Полный текст (8 642 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرجز إلى أَجَلٍ هُم بالغوه﴾ أي إلى حد الزمان هو بالغوه فمعذوبن بعدجه أو مُهلَكون ﴿إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾ جوابُ لمّا أي فلما كشفنا عنهم فاجئوا النّكْثَ من غير تأمل وتوقف
стр. 1892
﴿فانتقمنا مِنْهُمْ﴾ أي فأردنا أن ننتقم منهم لِما أسلفوا من المعاصي والجرائم فإن قوله تعالى ﴿فأغرقناهم﴾ عينُ الانتقام منهم فلا يصح دخول الفاء بينهما ويجوز أن يكون المرادُ مطلقَ الانتقام منهم والفاءُ تفسيرية كما في قوله تعالى وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبّ الخ ﴿فِي اليم﴾ في البحرِ الذي لا يُدرك قعرُه وقيل في لُجّته ﴿بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِين﴾ تعليلٌ للإغراق أي كان إغراقُهم بسبب تكذيبِهم بآياتِ الله تعالى وإعراضِهم عنها وعدمِ تفكرِهم فيها بحيث صاروا كالغافلين عنها بالكلية والفاءُ وإن دلت على ترتب الإغراقِ على ما قبله من النكْثِ لكنه صرّح بالتعليل إيذاناً بأن مدارَ جميعِ ذلك تكذيبُ آياتِ الله تعالى والإعراضُ عنها
стр. 1893
﴿وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ﴾ أي بالاستبعاد وذبحِ الأبناءِ والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبلِ للدَلالةِ على استمرار الاستضعافِ وتجدّدِه وهم بنو إسرائيلَ ذُكروا بهذا العُنوانِ إظهاراً لكمال لُطفِه تعالى بهم وعظيمِ إحسانِه إليهم في رفعهم من حضيض المذلةِ إلى أوْج العزى ة ﴿مشارق الارض ومغاربها﴾ أي جانبيها الشرقيَّ والغربيَّ حيث ملكها بنو إسرائيل بعج الفراعنةِ والعمالقةِ وتصرّفوا في أكنافها الشرقيةِ والغربية كيف شاءوا وقوله تعالى ﴿التى بَارَكْنَا فِيهَا﴾ أي بالخِصْب وسَعةِ الأرزاقِ صفةٌ للمشارق والمغارب وقيل للأرض وفيه ضعفٌ للفصل بين الصفةِ والموصوفِ بالمعطوف كما في قولك قام أو هند وأبوها العاقلةُ ﴿وَتَمَّتْ كلمة رَبّكَ الحسنى﴾ وهي وعدُه تعالى إياهم بالنصر والتمكين كما ينبىء عنه قوله تعالى وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذين استضعفوا فِى الأرض ونحعلهم أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوارثين وقرىء كلماتُ لتعدد المواعيدِ ومعنى تمت مضَت واستمرت ﴿على بني إسرائيل بِمَا صَبَرُواْ﴾
стр. 1894
أي بسبب صبرِهم على الشدائد التي كابدوها من جهة فرعونَ وقومِه ﴿وَدَمَّرْنَا﴾ أي خرّبنا وأهلكنا ﴿مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ من العِمارات والقصورِ أي ودمرنا الي كان فرعونُ يصنعه على أن فرعونَ اسمُ كان ويصنع خبرٌ مقدمٌ والجملة الكونيةُ صلةُ ما والعائدُ محذوفٌ وقيل اسمُ كان ضمير عائد إلى ما الموصولةِ ويصنع مُسندٌ إلى فرعون والجملة خبرُ كان والعائدُ محذوف أيضاً والتقدير ودمرنا الذي كان هو يصنعُه فرعونُ الخ وقيل كان كان زائدةٌ وما مصدريةٌ والتقديرُ ما يصنع فرعون الخ وقيل كان زائءدة كما ذكر وما موصولةٌ اسميةٌ والعائدُ محذوف تقديره ودمرنا الذي يصنعه فرعون الخ أي صُنعَه والعدولُ إلى صيغة المضارعِ على هذين القولين لاستحضار الصورة ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ من الجنات أو ما كانوا يرفعونه من البُنيان كصرح هامانَ وقرىء يعرُشون بضم الراءِ والكسرُ أفصح وهذا آخِرُ قصةِ فرعونَ وقومه وقوله عز وجل
стр. 1895
﴿وجاوزنا ببني إسرائيل البحر﴾ شروعٌ في قصة بني إسرائيلَ وشرحِ ما أحدثوه من الأمور الشنيعةِ بعد أن أنقذهم الله من مَلَكة فرعون ومنّ عليهم من النعم العظامِ الموجبةِ للشكر وأراهم من الآيات الكبارِ ما تخِرّ له شمُّ الجبال تسليةً لرسول الله ﷺ وإيقاظاً للمؤمنين حتى لا يغفُلوا عن محاسبة أنفسِهم ومراقبةِ أحوالِهم وجاوز بمعنى جاز وقرىء جوّزنا بالتشديد وهو أيضاً بمعنى جاز فعُدّي بالباء أي قطعنا بهم البحر روي أنه عبر بهم مُوسى ﵇ يوم عاشوراءَ بعد ما أهلكَ الله تعالى فرعون فصاموه شكراً لله ﴿فَاتُواْ﴾ أي مروا ﴿على قَوْمٍ﴾ قيل كانوا من لَخْمٍ وقيل من العمالقة الكنعانيين الذين أُمر موسى ﵇ بقتالهم ﴿يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ أي يواظبون على عبادتها ويلازمونها وقرىء بكسر الكاف قال ابن جريج كانت أصنامُهم تماثيلَ بقرٍ وهو أولُ شأن العجل ﴿قَالُواْ﴾ عندما شاهدوا أحوالهم ﴿يا موسى اجعل لَّنَا إلها﴾ مثالاً نعبده ﴿كما لهم آلهة﴾ الكافُ متعلقةٌ بمحذوف وقع صفة لإلها وما موصولة ولهم صلتها وآلهة بدل من ما والتقدير هذا إثرَ ما شاهدوا من الآية الكبرى والمعجزةِ العُظمى فوصفهم بالجهل المطلقِ إذ لا جهل أعظمُ مما ظهر منهم وأكده بقوله
стр. 1896
﴿إِنَّ هَؤُلآء﴾ يعني القومَ الذين يعبدون تلك التماثيلَ ﴿مُتَبَّرٌ﴾ أي مُدمّرٌ مكسَّرٌ ﴿مَّا هُمْ فِيهِ﴾ أي من الدين الباطلِ أي يُتبرّ الله تعالى ويهدِم دينَهم الذي هم عليه عن قريب ويحطّم أصنامَهم ويتكرها رُضاضاً وإنَّما جيء بالجملةِ الاسميةِ للدلالةِ على التحقق ﴿وباطل﴾ أي مضمحلٌّ بالكلية ﴿ما كانوا يعملون﴾ من عبادتها وإن كان قصدُهم بذلك التقربِ إلى الله تعالى فإنه كفرٌ محضٌ وليس هذا كما في قوله تعالى وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً كما تُوهم فإن المرادَ به أعمالُ البر التي عملوها في الجاهلية فإنها في أنفسها حسنات
стр. 1897
الأعراف آية ١٤٠ ١٤٢
لو قارنت الإيمانَ لاستتبعت أجورَها وإنما بطَلت لمقارنتها الكفرَ وفي إيقاع هؤلاءِ اسماً لإن وتقديمِ الخبر من الجملةِ الواقعةِ خبراً لها وسْمٌ لعبدة الأصنامِ بأنهم هم المُعرَّضون للتبار وأنه لا يعدوهم البتةَ وأنه لهم ضربةُ لازبٍ ليحذّرهم عاقبةَ ما طلبوا ويُبغِضَ إليهم ما أحبوا
стр. 1898
﴿قَالَ أَغَيْرَ الله أَبْغِيكُمْ إلها﴾ شروعٌ في بيانِ شئون الله تعالى الموجبةِ لتخصيصِ العبادةِ بهِ تعالى بعد بيانِ أن ما طلبوا عبادتَه مما لا يمكن طلبُه أصلاً لكونه هالكاً باطلاً ولذلك وسّط بينهما قال مع كونِ كلَ منهما كلام موسى ﵊ والاستفهامُ للإنكار والتعجب والتوبيخِ وإدخالُ الهمزةِ على غير للإيذان بأن المنكو هو كونُ المبْغيِّ غيرَه تعالى لما أنه لاختصاص الإنكار بغيره تعالى دون إنكارِ الاختصاصِ بغيره تعالى وانتصابُ غير على أنه مفعولُ أبغي بحذف اللام أي أبغي لكم أي أطلب لكم غيرَ الله تعالى وإلها إما تمييزا أو حال أو على الحالية من إلها وهو المفعولُ لأبغي على أن الأصلَ أبغي لكم إلها غيرَ الله فغيرَ الله صفةٌ لإلها فلما قُدّمت صفةُ النكرةِ انتصبت حالاً ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى العالمين﴾ أي والحالُ أنَّه تعالى خصكم بنعمٍ لم يُعطِها غيرَكم وفيه تنبيهٌ على ما صنعوا من سوء المعاملةِ حيث قابلوا تخصيصَ الله تعالى إياهم من بين أمثالِهم بما لم يستحقوه تفضلا بأن عمجوا إلى أخسّ شيءٍ من مخلوقاته فجعلوه شريكاً له تعالى تباً لهم ولما يعبدون
стр. 1899
﴿وإذ نجيناكم﴾ تذكيرٌ لهم من جهته سبحانه بنعمة الإنجاءِ من ملكة فرعون وقرىء نجيناكم من التنجية وقرىء أنجاكم فيكون مَسوقاً من جهة موسى ﵊ أي واذكروا وقت إنجائِنا إياكم ﴿من آل فرعون﴾ من ملَكتهم لا بمجرد تخليصِكم من أيديهم وهم على حالهم في المَكِنة والقدرة بل بإهلاكهم بالكلية وقوله تعالى ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوء العذاب﴾ من سامه خسفاً أي أولاه إياه وكلفه غياه وهو إما استئنافٌ لبيان ما أنجاهم منه أو حال منن المخاطَبين أو من آلِ فرعونَ أو منهما معاً لاشتمالِه على ضميريِهما وقوله تعالى ﴿يُقَتّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ﴾ بدلٌ من يسومونكم مُبين أو مفسّرٌ له ﴿وَفِى ذلكم﴾ الإنجاءِ أو سوءِ العذاب ﴿بَلاءٌ﴾ أي نعمةٌ أو محنة ﴿مّن رَّبّكُمْ﴾ من مالك أمرِكم فإن النعمةَ والنقِمةَ كلتاهما منه ﴿عظِيمٌ﴾ لا يقادَر قدرُه
стр. 1900
﴿وواعدنا موسى ثلاثين لَيْلَةً﴾ رُوي أن موسى ﵇ وعد بني إسرائيلَ وهم بمصرَ إن أهلك الله عجوهم أتاهم بكتاب فيه بيانُ ما يأتون وما يذرون فلما هلك فرعونُ سأل موسى ﵇ ربه الكتابَ فأمره بصومِ ثلاثين يوماً وهو شهرُ ذي القَعدة فلما أتمّ الثلاثين أنكر خُلوفَ فيه فتسوّك
стр. 1901
الأعراف آية ١٤٣
فقالت الملائكةُ كنا نشم من فيك رائحةَ المسك فأفسدته بالسواك وقيل أوحى الله تعالى إليه أما علمتَ أن ريحَ فمِ الصائمِ أطيبُ عندي من ريح المِسْك فأمره الله تعالى بأن يزظيد عليها عشرةَ أيامٍ من ذي الحِجّة لذلك وذلك قوله تعالى ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ والتعبير عنها بالليالي لأنها غُررُ الشهور وقيل أمره الله تعالى بأن يصوم ثلاثين يوماً وأن يعمل فيها بما يقرّبه من الله تعالى ثم أنزلت عليه التوراةُ في العشر وكلم فيها وقد أُجمل ذكر الأربعين في سورة البقرة وفصل ههنا وواعدنا بمعنى وعدْنا وقد قرىء كذلك وقيل الصيغةُ على بابها بناءً على تنزيل قَبول موسى ﵇ منزلةَ الوعدِ وثلاثين مفعولٌ ثانٍ لواعدنا بحذف المضاف أي إنما ثلاثين ليلةً ﴿فَتَمَّ ميقات رَبّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ أي بالغا أربعين ليلة ﴿وَقَالَ موسى لاِخِيهِ هارون﴾ حين توجه إلى المناجاة حسبما أُمر به ﴿اخلفنى﴾ أي كن خليفتي ﴿فِى قَوْمِى﴾ وراقِبْهم فيما يأتُون وما يَذَرُون ﴿وَأَصْلِحْ﴾ ما يحتاج إلى الإصلاح من أمورهم أو كن مصلحاً ﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين﴾ أي لا تتبع مَنْ سلك الإفسادَ ولا تُطِعْ من دعاك إليه
стр. 1902
﴿وَلَمَّا جَاء موسى لميقاتنا﴾ لوقتنا الذي وقتنا واللامُ للاختصاص أي اختَصَّ مجيئُه بميقاتنا ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ من غير واسطةٍ كما يكلِّمُ الملائكةَ ﵈ وفيما روي أنه ﵊ كان يسمع ذلك من كل جهةٍ تنبيهٌ على أن سماع كلامه ليس من جنس سماعِ كلام المحدّثين ﴿قَالَ رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ أي أرني ذاتك بأن تمكنني من رؤيتك أو تتجلى لي فأنظرَ إليك وأراك وهو دليلٌ على أن رؤيتَه تعالى جائزةٌ في الجملة لما أن طلبَ المستحيلِ مستحيلٌ من الأنبياء لا سيما ما يقتضي الجهل بشئون الله تعالى ولذلك رده بقوله تعالى لن تراني دون لن أرى ولن أُرِيَك ولن تنظُرَ إليّ تنبيهاً على أنه قاصرٌ عن رؤيته لتوقفها على معد في الرائي ولم يوجد فيه ذلك بعد وجعل الؤال لتبكيت قومِه الذين قالوا أرنا الله جهرةً خطأٌ إذ لو كانت الرؤيةُ ممتنعةً لوجب أن يُجهِّلَهم ويُزيحَ شبهتَهم كما فعل ذلك حين قالوا اجعل لَّنَا إلها وأن لا يتبعَ سبيلَهم كما قال لأخيه ولا تتبعْ سبيلَ المفسدين والاستدلالُ بالجواب على استحالتها أشدُّ خطأً إذ لا يدل الإخبارُ بعدم رؤيتِه إياه على أنه لا يراه ابدا وأن لا يراه غيرُه أصلاً فضلاً عن أن يدل على استحالتها ودعوى الضرورةِ مكابرة أو جهل لحقيقة الرؤية ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مبني على سؤالٍ نشأَ من الكلامِ كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ ربُّ العزة حين قال موسى ﵇ ما قل فقيل قال ﴿لَن تَرَانِى ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى﴾ استدراكٌ لبيان أنه لا يُطيق بها وفي تعليقها باستقرار الجيل أيضاً دليلٌ على الجواز ضرورةَ أن المعلَّق بالممكن ممكنٌ والجبلُ قيل هو جبل أردن ﴿فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ أي ظهرت له عظمتُه وتصدّى له اقتدارُه وأمرُه وقيل أُعطي الجبلُ حياةً ورؤيةً حتى رآه ﴿جَعَلَهُ دَكّا﴾ مدكوكاً مُفتّتاً والدكُّ والدقُّ أخَوَان كالشك والشق
стр. 1903
الأعراف آية ١٤٤ ١٤٥
وقرىء دَكَّاء أي أرضاً مستويةً ومنه ناقةٌ دكاءُ للتي لا سنامَ لها وقرىء دُكاً جمعُ دكّاءَ أي قطعاً ﴿وخر موسى صعقا﴾ منغشيل عليه من هول ما رآه ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾ الإفاقةُ رجوعُ العقلِ والفهم إلى الإنسان بعد ذهابِهما بسبب من الأسباب ﴿قَالَ﴾ تعظيماً لما شاهدجه ﴿سبحانك﴾ أي تنزيهاً لك من أن أسألك شيئاً بغير إذنٍ منك ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ أي من الجراءة والإقدامِ على السؤال بغير إذن ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين﴾ أي بعظمتك وجلالِك وقيل أولُ من آمن بأنك لا تُرى في الدنيا وقيل بأنه لا يجوز السؤال بغير إذن منك
стр. 1904
﴿قَالَ يَا موسى﴾ استئنافٌ مسوق لتسليته ﵊ من عدم الإجابةِ إلى سؤال الرؤيةِ كأنه قيل إن منعتُك الرؤيةَ فقد أعطيتك من النعم العظامِ ما لم أعْطِ أحداً من العالمين فاغتنِمْها وثابرْ على شكرها ﴿إِنْى اصطفيتك﴾ أي اخترتُك واتخذتُك صفوةً وآثرتُك ﴿عَلَى الناس﴾ أي المعاصرين لك وهرون إن كان نبياً كان مأموراً باتباعه وما كان كَليماً ولا صاحبَ شرعٍ ﴿برسالاتي﴾ أي بأسفار التوراةِ وقرىء برسالتي ﴿وبكلامي﴾ وبتكليمي أياك بغير واسطة ﴿فَخُذْ مَا آتيتك﴾ أي أعطيتك من شرف النبوةِ والحكمة ﴿وَكُنْ مّنَ الشاكرين﴾ على ما أُعطيت من جلائل النعمِ قيل كان سؤالُ الرؤيةِ يوم عرفةَ وإعطاءُ التوراةِ يومَ النحر
стр. 1905
﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الالواح مِن كُلّ شَىْء﴾ أي مما يحتاجونَ إليهِ من أمورِ دينِهم ﴿مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَىْء﴾ بدلٌ من الجارّ والمجرور أي كتبنا له كلَّ شيءٍ من المواعظ وتفصيلِ الأحكام واختُلف في عدد الألواحِ وفي جوهرها ومقدارِها فقيل إنها كانت عشَرةَ ألواحٍ وقيل سبعةً وقيل لوحين وأنها كانت من زمردة جاء بها جبريلُ ﵇ وقيل من زَبَرْجَدةٍ خضراءَ أو ياقوتةٍ حمراءَ وقيل أمر الله تعالى موسى بقطعها من صخرة صماء لينهاله فقطعها بيده وضققها بأصابعه وعن الحسنِ ﵁ كانت من خشب نزلت من السماء فيها التوراةُ وأن طولَها كان عشَرةَ أذرُع وقيل أُنزلت التوراةُ وهي سبعون وِقْرَ بعيرٍ يقر الجزءُ منه في سنة لم يقرأها إلا أربعةُ نفرٍ موسى ويوشعُ وعُزيرٌ وعيسى ﵈ وعن مقاتل رضي اللعه عنه كُتب في الألواح إني أنا الله الرحمن الرحيم لا تشرِكوا بي شيئاً ولا تقطعوا السبيلَ ولا تزْنوا ولا تعقُّوا الوالدين ﴿فَخُذْهَا﴾ على إضمار قولٍ معطوف على كتبنا فقلنا خذها ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجدَ وعزيمة وقيلَ هو بدلٌ من قوله تعالى فَخُذْ ما آتيتك والضمير للألوالح أو لكل شيءٍ لأنه بمعنى الأشياء أو للرسالة أو للتوراة ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا﴾ أي بأحسنِ ما فيها كالعفو والصبر بالإضافة إلى الاقتصاص والانتصارِ على طريقة الندبِ والحثِّ على اختيار الأفضل كما في قوله تعالى واتبعوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مّن رَّبّكُمْ أو بواجباتها فإنها
стр. 1906
الأعراف آية ١٤٦
أحسنُ من المباح وقيل المعنى بأخذوا بها وأحسن صلةٌ قال قُطرُب أي بحسَنها وكلُّها حسنٌ كقوله تعالى وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ وقيل هو أن تُحمل الكلمةُ المحتملةُ لمعنيين أو لمعان على أشبه محتملانها بالحق وأقربِها إلى الصواب ﴿سأريكم دَارَ الفاسقين﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى قومِه ﵊ بطريق الالتفاتِ حملاً لهم على الجد في الامتثال بما أُمروا به إما على نهج الوعيدِ والترهيب على أن المرادَ بدار الفاسقين أرضَ مصرَ وديارُ عادٍ وثمودَ وأضرابِهم فإن رؤيتها وهي الخالية عن أهلها خاويةٌ على عروشها موجبةٌ للاعتبار والانزجارِ عن مثل أعمالِ أهلِها كيلا يحِلَّ بهم ما حل بأولئك وإما على نهج الوعدِ والترغيبِ على أن المرادَ بدار الفاسقين إما أرضُ مصرَ خاصةً أو مع أرض الجبابرةِ والعمالقةِ بالشام فإنها أيضاً مما أتيح لبني إسرائيلَ وكُتب لهم حسبما ينطِق به قوله يا قوم ادْخُلُوا الاْرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ومعنى الإراءةِ الإدخالُ بطريق الإيراثِ ويُؤيده قراءةُ مَن قرأَ سأوُرثكم بالثاء المثلثة كما في قوله تعالى وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مشارق الارض ومغاربها وقرىء سأُوريكم ولعله من أورَيْتُ الزند أي سأبينها لكم وقوله تعالى
стр. 1907
﴿سأصرف عن آياتي الذين يَتَكَبَّرُونَ فِي الارض﴾ استئنافٌ مَسوقٌ لتحذيرهم عن التكبر الموجبِ لعدم التفكرِ في الآيات التي هي ما كتب في ألواح التوراةِ من المواعظ والأحكامِ أو ما يعمُّها وغيرَها من الآيات التكوينيةِ التي من جملتها ما وعد إراءته من دار الفاسقين ومعنى صرفِهم عنها الطبعُ على قلوبهم بحيث لا يكادون يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها لإصرارهم على ما هم عليه من التكبر والتجبر كقوله تعالى فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ وتقديمُ الجارِّ والمجرور على المفعول الصريحِ لإظهار الاعتناءِ بالمقدم والتشويقِ إلى المؤخر مع أن في المؤخر نوع كول يُخلُّ تقديمُه بتجاوب أطراف النظمِ الجليلِ أي سأطبع على قلوب الذين يعدّون أنفسَهم كُبراءَ ويرَوْن لهم على الخلق مزِيةً وفضلاً فلا ينتفعون بآياتي التنزيليةِ والتكوينيةِ ولا يغتنمون مغانمَ آثارِها فلا تسلُكوا مسلكَهم لتكونوا أمثالهم وقيل المعنى سأصرِفهم عن إبطالها وإن اجتهدوا كما اجتهد فرعونُ في إبطال ما رآه من الآيات فأبى الله تعالى إلا إحقاقَ الحقِّ وإزهاقَ الباطل وعلى هذا فالأنسبُ أن يُرادَ بدار الفاسقين أرضُ الجبابرةِ والعمالقة والمشهورين بالفسق والتكبر في الأرض ووبإراءتها للمخاطَبين إدخالُهم الشامَ وإسكانُهم في مساكنهم ومنازلِهم حسبما نطق به قوله تعالى يا قوم ادْخُلُوا الاْرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ويكون قولُه تعالى سَأَصْرِفُ عَنْ آياتي الخ جواباً عن سؤال مقدَّرٍ ناشىءٍ من الوعد بإدخال الشامِ على أن المرادَ بالآيات ما تُلي آنفاً ونظائرُه وبصرفهم عنها إزالتُهم عن مَقام معارضتِها وممانعتِها لوقوع أخبارِها وظهور أحكامِها وآثارِها بإهلاكهم على يد موسى ﵊ حين سار بعد التّيهِ بمن بقيَ من بني إسرائيل
стр. 1908
الأعراف آية ١٤٧ ١٤٨
أو بذرياتهم على اختلاف الروايتين إلى أريحا ويوشعُ بنُ نونٍ في مقدمته ففتحها واستقر بنو إسرائيلَ بالشام وملكوا مشارقَها ومغاربَها كأنه قيل كيف يرون دارهم وهم فيها فقيل سأُهلِكُهم وإنما عدل إلى الصَرْف ليزدادوا ثقةً بالآيات واطمئناناً بها وقوله تعالى ﴿بِغَيْرِ الحق﴾ إما صلةٌ للتكبر أي يتكبرون بما ليس بحق وهو دينُهم الباطلُ وظلمُهم المُفْرِطُ أو متعلقٌ بمحذوف هو حال من فاعله أي يتكبرون ملتبسين بغير الحق وقوله تعالى ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ عطفٌ على يتكبرون داخلٌ معه في حكم الصلة والمراد بالآية إما منزلة فالمرادُ برؤيتها مشاهدتُها بسماعها أو ما يعمُّها وغيرَها من المعجزات فالمرادُ برؤيتها مطلقُ المشاهَدةِ المنتظمةِ للسماع والإبصار أي وإن يشاهِدوا كُلَّ آيَةٍ من الآيات لَاّ يُؤْمِنُواْ بِهَا على عمومِ النفي لا على نفي العُموم أي كفروا بكل واحدة منها لعدم اجتلائِهم إياها كما هي وهذا كما ترى يؤيد كونَ الصرفِ بمعنى الطبع وقوله تعالى ﴿وإن يروا سَبِيلَ الرشد لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ عطفٌ على ما قبله داخلٌ في حُكمهِ أيْ لا يتوجهون إلى الحق ولا يسلُكون سبيله أصلاً لاستيلاء الشيطنةِ عليهم ومطبوعتهم على الانحراف والزيغ وقرىء بفتحتين وقرىء الرشادِ وثلاثتُها لغات كالسقم والسقم والسقام ﴿وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الغى يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ أي يختارونه لأنفسهم مسلَكاً مستمراً لا يكادون يعدِلون عنه لموافقته لأهوائهم الباطلةِ وإفضائه بهم إلى شهواتهم ﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما ذكر من تكبُّرهم وعدمِ إيمانهم بشي من الآيات وإعراضِهم عن سبيل الرشدِ وإقبالِهم التامّ إلى سبيل الغيِّ وهو مبتدأٌ خبرُهُ قولُه تعالى ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ أي حاصلٌ بسبب أنهم ﴿كذبوا بآياتنا﴾ الدالةِ على بطلان ما اتصفوا به من القبائح وعلى حقية أضدادِها ﴿وَكَانُواْ عَنْهَا غافلين﴾ لا يتفكرون فيها وإلا لما فعلُوا ما فعلُوا من الأباطيل ويجوز أن يكون إشارة إلى ما ذكر من الصرف ولا يمنعُه الإشعارُ بعلية مَا في حيزِ الصلةِ كيف لا وقد مر أن ذلك في قولِه تعالَى ذلك بِمَا عَصَواْ الآية يجوزُ أن يكون إشارةً إلى ضرب الذِلة والمسكنةِ والبَوْءِ بالغضب العظيمِ مع كون ذلك معللا بالكفر بآيان الله صريحاً وقيل محلُّ اسمِ الإشارةِ النصبُ على المصدر أي سأصرفهم ذلك الصَّرْفَ بسبب تكذيبِهم بآياتنا وغفلنتهم عنها
стр. 1909
﴿والذين كذبوا بآياتنا وَلِقَاء الاخرة﴾ أي وبلقائهم الدارَ الآخرةَ أو لقائهم ما وعده الله تعالى في الآخرة من الجزاء ومحلُّ الموصولِ الرفعُ على الابتداءِ وقولُه تعالَى ﴿حَبِطَتْ أعمالهم﴾ خبرُه أي ظهر بُطلانُ أعمالِهم التي كانوا عمِلوها من صلة الأرحامِ وإغاثةِ الملهوفين ونحوِ ذلك أو حبطت أعمالهم بعد ما كانت مرجُوَّةَ النفعِ على تقدير إيمانهم بها ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ﴾ أي لا يُجزون ﴿إِلَاّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي الإجزاءَ ما كانوا يعملونه من الكفر والمعاصي
стр. 1910
﴿واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ﴾ أي من بعد ذهابِه إلى الطور ﴿مِنْ حُلِيّهِمْ﴾ متعلقٌ باتخذ كالجارِّ الأول لاختلاف معنييهما فإن الأول للابتداء
стр. 1911
العراف آية ١٤٩
والثاني للتبعيض أو للبيان أو الثاني متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً مما بعده إذ لو تأخرَ لكانَ صفةً لهُ وإضافةُ الحُلِيِّ إليهم مع أنها كانت للقِبْط لأدنى الملابسة حيث كانوا استعاروها من أربابها قُبيل الغرقِ فبقِيَتْ في أيديهم وأما أنهم ملكوها بعد الغرقِ فذلك منوطٌ بتملك بني إسرائيلَ غنائمَ القِبطِ وهم مستأمَنون فيما بينهم فلا يساعده قولُهم حُمّلْنَا أَوْزَاراً مّن زِينَةِ القوم والحلي بضم الحاء وكسر اللام جمعُ حَلْيٍ كثَدْيٍ وثُدِيّ وقرىء بكسر الحاء بالإتباع كدِليّ وقرىء حَلْيِهم على الإفراد وقوله تعالى ﴿عِجْلاً﴾ مفعولُ اتخذ أُخِّر عن المجرور لما مرَّ من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر مع ما فيه من نوع طول يُخِلّ تقديمُه بتجاوب أطرافِ النظمِ الكريم وقيل هو متعدَ إلى اثنين بمعنى التصيير والمفعول الثاني محذوفٌ أي إلها وقوله تعالى ﴿جَسَداً﴾ بدلٌ من عجلا أو جُثةً ذا دمٍ ولحمٍ أو جسداً من ذهب لا روحَ معه وقوله تعالى ﴿لَّهُ خُوَارٌ﴾ أي صوتُ بقر وقرىء بالجيم والهمزة وهو الصياح نعتٌ لعجلاً روي أن السامريَّ لما صاغ العجلَ ألقى في فمه تراباً من أثر فرسِ جبريل ﵊ وقد كان أخذه عند فلْقِ البحر أو عند توجُّهِه إلى الطور فصار حيّاً وقيل صاغه بنوع من الحيل فيدخُلُ الريحُ في جوفه فيصوِّت والأنسبُ بما في سورة طه هو الأولُ وإنما نُسبَ اتخاذُه إليهم وهو فعلُه إما لأنه واحد منهم وإما لأنهم رضُوا به فكأنهم فعلوه وإما لأن المرادَ بالاتخاذ اتخاذُهم إياه إلها لا صنعُه وإحداثُه ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لَا يُكَلّمُهُمْ﴾ استئنافٌ مَسوقٌ لتقريعهم وتشنيعِهم وتركيكِ عقولِهم وتسفيهِهم فيما أقدموا عليه من المنكر الذي هو اتخاذُه إلها أي ألم يرَوا أنه ليس فيه شيءٌ من أحكام الألوهية حيث لا يكلمهم ﴿وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً﴾ بوجه من الوجوه فكيف اتخذوه إلها وقوله تعالى ﴿فاتخذوه﴾ أي فعلوا ذلك ﴿وَكَانُواْ ظالمين﴾ أي واضعين للأشياء في غير موضعِها فلم يكن هذا أولَ منكرٍ فعلوه والجملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ وتكريرٌ اتخذوه لتثنية التشنيعِ وترتيبِ الاعتراض عليه
стр. 1912
﴿وَلَمَّا سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ﴾ أي ندموا غايةَ الندمِ فإن ذلك كنايةٌ عنه لأن النادمَ المتحسِّرَ يعَضُّ يدَه غماً فتصير يدُه مسقوطاً فيها وقرىء سقَطَ على البناء للفاعل بمعنى وقع العضُّ فيها فاليدُ حقيقةٌ وقال الزجاج معناه سقَط الندمُ في أنفسهم إما بطريق الاستعارةِ بالكناية أو بطريق التمثيل ﴿وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ﴾ باتخاذ العجلِ أي تبيّنوا بحيث تيقنوا بذلك حتى كأنهم رأَوْه بأعينهم وتقديمُ ذكرِ ندمِهم على هذه الرؤيةِ مع كونه متأخرا عنها للمساعرة إلى بيانه والإشعارِ بغاية سُرعتِه كأنه سابقٌ على الرؤية ﴿قَالُواْ﴾ والله ﴿لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا﴾ بإنزال التوبةِ المكفرة ﴿وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ ذنوبَنا بالتجاوز عن خطيئتنا وتقديمُ الرحمةِ على المغفرة مع أن التخليةَ حقُّها أن تُقدَّم على التحلية إما للمسارعة إلى ما هو المقصودُ الأصليّ وإما لأن المرادَ بالرحمة مطلقُ إرادةِ الخير بهم وهو مبدأٌ لإنزال التوبةِ المكفرة لذنوبهم واللامُ في لئن موطئةٌ للقسم كما أشير إليه وفي قوله تعالى ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين﴾ لجواب القسمِ وما حُكي عنهم من الندامة والرؤية والقولِ وإن كان بعد
стр. 1913
الأعراف آية ١٥٠
ما رجع موسى ﵊ إليهم كما ينطِق به الآياتُ الواردة في سورة طه لكن أريد بتقديمه عليه حكايةُ ما صدرَ عنهُم من القول والفعلِ في موضع واحد
стр. 1914
﴿وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ﴾ شروعٌ في بيان ما جرى مِن موسى ﵇ بعد رجوعِه من الميقات إثرَ بيانِ ما وقع من قومه بعده وقولُه تعالى ﴿غضبان أَسِفًا﴾ حالان مِن مُوسى ﵇ أو الثاني من المستكنّ في غضبانَ والآسِفُ الشديدُ الغضبِ وقيل الحزين ﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِن بَعْدِى﴾ أي بئسما فعلتم من بعد غَيْبتي حيث عبدتم العجلَ بعد ما رأيتم فعلي من توحيد الله تعالى ونفيِ الشركاءِ عنه وإخلاصِ العبادةِ له أو من حملكم على ذلك وكفِّكم عما طمَحَت نحوه أبصارُكم حيث قلتم اجعلْ لنا إلها كما لهم آلهةٌ ومن حق الهلفاء أن يسيروا بسيرة المستخلِفِ فالخطابُ للعبَدَة من السامريِّ وأشياعِه أو بئسما قمتم مقامي ولم تراعوا عهدي حيث لم تكفوا العبَدَةَ عما فعلوا فالخطابُ لهرون وَمَنْ مَعَهُ من المؤمنينَ كما ينبىء عنه قوله تعالى قال يا هرون مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ أَن لا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى ويجوزُ أن يكونَ الخطابُ للكل على أن المرادَ بالخليفة ما يعم الأمرين المذكورين وما نكرةٌ موصوفةٌ مفسِّرةٌ لفاعل بئس المستكنِّ فيه والمخصوصُ بالذم مححذوف تقديره بئس خلافة خلفتمونبها من بعدي خلافتُكم ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبّكُمْ﴾ أي تركتموه غيرَ تام على تضمين عجِلَ معنى سبَق يقال عجِل عن الأمر إذا تركه غيرَ تام أو أعجِلتم وعدَ ربِّكم الذي وعدجنيه من الأربعين وقدّرتم موتي وغيّرتم بعدي كما غيرت الأممُ بعد أنبيائِهم ﴿وَأَلْقَى الألواح﴾ طرحا من شدة الغضبِ وفرطِ الضجر حميةً للدين روي أن التوراةَ كانت سبعةَ أسباعٍ في سبعة ألواح فلما ألقاها انكسرت فرفعت ستةُ أسباعِها التي كان فيها تفصيلُ كلِّ شيءٍ وبقي سُبعٌ كان فيه المواعظ والأحكان ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ بشعر رأسِه ﵉ ﴿يَجُرُّهُ إليه﴾ حال من ضمير أخذ فعلَه ﵇ توهما أنه قصّر في كفهم وهرون كان أكبرَ منه ﵉ بثلاث سنينَ وكان حَمولاً ولذلك كان أحبَّ إلى بني إسرائيل ﴿قَالَ﴾ أي هرون لما أن حقّ الأمِّ أعظمُ وأحقُّ بالمراعاة مع أنها كانت مؤمنةً وقد قاست فيه المخاوفَ والشدائد وقرىء بكسر الميم بإسقاط الياءِ تخفيفا كالمنادى المضاف إلى الياء وقراءةُ الفتح لزيادة التخفيف أو لتشبيهه بخمسةَ عشرَ ﴿إِنَّ القوم استضعفونى وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِى﴾ إزاحةً لتوهم التقصيرِ في حقه والمعنى بذلتُ جُهدي في كفهم حتى قهروني واستضعفوني وقاربوا قتلي ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِىَ الاعداء﴾ أي فلا تفعلْ بي ما يكون سبباً لشماتتهم بي ﴿وَلَا تَجْعَلْنِى مَعَ القوم الظالمين﴾ أي معدوداً في عدادهم بالمؤاخذة أو النسبة إلى التقصير وهَذا يؤيدُ كونَ الخطابِ للكل أولا تعتقد أني واحدٌ من الظالمين مع براءتي منهم ومن ظلمهم
стр. 1915
الأعراف آية ١٥١ ١٥٢
стр. 1916
﴿قال﴾ استئناف مبني على سؤالٍ نشأَ من حكايةِ اعتذار هرون ﵇ كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ موسى عند ذلكَ فقيل قال ﴿رَبّ اغفر لِى﴾ أي ما فعلتُ بأخي من غير ذنبٍ مقرِّرٍ من قِبَله ﴿وَلأَخِى﴾ إن فرَطَ منه تقصيرٌ ما في كفهم عما فعلوه من العظيمة استغفرَ ﵇ لنفسه ليُرضِيَ أخاه ويُظهر للشامتين رضاه لئلا تتم شماتتُهم به ولأخيه للإيذان بأنه محتاجٌ إلى الاستغفار حيث كان يجبُ عليه أنْ يقاتلَهم ﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾ بمزيد الإنعامِ بعد غُفران ما سلف منا ﴿وَأَنتَ أرحم الراحمين﴾ فلا غَرْوَ في انتظامنا في سلك رحمتِك الواسعةِ في الدنيا والآخرة والجملةُ اعتراض تذييلي مقرر لما قبله
стр. 1917
﴿إِنَّ الذين اتخذوا العجل﴾ أي تمّوا على اتخاذه واستمروا على عبادته كالسامريِّ وأشياعِه من الذين أُشربوه في قلوبهم كما يُفصح عنه كونُ الموصولِ الثاني عبارةً عن التائبين فإن ذلك صريحٌ في أن الموصولَ الأولَ عبارةٌ عن المصِرّين ﴿سَيَنَالُهُمْ﴾ أي في الآخرة ﴿غَضَبٌ﴾ أي عظيمٌ لا يُقادرُ قدرُه مستتبِعٌ لفنون العقوباتِ لما أن جريمتَهم أعظمُ الجرائم وأقبحُ الجرائر وقولُه تعالى ﴿مّن رَّبّهِمُ﴾ أي مالكِهم متعلقٌ بينا لهم أو بمحذوف هو نعتٌ لغضبٍ مؤكِّدٌ لما أفادَه التنوينُ من الفخامةِ الذاتيةِ بالفخامةِ الإضافيةِ أي كائنٌ من ربهم ﴿وَذِلَّةٌ فِى الحياة الدنيا﴾ هي ذلةُ الاغترابِ التي تُضرب بها الأمثال والمسكنة المتنظمة لهم ولأولادهم جميعاً والذلةُ التي اختص بها السامريُّ من الانفراد عن الناس والابتلاء بلا مِساس يروى أن بقاياهم اليومَ يقولون ذلك وإذا مس أحدَهم أحدٌ غيرُهم حُمّاً جميعاً في الوقت وإيرادُ ما نالهم في حيز السين مع مُضِيِّه بطريق تغليب حالِ الأخلافِ على حال الأسلاف وقيل المرادُ بهم التائبون وبالغضب ما أُمروا به من قتل أنفسِهم واعتُذر عن السين بأن ذلك حكايةٌ عما أخبر الله تعالى به موسَى ﵇ حين أخبره بافتتان قومِه واتخاذِهم العجلَ بأنه سينالهم غضبٌ من ربهم وذلةٌ فيكون سابقاً على الغضب وأنت خبيرٌ بأن سباقَ النظم الكريم وسياقَه نابيان عن ذلك نُبوّاً ظاهراً كيف لا وقوله تعالى ﴿وكذلك نَجْزِى المفترين﴾ ينادي على خلافه فإنهم شهداءُ تائبون فكيف يمكن وصفهم بعج ذلك بالافتراء وأيضاً ليس يجزي الله تعالى كلَّ المفترين بهذا الجزاءِ الذي ظاهرُه قهرٌ وباطنُه لطفٌ ورحمة وقيل المرادُ بهم أبناؤهم المعاصِرون لرسول الله ﷺ فإن تعييرَ الأبناءِ بأفاعيلِ الآباء مشهورٌ معروفٌ منه قولُه تعالى وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا الآية وقولُه تعالى وإذ قلتم يا موسى الآية والمرادُ بالغضب الغضبُ الأخرويُّ وبالذلة ما أصابهم من القتل والإجلاءِ وضربِ الجزية عليهم وقيل المرادُ بالموصول المتّخِذون حقيقةً وبالضمير في ينالُهم أخلافُهم ولا ريب في أن توسيطَ حالِ هؤلاء في تضاعيف بيانِ حالِ المتخِذين من قبيل الفصل بين الشجر ولِحائه
стр. 1918
﴿والذين عَمِلُواْ السيئات﴾ أيَّ سيئة كانت
стр. 1919
الأعراف آية ١٥٣ ١٥٥
﴿ثُمَّ تَابُواْ﴾ عن تلك السيئات ﴿مِن بَعْدِهَا﴾ أي من بعد عملها ﴿وآمنوا﴾ إيماناً صحيحاً خالصاً واشتغلوا بإقامة ما هو من مقتضياته من الأعمال الصالحةِ ولم يُصروا على ما فعلوا كالطائفة الأولى ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا﴾ أي من بعد تلك التوبةِ المقرونةِ بالإيمان ﴿لَغَفُورٌ﴾ للذنوب إن عظُمت وكثُرت ﴿رَّحِيمٌ﴾ مبالِغٌ في إفاضةِ فنونِ الرحمةِ الدنيويةِ والأخروية والتعرّضُ لعنوانِ الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميره ﵇ للتشريف
стр. 1920
﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب﴾ شروعٌ في بيان بقية الحكاية غثر ما بيّن تحزب القوم إلى مصر وتائب والإشارةِ إلى مآل كلَ منهما إجمالاً أي لما سكن عنه الغضبُ باعتذار أخيه وتوبةِ القوم وهذا صريحٌ في أنَّ ما حُكي عنهم من الندم وما يتفرّع عليه كان بعد مجىء موسى ﵊ وفي هذا النظم الكريمِ من البلاغة والمبالغةِ بتنزيل الغضبِ الحاملِ له عَلَى ما صَدَرَ عنْهُ من الفعل والقول منزلةَ الآمرِ بذلك المُغري عليه بالتحكم والتشديد والتعبير عن شكوته بالسكوت ما لا يخفى وقرىء سَكَن وسكَت وأسكتَ على أن الفاعل هو الله تعالى أو أخوه أو التائبون ﴿أَخَذَ الالواح﴾ التي ألقاها ﴿وَفِى نُسْخَتِهَا﴾ أي فيما نُسخ فيها وكُتب فُعلة بمعنى مفعول كالخُطبة وقيل فيما نسخ منها أي من الألواح المنكسرة ﴿وهدى﴾ أي بيانٌ للحق ﴿وَرَحْمَةً﴾ للخلق بإرشادهم إلى ما فيه الخيرُ والصلاح ﴿لّلَّذِينَ هُمْ لِرَبّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ اللامُ الأولى متعلقةٌ بمحذوف هو صفةٌ لرحمة أي كائنةٌ لهم أو هي لامُ الأجَل أي هدى ورحمةٌ لأجلِهم والثانيةُ لتقوية عمل الفعلِ المؤخّر كما في قوله تعالى إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ أو هي أيضاً لامُ العلة والمفعولُ محذوفٌ أي يرهبون المعاصيَ لأجل ربهم لا للرياء والسمعة
стр. 1921
﴿واختار موسى قَوْمَهُ﴾ شروعٌ في بيانِ كيفيةِ استدعاءِ التوبةِ وكيفية وقوعِها واختار يتعدّى إلى اثنين ثانيهما مجرورٌ بمن أي اختار من قومه بحذفِ الجارِّ وإيصالِ الفعلِ إلى المجرور كما قوله ... اختارك الناسَ إذْ رثت خلائقهم واعتنل مَنْ كان يُرجَى عنده السُّولُ أي اختارك من الناس ﴿سَبْعِينَ رَجُلاً﴾ مفعولٌ لاختار أُخِّر عن الثاني لما مر مرارا من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ﴿لميقاتنا﴾ الذي وقتناه بعد ما وقع من قومه ما وقع لا لميقاتِ الكلام الذي ذكر
стр. 1922
الأعراف آية ١٥٥
قبل ذلك كما قيل قال السدي أمره الله تعالى بأن يأتيَه في ناس من بني إسرائيلَ يعتذرون إليه تعالى من عبادة العجلِ ووعدهم موعداً فاختار ﵇ من قومه سبعين رجلاً وقال محمد بن إسحق اختارهم ليتوبوا إليه تعالى مما صنعوه ويسألوه التوبةَ على من ترطكوهم وراءهم من قومهم قالوا اختار ﵊ من كل سِبطٍ ستةً فزاد اثنانِ فقال ليتخَلَّفْ منكم رجلان فتشاحّوا فقال ﵊ إن لمن قعد مثلَ أجرِ من خرج فقعد كالب ويوشع وذهب مع الباقين وأمرهم أن يصوموا ويتطهروا ويُطهِّروا ثيابهم فخرج بهم إلى طور سيناء فلما دنَوا من الجبل غشية غمانم فدخل موسى بهم الغمامَ وخرّوا سُجّداً فسمِعوه تعالى يكلم موسى يأمرُه وينهاه حسبما يشاءُ وهو الأمرُ بقتل أنفسِهم توبةً ﴿فَلَمَّا أخذتهم الرجفة﴾ مما اجترءوا عليه من طلب الرؤيةِ فإنه يروى أنه لما انكشف الغمامُ أقبلوا إلى مُوسى ﵇ وقالُوا لن نؤمنَ لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الرجفةُ أي الصاعقةُ أو رجفةُ الجبل فصُعِقوا منها أي ماتوا ولعلهم أرادوا بقولهم لن نؤمنَ لك لن نصدِّقك في أن الآمر بما سمعنا من الأمرَ بقتل أنفسِهم هو الله تعالى حتى نراه حيث قاسوا رؤيتَه تعالى على سماع كلامِه قياساً فاسداً فحين شاهد موسى تلك الحالةَ الهائلة ﴿قَالَ رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ﴾ أي حين فرّطوا في النهي عن عبادة العجلِ وما فارقوا عبَدَتَه حين شاهدوا إصرارَهم عليها ﴿وإياى﴾ أيضاً حين طلبتُ منك الرؤيةَ أي لو شئتَ إهلاكَنا بذنوبنا لأهلكتَنا حينئذ أراد به ﵇ تذكيرَ العفوِ السابقِ لاستجلاب العفوِ اللاحقِ فإن الاعتراف باتلذنب والشكرَ على النعمة مما يربِط العتيدَ ويستجلب المزيد يعني إنا كنا مستحقين للإهلاك ولم يكن من موانعه إلا عدمُ مشيئتِك إياه فحيث لطَفْتَ بنا وعفوتَ عنا تلك الجرائمَ فلا غروَ في أنْ تعفوَ عنا هذه الجريمةَ أيضاً وحملُ الكلام على التمني يأباه قوله تعالى ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء مِنَّا﴾ أي الذين لا يعلمون تفاصيل شئونك ولا يتثبتون في المداحض والهمزةُ إما لإنكار وقوعِ الإهلاكِ ثقةً بلطف الله كما قاله ابن الأنباري أو للاستعطاف كما قاله المبرد أي لا تهلكنا ﴿إن هى إلا فتنتك﴾ استئناف مقرر لما قبله واعتذارٌ عما صنعوا ببيان منشأ غلطِهم أي ما الفتنةُ التي وقع فيها السفهاءُ وقالوا بسببها ما قالوا من العظيمة إلا فتنتُك أي محنتُك وابتلاؤك حيث أسمعتهم كلامك فاتتنوا بذلك ولم يتثبتوا فطمِعوا فيما فوق ذلك تابعين للقياس الفاسد وقوله تعالى ﴿تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِى مَن تَشَاء﴾ إما استئنافٌ مبينٌ لحُكم الفتنةِ أو حالٌ من فتنتك أي حالَ كونِها مضِلاًّ بها الخ أي تُضل بسلببها من تشاء إضلالَه فلا يهتدي إلى التثبت وتهدي من تشاء هِدايتَه إلى الحق فلا يتزلزل في أمثالها فيقوى بها غيمانه ﴿أَنتَ وَلِيُّنَا﴾ أي القائمُ بأمورنا الدنيويةِ والأخرويةِ وناصرُنا وحافظُنا لا غيرُك ﴿فاغفر لَنَا﴾ ما قارفناه من المعاصي والفاءُ لترتيب الدعاءِ على مكا قبله من الولاية كأنه قيل فمن شاء الوليِّ المغفرةُ والرحمةُ وقيل إن إقدامه ﵊ على أن يقولُ إِنْ هِىَ إِلَاّ فتنتُك الخ جراءةٌ عظيمةٌ فطلب من الله تعالى غفرانها والتجاوزَ عنهات ﴿وارحمنا﴾ بإفاضة آثار الحمة الدنيويةِ والأخروية علينا ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الغافرين﴾ اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لما قبله من الدعاء وتخصيصُ المغفرةِ بالذكر لأنها الأهمُّ بحسب المقام
стр. 1923
الأعراف آية ١٥٦
стр. 1924
﴿واكتب لَنَا﴾ أي عيِّنْ لنا وقيل أوجِبْ وحقِّقْ وأثبتْ ﴿فِى هذه الدنيا حَسَنَةٌ﴾ أي نعمةً وعافيةً أو خَصلة حسنةً قال ابن عباس ﵄ اقبَلْ وِفادتَنا ورُدَّنا بالمغفرة والرحمة ﴿وَفِي الاخرة﴾ أي واكتبْ لنا فيها أيضاً حسنةً وهي المثوبةُ الحسنى والجنة ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي تُبْنا وأنبْنا إليك من هاد يهودُ إذا رجَع وقرىء بكسر الهاء من هاده يهيدُه إذا حرَّكه وأماله ويحتمل أن يكون مبنياً للفاعل أو للمفعول بمعنى أمَلْنا أنفسَنا أو أمِلْنا إليك وتجويزُ أن تكون القراءةُ المشهورةُ على بناء المفعول على لغة من يقول عودَ المريضُ مع كونها لغةً ضعيفةً مما لا يليق بشأن التنزيل الجليل والجملةُ استئنافٌ مَسوقٌ لتعليل الدعاءِ فإن التوبة مما يوجي قبله بموجَب الوعدِ المحتوم وتصديرُها بحرف التحقيق لإظهار كمال النشاطِ والرغبةِ في التوبة والمعنى إنا تُبنا ورجَعْنا عما صنعنا من المعصية العظيمةِ التي جئناك للاعتذار عنها وعما وقع ههنا من طلب الرؤية فيعيد من لطفك وفضلك أن لا تقبلَ توبةُ التائبين قيل لما أخذتْهم الرجفةُ ماتوا جميعاً فأخذ موسى ﵊ يتضرع إلى الله تعالى حتى أحياهم وقيل رجَفوا وكادت تَبينُ مفاصلُهم وأشرفوا على الهلاك فخاف موسى ﵊ فبكى فكشفها الله تعالى عنهم ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ وقع جوابا عن سؤال ينساقُ إليهِ الكلامُ كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ الله تعالى عند دعاءِ مُوسى ﵇ فقيل قال ﴿عَذَابِى أصيب به من أشاء﴾ لعله حين جعل توبةَ عبدةِ العجلِ بقتلهم أنفسَهم ضمّن موسى ﵇ دعاءَه التخفيفَ والتيسير حيث قال واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة أي خَصلةً حسنةً عاريةً عن المشقة والشدة فإن في قتل أنفسهم من العذاب والتشديد ما لا يخفى فأجاب تعالى بأن عذابي شأنُه أن أُصيبَ به من أشاء تعذيبَه من غير دخل لغيري فيه وهم ممن تناولَتْه مشيئتي ولذلك جُعلت توبتُهم مشوبةً بالعذاب الدنيوي ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء﴾ أي شأنُها أن تسَعَ في الدنيا المؤمنَ والكافرَ بل كلَّ ما يدخل تحته الشيئية من المكلفين وغيرِهم وقد نال قومَك نصيبٌ منها في ضمن العذاب الدنيوي وفي نسبة الإصابة إلى العذاب بصيغة المضارعِ ونسبةِ السعةِ إلى الرحمة بصيغة الماضي إيذانٌ بأن الرحمةَ مقتضى الذاتِ وأما العذاب فبمقتضى العذاب معاصي العباد والمشيئةُ معتبرةٌ في جانب الرحمةِ أيضاً وعدمُ التصريحِ بها للإشعار بغاية الظهور ألا يُرى إلى قوله تعالى ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ أي أُثبتها وأعيِّنُها فإنه متفرعٌ على اعتبار المشيئةِ كأنه قيل فإذا كان الأمرُ كذلك أي كما ذكر من إصابة عذابي وسَعةِ رحمتي لكل من أشاء فسأكتبُها كَتْبةً كائنة كما دعوتَ بقولك واكتب لنا في هذه الخ أي شأكتبها خالصةً غيرَ مشوبةٍ بالعذاب الدنيوي ﴿لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أي الكفَر والمعاصي إما ابتداء أو بعد ملابستهما وفيه تعريض بقومه كأنه قيل لا لقومك لأنهم غير متقين فيكفيهم ما قدر لهم من الرحمة وإن كانت مقارنة للعذاب الدنيوي ﴿ويؤتون الزكاة﴾
стр. 1925
وفيه أيضا تعريضٌ بهم حيث كانت الزكاةُ شاقةً عليهم ولعل الصلاةَ إنما لم تذكَرْ مع إنافتها على سائر العبادات اكتفاءً عنها بالاتقاء الذي هو عبارة عن فعل الموجبات بأسرها وتركِ المنكرات عن آخرها وإيرادُ إيتاءِ الزكاة لما مر من التعريض ﴿والذين هم بآياتنا﴾ جميعاً ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ إيماناً مستمراً من غير إخلالٍ بشيء منها وفيه تعريضٌ بهم وبكفرهم بالآيات العظامِ التي جاء بها موسى ﵊ وبما سيجيء بعد ذلك من الآيات البيناتِ كتظليل الغمامِ وإنزالِ المنِّ والسَّلْوى وغيرِ ذلك وتكريرُ الموصولَ مع أن المرادَ به عينُ ما أريد بالموصول الأولِ دون أن يقال يؤمنون بآياتنا عطفاً على يؤتون الزكاة كما عُطف هو على يتقون لما أشير إليه من القَصْر بتقديم الجار والمجرور ورأى هم بجميع آياتنا يؤمنون لا ببعضها دون بعض
стр. 1926
﴿الذين يَتَّبِعُونَ الرسول﴾ الذي نوحي إليه كتاباً مختصاً به ﴿النبى﴾ أي صاحبَ المعجزة وقيل عنوانُ الرسالةِ بالنسبة إليه تعالى وعنوانُ النبوة بالنسبة إلى الأمة ﴿الامى﴾ بضم الهمزة نسبةً إلى الأم كأنه باقٍ على حالته التي وُلد عليها من أمّه أو إلى أمة العرب كما قال ﷺ إنا أمةٌ لا نحسُب ولا نكتب أو إلى أم القرى وقرىء بفتح الهمزة أي الذي لم يمارس القراءةَ والكتابة وقد جمع مع ذلك علومَ الأولين والآخِرين والموصولُ بدلٌ من الموصولِ الأولِ بدلَ الكلِّ أو منصوبٌ على المدحِ أو مرفوع عليه أي أعني الذين أو هم اللذين وأما جعلُه مبتدأً على أن خبرَه يأمرُهم أو أولئك هم المفلحون فغيرُ سديد ﴿الذى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا﴾ باسمه ونعة وته بحيث لا يشكّون أنه هو ولذلك عدل عن أن يقال يجدون اسمَه أو وصفه مكتوباً ﴿عِندَهُمُ﴾ زيد هذا لزيادة التقريرِ وأن شأنِه ﵊ حاضرٌ عندهم لا يَغيب عنهم أصلاً ﴿فِي التوراة والإنجيل﴾ اللذيْن تُعِبِّد بهما بنو إسرائيلَ سابقاً ولاحقاً والظرفان متعلقان بيجدونه أو بمكتوباً وذكرُ الإنجيلِ قبل نزولِه من قبيل ما نحن فيه من ذكر النبيِّ ﷺ والقرآنِ الكريم قبل مجيئِهما ﴿يَأْمُرُهُم بالمعروف وينهاهم عَنِ المنكر﴾ كلامٌ مستأنفٌ لا محلَّ له من الإعراب قاله الزجاج متضمنٌ لتفصيل بعض أحكامِ الرحمةِ التي وعد فيما سبق بكتبها إجمالاً فإن ما بُيّن فيه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحلالِ الطيبات وتحريمِ الخبائث وإسقاطِ التكاليف الشاقةِ كلُّها من آثار رحمته الواسعة وقيل في محل النصب على أنه حالٌ مقدرةٌ من مفعول يجدونه أو من النبي أة ومن المستكن في مكتوباً أو مفسِّرٌ لمكتوباً أي لما كُتب ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات﴾ التي حُرِّمت عليهم بشؤم ظلمهم ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ كالدم ولحمِ الخِنزيرِ والربا والرشوة ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والاغلال التى كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي يخفف عنهم ما كُلّفوه من التكاليف الشاقةِ التي هي من قَبيل ما كتب عليهم حينئذ من كونه التوبة بقتل
стр. 1927
الأعراف آية ١٥٨
النفس كتعيين القصاصِ في العمد والخطأ من غير شرعِ الدية وقطع الأعضاءِ الخاطئةِ وقرضِ موضعِ النجاسة من الجلد والثوب وإحراقِ الغنائم وتحريمِ السبت وعن عطاء أنه كانت بنو إسرائيلَ إذا قاموا يصلون لبسوا المسموح وغلّوا أيديَهم إلى أعناقهم وربما ثقَبَ الرجلُ تَرْقُوتَه وجعل فيها طرف السلسلةِ وأوثقها إلى السارية يحبِس نفسه على العبادة وقرىء آصارَهم أصل الأصر الثق الذي يأصر صاحيه من الحراك ﴿فالذين آمنوا بِهِ﴾ تعليمٌ لكيفية اتّباعِه ﵊ وبيانٌ لعلو رتبةِ متّبعيه واغتنامِهم مغانمَ الرحمةِ الواسعةِ في الدارين إثرَ بيانِ نعوتِه الجليلة والإشارةِ إلى إرشاده ﵊ إيَّاهُم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحلالِ الطيبات وتحريمِ الخبائث أي فالذين آمنوا بنبوته وأطاعوه في أوامره ونواهيه ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ أي عظّموه ووقّروه وأعانوه بمنع أعدائه عنه وقرىء بالتخفيف وأصلُه المنعُ ومنه التعزير ﴿ونصروه﴾ على أعجائه في الدين ﴿واتبعوا النور الذى أُنزِلَ مَعَهُ﴾ أي مع نوبته وهو القرآنُ عبّر عنه بالنور المنبىءِ عن كونه ظاهراً بنفسه ومُظهِراً لغيره أو مظهِراً للحقائق كاشفاً عنها لمناسبة الاتّباعِ ويجوزُ أن يكون معه متعلقاً باتّبعوا أي واتّبعوا القرآنَ المنزل مع اتباعه ﷺ بالعمل بسنته وبما أُمِرَ به ونُهيَ عنه أو اتبعوا القرآنَ مصاحبين له في اتباعه ﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى المذكورين من حيث اتصافُهم بما فُصّل من الصفاتِ الفاضلة للإشعار بعليتهاللحكم وما فيه من معنى البُعد للإيذان بعلوّ درجتِهم وسمو طبقتهم فيالفضل والشَّرفِ أي أولئك المنعوتُون بتلك النعوت الجليلة ﴿هُمُ المفلحون﴾ أي هم الفائزون بالمطلوب الناجون عن الكروب لا غيرُهم من الأمم فيدخُل فيهم قوم موسى ﵊ دخولاً أولياً حيث لم ينجو عما في توبيتهم من المشقة الهائلةِ وبه يتحقق التحقيقُ ويتأتّى التوفيقُ والتطبيق بين دعائِهِ ﵊ وبين الجوابِ لا بمجرد ما قيل من أنه دعا لنفسه ولبني إسرائيلَ أجيب بما هو منطوٍ على توبيخ بني إسرائيلَ على استجازتهم الرؤيةَ على الله وعلى كفرهم بآياته العظامِ التي أجرها على يد موسى ﵊ وعرّض بذلك في قوله تعالى والذين هم بآياتنا يُؤْمِنُونَ وأريد أن يكون استماعُ أوصافِ أعقابِهم الذين آمنوا برسولِ الله ﷺ وبما جاء به كعبدِ اللَّه بنِ سَلَام وغيرِه من أهل الكتابين لطفاً بهم وترغيباً في إخلاص الإيمانِ والعمل الصالح
стр. 1928
﴿قل يا أيها الناسُ أنى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ﴾ لما حكي في الكتابين من نعوت رسول الله ﷺ وشرف مَنْ يتّبعه من أهلهما ونيلِهم لسعادة الدارين أمرعليه الصلاةُ والسلامُ ببيانِ أنَّ تلكَ السعادةَ غيرُ مختصةٍ بهم بل شاملةٌ لكل من يتبعه كائناً مَنْ كان ببيان عمومِ رسالتِه للثقلين مع اختصاص رسالةِ سائرِ الرسلِ ﵈ بأقوامهم وإرسالِ موسى ﵇ إلى فرعون وملته بالآيات التسعِ إنما كان لأمرهم بعبادة ربِّ العالمين عز سلطانه
стр. 1929
الأعراف آية ١٥٩
وتركِ العظيمةِ التي كانَ يدَّعِيها الطاغيةُ ويقبلُها منهُ فتنة الباغية وإرسال بني إسرائيلَ من الأسرِ والقسرِ وأما العملُ بأحكام التوارة فمختص ببني إسرايل ﴿جَمِيعاً﴾ حالٌ من الضمير في إليكم ﴿الذى لَهُ ملك السماوات والارض﴾ منصوبٌ أو مرفوعٌ على المدح أو مجرورٌ على أنه صفةٌ للجلالة وإن حيل بينهما بما هو متعلقٌ بما أضيف إليه فإنه في حكم المتقدّمِ عليه وقولُه تعالى ﴿لَا إله إلا هو﴾ بيانٌ لما قبله مَنْ ملَك العالمَ كان هو الإله لا غيرُه وقوله تعالى ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ لزيادة تقرير ألوهيتِه والفاءُ في قوله تعالى ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ لتفريع الأمرِ على ما تمهّد وتقرّر من رسالته ﷺ وإيراد نفسه ﵊ بعنوان الرسالةِ على طريقة الالتفاتِ إلى الغيبة المبالغة في إيجاب الامتثالِ بأمره ووصف الرسول بقوله ﴿النبى الامى﴾ لمدحه ﵊ بهما ولزيادة تقريرِ أمرِه وتحقيق أنه الكتوب في الكتابين ووصفُه بقوله تعالى ﴿الذى يُؤْمِنُ بالله وكلماته﴾ أي ما أنزل إليه وإلى سائر الرسلِ ﵈ من كُتُبه ووحيِه لحمل أهلِ الكتابين على الامتثال بما أُمروا به والتصريحُ بإيمانه بالله تعالى للتنبيه على أن الإيمانَ به تعالى لا ينفك عن الإيمان بكلماته ولا يتحقق إلا به وقرىء وكلمتِه على إرادة اجنس أو القرآنِ تنبيهاً على أن المأمورَ به هو الإيمان به ﵊ من حيث أنزل عليه القرآنُ لا من حيثيةٍ أخرى أو على أنَّ المرادَ بها عيسى ﵊ تعريضاً باليهود وتنبيهاً على أن من لم يؤمن به لم يُعتدَّ بإيمانه ﴿واتبعوه﴾ أي في كلِّ ما يأتي وما يذرُ من أمور الدين ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ علةٌ للفعلين أو حال من فاعليهما أي رجاءً لاهتدائكم إلى المطلوب أو راجين له وفي تعليقه بهما إيذانٌ بأن من صدّقه ولم يتبعْه بالتزام أحكام شريعتِه فهو بمعزل من الاهتداء مستمر على الغي والضلال
стр. 1930
﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى﴾ كلامٌ مبتدأ لدفع ما عسى يُوهِمه تخصيصُ كَتْبِ الرحمة والتقوى والإيمان بالآيات بمتّبعي رسولِ الله ﷺ من حِرمانِ أسلافِ قومِ موسى ﵇ من كل خير وبيانِ أن كلَّهم ليسوا كما حُكيت أحوالُهم بل منهم ﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ﴾ أي الناسَ ﴿بالحق﴾ أي ملتبسين به أو يهدونهم بكلمة الحق ﴿وَبِهِ﴾ أي بالحق ﴿يَعْدِلُونَ﴾ أي في الأحكام الجاريةِ فيما بينهم وصيغةُ المضارعِ في الفعلين لحكاية الحالِ الماضيةِ وقيل هم الذين آمنوا بالنبي ﷺ ويأباه أنه قد مر ذكرُهم فيما سلف وقيل إن بني إسرائيلَ لما بالغوا في العتُوّ والطغيان حتى اجترءوا على قتل الأنبياءِ ﵈ تبرّأ سِبطٌ منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله تعالى أن يفرِّق بينهم وبين أولئك الطاغين ففتح الله تعالى لهم نفقاً في الأرض فساروا فيه سنةً ونصفاً حتى خرجوا من وراء الصين وهم اليوم هنالك حنفاءُ مسلمون يستقبلون قِبلتَنا وقد ذكر عنِ النبيِّ ﷺ أنَّ جبريلَ ﵇ ذهب به ليلة الإسراءِ نحوَهم فكلمهم فقال جبريلُ ﵇ هل تعرِفونَ من تكلمون قالوا لا قال هذا محمد النبي الأمي فآمنوا به وقالوا يا رسولَ الله إنَّ موسى أوصانا مَنْ أدرك منكم أحمد غفليقرأ مني ﵇ فرد محمد على موسى السلام ﵉ ثم أقرأهم عشرَ سورٍ من القرآن نزلت بمكة
следующие страницы →