Полный текст (8 642 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ ولم ينتهوا عن ذلك
﴿فاعلموا أَنَّ الله مَوْلَاكُمْ﴾ ناصرُكم فثِقوا به ولا تبالوا بمعاداتهم
﴿نِعْمَ المولى﴾ لا يَضيعُ مَنْ تولاه
﴿وَنِعْمَ النصير﴾ لا يُغلب مَنْ نصره
стр. 2067
سورة الأنفال من الآية (٤١)
стр. 2068
﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم﴾ عن الكلبي أنها نزلت ببدر وقال الواقدي كان الخُمسُ في غزوة بني قينُقاع بعد بدر بشهر وثلاثةِ أيامٍ للنصف من شوال على رأس عشرين شهراً من الهجرة وما موصولةٌ وعائدُها محذوفٌ أي الذي أصبتموه من الكفار عُنوةً وأصلُ الغنيمة إصابةُ الغَنَم من العدو ثم اتُسع وأطلق على ما أصيب منهم كائناً ما كان وقوله تعالى
﴿مِن شَىْء﴾ بيانٌ للموصول محلُّه النصبُ على أنَّهُ حالٌ من عائد الموصول قصد به الاعتناءُ بشأن الغنيمة وأن لا يشِذُّ عنها شيءٌ أي ما غنِمتموه كائناً مما يقع عليه اسمُ الشيءِ حتى الخيطُ والمَخيطُ خلا أن سلَبَ المقتولِ للقاتل إذا نفّله الإمامُ وأن الأسارى يُخيَّر فيها الإمامُ وكذا الأراضي المغنومةُ وقوله تعالى
﴿فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ أي فحق أو واجب أن له تعالى خُمسَه وهذه الجملةُ خبر لأنما الخ وقرئ بالكسر والأول آكَدُ وأقوى في الأيجاب لِما فيه من تكرر الإسنادِ كأنه قيل فلا بد من ثبات الخُمس ولا سبيل إلى الإخلال به وقرئ فلله خمسه وقرئ خمس بسكون الميم والجمهورُ على أن ذكرَ الله تعالى للتعظيم كما في قوله تعالى والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ وأن المرادَ قسمةُ الخُمس على المعطوفِين عليه بقوله تعالى ﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ وإعادةُ اللامِ في ذي القربى دون غيرِهم من الأصناف الثلاثة لدفع توهُّمِ اشتراكِهم في سهم النبيِّ ﷺ لمزيد اتصالهم به ﷺ وهم بنو هاشمٍ وبنو المطلب دون بني عبدِ شمس وبني نَوْفل لما روي عن عثمانَ وجبير بن مطعم ﵄ أنهما قالا لرسول الله ﷺ هؤلاء إخوتُك بنو هاشم لا نُنكر فضلَهم لمكانك الذي جعلك الله منهم أرأيتَ إخوانَنا بني المطلب أعطيتَهم وحرمتنَا وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة فقال ﷺ إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام إنما بنو هاشمٍ وبنو المطلب شيءٌ واحد وشبّك بين أصابعِه وكيفيةُ قسمِتها عندنا أنها كانت في عهد رسولِ الله ﷺ على خمسة أسهم سهمٌ له ﷺ وسهمٌ للمذكورين من ذوي قرباه وثلاثةُ أسهمٍ للأصناف الثلاثة الباقية وأما بعده ﷺ فسهمُه ساقطٌ وكذا سهمُ ذوي القُربى وإنما يعطَوْن لفقرهم فهم أسوةٌ لسائر الفقراء ولا يُعطي أغنياؤهم فيقسم على الأصناف الثلاثة ويؤيده ما رُوي عن أبي بكرٍ ﵁ أنه منع بني هاشمٍ الخمسَ وقال إنما لكم أن يُعطى فقيرُكم وتُزوَّجَ أيِّمُكم ويخدَمَ من لا خادم له منكم ومن عداهم فهو بمنزلة ابنِ السبيل الغني لا يعطى من الصدقة شيئاً وعن زيد بن علي مثله قال ليس لنا أن نبنيَ منه قصورا ولا نركَب منه البراذينَ وقيل سهم الرسول ﷺ لوليّ الأمرِ بعده وأما عند الشافعيِّ ﵀ فيقسم على خمسة أسهم سهم لرسول الله ﷺ يُصرف إلى ما كان يصرفه ﷺ من مصالح المسلمين كعُدّة الغُزاة من الكُراعِ والسلاح ونحوِ ذلك وسهمٌ لذوي القربى من أغنيائهم وفقرائِهم يُقسم بينهم للذكر مثلُ حظ الأنثيين والباقي للفِرَق الثلاث
стр. 2069
وعند مالك ﵀ الأمرُ فيه مفوَّضٌ إلى اجتهاد الإمامِ إن رأى قسمَه بين هؤلاءِ وإن رأى أعطاه بعضاً منهم دون بعض وإن رأى غيرَهم أولى وأهمَّ فغيرُهم وتعلق أبو العالية بظاهر الآية الكريمة فقال يُقسم ستةَ أسهمٍ ويُصرف سهمُ الله تعالى إلى رتاج الكعبة لما روي أنه ﷺ كان يأخذ منه قبضةً فيجعلها لمصالح الكعبة ثم يقسِمُ ما بقيَ على خمسة أسهمٍ وقيل سهمُ الله لبيت المال وقيل هو مضمومٌ إلى سهم الرسول ﷺ هذا شأنُ الخمسِ وأما الأخماسُ الأربعةُ فتقسم بين الغانمين للراجل سهمٌ وللفارس سهمان عند أبي حنيفة رضى الله عنه وثلاثةُ أسهم عندهما رحمهما الله
قال القرطبيُّ لما بين الله تعالى حكمَ الخمسِ وسكت عن الباقي دل ذلك على أنه ملك للغانمين وقوله تعالى
﴿إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُم بِاللهِ﴾ متعلِّق بمحذوفٍ يُنبىء عنه المذكورُ أي إن كنتم آمنتم به تعالى فاعلموا أن الخمسَ من الغنيمة يجب التقربُ بهِ إلى الله تعالَى فاقطعوا أطماعَكم منه واقتنعوا بالأخماس الأربعة ليس المرادُ به مجردَ العلم بذلك بل العلمَ المشفوعَ بالعمل والطاعةِ لأمره تعالى
﴿وَمَا أَنزَلْنَا﴾ عطف على الاسم الجليل أي إن كنتم آمنتم بالله وبما أنزلناه
﴿على عبدنا﴾ وقرئ عُبُدِنا وهو اسمُ جمعٍ أريد به الرسول ﷺ والمؤمنون فإن بعضَ ما نزل نازلٌ عليهم بالذات كما ستعرفه
﴿يَوْمَ الفرقان﴾ يوم بدرٍ سمي به لفَرْقه بين الحقِّ والباطل وهو منصوبٌ بأنزلنا أو بآمنتم
﴿يَوْمَ التقى الجمعان﴾ أي الفريقان من المؤمنين والكافرين وهو بدلٌ من يومَ الفرقان أو منصوبٌ بالفرُقان والمرادُ ما أُنزل عليه ﷺ يومئذٍ من الوحي والملائكةِ والفتحِ على أن المرادَ بالإنزال مجردُ الإيصالِ والتيسير فينتظم الكلَّ انتظاماً حقيقياً وجعلُ الإيمانِ بإنزال هذه الأشياءِ من موجبات العلم بكون الخُمس لله تعالى على الوجه المذكور من حيث أن الوحيَ ناطقٌ بذلك وأن الملائكةَ والفتحَ لمّا كانا من جهته تعالى وجب أن يكون ما حصل بسببهما من الغنيمة مصروفةً إلى الجهات التي عينها الله تعالى
﴿والله على كُلّ شيء قَدِيرٌ﴾ يقدِر على نصر القليلِ على الكثير والذليلِ على العزيز كما فعل بكم ذلك اليوم
سورة الأنفال من الآية (٤٢)
стр. 2070
﴿إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدنيا﴾ بدلٌ ثانٍ من يومَ الفرقان والعُدوةُ بالضم شطُّ الوادي كذا بالفتح والكسر وقد قرئ بهما أيضاً
﴿وَهُم بالعدوة القصوى﴾ أي البُعدى من المدينة وهي تأنيثُ الأقصى وكان القياسُ قلبَ الواوِ ياءً كالدنيا والعليا مع كونهما من بنات الواو لكنها جاءت على الأصل كالقود واستُصوب وهو أكثرُ استعمالاً من القُصيا
﴿والركب﴾ أي العِيرُ أو قُوّادُها
﴿أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ أي في مكانٍ أسفلَ من مكانكم يعني الساحلَ وهو نصبٌ على الظرفية واقعٌ موقعَ الخبر والجملةُ حالٌ من الظرف قبله وفائدتها الدلالة على قوة العدو واستظهارِهم بالركب وحِرصِهم على المقاتلة عنها وتوطينِ نفوسِهم على أن لا يُخْلوا مراكزَهم ويبذُلوا منتهى جهدِهم وضعفِ شأن المسلمين والتياثِ أمرِهم واستبعادِ غَلَبتِهم عادةً وكذا ذكرُ مراكزِ الفريقين فإن العُدوةَ الدنيا كانت
стр. 2071
رِخوةً تسوخُ فيها الأرجلُ ولا يمشى فيها إلا بتعب ولم يكن فيها ماءٌ بخلاف العُدوة القصوى وكذا قوله تعالى
﴿وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الميعاد﴾ أي لو تواعدتم أنتم وهم القتالَ ثم علمتم حالَكم وحالَهم لاختلفتم أنتم في الميعاد هَيْبةً منهم ويأساً من الظفر عليهم ليتحققوا أن ما اتفق لهم من الفتح ليس إلا صُنعاً من الله خارقاً للعادات فيزدادوا إيماناً وشكر وتطمئن نفوسُهم بفرض الخُمس
﴿ولكن﴾ جمع بينكم على هذه الحال من غير ميعاد
﴿لّيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾ حقيقاً بأن يُفعل مِن نصْرِ أوليائِه وقهرِ أعدائِه أو مقدراً في الأزل وقوله تعالى ﴿لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بينة ويحيى مِنْ حَىَّ عَن بَيّنَةٍ﴾ بدلٌ منه أو متعلقٌ بمفعولاً أي ليموتَ من يموتُ عن بينة عاينها ويعيشَ من يعيش عن بينة شاهدها لئلا يكونَ له حجةٌ ومعذرةٌ فإن وقعةَ بدرٍ من الآيات الواضحة أو ليصدُرَ كفرُ من كفر وإيمانُ من آمن عن وضوح بينةٍ على استعارة الهلاك والحياةِ للكفر والإيمان والمرادُ بمن هلك ومن حي المشارفُ للهلاكِ والحياة أو مَنْ حالُه في علم الله تعالى الهلاكُ والحياة وقرئ ليهلك بالفتح وحي بفك الإدغام حملاً على المستقبل
﴿وَإِنَّ الله لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي بكفر من كفر وعقابِه وإيمانِ من آمن وثوابِه ولعل الجمعَ بين الوصفين لاشتمال الأمرين على القول والاعتقاد
الأنفال آيات (٤٣ ٤٤)
стр. 2072
﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ الله فِى مَنَامِكَ قَلِيلاً﴾ منصوبٌ باذكُرْ أو بدلٌ آخرُ من يومَ الفرقان أو متعلقٌ بعليم أي يعلم المصالحَ إذ يقلّلهم في عينك في رؤياك وهو أن تخبر به أصحابك فيكونَ تثبيتاً لهم وتشجيعاً على عدوهم
﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ﴾ أي لجبُنتم وهِبتم الإقدام
﴿ولتنازعتم فِى الامر﴾ أي أمر القتال وتفرقتْ آراؤُكم في الثبات والفرار
﴿ولكن الله سَلَّمَ﴾ أي أنعم بالسلامة من الفشل والتنازعِ
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ يعلم ما سيكون فيها من الجراءة والجُبن والصبر والجزَعِ ولذلك دبّر ما دبر ٢
стр. 2073
﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التقيتم فِى أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً﴾ منصوبٌ بمضمرٍ خُوطب به الكلُّ بطريق التلوينِ والتعميم معطوفٍ على المُضمر السابقِ والضميرانِ مفعولا يُري وقليلاً حالٌ من الثاني وإنما قللهم في أعين المسلمين حتى قال ابن مسعود ﵁ لمن إلى جنبه أتراهم سبعين فقال أراهم مائة تثبيتاً لهم وتصديقاً لرؤيا الرسول ﷺ
﴿وَيُقَلّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ﴾ حتى قال أبو جهل إنما أصحابُ محمد أكلةُ جَزور قللهم في أعينهم قبل التحامِ القتالِ ليجترئوا عليهم ولا يستعدّوا لهم ثم كثّرهم حتى رأوْهم مثليهم لِتُفاجِئَهم الكثرةُ فيُبهَتوا ويهابوا وهذه من عظائم آياتِ تلك الوقعةِ فإن البصرَ قد يرى الكثيرَ قليلاً والقليلَ كثيراً لكن لا على هذا الوجه ولا إلى هذا الحد وإنما ذلك بصد الله تعالى الأبصارَ عن إبصار بعضٍ دون بعض مع التساوي
стр. 2074
في الشرائط ﴿لّيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾ كُرر لاختلاف الفعل المعلَّلِ به أو لأن المرادَ بالأمر ثَمةَ الالتقاءُ على الوجه المذكور وههنا إعزازُ الإسلام وأهلِه وإذلالُ الكفر وحِزبه
﴿وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ كلُّها يصرِفها كيفما يريد لأراد لأمره ولا معقِّبَ لحُكمه وهو الحكيم المجيد
سورة الأنفال من الآيات (٤٥ ٤٧)
стр. 2075
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ﴾ صدر الخطاب بحر في النداء والتنبيه إظهاراً لكمال الاعتناءِ بمضمون ما بعده
﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ أي حاربتم جماعةً من الكفرة وإنما لم يوصَفوا بالكفر لظهور أن المؤمنين لا يحارِبون إلا الكفَرة واللقاءُ مما غلبَ في القتال
﴿فاثبتوا﴾ أي للقائهم في مواطن الحربِ
﴿واذكروا الله كَثِيراً﴾ أي في تضاعيف القتال مستمدين منه مستعينين به مستظهِرين بذكره مترقّبين لنصره
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي تفوزون بمرامكم وتظفَرون بمُرادكم من النُّصرة والمَثوبةِ وفيه تنبيهٌ على أن العبدَ ينبغي أن لا يشغَلَه شيءٌ عن ذكرِ الله تعالى وأن يلتجيء إليه عند الشدائد ويُقبلَ إليه بكليته فارغَ البال واثقاً بأن لطفَه لا ينفكُّ عنه فِى حالٍ من الأحوالِ
стр. 2076
﴿وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ﴾ في كل ما تأتون وما تذرون فيندرج فيه ما أمروا به ههنا اندراجاً أولياً
﴿وَلَا تنازعوا﴾ باختلاف الآراءِ كما فعلتم ببدر أو أحُد
﴿فَتَفْشَلُواْ﴾ جوابٌ للنهي وقيل عطفٌ عليه
﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ بالنصب عطفٌ على جواب النهي وقرئ بالجزم على تقدير عطفِ فتفشلوا على النهي أي تذهبَ دولتُكم وشَوْكتُكم فإنها مستعارةٌ للدولة من حيث إنها في تمشّي أمرِها ونفاذِه مشبهةٌ بها في هُبوبها وجَرَيانها وقيل المرادُ بها الحقيقةُ فإن النُصرةَ لا تكون إلا بريح يبعثها الله تعالى وفي الحديث نصرت بالصبا وأهلكت عادٌ بالدَّبور
﴿واصبروا﴾ على شدائد الحرب
﴿إِنَّ الله مَعَ الصابرين﴾ بالنُصرة والكَلاءة وما يفهم من كلمة مع من أصالتهم إنما هي من حيث إنهم المباشرون للصبر فهم متّبعون من تلك الحيثية ومعيَّتُه تعالى إنما هي من حيث الإمدادُ والإعانة
стр. 2077
﴿وَلَا تَكُونُواْ كالذين خَرَجُواْ مِن ديارهم﴾ بعد ما أُمروا بَما أُمروا به من أحاسن الأعمالِ ونُهوا عما يقابلها من قبائحها والمرادُ بهم أهلُ مكةَ حين خرجوا لحماية العِير
﴿بَطَراً﴾ أي فخراً وأشَراً
﴿ورئاء الناس﴾ ليثنوا عليهم بالشجاعة والسماحة وذلك أنهم لما بلغوا جَحفةَ أتاهم رسولُ أبي سفيان وقال ارجِعوا فقد سلِمت عِيرُكم فأبَوا إلا إظهارَ آثارِ الجلادة فلقُوا ما لقوا حسبما ذُكر في أوائل السورةِ الكريمة فنُهي المؤمنون أن يكونوا أمثالَهم مرائين بطِرين وأُمروا بالتقوى والإخلاص من حيث إن النهيَ عن الشيء مستلِزمٌ للأمر بضده
﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ عطفٌ على
стр. 2078
بطرا إن جُعل مصدراً في موضع الحال وكذا إن جع مفعولاً له لكن على تأويل المصدر
﴿والله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ فيجازيهم عليه
سورة الأنفال من الآيات (٤٨ ٤٩)
стр. 2079
﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم﴾ منصوب بمصر خوطب به النبيُّ ﷺ بطريقِ التلوينِ أيْ واذكُر وقتَ تزيينِ الشيطانِ أعمالَهم في معاداة المؤمنين وغيرِها بأن وسوس إليهم
﴿وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ أي ألقَى في رُوعِهم وخيّل إليهم أنهم لا يُغلبون ولا يطاقون لكثرة عددِهم وعُددهم وأوهمهم أن اتّباعَهم إياه فيما يظنون أنها قُربات مجيرٌ لهم حتى قالوا اللهمَّ انصُرْ إحدى الفئتين وأفضلَ الدينَين ولكم خبرُ لا غالب أو صفتُه وليس صلته وإلا لا نتصب كقولك لا ضارباً زيداً عندنا
﴿فَلَمَّا تَرَاءتِ الفئتان﴾ أي تلاقى الفريقان
﴿نَكَصَ على عَقِبَيْهِ﴾ رجَع القهقرى أي بطل كيدُه وعاد ما خيَّل إليهم أنه مجيرُهم سبباً لهلاكهم
﴿وَقَالَ إِنّي بَرِىء مّنْكُمْ إِنّي أرى مَا لَا تَرَوْنَ إِنّي أَخَافُ الله﴾ أي تبرأ منهم وخاف عليهم ويئِس من حالهم لما رأى إمدادَ الله تعالى للمسلمين بالملائكة وقيل لما اجتمعت قريشٌ على المسير ذَكَرت ما بينهم وبين كِنانةَ من الإحنةِ فكاد ذلك يَثْنيهم فتمثل لهم إبليسُ في صورة سُراقةَ بنِ مالك الكِناني وقال لَا غَالِبَ لَكُمُ اليوم من الناس وإني مجيرُكم من كِنانةَ فلما رأى الملائكةَ تنزِل نكَص وكان يده في يد الحرث بن هشام فقال له إلى أين أخذلتنا في هذه الحالة فقال إني أرى مالا ترون ودفع في صدر الحرث وانطلق فانهزموا فلما بلغوا مكةَ قالوا هزَم الناسَ سراقةُ فبلغه ذلك فقال والله ما شعَرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتُكم فلما أسلموا علِموا أنه الشيطانُ وعلى هذا يحتملُ أنُ يكون معنى قولهِ إني أخاف الله أخافه أن يُصيبَني بمكروه من الملائكة أو يُهلكَني ويكونُ الوقتُ هو الوقتُ الموعود إذ رأى فيه ما لم يرَه قبله والأول ما قاله الحسنُ واختاره ابن بحر
﴿والله شَدِيدُ العقاب﴾ يجوز أن يكون من كلامه أو مستأنفاً من جهةِ الله عزَّ وجل
стр. 2080
﴿إِذْ يَقُولُ المنافقون﴾ منصوبٌ بزيّن أو بنكَص أو بشديد العقاب
﴿والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي الذين لم تطمئن قلوبُهم بالإيمان بعد وبقيَ فيها نوعُ شبهة وقيل هم المشركين وقيل هم المنافقون في المدينة والعطفُ لتغايُر الوصفين كما في قوله ... يا لَهفَ زيّابةَ للحارثِ الصابحِ فالغانم فالآديب ... غَرَّ هَؤُلاء يعنون المؤمنين
﴿دِينَهُمُ﴾ حتى تعرّضوا لما لا طاقةَ لهم به فخرجوا وهم ثلثُمائةٍ وبضعةَ عشرَ إلى زُهاء ألف
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ جوابٌ لهم من جهتِه تعالى وردٌّ لمقالتهم
﴿فَإِنَّ الله عَزِيزٌ﴾ غالبٌ لا يذِلُّ من توكل
стр. 2081
عليه واستجار به وإن قلَّ
﴿حَكِيمٌ﴾ يفعل بحكمته البالغةِ ما تستبعده العقولُ وتحار في فهمه ألبابُ الفحول وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالة المذكور عليه
سورة الأنفال من الآيات (٥٠ ٥٢)
стр. 2082
﴿وَلَوْ تَرَى﴾ أي ولو رأيتَ فإن لو الامتناعيةَ تردّ المضارعَ ماضياً كما أن إنْ تردّ الماضيَ مضارعاً والخطابُ إمَّا لرسولِ الله ﷺ أو لكل أحد ممن له حظٌّ من الخطاب وقد مرَّ تحقيقُه في قوله تعالى وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار وكلمةُ إذ في قوله تعالى
﴿إِذْ يَتَوَفَّى الذين كفروا الملائكة﴾ ظرفٌ لترى والمفعولُ محذوفٌ أي ولو ترى الكفرةَ أو حالَ الكفرةِ حين يتوفاهم الملائكةُ ببدر وتقديمُ المفعولِ للاهتمام به وقيل الفاعلُ ضميرٌ عائدٌ إلى الله والملائكةُ مبتدأٌ وقوله تعالى
﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ خبرُه والجملةُ حالُ من الموصول قد استُغني فيها بالضَّميرِ عن الواوِ وهو على الأول حالٌ منه أو من الملائكة أو منهما لاشتماله على ضميريهما
﴿وأدبارهم﴾ أي وأستاهَهم أو ما أَقبل منهم وما أَدبر من الأعضاء
﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق﴾ على إرادة القولِ معطوفاً على يضربون أو حالاً من فاعلهِ أي ويقولون أو قائلين ذوقوا بشارةً لهم بعذاب الآخرة وقيل كانت معهم مقامِعُ من حديد كلما ضَربوا التهبت النارُ منها وجوابُ لو محذوفٌ للإيذان بخروجه عن حدود البيانِ أي لرأيتَ أمراً فظيعاً لا يكاد يوصف
стр. 2083
﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما ذكر من الضرب والعذابِ وما فيه من معنى البُعد للإشعار بكونهما في الغايةِ القاصيةِ من الهَولِ والفظاعةِ وهو مبتدأٌ خبرُه
﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي ذلك الضرب والعذاب واقعٌ بسبب ما كسبتم من الكفر والمعاصي ومحلُّ أنَّ في قوله
﴿وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ﴾ الرفعُ على أنَّه خبر مبتدأ محذوفٍ أي والأمرُ أنَّه تعالى ليس بمعذِّب لعبيدِه بغيرِ ذنبٍ منْ قِبلهم والتعبيرُ عن ذلك بنفيِ الظلمِ معَ أنَّ تعذيبَهم بغيرِ ذنبٍ ليس بظُلمٍ قطعاً على ما تقرر من قاعدةِ أهلِ السُنَّةِ فضلاً عن كونِه ظُلماً بالغاً قد مر تحقيقُه في سورة آلِ عمرانَ والجملُة اعتراضٌ تذييليٌّ مقرر لمضمون ما قبلها وأمَّا ما قيلَ من أنها معطوفةْ على ما للدِلالة على أن سببيته مقيدةٌ بانضمامه إليه إذ لولاه لأمكن أن يعذبَهم بغير ذنوبهم فليس بسديد لما أن إمكانَ تعذيبِه تعالى لعبيده بغير ذنبٍ بل وقوعُه لا ينافي كونَ تعذيبِ هؤلاء الكفرةِ المعينة بسبب ذنوبِهم حتى يُحتاجَ إلى اعتبار عدمِه معه نعم لو كان المدعى كونَ جميعَ تعذيباتِه تعالى بسبب ذنوب المعذبين لاحتيج إلى ذلك
стр. 2084
﴿كدأب آل فِرْعَوْنَ﴾ في محلِ الرفعِ على أنه خبر مبتدأ محذوف والجملة استئناف مَسوقٌ لبيان أن ما حلَّ بهم من العذاب بسبب كفرِهم لا بشيء آخرَ من جهة غيرِهم بتشبيه حالهم بحال
стр. 2085
المعروفين بالإهلاك بسبب جرائمِهم لزيادة تقبيحِ حالِهم وللتنبيه على أن ذلك سنةٌ مطردةٌ فيما بين الأمم المهلَكةِ أي شأنُهم الذي استمروا عليه مما فعلوا وفُعل بهم من الأخذ كدأب آل فرعونَ المشهورين بقباحة الأعمالِ وفظاعةِ العذابِ والنكال
﴿والذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي من قبل آلِ فرعونَ من الأمم التي فعلوا من المعاصي ما فعلوا ولقُوا من العقاب ما لقُوا كقومِ نوحٍ وعادٍ وأضرابِهم من أهل الكفر والعِناد وقولُه تعالى
﴿كَفَرُواْ بآيات الله﴾ تفسيرٌ لدأبهم الذي فعلوه لا لدأب آلِ فرعونَ ونحوِهم كما قيل فإن ذلك معلومٌ منه بقضية التشبيهِ وقوله تعالى
﴿فَأَخَذَهُمُ الله﴾ تفسيرٌ لدأبهم الذي فُعل بهم والفاء لبيان كونِه من لوازم جناياتِهم وتبعاتِها المتفرِّعةِ عليها وقوله تعالى
﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ لتأكيد ما أفاده الفاءُ من السببية مع الإشارةِ إلى أن لهم مع كفرهم ذنوباً أُخَرَ لها دخلٌ في استتباع العقابِ ويجوز أن يكون المرادُ بذنوبهم معاصيَهم المتفرِّعةَ على كفرهم فتكونُ الباءُ للملابسة أي فأخذهم ملتبسين بذنوبهم غيرَ تائبين عنها فدأبُهم مجموعُ ما فعلوا وفُعل بهم لا ما فعلوه فقط كما قيل قال ابن عباس ﵄ إن آلَ فرعون أيقنوا أن موسى ﵇ نبيُّ الله فكذّبوه كذلك هؤلاء جاء محمدٍ ﷺ بالصدق فكذبوه فأنزل الله تعالى بهم عقوبتَه كما أنزل بآل فرعونَ وجعلُ العذابِ من جملة وأبهم مع أنه ليس مما يُتصوَّر مداومتُهم عليه واعتيادُهم إياه كما هو المعتبرُ في مدلول الدأبِ إما لتغليب ما فعلوه على ما فُعل بهم أو لتنزيل مداومتِهم على ما يوجبُه من الكفرِ والمعاصِي منزلةَ مداومتِهم عليه لما بينهما من الملابسة التامةِ وقوله تعالى
﴿إِنَّ الله قَوِىٌّ شَدِيدُ العقاب﴾ اعتراضٌ مقررٌ لمضمونِ ما قبله من الأخذ وقوله تعالى
سورة الأنفال آية ٥٣
стр. 2086
﴿ذلك﴾ الخ استئنافٌ مَسوقٌ لتعليلِ ما يفيد النظمُ الكريمُ من كون ما حلَّ بهم من العذاب منوطاً بأعمالهم السيئةِ غيرَ واقعٍ بلا سابقةِ ما يقتضيه وهو المشارُ إليه لا نفسُ ما حلَّ بهم من العذاب والانتقام كما قيل فإنه مع كونه معللاً بما ذُكر من كفرهم وذنوبِهم لا يتصور تعليلُه بجريان عادتِه تعالى على عدم تغييرِ نعمتِه على قوم قبل تغييرِهم لحالهم وتوهُّمِ أن السببَ ليس ما ذُكر كما هو منطوقُ النظم الكريم بل ما يستفاد من مفهوم الغايةِ من جريان عادتِه تعالى على تغيير نعمتِهم عند تغييرِ حالِهم بناءً على تخيل أن المعلِّلَ ترتبَ عقابِهم على كفرهم من غير تخلُّف عنه ركوبٌ شططٌ هائل وإبعادٌ عن الحق بمراحلَ وتهوينٌ لأمر الكفر بآيات الله وإسقاطٌ له عن رتبة إيجابِ العقاب في مقام تهويله والتحذيرِ منه فالمعنى ذلك أي ترتبُ العقاب على أعمالهم السيئة دون أن يقع ابتداءً مع قدرتِه تعالى على ذلك
﴿بِأَنَّ الله﴾ أي بسببِ أنَّه تعالى
﴿لَمْ يَكُ﴾ في حد ذاتِه
﴿مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا﴾ أي لم ينْبغِ له سبحانه ولم يصِحَّ في حكمته أن يكون بحيث يغير نعمةً أنعم بها
﴿على قَوْمٍ﴾ من الأقوام أيَّ نعمةٍ كانت جلّت أو هانت
﴿حتى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ من الأعمال والأحوال التي كانوا عليها وقت ملابستِهم بالنعمة ويتصفوا بها ينافيها سواءٌ كانت أحوالُهم السابقةُ مرضيةً صالحة أو قريبةً من
стр. 2087
الصلاحِ بالنسبة إلى الحادثة كدأب هؤلاءِ الكفرةِ حيث كانوا قبل البعثةِ كفَرةً عبدةَ أصنامٍ مستمرِّين على حالة مصحِّحة لإفاضة نعمةِ الإمهال وسائر النعمِ الدنيوية عليهم فلما بُعث إليهم النبيِّ ﷺ بالبينات غيّروها إلى أسوأَ منها وأسخطَ حيث كذبوه ﷺ وعادوه ومن تبِعه من المؤمنين وتحزّبوا عليهم يبغونهم الغوائلَ فغيّر الله تعالى ما أنعم به عليهم من نعمة الإمهالِ وعاجلَهم بالعذاب والنَّكال وأصلُ يكُ يكن فحذُفت النونُ تخفيفاً لشبهها بالحروف اللينة
﴿وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ عطفٌ على أنَّ الله الخ داخلٌ معه في حيزِ التعليل أي وبسبب أنه تعالى سميع عليم يسمع ويعلم جميعَ ما يأتون وما يذرون من الأقوال والأفعالِ السابقةِ واللاحقة فيرتب على كلَ منها ما يليق بها من إبقاء النعمة وتغييرها وقرئ وإن الله بكسر الهمزةِ فالجملةُ حينئذٍ استئنافٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبلها وقوله تعالى
سورة الأنفال من الآية (٥٤)
стр. 2088
﴿كدأب آلِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ في محل النصب على أنَّه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أي حتى يغيروا ما بأنفسهم تغييراً كائناً كدأبِ آلِ فرعونَ أي كتغييرهم على أن دأبهَم عبارةٌ عما فعلوه فقط كما هو الأنسبُ بمفهوم الدأبِ وقوله تعالى
﴿كَذَّبُواْ بآيات ربهم﴾ تفسير له بتمهامه وقوله تعالى
﴿فأهلكناهم﴾ إخبارٌ بترتب العقوبةِ عليه لا أنه من تمام تفسيرِه ولا ضيرَ في توسط قوله تعالى وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ بينهما كما مر نظيرُه في سورة آل عمرانَ حيث جوّزوا انتصابَ محلِّ الكافِ بلن تغنيَ مع ما بينهما من قوله تعالى وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النار وهذا على تقدير عطفِ الجملةِ على ما قبلَها وأما على تقدير كونِها اعتراضاً فلا غبارَ في توسطها قطعاً وقيل في محلِ الرفعِ على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ كما قبله فالجملة حينئذٍ استئنافٌ آخَرُ مسوق لتقرير ما سيق له الاستئنافُ الأول بتشبيه دأبِهم بدأب المذكورين لكنْ لا بطريقِ التكريرِ المحضِ بل بتغيير العُنوانِ وجعل الدأبِ في الجانبين عبارةً عما يلازم معناه الأول من تغيير الحالِ وتغييرِ النعمة أخذاً مما نطق به قوله تعالى ذلك بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً الآية أي دأبُ هؤلاء وشأنُهم الذي هو عبارةٌ عن التغييرَيْن المذكورين كدأب أولئِك حيث غيّروا حالهم فغير الله تعالى نعمتَه عليهم فقوله تعالى كَذَّبُواْ بآيات رَبّهِمْ تفسير لدأبهم الذي فعلوه من تغييرهم لحالهم وقوله تعالى فأهكناهم تفسيرٌ لدأبهم الذي فُعل بهم من تغييره تعالى ما بهم من نعمته وأما دأبُ قريشٍ فمستفادٌ منه بحكم التشبيهِ فللَّه درُّ شأنِ التَّنزيلِ حيث اكتَفى في كل من التشبيهين بتفسير أحدِ الطرفين وإضافة الآياتِ إلى الرب المضافِ إلى ضميرهم لزيادة تقبيحِ ما فعلوا بها من التكذيب والالتفاتُ إلى نونِ العظمةِ في أهلكنا جريا على سَنن الكبرياءِ لتهويل الخطبِ والكلامُ في الفاء وفي قوله تعالى
﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ كالذي مر وعطفُ قوله تعالى
﴿وأغرقنا آل فرعون﴾ على أهلكنا مع اندراجه تحته للإيذان بكمال هولِ الإغراقِ وفظاعتِه كعطف جبريلَ ﵇ على الملائكة
﴿وَكُلٌّ﴾ أي وكلٌّ من الفِرَق المذكورين أو كلٌّ من هؤلاء وأولئك أو كلٌّ من غرقى القِبط وقتلى قريشٍ
﴿كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ أي أنفسَهم بالكفر والمعاصي حيث عرَّضوها للهلاك
стр. 2089
أو واضعين للكفر والتكذيب مكانَ الإيمانِ والتصديق ولذلك أصابهم ما أصابهم
سورة الأنفال من الآيات (٥٥ ٥٧)
стр. 2090
﴿إِنَّ شَرَّ الدواب﴾ بعد ما شرَح أحوال المهلَكين من شرار الكَفَرة شرَع في بيان أحوالِ الباقين منهم وتفصيلِ أحكامِهم وقوله تعالى
﴿عَندَ الله﴾ أي في حكمه وقضائه
﴿الذين كَفَرُواْ﴾ أي أصروا على الكفر ولجّوا فيه جُعلوا شرَّ الدوابِّ لا شرَّ الناسِ إيماءً إلى أنهم بمعزل من مجانستهم وإنما هم من جنس الدوابِّ ومع ذلك شرٌّ من جميع أفرادِها حسبما نطقَ به قوله تعالى إِنْ هُمْ إِلَاّ كالأنعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ وقولُه تعالى
﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ حكمٌ مترتبٌ على تماديهم في الكفر ورسوخِهم فيه وتسجيلٌ عليهم بكونهم من أصل الطبع لا يَلْويهم صارفٌ ولا يثنيهم عاطفٌ أصلا جيء به على وجه الاعتراضِ لا أنه عطفٌ على كفروا داخلٌ معه في حيزِ الصلةِ التي لا حكم فيها بالفعل وقوله تعالى
стр. 2091
﴿الذين عاهدت مِنْهُمْ﴾ بدلٌ من الموصولِ الأولِ أو عطف بيان له أو نصبٌ على الذم أي عاهدتَهم ومِنْ للإيذان بأن المعاهدَة التي هي عبارةٌ عن إعطاء العهدِ وأخذه من الجانبين معتبرة ههنا من حيث أخذه ﷺ عهدَهم إذ هو المناطُ لقباحة مانعي عليهم من النقض لا إعطاؤه ﷺ إياهم عهدَه كأنه قيل الذين أخذت منهم عهدَهم وقيل هي للتبعيض لأن المباشِرَ بالذات للعهد بعضُهم لا كلُّهم
﴿ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ عطفٌ على عاهدتَ داخل معه في حكم الصلةِ وصيغةُ الاستقبالِ للدِلالة على تجدّد النقضِ وتعدُّدِه وكونِهم على نيته في كل حالٍ أي ينقضون عهدَهم الذي أخذتَه منهم
﴿فِي كُلّ مَرَّةٍ﴾ أي من مرات المعاهدةِ إذ هي التي يُتوقعُ فيها عدمُ النقضِ ويُستقبح وجودُه لا من مرات المحاربة كما قيلَ إذْ لا يتوقع فيها عدم النقض بل لا يُتصور أصلاً حتى يُستقبَح فيها وجودُه لكونها مَظِنةً لعدمه فلا فائدةَ في تقييد النقضِ بالوقوع في كل مرةٍ من مراتها بل لا صِحةَ له قطعاً لأن النقضَ لا يتحقق إلا في المرة الواردةِ على المعاهدة لا في المرات الواقعةِ بعدها بلا معاهدة ولئن سلم أن المرادَ هي المراتُ الواقعةُ إثرَ المعاهدةِ يبقى النقضُ الواقعُ بلا محاربةٍ كبيع السلاحِ ونحوه خارجاً من البيان ولئن عُدّ ذلك من المحاربة فلا محيصَ من لزوم خلوِّ الكلامِ عن الفائدة بالمرة لأن المحاربةَ بهذا المعنى عينُ النقضِ فيؤولُ الأمرُ إلى أن يقال ينقضون عهدَهم في كل مرة من مرات النقض وحملُ المحاربةِ على محاربة غيرهِم ليكونَ المعنى ينقضون عهدَهم في كل مرة من مرات محاربة الأعداءِ مع كونِه في غايةِ البُعد والركاكة يستلزِمُ خروجَ بدئِهم بالنقض من البيان
﴿وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ حالٌ من فاعل ينقضون أي يستمرون على النقض والحالُ أنهم لا يتقون سُبّةَ الغدرِ ولا يبالون بما فيه من العار والنار وقوله تعالى
стр. 2092
﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ شروعٌ في بيان أحكامِهم بعد تفصيلِ أحوالِهم والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي فإذا كان حالُهم كما ذكر فإمّا تصادِفَنَّهم وتظفَرَنَّ
стр. 2093
بهم ﴿فِى الحرب﴾ أي في تضاعيفها
﴿فَشَرّدْ بِهِم﴾ أي ففرِّقْ عن مناصبتك تفريقاً عنيفاً موجباً للاضطرار والاضطراب ونكِّلْ عنها بأن تفعل بهم من النِكاية والتعذيبِ ما يوجب أن تُنَكّل
﴿مّنْ خَلْفِهِمْ﴾ أي مَنْ وراءَهم من الكفرة وفيه إيماءٌ إلى أنهم بصدد الحرب قريب من هؤلاء وقرئ شرِّذْ بالذال المعجمةِ ولعله مقلوبُ شذِّر بمعنى فرق وقرئ مِنْ خلفِهم أي افعلِ التشريدَ من ورائهم والمعنى واحدٌ لأن إيقاعَ التشريد في الوراء لا يتحقّقُ إلا بتشريد مَنْ وراءَهم
﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ يتعظون بما شاهدوا مما ينزيل بالناقضِين فيرتدعوا عن النقض أو عن الكفر وقوله تعالى
سورة الأنفال من الآيات (٥٨ ٥٩)
стр. 2094
﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ بيانٌ لأحكام المشرِفين إلى نقض العهدِ إثرَ بيانِ أحكامِ الناقضين له بالفعل والخوفُ مستعارٌ للعلم أي وإما تعلَمنَّ من ٢ قوم من المعاهِدين نقضَ عهدٍ فيما سيأتي بما لاح لك منهم من دلائلِ الغدرِ ومخايلِ الشر
﴿فانبذ إِلَيْهِمْ﴾ أي فاطرَح إليهم عهدَهم
﴿على سَوَاء﴾ على طريق مستوٍ قَصْدٍ بأن تظهر لهم النقض وتُخبِرَهم إخباراً مكشوفاً بأنك قد قطعتَ ما بينك وبينهم من الوصلة ولا تناجِزْهم الحربَ وهم على توهم بقاءِ العهدِ كيلا يكونَ من قِبَلك شائبةُ خيانةٍ أصلا فالجارُّ متعلقٌ بمحذوف هو حال من النابذ أي فانِبذْ إليهم ثابتاً على سواءٍ وقيل على استواءٍ في العلم بنقض العهدِ بحيث يستوى فيه أقصاهم وأدناهم أو تستوى فيه أنت وهم فهو على الأولِ حالٌ من المنبوذ إليهم وعلى الثاني من الجانبين
﴿إِنَّ الله لَا يُحِبُّ الخائنين﴾ تعليلٌ للأمر بالنبذ إما باعتبار استلزامِه للنهي عن المناجزة التي هي خيانةٌ فيكونُ تحذيراً لرسول الله ﷺ منها وإما باعتبار استتباعِه للقتال بالآخرة فيكونُ حثاً له ﷺ على النبذ أولاً وعلى قتالهم ثانياً كأنه قيل وإما تعلَمنَّ من قوم خيانةً فانبذْ إليهم ثم قاتِلْهم إِنَّ الله لَا يُحِبُّ الخائنين وهم من جملتهم لما علمت من حالهم
стр. 2095
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ أي أنفسَهم فحُذف للتكرار وقوله تعالى
﴿سَبَقُواْ﴾ أي فاتوا وأفلتوا من أن يُظفَرَ بهم مفعولٌ ثانٍ ليحسبن والمرادُ إقناطُهم من الخلاص وقطعِ أطماعهمَ الفارغةِ من الانتفاعِ بالنبذ والاقتصارِ على دفع هذا التوهمِ مع أن مقاومةَ المؤمنين بل الغلبةَ عليهم أيضاً مما تتعلق به أمانيهم الباطلةُ للتنبيه على أن ذلك ممَّا لا يحومُ حوله وهمُهم وحُسبانُهم وإنما الذي يمكن أن يدورَ في خلدهم حسبانُ المناصِ فقط وقيل الفعلُ مسندٌ إلى أحد أو إلى مَنْ خلفهم والمفعولُ الأولُ الموصولُ المتناولُ لهم أيضاً وقيل هو الفاعلُ وأنْ محذوفةٌ مِنْ سبقوا وهيَ مع ما في حيزها سادةٌ مسدَّ المفعولين والتقديرُ وَلَا يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أنْ سبقوا ويعضُده قراءةُ مَن قرأَ أنهم سبقوا ونظيرُه في الحذف قولُه تعالى ومن آياتِه يُرِيكُمُ البرق خَوْفاً وقولُه تعالى أغير الله تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ الآية قاله الزجاج وقرئ بالتاء على خطاب رسولِ الله ﷺ وهي قراءة واضحة وقرئ ولا تحسب الذين بكسر الباء وبقتحها على حذف النون الخفيفة وقوله تعالى
﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ أي لا يفوتون ولا يجدون طالبَهم عاجزاً عن إدراكهم تعليلٌ للنهي على طريقة الاستئناف وقرئ بفتح الهمزة عَلى
стр. 2096
حذف لام التعليلِ وقيل الفعلُ واقعٌ عليه ولا زائدةٌ وسبَقوا حالٌ بمعنى سابقين أي مُفْلتين هاربين وهذا على قراءة الخطاب لإزاحة ما عسى يُحذر من عاقبة النبذِ لِما أنه إيقاظٌ للعدو وتمكينٌ لهم من الهرب والخلاصِ من أيدي المؤمنين وفيه نفيٌ لقدرتهم على المقاومة والمقابلة على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه كما أشير إليه وقيل نزلت فيمن أفلت من فَلِّ المشركين وقرئ لا يعجزونِ بكسر النون ولا يعجزون بالتشديد
سورة الأنفال آيات (٦٠ ٦١)
стр. 2097
﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ﴾ توجيهُ الخطاب إلى كافة المؤمنين لما أن المأمورَ به من وظائف الكلِّ كما أن توجيهَه فيما سبقَ وما لحِق إلى رسول الله ﷺ لكون ما في حيِّزِه من وظائفه ﷺ أي أعِدّوا لقتال الذين نُبذ إليهم العهدُ وهيِّئوا لحِرابهم أو لقتال الكفار على الإطلاق وهو الأنسبُ بسياقِ النظمِ الكريم
﴿مَّا استطعتم مّن قُوَّةٍ﴾ من كل ما يُتقوَّى به في الحرب كائناً ما كان وعن عقبةَ بن عامر ﵁ سمعته ﷺ يقول على المنبر ألا إن القوةَ الرميُ قالها ثلاثا ولعل تخصيصه ﷺ إياه بالذكر لإنافته على نظائره من القُوى
﴿وَمِن رّبَاطِ الخيل﴾ الرباطُ اسمٌ للخيل التي ترُبط في سبيلِ الله تعالى فِعال بمعنى مفعول أو مصدرٌ سميت هي به يقال رَبَط ربطاً ورِباطاً ورابط مُرابطة ورِباطاً أو جمعُ رَبيطٍ كفصيل وفصال أو جمع رَبْطٍ ككعْبٍ وكَعاب وكلب وكلاب وقرئ رُبُط الخيل بضم الباء وسكونها جمع رباط وعطفُها على القوة مع كونها من جملتها للإيذان بفضلها على بقية أفرادِها كعطف جبريلَ وميكائيلَ على الملائكة
﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾ أي تخوّفون وقرئ ترهبون بالتشديد وقرئ تُخزون به والضميرُ لما استطعتم أو للإعداد وهو الأنسبُ ومحلُ الجملةِ النصبُ على الحالية من فاعل أعدوا أي أعدوا مرهِبين به أو منَ الموصولِ أو مِنْ عائده المحذوفِ أي أعدوا ما استطعتموه مُرهَباً بِهِ
﴿عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ﴾ وهم كفارُ مكة خُصّوا بذلك من بين الكفار مع كون الكلِّ كذلك لغاية عتوِّهم ومجاوزتِهم الحدَّ في العداوة
﴿وآخرين من دونهم﴾ من غيرهم من الكفرة وقيل هم اليهودُ وقيل المنافقون وقيل الفرسُ
﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ أي لا تعرفونهم بأعيانهم أو لا تعلمونهم كما هم عليه من العداوة وهو الأنسبُ بقولِه تعالى
﴿الله يَعْلَمُهُمْ﴾ أي لا غيره فإن أعيانهم معلومة لغيره تعالى أيضاً
﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْء﴾ لإعداد العَتادِ قل أوجل
﴿فِى سَبِيلِ الله﴾ الذي أوضحه الجهاد
﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ أي جزاؤه كاملاً
﴿وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ بترك الإثابة أو بنقض الثوابِ والتعبيرُ عن تركها بالظلم مع أن الأعمالَ غيرُ موجبةٍ للثواب حتى يكون تركُ ترتيبِه عليها ظلماً لبيان كمالِ نزاهتِه سبحانه عنْ ذلكَ بتصويرِه بصورةِ ما يستحيلُ صدورُه عنْهُ تعالى من القبائح وإبرازِ الإثابةِ في معرِض الأمورِ الواجبةِ عليه تعالى كما مرَّ في تفسيرِ قولِه تعالى فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنّى لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ
стр. 2098
﴿وَإِن جَنَحُواْ﴾ الجُنوحُ الميلُ ومنه الجنَاح ويعدّى باللام وبإلى أي إن مالوا
﴿لِلسَّلْمِ﴾ أي للصلح بوقوع الرهبةِ في قلوبهم بمشاهدة ما بكم من الاستعدادِ وإعناد العتاد
﴿فاجنح لَهَا﴾
стр. 2099
أي للسلم والتأنيثُ لحمله على نقيضه قال ... السِّلمُ تأخذ منها أرضيت به ... والحربُ يكفيكَ من أنفاسها جرع ...
وقرئ فاجنُحْ بضم النون
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ ولا تخَفْ أن يُظهروا لك السلمَ وجوانحُهم مطويةٌ على المكر والكيد
﴿أَنَّهُ﴾ تعالى
﴿هُوَ السميع﴾ فيسمع ما يقولون في خلواتهم من مقالات الخِداع
﴿العليم﴾ فيعلم نياتِهم فيؤاخذهم بما يستحقونه ويردُّ كيدَهم في نحرهم والآيةُ خاصّةٌ باليهود وقيل عامة نسختها آية السيف
سورة الأنفال آيات (٦٢ ٦٤)
стр. 2100
﴿وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ﴾ بإظهار السلم وإبطالِ الحراب
﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ الله﴾ أي فاعلم بأن محسبك الله من شرورهم وناصرُك عليهم
﴿هُوَ الذى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ تعليلٌ لكفايته تعالى إياه ﷺ بطريق الاستئنافِ فإن تأييدَه تعالى إياه ﷺ فيما سلف على ما ذكر من الوجه البعيدِ من الوقوع من دلائل تأييدِه تعالى فيما سيأتي أي هو الذي أيدك بإمداد مِنْ عنده بلا واسطة كقوله تعالى ﴿وَمَا النصر إِلَاّ مِنْ عِندِ الله﴾ أو بالملائكة مع خَرقه للعادات
﴿وبالمؤمنين﴾ من المهاجرين والأنصار
стр. 2101
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ مع ما كان بينهم قبل ذلك من العصبية والضغينة والتهالُك على الانتقام بحيث لا يكاد يأتلف فيهم قلبان حتى صاروا بتوفيقه تعالى كنفس واحدة وهذا من أبهر معجزاته ﷺ
﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الارض جَمِيعاً﴾ أي لتأليف ما بينهم
﴿مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ استئنافٌ مقررٌ لما قبله ومبين لعزة المطلبِ وصعوبةِ المأخذ أي تناهي التعادي فيما بينهم إلى حد لو أنفقٌ منفقٌ في إصلاح ذاتِ البين جميعَ ما فى الأرض من الأموال والذخائر لم يقدِرْ على التأليف والإصلاحِ وذكرُ القلوب للإشعار بأن التأليف بينها الا يتسنى وإن أمكن التأليفُ ظاهراً
﴿ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ قلباً وقالَباً بقدرته الباهرة
﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ﴾ كاملُ القدرةِ والغلبة لا يستعصي عليه شيءٌ مما يريده
﴿حَكِيمٌ﴾ يعلم كيفيةَ تسخيرِ ما يريده وقيل الآيةُ في الأوس والخزرج كان بينهم إِحَنٌ لا أمدَ لها ووقائعُ أفنت ساداتِهم وأعاظِمَهم ودقت أعناقَهم وجماجمَهم فأنسى الله جميع ذلك وألف بينهم بالإسلام حتى تصافَوا وأصبحوا يرمون عن قوس واحدة وصاروا أنصارا
стр. 2102
﴿يا أيها النبى﴾ شروعٌ في بيانِ كفايته تعالى إياه ﷺ في جميع أموره وأمور المؤمنين أو في الأمور الواقعة بينهم وبين الكفرة كافة إثر بيان كفايتِه تعالى إياه ﷺ في مادة خاصةٍ وتصديرُ الجملة بحر في النداءِ والتنبيهِ للتنبيه على مزيد الاعتناءِ بمضمونها وإيرادهُ ﷺ بعنوان النبوة للإشعار بعليتها للحكم
﴿حَسْبَكَ الله﴾ أي كافيك في جميع أمورِك أو فيما بينك وبين الكفرة من الحِراب
﴿وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين﴾ في محل النصب على أنه مفعولٌ معه أي كفاك وكفي أتباعَك الله ناصراً كما في
стр. 2103
قول من قال ... فحسبُك والضحّاكَ عضْبٌ مهندُ ...
وقيل في موضع الجر عطفاً على الضمير كما هو رأيُ الكوفيِّينَ أي كافيك وكافيهم أو في محل الرفعِ عطفاً على اسم الله تعالى أي كفاك الله والمؤمنين والآيةُ نزلت في البيداء في غزوة بدرٍ قبل القتالِ وقيل أسلم مع النبيِّ ﷺ ثلاثةٌ وثلاثون رجلاً وستُّ نسوةٍ ثم أسلم عمرُ ﵁ فنزلت ولذلك قال ابن عباس ﵄ نزلت في إسلام عمر ﵁
سورة الأنفال من الآية (٦٥)
стр. 2104
﴿يا أيها النبي﴾ بعدما بين كفايتَه إياهم بالنصر والإمداد أمر ﷺ بترتيب مبادي نصرِه وإمدادِه وتكريرُ الخطاب على الوجه المذكور لإظهار كمالِ الاعتناءِ بشأن المأمور به
﴿حَرّضِ المؤمنين عَلَى القتال﴾ أي بالِغْ في حثّهم عليه وترغيبِهم فيه بكل ما أمكن من الأمور المرغّبة التي أعظمُها تذكيرُ وعدِه تعالى بالنصر وحُكمُه بكفايته تعالى أو بكفايتهم وأصلُ التحريضِ الحَرَضُ وهو أن ينهكه المرضُ حتى يُشفيَ على الموت وقال الراغبُ كأنه في الأصل إزالةُ الحَرَض وهو ما لا خيرَ فيه ولا يعتد به قلت فالأوجهُ حينئذ أن يُجعل الحرَضُ عبارةً عن ضعف القلب الذي هو من باب نَهْكِ المرض وقيل معنى تحريضِهم تسميتُهم حرضاً بأن يقال إني أراك في هذا الأمر حَرَضاً أي محرّضاً فيه لتهيجه إلى الإقدام وقرئ حرِّص بالصاد المهملة وهو واضح
﴿إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ﴾ وعدٌ كريمٌ منه تعالى بتغليب كلِّ جماعةٍ من المؤمنين على عشرة أمثالِهم بطريق الاستئنافِ بعد الأمر بتحريضهم وقوله تعالى
﴿وَإِن يَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا﴾ مع انفهام مضمونِه مما قبله لكون كل منهما عدةً بتأييد الواحدِ على العشرة لزيادة التقريرِ المفيدةِ لزيادة الاطمئنان على أنه قد يجري بين الجمعين القليلين ما لا يجري بين الجمعين الكثيرين مع أن التفاوتَ فيما بين كلَ من الجمعين القليلين والكثيرين على نسبة واحدة فبيّن أن ذلك لا يتفاوت في الصورتين وقوله تعالى
﴿مِنَ الذين كَفَرُواْ﴾ بيانٌ للألف وهذا القيدُ معتبرٌ في المِائتين أيضاً وقد تُرك ذكرُه تعويلاً على ذكره ههنا كما ترك قيدُ الصبر ههنا مع كونه معتبراً حتماً ثقةً بذكره هناك
﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَاّ يَفْقَهُونَ﴾ متعلق بيغلبوا أي بسبب أنهم قومُ جَهلةٌ بالله تعالى وباليوم الآخر لا يقاتلون احتساباً وامتثالاً بأمر الله تعالى وإعلاءً لكلمته وابتغاءً لرضوانه كما يفعله المؤمنون وإنما يقاتلون للحمية الجاهليةِ واتّباعِ خطواتِ الشيطانِ وإثارةِ ثائرةِ البغي والعُدوانِ فلا يستحقون إلا القهرَ والخِذلانَ وأما ما قيل من أن مَنْ لا يؤمن بالله واليوم الآخِر لا يؤمن بالميعاد فالسعادةُ عنده ليست إلا هذه الحياة الدنيوية فيشِحّ بها ولا يعرِّضها للزوال بمزاولة الحروبِ واقتحامِ مواردِ الخطوبِ فيميل إلى ما فيه السلامةُ فيفِر فيُغلب وأما من اعتقد أن لا سعادةَ في هذه الحياة الفانية وإنما السعادةُ هي الحياةُ الباقية فلا يبال بهذه الحياةِ الدنيا ولا يقيم لها وزناً فيُقدم على الجهاد بقلب قوي وعزمٍ صحيحٍ فيقوم الواحدُ من مثله مقامُ الكثير فكلامٌ حقٌّ لكنه لا يلائم المقام
стр. 2105
سورة الأنفال من الآيات (٦٦ ٦٧)
следующие страницы →