Полный текст (8 642 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ مع ما كان بينهم قبل ذلك من العصبية والضغينة والتهالُك على الانتقام بحيث لا يكاد يأتلف فيهم قلبان حتى صاروا بتوفيقه تعالى كنفس واحدة وهذا من أبهر معجزاته ﷺ
﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الارض جَمِيعاً﴾ أي لتأليف ما بينهم
﴿مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ استئنافٌ مقررٌ لما قبله ومبين لعزة المطلبِ وصعوبةِ المأخذ أي تناهي التعادي فيما بينهم إلى حد لو أنفقٌ منفقٌ في إصلاح ذاتِ البين جميعَ ما فى الأرض من الأموال والذخائر لم يقدِرْ على التأليف والإصلاحِ وذكرُ القلوب للإشعار بأن التأليف بينها الا يتسنى وإن أمكن التأليفُ ظاهراً
﴿ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ قلباً وقالَباً بقدرته الباهرة
﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ﴾ كاملُ القدرةِ والغلبة لا يستعصي عليه شيءٌ مما يريده
﴿حَكِيمٌ﴾ يعلم كيفيةَ تسخيرِ ما يريده وقيل الآيةُ في الأوس والخزرج كان بينهم إِحَنٌ لا أمدَ لها ووقائعُ أفنت ساداتِهم وأعاظِمَهم ودقت أعناقَهم وجماجمَهم فأنسى الله جميع ذلك وألف بينهم بالإسلام حتى تصافَوا وأصبحوا يرمون عن قوس واحدة وصاروا أنصارا
стр. 2102
﴿يا أيها النبى﴾ شروعٌ في بيانِ كفايته تعالى إياه ﷺ في جميع أموره وأمور المؤمنين أو في الأمور الواقعة بينهم وبين الكفرة كافة إثر بيان كفايتِه تعالى إياه ﷺ في مادة خاصةٍ وتصديرُ الجملة بحر في النداءِ والتنبيهِ للتنبيه على مزيد الاعتناءِ بمضمونها وإيرادهُ ﷺ بعنوان النبوة للإشعار بعليتها للحكم
﴿حَسْبَكَ الله﴾ أي كافيك في جميع أمورِك أو فيما بينك وبين الكفرة من الحِراب
﴿وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين﴾ في محل النصب على أنه مفعولٌ معه أي كفاك وكفي أتباعَك الله ناصراً كما في
стр. 2103
قول من قال ... فحسبُك والضحّاكَ عضْبٌ مهندُ ...
وقيل في موضع الجر عطفاً على الضمير كما هو رأيُ الكوفيِّينَ أي كافيك وكافيهم أو في محل الرفعِ عطفاً على اسم الله تعالى أي كفاك الله والمؤمنين والآيةُ نزلت في البيداء في غزوة بدرٍ قبل القتالِ وقيل أسلم مع النبيِّ ﷺ ثلاثةٌ وثلاثون رجلاً وستُّ نسوةٍ ثم أسلم عمرُ ﵁ فنزلت ولذلك قال ابن عباس ﵄ نزلت في إسلام عمر ﵁
سورة الأنفال من الآية (٦٥)
стр. 2104
﴿يا أيها النبي﴾ بعدما بين كفايتَه إياهم بالنصر والإمداد أمر ﷺ بترتيب مبادي نصرِه وإمدادِه وتكريرُ الخطاب على الوجه المذكور لإظهار كمالِ الاعتناءِ بشأن المأمور به
﴿حَرّضِ المؤمنين عَلَى القتال﴾ أي بالِغْ في حثّهم عليه وترغيبِهم فيه بكل ما أمكن من الأمور المرغّبة التي أعظمُها تذكيرُ وعدِه تعالى بالنصر وحُكمُه بكفايته تعالى أو بكفايتهم وأصلُ التحريضِ الحَرَضُ وهو أن ينهكه المرضُ حتى يُشفيَ على الموت وقال الراغبُ كأنه في الأصل إزالةُ الحَرَض وهو ما لا خيرَ فيه ولا يعتد به قلت فالأوجهُ حينئذ أن يُجعل الحرَضُ عبارةً عن ضعف القلب الذي هو من باب نَهْكِ المرض وقيل معنى تحريضِهم تسميتُهم حرضاً بأن يقال إني أراك في هذا الأمر حَرَضاً أي محرّضاً فيه لتهيجه إلى الإقدام وقرئ حرِّص بالصاد المهملة وهو واضح
﴿إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ﴾ وعدٌ كريمٌ منه تعالى بتغليب كلِّ جماعةٍ من المؤمنين على عشرة أمثالِهم بطريق الاستئنافِ بعد الأمر بتحريضهم وقوله تعالى
﴿وَإِن يَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا﴾ مع انفهام مضمونِه مما قبله لكون كل منهما عدةً بتأييد الواحدِ على العشرة لزيادة التقريرِ المفيدةِ لزيادة الاطمئنان على أنه قد يجري بين الجمعين القليلين ما لا يجري بين الجمعين الكثيرين مع أن التفاوتَ فيما بين كلَ من الجمعين القليلين والكثيرين على نسبة واحدة فبيّن أن ذلك لا يتفاوت في الصورتين وقوله تعالى
﴿مِنَ الذين كَفَرُواْ﴾ بيانٌ للألف وهذا القيدُ معتبرٌ في المِائتين أيضاً وقد تُرك ذكرُه تعويلاً على ذكره ههنا كما ترك قيدُ الصبر ههنا مع كونه معتبراً حتماً ثقةً بذكره هناك
﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَاّ يَفْقَهُونَ﴾ متعلق بيغلبوا أي بسبب أنهم قومُ جَهلةٌ بالله تعالى وباليوم الآخر لا يقاتلون احتساباً وامتثالاً بأمر الله تعالى وإعلاءً لكلمته وابتغاءً لرضوانه كما يفعله المؤمنون وإنما يقاتلون للحمية الجاهليةِ واتّباعِ خطواتِ الشيطانِ وإثارةِ ثائرةِ البغي والعُدوانِ فلا يستحقون إلا القهرَ والخِذلانَ وأما ما قيل من أن مَنْ لا يؤمن بالله واليوم الآخِر لا يؤمن بالميعاد فالسعادةُ عنده ليست إلا هذه الحياة الدنيوية فيشِحّ بها ولا يعرِّضها للزوال بمزاولة الحروبِ واقتحامِ مواردِ الخطوبِ فيميل إلى ما فيه السلامةُ فيفِر فيُغلب وأما من اعتقد أن لا سعادةَ في هذه الحياة الفانية وإنما السعادةُ هي الحياةُ الباقية فلا يبال بهذه الحياةِ الدنيا ولا يقيم لها وزناً فيُقدم على الجهاد بقلب قوي وعزمٍ صحيحٍ فيقوم الواحدُ من مثله مقامُ الكثير فكلامٌ حقٌّ لكنه لا يلائم المقام
стр. 2105
سورة الأنفال من الآيات (٦٦ ٦٧)
стр. 2106
﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ لمّا كان الوعدُ السابقُ متضمناً لإيجاب مقاومةُ الواحد للعشرة وثباتُه لهم كما نُقلَ عن ابنِ جريج أنه كان عليهم أن لا يفِرّوا ويثبُتَ الواحدُ للعشرة وقد بعث رسول الله ﷺ حمزةَ في ثلاثين راكباً فلقى أبا جهل في ثلثمائة راكبٍ فهزمهم ثقُل عليهم ذلك وضجّوا منه بعد مدة فنُسخ وخُفف عنهم بمقاومة الواحدِ للاثنين وقيل كان فيهم قلةٌ في الابتداء ثم لما كثُروا نزل التخفيفُ والمرادُ بالضعف ضعفُ البدنِ وقيل ضعفُ البصيرةِ وكانوا متفاوتين في الاهتداء إلى القتال لا الضعفِ في الدين كما قيل وقرئ ضُعفاً بضم الضاد وهي لغةٌ فيه كالفَقر والفُقر والمَكْث والمُكث وقيل الضعفُ بالفتح ما في الرأي والعقل وبالضم ما في البدن وقرئ ضُعفاءَ جمعُ ضعيف والمرادُ بعلمه تعالى بضعفهم علمه تعالى به من حيث هو متحققٌ بالفعل لا علمُه تعالى به مطلقاً كيف لا وهو ثابتٌ في الأزل وقوله تعالى
﴿فَإِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ﴾ تفسيرٌ للتخفيف وبيان لكيفيته وقرئ تكن ههنا وفيما سبق بالتاء الفوقانية
﴿وَإِن يَكُن مّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ الله﴾ أي بتيسيره وتسهيلِه وهذا القيدُ معتبرٌ فيما سبق من غلبة المائةِ المائتين والألفِ وغلبة العشرين المائتين كما أن قيد الصبرِ معتبر ههنا وإنَّما تُرك ذكرُه ثقةً بما مر وبقوله تعالى
﴿والله مَعَ الصابرين﴾ فإنه اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله والمرادُ بالمعية معيَّةُ نصرِه وتأييدِه ولم يتعرض ههنا لحال الكفرةِ من الخذلان كما لم يتعرض هناك لحال المؤمنين مع أن مدارَ الغلبة في الصورتين مجموعُ الأمرين أعني نصرَ المؤمنين وخذلانَ الكفرةِ اكتفاء بما ذكر في كل مقامٍ عما ترك في المقام الآخر وما تشعرُ به كلمةُ مع من متبوعية مدخولِها لأصالتهم من حيث إنهم المباشرون للصبر كما مر مراراً
стр. 2107
﴿ما كان لنبي﴾ وقرئ للنبي على العهد والأولُ أبلغُ لما فيه من بيانِ أنَّ ما يذكر سنة مطردة فيما بين الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام أي ما صح وما استقام لنبيَ من الأنبياءِ ﵈
﴿أَن يَكُونَ له أسرى﴾ وقرئ بتأنيث الفعلِ وأُسارى أيضاً
﴿حتى يُثْخِنَ فِي الارض﴾ أي يُكثر القتلَ ويبالغَ فيه حتى يذل الكفرة ويقِلُ حزبُه ويعِزّ الإسلامُ ويستوليَ أهلُه من أثخنه المرَضُ والجُرحُ إذا أثقله وجعله بحيث لا حَراكَ به ولا براحَ وأصلُه الثخانة التي هي الغلط والكثافة وقرئ بالتشديد للمبالغة
﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا﴾ استئنافٌ مَسوقٌ للعتاب أي تريدون حطامها بأخذكم الفداء وقرئ يريدون بالياء
﴿والله يُرِيدُ الاخرة﴾ أي يريد لكم ثوابَ الآخرة الذي لا مقدار عندَهُ الدُّنيا وَمَا فِيْهَا أو يريد سببَ نيلِ الآخرة من إعزاز دينِه وقمعِ أعدائِه وقرئ بجر الآخرةِ على إضمار المضافِ كما في
стр. 2108
قوله ... أكل امرئ تحسبين أمرا ... ونارٍ تَوقَّدُ بالليل ناراً ...
﴿والله عَزِيزٌ﴾ يغلب أوليائه على أعدائه
﴿حَكِيمٌ﴾ يعلم ما يليق بكل حال ويخصه بها كما أمر بالإثخان ونهى عن أخذ الفداء حين كانت الشوْكةُ للمشركين وخيّر بينه وبين المنِّ بقوله تعالى فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء لما تحولت الحال وصارت الغلبةُ للمؤمنين
رُوِيَ أنَّ رسولَ الله ﷺ أُتيَ بسبعين أسيراً فيهم العباسُ وعقيل بنُ أبي طالب فاستشار فيهم فقال أبو بكر قومُك وأهلك استَبْقِهم لعل الله يتوب عليهم وخُذ منهم فديةً تقوِّي أصحابَك وقال عمر اضرب أعناقَهم فإنهم أئمةُ الكفر والله أغناك عن الفداء مكّنْ علياً من عقيلٍ وحمزةَ من العباس ومكني من فلان نسيبٍ له فلنضرِب أعناقَهم فقال ﷺ إن الله ليُلين قلوبَ رجالٍ حتى تكون ألين من اللين وإن الله ليشدد قلوبَ رجالٍ حتى تكون أشدَّ من الحجارة وإن مثلَك يا أبا بكر مثلُ إبراهيم قال فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ومثلُك يا عمرُ مثل نوحٍ قال ربِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأرض من الكافرين ديار فخيّر أصحابَه فأخذوا الفداء فنزلت فدخل عمر ﵁ على رسُولِ الله ﷺ فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقالَ يا رسولَ الله أخبرني فإن وجدت بكاءً بكَيْتُ وإلا تباكيتُ فقال أبكي على أصحابك في أخذهم الفداءَ ولقد عُرِضَ على عذابُهم أدنى من هذه الشجرةِ لشجرة قريبةِ منه وروى أنه ﷺ قال لو نزل عذابٌ من السماء لما نجا غيرُ عمرَ وسعدُ بنُ معاذ وكان هو أيضاً ممن أشار بالإثخان
سورة الأنفال من الآيات (٦٨ ٧٠)
стр. 2109
﴿لَّوْلَا كتاب مّنَ الله سَبَقَ﴾ أي لولا حكمٌ منه تعالى سبق إثباتُه في اللوح المحفوظِ وهو أن لا يعاقب المخطئ في اجتهاده أو أن لا يعذب أهلَ بدر أو قوماً لم يصرِّح لهم بالنهي وأما أن الفدية التي أخذوها ستحِل لهم فلا يصلح أن يعد من موانع مساسِ العذاب فإن الحِلَّ اللاحقَ لا يرفع حكمَ الحرمةِ السابقة كما أن الحرمةَ اللاحقة كما في كما في الخمر مثلالا ترفع حكمَ الإباحةِ السابقة على أنه قادحٌ في تهويل ما نُعي عليهم من أخذ الفداء
﴿لَمَسَّكُمْ﴾ أي لأصابكم
﴿فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ أي لأجل ما أخذتم من الفداء
﴿عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ لا يقادَرُ قدرُه
стр. 2110
﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ رُوي أنهم أمسكوا عن الغنائم فنزلت قالوا الفاءُ لترتيب ما بعدها على سبب محذوفٍ أي قد أبحت لكم الغنائم فكلوا مما غنمتم والأظهر أنها للعطفِ على مقدرٍ يقتضيهِ المقام أي دعوه فكلوا مما غنمتم وقيل ما عبارةٌ عن الفدية فإنها من جملة الغنائم ويأباه سباقُ النظمِ الكريمِ وسياقُه
﴿حلالا﴾ حال من المغنوم أو صفةٌ للمصدر أي أكلاً حلالاً وفائدتهُ الترغيبُ في أكلها وقوله تعالى
﴿طَيّباً﴾ صفةٌ لحلالاً مفيدةٌ لتأكيد الترغيبِ
﴿واتقوا الله﴾ أي في مخالفة أمرِه ونهيِه
﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فيغفرُ لكم ما فرَط منكُم من استباحة الفداءِ قبل ورود الإذنِ فيه ويرحمُكم ويتوبُ عليكم إذا اتقيتموه
стр. 2111
﴿يا أيها النبى قُل لّمَن فِى أَيْدِيكُم﴾ أي في مِلكتكم كأن أيديَكم قابضةٌ عليهم
﴿من الأسرى﴾
стр. 2112
سورة الأنفال من الآيات (٧١ ٧٢) وقرئ من الأُسارى
﴿إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً﴾ خلوصَ إيمانٍ وصحةَ نيةٍ
﴿يُؤْتِكُمْ خَيْراً مّمَّا أُخِذَ منكم﴾ من الفداء وقرئ أخَذَ على البناء للفاعل
رُوِيَ أنَّها نزلتْ في العباس كلفه رسولُ الله ﷺ أن يَفدِيَ ابني أخيه عَقيلَ بن أبي طالب ونوفل بن الحرث فقال يا محمد تركتَني أتكفف قريشاً ما بقِيتُ فقال له ﷺ فأين الذهبُ الذي دفعتَه إلى أم الفضلِ وقت خروجِك من مكة وقلت لها ما أدري ما يصيبني في وجهي هذا فإن حدث بي حدثٌ فهو لك ولعبد اللَّه وعبيد اللَّه والفضلِ فقال العباس ما يدريك فقال أخبرني به ربي قال العباس فأنا أشهد أنك صادقٌ وأن لا إله إلا الله وأنك عبدُه ورسوله والله لم يطلعْ عليه أحدٌ إلا الله ولقد دفعتُه إليها في سواد الليل ولقد كنت مرتاباً في أمرك فأما إذا أخبرتني بذلك فلا ريب قال العباس بعد حين فأبدلني الله خيراً من ذلك لي الآن عشرون عبداً وإنّ أدناهم ليُضرب في عشرين ألفاً وأعطاني زمزمَ ما أُحب أن لي بها جميعَ أموالِ أهل مكة وأنا أنتظر المغفرةَ من ربي يتأول به ما في قوله تعالى
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فإنه وعد بالمغفر مؤكدٌ بما بعده من الاعتراض التذييلي
стр. 2113
﴿وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ﴾ أي نكثَ ما بايعوك عليه من الإسلام وهذا كلامٌ مسوقٌ من جهتِه تعالى لتسليته ﷺ بطريق الوعدِ له والوعيد لهم
﴿فَقَدْ خَانُواْ الله مِن قَبْلُ﴾ بكفرهم ونقضِ ما أخذ على كل عاقلٍ من ميثاقه
﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ أي أقدرَك عليهم حسبما رأيتَ يومَ بدر فإن أعادوا الخيانةَ فاعلم أنه سيُمكنك منهم أيضاً وقيل المرادُ بالخيانة منعُ ما ضمِنوا من الفداء وهو بعيد
﴿والله عَلِيمٌ﴾ فيعلم ما في نياتهم وما يستحقونه من العقاب
﴿حكيم﴾ يفعل كل يفعله حسبما تقتضيه حكمتُه البالغة
стр. 2114
﴿إن الذين آمنوا وَهَاجَرُواْ﴾ هم المهاجرون هاجروا أوطانَهم حباً لله تعالى ولرسوله
﴿وجاهدوا بأموالهم﴾ بأن صرفوها إلى الكُراع والسلاح وأنفقوها على المحاويج
﴿وَأَنفُسِهِمْ﴾ بمباشرة القتال واقتحامِ المعارك والخوضِ في المهالك
﴿فِى سَبِيلِ الله﴾ متعلقٌ بجاهدوا قيدٌ لنوعي الجهادِ ولعل تقديمَ الأموال على الأنفس لما أن المجاهدةَ بالأموال أكثرُ وقوعاً وأتمُّ دفعاً للحاجة حيث لا يُتصور المجاهدةُ بالنفس بلا مجاهدة بالمال
﴿والذين آووا وَّنَصَرُواْ﴾ هم الأنصارُ آوَوا المهاجرين وأنزلوهم منازلَهم وبذلوا إليهم أموالَهم وآثروهم على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة ونصروهم على أعدائهم
﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى الموصوفينَ بما ذُكِرَ من النعوتِ الفاضلة وما فيه من معنى البُعدِ للإيذانِ بعلوِّ طبقتِهم وبعد منزلتهم في الفضيلة وهو مبتدأُ وقولُه تعالى
﴿بَعْضُهُمْ﴾ إما بدلٌ منه وقوله تعالى
﴿أَوْلِيَاء بعض﴾ خبره
стр. 2115
سورة الأنفال من الآيات (٧٣ ٧٥) وإما مبتدأٌ ثانٍ وأولياءُ بعضٍ خبرُه والجملةُ خبرٌ للمبتدأ الأول أي بعضُهم أولياءُ بعضٍ في الميراث وقد كان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنُصرة دون الأقاربِ حتى نُسخ بقوله تعالى وَأُوْلُو الارحام الآية وقيل في النُصرة والمظاهرة ويردُه قوله تعالى فَعَلَيْكُمُ النصر بعد نفي موالاتِهم
﴿والذين آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ كسائر المؤمنين
﴿مَا لَكُم مّن ولايتهم مِن شَىْء﴾ أي من تولّيهم في الميراث وإن كانوا من أقرب أقاربِكم
﴿حتى يُهَاجِرُواْ﴾ وقرئ بكسر الواو تشبيهاً بالعمل والصناعة كالكتابة والإمارة
﴿وَإِنِ استنصروكم فِى الدين فَعَلَيْكُمُ النصر﴾ فواجبٌ عليكم أن تنصُروهم على المشركين
﴿إِلَاّ على قَوْمٍ﴾ منهم
﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق﴾ معاهدةٌ فإنه لا يجوز نقضُ عهدِهم بنصرهم عليهم
﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فلا تخالفوا أمرَه كيلا يحِلَّ بكم عقابُه
стр. 2116
﴿والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بعض﴾ آخر منهم في الميراث أو في الموازرة وهذا بمفهومة مُفيدٌ لنفي الموارثة والموازرة بينهم وبين المسلمين وإيجابِ المباعدةِ والمصارمة وإن كانوا أقارب
﴿إِلا تَفْعَلُوه﴾ أي ما أُمرتم بهِ منَ التواصل بينكم وتولِّي بعضِكم بعضا حتى التوراث ومن قطع العلائق بينكم وبين الكفار
﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرض﴾ أي تحصُل فتنةٌ عظيمة فيها وهي ضعفُ الإيمان وظهورُ الكفر
﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ في الدارين وقرئ كثير
стр. 2117
﴿والذين آمنوا وَهَاجَرُواْ وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله والذين آووا وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً﴾ كلامٌ مسوقٌ للثناء عليهم والشهادة لهم بفوزهم بالقدح المعلَّى من الإيمان مع الوعد الكريم بقوله تعالى
﴿لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ لا تبعةَ له ولا منة فيه فلا تكرارَ لما أن مساقَ الأولِ لإيجاب التواصلِ بينهم
стр. 2118
﴿والذين آمنوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ﴾ بعد هجرتِكم
﴿وجاهدوا مَعَكُمْ﴾ في بعض مغازيكم
﴿فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ﴾ أي من جملتكم أيها المهاجرون والأنصارُ وهم الذين جاءوا من بعدهم يقولون رَبَّنَا اغفر لَنَا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ألحقهم الله تعالى بالسابقين وجعلهم منهم تفضلاً منه وترغيباً في الإيمان والهجرة وفي توجيه الخطاب إليهم بطريق الالتفات من تشريفهم ورفعِ محلِّهم ما لا يخفى
﴿وَأُوْلُو الارحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾ آخرَ منهم في التوارث من الأجانب
﴿فِى كتاب الله﴾ أي في حُكمهِ أو في اللَّوحِ أو في القرآن واستُدِل به على توريث ذوي الأرحام
﴿أَنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ﴾ ومن جملته ما في تعليق التوارثِ بالقرابة الدينيةِ أولاً وبالقرابة النسبيةِ آخِراً من الحِكَم البالغة
عنِ النبيِّ ﷺ مَنْ قرأَ سورةَ الأنفالِ وبراءةٌ فأنا شفيعٌ له يوم القيامة وشاهدٌ أنه برئ من
стр. 2119
النفاق وأُعطِيَ عشرَ حسناتٍ بعدد كلِّ منافقٍ ومنافقةٍ وكان العرشُ وحملتُه يستغفرون له أيامَ حياتِه والله تعالَى أعلمُ
٩ سورة براءة الآية (١)
سورة براءة وهي مدينة وآياتها مائة وتسع وعشرون آية
ولها أسماء أخر سورة التوبة والمقشقشة والبحوث والمنقرة والمبعثرة والمثيرة والحافرة والمخزية والفاضحة والمنكلة والمشردة والمدمدمة وسورة العذاب لما فيها من ذكر التوبة ومن التبرية من النفاق والبحث والتنقير عن حال المنافقين وإثارتها والحفر عنها وما يخزيهم ويشردهم ويدمدم عليهم واشتهارها بهذه الأسماء يقضي بأنها سورة مستقلة وليست بعضا من سورة الأنفال وادعاء اختصاص الاشتهار بالقائلين باستقلالها خلاف الظاهر فيكون حكمة ترك التسمية عند النزول نزولها في رفع الأمان الذي يأبى مقامه التصدير بما يشعر ببقائه من ذكر اسمه تعالى مشفوعا بوصف الرحمة كما رُوي عن ابنِ عيينة ﵁ لا الاشتباه في استقلالها وعدمه كما يحكى عن ابن عباس ﵄ ولا رعاية ما وقع بين الصحابةِ ﵃ من الاختلاف في ذلك على أن ذلك ينزع إلى القول بأن التسمية ليست من القرآن وإنما كتبت للفصل بين السور كما نقل عن قدماء الحنفية وأن مناط إثباتها في المصاحف وتركها إنما هو رأي من تصدى لجمع القرآن دون التوقيف ولا ريب في أن الصحيح من المذهب أنها آية فذة من القرآن أنزلت للفصل والتبرك بها وأن لا مدخل لرأي أحد في الإثبات والترك وإنما المتبع في ذلك هو الوحي والتوقيف ولا مرية في عدم نزولها ههنا وإلا لا متنع أن يقع في الاستقلال اشتباه أو اختلاف فهو إما لاتحاد السورتين أو لما ذكرنا لا سبيل إلى الأول وإلا لبينه ﷺ لتحقق مزيد الحاجة إلى البيان لتعاضد أدلة الاستقلال من كثرة الآيات وطول المدة فيما بين نزولهما فحيث لم يبينه ﷺ تعين الثاني لأن عدم البيان من الشارع في موضع البيان بيان للعدم
стр. 2120
﴿بَرَاءةٌ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ وتنوينه للتفخيم وقرئ بالنصب أي اسمعوا براءةً ومِنْ في قولِه تعالَى
﴿مّنَ الله وَرَسُولِهِ﴾ ابتدائيةٌ متعلقةٌ بمحذوف وقع صفة لها ليفيدَها زيادةَ تفخيمٍ وتهويلٍ أي هذه براءةٌ مبتدأةٌ من جهة الله تعالى ورسوله وصلة
﴿إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ مّنَ المشركين﴾ وإنما لم يذكر ما تعلق به البراءة حسبما ذُكر في قوله تعالى إن الله برئ مّنَ المشركين اكتفاءً بما في حيز الصلةِ فإنه منئ عنه إنباءً ظاهراً واحترازاً عن تكرير لفظة من قيل هي مبتدأٌ لتخصصها بالصفة وخبرُه إلى الذين الخ والذي تقتضيهِ جزالةُ النظمِ هو الأولُ لأن هذه البراءةَ أمرٌ حادثٌ لم يُعهَدْ عند المخاطَبين ذاتُها ولا عنوانُ ابتدائِها من الله تعالى ورسولِه حتى يخرُجَ ذلك العنوانُ مخرَجَ الصفةِ لها ويُجعلَ المقصودَ بالذات والعمدةُ في الإخبار شيئاً آخرَ هو وصولُها إلى المعاهَدين وإنما الحقيقُ بأن يعتنى بإفادته حدوثُ تلك
стр. 2121
٩ سورة براءة الآية (٢) البراءةِ من جهته تعالى ووصولِها إليهم فإن حق الصفاتِ قبل علم المخاطَب بثبوتها لموصوفاتها أن تكون أخيارا وحقُّ الأخبار بعد العلمِ بثبوتها لما هيَ له أن تكون صفاتٍ كما حُقّق في موضعه وقرئ منِ الله بكسر النون على أن الأصلُ في تحريك الساكنِ الكسرُ ولكن الوجهَ هو الفتحُ في لام التعريفِ خاصةً لكثرة الوقوع والعهدُ العقدُ الموثقُ باليمين والخطابُ في عاهدتم للمسلمين وقد كانوا عاهدوا مشركي العربِ من أهل مكةَ وغيرِهم بإذن الله تعالى واتفاقِ الرسولِ ﷺ فنكَثوا إلا بني ضَمْرَةَ وبني كِنانةَ فأُمر المسلمون بنبذ العهدِ إلى الناكثين وأُمهلوا أربعةَ أشهر ليسيروا أين شاءوا وإنما نُسبت البراءةُ إلى الله ورسوله مع شمولها للمسلمين واشتراكِهم في حكمها ووجوبِ العملِ بموجبها وعُلّقت المعاهدةُ بالمسلمين خاصةً مع كونها بإذن الله تعالى واتفاق الرسول ﷺ للإنباء عن تنجُّزها وتحتُّمها من غير توقفٍ على رأي المخاطبين لأنها عبارةٌ عن إنهاء حكمِ الأمانِ ورفع الخطر المترتبِ على العهد السابقِ عن التعرض للكفرة وذلك مَنوطٌ بجناب الله لأنَّه أمرٌ كسائر الأوامرِ الجاريةِ على حسب حكمةٍ تقتضيها وداعيةٍ تستدعيها تترتب عليها آثارُها من غير توقفٍ على شيء أصلاً واشتراكُ المسلمين في حكمها ووجوبِ العمل بموجبها إنما هو على طريقةُ الامتثالِ بالأمر لا على أنْ يكونَ لهم مدخلٌ في إتمامها أو في ترتب أحكامِها عليها وأما المعاهدةُ فحيث كانت عقداً كسائر العقود الشرعيةِ لا تتحصّل في نفسها ولا تترتب عليها أحكامُها إلا بمباشرة المتعاقدين على وجوه مخصوصةٍ اعتبرها الشرعُ لم يُتصوَّرْ صدورُها عنه سبحانه وإنما الصادرُ عنه في شأنها هو الإذنُ فيها وإنما الذي يباشرُها ويتولى أمرَها المسلمون ولا يخفى أن البراءةَ إنما تتعلق بالعهد لا بالإذن فيه فنُسبت كلُّ واحدة منهما إلى من هو أصلٌ فيها على أن في ذلك تفخيماً لشأن البراءةِ وتهويلاً لأمرها وتسجيلاً على الكفرة بغاية الذلِّ والهوانِ ونهايةِ الخِزْيِ والخِذلان وتنزيهاً لساحة السبحان والكبرياءِ عما يوهم شائبةَ النقصِ والنداء تعالى عن ذلكَ عُلواً كبيراً وإدراجه ﷺ في النسبة الأولى وإخراجُه عن الثانية لتنويه شأن الرفيعِ وإجلالِ قدرِه المنيع في كلا المقامين ﷺ وإيثارُ الجملة الاسميةِ على الفعلية كأن يقال قد برئ الله ورسولُه من الذين أو نحوُ ذلك للدلالة على دوامها واستمرارِها وللتوسل إلى تهويلها بالتنوين التفخيميِّ كما أشير إليه
стр. 2122
﴿فَسِيحُواْ﴾ السياحةُ والسَّيْحُ الذهابُ في الأرض والسيرُ فيها بسهولة على مقتضى المشيئةِ كسيح الماءِ على موجب الطبيعة ففيه من الدِلالة عَلى كمالِ التوسعة والترفيه ما ليس في سيروا ونظائره وزيادة قوله
﴿فِى الارض﴾ لقصد التعميمِ لأقطارها من دار الإسلامِ وغيرِها والمرادُ إباحةُ ذلك لهم وتخليتُهم وشأنَهم من الاستعداد للحرب أو تحصينِ الأهل والمال وتحصيل المهاب أو غيرِ ذلك لا تكليفُهم بالسياحة فيها وتلوينُ الخطاب بصرفه عن المسلمين وتوجيهِه إليهم مع حصول المقصودِ بصيغة أمرِ الغائبِ أيضاً للمبالغة في الإعلام بالإمهال حسماً لمادة تعلّلِهم بالغفلة وقطعاً لشأفة اعتذارِهم بعدم الاستعداد وإيثارُ صيغةِ الأمرِ مع تسنّي إفادةِ ذلك المعنى بطريق الإخبارِ أيضاً كأن يقالَ مثلاً فلكم أن تسيحوا أو نحوُ ذلك لإظهار كمالِ القوةِ والغلبةِ وعدمِ الاكتراث
стр. 2123
٩ سورة براءة الآية (٣) لهم ولاستعدادهم فكأن ذلك أمرٌ مطلوبٌ منهم والفاءُ لترتيب الأمرِ بالسياحة وما يعقُبه على ما تؤذن به البراءةُ المذكورةُ من الحِراب على أن الأولَ مترتبٌ على نفسه والثاني بكلا متعلِّقَيْه على عنوان كونِه من الله العزيز لا لترتيب الأولِ عليه والثاني على الأول كما في قوله تعالى قُلْ سِيرُواْ فِى الأرض فَاْنظُرُواْ الخ كأنه قيل هذه براءةٌ موجبةٌ لقتالكم فاسعَوْا في تحصيل العددِ والأسباب وبالغوا في إعتاد العَتادِ من كل باب
﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ واعلموا أَنَّكُمْ﴾ بسياحتكم في أقطار الأرضِ في العَرْض والطول وإن ركبتم متن كل صعب وذلول
﴿غَيْرُ مُعْجِزِي الله﴾ أي لا تفوّتونه بالهرب والتحصُّن
﴿وَأَنَّ الله﴾ وُضع الاسمُ الجليلُ موضِعَ المضمر لتربية المهابةِ وتهويلِ أمر الإخزاءِ وهو الإذلالُ بما فيه فضيحةٌ وعار
﴿مُخْزِى الكافرين﴾ أي مخزيكم ومُذِلُّكم في الدنيا بالقتل والأسرِ وفي الآخرة بالعذاب وإيثارُ الإظهارِ على الإضمارِ لذمهم بالكفر بعد وصفهم بالإشراك والإشعار بأن علةَ الإخزاءِ هي كفرُهم ويجوز أن يكون المرادُ جنسَ الكافرين فيدخلُ فيه الخاطبون دخولاً أولياً والمرادُ بالأشهر الأربعةُ هي الأشهرُ الحرمُ التي عُلِّق القتالُ بانسلاخها فقيل هي شوَّالٌ وذو القَعدة وذو الحجة والمحرم وقيل هي عشرون من ذي الحجة والمحرَّمُ وصفرُ وشهرُ ربيعٍ الأول وعشرٌ من شهر ربيعٍ الآخَر وجُعلت حُرَماً لحرمة قتالِهم فيها أو لتغليب ذي الحجة والمحرَّم على البقية وقيل من عشر ذي القعدة إلى عشرٍ من شهر ربيعٍ الأول لأن الحجَّ في تلك السنةِ كان في ذلك الوقت للنسئ الذي كان فيهم ثم صار في العام القابل في ذي الحجة وذلك قوله ﷺ إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خَلَقَ الله السمواتِ والارض
روي أنه ﷺ أمر أبا بكرٍ رضيَ الله تعالَى عنه على موسم سنةِ تسعٍ ثم أتبعه علياً رضي الله تعالى عنه على العضباء ليقرأَها على أهل الموسم فقيل له ﷺ لو بعثت بها إلى أبي بكر فقال ﷺ لا يؤدّي عني إلا رجلٌ مني وذلك لأن عادة العرب أن لا يتولى أمرَ العهد والنقض على القبيلة إلا رجلٌ منها فلما دنا على سمع أبو بكر الرُّغاءُ فوقف فقال هذا رُغاءُ ناقة رسول الله ﷺ فلما لحِقه قال أميرٌ أو مأمورٌ قال مأمورٌ فمضياً فلما كان قبل يوم الترويةِ خطَب أبُو بكرٍ ﵁ وحدثهم عن مناسكهم وقام علي ﵁ يومَ النحِر عند جَمرةِ العقبة فقال يأيها الناسُ إني رسولُ رسولِ الله ﷺ إليكم فقالوا بماذا فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية ثم قال أُمرت بأربعٍ أن لا يقرَبَ البيتَ بعد العام مشركٌ ولا يطوفَ بالبيت عُريانٌ ولا يدخلَ الجنةَ إلا كلُّ نفسٍ مؤمنة وأن يُتمَّ إلى كل ذي عهد عهدُه
стр. 2124
﴿وَأَذَانٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ﴾ أي إعلامٌ منهما فعَال بمعنى الإفعال كالعطاء بمعنى الإعطاء ورفعُه كرفع براءةٌ والجملةُ معطوفةٌ على مثلها وإنما قيل
﴿إِلَى الناس﴾ أي كافةً لأن الأذانَ غيرُ مختصٍ بقوم دون آخرين كالبراءة الخاصة
стр. 2125
٩ سورة براءة الآية (٤) بالناكثين بل هو شاملٌ لعامة الكفرةِ وللمؤمنين أيضاً
﴿يَوْمَ الحج الاكبر﴾ هو يومُ العيدِ لأن فيه تمامَ الحجِّ ومعظَم أفعالِه ولأن الإعلامَ كان فيه ولما روى أنه ﷺ وقف يوم النحِر عند الجَمَرات في حَجة الوداع فقال هذا يومُ الحجِّ الأكبر وقيل يومُ عرفةَ لقوله ﷺ الحج عرفة ووصفُ الحجِّ بالأكبر لأن العُمرة تسمى الحجَّ الأصغرَ أو لأن المرادَ بالحج ما يقع في ذلكَ اليومِ من أعماله فإنه أكبرُ من باقي الأعمال أو لأن ذلك الحج اجتمع فيه المسلمون والمشركون أو لأنه ظهر فيه عزُّ المسلمين وذلُّ المشركين
﴿أَنَّ الله﴾ أي بأن الله وقرئ بالكسر لِما أن الأذانَ فيه معنى القول
﴿بَرِىء مّنَ المشركين﴾ أي المعاهِدين الناكثين
﴿وَرَسُولُهُ﴾ عطفٌ على المستكنِّ في برئ أو على محلِّ إنَّ واسمِها على قراءة الكسر وقرئ بالنصبِ عطفاً على اسمِ أنّ أو لأن الواوَ بمعنى مع أي برئ معه منهم وبالجر على الجوار وقيل على القسم
﴿فَإِن تُبْتُمْ﴾ من الشرك والغدر التفاتٌ من الغَيبة إلى الخطاب لزيادة التهديدِ والتشديد والفاءُ لترتيب مقدّمِ الشرطيةِ على الأذان بالبراءة المذيّلةِ بالوعيد الشديد المُؤذِنِ بلِين عَريكتِهم وانكسارِ شدة شكيمتِهم
﴿فَهُوَ﴾ أي فالتوب
﴿خيرٌ لَّكُمْ﴾ في الدارين
﴿وَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ عن التوبة أو ثبَتُّم على التولي عن الإسلام والوفاء
﴿فاعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى الله﴾ غيرُ سابقين ولا فائتين
﴿وَبَشّرِ الذين كَفَرُواْ﴾ تلوينٌ للخطاب وصرْفٌ له عنهم إلى رسول الله ﷺ لأن البشارة
﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وإن كانت بطريق التهكمِ إنما تليق بمن يقفُ على الأسرار الإلهية
стр. 2126
﴿إِلَاّ الذين عاهدتم مّنَ المشركين﴾ استدراكٌ من النبذ السابقِ الذي أُخّر فيه القتالُ أربعةَ أشهرٍ كأنه قيل لا تُمهلوا الناكثين فوق أربعةِ أشهرٍ لكن الذين عاهدتم ثم لم ينكُثوا عهدَهم فلا تُجْروهم مُجرى الناكثين في المسارعة إلى قتالهم بل أتموا إليهم عهدَهم ولا يضُرّ في ذلك تخللُ الفاصلِ بقوله تعالى وَأَذَانٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ الخ لأنه ليس بأجنبي بالكلية بل هو أمر بإعلام تلك البراءةِ كأنه قيل وأَعلِموها وقيل هو استثناءٌ متصلٌ من المشركين الأوّل ويرده بقاءُ الثاني على العموم مع كونهما عبارةً عن فريق واحد وجعلُه استثناءً من الثاني يأباه بقاء الأولُ كذلك وقيل هو استدراك من المقدر في فسيحوا أي قولوا لهم سيحوا أربعة أشهر لكن الذين عاهدتم منهم
﴿ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً﴾ من شروط الميثاقِ ولم يقتُلوا منكم أحداً ولم يضروكم قط وقرئ بالمعجمة أي لم ينقضوا عهدَكم شيئاً من النقض وكلمة ثم للدِلالة على ثباتهم على عهدهم مع تمادي المدة
﴿وَلَمْ يظاهروا﴾ أي لم يعاونوا
﴿عَلَيْكُمْ أَحَداً﴾ من أعدائكم كما عدَتْ بنو بكر على خُزاعةَ في غَيْبة رسول الله ﷺ فظاهَرَتْهم قريشٌ بالسلاح
﴿فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ أي أدوه إليهم كملا
﴿إلى مُدَّتِهِمْ﴾ ولا تفاجئوهم بالقتال عند مضيِّ الأجل المضروبِ للناكثين ولا تعاملوهم معاملتهم قال ابن عباس ﵄ بقي لِحيَ من بني كنانةَ من عهدهم تسعةُ أشهر فأتم إليهم عهدَهم
﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين﴾ تعليلٌ لوجوب الامتثال وتنبيهٌ على أن مراعاةَ حقوقِ العهدِ من باب التقوى وأن التسويةَ بين الوفيِّ
стр. 2127
٩ سورة براءة الآية (٥) والغادر منافيةٌ لذلك وإن كان المعاهَدُ مشركاً
стр. 2128
﴿فَإِذَا انسلخ﴾ أي انقضى استُعير له من الانسلاخ الواقعِ بين الحيوان وجلدِه والأغلبُ إسناده إلى الجلد والمعنى إذا انقضى
﴿الاشهر الحرم﴾ وانفصلت عما كانت مشتملةً عليه ساترةً له انفصالَ الجلدِ عن الشاة وانكشفت عنه انكشافَ الحجاب عما وراءَه كما ذكره أبو الهيثم من أنه يقال أهلَلْنا شهرَ كذا أي دخلنا فيه ولبِسناه فنحن نزداد كلَّ ليلة لباساً منه إلى مُضيِّ نصفِه ثم نسلَخُه عن أنفسنا جزءاً فجزءاً حتى نسلَخَه عن أنفسنا كلَّه فينسلِخ وأنشد ... إذا ما سلختُ الشهرَ أهلَلْتُ مثلَه ... كفى قاتلاً سَلْخي الشهورَ وإهلالي ...
وتحقيقُه أن الزمانَ محيطٌ بما فيه من الزمانيات مشتملٌ عليه اشتمالَ الجلد للحيوان وكذا كلُّ جزءٍ من أجزائِه الممتدة من الأيام والشهورِ والسنين فإذا مضى فكأنه انسلخ عما فيه وفيه مزيدُ لطفٍ لما فيه من التلويح بأن تلك الأشهرَ كانت حِرْزاً لأولئك المعاهَدين عن غوائل أيدي المسلمين فنيط قتالُهم بزوالها والمرادُ بها إما ما مر من الأشهر الأربعةِ فقط ووضعُ المظهرِ موضعَ المضمرِ ليكون ذريعةً إلى وصفها بالحُرمة تأكيدا لما ينبئ عنه إباحةُ السياحةِ من حرمة التعرضِ لهم مع ما فيه من مزيد الاعتناءِ بشأنها أو هي مع ما فُهم من قوله تعالى فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ من تتمة مدةٍ بقِيَتْ لغير الناكثين فعلى الأول يكون المرادُ بالمشركين في قوله تعالى
﴿فاقتلوا المشركين﴾ الناكثين خاصةً فلا يكون قتالُ الباقين مفهوماً من عبارة النصِّ بل من دِلالته وعلى الثاني مفهوماً من العبارة إلا أنه يكون الانسلاخُ وما نيط به من القتال حينئذ شيئاً فشيئاً لا دفعةً واحدةً كأنه قيل فإذا تم ميقاتُ كلِّ طائفةٍ فاقتُلوهم وحملُها على الأشهر المعهودو الدائرةِ في كل سنة لا يساعده النظمُ الكريم وأما أنه يستدع بقاءَ حُرمةِ القتالِ فيها إذ ليس فيما نزل بعدُ ما ينسخها فلا اعتدادَ به لا لأنها نُسخت بقوله تعالى وقاتلوهم حتى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ كما تُوهم فإنه رجمٌ بالغيب لأنه إن أريد به ما في سورة الأنفال فإنه نزل عَقيبَ غزوةِ بدرٍ وقد صح أن المرادَ بالذين كفروا في قوله تعالى قل الذين كفروا الخ أبو سفيانَ وأصحابُه وقد أسلم في أواسط رمضانَ عام الفتحِ سنة ثمانٍ وسورةُ التوبةِ إنما نزلت في شوالٍ سنةَ تِسعٍ وإنْ أُريدَ ما في سُورة البقرةِ فإنه أيضاً نزل قبل الفتح كما يعرب عنهُ ما قبلَهُ من قوله تعالى وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ أي من مكةَ وقد فعل ذلك يوم الفتح فكيف يُنسخ به ما ينزِل بعده بل لأن انعقادَ الإجماعِ على انتساخها كافٍ في الباب منْ غيرِ حاجةٍ إلى كون سندِه منقولاً إلينا وقد صح أن النبيِّ ﷺ حاصرَ الطائفَ لعشرٍ بقِين من المحرم
﴿حَيْثُ وجدتمُوهم﴾ من حِلَ وحِرْم
﴿وَخُذُوهُمْ﴾ أي أيسروهم والأَخيذُ الأسير
﴿واحصروهم﴾ أي قيّدوهم أو امنعوهم من التقلب في البلاد
قال ابن عباس ﵄ حِيلوا بينهم وبين المسجدِ الحرام
﴿واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ أي كلَّ ممرٍ ومُجتازٍ يجتازون منه في أسفارهم وانتصابُه على الظرفية أي ارصُدوهم وارقبُوهم حتى لا يمروا به
стр. 2129
٩ سورة براءة الآيات (٦ ٧) وفائدتُه على التفسير الثاني دفعُ احتمالِ أن يُراد بالحصر المحاصرةُ المعهودة
﴿فَإِن تَابُواْ﴾ عن الشرك بالإيمان بعد ما اضطُرّوا بما ذكر من القتل والأسر والحصر
﴿وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ تصديقاً لتوبتهم وإيمانِهم واكُتفى بذكرهما عن ذكر بقيةِ العبادات لكونهما رأسَي العباداتِ البدنية والمالية
﴿فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ فدعوهم وشأنَهم ولا تتعرَّضوا لهم بشيء مما ذكر
﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ يغفر لهم ما سلف من الكفر والغدر ويثيبهم بإيمانهم وطاعاتِهم وهو تعليل للأمر بتخلية السبيل
стр. 2130
﴿وَإِنْ أَحَدٌ﴾ شروعٌ في بيان حكم المتصدِّين لمبادي التوبة من سماع كلامِ الله تعالى والوقوفِ على شعائر الدين إثرَ بيانِ حُكمِ التائبين عن الكفر والمُصِرِّين عليه وهو مرتفعٌ بشرط مضمرٍ يفسِّره الظاهرُ لا بالابتداء لأن إنْ لَا تدخلُ إلَاّ على الفعل
﴿مّنَ المشركين استجارك﴾ بعد انقضاءِ الأجل المضروبِ أي سألك أن تُؤَمِّنه وتكونَ له جاراً
﴿فَأَجِرْهُ﴾ أي أمِّنه
﴿حتى يَسْمَعَ كَلَامَ الله﴾ ويتدبرَه ويطّلع على حقيقة ما تدعو إليه والاقتصارُ على ذكر السماعِ لعدم الحاجةِ إلى شيء آخرَ في الفهم لكونهم من أهل اللسَنِ والفصاحة وحتى سواءٌ كانت للغاية أو للتعليل متعلقةٌ بما بعدها لا بقوله تعالى استجارك لأنه يؤدّي إلى إعمال حتى في المضمر وذلك مما لا يكاد يرتكب في غير ضرورةِ الشعر كما في قوله ... فلا والله لا يلقى أناس ... فتىً حتاك يا ابنَ أبي يزيدِ ...
كذا قيل إلا أن تعلّق الإجارةِ بسماع كلامِ الله تعالى بأحد الوجهين يستلزمُ تعلقَ الاستجارةِ أيضاً بذلك أو بما في معناه من أمور الدين وما رُوي عن عليَ ﵁ أنه أتاه رجلٌ من المشركين فقال إن أراد الرجلُ منا أن يأتي محمداً بعد انقضاء هذا الأجلِ لسماع كلامِ الله تعالى أو لحاجة قتل قال لا لأن الله تعالى يقول وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ الخ فالمرادُ بما فيه من الحاجة هي الحاجةُ المتعلقةُ بالدين لا ما يعمُّها وغيرَها من الحاجات الدنيوية كما ينبئ عنه قوله أن يأتي محمداً فإن من يأتيه ﷺ إنما تأتيه للأمور المتعلقةِ بالدين
﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ﴾ بعد استماعِه له إن لم يؤمِنْ
﴿مَأْمَنَهُ﴾ أي مسكنَه الذي يأمَن فيه وهو دارُ قومِه
﴿ذلك﴾ يعنى الأمرَ بالإجارة وإبلاغِ المأمن
﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسببِ أنَّهُم
﴿قَوْمٌ لَاّ يَعْلَمُونَ﴾ ما الإسلامُ وما حقيقتُه أو قومٌ جَهَلةٌ فلا بد من إعطاء الأمانِ حتى يفهموا الحقَّ ولا يبقى لهم معذرة أصلاً
стр. 2131
﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ شروعٌ في تحقيق حقِّيةِ ما سبق من البراءة وأحكامِها المتفرِّعة عليها وتبيينِ الحكمة الداعيةِ إلى ذلك والمرادُ بالمشركين الناكثون لأن البراءةَ إنما هي في شأنهم والاستفهامُ إنكاريٌّ لا بمعنى إنكار الواقعِ كما في قوله تعالى كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله الخ بل بمعنى إنكار الوقوعِ ويكون من الكون التامِّ وكيف في محل
стр. 2132
٩ سورة براءة الآية (٨) النصب على التشبيه بالحال أو الظرف وقيل من الكون الناقصِ وكيف خبرُ يكون قُدّم على اسمه وهو عهدٌ لاقتضائه الصدارة وللمشركين متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من عهد ولو كان مؤخراً لكان صفةً له أو بيكون عند من يجوز عملَ الأفعالِ الناقصة في الظروف وعند متعلق بمحذوف وقع صفة لعهدٌ أو بنفسه لأنه مصدرٌ أو بيكون كما مر ويجوزُ أن يكون الخبرُ للمشركين وعند كما ذكر أو متعلقٌ بالاستقرار الذي تعلق به للمشركين ويجوز أن يكون الخبرُ عند الله وللمشركين إما تبيينٌ وإما حالٌ من عهدٌ وإما متعلقٌ بيكون أو بالاستقرار الذي تعلق به الخبرُ ولا يبالى بتقديم معمولِ الخبرِ على الاسم لكونه حرفَ جرّ وكيف على الوجهين الآخيرين نصبٍ على التشبيه بالظرف أو الحال كما في صورة الكون التام وهو الأولى لأن في إنكار ثبوتِ العهد في نفسه من المبالغة ما ليس في إنكار ثبوتِه للمشركين لأن ثبوتَه الرابطي فرعُ ثبوتِه العيني فانتفاءُ الأصلِ يوجب انتفاءَ الفرعِ رأساً وفي توجيه الإنكارِ إلى كيفية ثبوتِ العهدِ من المبالغة ما ليس في توجيهه إلى ثبوته لأن كلَّ موجودٍ يجب أن يكون وجودُه على حال من الأحوال قطعاً فإذا انتفى جميعُ أحوال وجودِه فقد انتفى وجودُه على الطريق البرهاني أي على أي أو في أي حالٍ يوجد لهم عهدٌ معتدٌ به
﴿عِندَ الله وَعِندَ رَسُولِهِ﴾ يستحِقُّ أن يراعى حقوقُه ويُحافَظَ عليه إلى إتمام المدة ولا يُتعرَّضَ لهم بحسَبه قتلاً ولا أخذاً وأما أن يأمنوا به من عذاب الآخرةِ كما قيل فلا سبيلَ إلى اعتباره أصلاً إذ لا دخلَ لعهدهم في ذلك الأمنِ قطعاً وإن كان مرعياً عندَ الله تَعَالَى وعندَ رسولِه كعهد غيرِ الناكثين وتكريرُ كلمة عند للإيذان بعدم الاعتدادِ به عند كلَ منهما على حدة
﴿إِلَاّ الذين﴾ استدراكٌ من النفي المفهومِ من الاستفهام المتبادرِ شمولُه لجميع المعاهَدين أي لكن الذين
﴿عاهدتم عِندَ المسجد الحرام﴾ وهم المستثنَوْن فيما سلف والتعرُّضُ لكون المعاهَدةِ عند المسجدِ الحرامِ لزيادة بيانِ أصحابِها والإشعارِ بسبب وكادتِها ومحلُّه الرفعُ على الابتداء خبره قوله تعالى
﴿فَمَا استقاموا لَكُمْ فاستقيموا لَهُمْ﴾ والفاءُ لتضمُّنهِ معنى الشَّرطِ وما إما مصدرية منصوبةُ المحلِّ على الظرفية بتقدير المضافِ أي فاستقيموا لهم مدةَ استقامتِهم لكم وإما شرطيةٌ منصوبةُ المحلِّ على الظرفية الزمانية أي أيّ زمانَ استقاموا لكم فاستقيموا لهم أو مرفوعةٌ على الابتداء والعائدُ محذوفٌ أي أي زمان استقاموا لكم فيه فاستقيموا لهم فيه وقيل الاستثناءُ متصلٌ محلُّه النصبُ على الأصل أو الجرُّ على البدل من المشركين والمرادُ بهم الجنسُ لا المعهودُ وأياً ما كان فحكمُ الأمر بالاستقامة ينتهي بانتهاء مدةِ العهدِ لأن استقامتَهم التي وُقّت بوقتها الاستقامةُ المأمورُ بها عبارةٌ عن مراعاة حقوقِ العهدِ وبعد انقضاءِ مدتِه لا عهدٌ ولا استقامةٌ فصار عينَ الأمرِ الواردِ فيما سلف حيث قيل فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم خلا أنه قد صرح ههنا بما لم يصرح به هناك مع كونه معتبراً قطعاً وهو تقييدُ الإتمامِ المأمور به ببقائهم على ما كانُوا عليهِ من الوفاء
﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين﴾ تعليلٌ للأمر بالاستقامة وإشعارٌ بأن القيامَ بموجب العهدِ من أحكام التقوى كما مر
стр. 2133
﴿كَيْفَ﴾ تكريرٌ لاستنكار ما مر من أن
стр. 2134
٩ سورة براءة الآية (٩) يكون للمشركين عهدٌ حقيقٌ بالمراعاة عند الله سبحانه وعند رسوله ﷺ وأما ما قيل من أنه لاستبعاد ثباتِهم على العهد فكما ترى لأن ما يُذكر بصدد التعليلِ للاستبعاد عينُ عدمِ ثباتِهم على العهد لا أنه شيءٌ يستدعيه وإنما أعيد الاستنكارُ والاستبعادُ تأكيداً لهما وتمهيداً لتعداد العللِ الموجبةِ لهما لإخلال تخلّلِ ما في البين من الارتباط والتقريب حذف الفعل المستنكَر للإيذان بأن النفسَ مستحضِرةٌ له مترقِّبةٌ لورود ما يوجب استنكارَه لا لمجرد كونِه معلوماً كما في قوله ... وخبّرتماني أنما الموتُ بالقُرى ... فكيف وهاتا هضبةٌ وقليبُ ...
فإنه علةٌ مصححةٌ لا مرجِّحةٌ أي كيف يكون لهم عهدٌ معتدٌ به عِندَ الله تَعَالَى وعندَ رسولِه ﷺ
﴿وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أي وحالُهم أنهم إن يظهروا عليكم أي يظفَروا بكم
﴿لَا يَرْقُبُواْ فِيكُمْ﴾ أي لا يُراعوا في شأنكم وأصلُ الرقوبِ النظرُ بطريق الحفظِ والرعايةِ ومنه الرقيبُ ثم استُعمل في مطلق الرعايةِ والمراقبةُ أبلغُ منه كالمراعاة وفي نفي الرقوبِ من المبالغة ما ليس في نفيها
﴿إِلاًّ وَلَا ذِمَّةً﴾ أي حِلفاً وقيل قرابةً ولا عهداً أو حقاً يُعاب على إغفاله مع ما سبق لهم من تأكيد الأَيمان والمواثيقِ يعني أن وجوبَ مراعاةِ حقوقِ العهد على كل من المتعاهدين مشروطٌ بمراعاة الآخَر لها فإذا لم يُراعِها المشركون فكيف تراعونها على منوال قولِ من قال ... علامَ تُقبلُ منهم فديةٌ وهم ... لا فضةً قبِلوا منّا ولا ذهبا ...
وقيل الإلُّ من أسماء الله أي لا يُراعوا حقَّ الله تعالى وقيل الجِوار ومآلهُ الحِلفُ لأنهم إذا تماسحوا وتحالفوا رفعوا به أصواتَهم لتشهيره ولما كان تعليقُ عدمِ رعايةِ العهدِ بالظفر موهماً للرعاية عند عدمِه كُشف عن حقيقة شئونهم الجليةِ والخفية بطريق الاستئنافِ وبيِّن أنهم في حالة العجزِ أيضاً ليسوا من الوفاء في شيء وأن ما يُظهرونه مداهنةٌ لا مهادنه فقيل
﴿يُرْضُونَكُم بأفواههم﴾ حيث يُظهرون الوفاءَ والمصافاةَ ويعِدون لكم بالإيمان والطاعةِ ويؤكدون ذلك بالأَيمان الفاجرةِ وتعللون عند ظهورِ خلافِه بالمعاذير الكاذبة ونسبةُ الإرضاءِ إلى الأ فواه للإيذان بأن كلامَهم مجردُ ألفاظٍ يتفوّهون بها من غير أن يكون لها مِصداقٌ في قلوبهم
﴿وتأبى قلوبهم﴾ ما يفيده كلامُهم
﴿وَأَكْثَرُهُمْ فاسقون﴾ خارجون عن الطاعة فإن مراعاةَ حقوق العهد من باب الطاعةِ متمرِّدون ليست لهم مروءةٌ رادعةٌ ولا عقيدةٌ وزاعة ولا يتسترون كما يتعاطاه بعضُهم ممن يتفادى عن الغدر ويتعفّف عما يجرُّ أحدوثة السوء
стр. 2135
﴿اشتروا بآيات الله﴾ بآياته الآمرةِ بالإيفاء بالعهود والاستقامةِ في كل أمرٍ أو بجميع آياتهِ فيدخُل فيها ما ذُكر دخولا أوليا أي تركوها وأخذوا بدلها
﴿ثَمَناً قَلِيلاً﴾ أي شيئاً حقيراً من حُطام الدنيا وهو أهواؤُهم وشهواتُهم التي اتبعوها أو ما أنفقه أبو سفيانَ من الطعام وصَرَفه إلى الأعراب
﴿فَصَدُّواْ﴾ أي عدَلوا ونكبوا منْ صَدَّ صُدوداً أو صرَفوا غيرَهم من صدّ صداً والفاء للِدلالة على سببية الاشتراءِ لذلك
﴿عن سبيله﴾ أي الذين الحق الذي لا محيد عنه والإضافةُ للتشريف أو سبيل بيته الحرام حيث كانوا يصُدّون الحجّاجَ والعُمّارَ عنه
﴿إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي بئس ما كانوا يعلمونه أو عملُهم المستمرّ والمخصوصُ بالذم محذوفٌ وقد جُوِّز أن تكون كلمةُ ساء على أصلها من التصرف لازمةً بمعنى قبُح أو متعديةً والمفعولُ محذوفٌ أي ساءهم الذي
стр. 2136
٩ سورة براءة الآيات (١٠ ١٢) يعملونه أو عملُهم وقوله عز وعلا
стр. 2137
﴿لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلَا ذِمَّةً﴾ ناعٍ عليهم عدمَ مراعاةِ حقوقِ عهدِ المؤمنين على الإطلاق فلا تكرارَ وقيل هذا في اليهود أو في الأعراب المذكورين ومَنْ يحذو حذوهم وأما ما قيل من أنه تفسير لقوله تعالى يَعْمَلُونَ أو دليلٌ على ما هو مخصوصٌ بالذم فمُشعِرٌ باختصاص الذمِّ والسوء بعملهم هذا دون غيره
﴿وَأُوْلئِكَ﴾ الموصوفون بما عُدِّد من الصِّفاتِ السيئةِ
﴿هُمُ المعتدون﴾ المجاوزون الغايةَ القُصوى من الظلم والشرارة
стр. 2138
﴿فَإِن تَابُواْ﴾ أي عمَّا هُم عليهِ من الكفر وسائرِ العظائمِ والفاءُ للإيذان بأن تقريعَهم بما نُعيَ عليهم من مساوى أعمالهم مزجرة عنها ومِظنةٌ للتوبة
﴿وَأَقَامُواْ الصلاة وآتَوْا الزَّكَاةَ﴾ أي التزموهما وعزموا على إقامتهما
﴿فَإِخوَانُكُمْ﴾ أي فهم إخوانُكم وقوله تعالى
﴿فِى الدين﴾ متعلقٌ بإخوانُكم لما فيه من معنى الفعلِ أي لهم ما لكم وعليهم ما عليكم فعاملوهم معاملةَ الإخوان وفيه من استمالتهم واستجلابِ قلوبِهم ما لا مزيدَ عليه والاختلافُ بين جوابِ هذه الشرطيةِ وجوابِ التي مرت من قبلُ مع اتحاد الشرطِ فيهما لما أن الأولى سيقت إثرَ الأمرِ بالقتل ونظائرِه فوجب أن يكون جوابُها أمراً بخلافِ ذلك وهذه سيقت بعد الحُكم عليهم بالاعتداء وأشباهِه فلا بد من كون جوابِها حُكماً بخلافه البتة
﴿وَنُفَصّلُ الايات﴾ أي نبيّنها والمرادُ بها إما ما مر من الآيات المتعلقةِ بأحوال المشركين من الناكثين وغيرِهم وأحكامِهم حالتي الكفرِ والإيمان وإما جميعُ الآياتِ فيندرج فيها تلك الآيات اندارجا أولياً
﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي ما فيها من الأحكام أو لقوم عالمين وهو اعتراضٌ للحث على التأمل في الأحكام المندرجةِ في تضاعيفها والمحافظةِ عليها
стр. 2139
﴿وَإِن نَّكَثُواْ﴾ عطفٌ على قوله تعالى فَإِن تَابُواْ أي وإن لم يفعلوا ذلك بل نقضوا
﴿أيمانهم مّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ الموثقِ بها وأظهروا ما في ضمائرهم من الشر وأخرجوه من القوةِ إلى الفعلِ حسبما ينبئ عنه قوله تعالى وإن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُواْ الآية أو ثبتوا على ما هم عليه من النَّكْث لا أنهم ارتدوا بعد الإيمان كما قيل
﴿وَطَعَنُواْ فِى دِينِكُمْ﴾ قدَحوا فيه بصريح التكذيبِ وتقبيحِ الأحكام
﴿فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر﴾ أي فقاتلوهم وإنما أوثر مَا عليهِ النظمُ الكريمُ للإيذان بأنهم صاروا بذلك ذوي رياسةٍ وتقدم في الكفر أحقّاءَ بالقتل والقتال وقيل المرادُ بأئمتهم رؤساؤُهم وصناديدُهم وتخصيصُهم بالذكر إما لأهميتة قتلِهم أو للمنع من مراقبتهم لكونهم مظِنةً لها أو للدِلالة على استئصالهم فإن قتلَهم غالباً يكون بعد قتلِ مَنْ دونهم وقرئ أئمة بتحقيق الهمزتين على الأصل والأفصحُ إخراج الثانية بين بين
стр. 2140
٩ سورة براءة الآية (١٣) وأما التصريحُ بالياء فلحنٌ ظاهرٌ عند الفراء
﴿إِنَّهُمْ لا أيمان لَهُمْ﴾ أي على الحقيقةِ حيثُ لا يراعونها ولا يعدّون نقضَها محذوراً وإن أجْرَوها على ألسنتهم وإنما علّق النفيُ بها كالنَكْث فيما سلف لا بالعهد المؤكدِ بها لأنها العُمدةُ في المواثيق وجعلُ الجملة تعليلاً للأمر بالقتال لا يساعده تعليقُه بالنكث والطعنِ لأن حالَهم في أن لا أيمانَ لهم حقيقةً بعد النكثِ والطعن كحالهم قبل ذلك وحملُه على معنى عدمِ بقاءِ أيمانِهم بعد النَّكثِ والطعن مع أنه لا حاجةَ إلى بيانه خلافُ الظاهرِ ولعل الأولى جعلُها تعليلاً لمضمون الشرطِ كأنه قيل وإن نكثوا وطعَنوا كما هو المتوقَّعُ منهم إذ لا أيمانَ لهم حقيقةً حتى لا ينكُثوها أو لاستمرار القتالِ المأمورِ به المستفادِ من سياق الكلامِ كأنه قيل فقاتلوهم إلى أن يؤمنوا إنهم لا أَيمانَ لهم حتى يُعقدَ معهم عهدٌ آخر وقرئ بكسرِ الهمزةِ على أنَّه مصدرٌ بمعنى إعطاءِ الأمانِ أي لا سبيلَ إلى أن تُعطوهم أماناً بعد ذلك أبداً وأما العكسُ كما قيل فلا وجه له لإشعاره بأن معاهدتَهم معنا على طريقة أن يكون إعطاءُ الأمانِ من قِبَلهم وذلك بيِّنُ البُطلان أو بمعنى الإسلام ففي كونه تعليلاً للأمر بالقتال إشكالٌ بل استحالةٌ لأنه إن حُمل على انتفاء الإسلامِ مطلقاً فهو بمعزل عن العِلّية للقتال أو للأمر به كما قبل النكثِ والطعن وإن حُمل على انتفائه فيما سيأتي فلا يلائم جعلَ الانتهاءِ غاية للقتال فيما سيجئ فالوجهُ أن يُجعل تعليلاً لما ذُكر من مضمون الشرطِ كأنه قيل إن نكثوا وطعَنوا وهو الظاهرُ من حالهم لأنه لا إسلامَ لهم حتى يرتدعوا عن نقض جنسِ أَيمانهم وعن الطعن في دينكم
﴿لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ متعلقٌ بقوله تعالى فقاتلوا أي قاتلوهم إرادةَ أن ينتهوا أي ليكن غرضُكم من القتال انتهاءَهم عمَّا هُم عليهِ من الكفر وسائرِ العظائمِ التي يرتكبونها لا إيصالَ الأذية بهم كما هو ديدنُ المؤذِين
следующие страницы →