤكدةٌ لما يفيده التنوينُ من الفخامةِ الذاتيةِ بالفخامةِ الإضافيةِ أي رسولٌ وأيُّ رسولٍ كائنٌ من رب العالمين
стр. 1789
﴿أُبَلّغُكُمْ رسالات رَبّى﴾ استئنافٌ مسوق لتقرير رسالته ووتفصيل أحكامِها وأحوالِها وقيل صفة أخرى لرسولٌ على طريقة أنا الذي سمّتني أمي حيدَره وقُرِىءَ أبْلِغُكم من الإبلاغِ وجمع رسالات لاختلاف أوقاتِها أو لتنوّع معانيها أو لأن المرادَ بها ما أوحيَ إليه وإلى النبيين من قبله وتخصيصُ ربوبيتِه تعالى به ﵊ بعد بيانِ عمومِها للعالمين للإشعار لعلة الحُكمِ الذي هو تبليغُ رسالتِه تعالى إليهم فإن ربوبيته تعالى له ﵊ من موجبات امتثالِه بأمره تعالى بتبليغ رسالتِه تعالى إليهم ﴿وَأَنصَحُ لَكُمْ﴾ عطفٌ إلى أبلّغُكم مبينٌ لكيفية أداءِ الرسالة وزيادة الللام مع تعدّي النُصحِ بنفسه للدلالة على إمحاض النصيحةِ لهم وأنها لمنفعتهم ومصلحتِهم خاصة وصيغة المضارع للدللة على تجدد نصيحتِه لهم كما يعرب عنه قوله تعالى رَبّ إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً ونَهَارًا وقولُه تعالى ﴿وأعلم من الله مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ عطفٌ على ما قبله وتقريرٌ لرسالته ﵊ أي أعلم من جهة الله تعالى بالوحي ما لا تعلمونه من الأمورِ الآتيةِ أو أعلم من شئونه وقدرتِه القاهرةِ وبطشِه الشديدِ على أعدائه وأن بأسَه لا يرد عن القم المجرمين ما لا تعلمونه قيل كانوا لم يسمعوا بقوم حل بهم العذابُ قبلَهم فكانوا غافلين آمنين لا يعلمون ما علِمه نوحٌ ﵇ بالوحي
стр. 1790
﴿أوعجبتم أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مّن رَّبّكُمْ﴾ جوابٌ ورد لمّا اكتُفيَ عن ذكره بقولهم إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضلال مُّبِينٍ من قولهم مَا نَرَاكَ إِلَاّ بَشَرًا مّثْلَنَا وقولِهم لَوْ شَاء الله لَانزَلَ ملائكة والهمزةُ للإنكارِ والواوُ للعطفِ على مقدر ينسحب عليه الكلام كأنه قيل أاستبعدتم وعجِبتم من أن جاءكم ذكرٌ أي وحيٌ أو موعظةٌ من مالك أموركم ومربّيكم ﴿على رَجُلٍ مّنكُمْ﴾ أي على لسان رجلٍ من جنسكم كقوله تعالى مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ وقلتم لأدل ذلك ما قلت من أن الله تعالى لو شاء لأنزل ملائكة ﴿لِيُنذِرَكُمْ﴾ علةٌ للمجيء أي ليحذركم عاقبة الكفر والعاصي ﴿وَلِتَتَّقُواْ﴾ عطفٌ على العلة الأولى مترتبةٌ عليها ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ عطف على العلة الثانية مترتبةٌ عليها أي ولتتعلق بكم الرحمةُ بسبب تقواكم وفائدةُ حرفِ الترجّي التنبيه على عزة المطلبِ وأن التقوى غير موجب للرحمة بل هي منوطةٌ بفضل الله تعالى وأن المتقيَ ينبغي أن لا يعتمد على تقواه ولا يأمن عذاب الله عز وجل
стр. 1791
﴿فكذبوه﴾ فتموا على تكذيبه في دعوى النبوةِ وما نزلَ عليهِ منَ الوحيِ الذي بلّغه إليهم وأنذرهم بما في
стр. 1792
الأعراف آية ٦٥
تضاعيفه واستمرّوا على ذلك هذه المدةَ المتطاولةَ بعد ما كرر ﵊ عليهم الدعوةَ مراراً فلم يزدهم دعاؤُه إلا فراراً حسبما نطق به قوله تعالى رَبّ إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً الآيات إذ هو الذي يعقُبه اتلإنجاء والإغراق لا مجرد التكذيب ﴿فأنجيناه والذين مَعَهُ﴾ من المؤمنين قيل كانوا أربعين رجلاً وأربعين امرأةً وقيل تسعةً أبناؤُه الثلاثة وستةٌ ممّن آمن به وقوله تعالى ﴿فِى الفلك﴾ متعلقٌ بالاستقرار في الظرف أي استقروا معه في الفلك وصحبوه فيه أو بفعل الإنجاء أي أنجيناهم في السفينة ويجوز أن يتعلق بمُضْمَرٍ وقعَ حالاً مِنْ الموصول أو من ضميرِه في الظرف ﴿وأغرقنا الذين كذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي استمروا على تكذيبها وليس المرادُ بهم الملأَ المتصدِّين للجواب فقط بل كان من أصرّ على التكذيب منهم ومن أعقابهم وتقديمُ ذكرِ الإنجاءِ على الإغراق للمسارعة إلى الإخبار به والإيذانِ بسبق الرحمةِ التي هي مقتضى الذاتِ وتقدُّمِها على الغضب الذي يظهر أثرُه بمقتضى جرائمِهم ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ﴾ عُمْيَ القلوبِ غيرَ مستبصرين قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عمِيَتْ قلوبُهم عن معرفة التوحيد والنبوةِ والمعاد وقرىء عامِينَ والأولُ أدلُّ على الثبات والقرار
стр. 1793
﴿وإلى عاد﴾ متعلق بمضمر معطوف على قوله تعالى أرسلنا في قصَّة نوحٍ ﵇ وهو الناصبُ لقوله تعالى ﴿أخاهم﴾ أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم أي واحداً منهم في النسَب لا في الدين كقولهم يا أخا العرب وقيل العاملُ فيهما الفعلُ المذكور فيما سبق وأخاهم معطوف على نوحاً والأولُ هو الأولى وأياً ما كان فلعل تقديم المجرور ههنا على المفعول الصريح للحِذار عن الإضمار قبل الذكر يرشدك إلى ذلكَ ما سيأتِي من قوله تعالى وَلُوطاً الخ فإن قومَه لمّا لم يُعهدوا باسمٍ معروف يقتضي الحالُ ذكرَه ﵇ مضافاً إليهم كما في قصة عاد وثمودَ ومدينَ خولف في النظم الكريم بين قصتِه ﵇ وبين القصصِ الثلاثِ وقولُه تعالى ﴿هُودًا﴾ عطفُ بيانٍ لأخاهم وهو هودُ بنُ عبدِ اللَّه بن رباح بن الخلود ابن عاد بن عوص ابن إرم بن سام بنِ نوحٍ ﵇ وقيل هود بن شالخ بن أرفخشذَ بنِ سامِ بن نوح بن عم أبي عاد وإنما جعل منهم لأنهم أفهمُ لكلامه وأعرفُ بحاله في صدقه وأمانتِه وأقربُ إلى اتباعه ﴿قَالَ﴾ استئناف مبني على سؤالٍ نشأَ من حكايةِ إرسالِه ﵇ إليهم كأنه فماذا قال لهم فقيل قال ﴿قَالَ يَا قَومِ اعبدوا الله﴾ اي وحدوه كما يعرب عنه قوله ﴿مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ﴾ فإنه استئنافٌ جارٍ مجرى البيان للعبادة المأمور بها والتعليلُ لها أو للأمر بها كأنه قيل خُصّوه بالعبادة وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً إذ ليس لكم إله سواه وغيرُه بالرَّفعِ صفةٌ لإله باعتبار محله وقرىء بالجمر حملاً له على لفظه ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ إنكارٌ واستبعادٌ لعدم اتقائِهم عذابَ الله تعالى بعدَ ما علموا ما حل بقوم نوحٍ والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقامُ أي ألا تتفكرون أو أتغفُلون فلا تتقون فالتوبيخُ على المعطوفين معاً أو أتعلمون ذلك فلا تتقون فالتوبيخُ على المعطوف فقط وفي سورة هود أفلا تعقولن ولعله ﵇ خاطبهم بكل منهما وقد اكتُفي بحكاية كلَ منهما في موطن عن حكايته في موطن آخرَ كما لم يذكر ههنا ما ذُكر هناك من قولِه تعالَى إِن أَنتُمْ إِلَاّ مُفْتَرُونَ وقِسْ على ذلك حالَ بقيةِ ما ذُكر وما لم يُذكر من أجزاء القصةِ بل
стр. 1794
الأعراف آية ٦٦ ٦٩
حالَ نظائرِه في سائر القصصِ لا سيما في المحاورات الجاريةِ في الأوقات المتعددة والله أعلم
стр. 1795
﴿قَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾ استئنافٌ كما مر وإنما وُصف الملأُ بالكفر إذْ لم يكن كلُّهم على الكفر كملأ قومِ نوحٍ بل كان منهم من آمن به ﵇ ولكن كان يكتُم إيمانَه كمرثد بن سعد وقيل وصفوا له لمجرد الذم ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ أي متمكناً في خِفّة عقلٍ راسخاً فيها حيث فارق دينَ آبائِك أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السفهاءُ ولكن لا يعلمون ﴿وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذبين﴾ أي فيما ادعيْتَ من الرسالة قالوه لعراقتهم في التقليلد وحِرمانِهم من النظر الصحيح
стр. 1796
﴿قَالَ﴾ مستعطفاً لهم ومستميلاً لقلوبهم مع ما سمع منهم ما سمع من الكلمة الشنعاءِ الموجبةِ لتغليظ القول والمشافهة بالسوء ﴿يا قوم لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ﴾ أي شيءٌ منها ولا شائبةٌ من شوائبها ﴿وَلَكِنّي رَسُولٌ مِن رَّبّ العالمين﴾ استدراكٌ مما قبله باعتبار ما يستلزمه ويقتضيه من كونه في الغاية القصوى من الرُّشد والأناةِ والصدقِ والأمانة فإن الرسالةَ من جهة ربِّ العالمين موجبةٌ لذلك حتماً كأنه قيل ليس بي شيء مما نيتموني إليه ولكني في غايةِ ما يكونُ من الرشدُ والصِّدقُ ولم يصرِّحْ بنفي الكذِب اكتفاءً بما في حيز الاستدراك ومِنْ لابتداء الغايةِ مجازاً متعلقةٌ بمحذوف وقع صفة لرسولٌ مؤكدة لما أفادَه التنوينُ من الفخامةِ الذاتيةِ بالفخامةِ الإضافيةِ وقولُه تعالى
стр. 1797
﴿أُبَلّغُكُمْ رسالات رَبّى﴾ استئنافٌ سيق لتقرير رسالتِه وتفصيلِ احوالها وقيل صفة أخرى لرسولٌ والكلامُ في إضافة الربِّ إلى نفسه ﵇ بعد إضافته إلى العالمين وكذا في جمع الرسالاتِ كالذي مر في قصة نوحٍ ﵇ وقُرِىءَ أُبْلِغُكم من الإبلاغِ ﴿وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ معروفٌ بالنصح والأمانةِ مشهورٌ بين الناس بذلك وإنَّما جيء بالجملةِ الاسميةِ دلالة على الثبات والاستمرار وإيذاناً بأن مَنْ هذا حالُه لا يحوم حولَه شائبةُ السفاهةِ والكذب
стр. 1798
﴿أوعجبتم أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مّن رَّبّكُمْ﴾ الكلامُ فيه كالذي مر في قصة نوح ﵇ ﴿على رَجُلٍ مّنكُمْ﴾ أي من جنسكم ﴿لِيُنذِرَكُمْ﴾ ويحذرَكم عاقبةَ ما أنتم عليه من الكفر والمعاصي حتى نسبتموني إلى السفاهة والكذبِ وفي إجابة الأنبياءِ صلواتُ الله وسلامُه عليهم أجمعين من يشافِهُهم بما لَا خيرَ فيهِ من أمثال تلك الأباطيلِ بما حُكيَ عنهم من المقالات الحقة المعربة عن نهاية الحلم والرزانة وكمالِ الشفقةِ والرأفة من الدلالة على حيازتهم القدحَ المُعلَّى من مكارم الأخلاق ما لا يخفى مكانُه ﴿واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء﴾ شروعٌ في بيان ترتيبِ أحكامِ النصح
стр. 1799
الأعراف آية ٧٠ ٧١
والأمانةِ والإنذارِ وتفصيلِها وإذ منصوبٌ باذكروا على المفعولية دون الظرفية وتوجيهُ الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودةُ بالذات للمبالغة في إيجاب ذكرها لما أن إيجاب ذكر الوقت إيجاب لذكر ما فيه بالطريق البرهانيِّ ولأن الوقتَ مشتمِلٌ عليها فإذا استُحضر كانت هي حاضرةً بتفاصيلها كأنها مشاهَدةٌ عياناً ولعله معطوف على مقدرة كأنه قيل لا تعجبوا من ذلك أو تدبروا في أمركم واذكروا وقتَ جعْلِه تعالى إياكم خلفاءَ ﴿مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ أي في مساكنهم أو في الأرض بأن جعلكم ملوكاً فإن شدادَ بنَ عاد ممن ملك معمورةَ الأرضِ من رمل عالِجٍ إلى شحر عمان ﴿وَزَادَكُمْ فِى الخلق﴾ أي من الإبداع والتصوير أو في الناس ﴿بَسْطَةً﴾ قامةً وقوةً فإنه لم يكن في زمانهم مثلُهم في عِظَم الأجرامِ قال الكبي والسدي كانت قامةُ الطويلِ منهم مائةَ ذراعٍ وقامةُ القصير ستين ذراعاً ﴿فاذكروا آلاء الله﴾ التي أنعم بها عَلَيْكُمْ من فنون النَعماء التي هذه من جملتها وهذا تكريرٌ للتذكير لزيادة التقرير وتعميمٌ إثرَ تخصيص ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ كي يؤديَكم ذلك إلى الشكر المؤدّي إلى النجاة من الكروب والقوز بالمطلوب
стр. 1800
﴿قَالُواْ﴾ مجيبين عن تلك النصائحِ العظيمة ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ الله وَحْدَهُ﴾ أي لنخُصّه بالعبادة ﴿وَنَذَرَ مَا كَانَ يعبد آباؤنا﴾ أنركوا عليه ﵇ مجيئَه لتخصيصه تعالى بالعبادة والإعراضِ عن عبادة الأوثان أنهما كان في التقليد وحباً لما ألِفوه وألِفوا أسلافَهم عليه ومعنى المجيء إما مجيئُه ﵇ مِنْ مُتَعَبَّده ومنزلِه وإما من السماء على التهكم وإما القصدُ والتصدّي مجازاً كما يقال في مقابلِه ذهب يشتمني من غير إرادةِ معنى الذهاب ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ منَ العذاب والمدلول عليه بقوله تعالى أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ أي في الإخبار بنزول العذابِ وجوابُ إن محذوف لدلالة المذكور عليه أي فأت به
стр. 1801
﴿قال قد وقع عليكم﴾ أي وجب وحق أو نزل بإصراركم هذا بناءً على تنزيل المتوقَّع منزلةَ الواقع كما في قوله تعالى أتى أمر الله ﴿مّن رَّبّكُمْ﴾ أي من جهته تعالى وتقديمُ الظرف الأولِ على الثاني مع أن مبدأ الشيءِ متقدمٌ على منتهاه للمسارعة إلى بيان إصابةِ المكروهِ لهم وكذا تقديمهما على الفاعل الذي هو قوله تعالى ﴿رجس﴾ مع ما فيه من التشويق إلى المؤخر ولأن فيه نوعَ طولٍ بما عُطف عليه من قوله تعالى ﴿وغضب﴾ فربما يخل تقديمهما بتجاوب النظمِ الكريم والرجسُ العذابُ من الارتجاس الذي هو الاضطرابُ والغضب إرادةُ الانتقام للتفخيم والتهويل ﴿أتجادلونني في أسماء﴾ عاريةٍ عن المسمى ﴿سميتموها﴾ أي سميتم بها ﴿أنتم وآباؤكم﴾ إنكارٌ واستقباح لإنكارهم مجيئَه ﵇ داعياً لهم إلى عبادة الله تعالى وحده وتركِ
стр. 1802
الأعراف آية ٧٢
عبادةِ الأصنام أي أتجادلونني في أشياءَ سمَّيتموها آلهةً ليست هي إلا محضُ الأسماءِ من غير أن يكون فيها من مصداق الإلهية شيءٌ ما لأن لمستحق للعبودية ليس إلا من أوجد الكلَّ وأنها لو استحقت لكان ذلك بجعله تعالى إما بإنزال آيةٍ أو نصبِ حُجةٍ وكلاهما مستحيلٌ وذلك قوله تعالى ﴿ما نزل الله بِهَا مِن سلطان﴾ وإذ ليس ذلك في حيز الإمكانِ تحققَ بطلان ما هم عليه ﴿فانتظروا﴾ مترتبٌ على قوله تعالى قد وقع عليكم أي فانتظروا ما تطلُبونه بقولكم فائتنا بما تعدنا الخ ﴿إني معكم من المنتظرين﴾ لما يَحِلُّ بكم والفاء في قوله تعالى
стр. 1803
﴿فأنجيناه﴾ فصيحةٌ كما في قولِه تعالى فانفجرت أي فوقع ما قوع فأنجيناه ﴿والذين معه﴾ أي في الدين ﴿برحمة﴾ أي عظيمةٌ لا يُقادرُ قَدرُها وقوله تعالى ﴿منا﴾ أي من جهتنا متعلقٌ بمحذوف هو نعتٌ لرحمةٍ مؤكِّدٌ لفخامتها الذاتية المنفهة من تنكيرها بالفخامة الإضافية ﴿وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا﴾ أي استأصلناهم بالكلية ودمرناهم عن آخرهم ﴿وما كانوا مؤمنين﴾ عطفٌ على كذَّبوا داخلٌ معه في حكم الصلةِ أي أصرُّوا على الكفر والتكذيبِ ولم يرعووا عن ذلك أبداً وتقديمُ حكايةِ الإنجاءِ على حكاية الإهلاكِ قد مر سرُّه وفيه تنبيهٌ على أن مناطَ النجاةِ هو الإيمانُ بالله تعالى وتصديقُ آياتِه كما أن مدارَ البوارِ هو الكفرُ والتكذيب وقصتُهم أن عاداً قومٌ كانوا باليمن بالأحقاف وكانوا قد تبسّطوا في البلاد ما بين عُمان إلى حضْرَمَوتَ وكانت لهم أصنامٌ يعبُدونها صداً وصمود والهبا فبعثَ الله تعالى إليهم هوداً نبياً وكان من أوسطهم وأفضلهم حسباً فكذبوه وازدادوا عُتوّاً وتجبّراً فأمسك الله عنهم القطرَ ثلاثَ سنينَ حتى جهَدوا وكان الناس إذا نزل بهم بلاءٌ طلبوا إلى الله الفرجَ منه عند بيتِه الحرامِ مسلِمُهم ومشركُهم وأهل مكة إذ ذاك العماليقَ أولادَ عمليق ابن لاوذَ بنِ سامِ بنِ نوح وسيدُهم معاويةُ بنُ بكرٍ فجهزّت عادٌ إلى مكة من أماثلهم سبعين رجلا منهم قيل ابن عنز ومَرثدُ بن سعد الذي كان يكتُم إسلامَه فلما قدِموا نزلوا على معاويةَ بنِ بكر وهو بظاهر مكة خارجاً عن الحرم فأنزلهم وأكرمهم وكانوا أخوالَه وأصهارَه فأقاموا عنده شهراً يشربون الخمرَ وتغنّيهم قينتا معاوية فلما رأى طولَ مقامِهم وذهولَهم باللهو عما قدموا له أهمّه ذلك وقال قد هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء على ما هم عليه وكان يستحيي أن يكلمهم خشيةَ أن يظنوا به ثِقَلَ مقامهم عليه فذكر ذلم للقينتين فقالتا قل ضعرا نغنيهم به لا يدرون مَنْ قاله فقال معاوية ... ألا يا قِيلُ ويحكَ قم فهينِم لعل الله يسقينا غماما ... فيسقي أرضَ عادٍ إن عادا قَدَ أمسوا لا يبنون الكلاما فلما غنتا به قالوا إن قومَكم يتغوّثون من البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليهم فادخُلوا الحرَم واستسقوا لقومكم فقال لهم مرثدُ بن سعد والله لا تُسقَون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى الله تعالى سُقِيتم وأظهر إسلامَه فقالوا لمعاوية احبِس عنا مرثداً لا يقدَمَن معنا فإنه قد اتبع هود وترك ديننا ثم دخلوا مكة فقال قيلُ اللهم اسقِ عاداً ما كنت تسقيهم فأنشأ الله تعالى سحاباتٍ ثلاثاً بيضاءَ وحمراءَ وسوداءَ ثم ناداه منادٍ من السماء يا قيلُ اختر لنفسك ولقومك فقال اخترت السوداءَ فإنها أكثرهم ماءً فخرجت على عاد من واد يقال له المغيث فاستبشَروا بها وقالوا هذا عارضٌ مُمطرُنا فجاءتهم منا ريح عقيم فأهلكتهم ونجال هودٌ والمؤمنون معه فأتَوا مكةَ فعبدوا الله تعالى
стр. 1804
الأعراف آية ٧٣
فيها إلى أن ماتوا
стр. 1805
﴿وإلى ثمود أخاهم صالحا﴾ عطف على ما سبق من قوله تعالى وإلى عاد أخاهم هوداً موافقٌ له في تقديم المجرورِ على المنصوب وثمودُ قبيلةٌ من العرب سُمُّوا باسم أبيهم الأكبرِ ثمودَ بنِ عابر بن إرم ابن سام بنِ نوحٍ ﵇ وقيل إنما سُمُّوا بذلك لقلة مائِهم من الثمد وهو الماء القليل وقرىء بالصرف بتأويل الحيّ وكانت مساكنُهم الحِجْرَ بين الحدجاز واتلشام إلى واد القُرى وإخوةُ صالح ﵇ لهم من حيث النسبُ كهودٍ ﵇ فإنه صالحُ بنُ عبيد بنِ أسف بنِ ماسحِ بن عبيد بن حاذر بن ثمود ولما كان الإخبرا بإرساله ﵇ إليهم مظنة لأن يسأل ويقال فماذا قال لهم قيل جوابا عنه بطريق الاستئناف ﴿قال يا قوم اعبدوا الله مَا لَكُم مّنْ إله غيره﴾ وقد مر الكلامُ في نظائره ﴿قد جاءتكم بينة﴾ أي آيةٌ ومعجزةٌ ظاهرة شاهدةٌ بنبوّتي وهي من الألفاظِ الجاريةِ مجرى الأبطحِ والأبرق في الاستغناء عن ذكر موصفاتها حالةَ الإفراد والجمع كالصالح إفراداً وجمعاً وكذلك الحسنةُ والسيئة سواءٌ كانتا صفتين للأعمال أو لمثوبة أو الحالة من الرخاء والشدة لذلك أوُلِيَت العوامل وقوله تعالى ﴿من رَّبّكُمْ﴾ متعلق بجاءتكم أو بمحذوف هو صفة لبينةٌ كما مر مراراً والمرادُ بها الناقةُ وليس هذا الكلام منه ﵇ أولَ ما خاطبهم إثرَ دعوتِهم إلى التوحيد بل إنما قاله بعد ما نصحهم وذكّرهم بنعم الله تعالى فلم يقبلوا كلامَه وكذبوه ألا يُرى إلى ما في سورة هود من قولِه تعالى هُوَ أنشأكم من الأرض واستعْمَركم فيها إلى آخر الآيات روي أنه لما أُهلكت عادٌ عَمَرت ثمودُ بلادَها وخلفوهم في الأرض وكثُروا وعُمِّروا أعماراً طِوالاً حتى إن الرجل كان يبني المسكن المُحْكَم فينهدمُ في حيانه فنحتوا البيوتَ من الجبال وكانوا في سعة ورخاءٍ من العيش فعتَوْا على الله تعالى وأفسدوا في الأرض وعبدوا الأوثانَ فبعثَ الله تعالى إليهم صالحاً وكانوا قوماً عرباً وصالحٌ من أوساطهم نسباً فدعاهم إلى الله فلم يتبعْه إلا قليلٌ منهم مستضعَفون فحذرهم وأنذرهم فسألوه آية فقال أيةَ ى ية تريدون قالوا تخرج معنا إلى عيدنا في يوم معلومٍ لهم من السنة فتدعو إلهك وندعوا آلهتنا فإن استجيب لك اتبعناك وإن استجيب لنا اتبعنا فقال صالح ﵇ نعم فخرج معهم ودعَوْا أوثانهم وسألوا الاستجابة فلم تُجبْهم ثم قال سيدهم جندعُ بن عمرو وأشار إلى صخرة منفردة في ناحية الجيبل يقال لها الكاثبة أخرِجْ لنا من هذه الصخرةِ ناقةً مخترِجةً جوفاءَ وبراءً والمخترجة التي شاكلت البخث فإن فعلت صدقناك وأجبناك فأخذ صالح ﵇ المواثيق لئن فعلتُ ذلك لتؤمِنُن ولتُصدِّقُنّ قالوا نعم فصلى ودعا ربه فتمخضت الصخرة وتمخض النتوج بولدها فانصدعت عن ناقشة عُشَراءَ جوفاء وبراءٍ كما وصفوا لا يعلم ما بين جنبيها إلا الله تعالى وعظماؤهم ينظرون ثم نُتِجت ولداً مثلَها في العظم فآمن به جندع ورهطٌ من قومه ومنع أعقابهم ناس من رءوسهم أن تؤمنوا فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجرَ وتشرب الماءَ
стр. 1806
الأعراف آية ٧٤
وكانت ترِدُ غِباً فإذا كان يومُها وضَعتْ رأسَها في البئر فما ترفعها حتى تشربَ كلَّ ما فيها ثم تتفحج فيحتلبون ما شاءوا حتى تمتلىء أوانيهم فيشربون ويدّخرون وكانت إذا وقع الحرُّ تصيّفت بظهر الوادي فيهرب منها أنعامهم فتهبِط إلى بطنه وإذا وقع البرد تشتت ببطن الوادي فتهرب مواشيهم إلى ظهره فشق ذلك عليهم وزيَّنَت عَقرَها لهم امرأتانِ عنيزة أم إن وصدقة بنتُ المختار لِما أضرَّت به من مواشيهما وكانتنا كثيرتي المواشي فعقروها واقتسموا لحمها وطبخوه فانطلق سقيها حتى رقيَ جبلاً اسمُه قارةُ فرَغا ثلاثاً وكان صالح ﵇ قال لهم أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب فلم يقدروا عليه فانفجت الصخرةُ بعد رغائِه فدخلها فقال لهم صالح تُصبحون غدا وجوهكم مصفرة وبعد غدو وجوهكم محمرةٌ واليوم الثالث ووجوهكم مسودة يصبّحكم العذاب فلما رأوا العلاماتِ طلبوا أن يقتُلوه فأنجاه الله تعالَى إلى أرضِ فلسطين ولما كان اليومُ الرابع وارتفع الضحى تحنّطوا بالصبر وتكفنوا بالأنْطاع فأتتهم صيحةٌ من السماء ورجفةٌ من الأرض فتقطّعت قلوبُهم فهلكوا وقوله تعالى ﴿هذه ناقة الله لكم آية﴾ استئنافٌ مسوقٌ لبيان البينة وإضافةُ الناقةِ إلى الاسم الجليلِ لتعظيمها ولمجيئها من جهته تعالى بلا اسباب معهودة ووسايط معتاد ولذلك كانت آيةً وأيَّ آية ولكم بيانٌ لمن هي آيةٌ له وانتصابُ آيةً على الحالية والعاملُ فيها معنى الإشارةِ ويجوز أن يكون ناقةُ الله بدلاً من هذه أو عطف بيان له أو مبتدأ ثانياً ولكم خبراً عاملاً في آية ﴿فذروها﴾ تفريعٌ على كونها آيةً من ى يات الله تعالى فإنَّ ذلك ممَّا يوجب عدم التعرّضِ لها ﴿تأكل في أرض الله﴾ جوابُ الأمر أي الناقةُ ناقةُ الله والأرضُ أرضُ الله تعالى فاتركوها تأكلْ ما تأكلُ في أرض ربها فليس اكم أن تحولوا بينها وبينها وقرىء تأكلُ بالرفع على أنه في موضع الحالِ أي آكلةً فيها وعدمُ التعرض للشرب إما للاكتفاء عنه بذكر الأكلِ أو لتعميمه له أيضاً كَما في قولِه علفتُها تِبْناً وماء باردا وقد ذكر ذلك في قوله تعالى لها شِرْبٌ وَلَكُمْ شربُ يومٍ مَّعْلُومٍ ﴿ولا تمسوها بسوء﴾ نُهي عن المس الذي هو مقدمةُ الإصابةِ بالشرّ الشامل لأنواع الأذيةِ ونُكِّر السوءُ مبالغةً في النهي أي لا تتعرضوا لها بشيء مما يسوءها أصلاً ولا تطرُدوها ولا تيبوها إكرما لآية الله تعالى ﴿فيأخذكم عذاب أليم﴾ جوابٌ النهي ويُروى أن رسول الله ﷺ حين مر بالحِجر في غزوة تبوك قال لأصحابه لا يدخُلنّ أحدٌ منكم القريةَ ولا تشربوا من مائها ولا تدخُلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبَكم مثلُ الذي أصابهم وقال ﷺ لعلي ﵁ يا علي أتدري من أشقى الأولين قال الله ورسولُه أعلم قال عاقرُ ناقةِ صالح أتدري من أشقى الآخِرين قال الله ورسولُه أعلم قال قاتلُك
стр. 1807
﴿واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء من بعد عاد﴾ أي خلفاءَ في الأرض أو خلفاءهم كما مر ﴿وبوأكم فِى الأرض﴾ ٦ أي جعلَ لكم مَباءةً ومنزلاً في أرض الحجر بين الحجاز والشام ﴿تتخذون من سهولها قصوراً﴾ استئنافٌ مبينٌ لكيفية التبوِئةِ أي تبننون في سهولها قصوراً رفيعةً أو تبنون من سهولة الأرض بما تعلمون منها من الرِهْص واللِبن والآجر ﴿وتنحتون الجبال﴾
стр. 1808
الأعراف آية ٧٥ ٧٧
أي الصخورَ وقرىء تنحَتون بفتح الحاء وتناحتون بإشباع الفتحة كما في قوله ينباعُ من ذِفْرَى أسيلٍ حرّةٍ والنحتُ نجْرُ الشيءِ الصُّلب فانتصابُ الجبالِ على المفعولية وانتصابُ قوله تعالى ﴿بيوتاً﴾ عَلى أنَّها حالٌ مقدرةٌ منها كما تقول خِطْتُ هذا الثوبَ قميصاً وقيل انتصابُ الجبالِ على إسقاط الجار أي من الجبال وانتصابُ بيوتاً على المفعولية وقد جوّز أن يُضمَّن النحتُ معنى الاتخاذِ فانتصابُهما على المفعولية قيل كانوا يسكُنون السهولَ في الصيف والجبالَ في الشتاء ﴿فاذكروا آلاء الله﴾ التي أنعم بها عليكم مما ذكر أو جميعَ آلائِه التي هذه من جملتها ﴿وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الأرض مفسدين﴾ فإن حقَّ آلائِه تعالى أن تُشكَرَ ولا تُهملَ ولا يُغْفلَ عنها فكيف بالكفر والعِثيِّ في الأرض بالفساد
стр. 1809
﴿قال الملأ الذين استكبروا من قومه﴾ أي عتَوْا وتكبروا استئنافٌ كما سلف وقرىء بالواو عطفاً على ما قبله من قوله تعالى قَالَ يا قوم الخ ة واللام في قوله تعالى ﴿للذين استضعفوا﴾ للتبليغ وقوله تعالى ﴿لمن آمن منهم﴾ بدلٌ من الموصول بإعادة العاملِ بدلَ الكلِّ إن كان ضميرُ منهم لقومه وبدلَ البعضِ إن كان للذين استُضعفوا على أن مِن المستضعفين مَنْ لم يؤمن والأولُ هو الوجهُ إذ لا داعيَ إلى توجيه الخطابِ أولاً إلى جميع المستضعفين مع أن المجاوبةَ مع المؤمنين منهم على أن الاستضعافَ مختصٌّ بالمؤمنين أي اقلوا للمؤمنين الذين استَضْعفوهم واسترذلوهم عدَلوا عن الجواب الموافِقِ لسؤالهم بأن يقولوا نعم أو نعلم أنه مرسلٌ منه تعالى مسارعة إلى تحقيق الحقِّ وإظهارِ ما لهُم من الإيمانِ الثابتِ المستمر الذي ينبىء عنه الجملةُ الاسميةُ وتنبيهاً على أن أمرَ إرسالِه منَ الظهورِ بحيثُ لا ينبغِي أنْ يُسألَ عنه وإنما الحقيقُ بالسؤال عنه هو الإيمانُ به
стр. 1810
﴿قال الذين استكبروا﴾ أعيد الموصولُ مع صلته مع كفاية الضميرِ إيذاناً بأنهم قد قالوا ما قالوه بطريق العتُوِّ والاستكبار ﴿إنا بالذي آمنتم به كافرون﴾ وإنما لم يقولوا إنما بما أرسل به كافرون إظهاراً لمخالفتهم إياهم ورداً لمقالتهم
стр. 1811
﴿فعقروا الناقة﴾ أي نحروها أسند الهقر إلى الكل مع أن المباشر بعضهم للملابسة أو لأن ذلك لما كان برضاهم فكأنه فَعلَه كلُّهم وفيه من تهويل الأمرِ وتفظيعِه بحيث أصابت غائلتُه الكلَّ ما لا يخفى ﴿وعتوا عَنْ أَمْرِ رَبّهِمْ﴾ أي استكبروا عن امتثاله وهو ما بلّغهم صالحٌ ﵇ منَ الأمر والنهي ﴿وقالوا﴾ مخاطِبين له ﵇ بطريق التعجيزِ والإفحامِ على زعمهم ﴿يا صالحُ ائتِنا بما تعدنا﴾ أي من العذاب والإطلاقُ للعلم به قطعاً ﴿إن كنت من المرسلين﴾ فإن كونَك من جملتهم يستدعي صدقَ ما تقول من
стр. 1812
الأعراف ٧٨ ٨٠
الوعد والوعيد
стр. 1813
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة﴾ أي الزلزلةُ لكن لا أثر ما قالوا ما قالوا بل بعدَ مَا جَرى عليهم ما جرى من مبادىء العذابِ في الأيام الثلاثةِ حسبما مر تفصيلُه ﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ﴾ أي صاروا في أرضهم وبلدِهم أو في مساكنهم ﴿جاثمين﴾ خادمي موتى لا حَراكَ بهم وأصلُ الجثومِ البروكُ يقال الناسُ جثومٌ أي قعود لا حَراك بهم ولا ينبِسون نبْسةً قال أبو عبيدة الجثومُ للناس والطير والبروكُ للإبل والمرادُ كونُهم كذلك عند ابتداءِ نزولِ العذابِ بهم من غير اضطرابٍ ولا حركة كما يكون عند الموت المعتاد ولا يَخْفى ما فيهِ من شدة الأخذِ وسرعةِ البطش اللهم إنا بك نعوذ من نزول سخطِك وحُلولِ غضبِك وجاثمين خبرٌ لأصبحوا والظرفُ متعلقٌ به ولا مساغ لكونه خبراً أو جاثمين حالاً لإفضائه إلى كون الإخبارِ بكونهم في دارهم مقصوداً بالذات وكونِهم جاثمين قيداً تابعاً له غيرَ مقصودٍ بالذات قيل حيث ذُكرت الرجفةُ وُحِّدت الدارُ وحيث ذُكرت الصيحةُ جمعت لأن الصيحةَ كانت من السماء فبلوغُها أكثرُ وأبلغُ من الزلزلة فقُرن كلٌّ منهما بما هو أليقُ به
стр. 1814
﴿فتولى عنهم﴾ إثرَ ما شاهد ما جرى عليهم تولي مغتم متحسر على ما فاتَهُم من الإيمان متحزن عليهم ﴿وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم﴾ بالترغيب والترهيبِ وبذلتُ فيكم وُسْعي ولكن لم تقبلوا مني ذلك وصيغةُ المضارعِ في قوله تعالى ﴿ولكن لا تحبون الناصحين﴾ حكايةُ حالٍ ماضيةٍ أي شأنُكم الاستمرارُ على بغض الناصحين وعداوتهم خاطبهم ﷺ بذلك خطابَ رسولِ الله ﷺ أهلَ قلَيبِ بدرٍ حيث قال إنا وجدْنا ما وعدنا ربُّنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً وقيل إنما تولى عنهم قبل نزولِ العذاب بهم عند مشاهدته ﷺ لعلاماته تولى ذاهب عنهم منكر لإصرارهم على ما هم عليه وروي أن عَقرَهم الناقةَ كان يوم الأربِعَاءِ ونزل بهم العذابُ يوم السبت وروي أنه خرج في مائة وعشرة من المسلمين وهو يبكي فالتفت فرأى الدخانَ ساطعاً فعلم أنهم قد هلَكوا وكانوا ألفاً وخمسَمائةِ دارٍ وروي أنه رجع بمن معه فسكنوا ديارَهم
стр. 1815
﴿ولوطاً﴾ منصوبٌ بفعل مضمر معطوف على ما سبق وعدمُ التعرُّضِ للمرسل إليهم مقدماً على المنصوب حسبما وقع فيما سبقَ وما لحقَ قد مر بيانُه في قصة هودٍ ﵇ وهو لوطُ بنُ هارانَ بن تارخ بنُ أخي إبراهيمَ كان من أرض بابلَ من العراق مع عمه إبراهيمَ فهاجر إلى الشأمِ فنزلَ فلسطينَ وأنزل لوطاً الأردُنّ وهي كورةٌ بالشام فأرسله الله تعالى إلى أهل سَدومَ وهي بلدٌ بحِمْصَ وقولُه تعالى ﴿إِذْ قَالَ لقومه﴾ ظرفٌ للمضمر المذكورِ أي أرسلنا لوطاً إلى قومه وقت قولِه لهم الخ ولعل تقييدَ إرسالِه ﵇ بذلك لما أن إرسالَه إليهم لم يكمن في أول وصولِه إليهم وقيلَ هو بدلٌ من لوطاً بدلَ اشتمالٍ على أن انتصابَه باذكر أي اذكرْ وقتَ قولِه ﵇ لقومه ﴿أتأتون الفاحشة﴾ بطريق الإنكارِ التوبيخيِّ التقريعيِّ أي أتفعلون تلك الفعلةَ المتناهيةَ في القبح المتماديةِ في
стр. 1816
الأعراف آية ٨١ ٨٢
الشرية والسوء ﴿ما سبقكم بها﴾ ما عمِلها قبلكم على أن الباء للتعدية كما في قولِه ﵇ سبقك بها عكاشة من قولك سبقته بالكرة أي ضربتها قبله ومِنْ في قولِه تعالَى ﴿من أحد﴾ مزيدةٌ لتأكيد النفي وإفادةِ معنى الاستغراقِ وفي قولِه تعالى ﴿مِن العالمين﴾ للتبعيض والجملةُ مستأنفةٌ مسوقة لتأكيدِ النكيرِ وتشديدِ التوبيخِ والتقريعِ فإن مباشرةَ القبيح واختراعَه أقبحُ ولقد أنكر الله تعالى عليهم أولاً إتيانَ الفاحشةِ ثم وبخهم بأنهم أولُ من عمِلها فإن سبكَ النظمِ الكريمِ وإنْ كانِ على نفي كونِهم مسبوقين من غير تعرّضٍ لكونهم سابقين لكن المرادَ أنهم سابقون لكل مَنْ عداهم من العالمين كما مرَّ تحقيقُه مراراً في نحوِ قولِه تعالى وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى على الله كذبا أو مسوقةٌ جواباً عن سؤال مقدَّرٍ كأنه قيل من جهتهم لم لا نأتيها فقيل بياناً للعلة وإظهاراً للزاجر ما سبقكم بها أحدٌ لغاية قُبْحِها وسوءِ سبيلها فكيف تفعلونها قال عمرو بن دينار ما نزَا ذكرٌ على ذكر حتى كان قومُ لوط قال محمد بن إسحق كانت لهم ثمارٌ وقُرى لم يكن في الدنيا مثلُها فقصدهم الناسُ فآذَوْهم فعرض لهم إبليسُ في صورة شيخ إن فعلتم بهم كذا وكذا نجَوْتم منهم فأبَوْا فلما ألحّ الناسُ عليهم قصدوهم فأصابوا غلمانا صبحا فأخبثوا فاستحكم فيهم ذلك قال الحسن كانُوا لا يفعلونَ ذلكَ إلا بالغرباء وقال الكلبي أول من فُعل به ذلك الفعلُ إبليسُ الخبيثُ حيث تمثل لهم في صورة شابٍ جميل فدعاهم إلى نفسه ثم عبثوا بذلك العمل
стр. 1817
﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال﴾ خبرٌ مستأنفٌ لبيان تلك الفاحشةِ وقرىء بهمزتين صريحتين وبتليين الثانيى ة بغير مدَ وبمد أيضاً على أنه تأكيدٌ للإنكار السابقِ وتشديدٍ للتوبيخ وفي زيادة إنّ واللامِ مزيدُ توبيخ وتقريع كأن ذلك أمرٌ لا يتحقق صدورُه عن أحد فيؤكد تأكيداً قوياً وفي إيراد لفظِ الرجالِ دون الغِلمان والمرادان ونحوِهما مبالغةً في التوبيخ وقوله تعالى ﴿شَهْوَةً﴾ مفعولٌ له أو مصدرٌ في موقعِ الحالِ وفي التقييد بها وصفهم بالبهيمة الصِّرْفة وتنبيهٌ عَلَى أنَّ العاقلَ ينبغي له أن يكون الداعي له إلى المباشرة طلبُ الولد وبقاءُ النوعِ لإقضاء الشهوةِ ويجوز أن يكون المرادُ الإنكارَ عليهم وتقريعَهم على اشتهائهم تلك الفعلةَ الخبيثةَ المكروهة كما ينبىء عنه قوله تعالى ﴿مّن دُونِ النساء﴾ أي متجاوزينَ النساءَ اللاتي هُنَّ محلُّ الاشتهاء كما ينبىء عنه قوله تعالى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ إضرابٌ عن الإنكار المذكورِ إلى الإخبار بحالهم التي أفضَتْهم إلى ارتكاب أمثالِها وهي اعتيادُ الإسرافِ في كل شيءٍ أو عن الإنكار عليها إلى الذم على دميع معايبِهم أو عن محذوف أي لا عذرَ لكم فيه بل أنتم قومٌ عادتم الإسراف
стр. 1818
﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ أي المستكبرين منهم المتولين للأمر والنهي المتصدِّين للعقد والحل وقوله تعالى ﴿إَّلا أَن قَالُواْ﴾ استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأشياء أي ما كان جواباً من جهة قومِه شيءٌ من الأشياءِ إِلَاّ قولُهم أي لبعضهم الآخرين المباتشرين للأمور معرضين عن مخاطبته ﵇ ﴿أَخْرِجُوهُم﴾ أي لوطان ومن معه من أهله المؤمنين ﴿مّن قَرْيَتِكُمْ﴾ أيْ إلَاّ هذا القولُ الذي يستحيلُ أنْ يكونَ جواباً لكلام
стр. 1819
الأعراف آية ٨٣ ٨٥
لوطٍ ﵇ وقرىء برفع جواب على أنه اسم كان وإلا أن قالوا الخ خبرُها وهو أظهرُ وإن كان الأول أقوى في الصناعى لأن اللأعرف أحقُّ بالاسمية وأيا ما كان فليس المرادُ أنَّه لم يصدُرْ عنُهم بصددِ الجوابِ عن مقالات لوطٍ ﵇ ومَواعظِه إلا هذه المقالةُ الباطلةُ كما هو المتسارعُ إلى الإفهام بل أنه لم يصدُرْ عنهم في المرَّةِ الأخيرةِ من مراات المحاورات الجاريةِ بينهم وبينه ﵇ إلا هذه الكلمة الشنبيعة وإلا فقد صدرَ عنُهم قبل ذلك كثيرٌ من التُرَّهات حسبما حُكي عنهم في سائرِ السورِ الكريمةِ وهذا هو الوجهُ في نظائره الواردةِ بطريق القصر وقوله تعالى ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ تعليلٌ للأمر بالإخراج ووصفهم بالتطهير للاستهزاء والسخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش والخبائث والافتخارِ بما هُم فيه من القذارة كما هو دين الشُطّار والدُعّار
стр. 1820
﴿فأنجيناه وَأَهْلَهُ﴾ أي المؤمنين منهم ﴿إِلَاّ امرأته﴾ استثناءٌ من أهله فإنها كانت تُسِرّ بالكفر ﴿كَانَتْ مِنَ الغابرين﴾ أي الباقين في ديارهم الهالِكين فيها والتذكيرُ للتغليب ولبيان استحقاقِها لما يستحقه المباشِرون للفاحشة والجملةُ استئنافٌ وقعَ جواباً عن سؤال نشأ عن استثنائها من حكم الإنجاءِ كأنه قيل فماذا كان حالُها فقيل كانت من الغابرين
стр. 1821
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا﴾ أي نوعاً من المطر عجيباً وقد بينه قوله تعالى وأمططرنا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ قال ابو عبيدة مطرفي الرحمة وأُمطِر في العذاب وقال الراغب مُطر في الحبر وأُمطر في العذاب والصحيح أن أَمطَرنا بمعنى أرسلنا عليهم إرسالَ المطر قيل كانت المؤتَفِكةُ خمسَ مدائن وقيل كانوا أربعةَ آلافٍ بين الشام والمدينة فأمطر الله عليهم الكِبريتَ والنارَ وقيل خَسَف بالمقيمين منهم وأُمطرت الحجارةُ على مسافريهم وشُذّاذهم وقيل أُمطر عليهم ثم خصف بهم ورُوي أن تاجراً منهم كان في الحرَم فوقف الحجرُ له أربعين يوماً حتى قضى تجارتَه وخرج من الحرم فوقع عليه وروي أن امرأتَه التفتت نحوَ ديارِها فأصابها حَجَرٌ فماتت ﴿فانظر كَيْفَ كان عاقبة المجرمين﴾ خطابٌ لكلِّ مَنْ يتأتَّى منْهُ التأملُ والنظرُ تعجيباً من حالهم وتحذيراً من أعمالهم
стр. 1822
﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْباً﴾ عطفٌ على قوله وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا وما عُطف عليه وقد روعيَ ههنا ما في المعطوف عليه من تقديم المجرورِ على المنصوب أي وأرسلنا إليهم وهم أولاد مدين بن إبراهيم ﵇ شعيب بنُ ميكائيلَ بنِ يشجَر بنِ مدينَ وقيل شعيبُ بنُ ثويبِ بنِ مدينَ وقيل شعيبُ بنُ يثرونَ بنِ مدينَ وكان يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعتِه قومَه وكانوا أهلَ بخسٍ للمكاييل والموازين مع كفرهم ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مبنيٌ
стр. 1823
الأعراف آية ٨٦
على سؤال نشأ عن حكاية إرسالِه إليهم كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ لهم فقيل قال ﴿يا قوم اعبدوا الله مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ﴾ مر تفسيرُه مراراً ﴿قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ﴾ أي معجزةٌ وقوله تعالى ﴿من رَّبّكُمْ﴾ متعلق بجاءتكم أو بمحذوف هو صلةٌ لفاعله مؤكدةٌ لفخامته الذاتيةِ المستفادةِ من تنكيره بفخامته الإضافيةِ أي بينةٌ عظيمةٌ ظاهرةٌ كائنةٌ من ربكم ومالِك أمورِكم ولم يُذكرْ معجزتُه ﵇ في القرآن العظيم كما لم يُذكر أكثرُ معجزاتِ النبيِّ ﷺ فمنها ما روي من محاربة عصا موسى ﵇ التّنّينَ حين دفع إليه غنمَه ومنها ولادةُ الغنمِ الدرعَ خاصة حين وعد أن يكون له الدرعُ من أولادها ومنها وقوعُ عصا آدمَ ﵇ على يده في المرات السبعِ لأن كلَّ ذلك كان قبل أن يُستنبأ مُوسى ﵇ وقيل البينةُ مجيئُه ﵇ كَما في قوله تعالى يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى أي حجةٌ واضحةٌ وبرهانٌ نيِّرٌ عبّر بهما عما آتاه الله من النبوة والحكمة ﴿فَأَوْفُواْ الكيل﴾ أي المكيالَ كما وقعَ في سورةِ هودٍ يؤيده قوله تعالى ﴿والميزان﴾ قلإن المتبادرَ منه الآلةُ وإن جاز كونه مصدرا كالميعاد وقيل آلةَ الكيل والوزن على الإضمار والفاءُ لترتيبِ الأمرِ على مجيء البينةِ ويجوز أن تكون عاطفةً على اعبدوا فإن عبادةَ الله تعالى موجبة للاحتناب عن المناهي التي معظمُها بعد الكفرِ البخْسِ الذي كانوا يباشرونه ﴿وَلَا تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءهُمْ﴾ التي تشترونها بهما معتمدين على تمامهما أيَّ شيءٍ كان وأيَّ مقدارٍ كان فإنهم كانوا يبخسون الجليلَ والحقيرَ والقليلَ والكثيرَ وقيل كانوا مكّاسين لا يدَعون شيئاً إلا مكَسوه قال زهير ... أفي كل أسواق العراق إتاوة وفي كا ما باع امرؤٌ مَكْسُ درهمِ ﴿وَلَا تُفْسِدُواْ فِى الارض﴾ أي بالكفر والحيف ﴿بعد إصلاحها﴾ بعدما أصلح أمرَها وأهلَها الأنبياءُ وأتباعهم بإجراء الشرائعِ أو أصلحوا فيها وإضافتُه إليها كإضافة مكرِ الليلِ والنهار ﴿ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ إشارةٌ إلى العمل بما أمرَهم به ونهاهم عنه ومعنى الخيريةِ إما الزيادةُ مطلقاً أو في الإنسانية وحسنِ الأُحدوثة وما يطلُبونه من التكسب والربح لأن الناسَ إذا عرفوهم بالأمانة رغِبوا في معاملتهم ومُتاجَرَتِهم ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي مصدّقين لي في قولي هذا
стр. 1824
﴿وَلَا تَقْعُدُواْ بِكُلّ صراط تُوعِدُونَ﴾ أي بكل طريقٍ من طرق الدِّين كالشيطان وصراطُ الحقِّ وإن كان واحداً لكنه يتشعب إلى معارفَ وحدودٍ وأحكامٍ وكانوا إذا رأو أحداً يشرَع في شيء منها منعوه وقيل كانوا يجلسون على المراصد فيقولن لمن يريد شعيباً إنه كذابٌ لا يفتنَنَّك عن دينك ويتوعجون لمن آمن به وقيل يقطعون الطريق ﴿وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ أي السبيلِ الذي قعَدوا عليه فوقع المُظهرُ موقعَ المضمرِ بياناً لكل صراطٍ ودلالةً على عِظم ما يصدون عنه تقبيحا لما كمانوا عليه أو الإيسمان بالله أو بكل صراط على أنه عبارةٌ عن طرق الدين وقوله تعالى ﴿من آمن بِهِ﴾ مفعول تصدون على أعمال الأقرب لو كان مفعة ول توعِدون لقيل وتصُدونهم وتوعِدون حال من الضمير في تقعدوا ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي وتطلبون لسبيل الله عوجاً بإلقاء الشُبَهِ أو بوصفها للناس بأنها مُعْوجةٌ وهي أبعدُ شيءٍ من شائبة الاعوجاج
стр. 1825
الأعراف آية ٨٧ ٨٨
﴿واذكروا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ﴾ بالبركة في النسل والمال ﴿وانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين﴾ من الأمم الماضيةِ كقومِ نوحٍ ومَنْ بعدهم من عاد وثمودَ وأضرابِهم واعتبِروا بهم
следующие страницы →