Полный текст (8 642 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
﴿الذين يَتَّبِعُونَ الرسول﴾ الذي نوحي إليه كتاباً مختصاً به ﴿النبى﴾ أي صاحبَ المعجزة وقيل عنوانُ الرسالةِ بالنسبة إليه تعالى وعنوانُ النبوة بالنسبة إلى الأمة ﴿الامى﴾ بضم الهمزة نسبةً إلى الأم كأنه باقٍ على حالته التي وُلد عليها من أمّه أو إلى أمة العرب كما قال ﷺ إنا أمةٌ لا نحسُب ولا نكتب أو إلى أم القرى وقرىء بفتح الهمزة أي الذي لم يمارس القراءةَ والكتابة وقد جمع مع ذلك علومَ الأولين والآخِرين والموصولُ بدلٌ من الموصولِ الأولِ بدلَ الكلِّ أو منصوبٌ على المدحِ أو مرفوع عليه أي أعني الذين أو هم اللذين وأما جعلُه مبتدأً على أن خبرَه يأمرُهم أو أولئك هم المفلحون فغيرُ سديد ﴿الذى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا﴾ باسمه ونعة وته بحيث لا يشكّون أنه هو ولذلك عدل عن أن يقال يجدون اسمَه أو وصفه مكتوباً ﴿عِندَهُمُ﴾ زيد هذا لزيادة التقريرِ وأن شأنِه ﵊ حاضرٌ عندهم لا يَغيب عنهم أصلاً ﴿فِي التوراة والإنجيل﴾ اللذيْن تُعِبِّد بهما بنو إسرائيلَ سابقاً ولاحقاً والظرفان متعلقان بيجدونه أو بمكتوباً وذكرُ الإنجيلِ قبل نزولِه من قبيل ما نحن فيه من ذكر النبيِّ ﷺ والقرآنِ الكريم قبل مجيئِهما ﴿يَأْمُرُهُم بالمعروف وينهاهم عَنِ المنكر﴾ كلامٌ مستأنفٌ لا محلَّ له من الإعراب قاله الزجاج متضمنٌ لتفصيل بعض أحكامِ الرحمةِ التي وعد فيما سبق بكتبها إجمالاً فإن ما بُيّن فيه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحلالِ الطيبات وتحريمِ الخبائث وإسقاطِ التكاليف الشاقةِ كلُّها من آثار رحمته الواسعة وقيل في محل النصب على أنه حالٌ مقدرةٌ من مفعول يجدونه أو من النبي أة ومن المستكن في مكتوباً أو مفسِّرٌ لمكتوباً أي لما كُتب ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات﴾ التي حُرِّمت عليهم بشؤم ظلمهم ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ كالدم ولحمِ الخِنزيرِ والربا والرشوة ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والاغلال التى كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي يخفف عنهم ما كُلّفوه من التكاليف الشاقةِ التي هي من قَبيل ما كتب عليهم حينئذ من كونه التوبة بقتل
стр. 1927
الأعراف آية ١٥٨
النفس كتعيين القصاصِ في العمد والخطأ من غير شرعِ الدية وقطع الأعضاءِ الخاطئةِ وقرضِ موضعِ النجاسة من الجلد والثوب وإحراقِ الغنائم وتحريمِ السبت وعن عطاء أنه كانت بنو إسرائيلَ إذا قاموا يصلون لبسوا المسموح وغلّوا أيديَهم إلى أعناقهم وربما ثقَبَ الرجلُ تَرْقُوتَه وجعل فيها طرف السلسلةِ وأوثقها إلى السارية يحبِس نفسه على العبادة وقرىء آصارَهم أصل الأصر الثق الذي يأصر صاحيه من الحراك ﴿فالذين آمنوا بِهِ﴾ تعليمٌ لكيفية اتّباعِه ﵊ وبيانٌ لعلو رتبةِ متّبعيه واغتنامِهم مغانمَ الرحمةِ الواسعةِ في الدارين إثرَ بيانِ نعوتِه الجليلة والإشارةِ إلى إرشاده ﵊ إيَّاهُم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحلالِ الطيبات وتحريمِ الخبائث أي فالذين آمنوا بنبوته وأطاعوه في أوامره ونواهيه ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ أي عظّموه ووقّروه وأعانوه بمنع أعدائه عنه وقرىء بالتخفيف وأصلُه المنعُ ومنه التعزير ﴿ونصروه﴾ على أعجائه في الدين ﴿واتبعوا النور الذى أُنزِلَ مَعَهُ﴾ أي مع نوبته وهو القرآنُ عبّر عنه بالنور المنبىءِ عن كونه ظاهراً بنفسه ومُظهِراً لغيره أو مظهِراً للحقائق كاشفاً عنها لمناسبة الاتّباعِ ويجوزُ أن يكون معه متعلقاً باتّبعوا أي واتّبعوا القرآنَ المنزل مع اتباعه ﷺ بالعمل بسنته وبما أُمِرَ به ونُهيَ عنه أو اتبعوا القرآنَ مصاحبين له في اتباعه ﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى المذكورين من حيث اتصافُهم بما فُصّل من الصفاتِ الفاضلة للإشعار بعليتهاللحكم وما فيه من معنى البُعد للإيذان بعلوّ درجتِهم وسمو طبقتهم فيالفضل والشَّرفِ أي أولئك المنعوتُون بتلك النعوت الجليلة ﴿هُمُ المفلحون﴾ أي هم الفائزون بالمطلوب الناجون عن الكروب لا غيرُهم من الأمم فيدخُل فيهم قوم موسى ﵊ دخولاً أولياً حيث لم ينجو عما في توبيتهم من المشقة الهائلةِ وبه يتحقق التحقيقُ ويتأتّى التوفيقُ والتطبيق بين دعائِهِ ﵊ وبين الجوابِ لا بمجرد ما قيل من أنه دعا لنفسه ولبني إسرائيلَ أجيب بما هو منطوٍ على توبيخ بني إسرائيلَ على استجازتهم الرؤيةَ على الله وعلى كفرهم بآياته العظامِ التي أجرها على يد موسى ﵊ وعرّض بذلك في قوله تعالى والذين هم بآياتنا يُؤْمِنُونَ وأريد أن يكون استماعُ أوصافِ أعقابِهم الذين آمنوا برسولِ الله ﷺ وبما جاء به كعبدِ اللَّه بنِ سَلَام وغيرِه من أهل الكتابين لطفاً بهم وترغيباً في إخلاص الإيمانِ والعمل الصالح
стр. 1928
﴿قل يا أيها الناسُ أنى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ﴾ لما حكي في الكتابين من نعوت رسول الله ﷺ وشرف مَنْ يتّبعه من أهلهما ونيلِهم لسعادة الدارين أمرعليه الصلاةُ والسلامُ ببيانِ أنَّ تلكَ السعادةَ غيرُ مختصةٍ بهم بل شاملةٌ لكل من يتبعه كائناً مَنْ كان ببيان عمومِ رسالتِه للثقلين مع اختصاص رسالةِ سائرِ الرسلِ ﵈ بأقوامهم وإرسالِ موسى ﵇ إلى فرعون وملته بالآيات التسعِ إنما كان لأمرهم بعبادة ربِّ العالمين عز سلطانه
стр. 1929
الأعراف آية ١٥٩
وتركِ العظيمةِ التي كانَ يدَّعِيها الطاغيةُ ويقبلُها منهُ فتنة الباغية وإرسال بني إسرائيلَ من الأسرِ والقسرِ وأما العملُ بأحكام التوارة فمختص ببني إسرايل ﴿جَمِيعاً﴾ حالٌ من الضمير في إليكم ﴿الذى لَهُ ملك السماوات والارض﴾ منصوبٌ أو مرفوعٌ على المدح أو مجرورٌ على أنه صفةٌ للجلالة وإن حيل بينهما بما هو متعلقٌ بما أضيف إليه فإنه في حكم المتقدّمِ عليه وقولُه تعالى ﴿لَا إله إلا هو﴾ بيانٌ لما قبله مَنْ ملَك العالمَ كان هو الإله لا غيرُه وقوله تعالى ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ لزيادة تقرير ألوهيتِه والفاءُ في قوله تعالى ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ لتفريع الأمرِ على ما تمهّد وتقرّر من رسالته ﷺ وإيراد نفسه ﵊ بعنوان الرسالةِ على طريقة الالتفاتِ إلى الغيبة المبالغة في إيجاب الامتثالِ بأمره ووصف الرسول بقوله ﴿النبى الامى﴾ لمدحه ﵊ بهما ولزيادة تقريرِ أمرِه وتحقيق أنه الكتوب في الكتابين ووصفُه بقوله تعالى ﴿الذى يُؤْمِنُ بالله وكلماته﴾ أي ما أنزل إليه وإلى سائر الرسلِ ﵈ من كُتُبه ووحيِه لحمل أهلِ الكتابين على الامتثال بما أُمروا به والتصريحُ بإيمانه بالله تعالى للتنبيه على أن الإيمانَ به تعالى لا ينفك عن الإيمان بكلماته ولا يتحقق إلا به وقرىء وكلمتِه على إرادة اجنس أو القرآنِ تنبيهاً على أن المأمورَ به هو الإيمان به ﵊ من حيث أنزل عليه القرآنُ لا من حيثيةٍ أخرى أو على أنَّ المرادَ بها عيسى ﵊ تعريضاً باليهود وتنبيهاً على أن من لم يؤمن به لم يُعتدَّ بإيمانه ﴿واتبعوه﴾ أي في كلِّ ما يأتي وما يذرُ من أمور الدين ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ علةٌ للفعلين أو حال من فاعليهما أي رجاءً لاهتدائكم إلى المطلوب أو راجين له وفي تعليقه بهما إيذانٌ بأن من صدّقه ولم يتبعْه بالتزام أحكام شريعتِه فهو بمعزل من الاهتداء مستمر على الغي والضلال
стр. 1930
﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى﴾ كلامٌ مبتدأ لدفع ما عسى يُوهِمه تخصيصُ كَتْبِ الرحمة والتقوى والإيمان بالآيات بمتّبعي رسولِ الله ﷺ من حِرمانِ أسلافِ قومِ موسى ﵇ من كل خير وبيانِ أن كلَّهم ليسوا كما حُكيت أحوالُهم بل منهم ﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ﴾ أي الناسَ ﴿بالحق﴾ أي ملتبسين به أو يهدونهم بكلمة الحق ﴿وَبِهِ﴾ أي بالحق ﴿يَعْدِلُونَ﴾ أي في الأحكام الجاريةِ فيما بينهم وصيغةُ المضارعِ في الفعلين لحكاية الحالِ الماضيةِ وقيل هم الذين آمنوا بالنبي ﷺ ويأباه أنه قد مر ذكرُهم فيما سلف وقيل إن بني إسرائيلَ لما بالغوا في العتُوّ والطغيان حتى اجترءوا على قتل الأنبياءِ ﵈ تبرّأ سِبطٌ منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله تعالى أن يفرِّق بينهم وبين أولئك الطاغين ففتح الله تعالى لهم نفقاً في الأرض فساروا فيه سنةً ونصفاً حتى خرجوا من وراء الصين وهم اليوم هنالك حنفاءُ مسلمون يستقبلون قِبلتَنا وقد ذكر عنِ النبيِّ ﷺ أنَّ جبريلَ ﵇ ذهب به ليلة الإسراءِ نحوَهم فكلمهم فقال جبريلُ ﵇ هل تعرِفونَ من تكلمون قالوا لا قال هذا محمد النبي الأمي فآمنوا به وقالوا يا رسولَ الله إنَّ موسى أوصانا مَنْ أدرك منكم أحمد غفليقرأ مني ﵇ فرد محمد على موسى السلام ﵉ ثم أقرأهم عشرَ سورٍ من القرآن نزلت بمكة
стр. 1931
الأعراف آية ١٦٠
ولم تكن نزلت يومئذ فريضةٌ غيرَ الصلاة والزكاة أمرهم أن يُقيموا مكانهم وكانوا يسْبِتون فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا البت هذا وأنت خبيرٌ بأن تخصيصَهم بالهداية من بين قومِه ﵊ مع أنَّ منهم مَنْ آمن بجميع الشرائعِ لا يخلو عن بعد
стр. 1932
﴿وقطعناهم﴾ أي قومَ موسى لا الأمةَ المذكورةَ منهم وقرىء بالتخفيف وقوله تعالى ﴿اثنتى عَشْرَةَ﴾ ثاني مفعولي قطع لتضمّنه معنى التصيير والتأنيثُ للحمل على الأمة أو القِطعة أي صيرناهم اثنتي عشْرةَ أمةً أو قطعةً متميزاً بعضُها من بعض أو حالٌ من مفعولِهِ أي فرقناهم معدودين هذا العددَ وقوله تعالى ﴿أسباطا﴾ بدل منه وذلك جُمع أو مميزٌ له على أن كل واحدةٍ من اثنتي عشرةَ قطعةً أسباطٌ لا سبطٌ وقرىء عشِرة بكسر الشين وقوله تعالى ﴿أُمَمًا﴾ على الأول بدلٌ بعدَ بدلٍ أو نعتٌ لأسباطاً وعلى الثاني بدل من أسباكا ﴿وَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى إِذِ استسقاه قَوْمُهُ﴾ حين استولى عليهم العطشُ في التيه الذي وقعوا فيه بسوء صنيعِهم لا بمجرد استسقائِهم إياه ﵊ بل باستسقائه لقوله تعالى وإذ استسقة موسى قومه وقولُه تعالى ﴿أَنِ اضرب بّعَصَاكَ الحجر﴾ مفسرٌ لفعل الإيحاءِ وقد مر بيانُ شأنِ الحَجَر في تفسير سورة البقرة ﴿فانبجست﴾ عطفٌ على مقدَّرٍ ينسحبُ عليه الكلام قد حذفتعويلا على كمال الظهورِ وإيذاناً بغاية مسارعتِه ﵇ إلى الامتثال وإشعاراً بعدم تأثير الضربِ حقيقةً وتنبيهاً على كمال سرعةِ الانبجاسِ وهو الانفجارُ كأنه حصل إثرَ الأمر قبل تحقق الضربِ كما في قوله تعالى اضرب بعصاك فانفلق أي فضرب فابجست ﴿مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ بعدد الأسابط وأما ما قيل من أن التقديرَ فإن ضربت فقد انبجست فغيرُ حقيقٍ بجزالة النظمِ التنزيلي وقرىء عشِرة بكسر الشين وفتحها ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾ كلُّ سبطٍ عبّر عنهم بذلك إيذاناً بكثرة كل واحدٍ من الأسباط ﴿مَّشْرَبَهُمْ﴾ أي عينَهم الخاصةَ بهم ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغمام﴾ أي جعلناها بحيث تُلقي عليهم ظلَّها تسير في التيه بسيرهم وتسكُن بإقامتهم وكان ينزل بالليل عمودٌ من نار يسيرون بضوئه ﴿وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ المن والسلوى﴾ أي الترنجبين والسمانى قيل كان ينزل عليهم المنُّ مثلَ الثلج من الفجر إلى الطلوع لكل إنسانٍ صاعٌ وتبعَثُ الجَنوبُ عليهم السُّمانى فيذبح الرجلُ منه ما يكفيه ﴿كُلُواْ﴾ أي وقلناهم كلوا ﴿مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم﴾ أي مستلذاته وما موصولةً كانت أو موصوفةً عبارةٌ عن المن والسلوى ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ رجوعٌ إلى سنن الكلامِ الأولِ بعد حكايةِ خطابِهم وهو معطوفٌ على جملة محذوفةٍ للإيجاز والإشعارِ بأنه أمرٌ محققٌ غني عن اتصريح به أي فظلموا بأن كفروا بتلك النعمَ الجليلةَ وما ظلمونا بذلك ﴿ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ إذ لا يتخطاهم ضررُه وتقديمُ المفعولِ لإفادة القصْرِ الذي يقتضيه النفيُ السابقُ وفيه ضرب من
стр. 1933
الأعراف آية ١٦١ ١٦٢ التهكم بهم والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على تماديهم فيمَا هُم فيهِ من الظلم والكفر
стр. 1934
﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ منصوبٌ بمضمرٍ خُوطب به النبيُّ ﷺ وإيرادُ الفعلِ على البناء مع استناده إليه تعالى كما يُفصح عنه ما وقع في سورةِ البقرةِ من قولِه تعالى وَإِذْ قُلْنَا للجَريِ على سَنَنِ الكبرياءِ والإيذان بالغِنى عن التصريح به لتعين الفاعلِ وتغيير النظلم بالأمر بالذكر للتشديد في التوبيخ أي أذكُر لهم وقت قولِه تعالى لأسلافهم ﴿اسكنوا هذه القرية﴾ منصوب على المفعولية يقال سكنت الدارَ وقيل على الظرفية اتساعاً وهي بيتُ المقدِس وقيل أريحا وهي قريةُ الجبارين وكان فيها قومٌ من بقية عادٍ يقال لهم العمالقة رأسهم عوجُ بنُ عنقٍ وفي قوله تعالى اسكنوا إيذان بأن امأمور به في سورة البقرة هو الدخول على لوجه السُّكنى والإقامة ولذلك اكتُفي به عن ذكر رغداً في قوله تعالى ﴿وَكُلُواْ مِنْهَا﴾ أي من مطاعمها وثمارِها على أن من تبعيضية أو منها على أنها ابتدائية ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ أي من نواحيها من غير أن يزاحمكك فيها أحدٌ فإن الأكلَ المستمرَّ على هذا الوجه لا يكون إلا رغداً واسعاً وعطفُ كلوا على اسكنوا بالواو لمقارنتهما زماناً بخلاف الدخولِ فأنه مقدمٌ على الأكل ولذلك قيل هناك فكلوا ﴿وَقُولُواْ حطة﴾ أي مئلتنا أو أمرُك حِطةٌ لذنوبنا وهي فِعلة من الحَطّ كالجِلسة ﴿وادخلوا الباب﴾ أي بابَ القرية ﴿سُجَّدًا﴾ أي متطامنين مُخْبتين أو ساجدين شكرا على إخراجهممن التيه وتقديم الأمر باالدخول على الأمر بالقول المذكور في سورة البقرة غيرُ مُخلَ بهذا الترتيب لأن المأمور به هو الجمعُ بين الفعلين من غير اعتبارِ الترتيبِ بينهما ثمَّ إنْ كان المرادُ بالقرية أريحا فقد روي أنهم دخلوها حيث سار إليها موسى ﵇ بمن بقيَ من بني إسرائيلَ أو بذراريهم على اختلاف الروايتين ففتحها كما مر في سورة المائدة وأما إن كانت بيتَ المقدس فقد رُوي أنهم لم يدخُلوه في حياة مُوسى ﵇ فقيل المرادُ بالباب بابُ القُبة التي كانوا يصلّون إليها ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خطيئاتكم﴾ وقرىء خطاياكم كما في سورة البقرةِ وتُغفَرْ لكم خطيئاتُكم وخطاياكم وخطيئتُكم على البناء للمفعول ﴿سَنَزِيدُ المحسنين﴾ عِدةٌ بشيئين بالمغفرة وبالزيادة وطرح الواو ههنا لا يخل بذلك لأنه استئنافٌ مترتبٌ على تقدير سؤال نشأ من الإخبار بالغفران كأنه قيل فماذا لهم بعد الغفرانِ فقيل سنزيد وكذلك زيادةٌ منهم زيادةَ بيان
стр. 1935
﴿فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ بما أُمروا به من التوبة والاستغفارِ حيث أعرضوا عنه ووضعوا موضعَه ﴿قَوْلاً﴾ آخ رمما لا خيرَ فيه رُوي أنهم دخلوه زاحفين على أستاههم وقالوا مكانَ حطةٌ حنطة وقيلقالوا بالنبطية حطاً شمقاثاً يعنون حنطةً حمراءَ استخفافاً بأمر الله تعالى واستهزاءً بموسى عليه السلام
стр. 1936
الأعراف ى ية ١٦٣
والسلام وقوله تعالى ﴿غَيْرَ الذى قِيلَ لَهُمْ﴾ نعتٌ لقولاً صرّح بالمغايرة مع دِلالة التبديلِ عليها قطعاً تحقيقاً للمهالفة وتنصيصاً على المغايرة من كل وجه ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ﴾ إثرَ ما فعلُوا ما فعلُوا من غير تأخير وفي سورة البقرة عَلَى الذين ظَلَمُواْ والمعنى واحدٌ والإرسالُ من فوق فيكون كالإنزال ﴿رِجْزًا مّنَ السماء﴾ عذاباً كائناً منها والمراد الطاعون وروي أنه مات منهم في ساعة واحدةٍ أربعةٌ وعشرون ألفاً ﴿بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ﴾ بسببظلمهم المستمرِّ السابق واللاحقِ حسبما يفيدُه الجمعُ بينَ صيغتي المَاضِي والمستقبلِ لا بسبب التبديلِ فقط كما يُشعِرُ به ترتتي الإرسالِ عليه بالفاء والتصريحُ بهذا التعليل لما أن الحكم ههنا مترتبٌ على المضمر دون الموصولِ بالظلم كما في سورة البقرةِ وأما التعليلُ بالفسق بعد الإشعارِ بعلّية الظلمِ فقد مر وجهُه هناك والله تعالى أعلم
стр. 1937
﴿واسألهم﴾ عطفعلى المقدر في إذ قيل أي واسأل اليهودَ المعاصرين لك سؤالَ تقريعٍ وتقرير بقديم كفرَهم وتجاوزَهم لحدود الله تعالى وإعلاما بأن ذلك مع كونه من علومهم الخفيةِ التي لا يقف عليها إلا من مارس كتبَهم قد أحاط به النبيُّ ﷺ خُبْراً وإذ ليس ذلك بالتلقي من متبهم لأنه ﷺ بمعزل من ذلك تعين أنه من الجهة الوحي الصريح ﴿عَنِ القرية﴾ أي عن حالها وخيرها وما جرى على أهلها من الداهية الدهياءِ وهي أَيْلَةُ قريةٌ بين مدْيَنَ والطور وقيل هي مدينُ وقيب طبرية والعرب تسمي المدينةَ قرية ﴿التى كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر﴾ أي قريبةً منه مشرقة على شاطئه ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِى السبت﴾ أي يتجاوزون حدودَ الله تعالى بالصيد يوم السبت وإذ ظرفٌ للمضاف المحذوفِ أو بدلٌ منه وقيل ظرفٌ لكانت أو حاضرة وليس بذاك إذْ لا فائدةَ في تقييد الكونِ أو الحضور بوقت العجة وان وقرىء يعدون وألصه يعتدون ويُعِدّون من الإعداد حيث كانوا يُعِدّون آلاتِ الصيد يوم السبت منهيّون عن الاشتغال فيه بغير العبادة ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ﴾ ظرفٌ ليَعْدون أو بدلٌ بعد بدلٍ والأولُ هو الأولى لأن السؤالَ عن عداوتهم أدخلُ في التقريع والحيتانُ جمعُ حوتٍ قُلبت الواوُ ياءً لانكسار ما قبلها كنونٍ ونينانٍ لفظاً ومعنى وإضافتُها إليهم للإشعار باختصاصها به لاستقلالها بما لا يكاد يوجد في سائر أفرادِ الجنس من الخواصّ الخارقةِ للعادة أو لأن المرادَ بها الحيتانُ الكائنةُ في تلك الناحيةِ وأن ما ذُكر من الإتيان وعدمِه لاعتيادها أحوزالهم ف عدم التعرّض يوم السبت ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ ظرفٌ لتأتيهم أي تأتيهم يومَ تعظيمِهم لأمر السبت وهو مصر سَبَتت اليهودُ إذا عظّمت السبْت بالتجرد للعبادة وقيل اسمٌ لليوم والإضافةُ لاختصاصهم بأحكام فيه ويؤيد الأولَ قراءةُ من قرأ يوم أسباتِهم وقوله تعالى ﴿شُرَّعًا﴾ جمعُ شارع من شرع عليه إذا دنا وأشرف وهو حا من حيتانُهم أي تأتيهم يوم سبْتِهم ظاهرةً على وجه الماء قريبةً من الساحل ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾ أي لا يراعون أمرَ اسبت لكن لا بمجرد عدمِ المراعاةِ مع تحقق يوم السبتِ كما هو المتبادرُ بل مع انتفائهما معاً أي لا سبت ولا مراعاة كما في قوله ولَا ترَى الضبَّ بها ينجحِرُ وقرىء
стр. 1938
الأعراف آية ١٦٤ لا يُسبتون من أسبت ولا يُسبَتون على البناء للمفعول بمعنى لا يدخلون في السبت ولا يُدار عليهم حكمُ السبتِ ولا يؤمرون فيه بما أمروا به يوم السبت ﴿لَا تَأْتِيهِمْ﴾ كما كانت تأتيهم يوم السبت حذارا من صيدهم وتغيرر السبْكِ حيث لم يقل ولا تأتيهم يوم لا يسبتون لما أن الإخبارَ بإتيانها يوم سبْتهم مظِنةُ أن يقال فماذا حالهم يوم لا يسبتون فقيل يوم لا يسبتون لا تأتيهم ﴿كذلك نَبْلُوهُم﴾ أي مثلَ ذلك البلاءِ العجيب الفظيعِ نعاملهم معاملةَ من يختبرهم ليظهر عدواتهم ونؤاخذهم به وصيغةُ المضارعِ لحكايةِ الحالِ الماضيةِ لاستحضار صورتها والتعجيبِ منها ﴿بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ أي بسبب فسقِهم المستمرِّ المدلولِ عليه بالجمع بين صيغتي الماضي والمستقبلِ لكن لا في تلك المادةِ فإن فسقَهم فيها لا يكون سبباً للبلوى بل بسبب فسقهم المستمر في كلِّ ما يأتُون وما يذرون وقيل كذلك متصلٌ بما قبله أي لا تأتيهم مثلَ ما تأتيهم يوم سبتهم فاجملة بعده حينئذ استئنافٌ مبنيٌّ على السؤالِ عن حكمة اختلافِ حال الحيتانِ بالإتيان تارة وعدمِه أخرى
стр. 1939
﴿وَإِذْ قَالَتِ﴾ عطفٌ على إذ يعدون مَسوقٌ لتماديهم في العدوان وعدمِ انزجارِهم عنه بعد العظاتِ والإنذارات ﴿أُمَّةٌ مّنْهُمْ﴾ أي جماعةٌ من صلحائهم الذين ركبوا في عِظتهم متن كلِّ صعبٍ وذَلول حتى يئسوا من احتمال القبولِ لآخرين لا يقلعون عن التذكيررجاء للنفع والتأثير مبالغةً في الإعذار وطمعاً في فائدة الإنذار ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ﴾ أي مخترِمُهم بالكلية ومطهرُ الأرض منهم ﴿أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا﴾ دون الاستئصال بالمرة وقيل مهلكهم مخزيهم في الدنيا أو معذبُهم في الآخرة لعدم إقلاعِهم عمَّا كانوا عليه من الفسق والطغيانِ والترديد لمنه الخلوِّ دون منع الجمعِ فإنهم مهلَكون في الدنيا ومعذَّبون في الآخرة وإيثارُ صيغةِ اسمِ الفاعل مع أن كلاًّ من الإهلاك والتعذيب مترقَّبٌ للدِلالة على تحققهما وتقرُّرِهما البتةَ كأنهما واقعان وإنما قالوه مبالغةً في أن الوعظَ لا ينجع فيهم أو ترهيباً للقوم أو سؤالاً عن جكمة الوعظِ ونفعِه ولعلهم إنما قالوه بمحضر من القوم حثاً لهم على الاتعاظ فإن بتَّ القولِ بهلاكهم وعذابهم بما يُلقي في قلوبهم الخوفَ والخشيةَ وقيل المرادُ طائفةٌ من الفِرقة الهالكةِ أجابوا به وُعّاظَهم رداً عليهم وتهكماً بهم وليس بذاك كما ستقف عليه ﴿قَالُواْ﴾ أي الوعاظُ ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ﴾ أي نعظُهم معذرةً إليه تعالى على أنَّه مفعولٌ له وهو الأنسب بظاهر قولِهم لمَ تعِظون أو نعتذر معذرةً على أنه مصدرٌ لفعل محذوفٍ وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي موعظتُنا معذرةٌ إليه تعالى حتى لا نُنسَبَ إلى نوع تفريطٍ في النهي عن المنكر وفي إضافة الربِّ إلى ضمير المخاطَبين نوع تعرض بالسائلين ﴿ولعلهم يتقون﴾ عطفعلى معذرةً أي ورجاءً لأن يتقوا بعضَ التقاة وهذا صريحٌ في أنَّ القائلين لمَ تعظون الخ ليسوا من الفِرقة الهالكةِ وإلا لوجب الخطاب
стр. 1940
الأعراف آية ١٦٥ ١٦٦
стр. 1941
﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ﴾ أي تركوا ما ذكرهم به صلحاؤُهم تركَ الناسي للشيء وأعرضوا عنه إعراضاً كلياً بحيث لم يخطر ببالِهم شيءٌ من تلك المواعظ أصلاً ﴿أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء﴾ وهم الفريقان المذكورانِ وإخراجُ إنجائهم مخرج الحواب الذي حقُّه الترتبُ على الشرط وهو نِسيانُ المعتدين المستتبِعُ لإهلاكهم لما أن ما في حيز الشرط شيآنِ النسيانُ والتذكيرُ كأنه قيل فلما ذكر المذكرون ولم يتذكر المعتدون أنجينا الأولين وأخذنا الآخَرين وأما تصديرُ الجواب بإنجائهم فلما مر مراراً من المسارعة إلى بيان نجاتِهم من أول الأمرِ مع ما في المؤخر من نوع طُول ﴿وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ﴾ بالاعتداء ومخالفةِ الأمر ﴿بِعَذَابٍ بئيس﴾ أيشديد وزناً ومعنى من بَؤُس يبؤُس بأساً إذا اشتد وقرىء بيئس على وزن فيعل بفتح العين وكسرها وبئس كحذر على تخفيف العين ونقلِ حركتِها إلى الفاء ككَبِد في كبد وءيس بقلب الهمزة ياءً كذيب في ذئب وبيّس كريّس بقلب همزةِ بئيس ياءً وإدغام الياء فيها وبَيْسٍ على تخفيف بيّس كهَيْن في هيّن وتنكيرُ العذاب للتفخيم والتهويل ﴿بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ متعلقٌ بأخذنا كالباء الأولى ولا ضيرَ فيه لاختلافهما معنى أي أخذناهم بما ذُكِرَ من العذابِ بسبب تماديهم في الفسق الذي هو الخروجُ عن الطاعة وهو الظلمُ والعدوانُ أيضاً وإجراءُ الحكم على الموصول وإن أشعرَ بعلية مَا في حيزِ الصِّلةِ له لكنه صرّح بالتعليل المذكورِ إيذاناً بأن العلةَ هو الاستمرارُ على الظلم والعدوان مع اعتبار كونِ ذلك خروجاً عن طاعةِ الله لا نفسُ الظلم والعدوان وإلا لما أخّروا عن ابتجاء المباشرة ساعة ولعله تعالى قد عذبهم بعذاب شديد دون الاستئصالِ فلم يُقلعوا عما كانوا عليه بل ازدادوا في الغي فمسخهم بعد ذلك لقوله تعالى
стр. 1942
﴿فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ﴾ أي تمرّدوا وتكبروا وأبوا أن يتركواما نُهوا عنه ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين﴾ صاغرين أذلاء بعجاء عن الناس والمرادُ بالأمر هو الأمرُ التكوينيُّ لا القولي وترتيبُ المسخِ على العتو عن الانتهاءِ عمَّا نُهوا عنْهُ للإيذان بأنه ليس لخصوصيات الحوتِ بل العمدةُ في ذلك هو مخالفةُ الأمر وة الاستعصاء عليه تعالى وقيل المرادُ بالعذاب البئيس هو المسخُ والجملةُ الثانية تقريرٌ للأولى روي أن اليهودَ أُمروا باليوم الذي أُمرنا به وهو يومُ الجمعة فتركوه واختاروا السبت وهو المعنيُّ بقوله تعالى إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فِيهِ فابتُلوا به وحُرّم عليهم الصيدُ فيه وأمرة وا بتعظزيمه فكانت الحيتانُ تأتيهم يوم السبت كأنها المخاضُ لا يُرى وجهُ الماء لكثرتها ولا تأتيهم في سائر الأيامِ فكانوا على ذلك برهةً من الدهر ثم جاءهم غبليس فقال لهم إنما نُهيتم عن أخذها يوم السبت فاتخذوا حياض سهلة الورود صعبة الصجور ففعلوا فجعلوا يسوقون الحيتانَ إليها يوم السبت فلا تقدر على الخروج منها ويأخذونها يوم الأحد وأخذ رجل منهم حوتاً وربط في ذنبه خيطاً إلى
стр. 1943
الأعراف آية ١٦٧ ١٦٨ خشبة في الساحل ثم شواه يوم الأحد فوجد جاره ريح السمك فتطاله في تنّوره فقال له إني أرى الله سيعذبك فلما لم يَرَه عُذّب أخذ في يوم السبت القابلِ حُوتين فلما رأوا أن العذابَ لا يعاجلُهم استمروا على ذلك فصادوا وأكلوا وملّحوا وباعوا وكانوا نحواً من سبعين ألفاً فصار أهلُ القرية أثلاثاً ثلثٌ استمروا على النهي وثلثٌ ملُّوا التذكير وسئِموه وقالوا للواعظين لم تعِظون الخ وثلث باشروا الخطيئة فلما لم ينتهوا قال المسلمون نحن لا نساكنُكم فسموا القريةَ بجدار للمسلمين بابٌ وولمعتدين باب ولعنهم داودُ ﵇ فأصبح الناهون ذاتَ يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتديم أحد فقالوا إن لهم لشأناً فعَلَوا الجدارَ فنظروا فغذا هم قردةٌ ففتحوا الباب ودخلوا عليهم فعرفتالقدرة أسباءهم من الإنس وهم لا يعرفونها فجعل القردُ يأتي نسيبَه فيشم ثيابه فيبكي فيقول له نسيبُه ألم ننهَكم فيقول القردُ برأسه بللا ثم ماتوا عن ثلاث وقيل صار الشباة قردةً والشيوخُ خنازير وعن مجاهد رضي اللهعنه مُسخت قلوبُهم وقال الحسن البصري أكلوا وااله أوخَمَ أكلةٍ أكلها أهلُها أثقلُها خزياً في الدنيا وأطولُها عذاباً في الآخرة هاه وأيمُ الله ما حوتٌ أخذه قومٌ فأكلوه أعظمُ عند الله من قتل رجل مسلم ولكن الله تعالى جعل موهدا والساعةُ أدهى وأمرّ
стр. 1944
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ منصوبٌ على المفعوليةِ بمضمرِ معطوفٍ على قوله تعالى واسألهم وتأذّن بمعنى آذن كما أن توعّد بمعنى أوعد أو بمعنى عزم فإن العازمَ على الأمر يحدث به نفسه وأُجري مُجرى فعل القسمِ كعلم الله وشهد الله فلذك أجيب بجوابه حيث قيل ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القيامةِ﴾ أي واذكر لهم وقت إيجابِه تعالى على نفسه أن يسلِّط على اليهود البتة ﴿مَن يَسُومُهُمْ سُوء العذاب﴾ كالإذلال وضربِ الجزية وغير ذلكَ من فنونِ العذابِ وقد بعثَ الله تعالى عليهم بعد سليمانَ ﵇ بُختَ نَصّر فخرّب ديارهم وقتل مقاتِلتَهم وسبى نساءَهم وذرارِيَهم وضربِ الجزية على مَنْ بقي منهم ووكانوا يؤدّونها إلى المجوس حتى بعث النبيِّ ﷺ ففعل ما فعل ثم ضرب الجزيةَ عليهم فلا تزوال مضروبةً إلى آخر الدهر ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العقاب﴾ يعاقبهم في الدنيا ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لمن تاب وآمن منهم
стр. 1945
﴿وقطعناهم﴾ أي فرقنا بني إسرائيلَ ﴿فِى الأرض﴾ وجعلنا كل فِرقةٍ منهم في قُطر من أقطارها بحيث لا تخلوا ناحيةٌ منها منهم تكملةً لأدبارهم حتى لا تكون لهم شوكةٌ وقوله تعالى ﴿أُمَمًا﴾ إما مفعولٌ ثانٍ لقطّعنا أو حالٌ من مفعوله ﴿مّنْهُمُ الصالحون﴾ صفةٌ لأمماً أو بدلٌ منه وهم الذين آمنوا بالمدينة ومن يسير بسيرتهم ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك﴾ أي ناسٌ دون ذلك الوصفِ أي منحطّون عن الصلاح وهم كَفرتُهم وفَسَقتُهم ﴿وبلوناهم بالحسنات والسيئات﴾
стр. 1946
بالنعم والنقم ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عمَّا كانُوا فيهِ منَ الكفرِ والمعاصي
стр. 1947
﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أي من بعد المذكورين ﴿خَلْفٌ﴾ أي بدلُ سوءٍ مصدرٌ نُعت به ولذلك يقعُ على الواحدِ والجمعِ وقيل جمع وهو شائعٌ في الشر والخَلَفُ بفتح اللام في الخير والمرادُ به الذين كانوا في عصر رسول الله ﷺ ﴿وَرِثُواْ الكتاب﴾ أي التوراةَ مِن أسلافهم يقرءونها ويقفُون عَلى ما فَيها ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الادنى﴾ استئنافٌ مَسوقٌ لبيان ما يصنعون بالكتاب بعد وراثتِهم إياه أي يأخذون حُطامَ هذا الشيءِ الأدنى أي الدنيا وهو من الدنو أو الدناءة والمرادُ به ما كانوا يأخذونه من الرِّشا في الحكومات وعلى تحريف الكلاموقيل حال من واو ورثوا ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ ولا يؤاخذُنا الله تعالى بذلك ويتجاوز عنه والجملةُ تحتمل العطفَ والحالية والفعلُ مسندٌ مسندٌ إلى الجار والمجرور أو مصدر يأخذون ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ حال من الضمير في لنا أي يرجعون المغفرةَ والحال أنهم مُصِرّون على الذنب عائدون إلى مثله غيرَ تائبين عنه ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مّيثَاقُ الكتاب﴾ أي الميثاقُ الواردُ في الكتاب ﴿أَن لَاّ يِقُولُواْ عَلَى الله إِلَاّ الحق﴾ عطفُ بيانٍ للميثاق أو متعلق به أي بأن لا يقولوا الخ والمرادُ به الردُّ عليهم والتوبيخُ على بتّهم القولَ بالمغفرة بلا توبةٍ والدِلالةُ على أنها افتراءٌ على الله تعالى وخروجٌ عن ميثاق الكتاب ﴿وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ﴾ عطفٌ على ألم يؤخذ من حيث المعنى فإنه تقريرٌ أو على ورِثوا وهو اعتراض ﴿والدار الاخرة خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ ما فعل هؤلاء ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فتعلموا ذلك فلا تستبدلوا الأدنى المؤدّي إلى العقاب بالنعيم المخلّد وقرىء بالياء وفي الالتفات تشديدٌ التوبيخ
стр. 1948
﴿والذين يُمَسّكُونَ بالكتاب﴾ أي يتمسكون في أمور دينهم يقال مسَك بالشيء وتمسّك به قال مجاهد هم الذين آمنوا من أهلِ الكتابِ كعبدِ اللَّه بنُ سَلَامٍ وأصحابِه تمسكوا بالكتاب الذي جاءَ به موسَى ﵇ فلم يحرّفوه ولم يكتُموه ولم يتخذوه مأكلةً وقال عطاء هم أمة محمدٍ ﷺ وقرىء يُمْسِكون من الإمساك وقرىء تمسكوا واستمسكوا موافقاً لقوله تعالى ﴿وأقاموا الصلاة﴾ ولعلالتغيير في المشهور للدلالة على أن التمسّك بالكتاب أمرٌ مستمرٌ في جميع الأزمنة بخلاف إقامةِ الصلاة فإنها مختصةٌ بأوقاتها وتخصيصُها بالذِّكرِ من بين سائر العبادات لإنافتها عليها ومحلُّ الموصولِ إما الجرُّ نسقاً على الذين يتقون وقولُه أفلا تعقلون اعتراضٌ مقرر لما قبله وإما الرفعُ على الابتداءِ والخبرُ قوله تعالى ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ المصلحين﴾ والرابطُ إما الضميرُ المحذوفُ كما هو رأيُ جمهورِ البصْريين والتقديرُ أجرُ المصلحين منهم وإما الألفُ واللامُ كما هو رأيُ الكوفيِّينَ فإنه في حكم مُصلحيهم كما في قوله تعالى فإن الجنة
стр. 1949
الأعراف آية ١٧١ ١٧٢
هِىَ المأوى أي مأواهم وقولُه تعالى مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الابواب أي أبوابُها وإما العمومُ في مصلحين فإنه من الروابط ومنه نعم الرجلُ زيدٌ على أحد الوجة وه وقيل الخبرُ محذوفٌ والتقديرُ والذين يمسّكون بالكتاب مأجورون أو مثابون وقوله تعالى إِنَّا لَا نُضِيعُ الخ اعتراضٌ مقرر لما قبله
стр. 1950
﴿وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ﴾ أي قلعناه من مكانه ورفعناه عليهم ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ أي سقيفةٌ وهي كلُّ ما أظلك ﴿وَظَنُّواْ﴾ أي تيقنوا ﴿أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ ساقطٌ عليهم لأن الجبلَ لا يثبُت في الجو لأنهم كانوا يُوعَدون به وإطلاق الظن في الحطكاية لعدم وقوعِ متعلَّقِه وذلك أنهم أبَوْا أن يقبلوا أحكامَ التوراة لثقلها فرفع الله تعالى عليهم الططور وقيل لهم إن قبِلتم ما فيها فبها وإلا ليقعَنَّ عليكم ﴿خُذُواْ ما آتيناكم﴾ أي وقلنا أو قائلين خذوا ما آتيناكم من الكتاب ﴿بقوة﴾ بحدو عزيمة على تحمل مشاقِّه وهو حالٌ من الواو ﴿واذكروا مَا فِيهِ﴾ بالعمل ولا تتركوه كالمنسيِّ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ بذلك قبائحَ الأعمالِ ورذائلَ الأخلاق أو راجين أن تنتظِموا في سلك المتقين
стр. 1951
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ منصوبٌ بمضمرٍ معطوفٌ على ما انتصب به إذ نتقنا مَسوقٌ للاحتجاج على اليهود بتذكير الميثاقِ العام المنتظمِ للناس قاطبةً وتوبيخِهم بنقضه إثرَ الاحتجاج عليهم بتذكير ميثاقِ الطورِ وتعليقُ الذكر بالوقت مع أن المقصودَ تذكيرُ ما وقع فيه من الحوزادث قد مر بيانُه مراراً أي واذكرُ لهم أخذ ربُّك ﴿مِن بَنِى آدم﴾ المرادُ بهم الذين وَلدَهم كائناً من كان نسلاً بعد نسلٍ سوى مَنْ لم يولدْ له بسبب من الأسباب كالعُقم وعدمِ التزوج والموت صغير وإيثارُ الأخذ على الإخراج للإيذان بالاعتناء بشأن المأخوذِ لما فيه من الإنباء عن الاجتناء والاصطفاء هو السببُ في إسناده إلى اسم الربِّ بطريق الالتفاتُ مع ما فيه من التمهيد للاستفهام الآتي وإضافتُه إلى ضميره ﷺ للتشريف وقوله تعالى ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ بدلٌ من بني آدمَ بدلَ البعضِ بتكرير الجار كما في قوله تعالى لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ آمن منهم ومن في الموضعين ابتدائيةٌ وفيه مزيدُ تقريرٍ لابتنائه على البيان بعد الإبهامِ والتفصيلُ غب الإجمال وتنبيه على أن الميثاقَ قد أُخذ منهم وهم في أصلاب الآباءِ ولم يُستودَعوا في أرحام الأمهات وقوله تعالى ﴿ذُرّيَّتُهُم﴾ مفعولُ أخذَ أُخِّر عن المفعول بواسطة الجارِّ لاشتماله على ضمير راجعٍ إليه ولمراعاة أصالتِه ومنشتيته ولما مرا مراراً من التَّشويقِ إلى المؤخّر وقرىء ذرّياتِهم والمرادُ بهم أولادُهم على العموم فيندرج فيهم اليهودُ المعاصِرون لرسول الله ﷺ اندراجاً أولياً كما اندرج أسلافُهم في بني آدم كذلك وتخصيصُهما باليهود سلفاً وخلفاً مع أن ما أريد بيانُه من بديع صنع الله تعالى شاملٌ للكل كافة مُخِلٌّ بفخامة التنزيلِ وجزالةِ التمثيل ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ أي أشهد كل واحدةٍ من أولئك الذرياتِ المأخوذين من
стр. 1952
الأعراف آية ١٧٣
ظهور آبائهم على نفسها لا على غيرها تقريراً لهم بربوبيته التامةِ وما تستتبعه من المعبودية على الاختصاص وغيرِ ذلك من أحكامها وقوله تعالى ﴿أَلَسْتَ بربكم﴾ على إرادى ة القولِ أي قائلاً ألست بربكم ومالكَ أمرِكم ومربيكم على الإطلاق من غير أن يكون لأحد مدخلٌ في شأن من شئونكم فينتظم استحقاقُ المعبودية ويستلزم اختصاصَه به تعالى ﴿قَالُواْ﴾ استئناف مبنيٌّ على سؤال نشأَ من الكلامِ كأنَّه قيل فماذا قالوا حينئذ فقيل ﴿قالوا بلى شَهِدْنَا﴾ أي على أنفسنا بأنك ربنا وإلهنا لا ربَّ لنا غيرُك كما ورد في الحديث الشريف وهذا تمثيلٌ لخلقه تعالى إياهم جميعاً في مبدأ الفطرةِ مستعدين للاستدلال بالدلائل المنصوبةِ في الآفاق والأنفسِ المؤدية إلى التوحيد والإسلامِ كما ينطِق به قوله ﷺ كلُّ مولودٍ يُولد على الفطرة الحديث مبنيٌّ على تشبيه الهيئةِ المنتزَعَةِ من تعريضه تعالى إياهم لمعرفة ربوبيتِه بعد تمكينِهم منها بما رَكَّز فيهم من العقول والبصائر ونصبَ لهم في الآفاق والأنفسِ من الدلائل تمكيناً تاماً ومن تمكنهم منها تمكنا كاملا وتعهرضهم لها تعرضاً قوياً بهيئة منتزعةٍ من حمله تعالى إياهم على الاعتراف بها بطريق الأمرِ ومن مسارعتهم إلى ذلك من غير تلعثم أصلاً من غير أن يكون هناك أخذٌ وإشهادٌ وسؤالٌ وجواب كما في قوله تعالى فَقَالَ لهاوللأرض ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ وقوله تعالى ﴿أَن تَقُولُواْ﴾ بالتاء على تلوين الخطابِ وصرفِه عن رسول الله ﷺ إلى معاصريه من اليهود تشديداً في الإلزام أو إليهم وإلى متقدّميهم بطريق التغليبِ لكن لا من حيث إنهم مخاطَبون بقوله تعالى أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ فإنه ليس من الكلام المحكىء وقرىءبالياء على أن الضمير للذرية وأيا ما كان فهو مفعولٌ له لما قبله من الأخذ والإشهاد أيْ فعلنَا ما فعلنَا كراهةَ أن تقولوا أو لئلا تقولوا أيها الكفرةُ أو يقولوا هم ﴿يَوْمُ القيامة﴾ عند ظهور الأمرِ ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا﴾ عن وحدانية الربوبيةِ وأحكامِها ﴿غافلين﴾ لم ننبه عليه فإنه حيث جُبلوا على ما ذكر من التهيؤ التامِّ لتحقيق الحقِّ والقوة القريبةِ من الفعل صاروا محجوجين عاجزين عن الاعتذار بذلك إِذْ لا سبيلَ لأحدٍ إلى إنكار ما ذُكر من خلقَهم على الفطرة السليمةِ وقوله تعالى
стр. 1953
﴿أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آباؤنا﴾ عطف على تقولوا وأو لمنعِ الخلوِّ دونَ الجمعِ أي هم اخترعوال الإشراكَ وهم سنّوه ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل زمانِنا ﴿وَكُنَّا﴾ نحن ﴿ذُرّيَّةً مّن بَعْدِهِمْ﴾ لا نهتدي إلى السبيل ولا نقدِر على الاستدلال بالدليل ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المبطلون﴾ من آبائنا المُضلّين بعد ظهور أنهم المجرمون ونحن عاجزون عن التجبير والاستبداج بالرأي أو تؤاخذنا فتهلكنا الخ فإنَّ ما ذُكر من استعدادهم الكاملِ يسُدّ عليهم بابَ الاعتذار بهذا أيضاً فإن التقليدَ عند قيامِ الدلائلِ والقدرةِ على الاستدلال بها مما لا مساغَ له أصلاً هذا وقد حُملت هذه المقاولة على الحقيقة كما رُوي عن ابنِ عباس ﵄ من أنه لما خلقَ الله تعالى آدمَ ﵇ مسحَ ظهرَه فأخرج منه كلَّ نسَمةٍ هو خالقُها إلى يوم القيامة فقال أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى فنودي يومئذ جَفّ القلمُ بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة وقد روي عن عمر ﵁ أنَّه سئل عن الآية الكريمة فقال سمعت رسول الله ﷺ سُئل عنها فقال إنَّ الله تعالى خلق آدمَ ثم مسحَ ظهرَه بيمينه فاستخرج منه ذريةً فقال خلقت هؤلاء للجنة
стр. 1954
الأعراف آية ١٧٤ ١٧٥ وبعمل أهلِ الجنة يعملون ثم مسح ظهرَه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهلِ النار يعملون وليس المعنى أنه تعالى أخرج الكلَّ من ظهره ﵊ بالذات بل أخرج من ظهره ﵇ أبناءَه الصُّلبية ومن ظهرهم أبناءَهم الصلبية وهكذا إلى آخر السلسلة لكن لما كان المظهر الأصلي ظهره ﵊ كان مَساقُ الحديثين الشريفين بيانَ حال الفريقين إجمالا من غير أيتعلق بذكر الوسايط غرض علمي نسلب إخراجِ الكلِّ إليه وأما الآيةُ الكريمة فحيث كانت مسوقةً للاحتجاج على الكفرة المعاصرين لرسول الله ﷺ وبيانِ عدمِ إفادةِ الاعتذارِ بإسناد الإشراكِ إلى آبائهم اقتضى الحالُ نسبةَ إخراجِ كل واحدٍ منهم إلى ظهر أبيهم من غير تعرّضٍ لإخراج الأبناءِ الصلبيةِ لآدم ﵇ من ظهره قطعاً وعدمُ بيان الميثاقِ في حديث عمرَ رضي الله تعالى عنه ليس بياناً لعدمه ولا مستلزِماً له وأما ما قالُوا من أنَّ أخذَ الميثاق لإسقاط عذرِ الغفلةِ حسبما ينطِق به قوله تعالى أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافلين ومعلوم أنه غيرُ دافع لغفلتهم في دار التكليفِ إذ لا فردٍ من أفراد البشر يذكُر ذلك فمردودٌ لكنْ لا بما قيلَ من أن الله قد أوضح الدلائلَ على وحدانيته وصدقِ رسلهِ فيما أَخبروا به فمن أنكره كان معانداً ناقضاً للعهد ولزِمتْه الحُجة ونسيانُهم وعدمُ حفظهم لا يُسقط الاحتجاجَ بعد إخبار المخبِرِ الصادقِ بل بأن قوله تعالى أَن تَقُولُواْ الخ ليس مفعولا لا لقوله تعالى وَأَشْهَدَهُمْ وما يتفرَّع عليه من قوله بلى شهِدنا حتى يجب كونُ ذلك الإشهادِ والشهادة محفوظاً لهم في إلزامهم بل لفعل مضمر ينسحب عليه الكلامُ والمعنى فعلنَا مَا فعلنَا منْ الأمر بذكر الميثاقِ وبيانِه كراهةَ أن تقولوا أو لئلا تقولوا أيها الكفرةُ يوم القيامة إنا كنا غافلين عن ذلك الميثاقِ لم نُنَبَّه عليه في دار التكليفِ وإلا لعمِلنا بموجبه هذا على قراءة الجمهور وأما على القراءة بالياء فهو مفعول له لنفس الأمر المضمرِ العاملِ في إذ أخذ والمعنى اذكُرْ لهم الميثاقَ المأخوذَ منهم فيما مضى لئلا يعتذروا يوم القيامة بالغفلة عنه أو بتقليد الآباءِ هذا على تقديرِ كونِ قوله تعالى شَهِدْنَا من كلام الذرية وهو الظاهرُ فأما على تقديرِ كونِه من كلامه تعالى فهو العامل في أن تقولوا ولا محذور ألأصلا إذ المعنى شهِدنا قولَكم هذا لئلا تقولوا يوم القيامة الخ لأنا نردكم ونكذبكم حينئذ
стр. 1955
﴿وكذلك﴾ إشارةٌ إلى مصدر الفعل المذكور بعجه وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو شأنِ المُشَارِ إليهِ وبُعْدِ منزلتِه والكاف مقحمة لما أفاده اسمُ الإشارةِ من الفخامة والتقديمُ على الفعلِ لإفادةِ القصْر ومحلُه النصبُ على المصدرية أي ذلك التفصيلَ البليغَ المستتبِعَ للمنافع الجليلة ﴿نُفَصّلُ الآيات﴾ المذكورةَ لا غيرَ ذلك ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وليرجعوا عمَّا هُم عليهِ من الإصرار على الباطل وتقليدِ الآباء نفعل التفصيلَ المذكورَ قالوا إن ابتدائيتان ويجوز أن تكون الثانيةُ عاطفةً على مقدَّرَ مترتبٍ على التفصيل أي وكذلك نفصل الآيات ليقفوا عَلى ما فَيها من المرغّبات والزواجر وليرجعوا الخ
стр. 1956
﴿واتل عليهم﴾ عطف
стр. 1957
الأعراف آية ١٧٦
على المضمرِ العاملِ في غذ أخذ واردٌ على نمطه في الإنباء عن الحَوْر بعد الكَوْر والضلالةِ بعد الهدى أي واتل على اليهود ﴿نَبَأَ الذى آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ أي خبَره الذي له شأنٌ وخطَرٌ وهو أحدُ علماءِ بني إسرائيلَ وقيل هو بلعمُ بنُ باعوراءَ أو بلعامُ بنُ باعر من الكنعانيين أوتي علمَ بعضِ كتبِ الله تعالى وقيلَ هُو أُميةُ بنُ أبي الصَّلْت وكان قد قرأ الكتبَ وعلم أن الله تعالى مرسِلٌ في ذلك الزمان رسولاً ورجا أن يكون هو الرسولَ فلما بعث الله تعالى النبيِّ ﷺ حسَده وكفر به والأولُ هو الأنسبُ بمقام التوبيخ اليهود بهَناتهم ﴿فانسلخ مِنْهَا﴾ أي من تلك الآيات انسلاخَ الجِلد من الشاة ولم يُخطِرْها بباله أصلاً أو خرج منها بالكلية بأن كفر بها ونبذها وراء ظهرِه وأياً ما كان فالتعبير عنه بالانسلاخ المنبىءعن اتصال المحيد بالمُحاط خلقةً وعن عدم الملاقاة بينهما أبداً للإيذان بكمال مباينتِه للآيات بعد أن كان بينهما كمالُ الاتصال ﴿فَأَتْبَعَهُ الشيطان﴾ أي تبعه حتى لحِقه وأدركه فصار قريناً له وهو المعنى على قراءة فاتّبعه من الافتعال وفيه تلويحٌ بأنه أشدُّ من الشيطان غَوايةً أو أتبعه خُطُواتِه ﴿فَكَانَ مِنَ الغاوين﴾ فصار من زمرة الضالين الراسخين في الغَواية بعد أن كان من المهتدين وروي أن قومه طلبوا إليه أن يدعوَ على موسى عليه السلامك فقال كيف أدعو على مَنْ معه الملائكة فلم يزالوا به حتى فعل فبقُوا في التيه ويرده أن التيهَ كان لموسى ﵇ رَوْحاً وراحة وإنما عُذب به بنو إسرائيل وقد كان ذلك بدعائه ﵇ عليهم كما مر في سورة المائدة
стр. 1958
﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ كلامٌ مستأنفٌ مَسوقٌ لبيانِ مناطِ ما ذُكر من انسلاخه من الآيات ووقوعِه في مهاوي الغَواية ومفعولُ المشيئةِ محذوفٌ لوقوعِها شرطاً وكونِ مفعولِها مضمونَ الجزاءِ على القاعدة المستمرة أي ولو شئنا رفعه لرفعنا أي إلى المنازل العاليةِ للأبرار العالمين بتلك الآياتِ والعاملين بموجبها لكن لا بمحض مشيئتِنا من غير أن يكون له دخلٌ في ذلك أصلاً فإنه منافٍ للحكمة التشريعية المؤسسةِ على تعليق الأجزيةِ بالأفعال الاختيارية للعباد بل مع مباشرته للعمل المؤدِّي إلى الرفع بصرف اختيارِه إلى تحصيله كما ينبىء عنه قوله تعالى ﴿بِهَا﴾ أي بسبب تلك الآياتِ بأن عمِل بموجبها فإن اختيارَه وإن لم يكن مؤثراً في حصوله ولا في ترتب الرفعِ عليه بل كلاهما بخلق الله تعالى لكن خلقَه تعالى مَنوطٌ بذلك البتةَ حسب جَرَيان العادةِ الإلهية وقد أُشير إلى ذلك في الاستدراك بأن أُسند ما يؤدي إلى نقيض التالي إليه حيث قيل ﴿ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الارض﴾ مع أن الإخلادَ إليها أيضاً مما لا يتحقق عند صرف اختيارِه إليه إلا بخلقه تعالى كأنه قيل ولو شئنا رفعَه بمباشرته لسببه لرفعناه بسبب تلك الآيات التي هي أقوى أسبابِ الرفع ولكن لم نشأْه لمباشرته لسبب نقيضِه فتُرك في كل من المقامين ما ذُكِرَ في الآخر تعويلاً على إشعار المذكورِ بالمطويّ كما في قوله تعالى وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَاّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فلا راد
стр. 1959
الأعراف آية ١٧٦
لِفَضْلِهِ وتخصيصُ كلَ من المذكورين بمقامه للإيذان بأن الرفعَ مرادٌ له تعالى بالذات وتفضّلٌ محضٌ عليه لا دخلَ فيه لفعله حقيقةً كيف لا وجميعُ أفعاله ومباديها من نعمه تعالى وتفضّلاته وإن نقيضَه إنما أصابه بسوء اختيارِه على موجب الوعيدِ لا بالإرادة الذاتيةِ له سبحانه كما قيل في وجه ذكر الإرادة مع الخير والمسِّ مع الضرّ في الآية المذكورةِ وهو السرُّ في جريان السنة القرآنيةِ على إسناد الخيرِ إليه تعالى وإضافةِ الشرِّ إلى الغير كما في قوله تعالى وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ونظائرِه والإخلادُ إلى الشيء الميلُ إليه مع الاطمئنان به والمرادُ بالأرض الدنيا وقيل السفالة والمعنى ولكنه آثرَ الدنيا الدنيةَ على المنازل السنية أو الضَّعةَ والسَّفالةَ على الرِفعة والجلالة ﴿واتبع هَوَاهُ﴾ مُعرِضاً عن تلك الآياتِ الجليلة فانحط أبلغَ انحطاط وارتد أسفلَ سافلين وإلى ذلك أشير بقوله تعالى ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب﴾ لما أنه أخسُّ الحيوانات وأسفلُها وقد مُثّل حالُه بأخس أحوالِه وأذلِّها حيث قيل ﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ أي فحالُه التي هي مَثَلٌ في السوء كصفته في أرذل أحوالِه وهي حالةُ دوامِ اللهَثِ به في حالتي التعبِ والراحة فكأنه قيل فتردّى إلى ما لا غايةَ وراءَه في الخسة والدناءة وإيثارُ الجملة الاسميةِ على العفلية بأن يقال فصار مثلُه كمثل الكلب الخ للإيذان بدوام اتصافه لتلك الحالة الخسيسة وكمال استقراره واستمراره عليها والخطابُ في فعل الشرطِ لكل أحدٍ ممن له حظٌّ من الخطاب فإنه أدخلُ في إشاعة فظاعةِ حالِه واللهَثُ إدلاعُ اللسانِ بالتنفس الشديد أي هو ضيِّقُ الحال مكروبٌ دائمُ اللهَثِ سواءٌ هيّجتَه وأعجته بالطرد العنيف أو تركته على حاله فإنه في الكلاب طبعٌ لا تقدِر على نفض الهواءِ المتسخّن وجلبِ الهواءِ البارد بسهولة لضعف قلبها وانقطاع فؤادِها بخلاف سائر الحيواناتِ فإنها لا تحتاج إلى التنفس الشديد ولا يلحقها الكربُ والمضايقةُ إلا عند التعب والإعياءِ والشرطيةُ مع أختها تفسيرٌ لما أُبهم في المَثَل وتفصيلٌ لما أُجمِلَ فيه وتوضيحٌ للتمثيل ببيان وجهِ الشبهِ لا محلَّ له من الإعراب على منهاج قوله تعالى خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ إثرَ قولَه تعالى إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدم وقيل هي في محل النصب على الحالية من الكلب بناءً على خروجهما من حقيقة الشرطِ وتحوّلِهما إلى معنى التسوية حسب تحولِ الاستفهامين المتناقضين إليه في مثلِ قولِه تعالى أأنذرتهم أم لم تنذرهم كأنه قيل لاهثاً في الحالتين وأياً ما كان فالأظهرُ أنه تشبيهٌ للهيئة المنتزَعَة مما اعتراه بعد الانسلاخِ من سوء الحالِ واضطرامِ القلب ودوامِ القلق والاضطراب وعدمِ الاستراحة بحال من الأحوال بالهيئة المنتزعةِ مما ذكر من حال الكلب وقيل لما دعا بلعم على موسى ﵇ خرج لسانُه فتدلى على صدره وجعل يلهث كالكلب إلى أن هَلَك ﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما ذُكر من الحالة الخسيسةِ منسوبةٌ إلى الكلب أو إلى المنسلخ وما فيه من معنى البعد للإيذان ببُعد منزلتِها في الخسة والدناءة أي ذلك المثلُ السيءُ ﴿مَثَلُ القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾ وهم اليهودُ حيث أوُتوا في التوراة ما أوُتوا من نعوت النبيِّ ﷺ وذكر القرآن المعجزة وما فيه فصدقوه وبشروا الناسَ باقتراب مبعثِه وكانوا يستفتِحون به فلما جاءهم ما عَرَفوا كفروا به وانسلخوا من حكم التوراة ﴿فاقصص القصص﴾ القَصصُ مصدرٌ سُمِّي به المفعولُ كالسلْب واللامُ للعهد والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي إذا تحقق أن المثل المذكورَ مثلُ هؤلاء المكذبين فاقصُصه عليهم حسبما أوحي إليك ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيقفون على جلية الحالِ وينزجرون
стр. 1960
الأعراف آية ١٧٧ ١٧٨
عمَّا هُم عليهِ من الكفر والضلالِ ويعلمون أنك قد علِمتَه من جهة الوحي فيزدادون إيقاناً بك والجملة في محل النصب على أنها حالٌ من ضمير المخاطَب أو على أنها مفعولٌ له أي فاقصُص القصص راجياً لتفكرهم أي أو رجاءً لتفكرهم
стр. 1961
﴿سَاء مَثَلاً﴾ استئنافٌ مَسوقٌ لبيان كمالِ قبحِ حالِ المكذبين بعد بيانِ كونِه كحال الكلبِ أو المنسلخ وساء بمعنى بئس وفاعلُها مضمرٌ فيها ومثلاً تمييزٌ مفسرٌ له والمخصوصُ بالذم قولُه تعالى ﴿القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾ وحيث وجب التصادقُ بينه وبين الفاعلِ والتمييز وجب المصيرُ إلى تقدير مضافٍ إما إليه وهو الظاهرُ أي ساء مثلاً مثَلُ القو الخ أو إلى التمييز أي ساء أصحابُ مثلِ القوم الخ وقرىء ساء مثلُ القوم وإعادةُ القومِ موصوفاً بالموصول مع كفاية الضميرِ بأن يقال ساء مثلاً مثلُهم للإيذان بأن مدارَ السوء مَا في حيزِ الصِّلةِ ولربط قولِه تعالى ﴿وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ﴾ به فإنه إما معطوفٌ على كذَبوا داخلٌ معه في حكم الصلةِ بمعنى جمعوا بين تكذيبِ آياتِ الله بعد قيام الحجةِ عليها وعلْمِهم بها وبين ظلمهم لأنفسهم خاصة أو منقطع عنه بمعنى وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم فإن وبالَه لا يتخطاها وأيا ما كان ففي يظلمون لمحٌ إلى أن تكذيبَهم بالآيات متضمنٌ للظلم وأن ذلك أيضاً معتبرٌ في القصرُ المستفادِ من تقديمِ المفعول
стр. 1962
﴿مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتدى﴾ لما أُمر النبيِّ ﷺ بأن يقُصَّ قصصَ المنسلخِ على هؤلاء الضالين الذين مثلُهم كمثله ليتفكروا فيه ويترُكوا ما هم عليه من الإخلاد إلى ى الضلالة ويهتدوا إلى الحقعقب ذلك بتحقيق أن الهدايةَ والضلالةَ من جهةِ الله وإنما العِظةُ والتذكيرُ من قبيل الوسائطِ العادية في حصول الاهتداءِ من غير تأثير لها فيه سوى كونِها دواعيَ إلى صرف العبدِ اختيارَه نحو تحصيلِه حسبما نيط به خلقُ الله تعالى إياه كسائر أفعالِ العباد فالمرادُ بهذه الهدايةِ ما يوجب الاهتداءَ قطعاً لكن لا لأن حقيقتَها الدلالة الموصلة إلى الغية البتة بل لأنها الفردُ الكاملُ من حقيقة الهدايةِ التي هي الدلالةُ إلى ما يوصل إلى البغتة أي ما مِنْ شأنِه الإيصالُ إليها كما سبق تحقيقُه في تفسيرِ قولِه تعالى هُدًى لّلْمُتَّقِينَ وليس المرادُ مجردَ الإخبار باهتداء من هداه الله تعالى حتى يُتوهّم عدمُ الإفادةِ بحسب الظاهر لظهور استلزامه هدايتِه تعالى للاهتداء ويُحمل النظمُ الكريمُ على تعظيم شأن الأهتداءِ والتنبيه على أنه في نفسه كمالٌ جسيمٌ ونفعٌ عظيمٌ لو لم يحصل له غير لكفاه بل هو قصرُ الاهتداء على من هداه الله تعالى حسبما يقضي به تعريفُ الخبرِ فالمعنى من يهدِه الله أي يخلقْ فيه الاهتداء على الوجه المذكور فهو المهتدي لا غيرُ كائناً من كان ﴿وَمَن يُضْلِلِ﴾ بأن لم يخلُقْ فيه الاهتداءَ بل خلق فيه الضلاللا لصرف اختياره نحوَها ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ الموصوفون بالضلالة على الوجه المذكور ﴿هُمُ الخاسرون﴾ أي الكاملونَ في الخُسران لا غير وإفرادُ المهتدي نظراً إلى لفظ مَنْ وجمع الخاسرين نظراً إلى معناها للإيذان باتحاد منهاجِ الهُدى وتفرّقِ
стр. 1963
الأعراف آية ١٧٩
طرقِ الضلال
стр. 1964
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾ كلامٌ مستأنفٌ مقرّرٌ لمضمون ما قبله بطريق التذييلِ أيخلقنا ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ أي لدخولها والتعذيبِ بها وتقديمُه على قوله تعالى ﴿كَثِيراً﴾ أي خلقاً كثيراً مع كونه مفعولاً به لما في توابعه من نوع طولٍ يؤدي توسيطه بينهما وتأخيره وعنها إلى الإخلالِ بجَزَالةِ النظمِ الكريمِ وقوله تعالى ﴿مّنَ الجن والإنس﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ لكثيراً أي كائناٍ منهما وتقديمُ الجنِّ لأنهما أعرف من الإنس في الاتصاف بما نحن فيه من الصفات وأكثرُ عدداً وأقدمُ خلقاً والمرادُ بهم الذين حقت عليهم الكلمةُ الأزليةُ بالشقاوة ولكن لا بطريق الجبرِ من غير أنْ يكون مِنْ قِبَلهم ما يؤدي إلى ذلك بل لعلمه تعالى بأنهم لا يصرفون اختيارَهم نحوَ الحقِّ أبداً بل يُصِرُّون على الباطل من غير صارف يلويهم ولا عاطفٍ يَثنيهم من الآيات والنذر فبهذا الاعتبارِ جُعل خلقهم مغيابها كما أن جميعَ الفريقين باعتبار استعدادِهم الكامِل الفطري للعبادة وتمكنِهم التامِّ منها جعل خلقهم مغيابها كما نطق به قوله تعالى وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ وقوله تعالى ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ﴾ في محل النصبُ على أنَّه صفةٌ أخرى لكثيرا وقوله تعالى ﴿لَاّ يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ في محلِ الرفعِ على أنه صفةٌ لقلوبٌ مؤكدةٌ لما يفيده تنكيرُها وإبهامُها من كونها غيرَ معهودةٍ مخالِفةً لسائر أفرادِ الجنس فاقدةً لكماله بالكلية لكن لا بحسب الفطرة حقيقةً بل بسبب امتناعِهم عن صرفها إلى تحصيله وهذا وصفٌ لها بكمال الإغراقِ في القساوة فإنها حيث لم يَتأتَّ منها الفقهُ بحال فكأنها خلقت غيرَ قابلةٍ له رأساً وكذا الحالُ في أعينهم وآذانِهم وحذفُ المفعول للتعميم أي لهم قلوبٌ ليس من شأنها أن يفقهوا بها شيئاً مما مِنْ شأنه أن يُفقَه فيدخلُ فيه ما يليق بالمقام من الحق ودلائلِه دخولاً أولياً وتخصيصُه بذلك مُخلٌّ بالإفصاح عن كُنه حالِهم ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَاّ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ الكلامُ فيه كما فيما عطف هو عليه والمرادُ بالأبصار والسمع المنفيَّيْن ما يختص بالعقلاء من الإدراك على ما هو وظيفةُ الثقلين لا ما يتناول مجردَ الإحساسِ بالشبَح والصوتِ كما هو وظيفة الأنعام أي لا يبصرون بها شيئاً من المبصرا فيندرج فيه الشواهدُ التكوينيةُ الدالةُ على الحق اندراجاً أوليا ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَاّ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ أي شيئاً من المسموعات فيتناول الآياتِ التنزيلية تناولاً أولياً وإعادةُ الخبر في الجملتين المعطوفتين مع انتظامِ الكلامِ بأنْ يقال وأعينٌ لا يبصرون بها وآذانٌ لا يسمعون بها لتقرير سوءِ حالهِم وفي إثبات المشاعر الثلاثةِ لهم ثم وصفِها بعدم الشعورِ دون سلبِها عنهم ابتداءً بأن يقال ليس لهم قلوبٌ يفقهون بها ولا أعينٌ يبصرون بها ولا آذانٌ يسمعون بها من الشهادة بكمالِ رسوخِهم في الجهل والغَواية ما لا يخفى ﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى المذكورين باعتبار اتصافِهم بما ذكر من الصفات وما فيه من معنى البعد للإيذانِ ببُعدِ منزلتِهم في الضلال أي أولئك الموصوفون بالأوصاف المذكورة ﴿كالانعام﴾ أي في انتفاء الشعورِ على الوجهِ المذكورِ أو في أن مشاعرَهم متوجهةٌ إلى أسباب التعيشِ مقصورةٌ عليها ﴿بَلِ هُمْ أَضَلُّ﴾ فإنها تدرِكُ ما من شأنها أن تُدركَه من المنافع والمضارِّ فتجتهد في جلبها وسلبِها غايةَ جهدِها مع كونها بمعزلٍ من الخلود وهؤلاء ليسوا
стр. 1965
الأعراف آية ١٨٠ ١٨١
كذلك حيث لا يميِّزون بين المنافعِ والمضارِّ بل يعكسون الأمرَ فيتركون النعيمَ المقيمَ ويُقْدِمون على العذاب الخالد وقيل لأنها تعرِف صاحبها وتذكره وتطيعه وهوؤلاء لا يعرِفون ربَّهم ولا يذكُرونه ولا يطيعونه وفي الخبر كلُّ شيءٍ أطوعُ لله من ابن آدم ﴿أولئك﴾ المعنوتون بما مرّ من مِثْلية الأنعامِ والشرِّيَّة منها ﴿هُمُ الغافلون﴾ الكاملون في الغفلة المستحِقّون لأن يُخَصَّ بهم الاسمُ ولا يطلقَ على غيرهم كيف لا وإنهم لا يعرون من شئون الله ولا من شئون ما سواه شيئاً فيشركون به سبحانه وليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير أصنامَهم التي هي من أخسّ مخلوقاتهِ تعالى
следующие страницы →