← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا﴾ أي نوعاً من المطر عجيباً وقد بينه قوله تعالى وأمططرنا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ قال ابو عبيدة مطرفي الرحمة وأُمطِر في العذاب وقال الراغب مُطر في الحبر وأُمطر في العذاب والصحيح أن أَمطَرنا بمعنى أرسلنا عليهم إرسالَ المطر قيل كانت المؤتَفِكةُ خمسَ مدائن وقيل كانوا أربعةَ آلافٍ بين الشام والمدينة فأمطر الله عليهم الكِبريتَ والنارَ وقيل خَسَف بالمقيمين منهم وأُمطرت الحجارةُ على مسافريهم وشُذّاذهم وقيل أُمطر عليهم ثم خصف بهم ورُوي أن تاجراً منهم كان في الحرَم فوقف الحجرُ له أربعين يوماً حتى قضى تجارتَه وخرج من الحرم فوقع عليه وروي أن امرأتَه التفتت نحوَ ديارِها فأصابها حَجَرٌ فماتت ﴿فانظر كَيْفَ كان عاقبة المجرمين﴾ خطابٌ لكلِّ مَنْ يتأتَّى منْهُ التأملُ والنظرُ تعجيباً من حالهم وتحذيراً من أعمالهم

стр. 1822

﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْباً﴾ عطفٌ على قوله وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا وما عُطف عليه وقد روعيَ ههنا ما في المعطوف عليه من تقديم المجرورِ على المنصوب أي وأرسلنا إليهم وهم أولاد مدين بن إبراهيم ﵇ شعيب بنُ ميكائيلَ بنِ يشجَر بنِ مدينَ وقيل شعيبُ بنُ ثويبِ بنِ مدينَ وقيل شعيبُ بنُ يثرونَ بنِ مدينَ وكان يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعتِه قومَه وكانوا أهلَ بخسٍ للمكاييل والموازين مع كفرهم ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مبنيٌ

стр. 1823

الأعراف آية ٨٦ على سؤال نشأ عن حكاية إرسالِه إليهم كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ لهم فقيل قال ﴿يا قوم اعبدوا الله مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ﴾ مر تفسيرُه مراراً ﴿قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ﴾ أي معجزةٌ وقوله تعالى ﴿من رَّبّكُمْ﴾ متعلق بجاءتكم أو بمحذوف هو صلةٌ لفاعله مؤكدةٌ لفخامته الذاتيةِ المستفادةِ من تنكيره بفخامته الإضافيةِ أي بينةٌ عظيمةٌ ظاهرةٌ كائنةٌ من ربكم ومالِك أمورِكم ولم يُذكرْ معجزتُه ﵇ في القرآن العظيم كما لم يُذكر أكثرُ معجزاتِ النبيِّ ﷺ فمنها ما روي من محاربة عصا موسى ﵇ التّنّينَ حين دفع إليه غنمَه ومنها ولادةُ الغنمِ الدرعَ خاصة حين وعد أن يكون له الدرعُ من أولادها ومنها وقوعُ عصا آدمَ ﵇ على يده في المرات السبعِ لأن كلَّ ذلك كان قبل أن يُستنبأ مُوسى ﵇ وقيل البينةُ مجيئُه ﵇ كَما في قوله تعالى يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى أي حجةٌ واضحةٌ وبرهانٌ نيِّرٌ عبّر بهما عما آتاه الله من النبوة والحكمة ﴿فَأَوْفُواْ الكيل﴾ أي المكيالَ كما وقعَ في سورةِ هودٍ يؤيده قوله تعالى ﴿والميزان﴾ قلإن المتبادرَ منه الآلةُ وإن جاز كونه مصدرا كالميعاد وقيل آلةَ الكيل والوزن على الإضمار والفاءُ لترتيبِ الأمرِ على مجيء البينةِ ويجوز أن تكون عاطفةً على اعبدوا فإن عبادةَ الله تعالى موجبة للاحتناب عن المناهي التي معظمُها بعد الكفرِ البخْسِ الذي كانوا يباشرونه ﴿وَلَا تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءهُمْ﴾ التي تشترونها بهما معتمدين على تمامهما أيَّ شيءٍ كان وأيَّ مقدارٍ كان فإنهم كانوا يبخسون الجليلَ والحقيرَ والقليلَ والكثيرَ وقيل كانوا مكّاسين لا يدَعون شيئاً إلا مكَسوه قال زهير ... أفي كل أسواق العراق إتاوة وفي كا ما باع امرؤٌ مَكْسُ درهمِ ﴿وَلَا تُفْسِدُواْ فِى الارض﴾ أي بالكفر والحيف ﴿بعد إصلاحها﴾ بعدما أصلح أمرَها وأهلَها الأنبياءُ وأتباعهم بإجراء الشرائعِ أو أصلحوا فيها وإضافتُه إليها كإضافة مكرِ الليلِ والنهار ﴿ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ إشارةٌ إلى العمل بما أمرَهم به ونهاهم عنه ومعنى الخيريةِ إما الزيادةُ مطلقاً أو في الإنسانية وحسنِ الأُحدوثة وما يطلُبونه من التكسب والربح لأن الناسَ إذا عرفوهم بالأمانة رغِبوا في معاملتهم ومُتاجَرَتِهم ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي مصدّقين لي في قولي هذا

стр. 1824

﴿وَلَا تَقْعُدُواْ بِكُلّ صراط تُوعِدُونَ﴾ أي بكل طريقٍ من طرق الدِّين كالشيطان وصراطُ الحقِّ وإن كان واحداً لكنه يتشعب إلى معارفَ وحدودٍ وأحكامٍ وكانوا إذا رأو أحداً يشرَع في شيء منها منعوه وقيل كانوا يجلسون على المراصد فيقولن لمن يريد شعيباً إنه كذابٌ لا يفتنَنَّك عن دينك ويتوعجون لمن آمن به وقيل يقطعون الطريق ﴿وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ أي السبيلِ الذي قعَدوا عليه فوقع المُظهرُ موقعَ المضمرِ بياناً لكل صراطٍ ودلالةً على عِظم ما يصدون عنه تقبيحا لما كمانوا عليه أو الإيسمان بالله أو بكل صراط على أنه عبارةٌ عن طرق الدين وقوله تعالى ﴿من آمن بِهِ﴾ مفعول تصدون على أعمال الأقرب لو كان مفعة ول توعِدون لقيل وتصُدونهم وتوعِدون حال من الضمير في تقعدوا ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي وتطلبون لسبيل الله عوجاً بإلقاء الشُبَهِ أو بوصفها للناس بأنها مُعْوجةٌ وهي أبعدُ شيءٍ من شائبة الاعوجاج

стр. 1825

الأعراف آية ٨٧ ٨٨ ﴿واذكروا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ﴾ بالبركة في النسل والمال ﴿وانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين﴾ من الأمم الماضيةِ كقومِ نوحٍ ومَنْ بعدهم من عاد وثمودَ وأضرابِهم واعتبِروا بهم

стр. 1826

﴿وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مّنكُمْ آمنوا بالذى أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ من الشرائع والأحكام ﴿وَطَائِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ﴾ أي به أو لم يفعلوا الإيمان ﴿فاصبروا حتى يَحْكُمَ الله بَيْنَنَا﴾ أي بين الفريقين بنصر المُحقّين على المبطلين فهو وعدٌ للمؤمنين ووعيدٌ للكافرين ﴿وهو خير الحاكمين﴾ غذ لا معقِّبَ لحكمه ولا حَيْفَ فيه

стр. 1827

﴿قال الملأ الذين استكبروا من قومه﴾ استئناف مبني على سؤال ينساق إليه المقالُ كأنه قيل فماذا قالوا بعد ما سمعوا هذه المواعظَ من شعيبٍ ﵇ فقيل قال أشرافُ قومِه المستكبرون متطاولين عليه ﵇ غيرَ مكتفِين بمجرد الاستعصاءِ عليه والامتناعِ من الطاعة له بل بالغين من العُتوِّ والاستكبارِ إلى أن قصَدوا استتباعَه ﵇ فيما هم فيه وأتباعَه المؤمنين واجترءوا على إكراههم عليه بوعيد النفي وخاطبوه بذلك على طريقة التوكيدِ القسمي ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شعيب والذين آمنوا﴾ بنسبة الإخراجِ إليه ﵇ أولا إلى المؤمنين ثانياً بعطفهم عليه تنبيهاً على أصالته ﵇ في الإخراج وتبعيتِهم له فيه كما ينبىء عنه قوله تعالى ﴿مَعَكَ﴾ فإنه متعلقٌ بالإخراج لا بالإيمان وتوسيطُ النداءِ باسمه العَلَميِّ بين المعطوفَين لزيادة التقرير والتهديد الناشئة عن غاية الوقاحةِ والطغيان أي والله لنُخرجنّك وأتباعَك ﴿مِن قَرْيَتِنَا﴾ بغضاً لكم ودفعاً لفتنتكم المترتبةِ على المساكنة والجِوارِ وقوله تعالى ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا﴾ عطفٌ على جوابِ القسمِ أيْ والله ليكونن أحدُ الأمرين البتنة على أن المقصِدَ الأصليَّ هو العَوْدُ وإنما ذُكر النفيُ والإجلاءُ لمحض القسر والأجاء كما يُفصِحُ عنه عدمَ تعرُّضِه ﵇ لجواب الإخراجِ كأنهم قالوا لا ندعكم فيما بيننا حتى تدخُلوا في ملتنا وإدخالُهم له ﵇ في خطاب العَوْدِ مع استحالة كونه ﵇ في ملتهم قبل ذلك إنما هو بطريق تغليل الجماعةِ على الواحد وإنما لم يقولوا أو لنُعيدنّكم على طريقة ما قبله لِما أن مُرادَهم أن يعودوا إليها بصوررة الطواعيةِ حِذارَ الإخراجِ باختيار أخون الشرَّين لا إعادتُهم بسائر وجوهِ الإكراهِ والتعذيب ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ كما سبق أي قال ﵇ رداً لمقالتهم الباطلةِ وتكذيباً لهم في أيمانهم الفاجرة ﴿أولو كُنَّا كارهين﴾ على أنَّ الهمزةُ لإنكارِ الوقوعِ ونفْيِه لا لإنكارِ الواقعِ واستقباحِه كالتي في قولِه تَعالَى أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىء مُّبِينٍ ويجوز أن يكون الاستفهامُ فيه باقياً على حاله وقد مرَّ مراراً أنَّ كلمةَ لو في مثلِ هذا المقامِ ليست لبيان انتفاءِ الشيءِ في الزمن الماضي لانتفاء غيرِه فيه فلا يلاخحظ لها جوابٌ قد حُذف تعويلاً على دِلالة ما قبلها عليه ملاحظة قصدية إلا عند القصدِ إلى بيان الإعرابِ على القواعد الصناعيةِ بل هي لبيان تحققِ ما يفيده الكلام السابق

стр. 1828

الأعراف آية ٨٨ بالذَّاتِ أو بالواسطةِ من الحُكم الموجَبِ أو المنفي على كل حالٍ مفروض من الأحوال المقارنةِ له على الإجمال بإدخالِها على أبعدِها منه وأشدِّها منافاةً له ليظهرَ بثبوتهِ أو انتفائِه معه ثبوتُه أو انتفاؤُه مع ما عداه من الأحوال بطريق الأولوية لِما أن الشيءَ متى تحقَّقَ مع المنافي القويِّ فلأنْ يتحقَّقَ مع غيره أولى ولذلك لا يُذكر معه شيءٌ من سائرِ الأحوال ويكتفى عنه بذكر الواوِ العاطفةِ للجُملة على نظيرتها المقابلةِ لها الشاملةِ لجميع الأحوالِ المغايرةِ لها عند تعدّدِها وهذا معنى قولِهم أنها لاستقصاء الأحوالِ على سبيلِ الإجمالِ وهذا المعنى ظاهرٌ في الخبر الموجَبِ والمنفيِّ والأمرِ والنهي كما في قولك فلانٌ جوادٌ يُعطي ولو كان فقيراً أو بخيلٌ لا يُعطي ولو كان غنياً وكقولك أحس غليه ولو أساءَ إليك ولا تُهِنْه ولو أهانك لبقائه على حاله سالماً عما يغيّره وأما فيما نحنُ فيه ففية نوعُ خفاءٍ لتغيّره بورود الإنكارِ عليه لكن الأصلَ في الكل واحدٌ إلا أن كلمةَ لو في الصور المذكورةِ متعلقةٌ بنفس الفعل المذكورِ قبلها وأن ما يُقصد بيانُ تحققِه على كل حالٍ هو نفسُ مدلولِه وأن الجملةَ حالٌ من ضميره أو مما يتعلق به وأن ما في حيز لو مقرّرٌ على ما هو عليه من الاستبعاد بخلاف ما نحن فيه لما أن كلمةَ لو متعلقةٌ فيه بفعل مقدرٍ يقتضيه المذكورُ وأن ما يُقصد بيانُ تحققِه على كل حال هو مدلولُه لا مدلولُ المذكورِ وأن الجملةَ حالٌ من ضميره لا من ضمير المذكور كما سيأتي وأن المقصودج الأصلي إنكارُ مدلولِه من حيث مقارنتُه للحالة المذكورةِ وأما تقديرُ مقارنته لغيرها فلتوسيع الدائرةِ وأن ما في حيز لولا يُقصد استبعادُه في نفسه بل يقصد الإشعارُ بأنه أمرٌ مقرّرٌ إلا أنه أُخرج مُخرَجَ الاستبعادِ مبالغةً في الإنكار من جهة أن العودَ مما يُنكر عند كونِ الكراهةِ أمراً مستبعدا فكيف به عند كونِها أمراً محققاً ومعاملةً مع المخاطَبين على معتقدَهم لاستنزالهم من رتبة العِناد وليس المرادُ بالكراهة مجردَ كراهةِ المؤمنين للعود في ملة الكفرِ ابتداءً حتى يقال إنها معلومةٌ لهم فكيف تكون ممستبعدة عندهم بل إنما هي كراهتُهم له بعد وعيدِ الإخراجِ الذي جُعل قريناً للقتل في قوله تعالى وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا الآية فإنهم كانوا يستبعدونها ويطمَعون في أنهم حينئذ يختارون العود خشية الإخراج غذ رُب مكروهٍ يُختار عند حلولِ ما هُو أشدُّ منْهُ وأفظعُ والتقديرُ أنعودُ فيها لو لم نكن كارهين ولو كنا كارهين غيرَ مبالين بالإكراه فالجملةُ في محل النصب على الحالية من ضمير الفعل المقدرِ حسبما أُشير إليه إذ مآله ألعود فيها حالَ عدمِ الكراهةِ وحال الكراهة إنكارا لما تفيده كلمتُهم الشنيعةُ بإطلاقها من العَوْد على أي حالةٍ كانت غيرَ أنه اكتُفيَ بذكر الحالة الثانيةِ التي هي أشدُّ الأحوالِ منافاةً للعود وأكثرُها بُعداً منه تنبيهاً على أنها هي الواقعةُ في نفس الأمر وثقةً بإغنائها عن ذكر الأولى إغناءً واضحاً لأن العودَ الذي تعلق به الإنكارُ حين تحققَ مع الكراهة على ما يوجبه كلامُهم فلأن يتحققَ مع عدمها أولى إن قلتَ النفيُ المستفادُ من الاستفهامِ الإنكاريِّ فيما نحن فيه بمنزلة صريحِ النفي ولا ريب في أن الأولويةَ هناك معتبرةٌ بالنسبة إلى النفي ألا يُرى أن الأولى بالتحقق فيما ذُكر من مثال النفي عند الحالةِ المسكوتِ عنها أعني عدمَ الغِنى هو عدمُ الإعطاءِ لا نفسُه فكان ينبغي أن يكون الأولى بالتجحقق فيما نحن فيه عند عدمِ الكراهةِ عدمُ العَوْدِ لا نفسُه إذ هو الذي يدل عليه قولُنا أنعود لأنه في معنى لا نعود فلمَ اختلف الحالُ بينهما قلتُ لِما أن مناطَ الأولويةِ هو الحكم

стр. 1829

الأعراف آية ٨٩ الذي أريد بيانُ تحققِه على كل حالٍ وذلك في مثال النفي عدمُ الإعطاءِ المستفادِ من الفعل المنفيِّ المذكور وأما فيما نحن فيه فهو نفسُ العودِ المستفادِ من الفعل المقجر إذ هو الذي يقتضيه الكلامُ السابقُ أعني قولَهم لتعودُن وأما الاستفهامُ فخارجٌ عنه واردٌ عليه لإبطال ما يفيده ونفي مال يقتضيه لا أنه من تمامه كما في صورة النفي وتوضيحُه أن بين النفيين فرقاً معنوياً تختلف به أحكامُهما التي من جملتها ما ذكر من اعتبار الأولوية في أحدهما بالنسبة إلى نفسه وفي الآخر بالنسبة إلى متعلَّقه ولذلك لا تستقيم إقامةُ أحدِهما مُقامَ الآخَر على وجه الكلية ألا يُرى أنك لو قلت مكانَ أنعود فيها الخ لا نعود فيها ولو كنا كارهين لاختلَّ المعنى اختلالاً فاحشاً لأن مدلولَ الأولِ نفيُ العَوْد المقيدِ بحال الكراهة ومدلولَ الثاني تقييدُ العودِ المنفيِّ بها وذلك لأن حرفَ النفي يباشر نفسَ الفعلِ وينفيه وما يُذكر بعده يرجِعُ إليه من حيث هو منفيٌّ وأما همزةُ الاستفهامِ فإنها تباشر الفعل بعد تقييده بما بعده لما أن دِلالتَها على الإنكار والنفي ليست بدلالة وضعيةٍ كدِلالة حرفِ النفي حتى يتعلقَ معناها بنفس الفعلِ الذي يليها ويكونَ ما بعده راجعاً إليه من حيث هو منفيٌّ بل هي دِلالةٌ عقليةٌ مستفادةٌ من سياق الكلامِ فلا بد أن يكون ما يُذكر بعج الفعلِ من موانعه ودواعي إنكارِه ونفيِه حتماً ليكون قرينةً صارفةً للهمزة عن حقيقتها إلى معنى الإنكارِ والنفي ثم لما كان المقصود نفي الحاكم على كل حال مع الاقتصاد على ذكر بعضٍ منها مغنٍ عن ذكر ما عجاها لاستلزام تحقّقِه معه تحققه مع غيره بطريق الأولوية وكانت حالُ الكراهةِ عند كونها قيداً لنفس العَوْدِ كذلك أي مغنياً عن ذكر سائرِ الأحوالِ ضرورة أن تحققَ العَوْدِ في حال الكراهة مكستلزم لتحققه في حال عدمِها البتةَ وعند كونِها قيداً لنفيخ بخلاف ذلك أي غيرُ مغنٍ عن ذكر غيرِها ضرورة أن نفيَ العودِ في حال الكراهةِ لا يستلزمُ نفيَه في غيرها بل الأمرُ بالعكس فإن نفيَه في حال الإرادةِ مستلزمٌ لنفيه في حال الكراهةِ قطعاً استقام الأول لإفادته نفي العودى ة في الحالتين مع الاقتصار على ما ذِكْر ما هو مغنٍ عن ذكر الأخرى ولم يستقم الثاني لعدم إفادتِه إيَّاهُ على الوجهِ المذكورِ إن قيل فما وجهُ استقامتِهما جميعاً عند ذكرِ المعطوفَيْن معاً حيث يصِحّ أن يقال لا نعودُ فيها لو لم نكن كارهيم كما يصح أن يقال أنعودُ فيها لو لم نكن كارهين ولو كنا كارهين مع أن المقدّر في حكم الملفوظِ قلنا وجهُها أن كلاًّ منهما يفيد معنىً صحيحاً في نفسه لا أن معنى أحدِهما عينُ معنى الآخر أو متلازمان متفقانِ في جميع الأحكام كيف لا ومدلولُ الأولِ أن العودَ منتفٍ في الحالتين ومدلولُ الثاني مصحِّحٌ لنفي العَوْدِ في الحالتين منتفٍ وكلا المعنيين صحيحٌ في نفسه مصحِّحٌ لنفي العود فسي الحالتين مع ذكرهما معا غير أن الثاني مصحِّحٌ لنفي العَوْدِ في الحالتين مع الاقتصار على ذكر حالة الكراهة على عكس المعنى الأول فإنه مصحِّحٌ لنفيه فيهما مع الاقتصاد على ذكر حالةِ الإرادة

стр. 1830

﴿قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِبًا﴾

стр. 1831

أي كذباً عظيما لا يُقادَر قدرُه ﴿إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ﴾ التي هي الشركُ وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه أي إن عجنا في ملتكم ﴿بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا﴾ فقد افترينا على الله كذبا عظيماً حيث نزعُم حينئذ أن الله تعالى نِداً وليس كمثله شيءٌ وأنه قد تبين لنا أن ما كُنَّا عليه من الإسلام باطلٌ وأن ما كنتم عليه من الكفر حقٌّ وأيُّ افتراءٍ أعظمُ من ذلك وقيل إنه جوابُ قسمٍ محذوف حذف عنه اللامُ تقديره والله لقد افترينا الخ ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا﴾ أي وما يصِحّ وما يستقيم لنا ﴿أن نعود فيها﴾ في حالمن الأحوالِ أو في وقتٍ من الأوقات ﴿إِلَاّ أَن يَشَاء الله﴾ أي إلا حالَ مشيئةِ الله تعالى أو وقتَ مشيئتِه تعالى لعَوْدنا فيها وذلك مما لا يكاد يكون كما ينبىء عنه قوله تعالى ﴿رَبَّنَا﴾ فإن التعرض لعنوان لاربوبيته تعالى لهم مما ينبىء عن استحالة مشيئتِه تعالى لارتدادهم قطعاً وكذا قوله تعالى بع إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا فإن تنجيتَه تعالى لهم منها من دلائل عدمِ مشيئتِه لعَودِهم فيها وقيل معناه إلا أن يشاء الله خِذلانَنا وقيل فيه دليلٌ على أنَّ الكفرَ بمشيئته تعالى وأيا ما كان فليس المرادُ بذلك بيانَ أن العودَ فيها في حيز الإمكانِ وخطرِ الوقوعِ بناءً على كون مشيئتِه تعالى كذلك بل بيانُ استحالةِ وقوعِها كأنه قيل وما كان لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربُّنا وهيهاتَ ذلك بدليل ما ذُكر من موجبات عدم مشيئتِه تعالى له ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا﴾ فهو محيطٌ بكل ما كان وما يكون من الأشياء التي من جملتها أحوالُ عبادِه وعزائمُهم ونياتُهم وما هو اللائقُ بكل واحدٍ منهم فمُحالٌ من لطفه أن يشاء عَودَنا فيها بعد ما نجانا منها مع اعتصامنا به خاصةً حسبما ينطِق به قوله تعالى ﴿عَلَى الله تَوَكَّلْنَا﴾ أي في أن يثبتَنا على ما نحنُ عليه من الإيمان ويُتمَّ علينا نعمتَه بإنجائنا من الإشراك بالكلية وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقع الإضمارِ للمبالغةِ في التضرعِ والجُؤار وقوله تعالى ﴿رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق﴾ إعراضٌ عن مقاولتهم إثرَ ما ظهر له ﵊ أنهم من العتو والعِناد بحيث لا يُتصور منهم الإيمانُ أصلاً وإقبالٌ على الله تعالى بالدعاء لفصل ما بينه وبينهم بما يليق بحال كلَ من الفريقين أي احكم بيننا بالحق والفَتاحَةُ الحكومة أو أظهرْ أمرنا حتى ينكشِفَ ما بيننا وبينهم ويتميز المُحقُّ من المبطِل من فتَحَ المُشكلَ إذا بيّنه ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين﴾ تذييلٌ مقررلمضمون ما قبله على المعنيين

стр. 1832

﴿وَقَالَ الملا الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾ عطفٌ على قال الملأ الذين الخ ولعل هؤلاء غير أولئك المستكبرين ودونهم في الرتبة شأنُهم الوساطةُ بينهم وبين العامةِ والقيامُ بأمورهم حسبما يراه المستكبرون ويجوز أن يكون عينَ الأولين وتغييرُ الصلةِ لما أن مدارَ قولِهم هذا هو الكفرُ كما أن مناطَ قولِهم السابقِ هو الاستكبارُ أي قال أشرافُهم الذين أصروا على الكفر لأعقابهم بعد ما شاهدوا صلابةَ شعيبٍ ﵇ ومنْ معَهُ من المؤمنين في الإيمان وخافوا أن يستتبوا قومَهم تثبيطاً لهم عن الإيمان به وتنفيراً لهم عنه على طريقة التوكيدِ القسَمي والله ﴿لَئِنِ اتبعتم شُعَيْبًا﴾ ودخلتم في دينه وتركتم جين آبائِكم ﴿إِنَّكُمْ إِذاً لخاسرون﴾ أي في الدين لاشترائكم الضلالةَ بهداكم أو في الدنيا لفوات ما يحصُل لكم بالخس والتطفيف وإذن حرفُ جوابٍ وجزاءٍ معترِضٌ بين اسمِ إنَّ وخبرِها والجملةُ سادةٌ مسد

стр. 1833

الأعراف آية ٩١ ٩٤ جوابي الشرطِ والقسمِ الذي وطَّأَتْه اللام

стр. 1834

﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة﴾ أي الزَّلزلةُ وهكذا في سورة العنكبوت وفي سورة هود وَأَخَذَتِ الذين ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ أي صيحةُ جبريلَ ﵇ ولعلها من مبادى الرجفةِ فأُسند هلاكُهم إلى السبب القريبِ تارةً وإلى البعيد أخرى ﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ﴾ أي في مدينتهم وفي سورة هودج في ديارهم ﴿جاثمين﴾ أي ميتين لازمين لأماكنهم لا بَراحَ لهم منهَا

стр. 1835

﴿الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا﴾ استئنافٌ لبيان ابتلائهم بشئوم قولِهم فيما سبق لَنُخْرِجَنَّكَ يا شعيب والذين آمنوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا وعقوبتِهم بمقابلته والموصولُ مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا﴾ أي استُؤصِلوا بالمرة وصاروا كأنهم لم يقيموا بقريتهم أصلاً أي عوقبوا بقولهم ذلك وصاروا هم المُخرَجين من القرية إخراجاً لا دخولَ بعده أبداً وقولُه تعالَى ﴿الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الخاسرين﴾ اتستئناف آخرُ لبيان ابتلائِهم بعقوبة قولِهم الأخيرِ وإعادةُ الموصولِ والصلةِ كما هي لزيادةِ التقريرِ والإيذانِ بأنَّ ما ذكر في حيز الصلة هو الذي استوجب العقوبتين أي الذين كذبوه ﵇ عوقبوا بمقالتهم الأخيرة فصاروا هم الخاسرين للدنيا والدين لا المتبعون له ﵊ وبهذا القصر اكتُفي عن التصريح والذين آمنوا مَعَهُ الخ

стр. 1836

﴿فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أَبْلَغْتُكُمْ رسالات رَبّى وَنَصَحْتُ لكم﴾ قالَه ﵊ بعد ما هلكوا تأسفاً بهم لشدة حزنِه عليهم ثم أنكر على نفسه ذلك فقال ﴿فكيف آسى﴾ أحزن حزناً شديداً ﴿على قَوْمٍ كافرين﴾ أي مُصِرِّين على الكفر ليسوا أهلَ حزنٍ لاستحقاقهم ما نزل عليهم بكفرهم أو قاله اعتذار عن عدم شدة حزنِه عليهم والمعنى لقد بالغتُ في الإبلاغ والإنذار وبذلتُ وُسعي في النصح والإشفاقِ فلم تُصدِّقوا قولي فكيف آسى عليكم وقرىء إيسى بإمالتين

стр. 1837

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ﴾ إشارةٌ إجمالية إلى بيان أحوالِ سائرِ الأمم إثرَ بيان أحوالِ الأمم المذكورة وتفصيلا ومن مزيدة لتأكيد النفي والصفةُ محذوفةٌ أي من نبي كُذِّب أو كذَّبه أهلُها ﴿إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا﴾ استثناء مفرغ من أعم الأحوالِ وأخذنا في محل النصب من فاعل أرسلنا والفعلُ الماضي لا يقع بعد إلا بأحد شرطين إما تقديرِ قد كما في هذه الآية أو مقارَنةِ قد كما في قولك ما زيد إلا قد قام والتقديرُ وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ من القرى المُهلَكة نبياً من الأنبياء في حالٍ من الأحوالِ إلا حالَ كونِنا آخذين

стр. 1838

الأعراف آية ٩٥ ٩٧ أهلَها ﴿بالبأساء﴾ بالبؤس والفقرِ ﴿والضراء﴾ بالضُّرّ والمرض لكنْ لا على مَعْنى أن ابتداءَ الإرسالِ مقارِنٌ للأخذ المذكورِ بل على أنه مستتبِعٌ له غيرُ منفكَ عنه بالآخرة لاستكبارهم عن اتباع نبيِّهم وتعزُّزِهم عليه حسبما فعلت الأممُ المذكورة ﴿لعلهم يتضرعون﴾ كي يتضرعوا ويتذللوا ويحُطّوا أرديةَ الكِبْر والعزةِ عن أكتافهم كقوله تعالى لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إلى أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ فأخذناهم بالبأساء والضراء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ

стр. 1839

﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا﴾ عطفٌ على أخذنا داخلٌ في حكمه ﴿مَكَانَ السيئة﴾ التي أصابتهم للغاية المذكورةِ ﴿الحسنة﴾ أي أعطيناهم بدلَ ما كانُوا فيه من البلاء والمحنةِ والرخاء والسعةَ كقوله تعالى وبلوناهم بالحسنات والسيئات ﴿حتى عَفَواْ﴾ أي كثُروا عَدداً وعُدداً من عفا النباتُ إذا كثر وتكاثر وأبطرتهم النعمة ﴿قالوا﴾ غيرَ واقفين على أنَّ ما أصابَهم من الأمرين ابتلاءٌ من الله سبحانه ﴿قد مس آباءنا الضراء والسراء﴾ كما مسّنا ذلك وما هو إلا من عادة الدهرِ يعاقِب في الناس بين الضراءِ والسراء من غير أن يكون هناك داعيةٌ تؤدي إليهما أو تِبعةٌ تترتب عليهما ولعل تأخيرَ السراءِ للإشعار بأنها تعقُب الضراءَ فلا ضيرَ فيها ﴿فأخذناهم﴾ إثر ذلك ﴿بغتة﴾ فجاءة أشدَّ الأخذِ وأفظعَه ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بذلك ولا يخطرون ببالهم شيئاً من المكاره كقوله تعالى حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ الآية وليس المرادُ بالأخذ بغتةً إهلاكَهم طرفة عينٍ كإهلاك عادٍ وقومِ لوطٍ بل ما يعُمّه وما يمضي بين الأخذ وإتمام الإهلاكِ أيام كدأب ثمود

стр. 1840

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى﴾ أي القرى المُهلَكة المدلولَ عليها بقولِه تعالَى قَرْيَةٍ وقيل هي مكةُ وما حولها من القُرى وقيل جنس القُرى المنتظمةِ لما ذكر ههنا انتظاما أوليا ﴿آمنوا﴾ بما أوحي إلى أبيائهم معتبِرين بمَا جَرى عليهمْ من الابتلاء بالضراء والسراء ﴿واتقوا﴾ أي الكفرَ والمعاصيَ أو اتقَوْا ما أُنذروا به على ألسنة الأنبياءِ ولم يُصروا على ما فعلوا من القبائح ولم يحملوا ابتلاء الله تعالى على عادات الدهر وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ الله تعالى عنهما وحدوا الله واتقوا الشرك ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بركات مّنَ السماء والارض﴾ لوسّعنا عليهم الخيرَ ويسّرناه لهم من كل جانبٍ مكانَ ما أصابهم من فنون العقوباتِ التي بعضُها من السماء وبعضُها من الأرض وقيل المرادُ المطرُ والنباتُ وقرىء لفتّحنا بالتشديد للتكثير ﴿ولكن كَذَّبُواْ﴾ أي ولكن لم يؤمنوا ولم يتقوا وقد اكتفوى بذكر الأولِ لاستلزامه للثاني ﴿فأخذناهم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ منَ أنواع الكفرِ والمعاصي التي من جُملتها قولُهم قد مس آباءَنا الخ وهذا الأخذُ عبارةٌ عما في قوله تعالى فأخذناهم بَغْتَةً لا عن الجدب والقَحطِ كما قيل فإنهما قد زالا بتبديل الحسنةِ مكانَ السيئة

стр. 1841

﴿أفأمن أهل القرى﴾ أي أهل القرى المذكورة

стр. 1842

الأعراف آية ٩٨ ١٠٠ على وضعِ المظهرِ موضِعَ المُضْمَرِ للإيذان بأن مدارَ التوبيخِ أمْنُ كلِّ طائفةٍ ما أتاهم من البأس لا أمنُ مجموعِ الأمم فإن مل طائفةٍ منهم أصابهم بأسٌ خاصٌّ بهم لا يتعداهم إلى غيرهم كما سيأتي والهمزةُ لإنكارِ الواقعِ واستقباحِه لا لإنكار الوقوعِ ونفيِه كما قاله أبو شامةَ وغيره لقوله تعالى للا يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلَاّ القوم الخاسرون والفاءُ للعطف على أخذناهم وما بينهما اعتراضٌ توسّط بينهما للمُسارعةِ إلى بيانِ أنَّ الأخذَ المذكورَ مما كسبتْه أيديهم والمعنى أبعدَ ذلك الأخذِ أمِنَ أهلُ القرى ﴿أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بياتا﴾ أي تبييتاً أو وقتَ بياتٍ أن مَبيتاً أو مبيتين وهو في الأصل مصدرٌ بمعنى البيتوتة ويجيء بمعنى التبييتِ السلام بمعنى التسليم ﴿وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ حالٌ من ضميرهم البارزِ أو المستترِ في بياتاً

стр. 1843

﴿أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى﴾ إنكارٌ بعد إنكارٍ للمبالغة في التوة بيخ الشديد ولذلك لم يقل أفأمن أهلُ القرى أَن يَأْتِيَهُم بأسنا بياتاً وهم نائمونَ أو ضحىً وهم يلعبون وقرىء أوْ بسكون الواوِ على الترديد ﴿أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى﴾ أي ضحوةَ النهارِ وهو في الأصل ضوءُ الشمسِ إذا ارتفعت ﴿وهم يلعبون﴾ أي يلهوم من فرط الغفلةِ أو يشتغلون بما لا ينفعهم كأنهم يلعبون

стр. 1844

﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله﴾ تكريرٌ للنكير لزيادة التقريرِ ومكرُ الله تعالى استعارةٌ لاستدراجه العبدوأخذه مِن حيثُ لَا يحتسبُ والمراد به بيان إتيانُ بأسِه تعالى في الوقتين المذكورين ولذلك عُطف الأول والثالث بالفاء في الإنكار فيهما متوجهٌ إلى ترتب الأمنِ على الأخذ المذكور وأما الثاني فمن تتمة الأولِ ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلَاّ القوم الخاسرون﴾ أي الذين خسِروا أنفسَهم وأضاعوا فطرةَ الله التي فطرَ الناسَ عليها والاستعدادَ القريبَ المستفادَ من النظر في الآيات

стр. 1845

﴿أولم يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرض مِن بَعْدِ أَهْلِهَا﴾ أي يخلُفون مَنْ خلا قبلهم من الأمم المُهلَكة ويرثون ديارَهم والمرادُ بهم أهلُ مكةَ ومَنْ حولها وتعديةُ فعل الهداية باللام إما لتنزيلها منزلة اللام كأنه قيل أغفلَوا ولم يفعلِ الهدايةَ لهم الخ وإما لأنها بمعنى التبيينِ والمفعولُ محذوفٌ والفاعلُ على التقديرين هو الجملةُ الشرطية أي أولم يبيَّن لهم مآلُ أمرِهم ﴿أَن لَّوْ نَشَاء أصبناهم﴾ بِذُنُوبِهِمْ أي أن الشأنَ لو نشأ أصبْناهم بجزاء ذنوبِهم أو بسبب ذنوبِهم كما أصبنا مَنْ قبلهم وقرىء نَهدِ بنون العظمة فالجملة مفعولُه ﴿وَنَطْبَعُ على قُلُوبِهِمْ﴾ عطفٌ على ما يُفهم من قولِه تعالَى أَوْ لَمْ يَهْدِ كأنه قيل لا يهتدون أو يغفُلون عن الهداية أو عن التفكر والتأمل أو منقطعٌ عنه بمعنى ونحن نطبع ولا يجوزعطفه على أصبناهم على أنه بمعنى طبعنا لإفضائه إلى نفي الطبْعِ عنهم لأنه في سياق جوابِ لو ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ أي أخبار الأمم المهلكة فضلاعن التدبر والنظرِ فيها والاغتنامِ بِمَا في تضاعِيفِها منَ الهداية

стр. 1846

الأعراف آية ١٠١

стр. 1847

﴿تِلْكَ القرى﴾ جملةٌ مستأنفةٌ جاريةٌ مجرى الفذلكةِ لما قبلها من القِصص منبئةٌ عن غاية غَوايةِ الأممِ المذكورة وتماديهم فيها بعد ما أنتهم الرسلُ بالمعجزات الباهرة وتلك إشارةٌ إلى قرى الأمم المُهلَكة على أن اللامَ للعهد وهو مبتدأٌ وقولُه تعالى ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا﴾ خبرُه وصيغة المضارع للإيذان بعدم انقضاءِ القصة بعد ومِنْ للتبعيض أي بعضُ أخبارها التي فيها عظةٌ وتذكيرٌ وقيل تلك مبتدأ والقرة خبرُه وما بعده حالٌ أو خبرٌ بعد خبر عند من يجوِّز كون الخبر الثاني جملةً كما في قوله تعالى فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تسعى وتصديرُ الكلام بذكر القرى وإضافةُ الأنباء إليها مع أن المقصوصَ أنباءُ أهلِها والمقصودُ بيانُ أحوالهم حسبما يُعرب عنه قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات﴾ لما أن حكايةَ هلاكِهم بالمرة على وجه الاستئصالِ بحيث يشمل أماكنَهم أيضاً بالخسف بها والرجفةِ وبقائِها خاويةً معطلةً أهولُ وأفظعُ والباء في قوله تعالى بالبينات متعلقةٌ إما بالفعل المذكور على أنها للتعدية وإما بمحذوفٍ وقعَ حالاً من فاعله أي ملاتبسين بالبينات لكن لا بأن يأتيَ كلُّ رسولٍ ببينة واحدة بل بينات كثيرة خاصةٍ به معينةٍ له حسب اقتضاءِ الحِكمة فإن مراعاة انقسام الآحاد إلى الآحاد إنما هي فيما بين الرسل وضميرِ الأممِ والجملةُ مستأنفةٌ مبينةٌ لكمال عُتوِّهم وعنادِهم أي وبالله لقد جاء كلَّ أمةٍ مِنْ تلكَ الأممِ المُهلَكة رسولُهم الخاصُّ بهم بالمعجزات البيّنةِ المتكثرة المتواردةِ عليهم الواضحة الجلالة على صحة رسالتِه الموجبةِ للإيمان حتماً وقوله تعالى ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ بيانٌ لاستمرار عدم إيمانهم في الزمان الماضي لا لعدم استمرارِ إيمانِهم وترتيبُ حالتِهم هذه على مجيء الرسلِ بالبينات بالفاء لما أن الاستمرارَ على فعل من الأفعال بعد ورود ما يوجب الإقلاعَ عنه وإن كان استمرارا عليه في الحقيقة لكنه بحسَب العنوان فعلٌ جديد وصنعٌ حادثٌ نحوُ وعظتُه فلم ينزجِرْ ودعوتُه فلم يُجب واللامُ لتأكيد النفي أي فما صح وما استقام لقوم من أولئك الأقوامِ في وقتٍ من الأوقاتِ أن يؤمنوا لكل كان ذلك ممتنعاً منهم إلى أنْ لَقوُا ما لقوُا لغاية عتوِّهم وشدةِ شكيمتِهم في الكفر والطغيانِ ثم إن كان المحكي عنهم آخرَ حالِ كلِّ قوم منهم فالمرادُ بعدم إيمانِهم المذكور ههنا إصرارُهم على ذلك بعد اللتيا والتي وبما أشير إليه بقوله تعالى ﴿بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ﴾ تكذيبُهم من لدن مجيءِ الرسل إلى وقت الإصرارِ والعناد وإنما لم يُجعل ذلك مقصوداً بالذات كالأول بل جُعل صلةً للموصول إيذاناً بأنه بيِّنٌ بنفسه وإنما المحتاجُ إلى البيان عدمُ إيمانهم بعد تواتر البينات الظاهرة وتظاهر المعجزات الباهرة التي كانت تضطرهم إلى القَبول لو كانوا من أصحاب العقول والموصول الذي تعلق به الإيمان والتكذيب سلباً وإيجاباً عبارةٌ عن جميع الشرائعِ التي جاء بها كلُّ رسولٍ أصولِها وفروعِها وإن كان المحكيُّ جميع أحوال كل قوم منهم فالمراد بما ذكر أولاً كفرُهم المستمرُّ من حين مجيءِ الرسل الخ وبما أشير إليه آخرا تكذيبُهم قبل مجيئِهم فلا بد من جعل الموصولِ المذكور عبارة عن أصول الشرائعِ التي أجمعت عليها الرسل قاطبة ودعوا أممهم إليها آثر ذي أثير لاستحالة تبدلها وتغيرها مثل ملة التوحيد ولوازمها ومعنى تكذيبهم بها قبل مجيء رسلهم

стр. 1848

الأعراف آية ٢٥٦ أنهم ما كانوا في زمن الجاهلية بحيث لم يسمعوا كلمةَ التوحيد قط بل كانت كلُّ أمةٍ من أولئك الأمم يتسامعون بهال من بقايا من قبلهم فيكذبونها ثم كانت حالتهم بعد مجيءِ رسلِهم كحالتهم قبل ذلك كأن لم يبعث إليهم أحد وتخصيص التكذيب وعدم الإيمان بما ذكر من الأصول لظهور حال الباقي بدلالة النص فإنهم حين لم يؤمنوا بما أجمعت عليه كافةُ الرسل فلأن يؤمنوا بما تفرَّد به بعضهم أولى وعدم جعل هذا التكذيبِ مقصوداً بالذات لما أن ما عليه يدور فلكُ العذابِ والعقابِ هو التكذيبُ الواقعُ بعد الدعوة حسبما يُعرب عنه قوله تعالى وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً وإنما ذكرها ما وقع قبلها بياناً لعراقتهم في الكفر والتكذيب وعلى كلا التقديرين فالضمائرُ الثلاثة متوافقة في المرجع وقيل ضميرُ كذبوا راجعٌ إلى أسلافهم والمعنى فما كان الأبناءُ ليؤمنوا بما كذب به الآباءُ ولا يَخْفى ما فيهِ من التعسف وقيل المرادُ ما كانوا ليؤمنوا لو أحييناهم بعد إهلاكِهم ورددناهم إلى دار التكليفِ بما كذبوا من قبلُ كقوله تعالى وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نهوا عنه وقيل الباء للسببية وما مصدريةٌ أي بسبب تعوُّدِهم تكذيبَ الحق وتمرنهم عليه قبل بعثةِ الرسلِ ولا يرِدُ عليه ههنا ما ورد في سورة يونُسَ من مخالفة الجمهورِ بجعل ما المصدريةِ من قبيل الأسماء كما هو رأيُ الأخفشِ وابنِ السرّاج ليرجِعَ إليه الضميرُ في به ﴿كذلك﴾ أي مثلَ ذلك الطبعِ الشديدِ المُحكَم ﴿يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين﴾ أي من المذكورين وغيرهم فلا يكاد يؤثر فيها الآياتُ والنذرُ وفيه تحذير للسامعين وإظهارُ الاسمِ الجليلِ بطريق الالتفاتِ لتربية المهابة وإدخالِ الروعة

стр. 1849

﴿وَمَا وَجَدْنَا لاِكْثَرِهِم﴾ أي أكثرِ الأممِ المذكورين واللامُ متعلقةٌ بالوُجدان كما في قولك ما وجدتُ له مالا أي ما صدفت له مالاً ولا لقِيته أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً مِنْ قوله تعالى ﴿مّن عَهْدٍ﴾ لأنَّه في الأصلِ صفةٌ للنكرة فلما قُدّمت عليها انتصبت حالاً والأصلُ ما وجدنا عهداً كائناً لأكثرهم ومن مزيدة للاستغراق أي وما وجدنا لأكثرهم من وفاء عهدٍ فإنهم نقضوا مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ عند مساسِ البأساء والضراءِ قائلين لئن أنجيتنا من هذه لنكونَنّ من الشاكرين فتخصيصُ هذا الشأنِ بأكثرهم ليس لأن بعضَهم كانوا يوفون بعهودهم بل لأن بعضَهم كانوا لا يعهدون ولا يوفون وقيل المرادُ بالعهد ما عهِد الله تعالى إليهم من الإيمان والتقوى بنصب الآياتِ وإنزالِ الحُجج وقيل ما عهِدوا عند خطابِ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ فالمرادُ بأكثرهم كلُّهم وقيل الضمير للبأس والجملةُ اعتراضٌ فإن أكثرَهم لا يوفون بالعهود بأي معنى كان ﴿وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ﴾ أي أكثرُ الأمم أي علِمناهم كما في قولك وجدتُ زيداً ذا حِفاظ وقيل الأول أيضاً كذلك وإنْ مخففةٌ من أن وضمير الشأن محذوفٌ أي إن الشأنَ وجدناهم ﴿لفاسقين﴾ خارجين عن الطاعة ناقضين للعهود وعند الطكوفينن أنّ إنْ نافيةٌ واللامُ بمعنى إلا أي ما وجدناهم إلا فاسقين

стр. 1850

﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم موسى﴾ أي أرسلناه من بعد انقضاء

стр. 1851

الأعراف آية ١٠٤ ١٠٥ وقائعِ الرسل المذكورين أو من بعد هلاكِ الأممِ المحكيةِ والتصريحُ بذلكَ مع دِلالة ثم على التراخي للإيذان بأن بعثه ﵊ جرى على سَنن السُنةِ الإلهية من إرسال الرسلِ تترى وتقديمُ الجارِّ والمجرور على المفعول الصريح لما مر مرارا من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ﴿بآياتنا﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من مفعول بعثنا أو صفةٌ لمصدرِه أي بعثناه ﵊ ملتبساً بآياتنا أو بعثناه بَعْثاً ملتبساً بها وهي الآيات التسع المفصلات التي هي العصا واليدُ البيضاء والسِّنونَ ونقصُ الثمرات والطوفانُ والجَرادُ والقُمّلُ والضفادعُ والدم حبما سيأتي على التفصيل ﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾ هو لقبٌ لكل من ملَك مِصْرَ من العمالقة كما أن كِسرى لقب لكل من ملك فارسَ وقيصرَ لكل مَنْ ملك الروم واسمُه قابوسُ وقيلالوليد بن مصعب بن ريان ﴿وَمَلَئِهِ﴾ أي أشرافِ قومِه وتحصيصهم بالذكر مع عموم رسالتِه ﵊ لقومه كافةً حيث كانوا جميعاً مأمورين بعبادة ربِّ العالمين عز سلطانه وترك العظيمةِ الشنعاءِ التي كانَ يدَّعِيها الطاغيةُ ويقبلُها منهُ فئتُه الباغيةُ لأصالتهم في تدبير الأمور واتباعِ غيرِهم لهم في الورود والصدور ﴿فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ أي كفروا بها أُجري الظلمُ مُجرى الكفرِ لكونهما من وادٍ واحدٍ أو ضُمّن معنى الكفرِ أو التكذيبِ أي ظلموا كافرين بها أو مكذِّبين بها أو كفروا بها مكان الإيمانِ الذي هو من حقها لوضوحها ولهذا المعنى وُضع ظلَموا موضِعَ كفروا وقيل ظلموا أنفسَهم بسببها بأن عرّضوها للعذاب الخالد أو ظلموا الناسَ بصدهم عن الإيمان بها والمرادُ به الاستمرارُ على الكفر بها إلى أن لقُوا من العذاب ما لقُوا ألا يُرى إلى قوله تعالى ﴿فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين﴾ فكما أن ظلمهم بها مستتبعٌ لتلك العاقبةِ الهائلةِ كذلك حكايةُ ظلمِهم بها مستتبعٌ للأمر بالنظر إليها وكيف خبرُ كان قُدّم على اسمها لاقتضائه الصدارةَ والجملةُ في حيز النصبِ بإسقاط الخافضِ أي فانظر بعين عقلِك إلى كيفية ما فعلنا بهم ووضعُ المفسدين موضعَ ضميرِهم للإيذان بأن الظلم مستلزِمٌ للإفساد

стр. 1852

﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ كلامٌ مبتدأٌ مَسوقٌ لتفصيل ما أُجمل فيما قبله من كيفية إظهار الآياتِ وكيفيةِ عاقبة المفسدين ﴿يا فرعون إِنِّي رَسُولٌ﴾ أي إليك ﴿مِن رَّبّ العالمين﴾ على الوجه الذي مر بيانه

стр. 1853

﴿حقيق على أن لا أَقُولَ عَلَى الله إِلَاّ الحق﴾ جوابٌ عما ينساقُ إليه الذهنُ من حكاية ظلمِهم بالآيات من تكذيبه إياه ﵊ في دعوى الرسالةِ وكان أصلُه حقيقٌ على أن لا أقول الخ كما هو قراءة نافع فقلب للأمن من الإلباس كما في قول وتشقى الرماحُ بالضياطرة الحُمُر أو لأن ما لزِمك فقد لزِمتَه أو للإغراق في الوصف بالصدق والمعنى واجبٌ عليّ القولُ الحقُّ أن أكون أنا قائلُه لا يَرضَى إلا بمثلي ناطقاً به أو ضُمّن حقيقٌ معنى حريص أو وُضِعَ على موضعَ الباءِ لإفادة التمكن كقولهم

стр. 1854

الأعراف آية ١٠٦ ١٠٩ رميتُ على القوس وجئتُ على حال حسنةٍ ويؤيده قراءة أبي بالباء وقرىء حقيق أن لا أقول وقوله تعالى ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيّنَةٍ مّن رَّبّكُمْ﴾ استئنافٌ مقرر لما قبله من ككونه رسولاً من رب العالمين وكونِه حقيقاً بقول الحقِّ ولم يكن هذا القول منه ﵊ وما بعده من جواب فرعون إثرَ ما ذكر ههنا بل بعدَ مَا جَرى بينهما من المحاورة المحكيةِ بقوله تعالى قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا الآيات وقوله تعالى وَمَا رَبُّ العالمين الآيات وقد طوى ههنا ذكرُه للإيجاز ومِنْ متعلقة إما بجئتُكم على أنها لابتداء الغايةِ مجازاً وإما بمحذوف وقع صفةً لبينة مفيدةً لفخامتها الإضافية المؤكدةِ لفخامتها الذاتية المستفادةِ من التنوين التفخيمي وإضافةُ اسمِ الرب إلى المخاطبين بعد إضافتِه فيما قبله إلى العالمين لتأكيد وجواب الإيمان بها ﴿فَأَرْسِلْ مَعِىَ بني إسرائيل﴾ أي فخلّهم حتى يذهبوا معي إلى الأرض المقدسةِ التي هي وطنُ آبائِهم وكان ق استبعدهم بعد انقراضِ الأسباطِ يستعملهم ويكلفهم الأفاعيلَ الشاقة فأنقذهم الله تعالى بموسى ﵊ وكانَ بين اليوم الذي دخل يوسفُ مصرَ واليومِ الذي دخله موسى ﵉ أربعُمائة عام والفاءُ لترتيب الإرسالِ أو الأمرِ به على ما قبله من رسالته ﵇ ومجيئه بالبينة

стр. 1855

﴿قال﴾ الأاستئناف وقع جوابا عن سؤال ينساقُ إليهِ الكلامُ كأنَّه قيل فماذا قال فرعونُ له ﵇ حين قال له ما قال فقيل قَالَ ﴿إِن كُنتَ جِئْتَ بآية﴾ أي من عندج مَنْ أرسلك كما تدعيه ﴿فَأْتِ بِهَا﴾ أي فأحضِرْها حتى تُثبت بها رسالتَك ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ في دعواك فإن كونَك من جملة المعروفين بالصدق يقتضي إظهارَ الآيةِ لا محالة

стр. 1856

﴿فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي ظاهرٌ أمرُه لا يُشك في كونه ثعباناً وهو الحيةُ العظيمةُ وإيثارُ الجملةِ الاسميةِ للدِلالة على كمال سرعةِ الانقلاب وثباتِ وصفِ الثُعبانية فيها كأنها في الأصل كذلك روي أنه لما ألقاها صارت ثعبانا أشعر فاغر فاهُ بين لَحْيَيهِ ثمانونَ ذراعا وضع لحيه الأسف عَلى الأرضِ والأَعْلى على سور القصرِ ثم توجه نحو فرعون فهرب منه وأحدث فانهزم الناسُ مزدحِمين فماتَ منهُم خمسةٌ وعشرون ألفاً فصاح فرعونُ يا موسى أنشُدك بالذي أرسلك خُذْه وأنا أؤمن بك وأرسلُ معك بني إسرائيلَ فأخذه فعاد عصا

стр. 1857

﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ أي من جيبه أو من تحت إِبطِه ﴿فَإِذَا هِىَ بَيْضَاء للناظرين﴾ أي بيضاءُ بياضاً نورانياً خارجاً عن العادة يجتمع عليه النَّظارةُ تعجباً من أمرها وذلك ما يروى أنه أرى فرعونَ يدَه وقال ما هذه فقال يدُك ثم أدخلها جيبه وعليه مدرّعةُ صوفٍ ونزعها فإذا هي بيضاءُ بياضاً نورانياً غلب شعاعُه شعاعَ الشمس وكان ﵇ آدجم شديدَ الأدَمةِ وقيل بيضاء للناظرين لا أنها كانت بيضاءَ في جِبِلّتها

стр. 1858

﴿قَالَ الملا مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾

стр. 1859

أي الأشرافُ منهم وهم أصحابُ مشورتِه ﴿إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ﴾ أيْ مبالغٌ في علم السحر ماهرفيه قالوه تصديقاً لفرعون وتقريراً لكلامه فإن هذا القولَ بعينه مَعْزيٌّ في سورة الشعراء إليه

стр. 1860

﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مّنْ أَرْضِكُمْ﴾ أي من أرض مصرَ ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ بفتح النون وما في ماذا في محل النصب على أنه مفعول ثان لتأمرون بحذف الجار والأولُ محذوف والتقديرُ بأي شيء تأمرونني وهذا من كلام فرعونَ كما في قوله تعالى ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب أي فإذا كان كذلك فماذا تشيرون عليّ في أمره وقيل قاله الملأ من قبله بطريق التبليغِ إلى العامة فقوله تعالى
следующие страницы →