← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

العقابِ لكم عاجلاً وثبوتُ عذابِ النارِ آجلاً وقوله تعالى فَذُوقُوهُ اعتراضٌ وُسِّط بين المعطوفَيْن للتهديد والضميرُ على الأول لنفس المشارِ إليه وعلى الثاني لما في ضمنه وقد ذُكر في إعراب الآيةِ الكريمةِ وجوُهُ أُخرُ مدار الكلِّ على أن المرادَ بالعقاب ما أصابهم عاجلاً والله تعالى أعلم وقرئ بكسر إن على الاستئناف سورة الأنفال من الآيات (١٥ ١٦)

стр. 2032

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ﴾ خطابٌ للمؤمنين بحكم كليَ جارٍ فيما سيقع من الوقائع والحروبِ جيءَ به في تضاعيفِ القصةِ إظهاراً للاعتناء بشأنه ومبالغةً في حضهم على المحافظة عليه ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ زَحْفاً﴾ الزحفُ الدبيبُ يقال زحَف الصبيُّ زحفاً إذا دبّ على استه قليلاً قليلاً سُمّي به الجيشُ الداهُم المتوجِّهُ إلى العدو لأنه لكثرته وتكاثفِه يُرى كأنه يزحَف وذلك لأن الكلَّ يرى كجسم واحدٍ متصلٍ فيُحَسُّ حركتُه بالقياس إليه في غاية البُطء وإن كانت في نفس الأمر على غاية السرعة قال قائلهم ... وأرعنَ مثلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم ... قوف لِجاجٌ والركابُ تُهملَج ... ونصبُه إما على حالٌ من مفعول لقِيتم أي زاحفين نحوَكم وإما على أنَّه مصدرٌ مُؤكدٌ لفعل مضمرٍ هو الحالُ منه أي يزحَفون زحفاً وأما كونُه حالاً من فاعله أو منه ومن مفعوله معاً كما قيل فيأباه قوله تعالى ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الادبار﴾ إذ لا معنى لتقييد النهي عن الإدبار بتوجههم السابقِ إلى العدو أو بكثرتهم بل توجُّهُ العدوِّ إليهم وكثرتُهم هو الداعي إلى الإدبار عادةً والمُحوِجُ إلى النهي عنه وحملُه على الإشعار بما سيكون منهم يومَ حُنينٍ حيث تَوَلَّوا مدْبرين وهم زحفٌ من الزحوف اثنا عشر ألفاً بعيدٌ والمعنى إذا لقِيتموهم للقتال وهم كثيرٌ جمٌّ وأنتم قليلٌ فلا تولوهم أدبارَكم فضلاً عن الفرار بل قابلوهم وقاتِلوهم مع قلتكم فضلاً عن أن تدانوهم في العدد أو تساووهم

стр. 2033

﴿وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم اللقاء ﴿دُبُرَهُ﴾ فضلاً عن الفرار وقرىء بسكون الباء ﴿إِلَاّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ﴾ إما بالتوجه إلى قتال طائفةٍ أخرى أهم من هؤلاء وإما بالفرّ للكرّ بأن يخيل عدوه أنه منهزمٌ ليغُرَّه ويُخرِجَه من بين أعوانه ثم يعطِفَ عليه وحدَه أو مع مَنْ في الكمين من أصحابه وهو باب من خِدعِ الحربِ ومكايدِها ﴿أَوْ مُتَحَيّزاً إلى فِئَةٍ﴾ أي منحازاً إلى جماعة أخرى من المؤمنين لينضمّ إليهم ثم يقاتلَ معهم العدو عن ابنِ عمرَ ﵄ قال إن سريةً فرّوا وأنا معهم فلما رجعوا إلى المدينة استحيَوْا ودخلوا البيوتَ فقلت يا رسولَ الله نحن الفرارون فقال ﷺ بل أنتم العكّارون أي الكرارون من عكر أي رجع وأنا فئتُكم وانهزم رجلٌ من القادسية فأتى المدينة إلى عمرَ ﵁ فقالَ يا أميرَ المؤمنينَ هلكتُ ففرَرْتُ من الزحف فقال ﵁ أنا فئتُك ووزنُ متحيِّز متفيعل لا متفعّل وإلا لكان متحوزاً لأنه من حاز يجوز وانتصابُهما إما على الحالية وإلا لغولا عمَلَ لها وإما على الاستثناء من المُولّين أي ومن يولهم دبرَه إلا رجلاً منهم متحرفاً أو متحيزاً ﴿فَقَدْ بَاء﴾ أي رجع ﴿بِغَضَبٍ﴾ عظِيمٌ لا يُقادرُ قَدرُه ومِنْ في قولِه

стр. 2034

تعالى ﴿مِنَ الله﴾ متعلقةٌ بمحذوف هو صفةٌ لغضب مؤكدة لما أفادَه التنوينُ من الفخامة والهولِ بالفخامة الإضافيةِ أي بغضب كائنٍ منه تعالى ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ أي بدلَ ما أراد بفراره أن يأويَ إليه من مأوى ينجيه من القتل ﴿وَبِئْسَ المصير﴾ في إيقاع البَوْءِ في موقع جوابِ الشرطِ الذي هو التوليةُ مقروناً بذكر المأوى والمصير من الجزالة ما لا مزيدَ عليه عن عباس ﵄ أن الفرارَ من الزحف من أكبر الكبائرِ وهذا إذَا لم يكُن العدوُّ أكثرَ من الضِّعف لقوله تعالى الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ الآية وقيل الآية مخصوصةٌ بأهل بيتهِ والحاضرين معه في الحرب سورة الأنفال من الآية (١٧)

стр. 2035

﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ رجوعٌ إلى بيان بقيةِ أحكام الواقعة وأحوالِها وتقريرُ ما سبق منها والفاءُ جوابُ شرطٍ مقدر يستدعيه مامر من ذكر إمدادِه تعالى وأمرِه بالتثبيت وغيرِ ذلك كأنَّه قيلَ إذَا كانَ الأمرُ كذلك فلم تقتُلوهم أنتم بقوتكم وقدرتِكم ﴿ولكن الله قَتَلَهُمْ﴾ بنصركم وتسليطِكم عليهم وإلقاءِ الرعب في قلوبهم ويجوز أن يكون التقدير إذا علمتم ذلك فلم تقتُلوهم أي فاعلَموا أو فأُخبركم أنكم لم تقتُلوهم وقيل التقديرُ إن افتخرتم ثم بقتلهم فلم تقتُلوهم على أحد التأويلين لما رُوي أنهم لما انصرفوا من المعركة غالبين غانمين أقبلوا يتفاخرون يقولون قتلتُ وأسرتُ وفعلتُ وتركتُ فنزلت وقد كان رسولُ الله ﷺ حين طلعت قريشٌ من العقنقل قال هذه قريشٌ جاءت بخُيلائها وفخرِها يكذّبون رسولَك اللهم إني أسألك ما وعدتي فأتاهُ جبريلُ ﵇ فقال خُذْ قبضةً من تراب فارمِهم بها فلما التقى الجمعانِ قال لعلي ﵁ أعطني قبضةً من حصباءِ الوادي فرمى بها في وجوههم وقال شاهت الوجوهُ فلم يبْقَ مُشركٌ إلا شُغل بعينيه فانهزموا وذلك قوله بطريق تلوينِ الخطاب ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى﴾ تحقيقاً لكون الرمي الظاهرِ على يده ﷺ حينئذ من أفعاله وتجريدُ الفعلِ عن المفعول به لما أن المقصودَ الأصليَّ بيانُ حالِ الرمي نفياً وإثباتاً إذ هو الذي ظهر منه ما ظهر وهو المنشأ لتغيّر المرميِّ به في نفسه وتكثّرِه إلى حيث أصاب عينَيْ كلِّ واحد من أولئك الأمةِ الجمّةِ شيءٌ من ذلك أي وما فعلت أنت يا محمدُ تلك الرميةَ المستتبِعةَ لهذه الآثارِ العظيمةِ حقيقةً حين فعلتَها صورةً وإلا لكان أثرُها من جنس آثارِ الأفاعيلِ البشرية ولكن الله فعلها أي خلقها حين باشَرْتها لكن لا على نهج عادتِه تعالى في خلق أفعالِ العبادِ بل على وجه غيرِ معتادٍ ولذلك أثرت هذا التأثيرَ الخارجَ عن طوق البشرِ ودائرةِ القُوى والقدر فمدارُ إثباتِها لله تعالى ونفِيها عنه ﷺ كونُ أثرِها من أفعالِه ﷺ وقرىء ولكنِ الله بالتخفيف والرفع في المحلين واللام في قوله تعالى ﴿وَلِيُبْلِىَ المؤمنين مِنْهُ﴾ أي ليعطيهم من عنده تعالى ﴿بَلاء حَسَنًا﴾ أي عطاءً جميلاً غيرَ مَشوبٍ بمقاساة الشدائدِ والمكاره إما متعلقةٌ بمحذوف متأخرٍ فالواوُ اعتراضيةٌ أي وللإحسان إليهم بالنصر والغنيمة فعلَ ما فعل لا لشيء غير ذلك مما لا يجديهم نفعا وإما يرمي فالواوُ للعطف على علةٍ محذوفةٍ أي ولكن الله رمى ليمحَق الكافرين وليُبلي إلخ وقولُه تعالَى ﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ﴾

стр. 2036

أي لدعائهم واستغائتهم ﴿عَلِيمٌ﴾ أي بنياتهم وأحوالِهم الداعيةِ إلى الإجابة تعليلٌ للحكم سورة الأنفال من الآيات (١٨ ٢٠)

стр. 2037

﴿ذلكم﴾ إشارة إلى البلاء الحسنِ ومحلُّه الرفعُ على أنَّه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ وقولُه تعالى ﴿وَأَنَّ الله مُوهِنُ كَيْدِ الكافرين﴾ بالإضافة معطوفٌ عليه أي المقصِدُ إبلاءُ المؤمنين وتوهينُ كيدِ الكافرين وإبطالُ حِيلِهم وقيل المشارُ إليه القتلُ والرميُ والمبتدأ الأمر أي الأمر ذلكم أي القتل فيكونُ قولُه تعالَى وَأَنَّ الله الآية من قبيل عطفِ البيانِ وقرىء مُوهِّن بالتنوين مخففاً ومشدداً ونصبِ كيد الكافرين

стр. 2038

﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ﴾ خطابٌ لأهل مكةَ على سبيلِ التهكمِ بهم وذلك أنهم حين أرادوا الخروجَ تعلقوا بأستار الكعبةِ وقالوا اللهم انصُرْ أعلى الجُندَيْن وأهدي الفئتين وأكرمَ الحِزبين أي إن تستنصروا لأعلى الجندين ﴿فَقَدْ جَاءكُمُ الفتح﴾ حيث نصَر أعلاهما وقد زعمتم أنكم الأعلى فالتهكمُ في المجيء أو فقد جاءكم الهزيمةُ والقهرُ فالتهكم في نفس الفتحِ حيث وضع موضعَ ما يقابله ﴿وَإِن تَنتَهُواْ﴾ عما كنتم عليه من الحراب ومعاداة الرسول ﷺ ﴿فَهُوَ﴾ أي الانتهاء ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي من الحِراب الذي ذُقتم غائلته لِما فيه من السلامة من القتل والأسرِ ومبنى اعتبارِ أصلِ الخيرية في المفضل عليه هو التهكم ﴿وَإِن تَعُودُواْ﴾ أي إلى حِرابه ﷺ ﴿نَعُدُّ﴾ لما شاهدتموه من الفتح ﴿وَلَن تُغْنِىَ﴾ بالتاء الفوقانية وقرى بالياء التحتانية لأن تأنيثَ الفئةِ غيرُ حقيقي وللفصل أي لن تَدفعَ أبداً ﴿عَنكُمْ فِئَتُكُمْ﴾ جماعتُكم التي تجمعونهم وتستعينون بهم ﴿شَيْئاً﴾ أي من الإغناء أو من المضار وقوله تعالى ﴿وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ جملةٌ حالية وقد مر التحقيق ﴿وَأَنَّ الله مَعَ المؤمنين﴾ أي ولأن الله معينُ المؤمنين كان ذلك أو والأمرُ أن الله مع المؤمنين ويقرب منه بحسب المعنى قراءةُ الكسر على الاستئناف وقيل الخطاب للمؤمنين والمعنى إن تستنصِروا فقد جاءكم النصرُ وإن تنتهوا عن التكاسل والرغبةِ عما يرغّب فيه الرسول ﷺ فهو خير لكم من كل شيء لما أنه مناطٌ لنيل سعادة الدارين وإن تعودوا إليه نعُدْ عليكم بالإنكار وتهييجِ العدو ولن تغنيَ حينئذٍ كثرتُكم إذا لم يكن الله معكم بالنصر والأمرُ أن الله مع الكاملين في الإيمان

стр. 2039

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْاْ﴾ بطرح إحدى التاءين وقرىء بإدغامها ﴿عَنْهُ﴾ أي لا تتولوا عن الرسول فإن المرادَ هو الأمرُ بطاعته والنهيُ عن الإعراض عنه وذكرُ طاعتِه تعالى للتمهيد والتنبيه على أن طاعتَه تعالى في طاعة رسوله ﷺ مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله وقيل الضمير للجهاد وقيل للأمر الذي دل عليه الطاعة وقوله تعالى ﴿وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ جملةٌ حالية واردة لتأكيد وجوب الانتهاء عن التولي مطلقاً كما في قوله تعالى فَلَا تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ لا لتقييد النهي

стр. 2040

عنه بحال السماع كما في قوله تعالى لَا تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى أي لا تتولوا عنه والحال أنكم تسمعون القرآن الناطق بوجوب طاعته والمواعظ الزاجرة عن مخالفته سماع فهم وإذعان سورة الأنفال من الآيات (٢١ ٢٣)

стр. 2041

﴿وَلَا تَكُونُواْ﴾ تقريرٌ للنهي السابق وتحذيرٌ عن مخالفته بالتنبيه على أنها مؤديةٌ إلى انتظامِهم في سِلك الكفرةِ بكون سماعِهم كَلا سماعٍ أي لا تكونوا بمخالفة الأمر والنهي ﴿كالذين قَالُواْ سَمِعْنَا﴾ بمجرد الادعاءِ من غير فهمٍ وإذعان كالكفرة والمنافقين الذين يّدعون السماعَ ﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ حالٌ من ضمير قالُوا أي قالوُا ذلكَ والحالُ أنهم لا يسمعون حيث لا يصدّقون ما سمعوه ولا يفهمونه حقَّ فهمِه فكأنهم لا يسمعونه رأساً

стр. 2042

﴿إِنَّ شَرَّ الدواب﴾ استئنافٌ مَسوقٌ لبيانِ كمالِ سوءِ حالِ المشبه بهم مبالغةً في التحذير وتقريرا للنهي إثرَ تقريرٍ أي إن شرَّ ما يدب على الأرض أو شرَّ البهائم ﴿عَندَ الله﴾ أي في حكمه وقضائه ﴿الصم﴾ الذين لا يسمعون الحق ﴿البكم﴾ الذي لا ينطِقون به وُصفوا بالصمم والبَكَم لأن ما خُلق له الأذنُ واللسانُ سماعُ الحق والنطقِ به وحيث لم يوجد فيهم شيءٌ من ذلك صاروا كأنهم فاقدون للجارحتين رأساً وتقديم الصمِّ على البكم لما أن صممهم متقدمٌ على بُكمهم فإن السكوت عن النطق بالحق من فروع عدمِ سماعِهم له كما أن النطقَ به من فروعِ سماعِه ثم وُصفوا بعدم التعقل فقيل ﴿الذين لَا يَعْقِلُونَ﴾ تحقيقاً لكمال سوءِ حالِهم فإن الأصمَّ الأبكمَ إذا كان له عقلٌ ربما يفهم بعضَ الأمور ويُفهمُه غيرُه بالإشارة ويهتدي بذلك إلى بعض مطالبِه وأما إذا كان فاقداً للعقل أيضاً فهو الغايةُ في الشرّية وسوءِ الحال وبذلك يظهرُ كونُهم شراً من البهائم حيث أبطلوا ما به يمتازون عنها وبه يفضّلون على كثير من خلقِ الله فصاروا أخسّ من كل خسيس

стр. 2043

﴿وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا﴾ شيئاً من جنس الخيرِ الذي من جملته صرفُ قواهم إلى تحرّي الحقِّ واتباعِ الهدى ﴿لاسْمَعَهُمْ﴾ سماع تفهم وتدبر ولو قفوا على حقية الرسول ﷺ وأطاعوه وآمنوا به ولكن لم يعلم فيهم شيئاً من ذلك لخلوّهم عنه بالمرة فلم يُسمِعْهم كذلك لخلوه عن الفائدة وخروجِه عن الحكمة وإليه أُشير بقوله تعالى ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ﴾ أي لو أسمعهم سماعَ تفهّمٍ وهم على هذه الحالة العارية عن الخير بالكلية لتولّوا عما سمِعوه من الحق ولم ينتفعوا به قطُّ أو ارتدوا بعد ما صدقوه وصاروا كأن لم يسمعوه أصلاً وقوله تعالى ﴿وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ إما حالٌ من ضمير تولوا أي لتولوا على أدبارهم والحالُ أنهم معرضون عما سمعوه بقلوبهم وإما اعتراضٌ تذييلىٌّ أي وهم قوم عادتهم الإعراض وقيل كانُوا يقولون لرسولِ الله ﷺ أحّيِ قُصَيّاً فإنه كان شيخَاً مباركاً حتى يشهدَ لك ونؤمنَ بك فالمعنى ولو أسمعهم كلام قصيَ الخ وقيل هم بنو عبدِ الدار بن قصي لم يُسلم منهم إلا مصعبُ بنُ عميرٍ وسويدُ بن حرْملة كانوا يقولون نحن صمٌّ بكمٌ

стр. 2044

عميٌ عما جاء به محمدٌ لا نسمعه ولا نجيبه قاتلهم الله تعالى فقُتلوا جميعاً بأحد وكانوا أصحابَ اللواءِ وعن ابن جريج أنهم المنافقون وعن الحسنِ ﵁ أنهم أهل الكتاب سورة الأنفال من الآيات (٢٤ ٢٥)

стр. 2045

﴿يَا أيُّهَا الذينَ آمَنُواْ﴾ تكريرُ النداء مع وصفهم بنعت الإيمانِ لتنشيطهم إلى الإقبال على الامتثال بما يردُ بعدَه من الأوامر وتنببههم على أنَّ فيهمْ ما يوجبُ ذلك ٢ ﴿استجيبوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ بحسن الطاعة ﴿إِذَا دَعَاكُمْ﴾ أي الرسولُ إذ هو المباشرُ لدعوة الله تعالى ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ من العلوم الدينيةِ التي هي مناطُ الحياة الأبدية كما أن الجهَل مدارُ الموتِ الحقيقيِّ أو هي ماءُ حياةِ القلبِ كما أن الجهلَ موجبٌ موتَه وقيل لمجاهدة الكفارِ لأنهم لو رفضوها لغلبوهم وقتلوهم كما في قوله تعالى وَلَكُمْ فِي القصاص حياة روي أنه ﷺ مر على أُبيَّ بن كعب وهو يصلي فدعاه فعجّل في صلاته ثم جاء فقال ﷺ ما منعك من إجابتي قال كنت في الصلاة قال ألم تخبَرْ فيما أوحِيَ إلي استجيبوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ الخ واختلف فيه فقيل هذا من خصائص دعائه ﷺ وقيل لأن إجابته ﷺ لا تقطع الصلاةَ وقيل كان ذلك الدعاءُ لأمر مهمَ لا يحتمل التأخيرَ وللمصلي أن يقطع الصلاةَ لمثله ﴿واعلموا أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ﴾ تمثيلٌ لغاية قربِه تعالى من العبد كقوله تعالى وَنَحْنُ أقربُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد وتنبيهٌ على أنه تعالى مطلعٌ من مكنونات القلوب على ما عسى يغفُل عنه صاحبُها أو حثٌّ على المبادرة إلى إخلاص القلوبِ وتصفيتِها قبل إدراك المنيةِ فإنها حائلةٌ بين المرء وقلبِه أو تصويرٌ وتخييلٌ لتملّكه على العبد قلبَه بحيث يفسخ عزائمهُ ويغيّر نياتِه ومقاصدَه ويحول بينه وبين الكفر إن إراد سعادتَه ويبدله بالأمن خوفاً وبالذكر نسياناً وما أشبه ذلك من الأمور المعترضةِ المفوتةِ للفرصة وقرىء بين المرِّ بتشديد الراء على حذف الهمزةِ وإلقاءِ حركتِها على الراء وإجراء الوصل مجرى الوقف وأنه أي الله أو الشأن إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ لا إلى غيره فيجازيكم بحسب مراتبِ أعمالِكم فسارعوا إلى طاعته تعالى وطاعةِ رسولِه وبالغوا في الاستجابة لهما

стр. 2046

﴿واتقوا فِتْنَةً لَاّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ أي لا تختصّ إصابتُها بمن يباشر الظلمَ منكم بل يعُمه وغيرَه كإقرار المُنكَر بين أظهُرِهم والمداهنةِ في الأمر والنهي عن المنكر وافتراقِ الكلمةِ وظهورِ البدع والتكاسلِ في الجهاد على أن قوله لا تصيبن الخ إما جوابُ الأمر على معنى أن إصابتكم لا تصيبن الخ وفيه أن جوابَ الشرط مترددٌ فلا يليق به النونُ المؤكدةُ لكنه لما تضمن معنى النهي ساغ فيه كقوله تعالى ادخلوا مساكنكم لَا يَحْطِمَنَّكُمْ وإما صفةٌ لفتنة ولا للنفي وفيه شذوذٌ لأن النون لا تدخُل المنفيَّ في غير القسمِ أو للنهي على إرادة القولِ كقول من قال ... حتى إذا جَنّ الظلامُ واختلط ... جاءوا بمذق هل رأيت الذنب قطّ ... وإما جوابُ قسم محذوفٍ كقراءة من قرأ لتصيبن وإن اختلف المعنى فيهما وقد جُوِّز أن يكون نهياً عن التعرض للظلم بعد الأمرِ باتقاء الذنبِ فأن

стр. 2047

وبالَه يصيب الظالمَ خاصةً ويعود عليه ومِنْ في منكم على الوجوه الأُوَلِ للتبعيض وعلى الآخيرين للتبيين وفائدتُه التنبيهُ على أن الظالم منكم أقبحُ منه من غيركم ﴿واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ ولذلك يصيب بالعذاب من لم يباشِرْ سببه سورة الأنفال من الآيات (٢٦ ٢٧)

стр. 2048

﴿واذكروا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ﴾ أي وقتَ كونِكم قليلاً في العدد وإيثارُ الجملةِ الاسمية للإيذان باستمرار ما كانُوا فيه من القلة وما يتبعها من الضعف والخوف وقوله تعالى ﴿مُّسْتَضْعَفُونَ﴾ خبرٌ ثانٍ أو صفةٌ لقليل وقوله تعالى ﴿فِى الأرض﴾ أي في أرض مكةَ تحت أيدى قريشٍ والخطابُ للمهاجرين أو تحت أيدي فارسَ والرومَ والخطاب للعَرَب كافةً فإنهم كانوا أذلاء تحت أيدي الطائفتين وقوله تعالى ﴿تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ الناس﴾ خبرٌ ثالثٌ أو صفةٌ ثانية لقليلٌ وُصِفَ بالجملة بعد ما وصف بالمُفرد أو حالٌ من المستكنِّ في مستضعفون والمرادُ بالناس على الأول وهو الأظهرُ إما كفارُ قريشٍ وإما كفارُ العرب لقربهم منهم وشدة عدواتهم لهم وعلى الثاني فارس والروم أي واذكروا وقت قِلتِكم وذِلتكم وهَوانِكم على الناس وخوفِكم من اختطافهم ﴿فَآوَاكُمْ﴾ إلى المدينة أو جعل لكم مأوى تتحصنون به من أعدائكم ﴿وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ﴾ على الكفار أو بمظاهرة الأنصار أو بإمداد الملائكة ﴿وَرَزَقَكُم مّنَ الطيبات﴾ من الغنائم ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ هذه النعم الجليلة

стр. 2049

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ لَا تَخُونُواْ الله والرسول﴾ أصلُ الخَوْنِ النقصُ كما أن الأصل الوفاءِ التمام واستعمالهُ في ضد الأمانة لتضمنه إياه أي لا تخونوهما بتعطيل الفرائضِ والسنن أو بأن تُضمِروا خلافَ ما تظهرون أو في الغلول في الغنائم روى أنه ﷺ حاصَر بني قُريظةَ إحدى وعشرين ليلةً فسألوا الصُّلْحَ كما صالح بني النضيرِ على أن يسيروا إلى إخوانهم بأذرِعاتٍ وأريحاءَ من الشام فأبى إلا أن ينزِلوا عَلى حُكم سُعد بن معاذٍ ﵁ فأبوا وقالوا أرسل إلينا أبا لُبابةَ وكان مناصِحاً لهم لِما أن ماله وعيالَه كانا في أيديهم فبعثه إليهم فقالوا ما ترى هل ننزل على حُكم سعدٍ فأشار إلى حلقه إنه الذبحُ قال أبو لبابة فما زالت قدماي حتى علمت أني خُنتُ الله ورسولَه فنزلت فشد نفسَه على سارية من سواري المسجدِ وقال والله لا أذوقُ طعاماً ولا شراباً حتى أموتَ أو يتوبَ الله عليّ فمكث سبعةَ أيامٍ حتى خرَّ مغشياً عليه ثم تاب الله عليه فقيل له قد تيبَ عليك فحُلَّ نفسَك قال لا والله لا أحُلّها حتى يكونَ رسولُ الله ﷺ هو الذي يحُلّني فجاءه ﷺ محله فقال إن من تمام توبتي أن أهجُرَ دارَ قومي التي أصبتُ فيها الذنبَ وأن أنخلِع من مالي فقال ﷺ بحزئك الثلثُ أن تتصدقَ به ﴿وَتَخُونُواْ أماناتكم﴾ فيما بينكم وهو مجزومٌ معطوفٌ على الأول أو منصوبٌ على الجواب بالواو ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

стр. 2050

أنكم تخونون أو أنتم علماءُ تميِّزون الحسنَ من القبيح سورة الأنفال من الآيات (٢٨ ٣٠)

стр. 2051

﴿واعلموا أَنَّمَا أموالكم وأولادكم فِتْنَةٌ﴾ لأنها سببُ الوقوعِ في الإثم والعقاب أو محنة من الله ليبلُوَكم في ذلك فلا يحمِلَنّكم حبُّهما على الخيانة كأبي لُبابة ﴿وَأَنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لمن آثرَ رضاه تعالى عليهما وراعى حدودَه فيهما فنيطوا هِممَكم بما يؤديكم إليه

стр. 2052

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ﴾ تكريرُ الخطابِ والوصفِ بالإيمان لإظهار كمالِ العنايةِ بما بعده والإيذانِ بأنه مما يقتضي الإيمانُ مراعاتَه والمحافظةَ عليه كما في الخطابين السابقين ﴿إَن تَتَّقُواْ الله﴾ أي في ما تأتونَ وما تذرونَ ﴿يَجْعَل لَّكُمْ﴾ بسبب ذلك ﴿فُرْقَانًا﴾ هدايةً في قلوبكم تفرِّقون بها بينَ الحقِّ والباطلِ أو نصراً يفرّق بين المُحِقِ والمُبطل بإعزاز المؤمنين وإذلالِ الكافرين أو مخرجاً من الشبهات أو نجاةً عما تحذرون في الدارين أو ظهوراً يشهَرُ أمرَكم وينشرُ صِيتَكم من قولهم بتّ أفعلُ كذا حتى سطح الفُرقانُ أي الصبح ﴿وَيُكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ﴾ أي يسترها ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذنوبَكم بالعفو والتجاوزِ عنها وقيل السيئاتُ الصغائرُ والذنوبُ الكبائرُ وقيل المرادُ ما تقدم وما تأخر لأنها في أهل بدر وقد غفرهما الله تعالى لهم وقولُه تعالى ﴿والله ذُو الفضل العظيم﴾ تعليلٌ لما قبله وتنبيهٌ على أنَّ ما وعده الله تعالى لهم على التقوى تفضّلٌ منه وإحسانٌ لا أنه مما يوجبه التقوى كما إذا وعد السيدُ عبدَه إنعاماً على عمل

стр. 2053

﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ﴾ منصوبٌ على المفعوليةِ بمضمرِ خوطب به النبيُّ ﷺ معطوف على قوله تعالى واذكروا إِذْ أَنتُمْ الخ مسوق لتذكير النعمة الخاصة به ﷺ بعد تذكير النعمةِ العامةِ للكل أي واذكر وقتَ مكِرهم بك ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ بالوَثاق ويعضُده قراءةُ مَن قرأَ ليقيدوك أو الإثخانِ بالجرح من قولهم ضربه حتى أثبته لا حراك به ولا براح وقرىء ليثبّتوك بالتشديد وليبّيتوك من البيات ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ أي بسيوفهم ﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ أي من مكة وذلكَ أنَهُم لَمَّا سمعُوا بإسلام الأنصار ومبايعتهم له ﷺ فرِقوا واجتمعوا في دار الندوة يتشاورون في أمره ﷺ فدخل إبليسُ عليهم في صورة شيخٍ وقال أنا من نجد سمعتُ باجتماعكم فأردت أن أحضُركم ولن تعدَموا منى رأياً ونُصحاً فقال أبو البَحْتري رأيي أن تحبِسوه في بيت وتسدّوا منافذه غيرَ كوّةٍ تلقون إليه طعامَه وشرابَه منها حتى يموت فقال الشيخ بئسُ الرأيُ يأتيكم من يقاتلُكم من قومه ويخلِّصه من أيديكم فقال هشامُ بنُ عمْرو رأيي أن تحمِلوه على جمل وتخوجوه من أرضكم فلا يضركم ما صنع فقال وبئس الرأي يُفِسدُ قوماً غيرَكم ويقاتلكم بهم فقال أبو جهل أنا أرى أن تأخُذوا

стр. 2054

من كل بطنٍ غلاماً وتعطوه سيفاً فيضرِبوه ضربةً واحدة فيتفرقَ دمُه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريشٍ كلِّهم فإذا طلبوا العقلَ عقَلْناه فقال صدق هذا الفتى فتفرقوا على رأيه فأتى جبريلُ النبيِّ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ وأخبره بالخبر وأمره بالهجرة فبيّت علياً رضي الله تعالى عنه على مضجعه وخرج هو مع أبي بكرٍ ﵁ إلى الغار ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله﴾ أي يرد مكرَهم عليهم أو يجازيهم عليه أو يعاملهم معاملةَ الماكرين وذلك بأن أخرجهم إلى بدر وقلل المسلمين في أعينهم حتى حمَلوا عليهم فلقُوا منهم ما لقُوا ﴿والله خَيْرُ الماكرين﴾ لا يُعبأ بمكرهم عند مكرِه وإسنادُ أمثالِ هذا إليه سبحانه مما يحسن للمشاكلة ولا مساغَ له ابتداءً لما فيهِ من إيهامِ ما لا يليقُ به سبحانه سورة الأنفال من الآيات (٣١ ٣٣)

стр. 2055

﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا﴾ التي حقها أن يخِرَّ لها صُمُّ الجبال ﴿قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا﴾ قاله اللعين النضر بن الحرث وإسنادُه إلى الكل لما أنه كان رئيسَهم وقاضيَهم الذي يقولون بقوله ويأخُذون برأيه وقيل قاله الذين ائتمروا في أمره ﷺ في دار الندوة وهذا كما ترى غايةُ المكابرة ونهايةُ العِناد كيف لا ولو استطاعوا شيئاً من ذلك فما الذي كان يمنعهم من المشيئة وقد اتحدوا عشرَ سنين وقُرعوا على العجز وذاقوا من ذلك الأمرَّيْن ثم قورعوا بالسيف فلم يعارضوا بما سواه مع أنَفتهم وفرْطِ استنكافِهم أن يُغلَبوا لاسيما في باب البيان ﴿إِنْ هذا إِلَاّ أساطير الاولين﴾ أي ما يسطرونه من القصص

стр. 2056

﴿وإذ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هَذا هُوَ الحقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماءِ أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ هذا أيضاً من أباطيل ذلك اللعين روي أنه لما قال إِنْ هذا إِلَاّ أساطير الأولين قال له النبيِّ ﷺ ويلَك أنه كلامُ الله تعالى فقال ذلك والمعنى أن القرآن إن كان حقاً منزلاً مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا الحجارةَ عقوبةً على إنكارنا أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ سواه والمرادُ منه التهكمُ وإظهارُ اليقينِ والجزمِ التامِّ على أنه ليس كذلك وحاشاه وقرىء الحقُّ بالرفع على أن هو مبتدأ لأفضل وفائدةُ التعريفِ فيه الدِلالةُ على أن المعلق به كونُه حقاً على الوجه الذي يدعيه ﷺ وهو تنزيلُه لا الحقُّ مطلقاً لتجويزهم أن يكون مطابقاً للواقع غيرَ منزلٍ كالأساطير

стр. 2057

﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾ جوابٌ لكلمتهم الشنعاءِ وبيانٌ للموجِب لإمهالهم والتوقفِ في إجابة دعائِهم واللامُ لتأكيد النفي والدِلالةِ على أن تعذيبَهم عذابَ استئصال والنبي ﷺ بين أظهرِهم خارجٌ عن عادته تعالى غيرُ مستقيمٍ في حُكمه وقضائه والمرادُ باستغفارهم في قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ إما استغفارُ مَنْ بقِيَ منهم من المؤمنين أو قولُهم اللهم

стр. 2058

اغفِرْ أو فرضُه على معنى لو استغفروا لم يعذبوا كقوله تعالى وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بظلم وأهلها مصلحون سورة الأنفال من الآيات (٣٤ ٣٦)

стр. 2059

﴿وما لهم ألا يُعَذّبْهُمُ الله﴾ بيانٌ لاستحقاقهم العذابَ بعد بيانِ أن المانعَ ليس من قِبَلهم أي وما لهم مما يمنع تعذيبَهم متى زال ذلك وكيف لا يعذّبون ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام﴾ أي وحالُهم ذلك ومن صدهم عند إلجاء رسول الله ﷺ إلى الهجرة وإحصارُهم عام الحديبية ﴿وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ﴾ حالٌ من ضمير يصدون مفيدةٌ لكمال قُبحِ ما صنعوا من الصد فإن مباشرتَهم للصد عنه مع عدم استحقاقِهم لولاية أمرِه في غاية القُبح وهو ردٌّ لما كانوا يقولون نحنُ ولاةُ البيتِ والحرم فنصد من نشاء ونُدخِل من نشاء ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَاّ المتقون﴾ من الشرك الذين لا يعبُدون فيه غيرَه تعالى ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنه لا ولايةَ لهم عليه وفيه إشعارا بأن منهم من يعلم ذلك ولكنه يعاند وقيل أريد بأكثرهم كلُّهم كما يراد بالقلة العدم

стр. 2060

﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ البيت﴾ أي دعاؤهم أو ما يسمونه صلاةً أو ما يضعون موضعها ﴿إِلَاّ مُكَاءً﴾ أي صفيراً فُعال من مكا يمكو إذا صفر وقرئ بالقصر كالبُكى ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ أي تصفيقاً تفعِلةً من الصَّدَى أو من الصدّ على إبدال أحدِ حرفي التضعيف بالياء وقرئ صلاتَهم بالنصب على أنه الخبر لكان مساق الكلام لتقرير استحقاقِهم العذابَ أو عدمِ ولايتِهم للمسجد فإنها لا تليق بمن هذه صلاتُه رُوي أنهم كانوا يطوفون عراةً الرجالُ والنساء مشبكين بين أصابعِهم يصفرون فيها ويصفقون وقيل كانوا يفعلون ذلك إذا أراد النبيِّ ﷺ أن يصلي يخلِطون عليه ويُرَون أنهم يصلون أيضاً ﴿فَذُوقُواْ العذاب﴾ أي القتلَ والأسرَ يومَ بدرٍ وقيل عذابَ الآخرة واللامُ يحتمل أن تكون للعهد والمعهودُ ائتنا بعذاب أليم ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ اعتقاداً وعملاً

стр. 2061

﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أموالهم لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ الله﴾ نزلت في المطعِمين يوم بدر وكانوا اثنيْ عشَرَ رجلاً من قريش يطعم كل واحد منهم كلَّ يوم عشْرَ جُزُرٍ أو في أبي سفيان استأجر ليوم أحُد ألفين سوى من استجاش من العرب وأنفق فيهم أربعين أو قية أو في أصحاب العِير فإنه لما أصيب قريش يوم بدر قيل لهم أعينوا بهذا المالِ على حرب محمد لعلنا ندرك ثأرَنا منه ففعلوا والمرادُ بسبيل الله دينُه واتباعُ رسوله ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا﴾ بتمامها ولعل الأول إخبارٌ عن إنفاقهم في تلك الحالِ وهو إنفاقُ يوم بدرٍ والثاني إخبارٌ عن إنفاقهم فيما يُستقبل وهو إنفاقُ يوم أحدٍ ويحتمل أنْ يُرادَ بهما واحدٌ على أن مساق الأول لبيان الغرضِ من الانفاق ومساق الثاني لبيان عاقبتِه وأنه لم يقع بعد ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾

стр. 2062

ندماً وغماً لفواتها من غير حصول المقصودِ جُعل ذاتُها حسرة وهي عاقبةُ إنفاقها مبالغةً ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ آخرَ الأمر وإن كان الحربُ بينهم سجالاً قبل ذلك ﴿والذين كَفَرُواْ﴾ أي تموا على الكفر وأصروا عليه ﴿إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ أي يساقون لا إلى غيرها سورة الأنفال من الآيات (٣٧ ٤٠)

стр. 2063

﴿لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب﴾ أي الكافر من المؤمن أو الفسادَ من الصلاح واللامُ متعلقةٌ بيحشرون أو بيغلبون أو ما أنفقه المشركون في عداوته ﷺ مما أنفقه المسلمون في نُصرته واللامُ متعلقةٌ بقوله ثم تكون عليهم حسرة وقرئ ليميز بالتشديد للمبالغة ﴿وَيَجْعَلَ الخبيث بَعْضَهُ على بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً﴾ أي يضم بعضَه إلى بعض حتى يتراكموا لفرط ازدحامِهم فيجمعه أو يضم إلى الكافر ما أنفقه ليزيد به عذابَه كما للكافرين ﴿فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَنَّمَ﴾ كلَّه ﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى الخبيث إذ هو عبارةٌ عن الفريق أو إلى المنفقين وما فيه من معنى البُعدِ للإيذانِ ببُعد درجتِهم في الخبث ﴿هُمُ الخاسرون﴾ الكاملون في الخسران لأنهم خسِروا أنفسَهم وأموالَهم

стр. 2064

﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ هم أبو سفيانَ وأصحابُه أي قل لأجلهم ﴿إِن يَنتَهُواْ﴾ عمَّا هُم فيهِ من معاداة النبيِّ ﷺ بالدخول في الإسلام ﴿يغفرُ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ من الذنوب وقرىء إن تنتهوا يُغفرْ لكم ويَغفِرْ لكم على البناءِ للفاعلِ وهو الله تعالى ﴿وَإِن يَعُودُواْ﴾ إلى قتالهم ﴿فَقَدْ مضت سنة الاولين﴾ الذين تحزّبوا على الأنبياءِ ﵈ بالتدبير كما جرى على أهل بدر فليتوقعوا مثلَ ذلك

стр. 2065

﴿وقاتلوهم﴾ عطف على قل وقد عُمّم الخطابُ لزيادة ترغيبِ المؤمنين في القتال لتحقيق ما يتضمنه قولُه تعالى فقد مضت سنة الاولين من الوعيد ﴿حتى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي لا يوجَدَ منهم شركٌ ﴿وَيَكُونَ الدّينُ كُلُّهُ لِلهِ﴾ وتضمحِلَّ الأديانُ الباطلةُ إما بإهلاك أهلِها جميعاً أو برجوعهم عنها خشية القتل ﴿فَإِنِ انْتَهَوْاْ﴾ عن الكفر بقتالكم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيجازيهم على انتهائهم عنه وإسلامِهم وقرئ بتاء الخطاب أي بما تعملون من الجهاد المُخرِجِ لهم إلى الإسلام وتعليقُه بانتهائهم للدلالة على أنهم يثابون بالسببية كما يثاب المباشِرون بالمباشرة

стр. 2066

﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ ولم ينتهوا عن ذلك ﴿فاعلموا أَنَّ الله مَوْلَاكُمْ﴾ ناصرُكم فثِقوا به ولا تبالوا بمعاداتهم ﴿نِعْمَ المولى﴾ لا يَضيعُ مَنْ تولاه ﴿وَنِعْمَ النصير﴾ لا يُغلب مَنْ نصره

стр. 2067

سورة الأنفال من الآية (٤١)

стр. 2068

﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم﴾ عن الكلبي أنها نزلت ببدر وقال الواقدي كان الخُمسُ في غزوة بني قينُقاع بعد بدر بشهر وثلاثةِ أيامٍ للنصف من شوال على رأس عشرين شهراً من الهجرة وما موصولةٌ وعائدُها محذوفٌ أي الذي أصبتموه من الكفار عُنوةً وأصلُ الغنيمة إصابةُ الغَنَم من العدو ثم اتُسع وأطلق على ما أصيب منهم كائناً ما كان وقوله تعالى ﴿مِن شَىْء﴾ بيانٌ للموصول محلُّه النصبُ على أنَّهُ حالٌ من عائد الموصول قصد به الاعتناءُ بشأن الغنيمة وأن لا يشِذُّ عنها شيءٌ أي ما غنِمتموه كائناً مما يقع عليه اسمُ الشيءِ حتى الخيطُ والمَخيطُ خلا أن سلَبَ المقتولِ للقاتل إذا نفّله الإمامُ وأن الأسارى يُخيَّر فيها الإمامُ وكذا الأراضي المغنومةُ وقوله تعالى ﴿فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ أي فحق أو واجب أن له تعالى خُمسَه وهذه الجملةُ خبر لأنما الخ وقرئ بالكسر والأول آكَدُ وأقوى في الأيجاب لِما فيه من تكرر الإسنادِ كأنه قيل فلا بد من ثبات الخُمس ولا سبيل إلى الإخلال به وقرئ فلله خمسه وقرئ خمس بسكون الميم والجمهورُ على أن ذكرَ الله تعالى للتعظيم كما في قوله تعالى والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ وأن المرادَ قسمةُ الخُمس على المعطوفِين عليه بقوله تعالى ﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ وإعادةُ اللامِ في ذي القربى دون غيرِهم من الأصناف الثلاثة لدفع توهُّمِ اشتراكِهم في سهم النبيِّ ﷺ لمزيد اتصالهم به ﷺ وهم بنو هاشمٍ وبنو المطلب دون بني عبدِ شمس وبني نَوْفل لما روي عن عثمانَ وجبير بن مطعم ﵄ أنهما قالا لرسول الله ﷺ هؤلاء إخوتُك بنو هاشم لا نُنكر فضلَهم لمكانك الذي جعلك الله منهم أرأيتَ إخوانَنا بني المطلب أعطيتَهم وحرمتنَا وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة فقال ﷺ إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام إنما بنو هاشمٍ وبنو المطلب شيءٌ واحد وشبّك بين أصابعِه وكيفيةُ قسمِتها عندنا أنها كانت في عهد رسولِ الله ﷺ على خمسة أسهم سهمٌ له ﷺ وسهمٌ للمذكورين من ذوي قرباه وثلاثةُ أسهمٍ للأصناف الثلاثة الباقية وأما بعده ﷺ فسهمُه ساقطٌ وكذا سهمُ ذوي القُربى وإنما يعطَوْن لفقرهم فهم أسوةٌ لسائر الفقراء ولا يُعطي أغنياؤهم فيقسم على الأصناف الثلاثة ويؤيده ما رُوي عن أبي بكرٍ ﵁ أنه منع بني هاشمٍ الخمسَ وقال إنما لكم أن يُعطى فقيرُكم وتُزوَّجَ أيِّمُكم ويخدَمَ من لا خادم له منكم ومن عداهم فهو بمنزلة ابنِ السبيل الغني لا يعطى من الصدقة شيئاً وعن زيد بن علي مثله قال ليس لنا أن نبنيَ منه قصورا ولا نركَب منه البراذينَ وقيل سهم الرسول ﷺ لوليّ الأمرِ بعده وأما عند الشافعيِّ ﵀ فيقسم على خمسة أسهم سهم لرسول الله ﷺ يُصرف إلى ما كان يصرفه ﷺ من مصالح المسلمين كعُدّة الغُزاة من الكُراعِ والسلاح ونحوِ ذلك وسهمٌ لذوي القربى من أغنيائهم وفقرائِهم يُقسم بينهم للذكر مثلُ حظ الأنثيين والباقي للفِرَق الثلاث

стр. 2069

وعند مالك ﵀ الأمرُ فيه مفوَّضٌ إلى اجتهاد الإمامِ إن رأى قسمَه بين هؤلاءِ وإن رأى أعطاه بعضاً منهم دون بعض وإن رأى غيرَهم أولى وأهمَّ فغيرُهم وتعلق أبو العالية بظاهر الآية الكريمة فقال يُقسم ستةَ أسهمٍ ويُصرف سهمُ الله تعالى إلى رتاج الكعبة لما روي أنه ﷺ كان يأخذ منه قبضةً فيجعلها لمصالح الكعبة ثم يقسِمُ ما بقيَ على خمسة أسهمٍ وقيل سهمُ الله لبيت المال وقيل هو مضمومٌ إلى سهم الرسول ﷺ هذا شأنُ الخمسِ وأما الأخماسُ الأربعةُ فتقسم بين الغانمين للراجل سهمٌ وللفارس سهمان عند أبي حنيفة رضى الله عنه وثلاثةُ أسهم عندهما رحمهما الله قال القرطبيُّ لما بين الله تعالى حكمَ الخمسِ وسكت عن الباقي دل ذلك على أنه ملك للغانمين وقوله تعالى ﴿إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُم بِاللهِ﴾ متعلِّق بمحذوفٍ يُنبىء عنه المذكورُ أي إن كنتم آمنتم به تعالى فاعلموا أن الخمسَ من الغنيمة يجب التقربُ بهِ إلى الله تعالَى فاقطعوا أطماعَكم منه واقتنعوا بالأخماس الأربعة ليس المرادُ به مجردَ العلم بذلك بل العلمَ المشفوعَ بالعمل والطاعةِ لأمره تعالى ﴿وَمَا أَنزَلْنَا﴾ عطف على الاسم الجليل أي إن كنتم آمنتم بالله وبما أنزلناه ﴿على عبدنا﴾ وقرئ عُبُدِنا وهو اسمُ جمعٍ أريد به الرسول ﷺ والمؤمنون فإن بعضَ ما نزل نازلٌ عليهم بالذات كما ستعرفه ﴿يَوْمَ الفرقان﴾ يوم بدرٍ سمي به لفَرْقه بين الحقِّ والباطل وهو منصوبٌ بأنزلنا أو بآمنتم ﴿يَوْمَ التقى الجمعان﴾ أي الفريقان من المؤمنين والكافرين وهو بدلٌ من يومَ الفرقان أو منصوبٌ بالفرُقان والمرادُ ما أُنزل عليه ﷺ يومئذٍ من الوحي والملائكةِ والفتحِ على أن المرادَ بالإنزال مجردُ الإيصالِ والتيسير فينتظم الكلَّ انتظاماً حقيقياً وجعلُ الإيمانِ بإنزال هذه الأشياءِ من موجبات العلم بكون الخُمس لله تعالى على الوجه المذكور من حيث أن الوحيَ ناطقٌ بذلك وأن الملائكةَ والفتحَ لمّا كانا من جهته تعالى وجب أن يكون ما حصل بسببهما من الغنيمة مصروفةً إلى الجهات التي عينها الله تعالى ﴿والله على كُلّ شيء قَدِيرٌ﴾ يقدِر على نصر القليلِ على الكثير والذليلِ على العزيز كما فعل بكم ذلك اليوم سورة الأنفال من الآية (٤٢)

стр. 2070

﴿إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدنيا﴾ بدلٌ ثانٍ من يومَ الفرقان والعُدوةُ بالضم شطُّ الوادي كذا بالفتح والكسر وقد قرئ بهما أيضاً ﴿وَهُم بالعدوة القصوى﴾ أي البُعدى من المدينة وهي تأنيثُ الأقصى وكان القياسُ قلبَ الواوِ ياءً كالدنيا والعليا مع كونهما من بنات الواو لكنها جاءت على الأصل كالقود واستُصوب وهو أكثرُ استعمالاً من القُصيا ﴿والركب﴾ أي العِيرُ أو قُوّادُها ﴿أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ أي في مكانٍ أسفلَ من مكانكم يعني الساحلَ وهو نصبٌ على الظرفية واقعٌ موقعَ الخبر والجملةُ حالٌ من الظرف قبله وفائدتها الدلالة على قوة العدو واستظهارِهم بالركب وحِرصِهم على المقاتلة عنها وتوطينِ نفوسِهم على أن لا يُخْلوا مراكزَهم ويبذُلوا منتهى جهدِهم وضعفِ شأن المسلمين والتياثِ أمرِهم واستبعادِ غَلَبتِهم عادةً وكذا ذكرُ مراكزِ الفريقين فإن العُدوةَ الدنيا كانت
следующие страницы →