Полный текст (8 642 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
الأعراف آية ١٩٩ ٢٠١
لكل من يواجهها وقيل ضميرُ الفاعل في تراهم لرسول الله ﷺ وضميرُ المفعولِ على حاله وقيل للمشركين على أن التعليلَ قد تمَّ عند قولِه تعالى لَا يَسْمَعُواْ أي وترى المشركين ينظُرون إليك والحال أنهم لا يبصِرونك كما أنت عليه وعن الحسن أن الخكاب في قوله تعالى وأن تَدْعُواْ للمؤمنين على أن التعليلَ قد تمَّ عند قولِه تعالى يُنصَرُونَ أي وإن تدعوا أيها المؤمنون المشركين إلى الإسلام لا يلتفتوا إليكم ثم خوطب ﷺ بطريق التجريدِ بأنك تراهم ينظرون إليك والحال أنهم لا يُبصرونك حقَّ الإبصار تنبيهاً على أن ما فيه ﷺ من شواهد النبوةِ ودلائلِ الرسالةِ من الجلاءِ بحيث لا يكاد بخفى على الناظرين
стр. 1997
﴿خُذِ العفو﴾ بعدَ ما عُدّ من أباطيلِ المشركين وقبائحِهم ما لا يطاق تحمله أمر ﷺ بمجامع مكارمِ الأخلاق التي من جملتها الإغضاءُ عنهم أي خذ ما هفا لك من أفعا الناسِ وتسهل ولا تكلِّفْهم ما يشُقُّ عليهم من العفو الذي هو ضدُّ الجَهدِ أو خذ العفوَ من المذنبين أو الفضلَ من صدقاتهم وذلك قبل وجوبِ الزكاة ﴿وَأْمُرْ بالعرف﴾ بالجميل المستحسَن من الأفعال فإنها قريبةٌ من قَبول الناس من غير نكير ﴿وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين﴾ من غير مماراةٍ ولا مكافأة قيل لما نزلت سأل رسول الله ﷺ جبريلُ ﵇ فقال لا أدري حتى أسأل ثم رجع فقال يا محمدُ إن ربك أمرك أن تصِل مَنْ قطعك وتعطيَ من حَرَمك وتعفُوَ عمّن ظلمك وعن جعفرٍ الصادقِ أمر الله تعالى نبيَّه بمكارم الأخلاق وروي أنه لما نزلت الآيةُ الكريمة قال ﷺ كيف يا ربّ والغضبُ متحقق فنزل قوله تعالى
стр. 1998
﴿وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نزغ﴾ النزغ والنسع والنخْسُ الغرزُ شُبّهت وسوستُه للناس وإغراؤه لهم على المعاصي بغَرْز السائق لما يسوقه وإسنادُه إلى النزغ من قَبيل جَدّ جِدُّه أي وإما يحمِلنّك من جهته وسوسةٌ ما على خلاف ما أُمرت به من اعتراء غضبٍ أو نحوه ﴿فاستعذ بالله﴾ فالتجِىءْ إليه تعالى من شره ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ يسمع استعاذتَك به قولاً ﴿عَلِيمٌ﴾ يعلم تضرُّعَك إليه قلباً في ضمن القولِ أو بدونه فيعصمُك من شره وقد جُوِّز أن يرادَ بنزغ االشيطان اعتراءُ الغضبِ على نهج الاستعارة كما في قول الصدِّيقِ ﵁ إن لي شيطاناً يعتريني ففيه زيادةُ تنفيرٍ عنه وفرطُ تحذيرٍ عن العمل بموجبه وفي الأمر بالاستعاذة بالله تعالى تهويلٌ لأمره وتنبيهٌ على أنه من الغوائل الصعبةِ التي لا يُتخَلّص من مَضَرَّتها إلا بالتجاء إلى حرم عصمته وقيل يعلمُ ما فيه صلاحُ أمرِك فيحملك عليه أو سميعٌ بأقوال مَنْ آذاك عليمٌ بأفعاله فيجازيه عليها
стр. 1999
﴿إِنَّ الذين اتقوا﴾ استئنافٌ مقرِّرٌ لما قبله إِنَّ ما أمر به ﷺ من الاستعاذة بالله تعالى سنةٌ مسلوكةٌ للمتقين والإخلالُ بها ديدنُ الغاوين أي إن الذين اتصفوا بوقاية أنفسِهم عما يضُرّها ﴿إِذَا مسهم طائف مّنَ الشيطان﴾ أدنى لمّةٍ منه على أن تنوينَه للتحقير وهو اسمُ فاعلِ من طاف يطوف
стр. 2000
الأعراف آية ٢٠٢ ٢٠٣
كأنها تطوف بهم وتدور حولهم لتوقِعَ بهم أو من طاف به الخيالُ يطيفُ طيفاً أي ألمَّ وقرىء طيفٌ على أنَّه مصدرٌ أو تخفيفٌ من طيِّف من الواوي أو اليائي كهين ولين والمارد بالشيطان الجنسُ ولذلك جُمع ضميرُه فيما سيأتي ﴿تَذَكَّرُواْ﴾ أي الاستعاذةَ بهِ تعالى والتوكلَ عليه ﴿فَإِذَا هُم﴾ بسبب ذلك التذكّرِ ﴿مُّبْصِرُونَ﴾ مواقِعَ الخطأ ومكايدَ الشيطانِ فيحترزون عنها ولا يتبعونه
стр. 2001
﴿وإخوانهم﴾ أي إخوان الشيطان وهم المنهمِكون في الغي المعرضون عن وقاية أنفسِهم عن المضار ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِى الغي﴾ أي يكونالشياطين مدداً لهم فيه ويعضدونهم بالتزيين والحملِ عليه وقرىء يُمِدّونهم من الإمداد ويُمادّونهم كأنهم يُعينونهم بالتسهيل والإغراء وهؤلاء بالاتباع والامتثال ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ أي لا يمسكون عنم الإغواء حتى يردوهم بالكلية ويجوزُ أنْ يكونَ الضميرُ للإخوان أي لا يرعوون عن الغي ولا يقصرون كالمتقين ويجوز أن يراد بالإخوان الشياطين ويرجعُ الضميرُ إلى الجاهليل فيكون الخبرُ جارياً على من هو له
стр. 2002
﴿وإذا لم تأتهم بآية﴾ من القرآن عند تراخي الوحي أو بآية مما اقترحوه ﴿قَالُواْ لَوْلَا اجتبيتها﴾ اجتبى الشيءَ بمعنى جباه لنفسه أي هلاّ جمعتَها من تلقاء نفسِك تقوّلا يرون بذلك أن سائرَ الآياتِ أيضاً كذلك أو هلا تلقيتها من ربك استدعاءً ﴿قُلْ﴾ رداً عليهم ﴿إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَىَّ مِن رَّبّى﴾ من غير أن يكون الي دخلٌ ما في ذلك أصلاً على معنى تخصيص حاله ﷺ باتباع ما يوحى إليه بتوجيِه القصرِ المستفادِ من كلمة إنما إلى نفس الفعلِ بالنسبة إلى مقابله الذي كلفوه غياه ﷺ لا على معنى تخصيص اتباعه ﷺ بما يوحى إليه بتوجيه القصر إلى المفعول بالقياس إلى مفعولٍ آخرَ كما هو الشائعُ في موارد الاستعمال وقد مرَّ تحقيقُه في قولِه تعالى أَنِ أَتَّبِعُ إِلَاّ مَا يوحى إِلَىَّ كأنه قيل ما أفعلُ إلا اتباعَ ما يوحى إلي منه تعالى وفي التعرُّض لوصفِ الربوبيةِ المنبئةِ عن المالكية والتبليغِ إلى الكمال اللائقِ مع الإضافة إلى ضميره ﷺ من تشريفه ﷺ والتنبيهِ على تأييده ما لا يخفى ﴿هذا﴾ إشارةٌ إلى القرآن الكريم المدلولِ عليه بما يوحى إلي ﴿بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ﴾ بمنزلة البصائرِ للقلوب بها تُبصِر الحقَّ وتدرك الصواب وقيل حججٌ بينةٌ وبراهينُ نيِّرةٌ ومِنْ متعلقةٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ لبصائرَ مفيدةٌ لفخامتها أي بصائرُ كائنةٌ منه تعالَى والتعرضُ لعنوانِ الربوبيةِ مع الإضافةِ إلى ضميرِهم لتأكيد وجوبِ الإيمانِ بها وقوله تعالى ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ عطفٌ على بصائرُ وتقديمُ الظرفِ عليهما وتعقيبُهما بقوله تعالى ﴿لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ للإيذان بأن كونَ القرآنِ بمنزلة البصائرِ للقلوب متحققٌ بالنسبة إلى الكل وبه تقوم الحجة على الجميع وأما كونُه هدى ورحمةً فمختصٌّ بالمؤمنين به إذ هم المقتسمون من أنواره والمغتنِمون بآثاره والجملةُ من تمام القولِ المأمورِ به
стр. 2003
الأعراف آية ٣٠٤
стр. 2004
﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا لَهُ﴾ إرشادٌ إلى طريق الفوز بما أشير إليه من المنافع الجليلةِ التي ينطوي عليها القرآنُ أي وإذا قرىء القرآنُ الذي ذكرت شئونه العظيمةُ فاستمعوا له استماعَ تحقيقٍ وقَبول ﴿وَأَنصِتُواْ﴾ أي واسكُتوا في خلال القراءةِ وراعوها إلى انقضائها تعظيماً له وتكميلاً للاستماع ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي تفوزون بالرحمة التي هي أقصى ثمراتِه وظاهرُ النظم الكريمِ يقتضي وجوبَ الاستماعِ والإنصاتِ عند قراءةِ القرآن في الصلاة وغيرِها وقيل معناه إذا تلا عليكم الرسولُ القرآنَ عند نزولِه فاستمعوا له وجمهورُ الصحابة رضي الله تعالى عنهم على أنه في استماع المؤتمِّ وقد روي أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة فأُمروا باستماع قراءةِ الإمامِ والإنصاتِ له وعن ابن عباس رضي الله تعالَى عنُهمَا أنَّ النبيِّ ﷺ قرأ في المكتوبة وقرأ أصحابُه خلفه فنزلت وأما خارج الصلاة فعامةُ العلماءِ على استحبابهما والآيةُ إما من تمام القول به أو استئنافٌ من جهتِه تعالى فقوله تعالى
стр. 2005
﴿واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ على الأولِ عطفٌ على قل وعلى الثاني فيه تجريد للخطاب إلى رسول الله ﷺ وهو عام في الأذكار كافةً فإن الإخفاءَ أدخلُ في الإخلاص وأقربُ من الإجابة ﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ أي متضرعاً وخائفاً ﴿وَدُونَ الجهر مِنَ القول﴾ أي ومتكلماً دون الجهر فإنه أقرب إلى حسن التفكر ﴿بالغدو والاصال﴾ متعلقٌ باذكر أي اذكره في وقت الغُدوات والعشيات وقرىء والإيصال وهو مصدر آصَلَ أي دخل في الآصيل موافقٌ للغدو ﴿وَلَا تَكُنْ مّنَ الغافلين﴾ عن ذكرِ الله تعالى
стр. 2006
﴿إِنَّ الذين عِندَ رَبّكَ﴾ وهم الملائكةُ ﵈ ومعنى كونِهم عنده قربُهم من رحمته وفضلِه لتوفرهم على طاعته تعالى ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ بل يؤدونها حسبما أمروا به ﴿وَيُسَبّحُونَهُ﴾ أي ينزّهونه عن كل ما لا يليقُ بجنابِ كبريائِه ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ أي يخُصّونه بغاية العبوديةِ والتذللِ لا يشركون به شيئاً وهو تعريضٌ بسائر المكلفين ولذلك شُرع السجود عند قراءته عنِ النبيِّ ﷺ إذا قرأ ابنُ آدمَ آيةَ السجدة فسجد اعتزل الشيطانُ يبكي فيقول يا ويله أُمر هذا بالسجود فسجد فله الجنةُ وأُمرت بالسجود فعصَيت فلي النار وعنه ﷺ من قرأ سورةَ الأعرافِ جعل الله تعالى يومَ القيامةِ بينه وبين إبليسَ ستراً وكان آدمُ ﵇ شفيعاً له يوم القيامة
стр. 2007
٨ سورة الأنفال الآية (١)
سورة الأنفال مدنية وهى خمس وسبعون آية
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾
стр. 2008
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الانفال﴾ النفل الغنيمةُ سُمّيت به لأنها عطيةٌ من الله تعالى زائدة على ما هو أصلُ الأجرِ في الجهاد من الثواب الأخروي ويطلق على ما يعطى بطريق التنفيل زيادةً على السهم من المغنم وقرئ عَلنفال بحذف الهمزةِ وإلقاءِ حركتِها على اللام وإدغام نون عن في اللام
روي أن المسلمين اختلفوا في غنائم بدر وفي قسمتها فسألوا رسول الله ﷺ كيف تُقسم ولمن الحُكم فيها ألمهاجرين أم للأنصار أم لهم جميعا وقيل أن الشباب قد أبلَوا يومئذ بلاء حسناً فقتلوا سبعين وأسروا سبعين فقالوا نحن المقاتلون ولنا الغنائم وقال الشيوخ والوجوه الذين كانوا عند الرايات كنا رِدءاً لكم وفئةً تنحازون إليها حتى قال سعد بن معاذ لرسول الله ﷺ والله ما منعنا أن نطلبَ ما طلب هؤلاء زهادةٌ في الأجر ولا جبنٌ من العدو ولكن كرِهنا أن نعرِّيَ مصافّك فيعطِفَ عليك خيلٌ من المشركين فنزلت وقيل كان النبيِّ ﷺ قد شرط لمن كان له بلاءٌ أن يُنَفِّله ولذلك فعل الشبانُ ما فعلوا من القتل والأسر فسألوه ﷺ ما شرطه لهم فقال الشيوخُ المغنمُ قليلٌ والناسُ كثيرٌ وإن تُعطِ هؤلاءِ ما شرطتَ لهم حرمتَ أصحابَك فنزلت والأولُ هو الظاهُر لما أن السؤالَ استعلامٌ لحكم الأنفالِ بقضية كلمةِ عن لا استعطاءٌ لنفسها كما نطقَ به الوجهُ الأخير وادعاءُ زيادةٍ عن تعسف ظاهر والاستدلالُ عليه بقراءة ابن مسعودٍ وسعدُ بنُ أبي وقاص وعليِّ بنِ الحسين وزيدٍ ومحمد الباقي وجعفرِ الصادق وعكرمةَ وعطاءٍ يسألونك الأنفالَ غيرُ منتهضٍ فإن مبناهها كما قالوا على الخذف والإيصالِ كما يعرب عنه الجواب بقوله
﴿قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول﴾ أي حكمُها مختصٌّ به تعالى بقسمها الرسول ﷺ كيفما أُمر به من غير أن يدخُل فيه رأيُ أحدٍ ولو كان السؤالُ استعطاءً لما كان هذا جواباً له فإن اختصاصَ حكمِ ما شُرط لهم من الأنفال بالله والرسول لا ينافي إعطاءَها إياهم بل يحقّقه لأنهم إنما يسألونها بموجب شرطِ الرسول ﷺ الصادرِ عنه بإذن الله تعالى لا بحكم سبَق أيديَهم إليها ونحوِ ذلك مما يُخِلّ بالاختصاص المذكورِ وحملُ الجوابِ على معنى أن الأنفالَ بالمعنى المذكور مختصة برسولِ الله ﷺ لا حق فيها للمُنفَّل كائناً من كان مما لا سبيل إليه قطعاً ضرورةَ ثبوتِ الاستحقاقِ بالتنفيل وادعاءُ أن ثبوتَه بدليل متأخر النزام لنكرر النسخِ من غير علمٍ بالناسخ
стр. 2009
الأخير ولا مساغَ للمصير إلى ما ذهب إليه مجاهدٌ وعكرمةُ والسديّ من أن الأنفالَ كانت لرسول الله ﷺ خاصةً ليس لأحد فيها شيءٌ بهذه الآية فنسخت بقوله تعالى فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ لما أن المراد بالأنفال فيها قالوا هو المعنى الأولُ حتما كما نطق به قوله تعالى واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَىْء الآية على أن الحقَّ أنه لا نسخَ حينئذ أيضاً حسبما قاله عبدُ الرحمن بنُ زيدِ بنِ أسلم بل بيّن في صدرِ السورةِ الكريمةِ إجمالاً أن أمرَها مفوضٌ إلى الله تعالى ورسوله ثم بين مصارفها وكيفيةَ قسمتِها على التفصيل وادعاءُ اقتصارِ هذا الحُكمِ أعني الاختصاصَ برسولِ الله ﷺ على الأنفال المشروطةِ يوم بدر يجعل اللامِ للعهد مع بقاء استحقاقِ المُنفَّل في سائر الأنفالِ المشروطةِ يأباه مقامُ بيان الأحكام كما ينبئ عنه إظهارُ الأنفالِ في موقع الإضمارِ على أن الجوابَ عن سؤال الموعودِ ببيان كونه له ﷺ خاصةً مما لا يليق بشأنه الكريمِ أصلاً وقد روي عن سعدَ بنَ أبي وقاصٍ أنه قال قُتل أخي عميرٌ يوم بدرٍ فقتلتُ به سعيدَ بنَ العاص وأخذتُ سيفَه فأعجبني فجئتُ به رسولَ الله ﷺ فقلت إنَّ الله تعالى قد شفى صدري من المشركين فهَبْ لي هذا السيف فقال لي ﷺ ليس هذا لي ولا لك اطرَحْه في القبض فطرحتُه وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذِ سلبي فما جاوزتُ إلا قليلاً حتى نزلت سورةُ الأنفال فقالَ لي رسولُ الله ﷺ يا سعُد إنك سألتَنى السيفَ وليس لي وقد صار لي فاذهبْ فخُذْه وهذا كما ترى يقتضي عدمَ وقوعِ التنفيلِ يومئذ وإلا لكان سؤالُ السيفِ من سعد بموجب شرطِه ووعده ﷺ لا بطريق الهِبَة المبتدَأةِ وحُمل ذلك من سعدٍ على مراعاة الأدبِ مع كون سؤالِه بموجب الشرط يرده رده ﷺ قبل النزولِ وتعليلُه بقوله ليس هذا لي لاستحالة أن يعد ﷺ بما لا يقدِرُ على إنجازه وإعطاؤه ﷺ بعد النزولِ وترتيبُه على قوله وقد صار لي ضرورةَ أن مناطَ صيرورتِه له ﷺ قوله تعالى الانفال لله والرسول والفرضُ أنه المانعُ من إعطاء المسئول ومَّما هُو نصٌّ في الباب قوله
﴿فاتقوا الله﴾ أي إذا كان أمرُ الغنائم لله تعالى ورسوله فاتقوه تعالى واجتنبوه ما كنتم فيه من المشاجرة فيها والاختلاف الموجِبِ لسخط الله تعالى أو فاتقوه في كل ما تأنون وما تذرون فيدخُل فيه ما هم فيه دخولاً أولياً ولو كان السؤالُ طلباً للمشروط لمّا كان فيه محذورٌ يجب اتقاؤُه وإظهارُ الاسمِ الجليلِ لتربية الممابة وتعليلِ الحُكم
﴿وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ جُعل ما بينهم من الحال لملابستها التامةِ لبَيْنهم صاحبةً له كما جُعلت الأمورُ المضمرةُ في الصدور ذاتَ الصدور أي أصلِحوا ما بينكم من الأحوال بالمواساة والمساعدةِ فيما رزقكم الله تعالى وتفضل به عليكم وعن عبادة بن الصامت نزلت فينا معشرَ أصحابِ بدرٍ حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلافنا فنزعه الله تعالى من أيدينا فجعله لرسوله فقسمه بين المسلمين على السواء وكان في ذلك تقوى الله وطاعةُ رسوله وإصلاحُ ذات البين وعن عطاء كان الإصلاحُ بينهم أن دعاهم وقال اقسموا غنائمَكم بالعدل فقالوا قد أكلْنا وأنفقْنا فقال ليرُدَّ بعضُكم على بعض
﴿وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ﴾ بتسليم أمرِه ونهيه وتوسيطُ الأمر بإصلاح ذاتِ البين بين الأمرِ بالتقوى والأمرِ بالطاعة لإظهار كمالِ العناية بالإصلاح بحسب المقام وليندرجَ الأمرُ به بعينه تحت الأمرِ بالطاعة
﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ متعلقٌ بالأوامرَ الثلاثةِ والجوابُ محذوفٌ ثقةً بدِلالة المذكورِ عليه أو هو الجوابُ على الخلاف المشهور وأيَاً ما كانَ فالمقصودُ تحقيقُ المعلقِ بناءً على تحقق المعلقِ به وفيه تنشيطٌ للمخاطَبين
стр. 2010
وحثٌّ لهم على المسارعة إلى الامتثال والمرادُ بالإيمان كمالُه أي إن كنتم كاملي الإيمانِ فإن كمالَ الإيمان يدور على هذه الخِصالِ الثلاثِ طاعةُ الأوامرِ واتقاءُ المعاصي وإصلاحُ ذاتِ البين بالعدل والإحسان
الأنفال (٢ ٤)
стр. 2011
﴿إِنَّمَا المؤمنون﴾ جملةٌ مستأنفةٌ مَسوقةٌ لبيان مَنْ أريد بالمؤمنين بذكر أوصافِهم الجليلةِ المستتبِعةِ لما ذكر من الخِصال الثلاثِ وفيه مزيدُ ترغيبٍ لهم في الامتثال بالأوامر المذكورةِ أي إنَّما الكاملون في الإيمان المخلِصون فيه
﴿الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي فِزعت لمجرد ذكرِه من غير أن يُذكرَ هناك ما يوجب الفزَعَ من صفاته وأفعاله استعظاما لشأنه الجليلِ وتهيباً منه وقيل هو الرجلُ يُهمّ بمعصية فيقال له اتقِ الله فينزع عنها خوفها من عقابه وقرىء وجَلت بفتح الجيم وهي لغة وقرئ فرِقَتْ أي خافت
﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ أيَّ آيةٍ كانت
﴿زَادَتْهُمْ إيمانا﴾ أي يقيناً وطُمأنينةَ نفسٍ فإن تظاهُرَ الأدلةِ وتعاضُدَ الحُججِ والبراهينِ موجبٌ لزيادة الاطمئنانِ وقوة اليقين وقيل إن نفسَ الإيمانِ لا يقبل الزيادةَ والنقصانَ وإنما زيادتُه باعتبار زيادةِ المؤمَنِ به فإنه كلما نزلت آية صدّق بها المؤمنُ فزاد إيمانه عددا وأما نفسُ الإيمان فهو بحاله وقيل باعتبار أن الأعمالَ تُجعل من الإيمان فيزيد بزيادتها والأصوبُ أن نفسَ التصديقِ يقبل القوةَ وهي التي عُبّر عنها بالزيادة للفرق النيّر بين يقينِ الأنبياءِ وأربابِ المكاشفات ويقينِ آحادِ الأمةِ وعليه مبنى ما قال علي ﵁ لو كُشفَ الغطاءُ ما ازددتُ يقيناً وكذا بين ما قام عليه دليلٌ واحد وما قامت عليه أدلةٌ كثيرة
﴿وعلى رَبّهِمْ﴾ مالكِهم ومدبرِ أمورِهم خاصة
﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾ يفوّضون أمورَهم لا إلى أحدٍ سواهُ والجملةُ معطوفةٌ على الصِّلةِ وقولُه تعالى
стр. 2012
﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ﴾ مرفوعٌ على أنَّه نعتٌ للموصولِ الأول أو بدلٌ منه أو بيانٌ له أو منصوبٌ على القطع المنبئ عن المدح ذَكَر أولاً من أعمالهم الحسنةِ أعمالَ القلوب من الخشية والإخلاصِ والتوكل ثم عقّب بأعمال الجوارحِ من الصلاة والصدقة
стр. 2013
﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى مَن ذُكرت صفاتُهم الحميدةُ من حيث أنهم متصفون بها وفيهِ دلالةٌ على أنَّهم متمِّيزون بذلك عمن عداهم أكملَ تميُّز منتظِمون بسببه في سلك الأمور المشاهدة وما فيه من معنى البُعد للإيذانِ بعلوِّ رُتبتهم وبُعد منزلتِهم في الشرف
﴿هُمُ المؤمنون حَقّاً﴾ لأنهم حققوا إيمانهم بأن ضموا إليه ما فضل من أفاضل الأعمال القلبية والقالَبية وحقاً صفةٌ لمصدر محذوفٍ أي أولئك هم المؤمنون إيماناً حقاً أو مصدرٌ مؤكدٌ للجملة أي حقَّ ذلك حقاً كقولك هو عبدُ الله حقاً
﴿لَّهُمْ درجات﴾ من الكرامة والزلفى وقيل درجاتٌ عاليةٌ في الجنة وهو إما جملةٌ مبتدأةٌ مبنيّةٌ على سؤال نشأ من تعداد مناقبهم
стр. 2014
كأنه قيل ما لهم بمقابلة هذه الخِصالِ فقيل لهم كيت كيت أو خبرٌ ثانٍ لأولئك وقوله تعالى
﴿عِندَ رَبّهِمْ﴾ إما متعلق بمحذوف وقع صفةً لدرجاتٌ مؤكدةٌ لما أفادَه التنوينُ من الفخامةِ الذاتيةِ بالفخامةِ الإضافيةِ أي كائنةٌ عنده تعالى أو بما يتعلق به الخبرُ أعني لهم من الاستقرار وفي إضافة الظرفِ إلى الرب المضافِ إلى ضميرهم مزيدُ تشريفٍ ولطفٍ لهم وإيذانٌ بأن ما وعد لهم متيقَّنُ الثبوتِ والحصولِ مأمونُ الفواتِ
﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ لما فرَط منهم
﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ لا ينقضي أمدُه ولا ينتهي عددُه وهو ما أعد لهم من نعيم الجنة
الأنفال آية ٥
стр. 2015
﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق﴾ الكافُ في محلِ الرفعِ على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ تقديرُه هذه الحالُ كحال إخراجِك يعني أن حالَهم في كراهتهم لِما رأيتَ مع كونه حقاً كحالهم في كراهتهم لخروجك للحرب وهو حقٌّ أو في محلِّ النصبِ على أنَّه صفةٌ لمصدر مقدرٍ في قوله تعالى الانفال لِلَّهِ أي الأنفالُ ثبتتْ لله والرسولِ مع كراهتهم ثباتاً مثلَ ثباتِ إخراجِ ربِّك إياك من بيتك في المدينة أو من المدينة إخراجاً ملتبساً بالحق
﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مّنَ المؤمنين لَكَارِهُونَ﴾ أي والحالُ أن فريقاً منهم كارهون للخروج إما لنفرة الطبعِ عن القتالِ أو لعدم الاستعدادِ وذلك أن عِيرَ قريشٍ أقبلت من الشام وفيها تجارةٌ عظيمةٌ ومعها أربعون راكباً منهم أبو سفيانَ وعمرو بنُ العاص وعمْرُو بنُ هشام فأخبر جبريلُ رسولَ الله ﷺ فأخبر المسلمين فأعجَبَهم تلقِّي العِيرِ لكثرة الخيرِ وقلةِ القوم فلما خرجوا بلغ أهلَ مكةَ خبرُ خروجِهم فنادى أبو جهلٍ فوق الكعبة بأهل مكة النجاة النجاة على كل صعب وذلول عِيرُكم أموالُكم إن أصابها محمدٌ لم تُفلِحوا بعدها أبداً وقد رأت أختُ العباسِ بنِ عبد المطلبِ ﵁ رؤيا فقالت لأخيها إني رأيت كأن ملَكاً نزل من السماء فأخذ صخْرةً من الجبل ثم حلّق بها فلم يبق بيتٌ من بيوت مكةَ إلا أصابه حجرٌ من تلك الصخرة فحدّث بها العباسُ ﵁ فقالَ أبو جهل ما يرضى رجالهم أن يتنبئوا حتى تتنبأَ نساؤُهم فخرج أبو جهلٍ بجميع أهلِ مكةَ وهم النفيرُ فقيل له إن العِيرَ أخذت طريق الساحل ونجت فارجِعْ بالناس إلى مكَة فقال لا واللاتِ لا يكون ذلك أبدا حتى ننحَرَ الجَزورَ ونشربَ الخمور ونُقيمَ القينات والمعازِفَ ببدر فيتسامع جميعُ العرب بمَخْرَجنا وأن محمداً لم يُصِب العير وأنا قد أعضضاه فمضى بهم إلى بدر وبدر ماءٍ كانت العربُ تجتمع فيه لسوقهم يوماً في السنة فنزلَ جبريلُ ﵇ فقال يا محمدُ إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إما العِيرَ وإما قريشا فاستشار النبيِّ ﷺ أصحابَه فقال ما تقولون إن القومَ قد خرجوا من مكةَ على كل صَعْبٍ وذَلولٍ فالعِيرُ أحبُّ إليكم أم النفيرُ فقالوا بل العيرُ أحبُّ إلينا من لقاء العدوِّ فتغير وجهُ رسولِ الله ﷺ ثم ردّد عليهم فقال إن العير قد مضت على ساحل البحرِ وهذا أبو جهل قد أقبل فقالُوا يا رسولَ الله عليك بالعِير ودعِ العدوَّ فقام عندما غضِبَ النبيُّ ﷺ أبو بكر وعمر ﵄ فأحسنا ثم قام سعدُ بن عُبادةَ فقال انظُر أمرَك فامضِ فوالله لو سِرتَ إلى عدنِ أَبْيَنَ ما تخلف عنك رجلٌ من الأنصار ثم قال المقدادُ بنُ عمرو ﵁ يا رسولَ الله امضِ لما أمرك الله فإنا معك حيثما أحببْتَ لا نقول لك كما قال بنو إسرائيلَ لموسى ﵇ اذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا ههنا قاعدون ولكن اذهب أَنتَ وربُّك فَقَاتِلا إِنَّا معكما مقاتلون
стр. 2016
ما دامت عينٌ منا تطرِفُ فضحِك رسولُ الله ﷺ ثم قال أشيروا علي أيها الناس وهو يريد الأنصار لأنهم قالوا له حين بايعوه على العقبة إنا بُرَآءُ من ذِمامِك حتى تصل إلى ديارنا فإذا وصلتَ إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك ما نمنع منه أبناءَنا ونساءَنا فكان النبيِّ ﷺ يتخوّف أن تكون الأنصارُ لا ترى عليهم نُصرتَه إلا على عدو دَهِمَهُ بالمدينة فقام سعدُ بن معاذ فقال لكأنك تريدنا يا رسول لله قال أجل قال قد آمنا بك وصدقناك وشهِدنا أن ما جئت به هو الحقُّ وأعطيناك على ذلك عهودَنا ومواثيقَنا على السمع والطاعةِ فامضِ يا رسولَ الله لما أردتَ فو الذي بعثك بالحق لو استعرضتَ بنا هذا البحرَ فخُضتَه لخُضناه معك ما تخلّف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدوَّنا وإنا لصُبرٌ عند الحرب صُدقٌ عند اللقاء ولعل الله يُريك منا ما تَقَرُّ به عينُك فسِرْ بنا على بركة الله ففرح رسولُ الله ﷺ وبسَطه قولُ سعد ثم قال سيروا على بركة الله وأبشِروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني الآن أنظرُ إلى مصارع القوم
روي أنَّه قيلَ لرسولِ الله ﷺ حين فرَغ من بدر عليك بالعِير ليس دونها شيء فناداه العباس ﵁ وهو في وِثاقه لا يصلح فقال النبيِّ ﷺ لم قال لأن الله وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك
الأنفال (٦ ٧)
стр. 2017
﴿يجادلونك فِي الحق﴾ الذي هو تلقّي النفيرِ لإيثارهم عليه تلقيَ العير والجملةُ استئنافٌ أو حالٌ ثانية أي أخرجك في حال مجادلِتهم إياك ويجوزُ أنْ يكونَ حالاً من الضمير في لَكارهون وقوله تعالى
﴿بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ﴾ منصوبٌ بيجادلونك وما مصدرية أي بعد تبين الحقِّ لهم بإعلامك أنهم يُنصَرون أينما توجهوا ويقولون ما كان خروجُنا إلا للعِير وهلا قلتَ لنا لنستعدَّ ونتأهَّبَ وكان ذلك لكراهتهم القتالَ
﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الموت﴾ الكافُ في محل نصبٍ على الحاليةِ من الضميرِ في لَكارهون أي مُشبّهين بالذين يُساقون بالعنف والصَّغار إلى القتل
﴿وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ حال من ضمير يساقون أي والحالُ أنهم ينظرُون إلى أسباب الموتِ ويشاهدونها عِيانا وما كانت هذه المرتبةُ من الخوف والجزعِ إلا لقلة عددِهم وعدمِ تأهُّبِهم وكونهم رِجالة روي أنه لم يكن فيهم إلا فارسان
стр. 2018
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين﴾ كلامٌ مستأنفٌ مَسوقٌ لبيانِ جميلِ صنعِ الله بالمؤمنين مع ما بهم من قلة الحزم ودناءةِ الهِمّةِ وقُصورِ الرأي والخوفِ والجزعِ وإذْ منصوبٌ على المفعوليةِ بمضمر خوطب به المؤمنون بطريق التلوينِ والالتفات وإحدى الطائفتين مفعولٌ ثانٍ ليعدُكم أي اذكروا وقتَ وعدِ الله إياكم إحدى الطائفتين وتذكيرُ الوقت مع أن المقصودَ تذكيرُ ما فيه من الحوادث لما مر مرارا من المبالغة في إيجاب ذكرِها لما أن إيجاب ذكر الوقت إيجابٌ لذكر ما وقع فيه بالطريق البرهانيِّ ولأن الوقتَ مشتملٌ على ما وقع فيه من الحوادث بتفاصيلها فإذا استُحضِر كان ما وقع فيه حاضراً مفصّلاً كأنه مشاهَدٌ عياناً وقرئ يَعدْكم بسكون الدال تخفيفاً وصيغةُ المضارعِ لحكايةِ الحالِ
стр. 2019
الماضيةِ لاستحضار صورتِها وقوله تعالى
﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾ بدلُ اشتمالٍ من إحدى الطائفتين مُبينٌ لكيفية الوعدِ أي يعدكم أن إحدى الطائفتين كائنةٌ لكم مختصّةٌ بكم مسخّرةٌ لكم تتسلطون عليها تسلّطَ الُملاّكِ وتتصرفون فيهم كيف شئتم
﴿وَتَوَدُّونَ﴾ عطفٌ على يعدكم داخلٌ تحت الأمرِ بالذكر أي تحبون
﴿أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشوكة تَكُونُ لَكُمْ﴾ من الطائفتين لا ذاتَ الشوْكةِ وهي النفيرُ ورئيسُهم أبو جهلٍ وهم ألفُ مقاتلٍ وغيرُ ذاتِ الشَّوكة هي العِيرُ إذ لم يكن فيها إلا أربعون فارساً ورأسُهم أبو سفيانَ والتعبيرُ عنهم بهذا العنوانِ للتنبيه على سبب ودادتهم لملاقاتهم وموجبِ كراهتِهم ونفرتِهم عن موافاة النفيرِ والشوْكةُ الحدة مستعارةٌ من واحدة الشَّوْك وشوك القنا شباها
﴿وَيُرِيدُ الله﴾ عطفٌ على تودّون منتظمٌ معه في سلك التذكيرِ ليُظهِرَ لهم عظيمَ لطفِ الله بهم مع دناءة هِممِهم وقصور آرائِهم أي اذكُروا وقت وعِده تعالى إياكم إحدى الطائفتين وودادتِكم لأدناهما وإرادتَه تعالى لأعلاهما وذلك قولُه تعالى
﴿إِنَّ يُحِقَّ الحَقَّ﴾ أي يُثْبِتَه ويُعلِيَه
﴿بكلماته﴾ أي بآياته المنزلةِ في هذا الشأن أو بأوامره للملائكة بالإمداد وبما قضَى من أسرهم وقتلهم وطرحِهم في قليب بدر وقرئ بكلمته
﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكافرين﴾ أي آخِرَهم ويستأصِلَهم بالمرة والمعنى أنتم تريدون سَفْسافَ الأمور والله عز وعلا يريد معالِيَها وما يرجِعُ إلى علو كلمةِ الحقِّ وسموِّ رتبةِ الدين وشتان بين المرادين وقوله تعالى
الأنفال (٩ ٨)
стр. 2020
﴿لِيُحِقَّ الحق وَيُبْطِلَ الباطل﴾ جملةٌ مستأنفةٌ سيقت لبيان الحِكمةِ الداعيةِ إلى اختيار ذاتِ الشوكة ونصرِهم عليها مع إرادتهم لغيرها واللامُ متعلقةٌ بفعل مقدر مؤخر عنها أي لهذه الغايةِ الجليلةِ فعلَ ما فعَل لا لشيء آخرَ وليس فيه تكرارٌ إذ الأولُ لبيان تفاوتِ ما بين الإرادتين وهذا لبيان الحِكمةِ الداعية إلى ما ذكر ومعنى إحقاقِ الحقِّ إظهارُ حقّيتِه لا جعلُه حقاً بعد أن لم يكن كذلك وكذا حال إبطال الباطل
﴿وَلَوْ كَرِهَ المجرمون﴾ أي المشركين ذلك أي إحقاق الحق وإبطال الباطل
стр. 2021
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ بدلٌ من إذ يعدكم معمولٌ لعامله فالمراد تذكيرُ استمدادِهم منه سبحانه والتجائِهم إليه تعالى حين ضاقتْ عليهم الحيلُ وعيَّت بهم العلل وإمدادُه تعالى حينئذ وقيل متعلقٌ بقوله تعالى ليحق الحق على الظرفية وما قيل من أن قوله تعالى ليُحِق مستقبلٌ لأنه منصوبٌ بأن فلا يمكن عمله في إذ لأنه ظرف لما مضى ليس بشيء لأن كونَه مستقبَلاً إنما هو بالنسبة إلى زمان ما هو غاية له من الفعل المقدرِ لا بالنسبة إلى زمان الاستغائة حتى لا يعملَ فيه بل هما في وقت واحد إنما عبّر عن زمانها بإذ نظراً إلى زمان النزولِ وصيغةُ الاستقبالِ في تستغيثون لحكاية الحالِ الماضيةِ لاستحضار صورتِها العجيبة وقيل متعلقٌ بمضمر مستأنف أي ذكروا وقت استغاثتِكم وذلك أنهم لما علموا أنه لا بد من القتال جعلوا يدعون الله تعالى قائلين أيْ ربُّ انصُرنا على عدوك ياغياث المستغيثين أغِثْنا وعن عمرَ ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ نظر إلى المشركين وهم ألف وإلى أصحابه وهم ثلثُمائةٍ وبضعةَ عشرَ فاستقبل القِبلةَ ومد يديه يدعو
стр. 2022
اللهَّم أنجِزْ لي ما وعدتني اللهم إنْ تهلِكْ هذه العِصابةُ لا تعبَدْ في الأرض فما زال كذلك حتى سقط رداؤُه فأخذه أبُو بكرٍ ﵁ فألقاه على منكبه والتزمه من ورائه وقال يا نبيَّ الله كفاك مناشدتُك ربَّك فإنه سيُنجز لك ما وعدك
﴿فاستجاب لَكُمْ﴾ عطفٌ على تستغيثون داخلٌ معه في حكم التذكيرِ لِما عرفت أنه ماضٍ وصيغةُ الاستقبال لاستحضار الصورة
﴿أَنّي مُمِدُّكُمْ﴾ أي بأني فحُذف الجارُّ وسُلّط عليه الفعلُ فنصَب محله وقرئ بكسر الهمزةِ على إرادة القولِ أو على إجراء استجابَ مجرى قال لأن الاستجابةَ من مقولة القول
﴿بألف من الملائكة مُرْدِفِينَ﴾ أي جاعلين غيرَهم من الملائكة رديفاً لأنفسهم فالمراد بهم رؤساؤُهم المستتبِعون لغيرهم وقد اكتفى ههنا بهذا البيانِ الإجماليِّ وبيِّن في سورة آل عمران مقدار عددهم وقيل معناه مُتْبعِين أنفسَهم ملائكةً آخرين أو متْبعين المؤمنين أو بعضَهم بعضاً من أردفتُه إذا جئتُ بعده أو متبعين بعضَهم بعضَ المؤمنين أو أنفسَهم المؤمنين من أردفتُه إياه فردِفَه وقرىء مردَفين بفتح الدال أي مُتْبَعين أو متبعين بمعنى أنهم كانوا مقدمة الجيش أو ساقَتَهم وقرىء مرُدّفين بكسر الراء وضمها وتشديد الدال وأصلُهما مرتدفين بمعنى مترادفين فأدغمت التاءُ في الدال فالتقى الساكنان فحركت الراء بالكسر على الأصل أبو بالضم على الاتباع وقريء بآلاف ليوافقَ ما في سورة آل عمران ووجهُ التوفيق بينه وبين المشهورِ أن المرادَ بالألفِ الذين كانوا على المقدمة أو الساقةُ أو وجوهُهم وأعيانُهم أو من قاتل منهم واختُلف في مقاتلتهم وقد روي أخبارٌ تدل على وقوعها
الأنفال (١٠)
стр. 2023
﴿وَمَا جَعَلَهُ الله﴾ كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان أن الأسبابَ الظاهرةَ بمعزل من التأثير وإنما التأثيُر مختصٌّ به ليثق به المؤمنين ولا يقنَطوا من النصر عند فُقدانِ أسبابِه والجعلُ متعدَ إلى مفعول واحد هو الضميرُ العائدُ إلى مصدر فعلٍ مقدرٍ يقتضيه المقامُ اقتضاء ظاهر مُغنياً عن التصريحِ بهِ كأنهُ قيل فأمدكم بهم وما جعل إمدادَكم بهم
﴿إِلَاّ بشرى﴾ وهو استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم العلل أي وما جعل إمدادَكم بإنزال الملائكةِ عِياناً لشيءٍ من الأشياءِ إلا للبشرى لكم بأنكم تنصرون
﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ﴾ أي بالإمداد
﴿قُلُوبُكُمْ﴾ وتسكنَ إليه نفوسُكم كما كانت السكينةُ لبني إسرائيلَ كذلك فكلاهما مفعولٌ له للجعل وقد نُصب الأولُ لاجتماع شرائطِه وبقيَ الثاني على حاله لفقدانها وقيل للإشارة إلى أصالته في العلِّية وأهميتِه في نفسه كما قيل في قولِه تعالى والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وفي قصر الإمدادِ عليهما إشعارٌ بعدم مباشرةِ الملائكةِ للقتال وإنما كان إمدادُهم بتقويةِ قلوب المباشرين وتكثيرِ سوادِهم ونحوِه كما هو رأيُ بعضِ السلف وقيل الجعلُ متعدٍ إلى اثنين ثانيهما إلا بشرى على أنه استثناءٌ من أعم المفاعيلِ أي وما جعله الله شيئاً من الأشياءِ إلا بشارةً لكم فاللام في ولتطمئن متعلقةٌ بمحذوفٍ مؤخَّرٍ تقديرُه ولتطمئن به قلوبُكم فعَلَ ذلك لا لشيء آخَرَ
﴿وَمَا النصر﴾ أي حقيقةُ النصر على الإطلاق
﴿إِلَاّ مِنْ عِندِ الله﴾ أي إلا كائنٌ من عنده من غيرِ أن يكون فيه شِرْكةٌ
стр. 2024
من جهة الأسبابِ والعَدد وإنما هي مظاهرُ له بطريق جريانِ السنةِ الإلهية
﴿أَنَّ الله عَزِيزٌ﴾ لا يغالَب في حُكمه ولا يُنازَع في أقضيته
﴿حَكِيمٌ﴾ يفعلُ كلَّ ما يفعل حسبما تقتضيهِ الحكمةُ والمصلحةُ والجملةُ تعليلٌ لما قبلها متضمنٌ للإشعار بأن النصرَ الواقعَ على الوجه المذكورِ من مقتَضيات الحِكم البالغةِ
الأنفال آية (١١)
стр. 2025
﴿إِذْ يُغَشّيكُمُ النعاس﴾ أي يجعله غاشياً لكم ومحيطاً بكم وهو بدلٌ ثانٍ من إذ يعدكم لإظهار نعمةٍ أخرى وصيغةُ الاستقبالِ فيه وفيما عُطف عليهِ لحكاية الحال الماضيةِ كما في تستغيثون أو منصوبٌ بإضمار اذكُروا وقيل هو متعلقٌ بالنصر أو بما في مِنْ عِندِ الله منْ مَعْنى الفعلِ أو بالجعل وليس بواضح وقرىء يُغْشيكم من الإغشاء بمعنى التغشية والفاعلُ في الوجهين هو الباري تعالى وقرىء يغشاكم على إسنادِ الفعلِ إلى النعاس وقوله تعالى
﴿أَمَنَةً مّنْهُ﴾ على القراءتين الأُوليين منصوبٌ على العلية بفعل مترتبٍ على الفعل المذكور أي يغشيّكم النعاسَ فتنعَسون أمناً كائناً من الله تعالى لا كَلالاً وإعياءً أو على أنَّه مصدرٌ لفعل آخرَ كذلك أي فتأمنون آمِنا كما في قوله تعالى وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا على أحد الوجهين وقيل منصوبٌ بنفس الفعلِ المذكورِ والأَمَنةُ بمعنى الإيمان وعلى القراءة الأخيرة منصوبٌ على العِلّية بيغشاكم باعتبار المعنى فإنه في حكم تنعسون أو على أنَّه مصدرٌ لفعل مترتبٍ عليه كما مر وقرىء أمْنةً كرحمة ﴿وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء مَاءً﴾ تقديمُ الجار والمجرور على المفعول به لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويقِ إلى المؤخَّر فإنَّ ما حقُّه التقديمُ إذا أُخِّر تبقى النفسُ مترقبةً له فعند ورودِه يتمكن عندها فضلُ تمكّنٍ وتقديمُ عليكم لما أن بيانَ كونِ التنزيلِ عليهم أهمَّ من بيان كونه من السماء وقرئ بالتخفيف من الإنزال
﴿لّيُطَهّرَكُمْ به﴾ أي من الحدث الأصغرِ والأكبر
﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان﴾ الكلامُ في تقديم الجارّ والمجرور كما مر آنفاً والمرادُ برجز الشيطانِ وسوستُه وتخويفُه إياهم من العطش
روي أنهم نزلوا في كَثيب أعفرَ تسوخُ فيه الأقدامُ على غير ماءٍ وناموا فاحتلم أكثرهم وقد غلب المشركين على الماء فتمثل لهم الشيطانُ فوسوس إليهم وقال أنتم يا أصحابَ محمدٍ تزعُمون أنكم على الحق وإنكم تصلّون على غير وضوء وعلى الجنابة وقد عطِشتم ولو كنتم على الحق ما غلبكمِ هؤلاءِ على الماء وما ينتظرون بكم إلا أن يَجهدَكم العطشُ فإذا قطَع أعناقَكم مشَوا إليكم فقتلوا مَنْ أحبّوا وساقوا بقيتَكم إلى مكة فحزِنوا حُزناً شديداً وأشفقوا فأنزل الله المطرَ فمُطِروا ليلاً حتى جرى الوادي فاغتسلوا وتوضئوا وسَقَوا الرِكابَ وتلبّد الرملُ الذي كان بينهم وبين العدوِّ حتى ثبتت عليه الأقدامُ وزالت وسوسةُ الشيطانِ وطابت النفوسُ وقوِيَت القلوبُ وذلك قوله تعالى
﴿وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ﴾ أي يقوّيها بالثقة بلُطف الله تعالى فيما بعد مشاهدة طلائعِه
﴿وَيُثَبّتَ بِهِ الاقدام﴾ فلا تسوخ في الرمل فالضميرُ للماء كالأول ويجوز أن يكون المربط فإن القلبَ إذا قوِي
стр. 2026
وتمكن فبه الصبرُ والجَراءةُ لا تكاد تزِلُّ القدمُ في معارك الحروب وقوله تعالى
الأنفال آية ١٢
стр. 2027
﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الملائكة﴾ منصوبٌ بمضمر مستأنفٍ خوطب به النبيِّ ﷺ بطريق التجريدِ حسبما تنطِق به الكافُ لِما أن المأمورَ به مما لا يستطيعه غيره ﷺ فإن الوحيَ المذكورَ قبل ظهورِه بالوحي المتلوِّ على لسانه ﷺ ليس من النعم التي يقف عليها عامةُ الأمةِ كسائر النعمِ السابقة التي أُمروا بذكر وقتِها بطريق الشكرِ وقيل منصوب بقوله تعالى وَيُثَبّتَ بِهِ الاقدام فلا بد حينئذٍ من عود الضميرِ المجرورِ في به إلى الربط على القلوب ليكون المعنى ويثبتَ أقدامَكم بتقوية قلوبِكم وقتَ إيحائِه إلى الملائكة وأمرِه بتثبيتهم إياكم وهو وقتُ القتال ولا يخفى أن تقييد التثبيت المذكورِ بوقت مبْهمٍ عندهم ليس فيه مزيدُ فائدةٍ وأما انتصابُه على أنه بدلٌ ثالثٌ من إذ يعدكم كما قيل فيأباه تخصيصُ الخطاب به ﷺ مع ما عرفتَ من أنَّ المأمورَ به ليس من الوظائف العامةِ للكل كسائر أخواتِه وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره ﷺ من التنويه والتشريفِ ما لا يخفى والمعنى اذكُر وقتَ إيحائِه تعالى إلى الملائكة
﴿إِنّى مَعَكُمْ﴾ أي بالإمداد والتوفيقِ في أمر التثبيتِ فهو مفعولُ يوحي وقرئ بالكسرِ على إرادةِ القولِ أو إجراءِ الوحي مُجراه وما يشعر به دخول كلمة مع من متبوعية الملائكةِ إنما هي من حيث إنهم المباشرون للتثبيت صورةً فلهم الأصالةُ من تلك الحيثيةِ كما في أمثال قولهِ تعالى إِنَّ الله مَعَ الصابرين والفاءُ في قوله تعالى
﴿فَثَبّتُواْ الذين آمنوا﴾ لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن إمدادَه تعالى إياهم من أقوى موجباتِ التثبيتِ واختلفوا في كيفية التثبيتِ فقالت جماعةٌ إنما أُمروا بتثبيتهم بالبِشارة وتكثيرِ السوادِ ونحوِهما مما تقوى به قلوبُهم وتصِحّ عزائمهُم ونياتُهم ويتأكد جِدُّهم في القتال وهو الأنسبُ بمعنى التثبيتِ وحقيقتِه التي هي عبارةٌ عن الحمل على الثبات في موطن الحراب والجِدّ في مقاساة شدائد القتال وقد روي أنه كان الملَكُ يتشبّه بالرجل الذي يعرفونه بوجهه فيأتي ويقول إنى سمعتُ المشركين يقولون والله لئن حَملوا علينا لننكَشِفنّ ويمشي بين الصفين فيقول أبشِروا فإن الله تعالى ناصرُكم وقال آخرون أُمروا بمحاربة أعدائِهم وجعلوا قولَه تعالى
﴿سَأُلْقِى في قلوب الذين كفروا الرعب﴾ تفسير لقوله تعالى إِنّى مَعَكُمْ وقولَه تعالى
﴿فاضربوا﴾ الخ تفسيراً لقوله تعالى فَثَبّتُوا مبيناً لكيفية التثبيت وقد روي عن أبي داود المازني ﵁ وكان ممن شهد بدراً أنه قال اتبعتُ رجلاً من المشركين يوم بدر لأضرِبَه فوقعتْ رأسُه بين يديَّ قبل أن يصِلَ إليه سيفي وعن سهل بن حنيف ﵁ أنَّه قال لقد رأيُتنا يوم بدر وإن أحدَنا يُشيرُ بسيفه إلى المشرك فتقعُ رأسُه عن جسده قبل أن يصِلَ إليه السيفُ وأنت خبيرٌ بأن قتلَهم للكفرة مع عدم ملاءمته لمعنى تثبيتِ المؤمنين مما لا يتوقفُ على الإمدادِ بإلقاء الرعبِ فلا يتجه ترتيبُ الأمر به عليه بالفاء وقد اعتذر الأولون بأن قوله تعالى سألقى الخ ليس بنص فيما ذكر بل يجوز أن يكون ذلك إثرَ قوله تعالى فَثَبّتُواْ الذين آمنوا تلقيناً للملائكة ما يثبّتونهم به
стр. 2028
كأنه قيل قولوا لهم سألقى في قلوب الذين كفروا الرعبَ فاضرِبوا الخ فالضاربون هم المؤمنون وأما ما قيل من أن ذلك خطابٌ منه تعالى للمؤمنين بالذات على طريق التلوينِ فمبناه توهُّمُ ورودِه قبل القتالِ وأنّى ذلك والسورةُ الكريمة إنما نزلت بعد تمامِ الوقعة وقوله تعالى
﴿فَوْقَ الاعناق﴾ أي أعاليَها التي هي المذابح أو الهامات
﴿واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ قيل البنانُ أطرافُ الأصابع من اليدين والرجلين وقيل هي الأصابعُ من اليدين والرجلين وقال أبو الهيثم البنان المفاصلُ وكلُّ مَفصِلٍ بنانه وقال ابن عباس وابن جريج والضحاك يعني الأطرافَ أي اضرِبوهم في جميع الأعضاء من أعاليها إلى أسافلِها وقيل المرادُ بالبنان الأداني وبفوق الأعناق الأعالي والمعنى فاضرِبوا الصناديدَ والسَّفَلةَ وتكريرُ الأمر بالضرب لمزيد التشديد والاعتناء بأمره ومنهم متعلقٌ به أو بمحذوفٍ وقع حالا مما بعده
سورة الأنفال (١٣ ١٤)
стр. 2029
﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما أصابهم من العقاب وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد درجته في الشدة والفظاعةِ والخطابُ لرسول الله ﷺ أو لكل أحد ممن يليق بالخطاب ومحلُّه الرفعُ على الابتداء وخبرُه قوله تعالى
﴿بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ الله وَرَسُولَهُ﴾ أي ذلك العقابُ الفظيعُ واقعٌ عليهم بسبب مُشاقّتِهم ومغالبتِهم مَنْ لا سبيلَ إلى مغالبته أصلاً واشتقاقُ المشاقةِ من الشِّق لِما أنَّ كُلاًّ من المشاقين في شق خلاف شِقّ الآخر كما أن اشتقاقَ المُعاداةِ والمُخاصمة من العَدْوة والخَصْم أي الجانب لأن كلاًّ من المتعاديَيْن والمتخاصمَين في عَدوةٍ وخصمٍ غيرِ عدوةِ الآخر وخصمِه
﴿وَمَن يُشَاقِقِ الله وَرَسُولَهُ﴾ الإظهار في موضع الإضمار لتربية المهابةِ وإظهار كمالِ شناعة ما اجترءوا عليه والإشعارِ بعلة الحُكم وقولُه تعالى
﴿فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ إمَّا نفسُ الجزاءِ قد حُذف منه العائدُ إلى مَنْ عندِ منْ يلتزمُهُ أي شديدُ العقابِ له أو تعليلٌ للجزاءِ المحذوفِ أي يعاقبْه الله فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقابِ وأيَّاً مَا كانَ فالشرطيةُ تكملةٌ لما قبلها وتقريرٌ لمضمونِهِ وتحقيقٌ للسببيةِ بالطريقِ البرهانيِّ كأنه قيل ذلك العقابُ الشديد بسببِ مشاقّتِهم لله تعالى ورسولِه وكلُّ من يشاقق الله ورسولَه كائناً مَنْ كان فلهُ بسببِ ذلكَ عقابٌ شديدٌ فإذن لهم بسبب مشاقّتِهم لهما عقابٌ شديد وأما أنه وعيدٌ لهم بما أَعدَّ لَهُم في الآخرةِ بعد ما حاقَ بهم في الدُّنيا كما قيل فيرده ما بعدَهُ منْ قولِه تعالى
стр. 2030
﴿ذلكم فَذُوقُوهُ وَأَنَّ للكافرين عَذَابَ النار﴾ فإنه مع كونه هو المسوقَ للوعيد بما ذُكر ناطقٌ بكون المرادِ بالعقاب المذكورِ ما أصابهم عاجلاً سواءٌ جُعل ذلكم إشارةً إلى نفس العقابِ أو إلى ما تفيده الشرطيةُ من ثبوت العقابِ لهم أما على الأول فلأن الأظهرَ أن محلَّه النصبُ بمضمر يستدعيه قولُه تعالى فَذُوقُوهُ والواو في قوله تعالى وأن للكافرين الخ بمعنى مع فالمعنى باشروا ذلكم العقابَ الذي أصابكم فذوقوه عاجلاً مع أن لكم عذابَ النارِ آجلاً فوضْعُ الظاهرِ موضعَ الضميرِ لتوبيخهم بالكفر وتعليلِ الحُكم به وأما على الثاني فلأن الأقربَ أن محلُّه الرفعُ على أنه خبر مبتدأ محذوف وقولُه تعالى وَأَنَّ للكافرين الخ معطوفٌ عليه والمعنى حُكمُ الله ذلكم أي ثبوتُ هذا
стр. 2031
العقابِ لكم عاجلاً وثبوتُ عذابِ النارِ آجلاً وقوله تعالى فَذُوقُوهُ اعتراضٌ وُسِّط بين المعطوفَيْن للتهديد والضميرُ على الأول لنفس المشارِ إليه وعلى الثاني لما في ضمنه وقد ذُكر في إعراب الآيةِ الكريمةِ وجوُهُ أُخرُ مدار الكلِّ على أن المرادَ بالعقاب ما أصابهم عاجلاً والله تعالى أعلم وقرئ بكسر إن على الاستئناف
سورة الأنفال من الآيات (١٥ ١٦)
стр. 2032
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ﴾ خطابٌ للمؤمنين بحكم كليَ جارٍ فيما سيقع من الوقائع والحروبِ جيءَ به في تضاعيفِ القصةِ إظهاراً للاعتناء بشأنه ومبالغةً في حضهم على المحافظة عليه
﴿إِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ زَحْفاً﴾ الزحفُ الدبيبُ يقال زحَف الصبيُّ زحفاً إذا دبّ على استه قليلاً قليلاً سُمّي به الجيشُ الداهُم المتوجِّهُ إلى العدو لأنه لكثرته وتكاثفِه يُرى كأنه يزحَف وذلك لأن الكلَّ يرى كجسم واحدٍ متصلٍ فيُحَسُّ حركتُه بالقياس إليه في غاية البُطء وإن كانت في نفس الأمر على غاية السرعة قال قائلهم ... وأرعنَ مثلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم ... قوف لِجاجٌ والركابُ تُهملَج ...
ونصبُه إما على حالٌ من مفعول لقِيتم أي زاحفين نحوَكم وإما على أنَّه مصدرٌ مُؤكدٌ لفعل مضمرٍ هو الحالُ منه أي يزحَفون زحفاً وأما كونُه حالاً من فاعله أو منه ومن مفعوله معاً كما قيل فيأباه قوله تعالى
﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الادبار﴾ إذ لا معنى لتقييد النهي عن الإدبار بتوجههم السابقِ إلى العدو أو بكثرتهم بل توجُّهُ العدوِّ إليهم وكثرتُهم هو الداعي إلى الإدبار عادةً والمُحوِجُ إلى النهي عنه وحملُه على الإشعار بما سيكون منهم يومَ حُنينٍ حيث تَوَلَّوا مدْبرين وهم زحفٌ من الزحوف اثنا عشر ألفاً بعيدٌ والمعنى إذا لقِيتموهم للقتال وهم كثيرٌ جمٌّ وأنتم قليلٌ فلا تولوهم أدبارَكم فضلاً عن الفرار بل قابلوهم وقاتِلوهم مع قلتكم فضلاً عن أن تدانوهم في العدد أو تساووهم
стр. 2033
﴿وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم اللقاء
﴿دُبُرَهُ﴾ فضلاً عن الفرار وقرىء بسكون الباء
﴿إِلَاّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ﴾ إما بالتوجه إلى قتال طائفةٍ أخرى أهم من هؤلاء وإما بالفرّ للكرّ بأن يخيل عدوه أنه منهزمٌ ليغُرَّه ويُخرِجَه من بين أعوانه ثم يعطِفَ عليه وحدَه أو مع مَنْ في الكمين من أصحابه وهو باب من خِدعِ الحربِ ومكايدِها
﴿أَوْ مُتَحَيّزاً إلى فِئَةٍ﴾ أي منحازاً إلى جماعة أخرى من المؤمنين لينضمّ إليهم ثم يقاتلَ معهم العدو
عن ابنِ عمرَ ﵄ قال إن سريةً فرّوا وأنا معهم فلما رجعوا إلى المدينة استحيَوْا ودخلوا البيوتَ فقلت يا رسولَ الله نحن الفرارون فقال ﷺ بل أنتم العكّارون أي الكرارون من عكر أي رجع وأنا فئتُكم
وانهزم رجلٌ من القادسية فأتى المدينة إلى عمرَ ﵁ فقالَ يا أميرَ المؤمنينَ هلكتُ ففرَرْتُ من الزحف فقال ﵁ أنا فئتُك ووزنُ متحيِّز متفيعل لا متفعّل وإلا لكان متحوزاً لأنه من حاز يجوز وانتصابُهما إما على الحالية وإلا لغولا عمَلَ لها وإما على الاستثناء من المُولّين أي ومن يولهم دبرَه إلا رجلاً منهم متحرفاً أو متحيزاً
﴿فَقَدْ بَاء﴾ أي رجع
﴿بِغَضَبٍ﴾ عظِيمٌ لا يُقادرُ قَدرُه ومِنْ في قولِه
стр. 2034
تعالى ﴿مِنَ الله﴾ متعلقةٌ بمحذوف هو صفةٌ لغضب مؤكدة لما أفادَه التنوينُ من الفخامة والهولِ بالفخامة الإضافيةِ أي بغضب كائنٍ منه تعالى
﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ أي بدلَ ما أراد بفراره أن يأويَ إليه من مأوى ينجيه من القتل
﴿وَبِئْسَ المصير﴾ في إيقاع البَوْءِ في موقع جوابِ الشرطِ الذي هو التوليةُ مقروناً بذكر المأوى والمصير من الجزالة ما لا مزيدَ عليه
عن عباس ﵄ أن الفرارَ من الزحف من أكبر الكبائرِ وهذا إذَا لم يكُن العدوُّ أكثرَ من الضِّعف لقوله تعالى الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ الآية وقيل الآية مخصوصةٌ بأهل بيتهِ والحاضرين معه في الحرب
سورة الأنفال من الآية (١٧)
стр. 2035
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ رجوعٌ إلى بيان بقيةِ أحكام الواقعة وأحوالِها وتقريرُ ما سبق منها والفاءُ جوابُ شرطٍ مقدر يستدعيه مامر من ذكر إمدادِه تعالى وأمرِه بالتثبيت وغيرِ ذلك كأنَّه قيلَ إذَا كانَ الأمرُ كذلك فلم تقتُلوهم أنتم بقوتكم وقدرتِكم
﴿ولكن الله قَتَلَهُمْ﴾ بنصركم وتسليطِكم عليهم وإلقاءِ الرعب في قلوبهم ويجوز أن يكون التقدير إذا علمتم ذلك فلم تقتُلوهم أي فاعلَموا أو فأُخبركم أنكم لم تقتُلوهم وقيل التقديرُ إن افتخرتم ثم بقتلهم فلم تقتُلوهم على أحد التأويلين لما رُوي أنهم لما انصرفوا من المعركة غالبين غانمين أقبلوا يتفاخرون يقولون قتلتُ وأسرتُ وفعلتُ وتركتُ فنزلت وقد كان رسولُ الله ﷺ حين طلعت قريشٌ من العقنقل قال هذه قريشٌ جاءت بخُيلائها وفخرِها يكذّبون رسولَك اللهم إني أسألك ما وعدتي فأتاهُ جبريلُ ﵇ فقال خُذْ قبضةً من تراب فارمِهم بها فلما التقى الجمعانِ قال لعلي ﵁ أعطني قبضةً من حصباءِ الوادي فرمى بها في وجوههم وقال شاهت الوجوهُ فلم يبْقَ مُشركٌ إلا شُغل بعينيه فانهزموا وذلك قوله بطريق تلوينِ الخطاب
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى﴾ تحقيقاً لكون الرمي الظاهرِ على يده ﷺ حينئذ من أفعاله وتجريدُ الفعلِ عن المفعول به لما أن المقصودَ الأصليَّ بيانُ حالِ الرمي نفياً وإثباتاً إذ هو الذي ظهر منه ما ظهر وهو المنشأ لتغيّر المرميِّ به في نفسه وتكثّرِه إلى حيث أصاب عينَيْ كلِّ واحد من أولئك الأمةِ الجمّةِ شيءٌ من ذلك أي وما فعلت أنت يا محمدُ تلك الرميةَ المستتبِعةَ لهذه الآثارِ العظيمةِ حقيقةً حين فعلتَها صورةً وإلا لكان أثرُها من جنس آثارِ الأفاعيلِ البشرية ولكن الله فعلها أي خلقها حين باشَرْتها لكن لا على نهج عادتِه تعالى في خلق أفعالِ العبادِ بل على وجه غيرِ معتادٍ ولذلك أثرت هذا التأثيرَ الخارجَ عن طوق البشرِ ودائرةِ القُوى والقدر فمدارُ إثباتِها لله تعالى ونفِيها عنه ﷺ كونُ أثرِها من أفعالِه ﷺ وقرىء ولكنِ الله بالتخفيف والرفع في المحلين واللام في قوله تعالى
﴿وَلِيُبْلِىَ المؤمنين مِنْهُ﴾ أي ليعطيهم من عنده تعالى
﴿بَلاء حَسَنًا﴾ أي عطاءً جميلاً غيرَ مَشوبٍ بمقاساة الشدائدِ والمكاره إما متعلقةٌ بمحذوف متأخرٍ فالواوُ اعتراضيةٌ أي وللإحسان إليهم بالنصر والغنيمة فعلَ ما فعل لا لشيء غير ذلك مما لا يجديهم نفعا وإما يرمي فالواوُ للعطف على علةٍ محذوفةٍ أي ولكن الله رمى ليمحَق الكافرين وليُبلي إلخ وقولُه تعالَى
﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ﴾
следующие страницы →