← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

البقرة (٨٤) في تَعداد بعضٍ آخرَ من قبائح أسلافِ اليهودِ مما ينادي بعدم إيمانِ أخلافِهم وكلمةُ إذ نُصب بإضمار فعلٍ خوطب به النبيُّ ﷺ والمؤمنون ليؤدِّيَهم التأملُ في أحوالهم إلى قطع الطمَع عن إيمانهم أو اليهودُ الموجودون في عهد النبوة توبيخاً لهم بسوء صنيعِ أسلافِهم أي اذكروا إذ أخذنا ميثاقهم ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَاّ الله﴾ على إرادةِ القولِ أيْ قلنا أو قائلين لا تعبدون إلخ وهو إخبارٌ في معنى النهي كقوله تعالى ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شهيد﴾ وكما يقول تذهب إلى فلان وتقول كيتَ وكيتْ وهو أبلغُ من صريح النهي لما فيهِ من إيهامِ أن المنهيَّ حقُّه أن يسارعَ إلى الانتهاء عما نُهي عنه فكأنه انتهى عنه فيُخبرُ به الناهيَ ويؤيده قراءةُ لا تعبدوا وعطفُ قولوا عليه وقيل تقديره أن لا تعبدوا إلخ فحُذِف الناصبُ ورُفع الفعلِ كما في قولِه أَلَا أيُهذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الوَغَى ... وأنْ أشهدَ اللذاتِ هل أنت مُخْلِدي ويعضُدُه قراءةُ أن لا تعبُدوا فيكون بدلاً من الميثاق أو معمولاً له بحذف الجار وقيل إنه جوابُ قسمٍ دل عليه المعنى كأنه قيل وحلّفناهم لا تعبدون إلا الله وقرئ بالياء لأنهم غُيَّبٌ ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ متعلق بمضمر أي وتحسنون او احسنوا ﴿وَذِى القربى واليتامى والمساكين﴾ عطفٌ على الوالدين ويتامى جمع يتيم كندمي جمع نديم وهو قليل ومسكين مغعيل من السكون كأن الفقرَ أسكنه من الحَراك وأثخنه عن التقلب ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أي قولاً حسناً سماه حسنا مبالغة وقرئ كذلك وحُسُناً بضمتين وهي لغةُ أهلِ الحجازِ وحُسْنى كبُشرى والمراد به ما فيه تخلّقٌ وإرشاد ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة﴾ هما ما فُرض عليهم في شريعتهم ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ إن جُعل ناصبُ الظرف خطاباً للنبي ﷺ والمؤمنين فهذا التفاتٌ إلى خطاب بني إسرائيلَ جميعاً بتغليب أخلافِهم على أسلافهم لجريان ذكرى كلِّهم حينئذ على نهْج الغَيْبة فإن الخطاباتِ السابقةَ لأسلافهم محْكيةٌ داخلةٌ في حيز القول المقدّر قبل لاتعبدون كأنهم استُحضِروا عند ذكرِ جناياتهم منعيت هي عليهم وإنْ جعل خطابا لليهود المعاصرين للرسول الله ﷺ والمؤمنين فهذا تعميمٌ للخطاب بتنزيل الأسلافِ منزلةَ الأخلاف كما أنه تعميمٌ للتولي بتنزيل الأخلافِ منزلةَ الأسلاف للتشديد في التوبيخ أي أعرضتم عن المُضِيِّ على مقتضى الميثاقِ ورفضتموه ﴿إِلَاّ قَلِيلاً مِنْكُمْ﴾ وهم من الأسلاف مَنْ أقام اليهوديةَ على وجهها قبل النسخِ ومن الأخلاف مَنْ أسلم كعبدِ اللَّهِ بنِ سَلَام وأضرابه ﴿وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ جملةٌ تذييلية أي وأنتم قوم عادتكم الإعراضُ عن الطاعة ومراعاةِ حقوق الميثاق أصل الإعراض الذهابُ عن المواجهة والإقبالُ إلى جانب العَرْض

стр. 212

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم﴾ منصوب بفعل مُضمرٍ خوطب به اليهودُ قاطبةً على ما ذكر من التغليب ونُعي عليهم إخلالُهم بمواجب الميثاق المأخوذِ منهم في حقوق العبادِ على طريقة النهي إثرَ بيانِ ما فعلوا بالميثاق المأخوذِ منهم في حقوق الله سبحانه وما يجرى مجراها على سبيل الأمرِ فإن المقصودَ الأصليَّ من النهي عن عبادةَ غيرِ الله تعالى هو الأمرُ بتخصيص العبادةِ به تعالى أي واذكروا وقت أخذِنا ميثاقَكم

стр. 213

البقرة (٨٥) في التوراة وقوله تعالى ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مّن دياركم﴾ كما قبله إخبارٌ في معنى النهي غُيِّر السبكُ إليه لما ذَكر من نُكتة المبالغة والمرادُ به النهيُ الشديدُ عن تعرُّض بعض بنى أسرئيل لبعضٍ بالقتل والإجلاءِ والتعبيرُ عن ذلك بسفك دماءِ أنفسِهم وإخراجِها من ديارهم بناءً على جَرَيان كلِّ واحدٍ منهم مجرى أنفسِهم لما بينهم من الاتصال القويِّ نسَباً وديناً للمبالغة في في الحمل على مراعاة حقوقِ الميثاق بتصوير المنهيِّ عنه بصورةٍ تكرَهها كلُّ نفس وتنفر عنه كلُّ طبيعةٍ فضميرُ أنفسَكم للمخاطبين حتماً إذ به يتحقق تنزيلُ المخْرِجين منزلتَهم كما أن ضميرَ ديارِكم للمخرَجين قطعاً إذ المحذورُ إنما هو إخراجُهم من ديارهم لا من ديار المخاطَبين من حيث إنهم مخاطَبون كما يفصحُ عنه ما سيأتِي من قولِه تعالى ﴿مِن ديارهم﴾ وإنما الخطابُ ههنا باعتبار تنزيلِ ديارِهم منزلةَ ديارِ المخاطَبين بناءً على تنزيل أنفسِهم منزلتَهم لتأكيد المبالغةِ وتشديدِ التشنيع وأما ضميرُ دماءَكم فمحتمل لوجهين مفاد الأول كون كون المسفوك دماء ادعايئة للمخاطَبين حقيقةً ومَفادُ الثاني كونُه دماءً حقيقيةً للمخاطبين ادعاءً وهما متقاربان في إفادة المبالغةِ فتدَّبرْ وأمَّا ما قيل من أنَّ المعنى لا تباشروا ما يؤديّ إلى قتل أنفسِكم قِصاصاً أو ما يبيح سفكَ دمائِكم وإخراجَكم من دياركم أو لا تفعلُوا ما يُرديكم ويصرِفُكم عن الحياة الأبدية فإنه القتلُ في الحقيقة ولا تقترفوا ما تُحْرَمون به عن الجنة التي هي دارُكم فإنه الجلاءُ الحقيقيُّ فممَّا لا يساعده سياقُ النظمِ الكريم بل هو نصٌّ فيما قلناه كما ستقف عليه ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ أي بالميثاق وبوجوب المحافظةَ عليه ﴿وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ توكيدٌ للإقرار كقولك أقرَّ فلانٌ شاهداً على نفسه وأنتم أيها الحاضرون تشهدون اليوم على إقرار أسلافِكم بهذا الميثاق

стр. 214

﴿ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء﴾ خطابٌ خاص في الحاضرين فيه توبيخ شديدٌ واستبعادٌ قويٌّ لما ارتكبوه بعد ما كان من الميثاق به والشهداة عليه فأنتم مبتدأ وهؤلاء خبرُه ومَناطُ الإفادةِ اختلافُ الصفات المنزل منزلةَ اختلافِ الذات والمعنى أنتم بعد ذلك هؤلاءِ المشاهِدون الناقضون المتناقضون حسبما تُعربُ عنه الجملُ الآتية فإنَّ قولَه ﴿تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ الخ بيانٌ له وتفصيلٌ لأحوالهم المُنْكَرة المندرجةِ تحت الإشارةِ ضمناً كأنهم قالوا كيف نحن فقيل تقتُلون أنفسَكم أي الجارين مَجرى أنفسِكم كما أسير اليه وقرئ تُقتّلون بالتشديد للتكثير ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مّنكُم﴾ الضمير إما للمخاطبين والمضافُ محذوفٌ أي من أنفسكم وإما للمقتولين والخطابُ باعتبار أنهم جُعلوا أنفُسَ المخاطَبين وإلا فلا يتحقق التكافُؤُ بين المقتولين والمخرجين في ذلك العنوان الذي عليه يدورُ فلَكُ المبالغة في تأكيد الميثاقِ حسبما نُصَّ عليه ولا يظهر كمالُ قباحةِ

стр. 215

جناياتِهم في نقضه ﴿مِن ديارهم﴾ الضمير للفريق وإيثارُ الغَيْبة مع جواز الخِطاب أيضاً بناءً على اعتبار العنوان المذكورِ كما مرَّ في الميثاق للاحتراز عن توهم كونِ المرادِ إخراجَهم من ديار المخاطَبين من حيث هي ديارُهم لا من حيث هي ديارُ المخرِجين وقيل هؤلاءِ موصولٌ والجملتان في حيّز الصلةِ والمجموعُ هو الخبرُ لأنتم ﴿تظاهرون علَيْهِم﴾ بحذف إحدى التاءين وقرئ بإثباتهما وبالإدغام وتظّهرون بطرح إحدى التاءين من تتظهرون ومعنى الكل تتعاونون وهي حالٌ من فاعل تَخرجون أوْ منْ مفعولِه أو منهما جميعا مبنية لكيفية الإخراج دافعةٌ لتوهم اختصاصِ الحُرمة بالإخراج بطريق الأصالةِ والاستقلالِ دون المظاهرةِ والمعاونة ﴿بالإثم﴾ متعلقٌ بتظاهرون حال من فاعله أي ملتبسين بالإثم وهو الفعلُ الذي يستحق فاعلُه الذمَّ واللومَ وقيل هو ما ينفِرُ عنه النفسُ ولا يطمئن إليه القلب ﴿والعدوان﴾ وهو التجاوزُ في الظلم ﴿وَإِن يَأْتُوكُمْ أسارى﴾ جمعُ أسير وهو من يؤخذ قهراً فعيل بمعنى مفعول من الأسر أي الشدّ أو جمعُ أسرى وهو جمع أسير كجرحى وجريح وقد قرئ أسْرى ومحلُّه النصبُ عَلى الحاليّةِ ﴿تفادوهم﴾ أي تخرجوهم من الأسر بإعطاء الفداء وقرئ تَفْدوهم قال السدي إن الله تعالى أخذ عَلى بني إسرائيلَ فِى التوراة الميثاقَ أن لا يقتُلَ بعضُهم بعضاً ولا يُخرجَ بعضُهم بعضاً من ديارهم وأيُّما عبدٍ أو أمةٍ وجدتموه من بني إسرائيلَ فاشترُوه وأعتِقوه وكانت قريظةُ حلفاءَ الأوسِ والنضيرُ حلفاءَ الخزرج حين كان بينهما ما كان من العداوة والشَنَآن فكان كلُّ فريقٍ يقاتل مع حُلفائه فإذا غَلَبوا خرَّبوا ديارَهم وأخرجوهم منها ثم إذا أُسر رجل من الفريقين جمعوا له مالاً فيَفُدونه فعيَّرتهم العربُ وقالت كيف تقاتلونهم ثم تَفْدونهم فيقولون أُمرنا أن نفديَهم وحُرِّم علينا قتالُهم ولكن نستحي أن ندل حلفاء نا فذ مهم الله تعالى على المناقضة ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ هو ضميرُ الشأن وقع مبتدأ ومحرمٌ فيه ضمير قائم مقامَ الفاعلِ وقع خبراً من إخراجهم والجملة خبرٌ لضمير الشأن وقيل محرَّمٌ خبرٌ لضمير الشأن وإخراجُهم مرفوع على انه مفعول مالم يُسمَّ فاعلُه وقيل الضميرُ مهم يفسّره إخراجهم أو راجعٌ إلى ما يدل عليه تُخرجون من المصدر وإخراجُهم تأكيدا وبيان والجملةُ حالٌ منَ الضميرِ في تخرجون أو من فريقاً أو منهما كما مر بعد اعتبار القيد بالحال السابقة وتخصيصُ بيان الحرمةِ ههنا بالإخراج مع كونه قريناً للقتل عند أخذ الميثاقِ لكونه مِظنّةً للمساهلة في أمره بسبب قِلة خَطَره بالنسبة إلى القتل ولأن مساقَ الكلام لذمّهم وتوبيخِهم على جناياتهم وتناقض أفعالهم معاً وذلك مختص بصورة الإجراج حيث لم يُنقلْ عنهم تدارك القتلى بشئ من دِيَةِ أو قِصاصٍ هو السر في تخصيص التظاهرِ به فيما سبق وأما تأخيرُه من الشرطية المعترضةِ مع أن حقه التقديمُ كما ذكره الواحدي فلأن نظْمَ أفاعيلِهم المتناقضةِ في سَمْطٍ واحدٍ من الذكر أدخَلُ في إظهار بطلانها ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب﴾ أي التوراة التي أُخذ فيها الميثاقُ المذكور والهمزةُ للإنكار التوبيخي والفاءُ للعطف على مقدر يستدعيه المقام أي أتفعلون ذلك فتؤمنون ببعض الكتاب وهو المفاداة ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ وهو حرمةُ القتالِ والإخراج مع أن مِن قضية الإيمان ببعضه الإيمانُ بالباقي لكون الكلِّ من عند الله تعالى داخلاً في الميثاق فمناطُ التوبيخ كفرُهم بالبعض مع إيمانهم بالبعض حسبما يفيده ترتيبُ النظمِ الكريم فإن التقديمَ يستدعي في المقام الخطابي أصالةَ المقدَّم وتقدُّمَه بوجهٍ من الوجوه حتماً وإذ ليس ذلك ههنا باعتبار الإنكارِ والتوبيخ عليه وهو باعتبار الوقوعِ قطعاً

стр. 216

البقرة (٨٧ - ٨٦) لا إيمانُهم بالبعض مع كفرهم بالبعض كما هو المفهوم لوقيل أفتكفرون ببعض الكتاب وتؤمنون ببعض ولا مجردُ كفرِهم بالبعض وإيمانِهم بالبعض كما يفيده أن يقال أفتَجْمعون بين الإيمان ببعض الكتابِ والكفرِ ببعضٍ أو بالعكس ﴿فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذلك﴾ ما نافية ومن إن جُعلت موصولةً فلا محلَّ ليفعلُ من الإعراب وإن جعلت موصوفة فمحله الجر على أنه صفتُها وذلك إشارةٌ إلى الكفر ببعض الكتاب مع الإيمان ببعضٍ أو إلى ما فعلوا من القتل والإجلاء مع مُفاداةِ الأسارى ﴿مّنكُمْ﴾ حالٌ من فاعل يفعل ﴿إِلَاّ خِزْىٌ﴾ استثناءٌ مُفرَّغٌ وقع خبراً للمبتدأ والخزيُ الذلُّ والهوانُ مع الفضيحة والتكير للتفخيم وهو قتلُ بني قريظة وإجلاء بني النضير إلى أذْرِعاتَ وأريحاءَ من الشام وقيل الجزية ﴿فِي الحياة الدنيا﴾ في حيز الرفعِ على أنه صفةٌ خزيٌ أي خزيٌ كائن في الحياة الدنيا أو في حيزِ النصبِ على أنه ظرف لنفس الخزي ولعل بيانَ جزائِهم بطريق القصر على ما ذكر لقطع أطماعِهم الفارغةِ من ثمرات إيمانهم ببعض الكتاب وإظهارِ أنه لا أثرَ له أصلاً مع الكفر ببعض ﴿وَيَوْمَ القيامة يردون﴾ وقرئ بالتاء أوثرَ صيغةُ الجمع نظراً إلى معنى مَنْ بعد ما أوثِرَ الإفرادُ نظراً إلى لفظها لما أن الردَّ إنما يكون بالاجتماع ﴿إلى أَشَدّ العذاب﴾ لما أن معصيتَهم أشدُّ المعاصي وقيل أشدُّ العذاب بالنسبة إلى ما لَهُم في الدُّنيا من الخزي والصَّغار وإنما غُيّر سبكُ النظمِ الكريم حيث لم يقُلْ مثلاً وأشدُّ العذاب يوم القيامة للإيذان بكمال التنافي بين جزاءَي النشأتين وتقديم يوم القيامة على ما ذكر ما يقع فيه لتهويل الخطبِ وتفظيعِ الحال من أول الأمر ﴿وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ من القبائح التي من جملتها هذا المنكر وقرئ بالياء على نهج يُردّون وهو تأكيد الموعيد

стр. 217

﴿أولئك﴾ الموصوفون بما ذكر من الأوصاف القبيحةِ وهو مبتدأٌ خبرُهُ قولُه تعالى ﴿الذين اشتروا﴾ أي آثروا ﴿الحياة الدنيا﴾ واستبدلوها ﴿بالاخرة﴾ وأعرضوا عنها مع تمكنهم من تحصيلها فإنَّ ما ذُكر من الكفر ببعض أحكامِ الكتاب إنما كان لمراعاة جانبِ حلفائِهم لما يعود إليهم منهم من بعض المنافع الدنية الدنيوية ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب﴾ دنيويا كان أو أخرويا ﴿ولا هم ينصرون﴾ بدفعه عنهم شفاعةً أو جبراً والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلها عطفَ الاسمية على الفعلية أو ينصرون مفسِّرٌ لمحذوف قبل الضمير فيكونُ من عطف الفعلية على مثلها

стр. 218

﴿ولقد آتينا موسى الكتاب﴾ شروعٌ في بيان بعض آخر من جناياتهم وتصديرُه بالجملة القَسَمية لإظهار كمالِ الاعتناءِ به والمراد بالكتاب التوراة عن ابن عباس رضي الله تعالَى عنُهمَا أنَّ التوراة لما نزلت جُملةً واحدة أمر الله تعالى موسى ﵇ بحملها فلم يطق بذلك فبعث الله بكل حرفٍ منها مَلَكاً فلم يطيقوا بحملها فخففها الله تعالى لموسى ﵇ فحملها ﴿وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بالرسل﴾ يقال قفّاه به إذا

стр. 219

البقرة (٨٨) أتبعه إياه أي أرسلناهم على أَثَرِه كقوله تعالى ثُمَّ ﴿أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تترا﴾ وهم يوشَعُ وأشمَويلُ وشمعونُ وداودُ وسليمانُ وشَعْيا وأرميا وعُزيرٌ وحزْقيل وإلياسُ واليسعُ ويونسُ وزكريا ويحيى وغيرُهم عليهم الصلاة والسلام ﴿وآتينا عيسى ابن مريم البينات﴾ المعجزاتِ الواضحاتِ من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإخبارِ بالمغيّبات أو الإنجيلَ وعيسى بالسرناية إيشوُعُ ومعناه المبارك ومريم بمعنى الخادم وهو بالعبرية من النساء كالزير من الرجال وبه فُسر قولُ رؤبة قلتُ لزيرٍ لم تصِلْه مَرْيمُه ... ضليلِ أهواءِ الصِّبا تندّمُهْ ووزنه مِفْعل إذ لم يثبت فعيل ﴿وأيدناه﴾ أي قويناه وقرئ وآيدناه ﴿بِرُوحِ القدس﴾ بضم الدال وقرئ بسكونها أي بالروح المقدسة وهي روحُ عيسى ﵇ كقولك حاتمُ الجود ورجلُ صدقٍ وإنما وُصِفت بالقدْس لكرامته أو لأنه ﵇ لم تضمه الأصلابُ ولا أرحامُ الطوامِث وقيل بجبريلَ ﵇ وقيل بالإنجيل كما قيل في القرآن ﴿رُوحاً من أمرنا﴾ وقيل باسم الله الاعظم الذي كان يُحيي الموتى بذكره وتخصيصُه من بين الرسل ﵈ بالذكر ووصفُه بما ذكر من إيتاء البينات والتأييدِ بروح القدسِ لما أن بِعْثتَهم كانت لتنفيذ أحكامِ التوراة وتقريرِها وأما عيسى ﵇ فقد نُسخ بشرعه كثيرٌ من أحكامها ولحسم مادةِ اعتقادِهم الباطلِ في حقه ﵇ ببيان حقّيتِه وإظهارِ كمالِ قُبح ما فعلوا به ﵇ ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ﴾ من أولئك الرسل ﴿بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُكُم﴾ من الحق الذي لا محيدَ عنه أي لا تحبُّه من هِويَ كفرح إذا أحب والتعبيرُ عنه بذلك للإيذان بأن مدارَ الردِّ والقبولِ عندهم هو المخالفةُ لأهواء أنفسِهم والموافقةُ لها لا شيءٍ آخرَ وتوسيطُ الهمزة بين الفاء وما تعلّقت به من الأفعال السابقةِ لتوبيخهم على تعقيبهم ذلك بهذا وللتعجيب من شأنهم ويجوز كونُ الفاءُ للعطف على مقدر يناسب المقام أي ألم تطيعوهم فكلما جاءكم رسولٌ منهم بما لا تهوى أنفسكم ﴿استكبرتم﴾ عن الاتباع له والإيمانِ بما جآء به من عند الله تعالى ﴿فَفَرِيقًا﴾ منهم ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ منْ غيرِ أنْ تتعرضُوا لهم بشيء آخر من المضارِّ والفاءُ للسببية أو للتعقيب ﴿وَفَرِيقًا﴾ آخرَ منهم ﴿تَقْتُلُونَ﴾ غيرَ مكتفين بتكذيبهم كزكريا ويحيى وغيرهما ﵈ وتقديمُ فريقاً في الموضعين للاهتمام وتشويق السامعِ إلى ما فعلوا بهم لا للقصر وإيثارُ صيغةِ الاستقبالِ في القتل لاستحضار صورتِه الهائلةِ أو للإيماء إلى أنهم بعْدُ على تلك النية حيث همُّوا مما لم ينالوه من جهته ﵇ وسحروه وسمموا له الشاةَ حتى قال ﷺ ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان قطعت أبهري

стр. 220

﴿وَقَالُواْ﴾ بيانٌ لفنٍ آخرَ من قبائحهم على طريق الالتفاتِ إلى الغَيْبة إشعاراً بإبعادهم عن رُتبة الخِطاب لِمَا فُصِّل من مخازيهم الموجبةِ للإعراض عنهم وحكايةِ نظائرِها لكل من يفهم بُطلانها وقباحتَها من أهل الحق والقائلون هم الموجودون في عصر النبي ﵊ ﴿قلوبنا غلف﴾ جمع أغلف مستعار من الأغلف الذي لم يُختَنْ أي مُغشّاة بأغشية جِبِلِّيةٍ لا يكاد يصل إليها ما جاء به محمدٍ ﷺ ولا تفقه كقولهم ﴿قلوبُنا فِى أكِنّة مِمَّا تدعونا إليه﴾ وقيل هو تخفيف غلف جمع غِلاف ويؤيده ما رُوي عن أبي عمرو من القراءة بضمتين يعنون أن قلوبنا أوعيةٌ للعلوم فنحن مستغنون بماعندنا عن

стр. 221

البقرة (٨٩) غيره قاله ابن عباس وعطاء وقال الكلبي يعنون أن قلوبَنا لا يصل إليها حديث إلا وعته ولو كان في حديثك خير لوعته أيضا ﴿بل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ﴾ ردٌّ لما قالوه وتكذيبٌ لهم في ذلك والمعنى على الأول بل أبعدهم الله سبحانه عن رحمته بأن خذلهم وخلاّهم وشأنَهم بسبب كفرهم العارضِ وإبطالِهم لاستعدادهم بسوء اختيارِهم بالمرة وكونِهم بحيث لا تنفعهم الإلطاف أصلاً بعد أن خلقهم على الفطرة والتمكنِ من قبول الحق وعلى الثاني بل أبعدهم من رحمته فأنى لهم ادعاءُ العلمِ الذي هو أجلُّ آثارِها وعلى الثالث بل أبعدهم من رحمته فلذلك لا يقبلون الحق المؤديَ إليها ﴿فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ ما مزيدة للمبالغة أي فإيماناً قليلاً يؤمنون وهو إيمانُهم ببعض الكتاب وقيل فزماناً قليلاً يؤمنون وهو ما قالوا آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجهَ النهار واكفُروا آخره وكلاهما ليس بإيمان حقيقةً وقيل أريد بالقِلة العدمُ والفاءُ لسببية اللعن لعدم الإيمان

стр. 222

﴿وَلَمَّا جَاءهُمْ كتاب﴾ هو القرآن وتنكيرُه للتفخيم ووصفُه بقوله ﴿مِنْ عِندِ الله﴾ أي كائن من عنده تعالى للتشريف ﴿مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ﴾ من التوراة عبر عنها بذلك لما أن المعيةَ من موجبات الوقوفِ على ما في تضاعيفها المؤدي إلى العلم بكونه مصدقاً لها وقرئ مصدّقاً على أنه حال من كتاب لتخصيصه بالوصف ﴿وَكَانُواْ مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل مجيئِه ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ﴾ أيْ وقد كانوا قبل مجيئه يستفتحون به على المشركين ويقولون اللهم انصرنا بالنبيِّ المبعوثِ في آخرِ الزمان الذي نجد نعته في التوراة ويقولون لهم قد أظلَّ زمانُ نبيَ يخرجُ بتصديقِ ما قلنَا فنقتلُكُم مَعَهُ قتلَ عادٍ وإرم وقالَ ابنُ عبَّاسٍ وقَتَادةُ والسدي نزلت في بني قُرَيظةَ والنضير كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسولِ الله ﷺ قبل مبعثِه وقيل معنى يستفتحون يفتتحون عليهم ويُعرِّفونهم بأن نبياً يُبعث منهم قد قرُب أوانُه والسين للمبالغة كما في استعجب أي يسألون من أنفسهم الفتحَ عليهم أو يسأل بعضُهم بعضاً أنْ يَفتحَ عليهم وعلى التقديرين فالجملة حاليةٌ مفيدةٌ لكمال مكابرتِهم وعنادِهم وقولُه عز وعلا ﴿فَلَمَّا جَاءهُمُ﴾ تكريرٌ للأول لطول العهد بتوسط الجملةِ الحاليةِ وقولُه تعالى ﴿مَّا عَرَفُواْ﴾ عبارةٌ عما سلف من الكتاب لأن معرفةَ من أنزل هو عليه معرفةٌ له والاستفتاحُ به استفتاح به وإيرادُ الموصولِ دون الاكتفاء بالإضمار لبيان كمالِ مكابرتِهم فإن معرفةَ ما جاءهم من مبادى الإيمان به ودواعيه لا محالةَ والفاء للدلالة على تعقيب مجيئِه للاستفتاح به من غير أن يتخلل بينهما مدةٌ منسيةٌ له وقوله تعالى ﴿كَفَرُواْ بِهِ﴾ جوابُ لمّا الأولى كما هو رأيُ المبرِّد أو جوابُهما معاً كما قاله أبو البقاء وقيل جوابُ الأولى محذوفٌ لدلالة المذكورِ عليه فيكونُ قولُه تعالَى وكانوا الخ جملةً معطوفةً على الشرطية عطفَ القصة على القصة والمرادُ بما عرفوا النبيِّ ﷺ كما هو المراد بما كانوا يستفتحون به فالمعنى ولما جاءهم كتابٌ مصدقٌ لكتابهم كذّبوه وكانوا من قبل مجيئِه يستفتحون بمن أُنزل عليه ذلك الكتابُ فلما جاءهم النبيُّ الذي عرَفوه كفروا به ﴿فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين﴾ اللامُ للعهد

стр. 223

البقرة (٩١ - ٩٠) أي عليهم ووضعُ المظهرِ موضعَ المضمرِ للإشعار بأن حلول اللعنة عليهم بسبب كفرِهم كما أن الفاءَ للإيذان بترتبها عليه أو للجنس وهم داخلون في الحكم دخولا أولياء إذ الكلام فيهم وأياما كان فهو محقِّقٌ لمضمون قوله تعالى بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ

стр. 224

﴿بِئْسَمَا اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾ ما نكرة بمعنى شئ منصوبة مفسرة لفاعل بئس واشتروا صفته أي بئس شيئاً باعُوا به أنفسَهم وقيل اشترَوْها به في زعمهم حيث يعتقدون أنهم بما فعلوا خلّصوها من العقاب ويأباه أنه لا بد أن يكون المذمومُ ما كان حاصلاً لهم لا ما كان زائلاً عنهم والمخصوصُ بالذم قولُه تعالى ﴿أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنزَلَ الله﴾ أي بالكتاب المصدّقِ لما معهم بعد الوقوف على حقيقته وتبديلُ الإنزال بالمجيء للإيذان به ﴿بَغِيّاً﴾ حسداً وطلباً لما ليس لهم وهو علةٌ لأن يكفُروا حتماً دون اشتروا لما قيل بما هو أجنبيٌّ بالنسبة إليه وإن لم يكن أجنبياً بالنسبة إلى فعل الذمِّ وفاعلِه ولأن البغيَ مما لا تعلُّقَ له بعنوان البيع قطعا لاسيما وهو معلَّلٌ بما سيأتي من تنزيل الله تعالى من فضله على من يشاؤه وإنما الذي بينه وبينه علاقةٌ هو كفرُهم بما أنزل الله والمعنى بئس شيئاً باعُوا به أنفسَهم كفرُهم المعلَّلُ بالبغي الكائنِ لأجل ﴿أَن يُنَزّلُ الله مِن فَضْلِهِ﴾ الذي هو الوحى ﴿على مَن يَشَاء﴾ أي يشاؤه ويصطفيه ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ المستأهِلين لتحمُّل أعباءِ الرسالةِ ومآلُه تعليلُ كفرِهم بالمنزل بحسدهم للمنزل عليه وإيثارُ صيغةِ التفعيل ههنا للإيذان بتجدد بغْيهم حسَب تجدُّدِ الإنزالِ وتكثُّره حسب تكثره ﴿فباؤوا بِغَضَبٍ على غَضَبٍ﴾ أي رجعوا ملتبسين بغضبٍ كائن على غضب مستحقين له حسب ما اقترفوا مِنْ كفر على كفر فإنهم كفروا بنبيّ الحقِّ وبغَوْا عليه وقيل كفروا بمحمَّدٍ ﵊ بعد عيسى وقيل بعد قولهم عزيزا ابن الله وقولِهم يدُ الله مغلولةٌ وغير ذلك من فنون كفرهم ﴿وللكافرين﴾ أي لهم والإظهارُ في موقعِ الإضمارِ للإشعار بعلية كفرهم لما حاق بهم ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ يراد به إهانتُهم وإذلالُهم لما أن كفرَهم بما أنزل الله تعالى كان مبنيا على الحسد المبنيّ على طمع المنزولِ عليهم وادعاءِ الفضلِ على الناس والاستهانةِ بمن أنزل عليه عليه السلام

стр. 225

﴿وَإِذَا قِيلَ﴾ من جانب المؤمنين ﴿لهم﴾ أي اليهود وتقديم الجار والمجرور وقد مر وجهة لاسيما في لام التبليغ ﴿آمنوا بِمَا أَنزَلَ الله﴾ مِن الكتب الإلهية جميعاً والمرادُ به الأمرُ بالإيمان بالقرآن لكن سُلك مسلكُ التعميم إيذاناً بتحتُّم الامتثالِ من حيث مشاركتُه لما آمنوا به فيما في حيِّز الصلةِ وموافقتِه له في المضمون وتنبيهاً على أن الإيمانَ بما عداه من غير إيمانٍ به ليس بإيمان بما أنزل الله ﴿قَالُواْ نُؤْمِنُ﴾ أي نستمر على الإيمان ﴿بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾ يعنون به التوراةَ وما نزل على

стр. 226

البقرة (٩٢) أنبياءِ بني إسرائيلَ لتقرير حكمَها ويدسُّون فيه أن ما عدا ذلك غيرُ منزّلٍ عليهم ومرادُهم بضمير المتكلم إما أنفسُهم فمعنى الإنزالِ عليهم تكليفُهم بما في المنزَّل من الأحكام وإما أنبياءُ بني إسرائيلَ وهو الظاهرُ لاشتماله على مزيَّة الإيذانِ بأن عدمَ إيمانِهم بالفُرقان لما مرَّ من بغيهم وحَسَدِهم على نزوله على من ليس منهم ولأن مرادَهم بالموصول وإن كان هو التوراةُ وما في حكمها خاصةً لكنّ إيرادَها بعنوان الإنزالِ عليهم مبنيٌّ على ادعاء أن ما عداها ليس كذلك على وجه التعريضِ كما أشير إليه فلو أريد بالإنزال عليهم ما ذكر من تكليفهم يلزَمُ من مغايرَةَ القرآنِ لما أُنزل عليهم حسبما يُعرب عنه قوله ﴿وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ﴾ عدمُ كونِهم مكلَّفين بما فيه كما يلزَم عدمَ كونِه نازلاً على واحد من بني إسرائيلَ على الوجه الأخير وتجريد الموصول عند الإضمارِ عما عرَّضوا به تعسُّفٌ لا يخفى والوراء في الأصل مصدر جُعل ظرفاً ويضاف إلى الفاعل فيرادُ به ما يتوارى به وهو خلْفُه وإلى المفعول فيراد به ما يواريه وهو أمامُه والجملةُ حالٌ من ضمير قالوا بتقدير مبتدأ أي ما قالوا وهم يكفرون بما عداه وليس المرادُ مجردَ بيانِ أن إفرادَ إيمانِهم بما أنزل عليهم بالذكر لنفي إيمانِهم بما وراء بل بيانِ أن ما يدّعون من الإيمان ليس بإيمانٍ بما أنزل عليهم حقيقةً فإن قولَه عز اسمُه ﴿وَهُوَ الحق﴾ أي المعروف بالحقية الحقيقُ بأن يُخصَّ به اسمُ الحقِ على الإطلاق حال من فاعل يكفُرون وقوله تعالى ﴿مُصَدّقاً﴾ حالٌ مؤكدة لمضمون الجملةِ صاحبُها إما ضميرُ الحق وعاملَها ما فيه من معنى الفعل قاله أبو البقاء وإما ضميرٌ دل عليه الكلامُ وعاملها فعلٌ مضمرٌ أي أُحِقُّه مصدِّقاً ﴿لّمَا مَعَهُمْ﴾ من التوراة والمعنى قالوا نؤمن بما أنزل علينا وهم يكفُرون بالقرآن والحال أنه حقٌّ مصدِّق لما آمنوا به فيلزمهم الكفرُ بما آمنوا به ومآله أنهم ادَّعَوا الإيمانَ بالتوراة والحال أنهم يكفُرون بما يلزم من الكفرُ بها ﴿قُلْ﴾ تبكيتاً لهم من جهةِ الله عزَّ من قائل ببيان التناقض بين أقوالهم ﴿فَلَمْ﴾ أصلُه لِمَا حُذفت عنه الألفُ فرقاً بين الاستفهامية والخبرية ﴿تَقْتُلُونَ أنبياء الله من قبل﴾ الخطابُ للحاضرين من اليهود والماضين على طريق التغليب وحيث كانوا مشاركين في العقد والعمل كان الاعتراضُ على أسلافهم اعتراضاً على أخلافِهم وصيغةُ الاستقبال لحكايةَ الحالِ الماضية وهو جوابُ شرطٍ محذوفٍ أيْ قل لهم إن كنتم مؤمنين بالتوراة كما تزعُمون فلأيِّ شيء كنتم تقتلون أنبياءَ الله من قبلُ وهو فيها حرام وقرئ أنبياء الله مهموزاً وقولُه تعالى ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ تكريرٌ للاعتراض لتأكيد الإلزامِ وتشديدِ التهديدِ أي إن كنتم مؤمنين فلم تقتلون وقد حُذف من كل واحدة من الشرطيتين ما حُذف ثقةً بما أُثبتَ في الأخرى وقيل لا حذفَ فيه بل تقديمُ الجواب على الشرط وذلكَ لا يتأتَّى إلا على رأي الكوفيين وأبي زيد وقيل إن نافية ما كنتم مؤمنين وإلا لما قتلتموهم

стр. 227

﴿وَلَقَدْ جَاءكُم موسى بالبينات﴾ من تمام التبكيت والتوبيخِ داخلٌ تحت الأمر لا تكريرٌ لما قُصَّ في تضاعيف تعدادِ النِّعمِ التي من جُملتها العفوُ عن عبادة العجلِ واللامُ للقسم أي وبالله لقد جاءكم موسى ملتبسا بالمعجزات الظاهرةِ التي هي العصا واليدُ والسِّنونَ ونقصُ الثمراتِ والدمُ والطوفانُ والجَرادُ والقُمّلُ والضفادعُ وفلْقُ البحرِ وقد عُدَّ منها التوراةُ وليس بواضح فإن المجيءَ

стр. 228

البقرة (٩٤ - ٩٣) بها بعد قصةِ العجل ﴿ثُمَّ اتخذتم العجل﴾ أي إلها ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أي من بعد مجيئِه بها وقيل من بعد ذهابِه إلى الطور فتكون التورارة حينئذ من جملة البيناتِ وثُمَّ للتراخِي في الرتبةِ والدلالة على نهايةِ قُبْحِ ما صنعوا ﴿وَأَنتُمْ ظالمون﴾ حالٌ من ضمير اتخذتم بمعنى اتخذتمُ العجلَ ظالمين بعبادته واضعين لها في غير موضعِها أو بإخلال بحقوق آياتِ الله تعالى أو غير اعتراض أي وأنتم قوم عادتُكم الظلمُ

стр. 229

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم﴾ توبيخ من جهة الله تعالى وتكذيبٌ لهم في ادعائهم الإيمان بما أنزل عليهم بتذكير جناياتِهم الناطقةِ بكَذِبهم أي واذكروا حين أخذنا ميثاقَكم ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور﴾ قائلين ﴿خذوا ما آتيناكم بِقُوَّةٍ واسمعوا﴾ أي خذوا بما أُمرتم به في التوراة واسمعوا ما فيها سمعَ طاعةٍ وقَبول ﴿قَالُواْ﴾ استئناف مبني على سؤال سائلٍ كأنه قيل فماذا قالوا فقيل قالوا ﴿سَمِعْنَا﴾ قولَك ﴿وَعَصَيْنَا﴾ أمرَك فإذا قابل أسلافُهم مثلَ ذلك الخطابِ المؤكدِ مع مشاهدتهم مثلَ تلك المعجزةِ الباهرةِ بمثل هذه العظيمةِ الشنعاءِ وكفروا بما في تضاعيف التوبةِ فكيف يُتصوّر من أخلافِهم الإيمانُ بما فيها ﴿وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ العجل﴾ على حذفِ المضافِ وإقامةِ المضافِ إليه مُقامُه للمبالغة أي تَداخَلَهم حبُّه ورسَخَ في قلوبهم صورتُه لفَرْط شغَفِهم به وحِرصِهم على عبادته كما يَتداخل الصبغ الثوبَ والشرابُ أعماقَ البدن وفي قلوبهم بيانٌ لمكان الإشرابِ كما في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً﴾ والجملةُ حالٌ من ضمير قالوا بتقديم قد ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ بسبب كفرِهم السابقِ الموجبِ لذلك قيل كانوا مجسِّمة أو حلولية ولم يرَوا جسماً أعجبَ منه فتمكّن في قلوبهم ما سوَّل لهم السامريُّ ﴿قُلْ﴾ توبيخاً لحاضري اليهود إثرَ ما تبين من أحوال رؤسائِهم الذين بهم يقتدون في كلِّ ما يأتُون وما يذرون ﴿بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إيمانكم﴾ بما أنزل عليكم من التوراة حسبما تدّعون والمخصوصُ بالذم محذوفٌ أي ما ذكر من قولهم سمعنا وعصينا وعبادتِهم العجلَ وفي إسناد الأمرِ إلى الإيمان تهكّمٌ بهم وإضافةُ الإيمانِ إليهم للإيذان بأنه ليس بإيمانٍ حقيقة كما ينبئ عنه قوله تعالى ﴿إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ فإنه قدْحٌ في دعواهم الإيمانَ بما أنزل عليهم من التزراة وإبطالٌ لها وتقريرُه إن كنتم مؤمنين بها عاملين فيما ذُكر من القول والعملِ بما فيها فبئسما يأمرُكم به إيمانُكم بها وإذ لايسوغ الإيمانَ بها مثلُ تلك القبائحِ فلستم بمؤمنين بها قطعاً وجوابُ الشرط كما ترى محذوفٌ لدلالةِ ما سبق عليه

стр. 230

﴿قُلْ﴾ كَرر الأمرَ مع قرب العهد بالأمر السابق لما أنه أمرٌ بتبكيتهم وإظهارِ كذِبهم في فنٍ آخرَ من أباطيلهم لكنه لم يُحْكَ عنهم قبل الأمر بإبطاله بل اكتُفيَ بالإشارة إليه في تضاعيف الكلام حيث قيل ﴿إِن كَانَتْ لَكُمُ الدار الاخرة﴾ أي الجنةُ أو نعيمُ الدار

стр. 231

البقرة (٩٦ - ٩٥) الآخرة ﴿عِندَ الله خَالِصَةً﴾ أي سالمة لكم خاصة بكم كما تدّعون أنه لنْ يدخلَ الجنةَ إلَاّ من كان هودا أو نصارى ونصبُها على الحالية من الدار وعند ظرفٌ للاستقرار في الخبر أعني لكم وقوله تعالى ﴿مّن دُونِ الناس﴾ في محل النصبِ بخالصة يقال خلَص لي كذا من كذا واللامُ للجنس أي الناس كافة أو للعهد أي المسلمين ﴿فَتَمَنَّوُاْ الموتَ﴾ فإنَّ مَنْ أيقن بدخول الجنة اشتاقَ إلى التخلص إليها من دار البوار وقرارة الأكدار لاسيما إذا كانت خالصة له كما قال عليٌّ كرم الله وجهه لا أبالي أسقطتُ على الموت أو سقط الموت على وقال عمار بن ياسر بصفين ... الآن ألاقي الأحبة ... محمدا وحزبه ... وقال حذيفة بن اليمان حين احتصر وقد كان يتمنى الموت قبل ... جاء حبيب على فاقة ... فلا أفلح اليوم من قد ندم ... أي على التمنى وقوله تعالى ﴿إن كنتم صادقين﴾ تكرير للكلام لتشديد الإلزام وللتنبيه على أن ترتب الجواب ليس على تحقق الشرط في نفس الأمر فقط بل في اعتقادهم أيضا وأنهم قدادعوا ذلك والجوابُ محذوفٌ ثقةً بدلالة ما سبقَ عليهِ أيْ إنْ كنتُم صادقين فتمنوه وقوله تعالى

стр. 232

﴿ولن يتمنوه أبدا﴾ كلامٌ مستأنفٌ غيرُ داخلٍ تحت الأمر سيق من جهته سبحانه لبيان ما يكون منهم من الإحجام عما دعوا إليه الدال على كذبهم في دعواهم ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ بسببِ ما عملُوا من المعاصي الموجبة لدخول النار كالكفر بالنبي ﵇ والقرآن وتحريف التوراة ولما كانتِ اليدُ من بينِ جوارحِ الإنسانِ مناطَ عامة صنائعة ومدار أكثر منافعة عبَّرَ بها تارةً عن النفسِ وأُخرى عنِ القدرةِ ﴿والله عَلِيمٌ بالظالمين﴾ أيْ بهِم وإيثارُ الإظهارِ على الإضمار لذمِّهم والتسجيلِ عليهِم بأنَّهم ظالمون في جميعَ الأمورِ التي من جملتها ادعاء ما ليس لهم ونفيه من عيرهم والجملةُ تذييلٌ لما قبلَها مقررةٌ لمضمونِهِ أيْ عليمٌ بهِم وبِمَا صدَرَ عَنْهُم من فنونِ الظلمِ والمعَاصِي المفضيةِ إلى أفانينِ العذابِ وبِمَا سيكونُ منهُم منَ الاحترازِ عَمَّا يؤدِّي إلى ذلكَ فوقعَ الأمرُ كما ذكرَ فلم يتمنَّ منهُم موته أحد إذ لو وقع ذلك لنقل واشتهر وعن النبيِّ ﷺ لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه وما بقى يهوديَ على وجه الأرض

стр. 233

﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس﴾ من الوُجدان العقليّ وهو جار مجرى العلم خلا أنه مختصٌّ بما يقع بعد التجربة ونحوهما ومفعولاه الضميرُ وأحرصَ والتنكيرُ في قوله تعالى ﴿على حياة﴾ للإيذان بأن مرادهم نوعٌ خاص منها وهي الحياة المتطاولة وقرئ بالتعريف ﴿وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ﴾ عطف على ما قبله بحسب المعنى كأنه قيل أحرصَ من الناس ومن الذين أشركوا وإفرادُهم بالذكر مع دخولهم في الناس للإيذان بامتيازهم من بينهم بشدة الحرصِ للمبالغة في توبيخ اليهودِ فإن حرصَهم وهم معترفون بالجزاء لمّا كان أشدَّ من حرص المشركين المنكرين له دلّ ذلك على جزمهم بمصيرهم إلى النار ويجوز أن يُحملَ على حذف المعطوف ثقةً بإنباء المعطوفِ عليه عنه أي وأحرصَ من الذين أشركوا فقوله تعالى

стр. 234

البقرة (٩٧) ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ بيان لزيادة حرصِهم على طريقة الاستئناف ويجوز أن يكون في حيز الرفعِ صفةً لمبتدإٍ محذوفٍ خبرُه الظرفُ المتقدم على أن يكون المرادُ بالمشركين اليهود لقولهم عزيز بنُ الله أي ومنهم طائفة يودُّ أحدُهم أيَّهم كان أي كلُّ واحد منهم ﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ وهو حكاية لودادتهم كأنه قيل ليتني أُعَمَّرُ وإنما أُجريَ على الغَيبة لقوله تعالى يود كما تقول ليفعلَنّ ومحلُه النصبُ على أنَّه مفعولُ يود إجراءً له مجرى القول لأنه فعل قلبيٌّ ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العذاب﴾ ما حجازيةٌ والضميرُ العائد على أحدُهم اسمُها وبمُزَحْزحِه خبرُها والباء زائدة ﴿أَن يُعَمَّرَ﴾ فاعلُ مزحزحِه أي وما أحدهم بمَنْ يزحزِحُه أي يُبعده وينْجيه من العذاب تعميرُه وقيل الضَّميرُ لما دلَّ عليه يعمر من المصدر وأن يعمر بدلٌ منه وقيل هو مبهم وأن يعمّر مفسرةٌ والجملةُ حال من أحدهم والعامل يود لا يُعمَّر على أنَّها حالٌ من ضميره لفساد المعنى أو اعتراض وأصلُ سنة سَنْوَة لقولهم سنَوَات وسَنْية وقيل سَنْهة كجبهة لقولهم سانهتُه وسُنَيهة وتسنّهت النخلة إذا أتت عليها السنون ﴿والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ البصيرُ في كلام العرب العالم بكنه الشي الخبيرُ به ومنه قولهم فلان بصيرٌ بالفقه أي عليم بخفيات أعمالهم فهو مجازيهم بها لا محالة وقرئ بتاء الخطاب التفاتاً وفيه تشديد للوعيد

стр. 235

﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ﴾ نزل في عبدِ اللَّه بنِ صوريا من اخبار فدَك حاجّ رسول الله ﷺ وسأله عمن نزل عليه الوحى فقال ﵇ جبريلُ ﵇ فقال هو عدوُّنا لو كان غيرُه لآمنّا بك وفي بعض الروايات ورسولنا وميكائيل فلو كان هو الذي يأتيك لآمنا بك وقد عادانا مِراراً وأشدُّها أنه أنزل على نبينا أن بيت المقدِس سيُخْرِبُه بُخْتَ نَصَّرُ فبعثنا من يقتلُه فلقِيه ببابل غلاماً مسكيناً فدفع عنه جبريلُ ﵇ وقال إن كان ربكم أمره بهلا ككم فإنه لا يسلِّطكم عليه وإلا فبأيِّ حق تقتلونه وقيل أمرَهُ الله تعالى أنْ يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا وروي أنه كان لعمر ﵁ أرض بأعلى المدينة وكان ممرُّه على مدارس اليهود فكان يجلس إليهم ويسمع كلامَهم فقالوا يا عمرُ قد أحببناك وإنا لنطمع فيك فقال والله ما أجيئكم ولا سألكم لشكٍ في ديني وإنما أدخُلُ عليكم لأزداد بصيرةً في أمر محمدٍ ﷺ وأرى آثارَه في كتابكم ثم سألهم عن جبريلَ ﵇ فقالوا ذاك هو عدوُّنا يُطلِعُ محمداً على أسرارنا وهو صاحبُ كلِّ خسفٍ وعذاب وميكائيلُ يجيء بالخِصْب والسلام فقال لهم وما منزلتُهما عند الله تعالى قالوا جبريلُ أقربُ منزلةً هو عن يمينه وميكائيلُ عن يساره وهما متعاديان فقال عمرُ ﵁ إن كانا كما تقولون فما هما بعدوَّيْن ولأنتم أكفرُ من الحمير ومن كان عدو الأحدهما فهو عدوٌّ للآخر ومن كان عدواً لهما كان عدوا لله سبحانه ثم رجع عمرُ فوجد جبرئيل ﵇ قد سبقه بالوحى فقال النبيِّ ﷺ لقد وافقك ربُّك يا عمر فقال عمرُ ﵁ لقد رأيتُني في ديني بعد ذلك أصلبَ من الحجر وقرئ جبرئيل كسلسبيل وجبريل كجَحْمَرِشٍ وجِبريلَ وجِبْرئلَ وجِبرائيل كجبراعيل وجبرائل كجبراعل

стр. 236

البقرة (٩٩ - ٩٨) ومَنْعُ الصرفِ فيه للتعريف والعُجمة وقيل معناه عبد اللَّه ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ تعليل لجواب الشرط قائم مقامه والبارزُ الأولُ لجبريل ﵇ والثاني للقرآن أُضمر من غير ذكرٍ إيذاناً بفخامة شأنِه واستغنائه عن الذكر لكمالِ شهرتِه ونباهتِه لاسيما عند ذكر شئ من صفاته ﴿على قَلْبِكَ﴾ زيادةُ تقريرٍ للتنزيل ببيان محلِّ الوحي فإنه القائلُ الأول له ومدارُ الفهم والحفظ وإيثارُ الخطاب على التكلم المبنيّ على حكاية كلام الله تعالى بعينه كما في قوله تعالى ﴿قُلْ يا عِبَادِى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ﴾ لما في النقل بالعبارة من زيادة تقريرٍ لمضمون المقالةِ ﴿بِإِذُنِ الله﴾ بأمره وتيسيرِه مستعارٌ من تسهيل الحجاب وفيه تلويحٌ بكمال توجُّه جبريلَ ﵇ إِلَىَّ تنزيله وصدقِ عزيمتِه ﵇ وهو حالٌ من فاعلِ نزّله وقوله تعالى ﴿مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي من الكتب الإلهية التي معظمُها التوراةُ حالٌ من مفعوله وكذا قوله تعالى ﴿وَهُدًى وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ والعاملُ في الكل نزّله والمعنى من عادى جبريلَ من أهل الكتاب فلا وجهَ لمعاداته بل يجب عليه محبتُه فإنه نزل عليك كتاباً مصدِّقاً لكُتُبهم أو فالسبب في عداوته تنزيلُه لكتاب مصدّقٍ لكتابهم موافقٍ له وهم له كارهون ولذلك حرفوا كتابهم وجحَدوا موافقتَه له لأن الاعترافَ بها يوجب الإيمانَ به وذلك يستدعى التكاس أحوالِهم وزوالَ رياستهم وقيل إن الجواب فقد خلَع رِبْقةَ الإنصافِ أو فقد كفر بما معه من الكتب أو فليمُتْ غيظاً أو فهو عدوٌّ لي وأنا عدوٌّ له

стр. 237

﴿من كان عدوا لله﴾ أريد بعداوته تعالى مخالفةُ أمرِه عِناداً والخروجُ عن طاعته مكابرة أوعداوة خواصِّه ومقرَّبيه لكنْ صُدّر الكلامُ بذكره الجليل تفخيماً لشأنهم وإيذانا بان عداوتُه عز وعلا كما في قوله ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ ثم صرح بالمرام فقيل ﴿وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال﴾ وإنما أفردا بالذكر مع أنهما أولُ من يشمَلُه عنوانُ المَلَكية والرسالة لإظهار فضلِهما كأنهما ﵉ من جنسٍ آخَرَ أشرفَ مما ذكر تنزيلاً للتغايُر في الوصف منزلةَ التغايرِ في الجنس وللتنبيه على أن عداوةَ أحدِهما عداوةٌ للآخر حسماً لمادة اعتقادِهم الباطلَ في حقهما حيث زعَموا أنهما متعاديان وللإشارة إلى أن معاداةَ الواحدِ والكلِّ سواءٌ في الكفر واستتباع العدواة من جهة الله سبحانه وأن من عادى أحدَهم فكأنما عادى الجميعَ وقولُه تعالى ﴿فَإِنَّ الله عَدُوٌّ للكافرين﴾ أي لهم جوابُ الشرط والمعنى من عاداهم عاداه الله وعاقبه أشدَّ العقاب وإيثارُ الاسميةِ للدلالةِ على التحققِ والثباتِ ووضعُ الكافرين موضعَ المضمرِ للإيذان بأن عداوةَ المذكورين كفر وأن ذلك بيِّنٌ لا يحتاج إلى الإخبار به وأن مدارَ عداوتِه تعالى لهم وسخطِه المستوجبِ لأشدِّ العقوبة والعذاب وهو كفرهم المذكور وقرئ ميكائيل كميكاعِلَ وميكائيلَ كميكاعيلَ وميكئِلَ كميكعِلَ وميكَئيلَ كميكَعيل

стр. 238

﴿ولقد أنزلنا إليك آيات بَيّنَاتٍ﴾ واضحاتِ الدِلالة على معانيها وعلى كونِها من عندِ اللَّهِ ﴿وما يكفر بها إلا الفاسقون﴾ أي المتمردون في الكفر الخارجون عن حدوده فإن من

стр. 239

البقرة (١٠١ - ١٠٠) ليس على تلك الصفة من الكفرة لايجترئ على الكفر بمثل هاتيك البينات قال الحسنُ إذا استُعمل الفسقُ في نوعٍ من المعاصي وقع على أعظمِ أفرادِ ذلك النوع من كفرٍ أو غيره وعن ابن عباس ﵄ أنه قال قال ابنُ صوريا لرسول الله ﷺ ما جئتنا بشئ نعرِفُه وما أُنزل عليك من آية فنتّبعَك لها فنزلت واللام للعهد أي الفاسقون المعهودون وهم أهلُ الكتاب المحرِّفون لكتابهم الخارجون عن دينهم أو للجنس وهم داخلون فيه دخولاً أوليا

стр. 240

﴿أَوْ كُلَّمَا عاهدوا عَهْدًا﴾ الهمزةُ للإنكارِ والواوُ للعطفِ على مقدر يقتضيه المقام أي أكفَروا بها وهي غاية الوضوحِ وكلما عاهدوا عهداً ومن جملة ذلك ما أشير إليه في قوله تعالى ﴿وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ﴾ من قولهم للمشركين قد أظلَّ زمانُ نبيَ يخرجُ بتصديقِ ما قلنَا فنقتلُكُم مَعَهُ قتلَ عادٍ وإرم وقرئ بسكون الواو على أن تقدير النظم الكريم وما يكفر بها إلا الذين فسقوا أو نقضوا عهودَهم مرارا كثيرة وقرئ عوُهِدوا وعهِدوا وقوله تعالى عهداً إما مصدرٌ مؤكد لعاهَدوا من غير لفظِه أو مفعولٌ له على أنه بمعنى أعطَوُا العهدَ ﴿نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم﴾ أي راموا بالزمام ورفضوه وقرئ نَقَضَه وإسنادُ النبذِ إلى فريق منهم لأن منهم من لم ينبِذْه ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي بالتوراة وهذا دفعٌ لما يُتوَهَّم من أن النابذين هم الأقلون وأن من لم ينبِذْ جِهاراً فهم يؤمنون بها سراً

стр. 241

﴿وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ﴾ هو النبيِّ ﷺ ولتنكير للتفخيم ﴿مِنْ عِندِ الله﴾ متعلق بحاء أو بمحذوف وقع صفة لرسول لإفادة مزيدِ تعظيمِه بتأكيد ما أفاده التنكيرُ من الفخامةِ الذاتية بالفخامة الإضافية ﴿مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ﴾ من التوراة من حيث أنه ﷺ قرر صِحتها وحقق حَقّيةَ نبوة موسى ﵊ بمَا أُنزل عليه أو من حيث إنه ﵇ جاء على وَفق ما نُعت فيها ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ أي التوراةَ وهم اليهودُ الذين كانوا في عهد النبيِّ ﷺ ممن كانوا يستفتحون به قبل ذلك لا الذين كانو في عهد سليمانَ ﵇ كما قيل لأن النبذَ عند مجيءِ النبيِّ ﷺ لا يتصور منهم وإفراد هذا النبذُ بالذِّكرِ مع اندراجِه تحتَ قوله ﴿أَوْ كُلَّمَا عاهدوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم﴾ لأنه معظمُ جناياتِهم ولأنه تمهيدٌ لذكر اتّباعهم لما تتلو الشياطينُ وإيثارِهم له عليه والمرادُ بإيتائها إما إيتاءُ علمِها بالدراسة والحفظ والوقوفِ على ما فيها فالموصولُ عبارة عن علمائهم وإما مجردُ إنزالِها عليهم فهو عبارةٌ عن الكل وعلى التقديرين فوضعُه موضِع الضمير لللإ يذان بكمال التنافي بين ما أُثبت لهم في حيز الصلةِ وبين ما صدرَ عنهُم من النبذ ﴿كتاب الله﴾ أي الذي أوُتوه قال السدي لما جاءهم محمدٍ ﷺ عارضوه بالتوراة فاتفقت التوراةُ والفرقانُ فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصَفَ وسحرِ هاروتَ وماروتَ فلم يوافق القرآنَ فهذا قوله تعالى ﴿وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مّنْ عِندِ الله﴾ الخ وإنما عَبَّر عنها بكتاب الله تشريفاً لها وتعظيماً لحقِها عليهم وتهويلا لما اجترؤا عليه من الكفر

стр. 242

البقرة (١٠٢) بها وقيل كتابَ الله القرآنُ نبذوه بعد ما لزمهم تلقيه بالقبول لاسيما بعد ما كانوا يستفتحون به من قبل فإن ذلك قَبولٌ له وتمسُّكٌ به فيكون الكفرُ به عند مجيئه نبذاً له كأنه قيل كتابَ الله الذي جاء به فإن مجيءَ الرسول مُعربٌ عن مجيء الكتاب ﴿وَرَاء ظُهُورِهِمْ﴾ مَثَلٌ لتركهم وإعراضِهم عنه بالكلية مثل بما يرمى به وراء الظهر استغناءً عنه وقلّةَ التفاتٍ إليه ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ جملةٌ حاليةٌ أي نبذوه وراء ظهورِهم مُشبَّهين بمن لا يعلمه فإن أريد بهم أحبارُهم فالمعنى كأنهم لايعلمونه على وجه الإيقان ولا يعرفون مَا فيهِ منْ دلائلِ نبوتِه ﵊ ففيه إيذانٌ بأن علمَهم به رصينٌ لكنهم يتجاهلون أو كأنهم لا يعلمون أنه كتابُ الله أو لا يعلمونه أصلاً كما إذا أريد بهم الكل وفي هذين الوجهين زيادةُ مبالغةٍ في إعراضهم عما في التوراة من دلائل النبوة هذا وإن أريد بما نبذوه من كتاب الله القرآنَ فالمرادُ بالعلم النَّفيِ في قوله تعالى ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ هو العلمُ بأنه كتابُ الله ففيه ما في الوجه الأول من الإشعار بأنهم مُتيقِّنون في ذلك وإنما يكفُرون به مكابرةً وعِناداً قيل إن جيل اليهود أربعُ فرقٍ ففِرقةٌ آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمني أهلِ الكتاب وهم الأقلون المشار إليهم بقوله ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وفِرقةٌ جاهروا بنبذ العهودِ وتعدّي الحدود تمرُّداً وفسُوقاً وهم المعنيُّون بقوله تعالى ﴿نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم﴾ وفِرقةٌ لم يجاهروا بنبذها ولكن نبذوها لجهلهم بها وهم الأكثرون وفِرقةٌ تمسكوا بها ظاهراً ونبذوها خُفْيةً وهم المتجاهلون

стр. 243

﴿واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين﴾ عطف على جواب لما أي نبذوا كتابَ الله واتبعوا كتبَ السَحَرة التي كانت تقرأها الشياطين وهم المتمرِّدون من الجن وتتلو حكايةُ حالٍ ماضيةٍ والمرادُ بالاتباع التوغلُ والتمحُّض فيه والإقبال عليه بالكلية وإلا فأصل الاتياع كان حاصلا قبل مجئ الرسول ﷺ فلا يتسنّى عطفُه على جواب لما ولذلك قيل هو معطوف على الجملة وقيل على أُشربوا ﴿على مُلْكِ سليمان﴾ أي في عهد مُلكِه قيل كانت الشياطينُ يسترقون السمعَ ويضُمُّون إلى ما سمِعوا أكاذيبَ يُلفِّقونها ويُلْقونها إلى الكهنة وهم يدوِّنونها ويعلّمونها الناسَ وفشا ذلك في عهد سليمانَ ﵇ حتى قيل إن الجن تعلم الغيب وكانوا يقولون هذا عِلمُ سليمان وما تم له مُلكُه إلا بهذا العلم وبه سَخَّر الإنسَ والجنّ والطيرَ والريحَ التي تجري بأمره وقيل أن سليمانَ ﵇ كان قد دفنَ كثيراً من العلوم التي خصّه الله تعالى بها تحت سريرِ مُلكه فلما مضت على ذلك مدةٌ توصَّل إليها قومٌ من المنافقين فكتبوا في خلال ذلك أشياءَ من فنون السحرِ تناسب تلك

стр. 244

الأشياءَ المدفونةَ من بعض الوجوه ثم بعد موته واطلاعِ الناس على تلك الكتب أو هموهم أنه من عملِ سُليمانَ ﵇ وأنه ما بلغ هذا المبلغَ إلا بسبب هذه الأشياء ﴿وَمَا كَفَرَ سليمان﴾ تنزيهٌ لساحته ﵇ عن السحر وتكذيبٌ لمن افترى عليه بأنه كان يعتقده ويعمل به والتعرُّضُ لكونه كُفراً للمبالغة في إظهار نزاهتِه عليه لسلام وكذِبِ باهِتيهِ بذلك ﴿ولكن الشياطين﴾ وقرئ بتخفيف لكنّ ورفع الشياطين والواو عاطفةٌ للجملة الاستدراكية على ما قبلها وكونُ المخففة عند الجمهور للعطف إنما هو عند عدم الواو وكون ما بعدها مفرداً ﴿كَفَرُواْ﴾ باستعمال السحر وتدوينِه ﴿يُعَلّمُونَ الناس السحر﴾ إغواءً وإضلالاً والجملةُ في محل النصب على الحالية من ضمير كفروا أو من الشياطين فإن ما في لكنّ من رائحة الفعل كافٍ في العمل في الحال أو في محلِ الرفعِ على أنه خبرٌ ثانٍ للكنّ أو بدلٌ من الخبر الأول وصيغةُ الاستقبال للدِلالة على استمرار التعليمِ وتجدُّدِه أو جملةٌ مستأنفة هذا على تقديرِ كونِ الضميرِ للشياطين وأما على تقدير رجوعِه إلى فاعل اتبعوا فهي إما حالٌ منه وإما استئنافيةَ فحسب واعلم أن السحرَ أنواعٌ منها سحْرَ الكَلدانيين الذين كانوا في قديم الدهر وهم قوم يعبُدون الكواكبَ ويزعُمون أنها هي المدبِّرةُ لهذا العالم ومنها تصدرُ الخيراتُ والشرورُ والسعادةُ والنحوسةُ ويستحدثون الخوارقَ بواسطة تمزيج القُوى السماوية بالقوى الأرضية وهم الذين بعث اللَّهُ تعالى إبراهيمَ ﵊ لإبطال مقالتهم وهم ثلاثُ فِرقٍ ففِرقةٌ منهم يزعُمون أن الأفلاكَ والنجومَ واجبةُ الوجود لذواتها وهم الصائبة وفرقةٌ يقولون بإلهية الأفلاكِ ويتخذون لكل واحدٍ منها هيكلاً ويشتغلون بخدمتها وهم عبَدَةُ الأوثان وفرقة أثبتوا للأفلاك وللكواكب فاعلاً مختاراً لكنهم قالوا إنه أعطاها قوةً عالية نافذةً في هذا العالم وفَوَّضَ تدبيرَه إليها ومنها سحْرَ أصحابِ الأوهام والنفوسِ القوية فإنهم يزعُمون أن الإنسانَ تبلُغُ روحُه بالتصفية في القوة والتأثير إلى حيث يقدِرُ على الإيجاد والإعدام والإحياءِ وتغييرِ البُنية والشكل ومنها سحرُ من يستعين بالأرواحِ الأرضيةِ وهو المسمّى بالعزائم وتسخيرِ الجن ومنها التخييلاتُ الآخذة بالعيون وتسمَّى الشَّعْوذةَ ولا خلاف بين الأمة في أن من اعتقد الأول فقد كفر وكذا من اعتقد الثانيَ وهو سحر أصحاب الأوهام والنفوس القويةِ وأما من اعتقد أن الإنسان يبلُغ بالتصفية وقراءةِ العزائم والرقى إلى حيث يخلق الله عَقيبَ ذلك على سبيل جَرَيان العادةِ بعضَ الخوارق فالمعتزلةُ اتفقوا على أنه كافر لأنه لا يمكنه بهذا الاعتقاد معرفةُ صدقِ الأنبياءِ والرسلِ بخلاف غيرهم ولعل التحقيق أن ذلك الإنسانَ إن كان خيرا متشرعا ف يكل مايأتى ويذر وكان من يستعين به من الأرواح الخيِّرة وكانت عزائمُه ورُقاه غيرَ مخالفةٍ لأحكام الشريعة الشريفةِ ولم يكن فيما ظهَرَ في يده من الخوارق ضررٌ شرعيٌّ لأحد فليس ذلك من قبيل السحر وإن كان شرِّيراً غيرَ متمسِّكٍ بالشريعة الشريفة فظاهرٌ أن من يستعين به من الأرواحِ الخبيثةِ الشريرة لا محالة ضرورةَ امتناعِ تحقق التضام والتعاون بينهما من غير اشتراك في الخبث والشرارة فيكون كافراً قطعاً وأما الشعوذةُ وما يجري مجراها من إظهار الأمور العجيبةِ بواسطة ترتيبِ الآلات الهندسيةِ وخفة اليدو الاستعانة بخواصِّ الأدوية والأحجارِ فإطلاقُ السحر عليها بطريق التجوزِ أو لِما فيها

стр. 245

من الدقة لأنه في الأصل عبارةٌ عن كل ما لَطُف مأخذُه وخفيَ سببُه أو من الصرْف عن الجهة المعتادة لما أنه في أصل اللغة الصرفُ على ما حكاه الأزهري عن الفراء ويونس ﴿وما أنزل على الملكين﴾ عطفٌ على السحر أي ويعلمونهم ما أنزل عليهما والمرادُ بهما واحدٌ والعطفُ لتغايرِ الاعتبارِ أو هو نوعٌ أقوى منه أو على ما تتلو وما بينهما اعتراضٌ أيْ واتَّبعوا ما أنزل الخ وهما ملكانِ أنزلا لتعليم السحر ابتلاءً من الله للناس كما ابتليَ قومُ طالوتَ بالنهر أو تمييزاً بينه وبين المعجزة لئلا يغترَّ به الناسُ أو لأن السحرَة كثُرتْ في ذلك الزمان واستنبطتْ أبواباً غريبةً من السحر وكانوا يدّعون النبوةَ فبعث الله تعالى هذين الملكينِ ليعلّما الناسَ أبوابَ السحر حتى يتمكنوا من معارضة أولئك الكذابين وإظهارِ أمرِهم على الناس وأما ما يُحكى من أن الملائكةِ ﵈ لما رأَوْا ما يصعَد من ذنوب بني آدمَ عيّروهم وقالوا لله سبحانه هؤلاء الذين اخترتَهم لخلافة الأرضِ يعصونك فيها فقال لو ركّبتُ فيكم ما ركبتُ فيهم لعصيتموني قالوا سبحانك ما ينبغي لنا أن نعصيَك قال تعالى فاختاروا من خياركم ملكين فاختاروا هاروتَ وماروتَ وكانا من أصلحهم وأعبدِهم فأُهبطا إلى الأرض بعد ما ركب فيهما ما ركب في البشر من الشهوة وغيرها من القوى ليقضيا بين الناس نهاراً ويعرُجا إلى السماء مساءً وقد نُهيا عن الإشراك والقتل بغير الحق وشرب الخمر والزنا وكانا يقضيان بينهم نهاراً فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم فصَعِدا إلى السماء فاختصمت إليهما ذاتَ يوم امرأةٌ من أجمل النساءِ تسمّى زهرةَ وكانت من لَخْم وقيل كانت من أهل فارسَ ملكةً في بلدها وكانت خصومتها مع زوجها فلما رأياها افتُتنا بها فراوداها عن نفسها فأبت فألحا عليها فقالت لا إلا أن تقضيا لي على خصمي ففعلا ثم سألاها ما سألا فقالت لا إلا أن تقتُلاه ففعلا ثم سألاها ما سألا فقالت لا إلا أن تشربا الخمرَ وتسجدا للصَّنم ففعلا كلاً من ذلك بعد اللتيا والتي ثم سألاها ما سألا فقالت لا إلا أن تعلماني ما تصعَدانِ به إلى السماء فعلماها الاسمَ الأعظم فدعَتْ به وصعِدَتْ إلى السماء فمسخها الله سبحانه كوكباً فهمّا بالعروج حسب عادتهما فلم تطِعْهما أجنحتُهما فعلما ما حل بهما وكان في عهد إدريس ﵇ فالتجآ إليه ليشفَعَ لهما ففعل فخيّرهما الله تعالى بين عذابَ الدنيا وعذابَ الآخرة فاختارا الأول لانقطاعه عما قليل فهما معذبان ببابلَ قيل معلقان بشعورهما وقيل منكوسان يُضربان بسياطِ الحديد إلى قيام الساعة فمما لا تعويلَ عليه لما أن مدارَه روايةُ اليهود مع ما فيه من المخالفة لأدلة العقل والنقلِ ولعله من مقولة الأمثال والرموز التي قصد بها إرشادُ اللبيب الأريبِ بالترغيب والترهيب وقيل هما رجلان سُمِّيا ملكين لصلاحهما ويعضُده قراءة الملِكين بالكسر ﴿بِبَابِلَ﴾ الباء بمعنى في وهي متعلقة بأنزل أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من الملكين أو من الضميرِ في أنزل وهي بابلُ العراق وقالَ ابنُ مسعودٍ ﵁ بَابِلُ أرضُ الكوفة وقيل جبلُ دماوند ومَنعَ الصرفَ للعجمة والعَلَمية أو للتأنيث والعلمية ﴿هاروت وماروت﴾ عطفُ بيان للملكين علمان لهما ومُنِعَ صرفهما للعجمية والعلمية ولو كانا من الهرْت والمرْت بمعنى الكسر لانصرفا وأما من قرأ الملِكين بكسر اللام أو قال كانا رجلين صالحين فقال هما اسمان لهما وقيل هما اسما قبيلتين من الجن هما المرادُ من الملكين بالكسر وقرئ بالرفع على هما هاروت وماروت ﴿وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ مِنْ مزيدة في المفعول به لإفادة تأكيد الاستغراقِ الذي يفيده أحدٍ لا لإفادة نفس الاستغراق كما في قولك

стр. 246

ما جاءني من رجل وقرئ يُعْلِمانِ من الإعلام ﴿حتى يقولا إنما نحن فتنة﴾ الفتنةُ الاختبارُ والامتحانُ وإفرادُها مع تعددهما لكونهما مصدراً وحملُها عليهما مواطأةٌ للمبالغة كأنهما نفسُ الفتنة والقصرُ لبيان أنه ليس لهما فيما يتعاطيَانِه شأنٌ سواها لينصرِفَ الناسُ عن تعلّمه أي وما يُعلّمان ما أنزل عليهما من السحر أحداً من طالبيه حتى ينصَحاه قبل التعليم ويقولا له إنما نحن فتنةٌ وابتلاء من الله فمن عمِل بما تعلم منا واعتقد حقّيته كفَر ومن تَوقَّى عن العمل به أو اتخذه ذريعةً للاتقاءِ عن الاغترار بمثله بقيَ على الإيمان ٦ - ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾ باعتقاد حقّيتهِ وجوازِ العمل به والظاهرُ أن غاية النفي ليست هذه المقالةَ فقط بل من جملتها التزامُ المخاطب بموجب النهي لكن لم يُذكَرْ لظهُوره وكونِ الكلامِ في بيان اعتناءِ الملكين بشأن النُصح والإرشاد والجملةُ في محل النصب على الحالية من ضمير يعلمون لا معطوفةٌ عليه كما قيل أي ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناسَ السحرَ وما أنزل على الملكين ويحمِلونهم على العمل به إغواءً وإضلالاً والحال أنهما ما يعلمان أحداً حتى ينهيَاهُ عن العمل به والكفرِ بسببه وأما ما قيل من أن ما في قوله تعالى وما أنزل الخ نافيةٌ والجملةُ معطوفةٌ على قولِه تعالى وَمَا كفر سليمان جئ بها لتكذيب اليهودِ في القصة أي لم يُنزَّل على الملكين إباحةُ السحر وأن هاروتَ وماروتَ بدلٌ من الشياطين على أنهما قبيلتان من الجن خُصتا بالذكر لأصالتهما وكونِ باقي الشياطينِ أتباعاً لهما وأن المعنى ما يعلّمان أحداً حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفرْ فتكونَ مثلَنا فيأباه أن مقام وصف الشيطان بالكفر وإضلال الناس مما لا يلائمه وصفُ رؤسائهم بما ذكر من النهي عن الكفر مع ما فيه من الإخلال بنظام الكلامِ فإن الإبدالَ في حُكم تنحيةِ المبدَل منه ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ عطفٌ على الجملةِ المنفيَّةِ فإنها في قوة المثبتة كأنه قيل يعلمانهم بعد قولِهما إنما نحن الخ والضميرُ لأحدٍ حَمْلاً على المَعْنى كَما في قوله تعالى فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجزين ﴿مَا يُفَرّقُونَ بِهِ﴾ أي بسببه وباستعماله ﴿بَيْنَ المرء﴾ وقرئ بضم الميم وكسرِها مع الهمزة وتشديد الراء بلا همزة ﴿وَزَوْجِهِ﴾ بأن يُحدث الله تعالى بينهما التباغضَ والفرك والنشوز عند ما فعلُوا ما فعلُوا من السحر على حسب جري العادةِ الإلهية من خلق المسببيات عقيب حصول الأسباب العاديةِ ابتلاءً لا أن السحرَ هو المؤثرُ في ذلك وقيل فيتعلمون منهما ما يعملون به فيراه الناسُ ويعتقدون أنه حق فيكفرون فتَبينُ أزواجهم ﴿وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ﴾ أي بما تعلّموه واستعملوه من السحر ﴿مّنْ أَحَدٍ﴾ أي أحداً ومن مزيدة لما ذُكر في قوله تعالى وَمَا يعلمان من احد والمعهود وإن كان زيادتها في معمول فعلٍ منفي إلا أنه حُملت الاسميةُ في ذلك على الفعلية كأنه قيل وما يضرون به من أحد ﴿إِلَاّ بِإِذْنِ الله﴾ لأنه وغيرَه من الأسباب بمعزل من التأثير بالذات وإنما هو بأمره تعالى فقد يُحدِث عند استعمالهم السحرَ فعلاً من أفعاله ابتلاءً وقد لا يُحدِثه والاستثناءُ مفرَّغٌ والباءُ متعلقةٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من ضمير ضارِّين أو من مفعوله وإن كان نكرةً لاعتمادها على النفي أو الضمير المجرورِ في به أي وما يُضرون به أحداً إلا مقروناً بإذن الله تعالى وقرئ بضارِّي على الإضافة بجعل الجارِّ جزءاً من المجرور وفصلِ ما بين المُضافين بالظرف ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ﴾ لأنهم يقصِدون به العمل أو لأن العلم يجرُّ إلى العَمل غالباً ﴿وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ صرح بذلك إيذاناً بأنه ليس من الأمور المشوبة بالنفع والضرر بل هو شرٌّ بحتٌ وضررٌ محضٌ لأنهم لا يقصدون به التخلّصَ عن الاغترار بأكاذيبِ من يدّعي النبوةَ

стр. 247

البقرة (١٠٣) مثلاً من السَحَرة أو تخليصَ الناس منه حتى يكون فيه نفعٌ في الجملة وفيه أن الاجتنابَ عما لا يؤمن غوائلُه خيرٌ كتعلم الفلسفةِ التي لا يؤمن أن تجُرَّ إلى الغواية وإن قال من قال ... عرفتُ الشرَّ لا للشر ... رولكن لتوقِّيه ... ومن لا يعرِفِ الشرَّ ... من الناس يقَعْ فيهِ ... ﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ﴾ أي اليهود الذين حُكِيت جناياتُهم ﴿لَمَنِ اشتراه﴾ أي استبدلَ ما تتلوا الشياطين بكتاب الله واللامُ الأولى جوابُ قسمٍ محذوفٍ والثانيةُ لامُ ابتداءٍ عُلِّقَ به علِموا عن العمل ومَنْ موصولة في حيز الرفعِ بالابتداء واشتراه صلتها وَقولُه تعالَى ﴿مَا لَهُ فِى الأخرة مِن خلاق﴾ أي من نصيبٍ جملةٌ من مبتدإٍ وخبر ومِنْ مزيدة في المبتدأ وفي الآخرة متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً منه ولو أُخِّرَ عنه لكان صفةً له والتقدير ماله خلاقٌ في الآخرة وهذه الجملةُ في محلِّ الرفعِ على أنها خبرٌ للموصول والجملةُ في حيز النصبِ سادَّةٌ مسَدَّ مفعولَيْ علموا إن جعل متعديا إلى اثنين أو مفعولِه الواحدِ إن جعل متعديا إلى واحد فجملة ولقد علموا الخ مُقْسَمٌ عليها دون جملة لمن اشتراه الخ هذا ما عليه الجمهورُ وهو مذهب سيبويه وقال الفرّاءُ وتبعه أبو البقاء إن اللامَ الأخيرة موطئةٌ للقسم ومَنْ شرطية مرفوعةٌ بالابتداء واشتراه خبرُها وماله فى الاخرة من خلاق جوابُ القسم وجوابُ الشرطِ محذوفٌ اكتفاءً عنه بجواب القسم لأنه إذا اجتمع الشرطُ والقسمُ يُجاب سابقُهما غالباً فحينئذ يكون الجملتان مُقْسماً عليهما ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾ أي باعوها واللامُ جوابُ قسمٍ محذوفٍ والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ أي وبالله لبئسما باعوا به أنفسَهم السحرُ أو الكفرُ وفيه إيذانٌ بأنهم حيث نبذوا كتابَ الله وراء ظهورِهم فقد عرَّضوا أنفسهم للهَلكة وباعوها بما لا يزيدهم إلا تَباراً وتجويزُ كونِ الشراء بمعنى الاشتراء مما لا سبيلَ إليه لأن المشترى متعين وهو ما تتلوا الشياطين ولأن متعلَّق الذمِّ هو المأخوذُ لا المنبوذُ كما أشير إليه في تفسيره قوله سبحانه بِئْسَمَا اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنزَلَ الله ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أي يعملون بعلمهم جُعلوا غيرَ عالمين لعدم عملِهم بموجب علمِهم أوْ لو كانوا يتفكرون فيه أو يعلمون قبحَه على اليقين أو حقيقةَ ما يتْبعُه من العذاب عليه على أن المُثبَتَ لهم أو لا على التوكيد القسميِّ العقلُ الغريزيُّ أو العلمُ الإجماليُّ بقبح الفعل أو ترتبِ العقاب من غير تحقيق وجوابُ لو محذوفٌ أي لما فعلوا ما فعلوا

стр. 248

﴿ولو أنهم آمنوا﴾ أي بالرسول المومى إليه في قوله تعالى وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مّنْ عِندِ الله الخ أو بما أنزل إليه من الآيات المذكورةُ في قولِه تعالى وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيات بينات وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَاّ الفاسقون أو بالتوراةِ التي أريدتْ بقولِه تعالى نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب كتاب الله وَرَاء ظُهُورِهِمْ فإن الكفر بالقرآن والرسول ﵇ كفرٌ بها ﴿واتقوا﴾ المعاصيَ المحكيةَ عنهم ﴿لَمَثُوبَةٌ مّنْ عِندِ الله خَيْرٌ﴾ جواب لو وأصله لأيثبوا مَثوبةً من عند الله خيراً مما شرَوْا به أنفسَهم فحُذفَ الفعلُ وغُيِّر السبكُ إلى مَا عليهِ النظمُ الكريمُ دلالةً على ثبات المثوبةِ لهم والجزمِ بخيريّتها وحُذف المفضَّلُ عليه إجلا لا للمفضَّل من أن يُنسبَ إليه وتنكيرُ المثوبة للتقليل ومن متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً تشريفيةً لِمثوبةٌ أي لشئ ما من المثوبة كائنة من عنده تعالى خير وقيل جواب لو محذوفٌ أي لأثيبوا وما بعده جملة مستأنفة فإن وقوعَ

стр. 249

البقرة (١٠٥ - ١٠٤ الجملة الابتدائة جوابا للوغير معهود في كلام العرب وقيل لو للتمني ومعناه أنهم من فظاعة الحال بحيث يتمنى العارفُ إيمانَهم واتقاءهم تلهفا عليهم وقرئ لمثوبة وإنما سمي الجزاء ثواباً ومثوبةً لأن المحسن يثوب إليه ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أن ثواب الله خيرٌ نُسبوا إلى الجهل لعدم العملِ بموجب العلم

стр. 250

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ﴾ خطابٌ للمؤمنينً فيه إرشادٌ لهم إلى الخير وإشارةٌ إلى بعض آخر من جنايات اليهود ﴿لَا تَقُولُواْ راعنا﴾ المراعاةُ المبالغةُ في الرعى وهو حِفظُ الغير وتدبيرُ أموره وتدارُكُ مصالحِه وكان المسلمون إذا ألقى عليهم رسول الله ﷺ شيئاً من العلم يقولون راعنا يارسول الله أي راقبْنا وانتظِرْنا وتأنَّ بنا حتى نفهمَ كلامَك ونحفظَه وكانت لليهود كلمة عبرانية أو سريانية يتسابُّون بها فيما بينهم وهي راعينا قيل معناها اسمعْ لا سمِعْت فلما سمعوا بقول المؤمنين ذلك افترضوه واتخذوه ذريعةً إلى مقصِدهم فجعلوا يخاطبون به النبيَّ ﷺ يعنون به تلك المسبةَ أو نسبته ﷺ إلى الرَعَن وهو الحمَقُ والهوَج روي أن سعد بن عبادة ﵁ سمعها منهم فقال يا أعداءَ الله عليكم لعنةُ الله والذي نفسي بيدهِ لئن سمعتُها من رجل منكم يقولها لرسول الله ﷺ لأضربن عنقه قالوا أو لستم تقولونها فنزلت الآية ونُهيَ فيها المؤمنون عن ذلك قطعاً لألسنة اليهود عن التدليس وأُمروا بما في معناها ولا يقبل التلبيس فقيل ﴿وَقُولُواْ انظرنا﴾ أي انظر إلينا بالحذف والإيصال أو انتظرنا على أنه من نظرة إذا انتظره وقرئ أنظرنا من النظرة أي أمهلنا حتى نحفظ وقرئ راعونا على صيغة الجمع للتوقير وراعنا على صيغةِ الفاعلِ أي قولا ذا رَعَنٍ كدارعٍ ولابنٍ لأنه لما أشبه قولَهم راعينا وكان سببا للسبب بالرَعَن اتَّصفَ به ﴿واسمعوا﴾ وأحسنوا سماع ما يكلمكم رسول الله ﷺ ويلقى عليكم من لمسائل بآذان واعية وأذهانٍ حاضرةٍ حتى لاتحتاجوا إلى الاستعاذة وطلبِ المراعاة أو واسمعوا ما كُلفتموه من النهي والأمر بجدَ واعتناء حتى لا ترجِعوا إلى ما نهيتم عنه أو واسمعوا سماعَ طاعةٍ وقَبول ولا يكن سماعُكم مثل سماعِ اليهود حيث قالوا سمعنا وعصينا ﴿وللكافرين﴾ أي اليهود الذين توسلوا بقولكم المذكور إلى كفرياتهم وجعلوه سبباً للتهاون برسولِ الله ﷺ وقالوا له ما قالوا ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ لما اجترءوا عليه من العظيمة وهو تذييلٌ لما سبق فيه وعيدٌ شديد لهم ونوعُ تحذير للنخاطبين عما نُهُوا عنه
следующие страницы →