Полный текст (8 642 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
﴿سَاء مَثَلاً﴾ استئنافٌ مَسوقٌ لبيان كمالِ قبحِ حالِ المكذبين بعد بيانِ كونِه كحال الكلبِ أو المنسلخ وساء بمعنى بئس وفاعلُها مضمرٌ فيها ومثلاً تمييزٌ مفسرٌ له والمخصوصُ بالذم قولُه تعالى ﴿القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾ وحيث وجب التصادقُ بينه وبين الفاعلِ والتمييز وجب المصيرُ إلى تقدير مضافٍ إما إليه وهو الظاهرُ أي ساء مثلاً مثَلُ القو الخ أو إلى التمييز أي ساء أصحابُ مثلِ القوم الخ وقرىء ساء مثلُ القوم وإعادةُ القومِ موصوفاً بالموصول مع كفاية الضميرِ بأن يقال ساء مثلاً مثلُهم للإيذان بأن مدارَ السوء مَا في حيزِ الصِّلةِ ولربط قولِه تعالى ﴿وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ﴾ به فإنه إما معطوفٌ على كذَبوا داخلٌ معه في حكم الصلةِ بمعنى جمعوا بين تكذيبِ آياتِ الله بعد قيام الحجةِ عليها وعلْمِهم بها وبين ظلمهم لأنفسهم خاصة أو منقطع عنه بمعنى وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم فإن وبالَه لا يتخطاها وأيا ما كان ففي يظلمون لمحٌ إلى أن تكذيبَهم بالآيات متضمنٌ للظلم وأن ذلك أيضاً معتبرٌ في القصرُ المستفادِ من تقديمِ المفعول
стр. 1962
﴿مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتدى﴾ لما أُمر النبيِّ ﷺ بأن يقُصَّ قصصَ المنسلخِ على هؤلاء الضالين الذين مثلُهم كمثله ليتفكروا فيه ويترُكوا ما هم عليه من الإخلاد إلى ى الضلالة ويهتدوا إلى الحقعقب ذلك بتحقيق أن الهدايةَ والضلالةَ من جهةِ الله وإنما العِظةُ والتذكيرُ من قبيل الوسائطِ العادية في حصول الاهتداءِ من غير تأثير لها فيه سوى كونِها دواعيَ إلى صرف العبدِ اختيارَه نحو تحصيلِه حسبما نيط به خلقُ الله تعالى إياه كسائر أفعالِ العباد فالمرادُ بهذه الهدايةِ ما يوجب الاهتداءَ قطعاً لكن لا لأن حقيقتَها الدلالة الموصلة إلى الغية البتة بل لأنها الفردُ الكاملُ من حقيقة الهدايةِ التي هي الدلالةُ إلى ما يوصل إلى البغتة أي ما مِنْ شأنِه الإيصالُ إليها كما سبق تحقيقُه في تفسيرِ قولِه تعالى هُدًى لّلْمُتَّقِينَ وليس المرادُ مجردَ الإخبار باهتداء من هداه الله تعالى حتى يُتوهّم عدمُ الإفادةِ بحسب الظاهر لظهور استلزامه هدايتِه تعالى للاهتداء ويُحمل النظمُ الكريمُ على تعظيم شأن الأهتداءِ والتنبيه على أنه في نفسه كمالٌ جسيمٌ ونفعٌ عظيمٌ لو لم يحصل له غير لكفاه بل هو قصرُ الاهتداء على من هداه الله تعالى حسبما يقضي به تعريفُ الخبرِ فالمعنى من يهدِه الله أي يخلقْ فيه الاهتداء على الوجه المذكور فهو المهتدي لا غيرُ كائناً من كان ﴿وَمَن يُضْلِلِ﴾ بأن لم يخلُقْ فيه الاهتداءَ بل خلق فيه الضلاللا لصرف اختياره نحوَها ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ الموصوفون بالضلالة على الوجه المذكور ﴿هُمُ الخاسرون﴾ أي الكاملونَ في الخُسران لا غير وإفرادُ المهتدي نظراً إلى لفظ مَنْ وجمع الخاسرين نظراً إلى معناها للإيذان باتحاد منهاجِ الهُدى وتفرّقِ
стр. 1963
الأعراف آية ١٧٩
طرقِ الضلال
стр. 1964
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾ كلامٌ مستأنفٌ مقرّرٌ لمضمون ما قبله بطريق التذييلِ أيخلقنا ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ أي لدخولها والتعذيبِ بها وتقديمُه على قوله تعالى ﴿كَثِيراً﴾ أي خلقاً كثيراً مع كونه مفعولاً به لما في توابعه من نوع طولٍ يؤدي توسيطه بينهما وتأخيره وعنها إلى الإخلالِ بجَزَالةِ النظمِ الكريمِ وقوله تعالى ﴿مّنَ الجن والإنس﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ لكثيراً أي كائناٍ منهما وتقديمُ الجنِّ لأنهما أعرف من الإنس في الاتصاف بما نحن فيه من الصفات وأكثرُ عدداً وأقدمُ خلقاً والمرادُ بهم الذين حقت عليهم الكلمةُ الأزليةُ بالشقاوة ولكن لا بطريق الجبرِ من غير أنْ يكون مِنْ قِبَلهم ما يؤدي إلى ذلك بل لعلمه تعالى بأنهم لا يصرفون اختيارَهم نحوَ الحقِّ أبداً بل يُصِرُّون على الباطل من غير صارف يلويهم ولا عاطفٍ يَثنيهم من الآيات والنذر فبهذا الاعتبارِ جُعل خلقهم مغيابها كما أن جميعَ الفريقين باعتبار استعدادِهم الكامِل الفطري للعبادة وتمكنِهم التامِّ منها جعل خلقهم مغيابها كما نطق به قوله تعالى وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ وقوله تعالى ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ﴾ في محل النصبُ على أنَّه صفةٌ أخرى لكثيرا وقوله تعالى ﴿لَاّ يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ في محلِ الرفعِ على أنه صفةٌ لقلوبٌ مؤكدةٌ لما يفيده تنكيرُها وإبهامُها من كونها غيرَ معهودةٍ مخالِفةً لسائر أفرادِ الجنس فاقدةً لكماله بالكلية لكن لا بحسب الفطرة حقيقةً بل بسبب امتناعِهم عن صرفها إلى تحصيله وهذا وصفٌ لها بكمال الإغراقِ في القساوة فإنها حيث لم يَتأتَّ منها الفقهُ بحال فكأنها خلقت غيرَ قابلةٍ له رأساً وكذا الحالُ في أعينهم وآذانِهم وحذفُ المفعول للتعميم أي لهم قلوبٌ ليس من شأنها أن يفقهوا بها شيئاً مما مِنْ شأنه أن يُفقَه فيدخلُ فيه ما يليق بالمقام من الحق ودلائلِه دخولاً أولياً وتخصيصُه بذلك مُخلٌّ بالإفصاح عن كُنه حالِهم ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَاّ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ الكلامُ فيه كما فيما عطف هو عليه والمرادُ بالأبصار والسمع المنفيَّيْن ما يختص بالعقلاء من الإدراك على ما هو وظيفةُ الثقلين لا ما يتناول مجردَ الإحساسِ بالشبَح والصوتِ كما هو وظيفة الأنعام أي لا يبصرون بها شيئاً من المبصرا فيندرج فيه الشواهدُ التكوينيةُ الدالةُ على الحق اندراجاً أوليا ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَاّ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ أي شيئاً من المسموعات فيتناول الآياتِ التنزيلية تناولاً أولياً وإعادةُ الخبر في الجملتين المعطوفتين مع انتظامِ الكلامِ بأنْ يقال وأعينٌ لا يبصرون بها وآذانٌ لا يسمعون بها لتقرير سوءِ حالهِم وفي إثبات المشاعر الثلاثةِ لهم ثم وصفِها بعدم الشعورِ دون سلبِها عنهم ابتداءً بأن يقال ليس لهم قلوبٌ يفقهون بها ولا أعينٌ يبصرون بها ولا آذانٌ يسمعون بها من الشهادة بكمالِ رسوخِهم في الجهل والغَواية ما لا يخفى ﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى المذكورين باعتبار اتصافِهم بما ذكر من الصفات وما فيه من معنى البعد للإيذانِ ببُعدِ منزلتِهم في الضلال أي أولئك الموصوفون بالأوصاف المذكورة ﴿كالانعام﴾ أي في انتفاء الشعورِ على الوجهِ المذكورِ أو في أن مشاعرَهم متوجهةٌ إلى أسباب التعيشِ مقصورةٌ عليها ﴿بَلِ هُمْ أَضَلُّ﴾ فإنها تدرِكُ ما من شأنها أن تُدركَه من المنافع والمضارِّ فتجتهد في جلبها وسلبِها غايةَ جهدِها مع كونها بمعزلٍ من الخلود وهؤلاء ليسوا
стр. 1965
الأعراف آية ١٨٠ ١٨١
كذلك حيث لا يميِّزون بين المنافعِ والمضارِّ بل يعكسون الأمرَ فيتركون النعيمَ المقيمَ ويُقْدِمون على العذاب الخالد وقيل لأنها تعرِف صاحبها وتذكره وتطيعه وهوؤلاء لا يعرِفون ربَّهم ولا يذكُرونه ولا يطيعونه وفي الخبر كلُّ شيءٍ أطوعُ لله من ابن آدم ﴿أولئك﴾ المعنوتون بما مرّ من مِثْلية الأنعامِ والشرِّيَّة منها ﴿هُمُ الغافلون﴾ الكاملون في الغفلة المستحِقّون لأن يُخَصَّ بهم الاسمُ ولا يطلقَ على غيرهم كيف لا وإنهم لا يعرون من شئون الله ولا من شئون ما سواه شيئاً فيشركون به سبحانه وليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير أصنامَهم التي هي من أخسّ مخلوقاتهِ تعالى
стр. 1966
﴿وَللَّهِ الأسماء الحسنى﴾ تنبيهٌ للمؤمنين على كيفية ذكره تعالى وكيفية المعاملةِ مع المُخِلّين بذلك الغافلين عنه سبحانه عما يليق به من الأمور وما لا يليقبه إثرَ بيانِ غفلتِهم التامةِ وضلالتهم الطامة والحسنى تأثيث الأحسن أي الأسماءُ التي هي أحسنُ الأسماءِ وأجلُّها لإنبائها عن أحسن المعاني وأشرفِها ﴿فادعوه بِهَا﴾ أي فسمُّوه بتلك الأسماء ﴿وَذَرُواْ الذين يلحدون في أسمائه﴾ الإلحاد واللحد الميل وافنحراف يقال لحَد وألحَد إذا مال عن القصد وقرىء يَلحَدون من الثلاثي أي يَميلون في شأنها عن الحق إلى الباطل إما بأن يسمّوه تعالى بما لا توقيفَ فيه أو بما يوهم معنى فاسداً كما في قول أهل البدو يا أبا المكارم يا أبيضَ الوجه يا بخى ونحوُ ذلك فالمرادُ بالترك المأمور به الاجتنابُ عن ذلك وبأسمائه ما أطلقوه عليه تعالى وسمَّوْه به على زعمهم لا أسماؤُه تعالى حقيقةً وعلى ذلك يُحمل تركُ الإضمارِ بأن يقال يلحدون فيها وإما بأن يعدلوا عن تسميته تعالى ببعض أسمائِه الكريمة كما قالوا وما الرحمن ما نعرِف سوى رحمانِ اليمامة فالمرادُ بالترك الاجتنابُ أيضاً وبالأسماء أسماؤُه تعالى حقيقةً فالمعنى سمُّوه تعالى بجميع أسمائِه الحسنى واجتنبوا إخراجَ بعضِها من البين وإما بأن يُطلقوها على غيره تعالى كما سمَّوا أصنامَهم آلهة وإما بأن يشتقوا من بعضها أسماءَ أصنامِهم كما اشتقوا اللاتَ من الله تعالى والعُزّى من العزيز فالمراد بالأسماء أسماؤُه تعالى حقيقةً كما في الوجه الثاني والإظهارُ في موقعِ الإضمارِ مع التجريد عن الوصف في الكل للإيذان بأن إلحادَهم في نفس الأسماءِ من غير اعتبار الوصفِ وليس المرادُ بالترك حينئذ الاجتنابَ عن ذلك إذ لا يتوهم صدورُ مثلِ هذا الإلحادِ عن المؤمنين ليُؤمَروا بتركه بل هو الإعراضُ عنهم وعدمُ المبالاة بما فعلوا ترقباً لنزول العقوبةِ بهم عن قريب كما هو المتبادَرُ من قوله تعالى ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ فإنه استئنافٌ وقع جوابا عن سؤال نشأ من الأمر بعدم المبالاةِ والإعراض عن المجازاة كأنَّه قيلَ لَم لا نبالي بإلحادهم ولا نتصدىّ لمجازاتهم فقيل لأنه ينزل بهم عقوبتَه وتتشفَّوْن بذلك عن قريب وأما على الوجهين الأولين فالمعنى اجتنبوا إلحادَهم كيلا يُصيبَكم ما أصابهم فإنه سينزِل بهم عقوبةُ إلحادهم
стр. 1967
﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ بيانٌ إجمالي لحال
стр. 1968
الأعراف آية ١٨٢ ١٨٣
مَنْ عدا المذكورين من الثقلين الموصوفينَ بما ذُكر من الضلال والإلحادِ عن الحق ومحلُّ الظرفِ الرفعُ على أنه مبتدأ إما باعتبارِ مضمونِه أو بتقديرِ الموصوفِ وما بعده خبرُه كما مرَّ في تفسيرِ قولِه تعالى وَمِنَ الناس الخ أي وبعضُ مَنْ خلقنا أو وبعضٌ ممن خلقنا أمةٌ أي طائفةٌ كثيرةٌ يهدون الناسَ ملتبسين بالحق أو يهدونهم بكلمة الحقِّ ويدلونهم على الاستقامة وبالحق يحكمون في الحكومات الجاريةِ فيما بينهم ولا يجورون فيها عنِ النبيِّ ﷺ أنه كان يقول إذا قرأها هذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها ومن قوم موسى أمة الآيةَ وعنه ﵊ إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى وروي لا تزال من أمتي طائفةٌ على الحق إلى أن يأتي أمرُ الله وروي لا تزال من أمتي أمةٌ قائمةً بأمر الله لا يضرُهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيَ أمر الله تعالى وهم ظاهرون وفيه من الدلالة على صحة الإجماعِ ما لا يخفي والاقتصار على نعتهم بهداية الناس للإيذان بأن اهتداءهم في أنفسهم أمرٌ محققٌ غنيٌّ عن التصريح به
стр. 1969
﴿والذين كذبوا بآياتنا﴾ شروعٌ في تحقيق الحقِّ الذي به يهدي الهادون وبه بعدل العادلون وحملُ الناسِ على الأهتداء به على وجه الترهيب ومحلُّ الموصولِ الرفعُ على أنَّه مبتدأٌ خبرُه ما بعدَهُ من الجملةِ الاستقبالية وإضافةُ الآياتِ إلى نُونِ العظمةِ لتشريفها واستعظامِ الإقدام على تكذيبها أي والذين كذبوا بآياتنا التي هي معيارُ الحقِّ ومصداقُ الصدقِ والعدل ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾ أي نستدينهم البتةَ إلى الهلاك شيئاً فشيئاً والاستدراجُ استفعالٌ من درَجَ إما بمعنى صعِد ثم اتُسِع فيه فاستُعمل في كل نقل تدريجيَ سواءٌ كان بطريق الصعودِ أو الهبوط أو الاستقامة وإما بمعنى مضى مشياً ضعيفاً وإما بمعنى طوَى والأولُ هو الأنسبُ بالمعنى المرادِ الذي هو النقلُ إلى أعلى درجاتِ المهالك ليبلُغ أقصى مراتبِ العقوبة والعذاب ثم استعير لطلب كل نقل تدريجيَ من حال إلى حال من الأحوال الملائمةِ للمنتقل الموافقةِ لهواه بحيث يزعُم أن ذلك ترقَ في مراقي منافعِه مع أنه في الحقيقة تردَ في مهاوي مصارعِه فاستدراجُه سبحانه إياهم أن يواتر عليهم النعم مع انهماكهم في الغيّ فيحسَبوا أنها لُطفٌ لهم منه تعالى فيزداد بطراً وطغياناً لكن لا على أن المطلوبَ تدرُّجُهم في مراتب النعمِ بل هو تدرجُهم في مدارج المعاصي إلى أن يحِقَّ عليهم كلمةُ العذاب على أفظع حال وأشعنها والأولُ وسيلةٌ إليه وقوله تعالى ﴿من حيث لا يَعْلَمُونَ﴾ متعلقٌ بمُضمرٍ وقع صفةً لمصدر الفعلِ المذكور أي سنستدرجهم استدراجاً كائناً من حيث لا يعلمون أنه كذلك بل يحسَبون أنه أثَرةٌ من الله وتقريبٌ منه وقيل لا يعلمون ما يراد بهم
стр. 1970
﴿وَأُمْلِى لَهُمْ﴾ عطفٌ على سنستدرجهم غيرُ داخلٍ في حكم السين لِما أن الإملاءِ الذي هو عبارةٌ عن الإمهال والإطالةِ ليس من الأمور التدريجية كالاستدراج الحاصلِ في نفسه شيئاً فشيئاً بل هو فعلٌ يحصُل دفعةً وإنما الحاصلُ بطريق التدريج آثاره
стр. 1971
٨ -
الأعراف آية ١٨٤
وأحكامهُ لا نفسُه كما يلوح به تغييرُ التعبيرِ بتوحيد الضميرِ مع ما فيه من الافتنان المنبىءِ عن مزيدِ الاعتناءِ بمضمون الكلامِ لابتنائه على تجديد القصدِ والعزيمة وأما أن ذلك للإشعار بأنه بمحض التقديرِ الإلهي والاستدراجِ بتوسط المدبّرات فمبْناه دِلالةُ نون الفظيعة على الشركة وأنى ذلك وإلا لاحتُرز عن إيرادها في قوله تعالى وَلَا يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لاِنفُسِهِمْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ الآية بل إنما إيرادُها في أمثال هذه المواردِ بطريق الجَرَيانِ على سَننِ الكبرياء ﴿إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ تقريرٌ للوعيد وتأكيدٌ له أي قويلا يُدافع بقوة ولا بحيلة والمرادُ به إما الإستدراجُ والإملاءُ مع نتيجتهما التي هي الآخذُ الشديدُ على غِرّة فتسميتُه كيداً لما أن ظاهرَه لطفٌ وباطنَه قهو وإما نفس ذلك ألخذ فقط فالتسميةُ لكون مقدماتِه كذلك وأما أن حقيقةَ الكيدِ هو الأخذُ على خفاء من غيرِ أنْ يُعتبر فيه إظهارُ خلافِ ما أبطنه فمما لا تعويلَ عليه مع عدم مناسبتِه للمقام ضرورةَ استدعائِه لاعتبار القيدِ المذكورِ حتماً
стр. 1972
﴿أولم يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مّن جِنَّةٍ﴾ كلامٌ مبتدأٌ مَسوقٌ لإنكار عدمِ تفكرهم في شأنه ﷺ وجعلهم بحقيقة حالِه الموجبةِ للإيمان به وبما أنزل عليه من الآيات التي كذبوا بها والهمزةُ للإنكار والتعجيبِ والتوبيخ والواو للعطفِ على مقدرٍ يستدعيه سياق النظم الكريم وسياقه وما إما استفهاميةٌ إنكاريةٌ في محل الرفِع بالابتداء والخبرُ بصاحبهم وإما نافيةٌ اسمُها جِنةٌ وخبرُها بصاحبهم والجِنةُ من المصادر التي يُراد بها الهيئة كالركبة والجِلْسة وتنكيرُها للتقليل والتحقير والجملة معلقة فعل التفكر لكونه من أفعل القلوب ومحلُها على الوجهين النصبُ على نزعِ الجارِّ أي أكذّبوا بها ولم يتفكروا في أي شيء من جنون ما كائنٍ بصاحبهم الذي هو أعظمُ الأمةِ الهادية بالحق وعليه أنزلت الآيات أوفى أنه ليس بصاحيهم شيءٌ من جِنّة حتى يؤدِّيَهم التفكرُ في ذلك إلى الوقوف على صدقه وصحةِ نبوته فيؤمنوا به وبما أنزل عليه من الآيات وقيل قد تم الكلامُ عند قوله تعالى أولم يَتَفَكَّرُواْ أي أكذّبوا بها ولم يفعلوا التفكرَ ثم ابتُدىء فقيل أيُّ شيءٍ بصاحبهم من جنة ما على طريقة الإنكار والتعجيب والتبكيت أو قيل ليس بصاحبهم شيءٌ منها والتعبيرُ عنه ﷺ بصاحبهم للإيذان بأن طولَ مصاحبتهم له ﷺ مما يطلعهم على نزاهته ﷺ عن شائبة ما ذكر ففيه تأكيدٌ للنكير وتشديدٌ له والتعرضُ لنفي الجنونِ عنه ﷺ مع وضوح استحالةِ ثبوتِه له ﷺ لما أن التكلمَ بما هو خارقلقضية العقولِ والعادات لا يصدُر إلا عمن به مسن من الجنونِ كيفما اتَّفق من غيرِ أن يكون له أصلٌ ومعنى أو عمن له تأييد إلهي يخبر به عن الأمور الغيبية وإذ ليس به ﷺ شائبةُ الأولِ تعين أنه ﷺ مؤيدٌ من عندِ الله تعالى وقيل إنه ﷺ علا الصفات ليلا فجعل يدعو قريضا فخِذاً فخِذاً يحذّرهم بأسَ الله تعالى فقال قائلُهم إن صاحبَكم هذا لمجنونٌ بات يهوت إلى الصباح فنزلت فالتصريحُ بنفي الجنونِ حينئذ الرد على عظيمتهم الشنعاءِ والتعبيرُ عنه ﷺ بصاحبهم واردٌ على شاكلة كلامِهم مع ما فيه من النكتة المذكورة وقوله تعالى ﴿إِنْ هُوَ إِلَاّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ جملةٌ مقررة لمضمون ما قبلها ومبينةٌ لحقيقة حاله ﷺ على منهاج قوله تعالى إِنْ هذا إِلَاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ بعد قوله تعالى مَا هذا بَشَرًا أي ما هو إلا مبالغٌ في الإنذار مظهرٌ له غاية الإظهار إبراز لكمال الرأفة
стр. 1973
الأعراف آية ١٨٥
ومبالغةً في الإعذار وقوله تعالى
стр. 1974
﴿أولم ينظُروا في ملكوت السماوات والارض﴾ استئناف آخرُ مسوقٌ للإنكار والتوبيخ بإخلالهم بالتأمل في الآياتِ التكوينيةِ المنصوبةِ في الآفاق والأنفسِ الشاهدةِ بصحة مضمونِ الآيات المنزلةِ إثر مانعي عليهم إخلالُهم بالتفكر في شأنه ﷺ والهمزةُ لما ذكر من الإنكار والتعجب والتوبيخ والوا للعطف على المقدر المذكورِ أو على الجملة المنفيةِ بلم والملكوتُ الملكُ العظيم أي أكذبوا بها أو ألم يتفكروا فيما ذكر ولم ينظروا نظرَ تأملٍ فيما يدل عليه السمواتُ والأرض من عِظَم المُلك وكمالِ القدرة ﴿وَمَا خَلَقَ الله﴾ أي وفيما خلق فيهما على أنَّه عطفٌ على ملكوت وتخصيصه بهما لكما ظهورِ عِظَم المُلك فيهما أو وفي ملكوت ما خلق على أنَّه عطفٌ على السموات والأرض والتعميمُ لاشتراك الكل في الدِلالة على عظم الملكِ في الحقيقة وعليه قوله تعالى فسبحان الذى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَىْء وقولُه تعالى ﴿مِن شَىْء﴾ بيانٌ لما خلق مفيدٌ لعدم اختصاص الدِلالة المذكورة بجلائل المصنوعاتِ دون دقائِقها والمعنى أولم ينظروا فى ملكوتُ السموات والأرض وما خُلق فيهما من جليل ودقيقٍ مما ينطلق عليه اسمُ الشيءِ ليدلَّهم ذلك على العلم بوحدانيته تعالى وبسائر شئونه التي ينطِق بها تلك الآياتُ فيؤمنوا بها لاتحادهما في المدلول فإن كلَّ فردٍ من أفراد الأكوانِ مما عزوهان دليلٌ لائحٌ على الصانع المجيد وسبيلٌ واضحٌ إلى عالم التوحيد وقوله تعالى ﴿وَأَنْ عسى أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ﴾ عطف على ملكوت وإنْ مخففةٌ من أن واسمُها ضميرُ الشأن وخبرُها عسى مع فاعلها الذي هو أن يكون واسمُ يكون أيضاً ضميرُ الشأن والخبرُ قد اقترب أجلهم والمعنى أَوَ لَمْ يَنظُرُواْ فِى أن الشأن عسى أن يكون الشأنُ قد اقترب أجلُهم وقد جوز أن يكون اسمُ يكون أجلُهم وخبرُها قد اقترب على أنها جملةٌ من فعل وفاعل هو ضمير أجلهم لتقدمه حكماً وأياً ما كان فمناطُ الإنكارِ والتوبيخِ تأخيرُهم للنظر والتأمل أي لعلم يموتون عما قريب فمالهم لا يسارعون إلى التدبُّر في الآيات التكوينيةِ الشاهدة بما كذبوه من الآيات القرآنيةِ وقد جوز أن يكون الأجلُ عبارةً عن الساعة والإضافةُ إلى ضميرهم لملابستهم لها من جهة إنكارِهم لها وبحثِهم عنها وقوله تعالى ﴿فَبِأَيّ حَدِيثٍ بعده يؤمنون﴾ قطع الاحتمال إيمانِهم رأساً ونفيٌ له بالكلية مترتبٌ على ما ذكر من تكذيبهم بالآيات وإخلالِهم بالتفكر والنظر والباءُ متعلقةٌ بيؤمنون وضميرُ بعده للآيات على حذفِ المضاف المفهومِ من كذبوا والتذكيرُ باعتبار كونِها قرآناً أو بتأويلها بالمذكور وإجراءِ الضَّميرِ مُجرى اسمِ الإشارةِ والمعنى أكذبوا بها ولم يتفكروا فيما يوجب تصديقها من أحواله ﷺ وأحوالِ المصنوعاتِ فبأي حديث يؤمنون بعد تكذيبه ومعه مثلُ هذه الشواهدِ القويةِ كلا وهيهات وقيل الضميرُ للقرآن والمعنى فبأي حديث بعد القرآنِ يُؤْمِنُونَ إذَا لم يُؤمنُوا به وهو النهايةُ في البيان وقيل هو إنكارٌ وتبكيتٌ لهم مترتيب على إخلالهم بالمسارعة إلى التأمل فيما ذُكر كأنه قيل لعل أجلَهم قد اقترب
стр. 1975
الأعراف آية ١٨٦ ١٨٧
فما لهم لا يبادِرون إلى الإيمان بالقرآن قبل الفَوْتِ وماذا ينتظرون بعد وضوحِ الحقِّ وبأي حديثٍ أحقَّ منه يريدون أن يؤمنوا وقيل الضميرُ لأجَلهم والمعنى فبأي حديث بعد انقضائ أجلِهم يؤمنون وقيل للرسول ﷺ على حذفِ مضافٍ أيْ فبأي حديثٍ بعد حديثِه يؤمنون وهو أصدقُ الناس وقوله تعالى
стр. 1976
﴿مَن يُضْلِلِ الله فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ استئنافٌ مقررٌ لما قبله منبىءٌ عن الطبع على قلوبهم وقوله تعالى ﴿وَيَذَرُهُمْ فِى طغيانهم﴾ بالياء والرفع على الاستئناف أي وهو يذرُهم وقرىء بنون العظيمة على طريقة الالتفاتِ أي ونحن نذرهم وقرىء بالياء والجزمِ عطفاً على محل فلا هاديَ له كأنه قيل من يُضللِ الله لا يهدِهِ أحدٌ ويذرْهم وقد روي الجزمُ بالنون عن نافع وأبي عمرو في الشواذ وقوله تعالى ﴿يعمهون﴾ أي يترددون ويتحيرون حالٌ من مفعول يذرُهم وتوحيدُ الضمير في حيز النفي نظراً إلى لفظ مَنْ وجمعُه في حيز افثبات نظراً إلى معناها للتنصيص على شمول النفي والإثباتِ للكل
стр. 1977
﴿يسألونك عَنِ الساعة﴾ استئنافٌ مَسوقٌ لبيان بعضأحكام ضلالِهم وطغيانِهم أي عن القيامة وهي من الأسماء الغالبة وإطلاقُها عليها إما لوقوعها بغتةً أو لسرعة ما فيها من الحساب أو لأنها ساعةٌ عندِ الله تعالى معَ طولها في نفسها قيل إن قوماً من اليهود قالوا يا محمدج أخبرنا متى الساعةُ إن كنت نبياً فإنا نعلم متى هي وكان ذلك امتحاناً منهم مع علمهم أنه تعالى قد استأثر بعلمها وقيل السائلون قريشٌ وقوله تعالى ﴿أَيَّانَ مرساها﴾ بفتح الهمزة وقد قرىء بكسرها وهو ظرفُ زمانٍ متضمِّنٌ لمعنى الاستفهام ويليه المبتدأُ أو الفعلُ المضارِعُ دون الماضي بخلاف متى حيث يليها كلاهما قيل اشتقاقُه من أيّ فَعْلانَ منه لأن معناه أيّ وقتٍ وهو من أويتُ إلى الشيء لأن البعضَ آو إلى الكل ممتساند إليه ومحلُّه الرفعُ على أنَّه خبرٌ مقدمٌ ومرساها مبتدأٌ مؤخرٌ أي متى إرساؤُها أي إثباتُها وتقريرُها فإنه مصدرٌ ميميٌّ من أرساه إذا أثبته وأقره ولا يكاد يُستعمل إلا في الشيء الثقيل كما في قوله تعالى والجبال أرساها ومنه مرساةُ السفن ومحلُّ الجملة قيل الجرُّ على البدليَّةِ من الساعة والتحقيقُ أن محلها النصبُ بنزع الخافضِ لأنها بدلٌ من الجار والمجرور لا من المجرور فقط كأنه قيل يسألونك عَنِ الساعة أَيَّانَ مُرساها وفي تعليق السؤالِ بنفس الساعةِ أولاً وبوقت وقوعِها ثانياً تنبيهٌ على أن المقصِدَ الأصليَّ من السؤال نفسُها باعتبار حلولِها في وقتِها المعين لا وقتُها باعتبار كونِه محلاً لها وقد سُلك هذا المسلكُ في الجواب المقن أيضاً حيث أُضيف العلمُ بالمطلبو بالسؤال إلى ضميرها فأخبر باختصاصه به وحيث قيل ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا﴾ أي علمُها بالاعتبار المذكور ﴿عِندَ رَبّى﴾ ولم يقل إنما علمُ وقتِ إرسائِها ومن لم يتنبّه لهذه النكتة حمل
стр. 1978
الأعراف آية ١٨٧
النظمَ الكريمَ على حذف المضافِ والتعرضُ لعنوانِ الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميره ﷺ للإيذان بأن توفيقه ﷺ للجواب على الوجه المذكور من باب التربية والإرشاد ومعنى كونِه عنده تعالى خاصة أنه تعالى قد استأثر به بحيث لم يخبِرْ به أحداً من ملك مقرّبٍ أو نبيَ مرسل وقوله تعالى ﴿لَا يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَاّ هُوَ﴾ بيانٌ لاستمرار تلك الحالةِ إلى حين قيامِها وإقناطٌ كليٌّ عن إظهار أمرها بطريق الإخبارِ من جهتِه تعالى أو من جهة غيرِه لاقتضاء الحكمةِ التشريعيةِ إياه فإنه أدعى إلى الطاعة وأزجرُ عن المعصية كما أن إخفاءَ الأجل الخاصِّ للإنسان كذلك والمعنى لا يَكِشفُ عنها ولا يُظهر للناس أمرَها الذي تسألونني عنه إلا هو بالذات من غير أن يشعر به أحد من المخلوقين فيتوسّط في إظهاره لهم لكن لا بأن لا يُخبرَهم بوقتها قبل مجيئِه كما هوئول بل بأن يُقيمَها فيشاهدوها عِياناً كما يفصح عنه التجليةُ المُنبئةُ عن الكشف التامِّ المزيلِ للإبهام بالكلية وقوله تعالى لِوَقْتِهَا أي في وقتها قيْدٌ للتجلية بعد ورودِ الاستثناء عليها لا قبلَه كأنه قيل لا يجلّيها إلا هو في وقتها إلا أنه قدم على الاتثناء للتنبيه منْ أولِ الأمرِ عَلى أن تجليتَها ليست بطريق الإخبارِ بوقتها بل بإظهار عينِها في وقتها الذي يسألون عنه وقوله تعالى ﴿ثقلت في السماوات والارض﴾ استئنافٌ كما قبله مقرر لمضمون ما قبله أي كبُرت وشقتْ على أهلهما من الملائكة والثقلين كلٌّ منهم أهمّه خفاؤُها وخروجُها عن دائرة العقولِ وقيل عظُمت عليهم حيث يُشفقون منها ويخافون شدائدَها وأهوالَها وقيل ثقلت فيهما إذ لا يُطيقها منهما ومما فيهما شيءٌ أصلاً والأولُ هو الأنسبُ بما قبله وبما بعده من قوله تعالى ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إلا بغتة﴾ فإنَّه استئنافٌ مقررٌ لمضمونِ ما قبله فلا بُدَّ من اعتبار الثِقَل من حيث الخفاءُ أي لا تأتيكم إلا فجأةً على غفلة كما قال ﷺ إن الساعةَ تهيجُ بالناس والرجلُ يُصلح حَوضَه والرجلُ يسقي ماشيتَه والرجلُ يقوّم سلعتَه في سوقه والرجلُ يخفض ميزانه ويرفعه ﴿يسألونك كَأََنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ استئنافٌ مَسوقٌ لبيان خطئِهم في توجيه السؤالِ إلى رسول الله ﷺ بناءً على زعمهم أنه ﷺ عالم بالمسئول عنه أو أن العلمَ بذلك من مواجب الرسالةِ إثرَ بيانِ خطِئهم في أصل السؤال بإعلام شأنِ المسئول عنه والجملةُ التشبيهيةُ في محل النصب على أنها حالٌ من الكاف جيء بها بياناً لما يدعوهم إلى السؤال على زعمهم وإشعاراً بخطئهم في ذلك أي يسألونك مُشبّهاً حالُك عندهم بحال من هو حفيٌّ عنها أي مبالِغٌ في العلم بها فعيلٌ من حِفيَ وحقيقتُه كأنك مبالغٌ في السؤال عنها فإن ذلك في حكم المبالغةِ في العلم بها لِما أن مَنْ بالغ في السؤال عن الشيء والبحثِ عنه استحكم علمُه به ومبنى التركيبِ على المبالغة والاستقصاءِ ومنه إحفاءُ الشاربِ واحتفاءُ البقل أي استئصالُه والإحفاءُ في المسألة أي الإلحافُ فيها وقيل عن متعلقةٌ بيسألونك وقولُه تعالى كَأَنَّكَ حَفِىٌّ معترض وصلةُ حفيٌّ محذوفة أي حفي بها وقد قرىء كذلك وقيل هو من الحَفاوة بمعنى البِرِّ والشفقة فإن قريشاً قالوا له ﷺ إن بيننا وبينك قرابةً فقل لنا متى الساعة والمعنى يسألونك كأنك تتحفّى بهم فتخصّهم بتعليم وقتِها لأجل القرابة وتَزْوي أمرَها عن غيرهم ففيه تخطئةٌ لهم من جهتين وقيل هو من حفِيَ بالشيء بمعن فرح به والمعنى كأنك فرِحٌ بالسؤال عنها تحبّه مع أنك كارِهٌ له لِما أنه تعرُّضٌ لحُرَم الغيبِ الذي استأثر الله بعلمه ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله﴾ أمر ﷺ بإعادة الجوابِ الأول تأكيداً للحكم وتقريراً له وإشعاراً بعلته على الطريقة البرهانيةِ بإيراد اسمِ الذات المُنبىءِ عن
стр. 1979
الأعراف آية ١٨٨ ١٨٩
استتباعها لصفات الكمالِ التي من جملتها العلمُ وتمهيداً للتعريض بجهلهم بقوله تعالى ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي لا يعلمون ما ذُكر من اختصاص علمِها به تعالى فبعضُهِم ينكرونها رأساً فلا يعلمون شيئاً مما ذكر قطعاً وبعضُهم يعلمون أنها واقعةٌ البتةَ ويزعُمون أنك واقفٌ على وقت وقوعِها فيسألونك عنه جهلاً وبعضُهم يدّعون أن العلم بذلك من مواجب الرسالةِ فيتخذون السؤالَ عنه ذريعةً إلى القدح في رسالتك والمستثنى من هؤلاء هم الواقفون على جلية الحالِ من المؤمنين وأما السائلون عنها من اليهود بطريق الامتحانِ فهم منتظِمون في سلك الجاهلين حيث لم يعلموا بعلمهم وقوله تعالى
стр. 1980
﴿قل لا أملك لنفسى نَفْعًا وَلَا ضَرّا﴾ شروعٌ في الجواب عن السؤال ببيان عجزِه عن علمها إثرَ بيانِ عجزِ الكلِ عنه وإبطالُ زعمِهم الذي بنَوْا عليه سؤالَهم من كونه ﷺ ممن يعلمها وإعادةُ الأمر لإظهار كمالِ العنايةِ بشأن الجوابِ والتنبيهِ على استقلاله ومغايرتِه للأول والتعرضُ لبيان عجزه عما ذُكر من النفع والضُرِّ لإثبات عجزِه عن علمها بالطريق البرهاني واللامُ إمَا متعلقٌ بأملك أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من نفعا أي لا أقدر لأجل نفسي على جلب نفعٍ ما ولا على دفع ضرَ ما ﴿إِلَاّ ما شاء الله﴾ أن أملِكَه من ذلك بأن يُلْهِمنيه فيُمكِنَني منه ويُقدِرَني عليه أو لكنْ ما شاء الله من ذلك كائنٌ فالاستثناءُ منقطعٌ وهذا أبلغُ في إظهار العجز ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب﴾ أي جنسَ الغيبِ الذي من جملته ما بين الأشياء من المناسبات المصححةِ عادة للسببية والمسببية ومن المباينات المستتبعة للمانعة والمدافعةِ ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير﴾ أي لحصّلتُ كثيراً من الخير الذي نيط تحصيلُه بالأفعال الاختياريةِ للبشر بترتيب أسبابِه ودفعِ موانِعه ﴿وَمَا مَسَّنِىَ السوء﴾ أي السوءُ الذي يمكن التقصّي عنه بالتوقيِّ عن موجباته والمدافعةِ بموانعه لا سوءٌ ما فإن منه ما لا مدفعَ له ﴿إِنْ أَنَاْ إِلَاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ أي ما أنا إلا عبدٌ مرسَلٌ للإنذار والبشارة شأني حيازةُ ما يتعلق بهما من العلوم الدينيةِ والدنيوية لا الوقوفُ على الغيوب التي لا علاقة بينها وبين الأحكامِ والشرائعِ وقد كشفتُ من أمر الساعةِ ما يتعلق به الإنذارُ من مجيئها لا محالة واقترابِها وأما تعيينُ وقتِها فليس ما يستدعيه الإنذارُ بل هو مما يقدح فيه لما مرَّ منْ أنَّ إيهامه أدعى إلى الانزجار عن المعاصي وتقديمُ النذيرِ على البشير لما أن المَقام مقامُ الإنذار وقوله تعالى ﴿لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ إما متعلقٌ بهما جميعاً لأنهم ينتفعون بالإنذار كما ينتفعون بالبشارة وإما بابشير فقط وما يتعلق بالنذير محذوف أي نذير للكافرين أي الباقين على الكفر وبشيرٌ لقوم يؤمنون أي في أيّ وقتٍ كان ففيه ترغيبٌ للكفرة في إحداث الإيمانِ وتحذيرٌ عن الإصرار على الكفر والطغيان
стр. 1981
﴿هُوَ الذى خَلَقَكُمْ﴾ استئناف سيق لبيان كمالِ عِظَمِ جنايةِ الكَفَرةِ في جراءتهم على الإشراك بتذكير مبادى
стр. 1982
الأعراف آية ١٨٩ أحوالِهم المنافيةِ له وإيقاعُ الموصول خبراً لتفخيم شأنِ المبتدأ أي هو ذَلِكَ العظيمُ الشأنِ الذي خلقكم جميعاً وحدَه من غير أن يكون لغيره مدخلٌ في ذلك بوجهٍ من الوجوه ﴿مّن نَّفْسٍ واحدة﴾ هو آدم ﵊ وهذا نوعُ تفصيلٍ لما أشيرَ إليه في مطلعِ السورة الكريمة إشارة إجالية من خلقهم وتصويرِهم في ضمن خلق آدمَ وتصويرِه وبيانٌ لكيفيته ﴿وَجَعَلَ﴾ عطف على خلقكم داخلٌ في حكمِ الصلةِ ولا ضيرَ في تقدمه عليه وجوداً لِما أن الواوَ لا تستدعي الترتيبَ في الوجود ﴿مِنْهَا﴾ أي من جنسها كما في قوله تعالى جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا أو من جسدها لما يُروى أنه تعالى خلقَ حواءَ من ضلع من أضلاع آدم ﵊ والأولُ هو الأنسُب إذِ الجنسيةُ هي المؤديةُ إلى الغاية الآتيةِ لا الجزئيةُ والجعلُ إما بمعنى التصييرِ فقوله تعالى ﴿زَوْجَهَا﴾ مفعولُه الأولُ والثاني هو الظرفُ المقدّم وإما بمعنى الإنشاءِ والظرفُ متعلقٌ بجعل قُدّم على المفعول الصريح لما مر مرارا من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر أو بمحذوفٍ هو حالٌ من المفعول والأولُ هو الأولى وقوله تعالى ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ علةٌ غائيةٌ للجعل باعتبار تعلُّقِه بمفعولِه الثاني أي ليستأنسَ بها ويطمئِنّ إليها اطمئناناً مصححاً للازدواج كما يلوح به تنذكير الضميرِ ويُفصح عنه قوله تعالى ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ أي جامعها ﴿حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا﴾ في مبادىء الأمرِ فإنه عند كونه نطفةً أو علقة أو مضغة أخفُّ عليها بالنسبة إلى ما بعد ذلك من المراتب والتعرض لذكر خِفته للإشارة إلى نعمته تعالى عليهم في إنشائه تعالى إياهم متدرجين في أطوار الخلقِ من العدم إلى الوجود ومن الضَّعف إلى القوة ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ أي فاستمرّت به كما كانت قبل حيث قامتْ وقعدت وأخذت وتركت وعليه قراءةُ ابن عبَّاسً رضي الله تعالى عنهما وقرىء فمرت بالتخفيف وفمارت من المورود هو المجيءُ والذهابُ أو من المِرْية فظنت الحملَ وارتابت به وأما ما قيل من أن المعنى حملت حملاً خفّ عليها ولم تلْقَ منه ما يلقى بعضُ الحبالى من حملهن من الكرب والأذّية ولم تستثقِلْه كما يستثقِلْنَه فمرّت به أي فمضَت به إلى ميلاده منن غير إخداج ولا إزلاق فيرده قوله تعالى ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَت﴾ إذ معناه فلما صارت ذاتَ ثِقلٍ لكبر الولدِ في بطنها ولا ريب في أن الثقلَ بهذا المعنى ليس مقابلاً للخفة بالمعنى المذكور إنما يقابلها الكربُ الذي يعتري بعضَهن من أول الحمل إلى آخره دون بعضٍ أصلاً وقرىء أُثقِلت على البناء للمفعول أي أثقلها حملُها ﴿دَّعَوَا الله﴾ أي آدمُ وحواءُ ﵉ لمّا دَهِمهما أمرٌ لم يعهَداه ولم يعرِفا مآله فاهتما به وتضرّعا إليه وقولُه تعالَى ﴿رَبُّهُمَا﴾ أي مالكَ أمرِهما الحقيقُ بأن يُخصَّ به الدعاءُ إشارةٌ إلى أنهما قد صدّرا به دعاءَهما كما في قولهما رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا الآية ومتعلَّقُ الدعاءِ محذوفٌ تعويلاً على شهادة الجملةِ القسَمية به أي دَعَواه تعالى أن يُؤتيَهما صالحاً ووعدا بمقابلته الشكرَ على سبيل التوكيدِ القسَميِّ وقالا أو قائلين ﴿لئن آتيتنا صالحا﴾ أي ولداً من جنسنا سوياً ﴿لَنَكُونَنَّ﴾ نحن ومن يتناسل من ذريتنا ﴿مِنَ الشاكرين﴾ الراسخين في الشكر على نعمائك التي من جملتهخا هذه النعمةُ وترتيبُ هذا الجوابِ على الشرط المذكورِ لما أنهما قد علما أن ما علّقا به دعاءَهما أُنموذَجٌ لسائر أفرادِ الجنسِ ومعيارٌ لها ذاتاً وصفةَ وجودُه مستتبعٌ لوجودها وصلاحُه مستلزِمٌ لصلاحها فالدعاءُ في حقه متضمنٌ للدعاء في حق الكل مستتبِعٌ له كأنهما قالا لئن آتيتنا وذريتَنا أولاداً صالحة وقيل إن ضميرَ آتيتَنا أيضاً لهما ولكل من يتناسل من ذريتهما فالوجهُ ظاهرٌ وأنت خبيرٌ بأن نظم الكل
стр. 1983
الأعراف آية ١٩٠
في سلك الدعاءِ أصالةً يأباه مقام المبالغةِ في الاعتناء بشأن ما هما بصدده وأما جعلُ ضميرِ لنكونن للكل فلا محذورَ فيه لأن توسيع دائر الشكر غيرُ مُخِلَ بالاعتناء المذكور بل مؤكدٌ له وَأياً مَا كان فمَعنى قوله تعالى
стр. 1984
﴿فلما آتاهما صالحا﴾ لما ى تاهما ما طلباه أصالةً واستتباعاً من الولد وولد الولدِ ما تناسلوا فقوله تعالى ﴿جَعَلَا﴾ أي جعل أولادُهما ﴿لَهُ﴾ تعالى ﴿شُرَكَاء﴾ على حذفِ المضافِ وإقامةِ المضافِ إليه مُقامه ثقةً بوضوح الأمرِ وتعويلاً على ما يعقُبه من البيان وكذا الحالُ في قولِه تعالى ﴿فيما آتاهما﴾ أي فيما آتى أولادَهما من الأولد حيث سمَّوْهم بعبد مناف وعبدِ العزّى ونحوِ ذلك وتخصيصُ إشراكِهم هذا بالذكر في مقام التوبيخِ مع أن إشراكَهم بالعبادة أغلظُ منه جنايةً وأقدمُ وقوعاً لما أنَّ مساقَ النظمِ الكريمِ لبيان إخلالِهم بالشكر في مقابلة نعمةِ الولدِ الصلح وأولُ كفرِهم في حقه إنما هو تسميتُهم إياه بما ذُكر وقرىء شِرْكاً أي شركةً أو ذوي شركةٍ أي شركاءَ إن قيل ما ذُكر من حذفِ المضافِ وإقامةِ المضافِ إليه مقامه إنما يصادر إليه فيما يكون للفعل ملابسةٌ ما بالمضاف إليه أيضاً بسرايته إليه حقيقةً أو حكماً وتتضمن نسبتُه إليه صورةً مزيةً يقتضيها المقام كما في مثلِ قولِه تعالى وَإِذْ نجيناكم مّنْ آل فِرْعَوْنَ الآية فإن الإنجاءَ منهم مع أن تعلّقه حقيقةً ليس إلا بأسلاف اليهودِ قد نُسب إلى أخلافهم بحكم سرايتِه إليهم توفيةً لمقام الامتنانِ حقَّه وكذا في قولِه تعالى قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء الله الآية فإن القتلَ حقيقةً مع كونه من جناية آبائِهم قد أُسند إليهم بحكم رضاهم به أداءً لحق مقامِ التوبيخِ والتبكيت ولا ريبَ في أنَّهما عليهما الصلاة والسلام بريئان من سرايةِ الجعلِ المذكورِ إليهما بوجه من الوجوه فما وجهُ إسنادِه إليهما صورةً قلنا وجهُه الإيذانُ بتركهما الأَوْلى حيث أقدما على نظم أولادِهما في سلك أنفسِهما والتزما شكرَهم في ضمن شكرِهما وأقسما على ذلك قبل تعرُّف أحوالِهم ببيان أن إخلالَهم بالشكر الذي وعداه وعداً مؤكداً باليمين بمنزلة إخلالِهما بالذات في استيجاب الحِنْثِ والخُلْف مع ما فيه من الاشعار بتضاعف جنايتِهم ببيان أنهم بجعلهم المذكورِ أوقعوهما في ورطة الحِنثِ والخُلفِ وجعلوهما كأنهما باشراه بالذات فجمعوا بين الجنايةِ على الله تعالى والجنايةِ عليهما ﵉ ﴿فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ تنزيهٌ فيه معنى التعجبِ والفاءُ لترتيبه على ما فُصِّل من أحكام قدرتِه تعاتلى وآثارِ نعمتِه الزاجرةِ عن الشرك الداعية إلى التة وحيد وصيغةُ الجمعِ لما أشير إليه من تعين الفاعلِ وتنزيهِ آدمَ وحواءَ عن ذلك وما في عما إما مصدريةٌ أيْ عن إشراكِهم أو موصولةٌ أو موصوفةٌ أي عما يشركونه به سبحانه والمرادُ بإشراكهم إما تسميتُهم المذكورةُ أو مطلقُ إشراكِهم المنتظِمِ لها انتظاماً أولياً وقرىء تشركون بتاء الخطاب بطريق الالتفاتِ وقيل الخطابُ لآلقصي من قريش والمرادُ بالنفس الواحدةِ نفسُ قصيّ فإنهم خُلقوا منه وكان له زوجٌ من جنسه عربيةٌ قرشيةٌ وطلبا من الله تعالى ولداً صالحاً فأعطاهما أربعةَ بنينَ فسمَّياهم عبدَ مناف وعبدَ شمسٍ وعبدَ قصي وعبد الداروضمير يشركون لهما ولأعقابهما المقتدين بهما وأما ما قيل من أنه لما حملت حواءُ أتاها إبليسُ في صورة رجل فقال لها ما يُدريك ما في بطنك لعله بهيمةٌ أو كلبٌ أو خنزيرٌ وما يدريك من أين يخرج فخافت من
стр. 1985
الأعراف آية ١٩١ ١٩٣
ذلك فذكرته لآدمَ فأهمّهما ذلك ثم عاد إليها وقال إني من الله تعالى بمنزلة فإن دعوتُه أن يجعله خلقاً مثلَك ويسهّل عليك خروجَه تسمّيه عبد الحرث وكان اسمُه حارثاً في الملائكة فقبِلت فلما ولدتْه سمته عبد الحرث فمما لا تعويلَ عليه كيف لا وأنه ﷺ كان علَماً في علم الأسماءِ والمسميات فعدمُ علمِه بإبليسَ واسمِه واتباعُه إياه في مثل هذا الشأنِ الخطيرِ أمرٌ قريبٌ من المحال والله تعالَى أعلمُ بحقيقةِ الحال
стр. 1986
﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ استئنافٌ مسوقٌ لتوبيخ المشركين واستقباحِ إشراكِهم على الإطلاق وإبطالِه بالكلية ببيان شأنِ ما أشركوه به سبحانه وتفصيلِ أحوالِه القاضيةِ ببطلان ما اعتقدوه في حقه أي أيشركون به تعالى ﴿مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئاً﴾ أي لا يقدرُ على أنْ يخلقشيئا من الأشياء أصلاً ومن حق المعبودِ أن يكون خالقاً لعابده لا محالةَ وقولُه تعالَى ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ عطفٌ على لا يخلق وإيرادُ الضميرين بجمع العقلاءِ وتسميتِهم لها آلهةً وكذا حالُ سائر الضمائرِ الآتيةِ ووصفُها بالمخلوقية بعد وصفِها بنفي الخالقيةِ لإبانة كمالِ منافاةِ حالِها لما اعتقدوه في حقها وإظهارِ غايةِ جهلِهم فإنَّ إشراكَ ما لا يقدِرُ على خلق شيء ما بخاقه وخالق جمسع الأشياء مما لا يمكن أن يسوّغه من له عقلٌ في الجملة وعدمُ التعرضِ لخالقها للإيذان بتعينه والاستغناءِ عن ذكره
стр. 1987
﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ﴾ أي لعبدتعم إ ١ احزبهم أمرٌ مهِمّ وخطبٌ مُلِمٌّ ﴿نَصْراً﴾ أي نصراً ما بجلب منفعةٍ أو دفعِ مضرةٍ ﴿وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ إذا اعتراهم حادثةٌ من الحوادث أي لا يدفعونها عن أنفسهم وإيرادُ النصر للمشاكلة وهذا بيانٌ لعجزهم عن إيصال منفعةٍ ما من المنافع الوجوديةِ والعدميةِ إلى عبدتهم وأنفسِهم بعد بيانِ عجزِهم عن إيصال منفعةِ الوجود إليهم وإلى أنفسهم خلا أنهم وُصفوا هناك بالمخلوقية لكونهم أهلاً لها وههنا لم يوصفوا بالمنصورية لأنهم ليسوا أهلاً لها وقوله تعالى
стр. 1988
﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى﴾ بيانٌ لعجزهم عما هو أدنى من النصر المنفيِّ عنهم وأيسر هو مجردُ الدِلالةِ على المطلوب والإرشادِ إلى طريق حصولِه من غير أن يحصّله الطالب والخطابُ للمشركين بطريق الالتفاتِ المنبىءِ عن مزيد الاعتناءِ بأمر التوبيخِ والتبكيتِ أي إنْ تدعوهم أيها المشركون إلى أن يَهدوكم إلى ما تحصلون به المطالبَ أو تنجون به عن المكاره ﴿لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ إلى مرادكم وطِلْبتِكم وقرىء بالتخفيف وقوله تعالى ﴿سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صامتون﴾ استئنافٌ مقررٌ لمضمونِ ما قبله ومبينٌ لكيفية عدمِ الاتباع أي مستوٍ عليكم في عدم الإفادةِ دعاؤكم لهم وسكوتكم البحث فإنه لا يتغير حالُكم في الحالين كما لا يتغير حالُهم بحكم الجمادية وقوله تعالى أَمْ أَنتُمْ صامتون جملةٌ اسميةٌ في معنى الفعليةِ معطوفةٌ على الفعلية لأنها في قوة أمْ صَمَتّم عُدل عنها للمبالغة في عدم إفادةِ الدعاء
стр. 1989
الأعراف آية ١٩٤ ١٩٥
ببيان مساواتِه للسكوت الدائمِ المستمر وما قيل من أن الخطابَ للمسلمين والمعنى وإن تدعوا لمشركين إلى الهدى أي الإسلامِ لا يتبعوكم الخ مما يساعده سياق النظم الكريم وسياقُه أصلاً على أنه لو كان كذلك لقيل عليهم مكان عليكم كما في قوله تعالى سواء عليهم أأنذرتهم أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ فإن استواءَ الدعاءِ وعدمَه إنما هو بالنسبة إلى المشركين لا بالنسبة إلى الداعين فإنهم فائزون بفضل الدعوة
стр. 1990
﴿إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ تقريرٌ لما قبلَهُ من عدم اتباعِهم لهم أي إن الذين تعبدونهم مِن دُونِهِ تعالى مِن الأصنام وتسمونهم آلهى ة ﴿عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ أي مماثلةٌ لكن لكن لا من كل وجهٍ بل من حيث إنها مملوكة لله مسخَّرةٌ لأمره عاجزة عن النفع والضررِ وتشبيهُها بهم في ذلك مع كون عجزِها عنهما أظهرَ وأقوى من عجزهم إنما هو لاعترافهم بعجز أنفسِهم وادّعائِهم لقدرتها عليهما إذ هو الذي يدعوهم إلى عبادتها والاستعانةِ بها وقوله تعالى ﴿فادعوهم فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ﴾ تحقيقٌ لمضمون ما قبله بتعجيزهم وتبكيتِهم أي فادعوْهم في جلب نفعٍ أو كشف ضُرَ ﴿إِن كُنتُمْ صادقين﴾ في زعمكم أنهم قادرون على ما أنتم عاجزون عنه وقوله تعالى
стр. 1991
﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ الخ تبكيتٌ إثرَ تبكيتٍ مؤكدٌ لما يفيده الأمرُ التعجيزيُّ من عدم الاستجابةِ ببيان فُقدانِ آلاتِها بالكلية فإن الاستجابةَ من الهياكل الجُسمانية إنما تُتصوّر إذا كان لها حياةٌ وقُوىً محرّكة ومُدركة وما ليس له شيءٌ من ذلك فهو بمعزل من الأفاعيل بالمرة كأنه قيل ألهم هذه الآلاتُ التي بها تتحقق الاستجابةُ حتى يمكن استجابتُهم لكم وقد وجه الإنكار إلى كل واحدةٍ من هذه الآلات الأربعِ على حدة تكريراً للتبكيت وتثنية للتقريع إشعارا بأن انتفاءَ كلِّ واحدةٍ منها يحيالها كافٍ في الدلالة على استحالة اللاستجابة ووصف الأرجل باالمشي بها للإيذان بأن مدارَ الإنكارِ هو الوصفُ وإنما وُجّه إلى الأرجلِ لا إلى الوصف بأن يقال أيمشون بأرجلهم لتحقيق أنها حيث لم يظهر منها ما يظهر من سائر الأرجلِ فهي ليست بأرجل في الحقيقة وكذا الكلامُ فيما بعده من الجوارحِ الثلاثِ الباقية وكلمةُ أم في قوله تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا﴾ منقطعةٌ وما فيها من الهمزة لما مر من التبكيت والإلزامِ وبل للإضراب المفيدِ للانتقال من فنّ من التبكيت بعد تمامِه إلى فن آخرَ منه لما ذكر من المزوايا والبطشُ الآخذُ بقوة وقرىء يبطُشون بضمِّ الطاءِ وهي لغةٌ فيه والمعنى بل ألهم أيدٍ يأخُذون بها ما يريدون أخذَه وتأخيرُ هذا عما قبله لما أن المشيَ حالُهم في أنفسهم والبطشَ حالُهم بالنسبة إلى الغير وأما تقديمُه على قوله تعالى ﴿أَمْ لَهم أَعْينٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بها﴾
стр. 1992
الأعراف آية ١٩٦ ١٩٨
مع أن الكل سواءٌ في أنها من أحوالهم بالنسبة إلى الغير فلمراعاة المقابلةِ بين الأيدي والأرجل ولأن انتفاءَ المشي والبطشِ أظهرُ والتبكيتَ بذلك أقوى وأما تقديمُ الأعينِ فلما أنها أشهرُ من الآذان وأظهرُ عيناً وأثراً هذا وقد قرىء إنِ الذين تَدْعُونَ مِن دونه الله عباداً أمثالَكم على إعمال إنْ النافية عملَ ما الحجازية أي ما الذين تدعون من دونه تعالى عباداً أمثالَكم بل أدنى منكم فيكونُ قوله تعالى أَلَهُمْ الخ تقريراً لنفي المماثلةِ بإثبات القصورِ والنُقصان ﴿قُلِ ادعوا شُرَكَاءكُمْ﴾ بعد ما بُيّن أن شركاءَهم لَاّ يَقْدِرُونَ على شَىْء ما أصلاً أُمر رسول الله ﷺ بأن يناصِبَهم للمُحاجّة ويكررَ عليهم التبكيتَ وإلقامُ الحجرِ أي ادعوا شركاءهم واستعينوا بهم عليّ ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ جميعاً أنتم وشركاؤكم وبالِغوا في ترتيب ما تقدرون عليه من مبادى الكيدِ والمكر ﴿فَلَا تُنظِرُونِ﴾ أي فلا تُمهلوني ساعةً بعد ترتيبِ مقدمات الكيدِ فإني لا أبالي بكم أصلاً
стр. 1993
﴿إِنَّ وَلِيّىَ الله الذى نَزَّلَ الكتاب﴾ تعليلٌ لعدم المبالاةِ المنفهمِ من السَّوْق انفهاماً جلياً ووصفُه تعالى بتنزيل الكتابِ للإشعار بدليل الولايةِ والإشارةِ إلى علة أخرى لعدم المبالاةِ كأنه قيل لا أبالي بكم وبشركائكم لأن وليّيَ هو الله الذى أَنزَلَ الكتابَ الناطقَ بأنه وليِّي وناصري وبأن شركاءَكم لَا يَسْتَطِيعُونَ نصرَ أنفسِهم فضلاً عن نصركم وقوله تعالى ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين﴾ تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله أي ومن عادته أن يتولى الصالحين من عباده وينصُرَهم ولا يخذُلَهم
стр. 1994
﴿والذين تَدْعُونَ﴾ أي تعبدونهم ﴿مِن دُونِهِ﴾ تعالى أو تدعونهم للاستعانة بهم عليّ حسبما أمرتُكم به ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ أي في أمرٍ من الأمورِ أو في خصوص الأمرِ المذكور ﴿وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ إذا نابتْهم نائبةٌ
стр. 1995
﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى﴾ إلى أن يهدوكم إلى ما تحصّلون به مقاصدَكم على الإطلاقِ أو في خصوص الكيدِ المعهود ﴿لَا يَسْمَعُواْ﴾ أي دعاءَكم فضلاً عن المساعدة والإمدادِ وهذا أبلغُ من نفي الاتباعِ وقوله تعالى ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ بيانٌ لعجزهم عن الإبصار بعد بيانِ عجزِهم عن السمع وبه يتم التعليلُ فلا تكرارَ أصلاً والرؤيةُ بصريةٌ وقوله تعالى يَنظُرُونَ إِلَيْكَ حالٌ من المفعول والجملةُ الاسميةُ حالٌ من فاعل ينظرون أي وترى الأصنامَ رأيَ العين يُشبهون الناظرين إلأيك ويخيل إليك أنهم يبصرونك لما أنه صنعوا لها أعيناً مركبةً بالجواهر المضيئة المتلألئة وصوّروها صورة مَنْ قلبَ حدَقتَه إلى الشيء ينظُر إليه والحالُ أنهم غيرُ قادرين على الإبصار وتوحيدُ الضمير في تراهم مع رجوعه إلى المشركين لتوجيه الخِطابِ إلى كل واحد واحد منهم لا إلى الكلُّ من حيثُ هو كلٌّ الخطابات السابقةِ تنبيها على أن رؤية الأصنامِ على الهيئة المذكورةِ لا تتسنّى للكل معا بل
стр. 1996
الأعراف آية ١٩٩ ٢٠١
لكل من يواجهها وقيل ضميرُ الفاعل في تراهم لرسول الله ﷺ وضميرُ المفعولِ على حاله وقيل للمشركين على أن التعليلَ قد تمَّ عند قولِه تعالى لَا يَسْمَعُواْ أي وترى المشركين ينظُرون إليك والحال أنهم لا يبصِرونك كما أنت عليه وعن الحسن أن الخكاب في قوله تعالى وأن تَدْعُواْ للمؤمنين على أن التعليلَ قد تمَّ عند قولِه تعالى يُنصَرُونَ أي وإن تدعوا أيها المؤمنون المشركين إلى الإسلام لا يلتفتوا إليكم ثم خوطب ﷺ بطريق التجريدِ بأنك تراهم ينظرون إليك والحال أنهم لا يُبصرونك حقَّ الإبصار تنبيهاً على أن ما فيه ﷺ من شواهد النبوةِ ودلائلِ الرسالةِ من الجلاءِ بحيث لا يكاد بخفى على الناظرين
стр. 1997
﴿خُذِ العفو﴾ بعدَ ما عُدّ من أباطيلِ المشركين وقبائحِهم ما لا يطاق تحمله أمر ﷺ بمجامع مكارمِ الأخلاق التي من جملتها الإغضاءُ عنهم أي خذ ما هفا لك من أفعا الناسِ وتسهل ولا تكلِّفْهم ما يشُقُّ عليهم من العفو الذي هو ضدُّ الجَهدِ أو خذ العفوَ من المذنبين أو الفضلَ من صدقاتهم وذلك قبل وجوبِ الزكاة ﴿وَأْمُرْ بالعرف﴾ بالجميل المستحسَن من الأفعال فإنها قريبةٌ من قَبول الناس من غير نكير ﴿وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين﴾ من غير مماراةٍ ولا مكافأة قيل لما نزلت سأل رسول الله ﷺ جبريلُ ﵇ فقال لا أدري حتى أسأل ثم رجع فقال يا محمدُ إن ربك أمرك أن تصِل مَنْ قطعك وتعطيَ من حَرَمك وتعفُوَ عمّن ظلمك وعن جعفرٍ الصادقِ أمر الله تعالى نبيَّه بمكارم الأخلاق وروي أنه لما نزلت الآيةُ الكريمة قال ﷺ كيف يا ربّ والغضبُ متحقق فنزل قوله تعالى
стр. 1998
﴿وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نزغ﴾ النزغ والنسع والنخْسُ الغرزُ شُبّهت وسوستُه للناس وإغراؤه لهم على المعاصي بغَرْز السائق لما يسوقه وإسنادُه إلى النزغ من قَبيل جَدّ جِدُّه أي وإما يحمِلنّك من جهته وسوسةٌ ما على خلاف ما أُمرت به من اعتراء غضبٍ أو نحوه ﴿فاستعذ بالله﴾ فالتجِىءْ إليه تعالى من شره ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ يسمع استعاذتَك به قولاً ﴿عَلِيمٌ﴾ يعلم تضرُّعَك إليه قلباً في ضمن القولِ أو بدونه فيعصمُك من شره وقد جُوِّز أن يرادَ بنزغ االشيطان اعتراءُ الغضبِ على نهج الاستعارة كما في قول الصدِّيقِ ﵁ إن لي شيطاناً يعتريني ففيه زيادةُ تنفيرٍ عنه وفرطُ تحذيرٍ عن العمل بموجبه وفي الأمر بالاستعاذة بالله تعالى تهويلٌ لأمره وتنبيهٌ على أنه من الغوائل الصعبةِ التي لا يُتخَلّص من مَضَرَّتها إلا بالتجاء إلى حرم عصمته وقيل يعلمُ ما فيه صلاحُ أمرِك فيحملك عليه أو سميعٌ بأقوال مَنْ آذاك عليمٌ بأفعاله فيجازيه عليها
стр. 1999
﴿إِنَّ الذين اتقوا﴾ استئنافٌ مقرِّرٌ لما قبله إِنَّ ما أمر به ﷺ من الاستعاذة بالله تعالى سنةٌ مسلوكةٌ للمتقين والإخلالُ بها ديدنُ الغاوين أي إن الذين اتصفوا بوقاية أنفسِهم عما يضُرّها ﴿إِذَا مسهم طائف مّنَ الشيطان﴾ أدنى لمّةٍ منه على أن تنوينَه للتحقير وهو اسمُ فاعلِ من طاف يطوف
стр. 2000
الأعراف آية ٢٠٢ ٢٠٣
كأنها تطوف بهم وتدور حولهم لتوقِعَ بهم أو من طاف به الخيالُ يطيفُ طيفاً أي ألمَّ وقرىء طيفٌ على أنَّه مصدرٌ أو تخفيفٌ من طيِّف من الواوي أو اليائي كهين ولين والمارد بالشيطان الجنسُ ولذلك جُمع ضميرُه فيما سيأتي ﴿تَذَكَّرُواْ﴾ أي الاستعاذةَ بهِ تعالى والتوكلَ عليه ﴿فَإِذَا هُم﴾ بسبب ذلك التذكّرِ ﴿مُّبْصِرُونَ﴾ مواقِعَ الخطأ ومكايدَ الشيطانِ فيحترزون عنها ولا يتبعونه
следующие страницы →