← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

٩ سورة براءة الآيات (١٠ ١٢) يعملونه أو عملُهم وقوله عز وعلا

стр. 2137

﴿لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلَا ذِمَّةً﴾ ناعٍ عليهم عدمَ مراعاةِ حقوقِ عهدِ المؤمنين على الإطلاق فلا تكرارَ وقيل هذا في اليهود أو في الأعراب المذكورين ومَنْ يحذو حذوهم وأما ما قيل من أنه تفسير لقوله تعالى يَعْمَلُونَ أو دليلٌ على ما هو مخصوصٌ بالذم فمُشعِرٌ باختصاص الذمِّ والسوء بعملهم هذا دون غيره ﴿وَأُوْلئِكَ﴾ الموصوفون بما عُدِّد من الصِّفاتِ السيئةِ ﴿هُمُ المعتدون﴾ المجاوزون الغايةَ القُصوى من الظلم والشرارة

стр. 2138

﴿فَإِن تَابُواْ﴾ أي عمَّا هُم عليهِ من الكفر وسائرِ العظائمِ والفاءُ للإيذان بأن تقريعَهم بما نُعيَ عليهم من مساوى أعمالهم مزجرة عنها ومِظنةٌ للتوبة ﴿وَأَقَامُواْ الصلاة وآتَوْا الزَّكَاةَ﴾ أي التزموهما وعزموا على إقامتهما ﴿فَإِخوَانُكُمْ﴾ أي فهم إخوانُكم وقوله تعالى ﴿فِى الدين﴾ متعلقٌ بإخوانُكم لما فيه من معنى الفعلِ أي لهم ما لكم وعليهم ما عليكم فعاملوهم معاملةَ الإخوان وفيه من استمالتهم واستجلابِ قلوبِهم ما لا مزيدَ عليه والاختلافُ بين جوابِ هذه الشرطيةِ وجوابِ التي مرت من قبلُ مع اتحاد الشرطِ فيهما لما أن الأولى سيقت إثرَ الأمرِ بالقتل ونظائرِه فوجب أن يكون جوابُها أمراً بخلافِ ذلك وهذه سيقت بعد الحُكم عليهم بالاعتداء وأشباهِه فلا بد من كون جوابِها حُكماً بخلافه البتة ﴿وَنُفَصّلُ الايات﴾ أي نبيّنها والمرادُ بها إما ما مر من الآيات المتعلقةِ بأحوال المشركين من الناكثين وغيرِهم وأحكامِهم حالتي الكفرِ والإيمان وإما جميعُ الآياتِ فيندرج فيها تلك الآيات اندارجا أولياً ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي ما فيها من الأحكام أو لقوم عالمين وهو اعتراضٌ للحث على التأمل في الأحكام المندرجةِ في تضاعيفها والمحافظةِ عليها

стр. 2139

﴿وَإِن نَّكَثُواْ﴾ عطفٌ على قوله تعالى فَإِن تَابُواْ أي وإن لم يفعلوا ذلك بل نقضوا ﴿أيمانهم مّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ الموثقِ بها وأظهروا ما في ضمائرهم من الشر وأخرجوه من القوةِ إلى الفعلِ حسبما ينبئ عنه قوله تعالى وإن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُواْ الآية أو ثبتوا على ما هم عليه من النَّكْث لا أنهم ارتدوا بعد الإيمان كما قيل ﴿وَطَعَنُواْ فِى دِينِكُمْ﴾ قدَحوا فيه بصريح التكذيبِ وتقبيحِ الأحكام ﴿فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر﴾ أي فقاتلوهم وإنما أوثر مَا عليهِ النظمُ الكريمُ للإيذان بأنهم صاروا بذلك ذوي رياسةٍ وتقدم في الكفر أحقّاءَ بالقتل والقتال وقيل المرادُ بأئمتهم رؤساؤُهم وصناديدُهم وتخصيصُهم بالذكر إما لأهميتة قتلِهم أو للمنع من مراقبتهم لكونهم مظِنةً لها أو للدِلالة على استئصالهم فإن قتلَهم غالباً يكون بعد قتلِ مَنْ دونهم وقرئ أئمة بتحقيق الهمزتين على الأصل والأفصحُ إخراج الثانية بين بين

стр. 2140

٩ سورة براءة الآية (١٣) وأما التصريحُ بالياء فلحنٌ ظاهرٌ عند الفراء ﴿إِنَّهُمْ لا أيمان لَهُمْ﴾ أي على الحقيقةِ حيثُ لا يراعونها ولا يعدّون نقضَها محذوراً وإن أجْرَوها على ألسنتهم وإنما علّق النفيُ بها كالنَكْث فيما سلف لا بالعهد المؤكدِ بها لأنها العُمدةُ في المواثيق وجعلُ الجملة تعليلاً للأمر بالقتال لا يساعده تعليقُه بالنكث والطعنِ لأن حالَهم في أن لا أيمانَ لهم حقيقةً بعد النكثِ والطعن كحالهم قبل ذلك وحملُه على معنى عدمِ بقاءِ أيمانِهم بعد النَّكثِ والطعن مع أنه لا حاجةَ إلى بيانه خلافُ الظاهرِ ولعل الأولى جعلُها تعليلاً لمضمون الشرطِ كأنه قيل وإن نكثوا وطعَنوا كما هو المتوقَّعُ منهم إذ لا أيمانَ لهم حقيقةً حتى لا ينكُثوها أو لاستمرار القتالِ المأمورِ به المستفادِ من سياق الكلامِ كأنه قيل فقاتلوهم إلى أن يؤمنوا إنهم لا أَيمانَ لهم حتى يُعقدَ معهم عهدٌ آخر وقرئ بكسرِ الهمزةِ على أنَّه مصدرٌ بمعنى إعطاءِ الأمانِ أي لا سبيلَ إلى أن تُعطوهم أماناً بعد ذلك أبداً وأما العكسُ كما قيل فلا وجه له لإشعاره بأن معاهدتَهم معنا على طريقة أن يكون إعطاءُ الأمانِ من قِبَلهم وذلك بيِّنُ البُطلان أو بمعنى الإسلام ففي كونه تعليلاً للأمر بالقتال إشكالٌ بل استحالةٌ لأنه إن حُمل على انتفاء الإسلامِ مطلقاً فهو بمعزل عن العِلّية للقتال أو للأمر به كما قبل النكثِ والطعن وإن حُمل على انتفائه فيما سيأتي فلا يلائم جعلَ الانتهاءِ غاية للقتال فيما سيجئ فالوجهُ أن يُجعل تعليلاً لما ذُكر من مضمون الشرطِ كأنه قيل إن نكثوا وطعَنوا وهو الظاهرُ من حالهم لأنه لا إسلامَ لهم حتى يرتدعوا عن نقض جنسِ أَيمانهم وعن الطعن في دينكم ﴿لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ متعلقٌ بقوله تعالى فقاتلوا أي قاتلوهم إرادةَ أن ينتهوا أي ليكن غرضُكم من القتال انتهاءَهم عمَّا هُم عليهِ من الكفر وسائرِ العظائمِ التي يرتكبونها لا إيصالَ الأذية بهم كما هو ديدنُ المؤذِين

стр. 2141

﴿أَلَا تقاتلون﴾ الهمزةُ الداخلةُ على انتفاء مقاتَلتِهم للإنكار والتوبيخ تدل على تحضيضهم على المقاتلة بطريق حملِهم على الإقرار بانتفائها كأنه أمرٌ لا يمكن أن يُعترف به طائعاً لكمال شناعته فيلجئون إلى ذلك ولا يقدرون على الإقرار به فيختارون المقاتلة ﴿قَوْماً نَّكَثُواْ أيمانهم﴾ التي حلَفوها عند المعاهدة على أن لا يعاوِنوا عليهم فعاوَنوا بني بكرٍ على خُزاعة ﴿وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرسول﴾ من مكةَ حين تشاوروا في أمره بدار الندوة حسبما ذُكر في قوله تعالى وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ فيكون نعياً عليهم جنايتُهم القديمةُ وقيل هم اليهودُ نكثوا عهد الرسول ﷺ وهموا بإخراجه من المدينة ﴿وهم بدؤوكم﴾ بالمعاداة والمقاتلة ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ لأن رسول الله ﷺ جاءهم أولاً بالكتاب المبين وتحداهم به فعدلوا عن المُحاجّة لعجزهم عنها إلى المقاتلة أو بدءوا بقتال خزاعة حلفاء النبيِّ ﷺ لأن إعانة بني بكر عليهم قتالٌ معهم ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أي أتخشون أن ينالَكم منهم مكروهٌ حتى تتركوا قتالهم وبخهم أو لا بترك مقاتلتِهم وحضَّهم عليها ثم وصفهم بما يوجب الرغبةَ فيها ويحقق أن مَنْ كان على تلك الصفاتِ السيئةِ حقيقٌ بأن لا تترك مصادمتُه ويوبَّخَ من فرّط فيها ﴿فالله أحق أن تخشوه﴾

стр. 2142

٩ سورة براءة الآيات (١٤ ١٦) بمخالفة أمرِه وترك قتالِ أعدائهِ ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ فإنَّ قضيةَ الإيمانِ تخصيصُ الخشيةِ به تعالى وعدمُ المبالاة بمن سواه وفيه من التشديد ما لا يخفى

стр. 2143

﴿قاتلوهم﴾ تجريدٌ للأمر بالقتال بعد التوبيخِ على تركه ووعدٌ بنصرهم وبتعذيب أعدائِهم وإخزائِهم وتشجيعٌ لهم ﴿يُعَذّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ﴾ قتلاً وأسراً ﴿وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ أي يجعلُكم جميعاً غالبين عليهم أجمعين ولذلك أُخّر عن التعذيب والإجزاء ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ ممن لم يشهد القتالَ وهم خُزاعةُ قال ابن عباس ﵄ هم بطونٌ من اليمن وسبإٍ قدِموا مكةَ فأسلموا فلقُوا من أهلها أذىً كثيراً فبعثوا إلى رسول الله ﷺ يشكون إليه فقال ﷺ أبشِروا فإن الفرجَ قريب

стр. 2144

﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ بما كابدوا من المكاره والمكايدِ ولقد أنجز الله سبحانه جميع ما وعدهم به على أجمل ما يكون فكان إخباره ﷺ بذلك قبل وقوعِه معجزةً عظيمة ﴿وَيَتُوبُ الله على مَن يَشَاء﴾ كلامٌ مستأنفٌ ينبئ عما سيكون من بعض أهلِ مكةَ من التوبة المقبولةِ بحسب مشيئتِه تعالى المبنية على الحكم البالغة فكان كذلك حيث أسلم ناسٌ منهم وحسُن إسلامُهم وقرئ بالنصب بإضمار أن ودخولُ التوبةِ في جملة ما أجيب به الأمرُ بحسب المعنى فإن القتالَ كما هو سبب لفل شوكتِهم وإلانةِ شَكيمتِهم فهو سبب للتدبر في أمرهم وتوبتِهم من الكفر والمعاصي وللاختلاف في وجه السببية غُيِّر السبكُ والله تعالى أعلم ﴿والله﴾ إيثارُ إظهارِ الجلالة على الإضمار لتربية المهابةِ وإدخالِ الروعة ﴿عَلِيمٌ﴾ لا يَخفى عليهِ خافيةٌ ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يفعل ولا يأمر إلا بما فيه حكمةٌ ومصلحةٌ

стр. 2145

﴿أم حسبتم﴾ أم منقطعة جئ بها للدِلالة على الانتقال من التوبيخ السابقِ إلى آخَرَ وما فيها من همزة الاستفهامِ الإنكاريِّ توبيخٌ لهم على الحُسبان المذكورِ أي بل أحسِبتم ﴿أَن تُتْرَكُواْ﴾ على ما أنتُم عليهِ ولا تُؤمروا بالجهاد ولا تُبْتلوا بما يُمحِّصكم والخطابُ إما لمن شق عليهم القتالُ من المؤمنين أو للمنافقين ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا منكم﴾ الواو حالية ولمّا للنفي مع التوقع والمرادُ من نفي العلم نفيُ المعلومِ بالطريق البرهاني إذ لو شُمَّ رائحةُ الوجود لعُلم قطعاً فلما لم يُعلم لزِم عدمُه قطعاً أي أم حسبتم أن تتركوا والحالُ أنه لم يتبين الخُلّصُ من المجاهدين منكم من غيرهم ومَا في لمَّا مِنْ التوقع منبِّهٌ على أن ذلك سيكون وفائدةُ التعبير عما ذكر من عدم التبينِ بعدم علم الله تعالى أن المقصودَ هو التبينُ من حيث كونُه متعلقاً للعلم ومداراً للثواب وعدمُ التعرّضِ لحال المقصّرين لما أن ذلك بمعزل من الاندراج تحت إرادةِ أكرم الأكرمين ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُواْ﴾ عطف على جاهدوا داخلٌ في حيز

стр. 2146

٩ سورة براءة الآية (١٧) الصلة أو حالٌ من فاعلِه أي جاهدوا حالَ كونِهم غيرَ متّخذين ﴿مِن دُونِ الله وَلَا رَسُولِهِ وَلَا المؤمنين وَلِيجَةً﴾ أي بِطانةً وصاحب سِرّ وهو الذي تُطلعه على ما في ضميرك من الأسرار الخفيةِ من الولوج وهو الدخولُ ومن دون الله متعلق بالاتخاذ إن أبق على حاله أو مفعولٌ ثانٍ له إن جعل بمعنى التسيير ﴿والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي بجميع أعمالكم وقرئ على الغَيبة وهو تذييلٌ يُزيح ما يُتوَهّم من ظاهرِ قولِه تعالى وَلَمَّا يَعْلَمِ الخ أو حال متداخلةٌ من فاعله أو من مفعوله والمعنى وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا منكم والحالُ أنه يعلم جميعَ أعمالِكم لا يَخْفى عليه شيءٌ منها

стр. 2147

﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أي ما صح وما استقام لهم على معنى نفي الوجودِ والتحققِ لا نفيِ الجواز كما في قوله تعالى أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَاّ خَائِفِينَ أي ما وقع وما تحقق لهم ﴿أَن يَعْمُرُواْ﴾ عمارةً معتداً بها ﴿مساجد الله﴾ أي المسجدَ الحرامَ وإنما جُمع لأنه قِبلةُ المساجد وإمامُها فعامرُه كعامرها أو لأن كلَّ ناحيةٍ من نواحيه المختلفةِ الجهات مسجدٌ على حياله بخلاف سائرِ المساجدِ إذ ليس في نواحيها اختلافُ الجهةِ ويؤيده القراءةُ بالتوحيد وقيل مَا كَانَ لَهُمْ أَن يعمُروا شيئاً من المساجد فضلاً عن المسجد الحرام الذي هو صدرُ الجنسِ ويأباه أنهم لا يتصَدَّوْن لتعمير سائرِ المساجدِ ولا يفتخرون بذلك على أنه مبنيٌ على كون النفي بمعنى نفي الجوازِ واللياقةِ دون نفي الوجود ﴿شاهدين على أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ﴾ أي بإظهار آثارِ الشركِ من نصب الأوثان حول البيتِ والعبادةِ لها فإن ذلك شهادةٌ صريحةٌ على أنفسهم بالكفر وإن أبَوْا أن يقولوا نحن كفارٌ كما نقل عن الحسن ﵁ وهو حالٌ من الضمير في يعمُروا أي محالٌ أن يكون ما سمَّوْه عمارةً عمارةَ بيتِ الله مع ملابستهم لما ينافيها ويُحبِطها من عبادة غيرِه تعالى فإنها ليست من العمارة في شيء وأما ما قيل من أن المعنى ما استقام لهم أن يجمَعوا بين أمرين متنافيين عمارةِ بيتِ الله تعالى وعبادةِ غيرِه تعالى فليس بمُعربٍ عن كُنه المرامِ فإن عدمَ استقامةِ الجمعِ بين المتنافيَيْن إنما يستدعي انتفاء أحدهما لا بعينه لا انتفاء العمارة الذي هو المقصود روي أن المهاجرين والأنصارَ أقبلوا على أُسارى بدرٍ يعيِّرونهم بالشرك وطفِق عليٌّ رضي الله تعالى عنه يوبِّخ العباس بقتال النبيِّ ﷺ وقطيعةِ الرحم وأغلظَ له في القول فقال العباس تذكُرون مساوينا وتكتمون محاسننا فقال ولكم محاسنُ قالوا نعم إنا لنعمُر المسجدَ الحرام ونحجّب الكعبة ونسقي الحجيجَ ونفك العاني فنزلت ﴿أولئك﴾ الذين يدّعون عمارةَ المسجدِ وما يضاهيها من أعمال البرِ مع ما بهم من الكفر ﴿حَبِطَتْ أعمالهم﴾ التي يفتخرون بها بما قارنها من الكفر فصارت هباء منثوراً ﴿وَفِى النار هُمْ خالدون﴾ لكفرهم ومعاصيهم وإيرادُ الجملةِ الاسميةِ للمُبالغةِ في الدلالة على الخلود والظرفُ متعلقٌ بالخبر قدم عليه للاهتمام به ومراعاةِ الفاصلة وكلتا الجملتين مستأنفةٌ لتقرير النفيِ السابق الأولى من جهة نفيِ استتباعِ الثواب والثانيةُ من جهة نفي استدفاع العذاب

стр. 2148

سورة براءة الآيات (١٨ ١٩)

стр. 2149

﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله﴾ الكلامُ في إيراد صيغةِ الجمعِ كما مر فيما مر خلا أن إرادةَ جميع المساجد وإدراج المسجد الحرامِ في ذلك غيرُ مخالفةٍ لمقتضى الحال فإن الإيجابَ ليس كالسلب وقد قرئ بالإفراد أيضا والمراد ههنا أيضاً قصرُ تحققِ العِمارةِ ووجودها على المؤمنين لا قصر جوازها ولياقتها أي إنما يصح ويستقيم أن يعمرها عمارةً يُعتدّ بها ﴿مَنْ آمن بالله﴾ وحده ﴿واليوم الاخر﴾ بما فيه من البعث والحسابِ والجزاءِ حسبما نطَق به الوحيُ ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ على ما علم من الدين فيندرجُ فيه الإيمان بنبوة النبيِّ ﷺ حتماً وقيل هو مندرجٌ تحت الإيمانِ بالله خاصةً فإن أحدَ جُزْأي كلمتي الشهادة علمٌ للكل أي إنما يعمُرها مَنْ جمع هذه الكمالاتِ العلميةَ والعمليةَ والمرادُ بالعمارة ما يعم مَرَمَّةَ ما استرمّ منها وقمُّها وتنظيفُها وتزيينُها بالفُرُش وتنويرُها بالسُّرُج وإدامةُ العبادة والذكرُ ودراسةُ العلوم فيها ونحوُ ذلك وصيانتُها مما لم تُبنَ له كحديث الدنيا وعن رسول الله ﷺ الحديثُ في المسجد يأكلُ الحسناتِ كما تأكل البهيمةُ الحشيش وقال ﷺ قال الله تعالى إن بيوتي في أرضي المساجدُ وإن زوّاري فيها عُمّارُها فطوبي لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحقّ على المَزورِ أن يكرم زائرِه وعنه ﷺ من ألِفَ المسجدَ ألِفَه الله تعالى وقال ﷺ إذا رأيتم الرجلَ يعتادُ المساجدَ فاشهدوا له بالإيمان وعن أنسٌ ﵁ من أسرج في مسجد سِراجاً لم تزل الملائكةُ وحملةُ العرشِ تستغفر له ما دامَ في ذلك المسجد ضوءه ﴿وَلَمْ يَخْشَ﴾ في أمور الدين ﴿إِلَاّ الله﴾ فعمِل بموجب أمرِه ونهيه غيرَ آخد له في الله لومةُ لائمٍ ولا خشيةُ ظالم فيندرج فيه عدمُ الخشية عند القتال ونحوُ ذلك وأما الخوفُ الجِبِليُّ من الأمور المَخوفةِ فليس من هذا الباب ولا مما يدخُل تحت التكليفِ والخطاب وقيل كانوا يخشَوْن الأصنام ويرجونها فأريد نفيُ تلك الخشيةِ عنهم ﴿فعسى أُوْلَئِكَ﴾ المنعوتون بتلك النعوتِ الجميلة ﴿أَن يَكُونُواْ مِنَ المهتدين﴾ إلى مباغيهم من الجنَّةَ وَمَا فِيْهَا منْ فنونِ المطالبِ العليةِ وإبرازُ اهتدائِهم مع ما بهم من الصفات السنيةِ في معرِض التوقعِ لقطع أطماعِ الكفرةِ عن الوصول إلى مواقف الاهتداء والانتفاعِ بأعمالهم التي يحسَبون أنهم في ذلك محسنون ولتوبيخهم بقطعهم بأنهم مهتدون فإن المؤمنين مع ما بهم من هذه الكمالاتِ إذا كان أمرُهم دائراً بين لعل وعسى فما بالُ الكفرة وهم هُمْ وأعمالهم أعمالُهم وفيه لطفٌ للمؤمنين وترغيبٌ لهم في ترجيح جانبِ الخوفِ على جانب الرجاءِ ورفض الاعتذار بالله تعالى

стр. 2150

﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج وَعِمَارَةَ المسجد الحرام﴾ أي في الفضيلة وعلوِّ الدرجة ﴿كَمَنْ آمن بالله واليوم الآخر وجاهد فِى سَبِيلِ الله﴾ السقايةُ والعِمارةُ مصدران لا يتصور تشبيهُهما بالأعيان فلا بُدَّ من تقدير مضافٍ في أحد

стр. 2151

٩ سورة براءة الآية (٢٠) الجانين أي أجعلتم أهلَهما كمن آمن بالله الخ ويُؤيده قراءةُ مَن قرأَ سُقاةَ الحاجِّ وعُمرةَ المسجد الحرام أو أجعلتموها كإيمان من آمن الخ وعلى التقديرين فالخطابُ إما للمشركين على طريقة الالتفاتِ وهو المتبادر من تخصيص ذكرِ الإيمانِ بجانب المشبَّهِ به وإما لبعض المؤمنين المؤثِرين للسقاية والعِمارةِ ونحوِهما على الهجرة والجهادِ ونظائرِهما وهو المناسبُ للاكتفاء في الرد عليهم ببيان عدمِ مساواتِهم عند الله للفريق الثاني وبيانِ أعظميةِ درجتِهم عند الله تعالى على وجه يُشعر بعدم حِرمانِ الأوّلين بالكلية وجعلُ معنى التفضيلِ بالنسبة إلى زعم الكفرةِ لا يُجدي كثيرَ نفعٍ لأنه إن لم يُشعِرْ بعدم الحِرمانِ فليس بمُشعر بالحِرمان أيضاً أما على الأول فهو توبيخٌ للمشركين ومدارُه على إنكار تشبيهِ أنفسِهم من حيث اتصافُهم بوصفيهم المذكورين مع قطع النظرِ عمَّا هُم عليهِ من الشرك بالمؤمنين من حيث اتصافُهم بالإيمان والجهاد أو على إنكار تشبيهِ وصفيهم المذكورين في حد ذاتِهما مع الإغماض عن مقارنتهما للشرك بالإيمان والجهادِ وأما اعتبارُ مقارنتِهما له كما قيل فيأباه المقامُ كيف لا وقد بيِّن آنفاً حبوطُ أعمالِهم بذلك الاعتبارِ بالمرة وكونُها بمنزلة العدم فتوبيخُهم بعد ذلك على تشبيههما بالإيمان والجهادِ ثم رَدُّ ذلك بما يُشعر بعدم حِرمانِهم عن أصل الفضيلة بالكلية كما أشير إليه ممَّا لا يساعدُهُ النظمُ التنزيليُّ ولو اعتُبر ذلك لما احتيج إلى تقرير إنكارِ التشبيهِ وتأكيدِه بشيء آخرَ إذ لا شيءَ أظهرُ بطلاناً من تشبيه المعدومِ بالموجود فالمعنى أجعلتم أهلَ السقايةِ والعمارةِ في الفضيلة كمن آمن بالله واليومِ الآخر وجاهد في سبيله أو أجعلتموهما في ذلك كالإيمان والجهادِ وشتانَ بينهما فإن السقايةَ والعمارةَ وإن كانتا في أنفسِهما من أعمال البرِّ والخيرِ لكنهما وإن خَلَتا عن القوادح بمعزل عن صلاحيةِ أن يُشبَّه أهلُهما بأهل الإيمان والجهاد أو يشبه نفسهما بنفس الإيمان والجهادِ وذلك قوله ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِندَ الله﴾ أي لا يساوي الفريقُ الأول الثانيَ من حيث اتصافُ كلَ منهما بوصفيهما ومن ضرورته عدمُ التساوي بين الوصفَين الأولين وبين الآخَرَين لأنه المدارَ في التفاوت بين الموصفين وإسنادُ عدمِ الاستواءِ إلى الموصوفين لأن الأهمَّ بيانُ تفاوتهم وتوجيه النفي ههنا والإنكارُ فيما سلف إلى الاستواء والتشبيهِ مع أن دعوى المفتخِرين بالسقاية والعمارةِ من المشركين والمؤمنين إنما هي الأفضليةُ دون التساوي والتشابه للمبالغة في الرد عليهم فإن نفيَ التساوي والتشابهِ نفيٌ للأفضلية بالطريق الأولى والجملةُ استئنافٌ لتقرير الإنكارِ المذكورِ وتأكيدِه أو حال من مفعولي الجَعل والرابطُ هو الضميرُ كأنه قيل أسوَّيتم بينهم حال كونِهم متفاوتين عنده تعالى وقولُهُ تعالى ﴿والله لَا يَهْدِى القوم الظالمين﴾ حُكمٌ عليهم بأنهم مع ظلمهم بالإشراك ومعاداة الرسول ﷺ ضالون في هذا الجعلِ غيرُ مهتدين إلى طريق معرفةِ الحقِّ وتمييزِ الراجحِ من المرجوح وظالمون بوضع كل منهما موضع الآخر وفيه زيادةُ تقريرٍ لعدم التساوي بينهم وقوله تعالى

стр. 2152

﴿الذين آمنوا وَهَاجَرُواْ وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ﴾ استئنافٌ

стр. 2153

٩ سورة براءة الآيات (٢١ ٢٢) لبيان مراتبِ فضلِهم إثرَ بيانِ عدمِ الاستواءِ وضلالِ المشركين وظلمِهم وزيادةُ الهجرةِ وتفصيلُ نوعي الجهاد للإيذانِ بأنَّ ذلكَ من لوازم الجهادِ لا أنه اعتُبر بطريق التدارك أمر لم يُعتبر فيما سلف أي هم باعتبار اتصافِهم بهذه الأوصافِ الجميلة ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ الله﴾ أي أعلى رتبةً وأكثرَ كرامةً ممن لم يتصف بها كائناً مَنْ كان وإن حاز جميعَ ما عداها من الكمالات التي من جملتها السقايةُ والعمارة ﴿وَأُوْلئِكَ﴾ أي المنعوتون بتلك النعوتِ الفاضلةِ وما في إسمِ الإشارةِ من معنى البُعد للدِلالة على بُعد منزلتِهم في الرفعة ﴿هُمُ الفائزون﴾ المختصون بالفوز العظيمِ أو بالفوز المطلقِ كأن فوزَ مَنْ عداهم ليس بفوزٍ بالنسبة إلى فوزهم وأما على الثاني فهو توبيخٌ لمن يؤثِر السِّقايةَ والعِمارةَ من المؤمنين على الهجرة والجهاد روي أن علياً قال للعباس ﵄ بعد إسلامِه يا عمّ ألا تهاجرون ألا تلحقون برسولِ الله ﷺ فقال ألستُ في أفضلَ من الهجرة أَسقي حاجَّ بيتِ الله وأعمُر المسجدَ الحرام فلما نزلت قال ما أُراني إلا تاركَ سقايتنا فقال ﷺ أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيراً وروى النعمانُ بن بشير قال كنت عند منبرِ رسولِ الله ﷺ فقال رجلٌ ما أبالي أن لا أعملَ عملاً بعد أن أسقي الحاجَّ وقال آخَرُ ما أبالي أن لا أعملَ عملاً بعد أن أعمُرَ المسجدَ الحرام وقال آخرُ الجهادِ في سبيل الله أفضلُ مما قلتم فزجرهم عمر ﵁ وقال لا ترفعوا أصواتَكم عند منبر رسول الله ﷺ وهو يوم الجمعة ولكن إذا صليتم استفتيتُ رسولَ الله ﷺ فيما اختلفتم فيه فدخل فأنزل الله هذه الآيةَ والمعنى أجعلتم أهلَ السقايةِ والعمارةِ من المؤمنين في الفضيلة والرفعةِ كمن آمن بالله واليومِ الآخر وجاهد في سبيله أو أجعلتموهما كالإيمان والجهادِ وإنما لم يُذكر الإيمانُ في جانب المشبَّه مع كونه معتبَراً فيه قطعاً تعويلاً على ظهور الأمرِ وإشعاراً بأن مدارَ إنكارِ التشبيه هو السقايةُ والعمارةُ دون الإيمانِ وإنما لم يُترك ذكرُه في جانب المشبَّه به أيضاً تقويةً للإنكار وتذكيراً لأسباب الرجحانِ ومبادي الأفضلية وإيذاناً بكمال التلازمِ بين الإيمان وما تلاه ومعنى عدمِ الاستواء عند الله تعالى على هذا التقدير ظاهر وكذا أعظيمة درجةِ الفريقِ الثاني وأما قوله تعالى والله لَا يَهْدِى القوم الظالمين فالمرادُ به عدمُ هدايتِه تعالى لهم لى معرفة الراجحِ من المرجوح وظلمُهم بوضع كل منهما موضعَ الآخر لا عدمُ الهدايةِ مطلقاً ولا الظلمُ عموماً والقصرُ في قوله تعالى وَأُولَئِكَ هُمْ الفائزون بالنسبة إلى درجة الفريقِ الثاني أو إلى الفوز المطلق ادعاءٌ كما مر والله أعلم

стр. 2154

﴿يبشرهم﴾ وقرئ بالتخفيف ﴿رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ﴾ عظيمة ﴿مّنْهُ ورضوان﴾ كبير ﴿وجنات﴾ عاليةٍ ﴿لَّهُمْ فِيهَا﴾ في تلك الجنات ﴿نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾ نِعمٌ لا نفادَ لها وفي التعرض لعنوان الربوبية تأكيدٌ للمبشَّر به وتربيةٌ له

стр. 2155

﴿خالدين فِيهَا﴾ أي في الجنات ﴿أَبَدًا﴾ تأكيدٌ للخلود لزيادة توضيحِ المرادِ به إذ قد يُراد به المُكث الطويل ﴿إِنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لا قدرَ عنده لأجور الدنيا أو للأعمال التي في مقابلته والجملةُ استئنافٌ وقع تعليلاً لما سبق

стр. 2156

٩ سورة براءة الآيات (٢٣ ٢٤)

стр. 2157

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أَوْلِيَاء﴾ نهيٌ لكلِّ فردٍ من أفراد المخاطَبين عن موالاة فردٍ من المشركين بقضية مقابلةِ الجمعِ بالجمع الوجبة لانقسامِ الآحادِ إلى الآحادِ كما في قوله وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ لا عن موالاة طائفةٍ منهم فإن ذلك مفهومٌ من النظم دِلالةً لا عبارةً والآية نزلت في المهاجرين فإنهم لما أُمروا بالهجرة قالوا إنْ هاجرنا قطَعْنا آباءَنا وأبناءَنا وعشيرتَنا وذهبت تجاراتنا وهلكتْ أموالُنا وخَرِبَتْ ديارُنا وبقِينا ضائعين فنزلت فهاجروا فجعل الرجلُ يأتيه ابنُه أو أبوه أو أخوه أو بعضُ أقاربه فلا يلتفت إليه ولا يُنزِله ولا يُنفق عليه ثم رُخِّصَ لهم في ذلك وقيل نزلت في التسعة الذين ارتدوا ولحِقوا بمكةَ نهياً عن موالاتهم وعن النبيِّ ﷺ لا يطعَمُ أحدُكم طعمَ الإيمانِ حتى يُحب في الله ويبغض في الله حتى يُحب في الله أبعدَ الناس منه ويُبغضَ في الله أقربَ الناس إليه ﴿إِنِ استحبوا الكفر﴾ أي اختاروه ﴿عَلَى الإيمان﴾ وأصرّوا عليه إصراراً لا يُرجى معه الإقلاعُ عنه أصلاً وتعليقُ النهي عن الموالاة بذلك لما أنها قبلَ ذلك ربما تؤدي بهم إلى الإسلام بسبب شعورِهم بمحاسن الدين ﴿وَمَن يتولهم﴾ أي واحد منهم كما أشير إليه وإفرادُ الضميرِ في الفعل لمراعاة لفظِ الموصولِ وللإيذان باستقلال كلُّ واحدٍ منهم في الاتصاف بالظلمِ لا أن المرادَ تولي فردٍ واحدٍ وكلمةُ مِنْ في قوله تعالى ﴿مّنكُمْ﴾ للجنس لا للتبعيض ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ أي أولئك المتولّون ﴿هُمُ الظالمون﴾ بوضعهم الموالاةَ في غير موضعِها كأنّ ظلمَ غيرِهم كلا ظلمٍ عند ظلمِهم

стр. 2158

﴿قُلْ﴾ تلوين للخطاب وأمرٌ له ﷺ بأن يُثبِّت المؤمنين ويقوّيَ عزائمَهم على الانتهاءِ عمَّا نُهوا عنْهُ من موالاة الآباءِ والإخوانِ ويزهِّدَهم فيهم وفيمن يجري مجراهم من الأبناء والأزواج ويقطعَ علائقَهم عن زخارف الدنيا وزينتِها على وجه التوبيخ والترهيب ﴿إن كان آباؤكم وَأَبْنَاؤُكُمْ وإخوانكم وَأَزْوَاجُكُم﴾ لم يُذكر الأبناءُ والأزواجُ فيما سلف لأن موالاةَ الأبناءِ والأزواج غير معتاد بخلاف المحبة ﴿وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ أي أقرباؤهم مأخوذ من العِشرة أي الصحبة وقيل من العشَرة فإنهم جماعةٌ ترجِع إلى عقد كعقد العشرة وقرئ عشيراتكم وعشائرُكم ﴿وأموال اقترفتموها﴾ أي اكتسبتموها وإنما وصفت بذلك إيماءً إلى عزتها عندهم لحصولها بكد اليمين ﴿وتجارة﴾ أي أمتعةٌ اشتريتموها للتجارة والربح ﴿تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ بفوات وقتِ رواجِها بغَيْبتكم عن مكةَ المعظمةِ في أيام الموسم ﴿ومساكن تَرْضَوْنَهَا﴾ أي منازلُ تعجبكم الإقامةُ فيها من الدور والبساتينِ والتعرُّضُ للصفات المذكورة للإيذان بأن اللومَ على محبة ما ذكر

стр. 2159

من زينة الحياةِ الدنيا ليس لتناسي ما فيها من مبادئ المحبة وموجباتِ الرغبة فيها وأنها مع ما لها من فنون المحاسنِ بمعزل عن أن يُؤثَرَ حبُّها على حبه تعالى وحبِّ رسوله ﷺ كما في قوله مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الكريم ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مّنَ الله وَرَسُولِهِ﴾ بالحب الاختياري المستتبع لأثره الذي هو الملازمة وعدمُ المفارقةِ لا الحُبُّ الجِبِليُّ الذي لا يخلُو عنه البشرُ فإنه غيرُ داخلٍ تحت التكليفِ الدائرِ على الطاقة ﴿وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ نُظم حبُّه في سلك حب الله وحب رسوله ﷺ تنويهاً لشأنه وتنبيهاً على أنه مما يجب أن يُحَبَّ فضلاً عن أن يُكرَه وإيذاناً بأن محبتَه راجعةٌ إلى محبتهما فإن الجهادَ عبارةٌ عن قتال أعدائِهما لأجل عداوتِهم فمَن يحبُّهما يجب أن يحِبَّ قتالَ من لا يحبُّهما ﴿فَتَرَبَّصُواْ﴾ أي انتظروا ﴿حتى يَأْتِىَ الله بِأَمْرِهِ﴾ عن ابن عباس ﵄ أنه فتحُ مكةَ وقيل هي عقوبةٌ عاجلةٌ أو آجلة ﴿والله لَا يَهْدِى القوم الفاسقين﴾ الخارجين عن الطاعة في موالاة المشركين أو القومَ الفاسقين كافةً فيدخل في زمرتهم هؤلاءِ دخولاً أولياً أي لا يرشدهُم إلى ما هو خيرٌ لهم وفي الآية الكريمة من الوعيد ما لا يكاد يَتخلّص منه إلا من تداركه لطفٌ من ربه والله المستعان سورة براءة آية (٢٥)

стр. 2160

﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله﴾ الخطابُ للمؤمنين خاصة ﴿فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ من الحروب وهي مواقُعها ومقاماتها والمرادُ بها وقَعاتُ بدر وقُرَيظةَ والنَّضيرِ والحُدَيبية وخيبَر وفتحُ مكة ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ عطفٌ على محل في مواطن بحذف المضافِ في أحدهما أي وموطنِ يوم حنين أو في أيامِ مواطنَ كثيرةٍ ويومَ حنين ولعل التغييرَ للإيماء إلى ما وقع فيه من قلة الثباتِ من أول الأمر وقيل المرادُ بالموطِن الوقتُ كمقتل الحسين وقيل يومَ حنين منصوبٌ بمضمرٍ معطوفٍ على نصركم أي ونصرَكم يومَ حنين ﴿إِذَ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ بدلٌ من يومَ حنينٍ ولا منعَ فيه من عطفه على محل الظرفِ بناءً على أنَّه لم يكنْ في المعطوف عليه كثرةٌ ولا إعجابٌ إذ ليس من قضية العطفِ مشاركةُ المعطوفين فيما أضيف إليه المعطوفُ أو منصوبٌ بإضمار اذكُرْ وحنينٌ وادٍ بين مكةَ والطائفِ كانت فيه الوقعة بين المسلمين وهم اثنا عشر ألفاً عشرة آلاف منهم من شهد فتحَ مكةَ من المهاجرين والأنصار وألفانِ من الطلقاء وبين هَوازِنَ وثقيفٍ وكانوا أربعةَ آلافٍ فيمن ضامهم من أمداد سائر العرب وكانوا الجمَّ الغفيرَ فلما التَقْوا قال رجلٌ من المسلمين اسمُه سلمةُ ابن سلامةَ الأنصاري لن نُغلَبَ اليومَ من قلة فساءت رسول الله ﷺ فاقتتلوا قتالاً شديداً فانهزم المشركون وخلَّوا الذراريَ فأكبَّ المسلمون على الغنائم فتنادى المشركون يا حُماة السوء اذكروا الفضائحَ فتراجعوا فأدركت المسلمين كلمةُ الإعجاب فانكشفوا وذلك قوله ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً﴾ والإغناءُ إعطاءُ ما يُدفع به الحاجةُ أي لم تُعطِكم تلك الكثرةُ ما تدفعون به حاجتَكم شيئاً من الإغناء ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الارض بما رحبت﴾ أي برَحْبها وسَعتها عَلى أنَّ مَا مصدريةٌ والباء بمعنى مع أي لا تجِدون فيها مفرّاً تطمئنُّ إليه نفوسُكم من شدة الرعبِ ولا تثبُتون فيها كمن لا يسعه مكان ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ رُوي أنه

стр. 2161

بلغ فَلُّهم مكةَ وبقي رسول الله ﷺ وحده ليس معه إلا عمُّه العباسُ آخذاً بلجام بغلته وابنُ عمِّه أبو سفيان ابن الحرث آخذاً بركابه وهو يركُض البغلةَ نحو المشركين وهو يقول أنا النبيُّ لا كذِب أنا ابنُ عبد المطَّلب روى أنه ﷺ كان يحمِلُ على الكفار فيفِرُّون ثم يحمِلون عليه فيقف لهم فعلَ ذلك بضعَ عشْرَةَ مرة قال العباس كنت أكُفَّ البغلة لئلا تُسرِعَ به نحوَ المشركين وناهيك بهذه الواحدةِ شهادةَ صدقٍ على أنه ﷺ كان في الشجاعة ورباطةِ الجأش سبّاقاً للغايات القاصيةِ وما كان ذلك إلا لكونه مؤيداً من عند الله العزيز الحكيم فعند ذلك قال يا رب ائتني بما وعدتَني وقال للعباس وكان صيِّتاً صِحْ بالناس فنادى الأنصارَ فخِذاً فخِذاً ثم نادى يا أصحابَ الشجرةِ يا أصحابَ سورةِ البقرة فكرّوا عنقاً واحداً وهم يقولون لبيك لبيك وذلك قوله تعالى سورة براءة آيه (٢٦ ٢٧)

стр. 2162

﴿ثُمَّ أَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ﴾ أي رحمتَه التي تسكُن بها القلوبُ وتطمئنُّ إليها اطمئناناً كلياً مستتبِعاً للنصر القريبِ وأما مطلقُ السكينةِ فقد كانت حاصلة له ﷺ قبل ذلك أيضاً ﴿وَعَلَى المؤمنين﴾ عطفٌ على رسولِه وتوسيطُ الجارِّ بينهما للدِلالة على ما بينهما من التفاوت أي المؤمنين الذين انهزموا وقيل على الذين ثبتوا مع النبيِّ ﷺ أو على الكل وهو الأنسبُ ولا ضيرَ في تحقق أصلِ السكينةِ في الثابتين من قبل والتعرُّضُ لوصف الإيمانِ للإشعار بعلية الإنزال ﴿وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ أي بأبصاركم كما يرى بعضُكم بعضاً وهم الملائكةُ ﵈ عليهم البياضُ على خيول بُلْقٍ فنظر النبيِّ ﷺ إلى قتال المسلمين فقال هكذا حين حمِيَ الوطيسُ فأخذ كفاً من التراب فرمى به نحو المشركين وقال شاهت الوجوه فلم يبق منهم أحدا إلا امتلأت به عيناه ثم قال ﷺ انهزَموا وربِّ الكعبة واختلفوا في عدد الملائكة يومئذ فقيل خمسةُ آلافٍ وقيل ثمانيةُ آلافٍ وقيل ستةَ عشَرَ ألفاً وفي قتالهم أيضاً فقيل قاتلوا وقيل لم يقاتلوا إلا يومَ بدر وإنما كان نزولُهم لتقوية قلوب المؤمنين بإلقاء الخواطِر الحسنةِ وتأييدِهم بذلك وإلقاءِ الرعبَ في قلوب المشركين قال سعيدُ بنُ المسيِّب حدثني رجل كان في المشركين يوم حُنين قال لما كشَفْنا المسلمين جعلْنا نسوقُهم فلما انتهينا إلى صاحب البغلةِ الشهباءِ تلقانا رجالٌ بِيضُ الوجوه فقالوا شاهت الوجوهُ ارجِعوا فرجَعنا فركِبوا أكتافنا ﴿وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ﴾ بالقتل والأسر والسبي ﴿وَذَلِكَ﴾ أي ما فُعل بهم مما ذكر ﴿جَزَاء الكافرين﴾ لكفرهم في الدنيا

стр. 2163

﴿ثُمَّ يَتُوبُ الله مِن بَعْدِ ذلك على مَن يَشَاء﴾ أنْ يتوبَ عليه منهم لحكمة تقتضيه أي يوفقه للإسلام ﴿والله غَفُورٌ﴾ يتجاوز عما سلف منهم من الكفر والمعاصي ﴿رَّحِيمٌ﴾ يتفضل عليهم ويثيبهم روي أن ناساً منهم جاءوا رسول الله ﷺ وبايعوه على الإسلام وقالوا يا رسول الله أنت خيرُ الناسِ وأبرُّ الناس وقد سُبيَ أهلونا وأولادنا وأُخذت أموالُنا قيل سُبيَ يومئذ ستةُ آلافِ نفسٍ وأُخذ من الإبل والغنمِ ما لا يُحصى فقال ﷺ إن عندي ما ترون إن خيرَ القولِ أصدقُه اختاروا

стр. 2164

إما ذرارِيَكم ونساءَكم وإما أموالَكم قالوا ما كنا نعدِل بالأحساب شيئاً فقام النبيِّ ﷺ فقال إن هؤلاء جاءونا مسلمين وإنا خيَّرناهم بين الذراري والأموالِ فلم يعدِلوا بالأحساب شيئاً فمن كان بيده سبْيٌ وطابت نفسُه أن يرُدَّه فشأنُه ومن لا فليعطنا وليكن فرضا علينا حتى نُصيبَ شيئاً فنعُطِيَه مكانه قالوا قد رضينا وسلمنا فقال ﷺ إنا لا ندري لعل فيكم من لا يرضى فمُروا عُرفاءَكم فليرفعوا ذلك إلينا فرَفَعتْ إليه العرفاءُ أنهم قد رضوا سورة براءة آية ٢٨

стр. 2165

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ﴾ وُصفوا بالمصدر مبالغةً كأنهم عينُ النجاسة أو هم ذو نجسٍ لخُبث باطنِهم أو لأن معهم الشركَ الذي هو بمنزلة النجَس أو لأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاساتِ فهي ملابسةٌ لهم عن ابن عباس ﵄ أن أعيانَهم نجِسةٌ كالكلاب والخنازير وعن الحسن من صافح مشرِكاً توضأ وأهلُ المذاهبِ على خلاف هذين القولين وقرئ نجس لكسر النون وسكون الجيم وهو تخفيف نجس ككِبْدٍ في كَبِد كأنه قيل إنما المشركون جنسٌ نجسٌ أو ضرْبٌ نجس وأكثرُ ما جاء تابعاً لرِجْس ﴿فَلَا يَقْرَبُواْ المسجد الحرام﴾ تقريع على نجاستهم وإنما نُهي عن القرب للمبالغة أو للمنع عن دخولِ الحرمِ وهو مذهبُ عطاءٍ وقيل المرادُ به النهيُ عن الدخول مطلقاً وقيل المرادُ المنعُ عن الحج والعمرةِ وهو مذهبُ أبي حنيفةَ رحمَهُ الله تعالى ويؤيده قوله ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هذا﴾ فإن تقييدَ النهي بذلك يدل على اختصاص المنهيِّ عنه بوقت من أوقات العام أي لا يحجُّوا ولا يعتمِروا بعد حجِّ عامِهم هذا وهو عامُ تسعةٍ من الهجرة حين أُمّر أبُو بكرٍ ﵁ على الموسم ويدل عليه قول علي ﵁ حين نادى ببراءة ألا لا يحُجَّ بعد عامِنا هذا مشركٌ ولا يُمنعون من دخول الحرمِ والمسجد الحرام وسائرِ المساجدِ عنده وعند الشافعي يمنعون من المسجد الحرام خاصة وعند مالك يمنعون من جميع المساجد ونهيُ المشركين أن يقرَبوه راجعٌ إلى نهي المسلمين عن تمكينهم من ذلك وقيل المرادُ أن يُمنعوا من تولي المسجد الحرام والقيامِ بمصالحه ويُعزَلوا عن ذلك ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أي فقراً بسبب منعِهم من الحج وانقطاعِ ما كانوا يجلُبونه إليكم من الإرفاق والمكاسب وقرئ عائلةً على أنها مصدرٌ كالعافيةِ أو حالاً عائلة ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾ من عطائه أو من تفضله بوجهٍ آخَرَ فأرسل الله تعالى السماء عليهم مدراراً أغزر بها خيرَهم وأكثر ميرَهم وأسلم أهلُ تبالةَ وجرشٍ فحمَلوا إلى مكة الطعامَ وما يُعاش به فكان ذلك أعودَ عليهم مما خافوا العَيلةَ لفواته ثم فتح عليهم البلادَ والغنائمَ وتوجه إليهم الناسُ من أقطار الأرض ﴿إِن شَاء﴾ أن يغنيكم مشيئتَه تابعةٌ للحكمة الداعيةِ إليها وإنما قيد ذلك بها لتنقطعَ الآمالُ إلى الله تعالى ولأن الإغناءَ ليس مطرداً بحسب الأفراد والأحوال والأوقات ﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ﴾ بمصالحكم ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يعطي ويمنع

стр. 2166

سورة براءة آية ٢٩

стр. 2167

﴿قاتلوا الذين لَا يُؤْمِنُونَ بالله وَلَا باليوم الاخر﴾ أمرَهم بقتال أهلِ الكتابين إثرَ أمرِهم بقتال المشركين وبمنعهم من أن يحوموا حول ما كانوا يفعلونه من الحج والعمرةِ غيرَ خائفين من الفاقة المتوهَّمةِ من انقطاعهم ونبّههم في تضاعيف ذلك على بعض طرقِ الإغناء الموعودِ على الوجه الكليِّ وأرشدهم إلى سلوكه ابتغاءً لفضله واستنجازاً لوعده والتعبيرُ عنهم بالموصول للإيذان بعلِّية مَا في حيزِ الصلةِ للأمر بالقتال وبانتظامهم بسببِ ذلكَ في سلكِ المشركين فإن اليهودَ مُثَنّيةٌ والنصارى مُثلِّثةٌ فهم بمعزل من أن يؤمنوا بالله سبحانه ولا باليوم الآخر فإن عملهم بأحوال الآخرة كلا علمٍ فإيمانُهم المبنيُّ عليه ليس بإيمان به ﴿وَلَا يحرِّمون مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ﴾ أي ما ثبت تحريمُه بالوحي متلوّاً أو غيرَ متلوٍ وقيل المرادُ برسوله الرسولُ الذي يزعُمون اتباعَه أي يخالفون أصلَ دينهم المنسوخِ اعتقاداً وعملاً ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الحق﴾ الثابتَ الذي هو ناسخٌ لسائر الأديان وهو دينُ الإسلام وقيل دين الله ﴿مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ من التوراة والإنجيل فمن بيانيةٌ لا تبعيضيةٌ حتى يكونَ بعضُهم على خلاف ما نُعت ﴿حتى يُعْطُواْ﴾ أي يقبَلوا أن يعطوا ﴿الجزية﴾ أي ما تقرَّرَ عليهم أن يُعطوه مشتقٌّ من جزَى دَينَه أي قضاه أو لأنهم يَجْزُون بها مَنْ مَنّ عليهم بالإعفاء عن القتل ﴿عَن يَدٍ﴾ حال من الضمير في يُعطوا أي عن يد مؤاتيةٍ مطيعةٍ بمعنى منقادين أو من يدهم بمعنى مسلّمين بأيديهم غيرَ باعثين بأيدي غيرِهم ولذلك مُنع من التوكيل فيه أو عن غِنىً ولذلك لم تجِب الجزيةُ على الفقير العاجزِ أو عن يد قاهرةِ عليهم أي بسبب يد بمعنى عاجزين أذلاء أو عن إنعام عليهم فإن إبقاءَ مُهجتِهم بما بذلوا من الجِزية نعمةٌ عظيمةٌ عليهم أو من الجزية أي نقداً مسلّمةً عن يد إلى يد وغايةُ القتالِ ليست نفسَ هذا الإعطاء بل قبولَه كما أشير إليه ﴿وَهُمْ صاغرون﴾ أي أذلاءُ وذلك بأن يأتيَ بها بنفسه ماشياً غيرَ راكبٍ ويسلِّمَها وهو قائمٌ والمتسلِّمُ جالسٌ ويُؤخَذَ بتَلْبيبه ويقال له أدِّ الجزية وإن كان يؤديها وهي تؤخذ عند أبي حنيفة ﵁ من أهل الكتاب مطلقاً ومن مشركي العجَم لا من مشركي العرب عند أبي يوسف ﵁ لا تؤخذ من العربي كتابياً كان أو مشركاً وتؤخذ من الأعجميِّ كتابياً كان أو مشركاً وعند الشافعي ﵁ تؤخذ من أهل الكتابِ عربياً أو عجمياً ولا تؤخذ من أهل الأوثانِ مطلقاً وذهب مالكٌ والأوزاعيُّ إلى أنها تؤخذ من جميع الكفارِ وأما المجوسُ فقد اتفقت الصحابةِ ﵃ على أخذ الجزيةِ منهم لقوله ﷺ سُنوا بهم سُنّةَ أهلِ الكتابِ ورُوي عن عليَ ﵁ أنَّه كان لهم كتابٌ يدرُسونه فأصبحوا وقد أسرى على كتابهم فرُفع من بين أظهُرِهم واتفقوا على تحريم ذبيحتهم ومناكحتهم لقوله ﷺ في آخر ما نقل من الحديث غيرَ ناكحي نسائهم وآكلي ذبيحتِهم ووقت الأخذ عند أبي حنيفة رضى الله عنه أولُ السنة وتسقطُ بالموت والإسلام ومقدارُها على الفقير المعتمِل اثنا عشر درهماً وعلى المتوسط الحالِ أربعةٌ وعشرون درهما وعلى الغني ثمانيةٌ وأربعون درهماً ولا جزيةَ على فقير

стр. 2168

عاجزٍ عن الكسب ولا على شيخ فانٍ أو زَمِنٍ أو صبيَ أو امرأة وعند الشافعي ﵁ تؤخذ في آخر السنة من كل واحد دينارٌ غنياً كان أو فقيراً كان له كسبٌ أو لم يكن سورة براءة آية ٣٠

стр. 2169

﴿وَقَالَتِ اليهود﴾ جملةٌ مبتدأةٌ سيقت لتقرير ما مرَّ من عدم إيمانِ أهلِ الكتابين بالله سبحانه وانتظامِهم بذلك في سلك المشركين ﴿عُزَيْرٌ ابن الله﴾ مبتدأٌ وخبر وقرئ بغير تنوينٍ على أنه اسمٌ أعجميٌّ كعازَرَ وعزَارَ غيرُ منصرفٍ للعجمة والتعريف وأما تعليلُه بالتقاء الساكنين أو بجعل الابن وصفاً على أن الخبرَ محذوفٌ فتعسّفٌ مستغنىً عنه قيل هو قولُ قدمائِهم ثم انقطع فحَكى الله تعالى دلك عنهم ولا عبرةَ بإنكار اليهودِ وقيل قولُ بعضٍ ممن كان بالمدينة عن ابن عباس ﵄ أنه جاء رسولَ الله ﷺ ناسٌ منهم وهم سلامُ بنُ مِشْكَم ونعمانُ بنُ أوفى وشاس ابن قيسٍ ومالكُ بنُ الصيف فقالوا ذلك وقيل قاله فنحاصُ بنُ عازوراءَ وهو الذي قال إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أغنياء وسببُ هذا القولِ أن اليهودَ قتلوا الأنبياءَ بعد موسى ﵇ فرفع الله تعالى عنهم التوراةَ ومحاها من قلوبهم فخرج عزيرٌ وهو غلامٌ يَسيح في الأرض فأتاهُ جبريلُ ﵇ فقال له أين تذهب قال أطلبُ العلم فحفّظه التوراةَ فأملاها عليهم عن ظهر لسانه لا يخرِم حرفاً فقالوا ما جمع الله التوراةَ في صدره وهو غلامٌ إلا أنه ابنُه قال الإمام الكلبي لما قَتل بُختُ نَصَّرُ علماءَهم جميعاً وكان عزيرٌ إذ ذاك صغيراً فاستصغره ولم يقتُلْه فلما رجع بنو إسرائيلَ إلى بيت المقدس وليس فيهم من يقرأ التوراة بعث الله تعالى عزيراً ليجدد لهم التوراةَ ويكونَ آيةً بعد ما أماته مائةَ عامٍ يقال إنه أتاه ملكٌ بإناء فيه ماءٌ فسقاه فمثلت في صدره فلما أتاهم فقال لهم إني عزيرٌ كذّبوه فقالوا إن كنت كما تزعُم فأمْلِ علينا التوراةَ ففعل فقالوا إنَّ الله تعالى لَمْ يقذِف التوراةَ في قلب رجلٍ إلا لأنه ابنُه تعالَى الله عن ذلكَ علوا كبيرا وعن ابن عباس رضي الله تعالَى عنُهمَا أنَّ اليهود أضاعوا التوراة وعمِلوا بغير الحقِ فأنساهم الله تعالى التوراةَ ونسخها من صدورهم ورفع التابوتَ فتضرع عزيرٌ إلى الله تعالى وابتهل إليه فعاد حفظُ التوراةِ إلى قلبه فأنذر قومه به ثم إن التابوت نزلَ فعرضوا ما تلاه عزيرٌ على ما فيه فوجدوه مثلَه فقالوا ما قالوا ﴿وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله﴾ هو أيضا قول بعضهم وإنما قالوه استحالةً لأن يكون ولدٌ بغير أبٍ أو لأن يفعَلَ ما فعله من إبراء الأكمهِ والأبرصِ وإحياءِ الموتى مَنْ لم يكن إلها ﴿ذلك﴾ إشارةٌ إلى ما صدر عنهم من العظيمتين وما فيه من معنى البعد للدلالة على بعد درجة المشارِ إليه في الشناعة والفظاعة ﴿قَوْلُهُم بأفواههم﴾ إما تأكيدٌ لنسبة القولِ المذكورِ إليهم ونفي التجوّزِ عنها أو إشعارٌ بأنه قولٌ مجرد عن البرهان وتحقيقٍ مماثل للمُهمل الموجودِ في الأفواه من غير أن يكون له مصِداقٌ في الخارج ﴿يضاهئون﴾ أي في الكفر والشناعة وقرئ بغير همز ﴿قَوْلَ الذين كَفَرُواْ﴾ أي يشابه قولُهم على حذفِ المضافِ وإقامةِ المضافِ إليه مُقامَه عند انقلابِه مرفوعاً قولَ الذين كفروا ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي من قبلهم وهم المشركون الذين يقولون الملائكةُ بناتُ أو اللاتُ والعزّى

стр. 2170

بناتُ الله لا قدماؤهم كما قيلَ إذْ لا تعددَ في القول حتى يتأتّى التشبيهُ وجعلُه بين قولي الفريقين مع اتحاد المقولِ ليس فيه مزيدُ مزيةٍ وقيل الضميرُ للنصارى أي يضاهي قولُهم المسيحُ ابنُ الله قولَ اليهودِ عزير الخ لأنهم أقدمُ منهم وهو أيضاً كما ترى فإنه يستدعي اختصاصَ الردِّ والإبطالَ بقوله تعالى ذلك قَوْلُهُم بأفواههم بقول النصارى ﴿قاتلهم الله﴾ دعاءٌ عليهمْ جميعاً بالإهلاك فإن مَنْ قاتله الله هلك أو تعجّبٌ من شناعة قولِهم ﴿أنى يُؤْفَكُونَ﴾ كيف يُصْرفون من الحق إلى الباطل والحالُ أنه لا سبيل إليه أصلا سورة براءة آية ٣١

стр. 2171

﴿اتخذوا﴾ زيادةُ تقريرٍ لما سلف من كفرهم بالله تعالى ﴿أحبارهم﴾ وهم علماءُ اليهود واختُلف في واحده قال الأصمعي لا أدري أهو حَبْرٌ أم حِبْرٌ وقال أبو الهيثم بالفتح لا غير وكان الليثُ وابنُ السِّكِّيتِ يقولان حِبْرٌ وحَبْرٌ للعالِم ذمياً كان أو مسلماً بعد أن كان من أهل الكتاب ﴿ورهبانهم﴾ وهم علماءُ النصارى من أصحاب الصوامعِ أي اتخذ كلُّ واحد من الفريقين علماءَهم لا الكلُّ الكلَّ ﴿أَرْبَابًا من دُونِ الله﴾ بأن أطاعوهم في تحريم ما أحله الله تعالى وتحليلِ ما حرمه أو بالسجود لهم ونحوِه تسميةُ اتِّباعِ الشيطان عبادةً له في قوله تعالى يا أبت لَا تَعْبُدِ الشيطان وقوله تعالى بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن قال عديُّ بنُ حاتم أتيتُ رسولَ الله ﷺ وفي عنقي صليبٌ من ذهب وكان إذ ذاك على دين يسمَّى الركوسية فريق من النصارى وهو يقرأ سورةَ براءة فقال يا عديُّ اطرَحْ هذا الوثنَ فطرحتُه فلما انتهى إلى قوله تعالى اتَّخذوا أحبارَهم ورهبانَهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله قلتُ يا رسولَ الله لم يكونوا يعبدونهم فقال ﷺ أليس يحرِّمون ما أحل الله فتُحرِّمونه ويُحِلّون ما حرم الله فتَستحلّونه فقلتُ بلى قال ذلك عبادتُهم قال الربيع قلت لأبي العالية كيف كانت تلك الربوبيةُ في بني إسرائيلَ قال إنهم ربما وجدوا في كتاب الله تعالى ما يخالف أقوالَ الأحبارِ فكانوا يأخُذون بأقوالهم ويترُكون حُكمَ كتابِ الله ﴿والمسيح ابن مَرْيَمَ﴾ عطفٌ على رهبانهم أي اتخذه النصارى رباً معبوداً بعد ما قالوا إنه ابنُه تعالى عن ذلكَ عُلواً كبيراً وتخصيصُ الاتخاذِ به يشير إلى أن اليهودَ ما فعلوا ذلك بعزيرٍ وتأخيرُه في الذكر مع أن اتخاذهم له ﷺ رباً معبوداً أقوى من مجرد الإطاعةِ في أمر التحليل والتحريمِ كما هو المرادُ باتخاذهم الأحبارَ والرهبانَ أرباباً لأنه مختصٌّ بالنصارى ونسبته ﷺ إلى أمه من حيث دلالتها على مروبوبيته المافية للربوبية للإيذان بكمال ركاكةِ رأيِهم والقضاءِ عليهم بنهاية الجهل والحماقة ﴿وَمَا أُمِرُواْ﴾ أي والحالُ أن أولئك الكفرةَ ما أُمروا في كتابيهم ﴿إِلَاّ لِيَعْبُدُواْ إلها واحدا﴾ عظيمَ الشأنِ هو الله ويطيعوا أمرَه ولا يطيعوا أمرَ غيرِه بخلافه فإن ذلك مُخِلٌّ بعبادته تعالى فإن جميعَ الكتبِ السماوية متفقةٌ على ذلك قاطبةً وقد قال المسيح ﵇ إنه من يشرِكْ بالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجنة وأما إطاعة الرسولِ ﷺ وسائرِ مَنْ أمرِ الله تعالَى بطاعته فهي في الحقيقة إطاعة لله أو وما أُمر الذين اتخذهم الكفرةُ أرباباً من المسيح والأحبارِ والرهبانِ إلا ليوحِّدوا الله

стр. 2172

تعالى فكيف يصِحُّ أن يكونوا أرباباً وهم مأمورون مستعبَدون مثلَهم ولا يقدحُ في ذلك كونُ ربوبيةِ الأحبار والرهبان بطريق الإطاعةِ فإن تخصيصَ العبادةِ به تعالى لا يتحقق إلا بتخصيص الطاعَةِ أيضاً به تعالى وحيث لم يخُصوها به تعالى لم يخصّوا العبادةَ به سبحانه ﴿لَا إله إِلَاّ هُوَ﴾ صفةٌ ثانيةٌ لإلها أو استئنافٌ مقرِّرٌ للتوحيد ﴿سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ عن الإشراك به في العبادة والطاعة سورة براءة آية (٣٢ ٣٣)

стр. 2173

﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله﴾ إطفاءُ النار عبارةٌ عن إزالة لهبا الموجبةِ لزوال نورِها لا عن إزالة نورِها كما قيل لكن لما كان الغرضُ من إطفاء نارٍ لا يراد بها إلا النورُ كالمصباح إزالةَ نورِها جُعل إطفاؤُها عبارةً عنها ثم شاع ذلك حتى كان عبارةً عن مطلق إزالةِ النور وإن كان لغير النار والسرِّ في ذلك انحصارُ إمكانِ الإزالةِ في نورها والمرادُ بنور الله سبحانه إما حجتُه النيرةُ الدالةُ على وحدانيته وتنزُّهِه عن الشركاء والأولادِ أوالقرآن العظيمِ الناطقِ بذلك أي يريد أهلُ الكتابين أن يردّوا القرآنَ ويكذِّبوه فيما نطَق به من التوحيد والتنزُّه عن الشركاء والأولادِ والشرائعَ التي من جملتها ما خالفوه من أمر الحِلِّ والحُرمة ﴿بأفواههم﴾ بأقاويلهم الباطلةِ الخارجةِ منها من غير أن يكون لها مصداقٌ تنطبقُ عليه أو أصلٌ تستند إليه حسبما حُكي عنهم وقيل المرادُ به نبوة النبيِّ ﷺ هذا وقد قيل مُثِّلت حالُهم فيما ذكر بحال من يريد طمسن نورٍ عظيم منبثَ في الآفاق بنفخة ﴿ويأبى الله﴾ أي لا يريد ﴿إِلَاّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾ بإعلاء كلمة التوحيد وإعزاز دينِ الإسلامِ وإنما صح الاستثناءُ المفرَّغُ من الموجَب لكونه بمعنى النفي كما أشير إليه لوقوعه في مقابلةِ قوله تعالى يُرِيدُونَ وفيه من المبالغة والدِلالة على الامتناع ما ليس في نفي الإرادةِ أي لا يريد شيئاً من الأشياءِ إلا إتمامَ نورِه فيندرج في المستثنى منه بقاؤه على ما كان عليه فضلاً عن الإطفاء وفي إظهار النورِ في مَقام الإضمارِ مضافاً إلى ضميره زيادةُ اعتناءٍ بشأنه وتشريفٌ له على تشريف وإشعارٌ بعِلة الحُكم ﴿وَلَوْ كَرِهَ الكافرون﴾ جوابُ لو محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه والجملةُ معطوفةٌ على جملة قبلها مقدرةٍ وكلتاهما في موقعِ الحالِ أي لا يريد الله إلا إتمامَ نوره ولو لم يكرَهِ الكافرون ذلك ولو كره أي على كل حالٍ مفروض وقد حذفت الأولى في الباب حذفاً مطَّرداً لدلالة الثَّانيةِ عليها دلالةً واضحةً لأن الشيءَ إذا تحقق عند المانِع فلأَنْ يتحققَ عند عدمِه أولى وعلى هذا السرِّ يدور ما في إنْ ولو الوصليتين من التأكيد وقد مر زيادةُ تحقيق لهذا مرار

стр. 2174

﴿هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ ملتبساً ﴿بالهدى﴾ أي القرآنَ الذي هُو هدى للمتقين ﴿وَدِينِ الحق﴾ الثابتِ وهو دينُ الإسلام ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ أي رسولُه ﴿عَلَى الدين كُلّهِ﴾ أي على أهل الأديانِ كلِّهم أو ليُظهرَ الدينَ الحقِّ على سائر الأديان بنسخه إياها حسبما تقتضيه الحِكمةُ والجملةُ بيانٌ وتقريرٌ لمضمون الجملةِ السابقة والكلامُ في قولِه ﴿وَلَوْ كَرِهَ المشركون﴾ كما فيما سبق خلاً أن وصفَهم بالشرك بعد وصفِهم

стр. 2175

بالكفر للدلالة على أنهم ضمُّوا الكفرَ بالرسول إلى الكفر بالله سورة براءة الآية (٣٤ ٣٥)
следующие страницы →