Полный текст (8 642 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
﴿اتخذوا﴾ زيادةُ تقريرٍ لما سلف من كفرهم بالله تعالى
﴿أحبارهم﴾ وهم علماءُ اليهود واختُلف في واحده قال الأصمعي لا أدري أهو حَبْرٌ أم حِبْرٌ وقال أبو الهيثم بالفتح لا غير وكان الليثُ وابنُ السِّكِّيتِ يقولان حِبْرٌ وحَبْرٌ للعالِم ذمياً كان أو مسلماً بعد أن كان من أهل الكتاب
﴿ورهبانهم﴾ وهم علماءُ النصارى من أصحاب الصوامعِ أي اتخذ كلُّ واحد من الفريقين علماءَهم لا الكلُّ الكلَّ
﴿أَرْبَابًا من دُونِ الله﴾ بأن أطاعوهم في تحريم ما أحله الله تعالى وتحليلِ ما حرمه أو بالسجود لهم ونحوِه تسميةُ اتِّباعِ الشيطان عبادةً له في قوله تعالى يا أبت لَا تَعْبُدِ الشيطان وقوله تعالى بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن قال عديُّ بنُ حاتم أتيتُ رسولَ الله ﷺ وفي عنقي صليبٌ من ذهب وكان إذ ذاك على دين يسمَّى الركوسية فريق من النصارى وهو يقرأ سورةَ براءة فقال يا عديُّ اطرَحْ هذا الوثنَ فطرحتُه فلما انتهى إلى قوله تعالى اتَّخذوا أحبارَهم ورهبانَهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله قلتُ يا رسولَ الله لم يكونوا يعبدونهم فقال ﷺ أليس يحرِّمون ما أحل الله فتُحرِّمونه ويُحِلّون ما حرم الله فتَستحلّونه فقلتُ بلى قال ذلك عبادتُهم قال الربيع قلت لأبي العالية كيف كانت تلك الربوبيةُ في بني إسرائيلَ قال إنهم ربما وجدوا في كتاب الله تعالى ما يخالف أقوالَ الأحبارِ فكانوا يأخُذون بأقوالهم ويترُكون حُكمَ كتابِ الله
﴿والمسيح ابن مَرْيَمَ﴾ عطفٌ على رهبانهم أي اتخذه النصارى رباً معبوداً بعد ما قالوا إنه ابنُه تعالى عن ذلكَ عُلواً كبيراً وتخصيصُ الاتخاذِ به يشير إلى أن اليهودَ ما فعلوا ذلك بعزيرٍ وتأخيرُه في الذكر مع أن اتخاذهم له ﷺ رباً معبوداً أقوى من مجرد الإطاعةِ في أمر التحليل والتحريمِ كما هو المرادُ باتخاذهم الأحبارَ والرهبانَ أرباباً لأنه مختصٌّ بالنصارى ونسبته ﷺ إلى أمه من حيث دلالتها على مروبوبيته المافية للربوبية للإيذان بكمال ركاكةِ رأيِهم والقضاءِ عليهم بنهاية الجهل والحماقة
﴿وَمَا أُمِرُواْ﴾ أي والحالُ أن أولئك الكفرةَ ما أُمروا في كتابيهم
﴿إِلَاّ لِيَعْبُدُواْ إلها واحدا﴾ عظيمَ الشأنِ هو الله ويطيعوا أمرَه ولا يطيعوا أمرَ غيرِه بخلافه فإن ذلك مُخِلٌّ بعبادته تعالى فإن جميعَ الكتبِ السماوية متفقةٌ على ذلك قاطبةً وقد قال المسيح ﵇ إنه من يشرِكْ بالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجنة وأما إطاعة الرسولِ ﷺ وسائرِ مَنْ أمرِ الله تعالَى بطاعته فهي في الحقيقة إطاعة لله أو وما أُمر الذين اتخذهم الكفرةُ أرباباً من المسيح والأحبارِ والرهبانِ إلا ليوحِّدوا الله
стр. 2172
تعالى فكيف يصِحُّ أن يكونوا أرباباً وهم مأمورون مستعبَدون مثلَهم ولا يقدحُ في ذلك كونُ ربوبيةِ الأحبار والرهبان بطريق الإطاعةِ فإن تخصيصَ العبادةِ به تعالى لا يتحقق إلا بتخصيص الطاعَةِ أيضاً به تعالى وحيث لم يخُصوها به تعالى لم يخصّوا العبادةَ به سبحانه
﴿لَا إله إِلَاّ هُوَ﴾ صفةٌ ثانيةٌ لإلها أو استئنافٌ مقرِّرٌ للتوحيد
﴿سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ عن الإشراك به في العبادة والطاعة
سورة براءة آية (٣٢ ٣٣)
стр. 2173
﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله﴾ إطفاءُ النار عبارةٌ عن إزالة لهبا الموجبةِ لزوال نورِها لا عن إزالة نورِها كما قيل لكن لما كان الغرضُ من إطفاء نارٍ لا يراد بها إلا النورُ كالمصباح إزالةَ نورِها جُعل إطفاؤُها عبارةً عنها ثم شاع ذلك حتى كان عبارةً عن مطلق إزالةِ النور وإن كان لغير النار والسرِّ في ذلك انحصارُ إمكانِ الإزالةِ في نورها والمرادُ بنور الله سبحانه إما حجتُه النيرةُ الدالةُ على وحدانيته وتنزُّهِه عن الشركاء والأولادِ أوالقرآن العظيمِ الناطقِ بذلك أي يريد أهلُ الكتابين أن يردّوا القرآنَ ويكذِّبوه فيما نطَق به من التوحيد والتنزُّه عن الشركاء والأولادِ والشرائعَ التي من جملتها ما خالفوه من أمر الحِلِّ والحُرمة
﴿بأفواههم﴾ بأقاويلهم الباطلةِ الخارجةِ منها من غير أن يكون لها مصداقٌ تنطبقُ عليه أو أصلٌ تستند إليه حسبما حُكي عنهم وقيل المرادُ به نبوة النبيِّ ﷺ هذا وقد قيل مُثِّلت حالُهم فيما ذكر بحال من يريد طمسن نورٍ عظيم منبثَ في الآفاق بنفخة
﴿ويأبى الله﴾ أي لا يريد
﴿إِلَاّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾ بإعلاء كلمة التوحيد وإعزاز دينِ الإسلامِ وإنما صح الاستثناءُ المفرَّغُ من الموجَب لكونه بمعنى النفي كما أشير إليه لوقوعه في مقابلةِ قوله تعالى يُرِيدُونَ وفيه من المبالغة والدِلالة على الامتناع ما ليس في نفي الإرادةِ أي لا يريد شيئاً من الأشياءِ إلا إتمامَ نورِه فيندرج في المستثنى منه بقاؤه على ما كان عليه فضلاً عن الإطفاء وفي إظهار النورِ في مَقام الإضمارِ مضافاً إلى ضميره زيادةُ اعتناءٍ بشأنه وتشريفٌ له على تشريف وإشعارٌ بعِلة الحُكم
﴿وَلَوْ كَرِهَ الكافرون﴾ جوابُ لو محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه والجملةُ معطوفةٌ على جملة قبلها مقدرةٍ وكلتاهما في موقعِ الحالِ أي لا يريد الله إلا إتمامَ نوره ولو لم يكرَهِ الكافرون ذلك ولو كره أي على كل حالٍ مفروض وقد حذفت الأولى في الباب حذفاً مطَّرداً لدلالة الثَّانيةِ عليها دلالةً واضحةً لأن الشيءَ إذا تحقق عند المانِع فلأَنْ يتحققَ عند عدمِه أولى وعلى هذا السرِّ يدور ما في إنْ ولو الوصليتين من التأكيد وقد مر زيادةُ تحقيق لهذا مرار
стр. 2174
﴿هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ ملتبساً
﴿بالهدى﴾ أي القرآنَ الذي هُو هدى للمتقين
﴿وَدِينِ الحق﴾ الثابتِ وهو دينُ الإسلام
﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ أي رسولُه
﴿عَلَى الدين كُلّهِ﴾ أي على أهل الأديانِ كلِّهم أو ليُظهرَ الدينَ الحقِّ على سائر الأديان بنسخه إياها حسبما تقتضيه الحِكمةُ والجملةُ بيانٌ وتقريرٌ لمضمون الجملةِ السابقة والكلامُ في قولِه
﴿وَلَوْ كَرِهَ المشركون﴾ كما فيما سبق خلاً أن وصفَهم بالشرك بعد وصفِهم
стр. 2175
بالكفر للدلالة على أنهم ضمُّوا الكفرَ بالرسول إلى الكفر بالله
سورة براءة الآية (٣٤ ٣٥)
стр. 2176
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ﴾ شروعٌ في بيان حال الأحبارِ والرهبانِ في إغوائهم لأراذلهم إثرَ بيانِ سوءِ حالِ الأتباع في اتخاذهم لهم أرباباً يُطيعونهم في الأوامر والنواهي واتباعِهم لهم فيما يأتُون وما يَذَرُون
﴿إِنَّ كَثِيراً مّنَ الاحبار والرهبان لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل﴾ يأخذونها بطريق الرِّشوةِ لتغيير الأحكامِ والشرائعِ والتخفيفِ والمسامحة فيها وإنما عبِّر عن ذلك بالأكل بناءً على أنه معظمُ الغرَضِ منه وتقبيحا لحالهم وتنفير للسامعين عنهم
﴿وَيَصُدُّونَ﴾ الناس
﴿عَن سَبِيلِ الله﴾ عن دين الإسلامِ أو عن المسلك المقرَّر في التوراة والإنجيل إلى ما افتَرَوْه وحرفوه بأخذ الرشا أو يصدون عنه بأنفسهم بأكلهم الأموالَ بالباطل
﴿والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة﴾ أي يجمعونهما ويحفَظونهما سواءٌ كان ذلك بالدفن أو بوجه آخرَ والموصولُ عبارةٌ إما عن الكثير من الأحبار والرهبانِ فيكون مبالغةً في الوصف بالحِرْص والضّنِّ بهما بعد وصفِهم بما سبق من أخذ الرشا والبراطيلِ في الأباطيل وإما عن المسلمين الكانزين غيرِ المنفقين وهو الأنسبُ بقوله
﴿وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله﴾ فيكون نظمُهم في قَرْن المرتشين من أهل الكتابِ تغليظاً ودِلالةً على كونهم أسوةً لهم في استحقاق البشارة بالعذاب الأليم فالمرادُ بالإنفاق في سبيل الله الزكاةُ لما رُوي أَنَّهُ لمَّا نزل كبُرَ ذلك على المسلمين فذكر عمر لرسول الله ﷺ فقال إنَّ الله تعالى لم يفرِض الزكاةَ إلا ليُطيِّبَ بها ما بقيَ من أموالكم ولقوله ﷺ ما أُدِّي زكاتُه فليس بكنز أي بكنز أو عد عليه فإن الوعيدَ عليه مع عدم الإنفاقِ فيما أمر الله بالإنفاق فيه وأما قوله ﷺ مَنْ تَرَكَ صفراءَ أو بيضاءَ كُوي بها ونحوُه فالمرادُ بها ما لم يؤد حقها لقوله ﷺ ما من صاحب ذهبٍ ولا فضة لا يؤدّي منها حقَّها إلا إذا كان يوم القيامة صُفحَتْ له صفائحُ من نار فيُكوى بها جنبُه وجبينُه وظهرُه
﴿فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ خبرٌ للموصول والفاءُ لتضمُّنه معنى الشرطِ ويجوز أن يكون الموصولُ منصوباً بفعل يفسِّره فبشرهم
стр. 2177
﴿يَوْمَ﴾ منصوبٌ بعذاب أليمٍ أو بمضمر يدلُّ عليه ذلك أي يعذّبون أو باذكر
﴿يحمى عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ﴾ أي يوم توقد النارُ ذاتُ حَمْيٍ شديدٍ عليها وأصلُه تُحمى النارُ فجعل الإحماءُ للنار مبالغةً ثم حُذفت النارُ وأسند الفعلُ إلى الجارِّ والمجرورِ تنبيهاً على المقصود فانتقل من صيغة التأنيثِ إلى التذكير كما تقول رُفعت القصةُ إلى الأمير فإن طرحْتَ القِصةَ قلت رُفع إلى الأمير وإنما قيل عليها والمذكور شيئان لأن المرادَ بهما دنانيرُ ودراهمُ كثيرةٌ كما قال علي ﵁ أربعةُ آلافٍ
стр. 2178
وما دونها نفقةٌ وما فوقها كنزٌ وكذا الكلامُ في قولِه تعالى وَلَا يُنفِقُونَهَا وقيل الضميرُ للأموال والكنوزِ فإن الحُكمِ عامٌّ وتخصيصُهما بالذكر لأنهما قانونُ التموّلِ أو للفضة وتخصيصُها لقربها ودَلالة حكمِها على أن الذهبَ كذلك بل أولى
﴿فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ لأن جمعَهم لها وإمساكَهم كان لطلب الوجاهةِ بالغنى والتنعُّم بالمطاعم الشهيةِ والملابس البهيةِ أو لأنهم ازوَرُّوا عن السائل وأعرضوا عنه وولَّوْه ظهورَهم أو لأنها أشرفُ الأعضاءِ الظاهرةِ فإنها المشتملةُ على الأعضاء الرئيسة التي هي الدماغُ والقلبُ والكبِدُ أو لأنها أصولُ الجهات الأربعةِ التي هي مقاديمُ البدن ومآخِرُه وجنباه
﴿هذا مَا كَنَزْتُمْ﴾ على إرادة القول
﴿لانفُسِكُمْ﴾ لمنفعتها فكان عينَ مَضرَّتها وسببَ تعذيبها
﴿فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ أي وبالَ كنزِكم أو ما تكنزونه وقرئ بضم النون
سورة براءة آية (٣٦)
стр. 2179
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشهور﴾ أي عددَها
﴿عَندَ الله﴾ أي في حكمه وهو معمولٌ لها لأنها مصدرٌ
﴿اثنا عَشَرَ﴾ خبرٌ لإن
﴿شَهْراً﴾ تمييزٌ مؤكدٌ كما في قولك عندي من الدنانير عشرون ديناراً والمرادُ الشهورُ القمريةُ إذ عليها يدور فلَكُ الأحكام الشرعية
﴿فِى كتاب الله﴾ في اللوحِ المحفوظِ أو فيما أثبته وأوجبه وهو صفةُ اثنا عشر أي اثنا عشر شهراً مُثبتاً في كتاب الله وقوله
﴿يوم خلق السماوات والارض﴾ متعلقٌ بما في الجارِّ والمجرور من معنى الاستقرار أو بالكتاب على أنه مصدرٌ والمعنى إن هذا أمرٌ ثابتٌ في نفس الأمرِ منذ خلق الله تعالى الأجرامَ والحركاتِ والأزمنة
﴿مِنْهَا﴾ أي من تلك الشهورِ الاثنىْ عشر
﴿أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ومنه قوله ﷺ في خُطبته في حجة الوداع ألا إن الزمانَ قد استدار كهيئته يوم خَلَقَ الله السموات والارض السنةُ اثنا عشرَ شهراً منها أربعةٌ حرُمٌ ثلاثٌ متوالياتٌ ذو القَعدةِ وذو الحِجة والمحرَّم ورجبُ مُضَرَ الذي بين جمادى وشعبانَ والمعنى رجعت الأشهرُ إلى ما كانَتْ عليهِ من الحِل والحُرمة وعاد الحجُّ إلى ذي الحِجّة بعد ما كانوا أزالوه عن محله بالنسيءِ الذي أحدثوه في الجاهلية وقد وافقت حَجةُ الوَداعِ ذا الحِجة وكانت حَجةُ أبي بكرٍ ﵁ قبلها في ذي القَعدة
﴿ذلك﴾ أي تحريم الأشهرِ الأربعة المعينة المعدودةِ وما في ذلك من معنى البُعد لتفخيم المشار إليه هو
﴿الدين القيم﴾ المستقيمُ دين إبراهيم وإسمعيل ﵉ وكانت العرب قد تمسكت به وراثةً منهما وكانوا يعظّمون الأشهرَ الحرمَ ويكرهون القتال فيها حتى إنه لو لقيَ رجلٌ قاتلَ أبيه أو أخيه لم يَهِجْهُ وسمَّوا رجباً الأصمَّ ومنصل الأسنة حتى أحدثوا النسيء فغيروا
﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ بهتك حرمتِهن وارتكابِ ما حرّم فيهن والجمهورُ على أن حرمةَ القتال فيهن منسوخةٌ وأن الظلم ارتكابُ المعاصي فيهن فإنه أعظمُ وزراً كارتكابها في الحرَم وعن عطاء أنه لا يحِلّ للناس أن يغزوا في الحَرَم ولا في الأشهر الحرُم إلا أن يقاتلَوا وما نسخت ويؤيد الأول أنه
стр. 2180
صلى الله عليه وسلم حصرَ طائفاً وغَزَا هَوازنَ بحُنين في شوال وذي القعدة
﴿وَقَاتِلُواْ المشركين كَافَّةً كَمَا يقاتلونكم كَافَّةً﴾ أي جميعاً وهو مصدرُ كفّ عن الشيء فإن الجميع مكفوفٌ عن الزيادة وقع موقعَ الحال
﴿واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين﴾ أي معكم بالنصر والإمداد فيما تباشِرونه من القتال وإنما وضع المُظهرُ موضعَه مدحاً لهم بالتقوى وحثاً للقاصرين عليه وإيذاناً بأنه المدارُ في النصر وقيل هي بشارةٌ وضمانٌ لهم بالنصرة بسبب تقواهم
سورة براءة آية ٣٧
стр. 2181
﴿إِنَّمَا النسىء﴾ هو مصدرُ نسَأَه إذا أخَّره نسْأً ونَساءً ونسيئاً نحوُ مسَّ مسا ومساسا ومسيسا وقرئ بهن جميعا وقرئ بقلب الهمزة ياءً وتشديدِ الياء الأولى فيها كانوا إذا جاء شهرٌ حرامٌ وهم محارِبون أحلُّوه وحرَّموا مكانه شهراً آخر حتى رفضوا خصوصَ الأشهر واعتبروا مجردَ العددِ وربما زادوا في عدد الشهور بأن يجعلوها ثلاثةَ عشرَ أو أربعةَ عشَر ليتسعَ لهم الوقت ويجعلوا أربعةَ أشهر من السنة حُرُماً ولذلك نصّ على العدد المعين في الكتاب والسنة أي إنما تأخيرُ حرمةِ شهرٍ إلى شهر آخر
﴿زِيَادَةٌ فِى الكفر﴾ لأنه تحليلُ ما حرمه الله وتحريمُ ما حلله فهو كفرٌ آخر مضمون إلى كفرهم
﴿يُضَلُّ بِهِ الذين كَفَرُواْ﴾ ضلالاً على ضلالهم القديم وقرئ على البناءِ للفاعلِ منْ الأفعال على أن الفعلَ لله سبحانه أي يخلُق فيهم الضلال عند مباشرتِهم لمباديه وأسبابِه وهو المعنيُّ على القراءةِ الأولى أيضاً وقيل المُضِلّون حينئذ رؤساؤُهم والموصولُ عبارةٌ عن أتباعهم وقرئ يَضَلُّ بفتح الياء والضاد من ضلل يضلل ونُضِلّ بنون العظمة
﴿يُحِلُّونَهُ﴾ أي الشهرَ المؤخر
﴿عَاماً﴾ من الأعوام ويحرِّمون مكانه شهراً آخرَ مما ليس بحرام
﴿وَيُحَرّمُونَهُ﴾ أي يحافظون على حُرمته كما كانت والتعبير عن ذك بالتحريم باعتبار إحلالِهم له في العام الماضي أو لإسنادهم له إلى آلهتهم كما سيجيء
﴿عَاماً﴾ آخرَ إذا لم يتعلقْ بتغييره غرضٌ من أغراضهم قال الكلبي أول من فعل ذلك رجلٌ من كنانة يقال له نُعيم بنُ ثعلبة وكان إذا همّ الناسُ بالصدَر من الموسم يقوم فيخطب ويقول لا مردَّ لما قضيْتُ وأنا الذي لا أُعاب ولا أُجاب فيقول له المشركون لبيك ثم يسألونه أن يَنْسئَهم شهراً يغيِّرون فيه فيقول إن صفرَ العامَ حرامٌ فإذا قال ذلك حلّوا الأوتارَ ونزعوا الأسنةَ والأزِجّة وإن قال حلالٌ عقدوا الأوتار وشدّوا الأزجةَ وأغاروا وقيل هو جُنادةُ بنُ عوفٍ الكنانيُّ وكان مطاعاً في الجاهلية كان يقوم على جمل في الموسم فينادي بأعلى صوتِه إن آلهتَكم قد أحلت لكم المحرَّم فأحِلّوه ثم يقوم في العام القابل فيقول إن آلهتَكم قد حرمت عليكم المحرَّمَ فحرِّموه وقيل هو رجلٌ من كنانةَ يقال له القَلمّسُ قال قائلهم ... ومنا ناسئ الشهرِ القَلَمَّسْ ...
وعن ابن عباس ﵄ أولُ من سنَّ النسيءَ عمر بن لحي ابن قُمعةَ بن خندِفَ والجملتان تفسيرٌ للضلال أو حالٌ من الموصول والعاملُ عاملُه
﴿لّيُوَاطِئُواْ﴾ أي ليوافقوا
﴿عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله﴾ من الأشهر الأربعةِ واللام متعلقةٌ بالفعل الثاني أو بما يدل عليه بمجموع الفعلين
﴿فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ الله﴾ بخصوصه من الأشهر المعينة
﴿زُيّنَ لَهُمْ سُوء أعمالهم﴾ وقرئ على البناءِ
стр. 2182
للفاعلِ وهو الله سبحانه والمعنى جَعلَ أعمالَهم مشتهاةً للطَّبعِ محبوبةً للنَّفسِ وقيل خَذَلهم حتى حسِبوا قبيحَ أعمالِهم حسناً فاستمروا على ذلك
﴿والله لَا يَهْدِي القوم الكافرين﴾ هدايةً موصِّلةً إلى المطلوبِ البتةَ وإنما يهديهم إلى ما يوصِلُ إليه عند سلوكِه وهم قد صدّوا عنه بسوء اختيارِهم فتاهوا في تيه الضلال
سورة براءة الآية (٣٨ ٣٩)
стр. 2183
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ﴾ رجوعٌ إلى حث المؤمنين وتجريدِ عزائمِهم على قتال الكفرةِ إثرَ بيان طرَفٍ من قبائحهم الموجبةِ لذلك
﴿مَا لَكُمْ﴾ استفهامٌ فيه معنى الإنكارِ والتوبيخ
﴿إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا فِى سَبِيلِ الله اثاقلتم﴾ تباطأتم وتقاعستم أصلهُ تثاقلتم وقد قرئ كذلك أيُّ شيءٍ حصل أو حاصلٌ لكم أو ما تصنعون حين قال لكم النبيِّ ﷺ انفِروا أي اخرُجوا إلى الغزو في سبيل الله متثاقلين على أن الفعلَ ماضٍ لفظاً مضارعٌ معنىً كأنه قيل تتثاقلون فالعاملُ في الظرف الاستقرارُ المقدرُ في لكم أو معنى الفعلِ المدلولِ عليه بذلك ويجوز أن يعملَ فيه الحالُ أي ما لكم متثاقلين حين قيل لكم انفروا وقرئ أَثّاقلتم على الاستفهام الإنكاريِّ التوبيخيِّ فالعاملُ في الظرف حينئذ إنما هو الأول
﴿إِلَى الارض﴾ متعلقٌ باثاقلتم على تضمينه معنى المَيْلِ والإخلاد أي اثاقلتم ماثلين إلى الدنيا وشهواتِها الفانيةِ عما قليل وكرِهتم مشاقَّ الغزو ومتاعبه المستتبعة للراحلة الخالدة كقوله تعالى أَخْلَدَ إِلَى الارض واتبع هَوَاهُ أو إلى الإقامة بأرضكم وديارِكم وكان ذلكَ في غزوةِ تبوكَ في سنة عشرٍ بعد رجوعِهم من الطائف استُنفِروا في وقت عُسرةٍ وقَحطٍ وقَيْظ وقد أدركت ثمارُ المدينة وطابت ظلالُها مع بعد الشُّقةِ وكثرةِ العدوِّ فشق عليهم ذلك وقيل ما خرج رسول الله ﷺ في غزوة غزاها إلا ورَّى بغيرها إلا في غزوة تبوك فإنه ﷺ بيّن لهم المقصِدَ فيها ليستعدوا لها
﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وغرورِها
﴿مِنَ الاخرة﴾ أي بدلَ الآخرة ونعيمِها الدائم
﴿فَمَا مَتَاعُ الحياة الدنيا﴾ أظهر في مقام الإضمارِ لزيادة التقرير أي فما التمتعُ بها وبلذائذها
﴿فِى الاخرة﴾ أي في جنب الآخرة
﴿إِلَاّ قَلِيلٌ﴾ أي مستحقَرٌ لا يُؤبَه له وفي ترشيح الحياةِ الدنيا بما يؤذن بنفاستها ويستدعي الرغبةَ فيها وتجريدِ الآخرة عن مثل ذلك مبالغةٌ في بيان حقارة الدنيا ودناءتِها وعِظَمِ شأن الآخرة وعلوها
سورة براءة الآية ٣٩
стр. 2184
﴿إِلَاّ تَنفِرُواْ﴾ أي إن لا تنفِروا إلى ما استُنفرتم إليه
﴿يُعَذّبُكُم﴾ أي الله
﴿عَذَاباً أَلِيماً﴾ أي يُهلكْكم بسبب فظيعٍ هائل كقَحط وحوه
﴿وَيَسْتَبْدِلْ﴾ بكم بعد إهلاكِكم
﴿قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ وصفهم بالمغايرة لهم لتأكيد الوعيدِ والتشديد في التهديد بالدِلالة على المغايرةِ الوصفيةِ والذاتيةِ المستلزِمة للاستئصال أي قوماً مطيعين مُؤْثرين للآخرة على الدنيا ليسوا من أولادكم ولا أرحامِكم كأهل اليمنِ وأبناءِ فارسَ وفيه من الدِلالة على
стр. 2185
شدة السُّخط ما لا يخفى
﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ أي لا يقدح تثاقلُكم في نُصرة دينِه أصلاً فإنه الغنيُّ عن كلِّ شيءٍ في كل شيء وقيل الضمير للرسول ﷺ فإن الله وعده بالعصمة والنصرةِ وكان وعدُه مفعولاً لا محالة
﴿والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ﴾ فيقدر على إهلاككم والإتيان بقوم آخرين
سورة براءة الآية (٤٠)
стр. 2186
﴿إِلَاّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله﴾ أي إن لم تنصُروه فسينصُره الله الذي قد نصره في وقت ضرورةٍ أشدَّ من هذه المرة فحُذف الجزاءُ وأقيم سببُه مُقامَه أو إن لم تنصُروه فقد أوجب له النُصرة حتى نصره في مثل ذلك الوقت فلن يخذُله في غيره
﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ﴾ أي تسببوا لخروجه حيث أذن له ﷺ في ذلك حين همّوا بإخراجه
﴿ثَانِيَ اثنين﴾ حالٌ من ضميره ﷺ وقرئ بسكون الياء على لغة من يُجري الناقصَ مُجرى المقصور في الإعراب أي أحدَ اثنين من غير اعتبار كونه ﷺ ثانياً فإن معنى قولِهم ثالثُ ثلاثةٍ ورابع أربعة ونحوُ ذلك أحدُ هذه الأعدادِ مطلقاً لا الثالثُ والرابعُ خاصة ولذلك منع الجمهورُ أن ينصِبَ ما بعده بأن يقال ثالثٌ ثلاثةً ورابعٌ أربعةً وقد مرَّ في قولِه تعالى لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله ثالث ثلاثة من سورة المائدة وجعلُه ﷺ ثانيَهما لمشي الصديقِ أمامَه ودخولِه في الغار أولاً لكنسه وتسوية البساط كما ذكر في الأخبار تمحّلٌ مُستغنىً عنه
﴿إِذْ هُمَا فِى الغار﴾ بدلٌ من إذ أخرجه بدلَ البعضِ إذ المرادُ به زمانٌ متسعٌ والغارُ ثقبٌ في أعلى ثوْرٍ وهو جبلٌ في يمنى مكةَ على مسيرة ساعةٍ مكثاً فيه ثلاثاً
﴿إِذْ يَقُولُ﴾ بدلٌ ثانٍ أو ظرفٌ لثانيَ
﴿لِصَاحِبِهِ﴾ أي الصدّيق
﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا﴾ بالعون والعصمةِ والمرادُ بالمعية الولايةُ الدائمةُ التي لا تحوم حول صاحبها شائبةُ شيءٍ من الحزن وما هو المشهورُ من اختصاص مَعَ بالمتبوع فالمرادُ بما فيه من المتبوعية هو المتبوعية في الأمر المباشر روى أن المشركين طلعوا فوق الغار فأشفق أبُو بكرٍ ﵁ على رسُولِ الله ﷺ فقال إنْ نُصَبْ اليومَ ذهب دينُ الله فقال ﷺ ما ظنُّك باثنين الله ثالثُهما وقيل لما دخلا الغارَ بعث الله تعالى حمامتين فباضتا في أسفله والعنكبوتَ فنسَجت عليه وقال رسول الله ﷺ اللهم أعمِ أبصارَهم فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطَنون قد أخذ الله تعالى أبصارهم عنه وفيه من الدِلالة على علو طبقة الصدِّيقِ ﵁ وسابقةِ صُحبتِه ما لا يخفى ولذلكَ قالوا من أنكر صُحبةَ أبي بكرٍ ﵁ فقد كفر لإنكاره كلامَ الله
﴿فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ﴾ أمَنتَه التي تسكُن عندها القلوب
﴿عَلَيْهِ﴾ على النبيِّ ﷺ فالمراد بها مالا يحوم حوله شائبةُ الخوفِ أصلاً أو على صاحبه إذ هو المنزعِج وأما النبيِّ ﷺ فكان على طُمَأْنينة من أمره
﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ عطفٌ على نصره الله والجنودُ هم الملائكةُ النازلون يوم بدرٍ والأحزابِ وحُنينٍ وقيل هم الملائكةُ أنزلهم الله ليحرِسوه في الغار ويأباه وصفُهم بعدم رؤيةِ المخاطَبين لهم وقوله عز وعلا
﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ السفلى﴾ يعني الشركَ أو دعوةَ الكفرِ فإن ذلك الجعلَ لا يتحقق بمجرد
стр. 2187
الإنجاء بل بالقتل والأسر ونحو ذلك
﴿وَكَلِمَةُ الله﴾ أي التوحيدُ أو دعوةُ الإسلام
﴿هِىَ العليا﴾ لا يدانيها شيءٌ وتغييرُ الأسلوب للدِلالة على أنها في نفسها كذلك لا يتبدل شأنُها ولا يتغيرُ حالُها دون غيرِها من الكلم ولذلك وُسِّط ضمير الفعل وقرئ بالنصب عطفاً على كلمة الذين
﴿والله عَزِيزٌ﴾ لا يغالَب
﴿حَكِيمٌ﴾ في حكمه وتدبيره
سورة براءة الآية (٤١ ٤٢)
стр. 2188
﴿انفروا﴾ تجريدٌ للأمر بالنفور بعد التوبيخِ على تركه والإنكار على المساهلة فيه وقوله تعالى
﴿خِفَافًا وَثِقَالاً﴾ حالان من ضمير المخاطبين أي على أيّ حالٍ كان من يُسر وعُسر حاصلَين بأي سببٍ كان من الصِحة والمرض أو الغِنى والفقر أو قلة العيال وكثرتِهم أو غير ذلك مما ينتظمه مساعدةُ الأسباب وعدمُها بعد الإمكان والقدرةِ في الجملة وما ذكر في تفسيرهما من قولهم خفاقا لقلة عيالِكم وثقالاً لكثرتها أو خفاقا من السلاح وثِقالاً منه أو رُكباناً ومُشاةً أو شباناً وشيوخاً أو مهازيلَ وسِماناً أو صِحاحاً ومِراضاً ليس لتخصيص الأمرَين المتقابلَين بالإرادة من غير مقارنةٍ للباقي وعن ابن أمّ مكتومٍ أنه قال لرسول الله ﷺ أعليّ أن أنفِر قال ﷺ نعم حتى نزل لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وعن ابن عباس ﵄ نسخت بقوله لَّيْسَ عَلَى الضعفاء وَلَا على المرضى الآية
﴿وجاهدوا بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ الله﴾ إيجابٌ للجهاد بهما إن أمكن وبأحدهما عند إمكانِه وإعوازِ الآخَر حتى إن من ساعده النفسُ والمالُ يجاهدُ بهما ومن ساعده المالُ دون النفسِ يغزى مكانَه مَنْ حالُه على عكس حالِه إلى هذا ذهب كثيرٌ من العلماء وقيل هو إيجابٌ للقسم الأول فقط
﴿ذلكم﴾ أي ما ذُكر من النفير والجهادِ وما في إسمِ الإشارةِ من معنى البعد للإيذان ببعد منزلِته في الشرف
﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي خيرٌ عظيمٌ في نفسه أو خير مما يبتغى بتركه من الراحة والدعةِ وسَعةِ العيشِ والتمتع بالأموال والأولاد
﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي تعلمون الخيرَ علمتم أنه خيرٌ أو إنْ كنتُم تعلمونَ أنه خيرٌ إذ لا احتمال لغير الصدقِ في أخبار الله تعالى فبادروا إليه
سورة براءة الآية ٤٢
стр. 2189
﴿لَّوْ كَانَ﴾ صرفٌ للخطاب عنهم وتوجيهٌ لهُ إلى رسولِ الله ﷺ تعديداً لما صدَر عنهم من الهَنات قولاً وفعلاً على طريق المباثةِ وبياناً لدناءة هممِهم وسائرِ رذائلِهم أي لو كان ما دعَوا إليه
﴿عَرَضًا قَرِيبًا﴾ العرَضُ ما عرَض لك من منافعِ الدنيا أي لو كان ذلك غُنماً سهل المأخذ قريب المال
﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾ ذا قصدٍ بين القريبِ والبعيد
﴿لَاّتَّبَعُوكَ﴾ في النفير طمعاً في الفوز بالغنيمة وتعليقُ الاتباعِ بكلا الأمرين يدل على عدم تحققِه عند توسّط السفرِ فقط
﴿ولكن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة﴾ أي المسافةُ الشاطة الشاقة التي تقطع بمشقة وقرئ بكسر العين والشين
﴿وَسَيَحْلِفُونَ﴾ أي المتخلفون عن الغزو وقوله تعالى
﴿بالله﴾ إما متعلقٌ بسيحلفون أو هو من جملة كلامِهم والقولُ مرادٌ على الوجهين أي سيحلفون
стр. 2190
بالله اعتذاراً عند قفولك قائلين
﴿لَوِ استطعنا﴾ أو سيحلِفون قائلين بالله لو استطعنا الخ أي لو كان لنا استطاعةٌ من جهة العدة أو من جهة الصحةِ أو من جهتهما جميعاً حسبما عنّ لهم من الكذب والتعللِ وعلى كلا التقديرين فقوله تعالى
﴿لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ سادٌّ مسدَّ جوابي القسمِ والشرط جميعاً أما على الثاني فظاهرٌ وأما على الأول فلأن قولَهم لو استطعنا في قوة بالله لو استطعنا لأنه بيانٌ لقوله تعالى سَيَحْلِفُونَ بالله وتصديقٌ له والإخبارُ بما سيكون منهم بعد القُفولِ وقد وقع حسبما أُخبر به من جملة المعجزات الباهرة وقرئ لو استطعنا بضم الواو تشبيهاً لها بواو الجمعِ كما في قوله فَتَمَنَّوُاْ الموت
﴿يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ بدلٌ من سيحلفون لأن الحلِفَ الكاذبَ إهلاكٌ للنفس ولذلك قال ﷺ اليمينُ الفاجرةُ تدع الديارَ بلاقِعَ أو حالٌ من فاعلِه أي مهلِكين أنفسَهم أو من فاعل خرَجْنا جئ به على طريقة الإخبارِ عنهم كأنه قيل نهلك أنفسَنا أي لخرَجْنا معكم مهلِكين أنفسَنا كما في قولك حلَف ليفعلن مكان لأفعلن
﴿والله يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لكاذبون﴾ أي في مضمون الشرطيةِ وفيما ادّعَوا ضمناً من انتفاء تحققِ المقدم حيث كانوا مستطيعين للخروج ولم يخرجوا
سورة براءة الآية (٤٣)
стр. 2191
﴿عَفَا الله عَنكَ﴾ صريحٌ في أنه قد عفا عنه ﷺ ما وقع منه عند استئذانِ المتخلفين في التخلف معتذرين بعدم الاستطاعةِ وإذنُه اعتماداً على أَيْمانهم ومواثيقِهم لخلوها عن المزاحِم من ترك الأولى والأفضلِ الذي هو التأنّي والتوقفُ إلى انجلاء الأمرِ وانكشافِ الحالِ وقوله
﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ أي لأي سببٍ أذِنْتَ لهم في التخلف حين اعتلّوا بعللهم بيانٌ لما أُشير إليه بالعفو من ترك الأولى وإشارةٌ إلى أنه ينبغي أن تكون أمورُه ﷺ منوطةً بأسباب قويةٍ موجبةٍ لها أو مصححةٍ وأن ما أبرزوه في معرض التعلل والاعتذارِ مشفوعاً بالأيمان كان بمعزل من كونه سبباً للإذن قبل ظهورِ صدقِه وكلتا اللامَين متعلقةٌ بالإذن لاختلافهما في المعنى فإن الأولى للتعليل والثانيةُ للتبليغ والضميرُ المجرورُ لجميع المستأذِنين وتوجهُ الإنكار إلى الإذن باعتبار شمولِه للكل لا باعتبار تعلّقِه بكل فرد فردٍ لتحقق عدمِ استطاعةِ بعضهم كما ينبئ عنه قوله سبحانه
﴿حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُواْ﴾ أي فيما أَخبروا به عند الاعتذارِ من عدم الاستطاعةِ من جهة المالِ أو من جهة البدن أو من جهتهما معاً حسبما عنّ لهم هناك
﴿وَتَعْلَمَ الكاذبين﴾ في ذلك فتعامِلَ كلاًّ من الفريقين بما يستحقه وهو بيانٌ لذلك الأولى الأفضل وتخصيص له ﷺ عليه فإن كلمة حتى سواءٌ كانت بمعنى اللامِ أو بمعنى إلى لا يمكن تعلقُها بقوله تعالى لِمَ أَذِنتَ لاستلزامه أن يكون إذنه ﷺ لهم معلّلاً أو مُغيّاً بالتبين والعلم ويكون توجُّهُ الاستفهامِ إليه من تلك الحيثيةِ وذلك بيِّنُ الفسادِ بل بما يدل عليه ذلك كأنه قيل لم سارعت إلى الإذن لهم وهلاّ تأنّيت حتى ينجليَ الأمر كما هو قضيةُ الحزْم قال قتادة وعمرو بنُ ميمون اثنان فعلهما رسول الله ﷺ لم يؤمَر فيهما بشيء إذنُه للمنافقين وأخذهُ الفداءَ من الأُسارى فعاتبه الله تعالى كما تسمعون وتغييرُ الأسلوب بأن عبّر عن الفريق الأولِ بالموصول الذي صِلتُه فعلٌ دالٌ على الحدوث وعن الفريق الثاني باسم الفاعلِ المفيدِ للدوام للإيذان بأن ما ظهر من الأوّلين صدقٌ حادثٌ في أمر خاص غيرُ مصحِّحٍ لنظمهم في سلك الصادقين وأن ما صدر من الآخَرين
стр. 2192
وإن كان كاذبا حادثاً متعلقاً بأمر خاص لكنه أمرٌ جارٍ على عادتهم المستمرة ناشئ عن رسوخهم في الكذب والتعبيرُ عن ظهور الصدقِ بالتبين وعما يتعلق بالكذب بالعلم لما هو المشهورُ من أن مدلولَ الخبر هو الصدقُ والكذبُ احتمالٌ عقلي فظهورُ صدقِه إنما هو تبيّنُ ذلك المدلولِ وانقطاعُ احتمالِ نقيضِه بعد ما كان محتمِلاً له احتمالاً عقلياً وأما كذبُه فأمرٌ حادثٌ لا دِلالة للخبر عليه في الجملة حتى يكونَ ظهورُه تبيّناً له بل هو نقيضٌ لمدلوله فما يتعلق به يكون عِلْماً مستأنفاً وإسنادُه إلى ضميره ﷺ لا إلى المعلومين ببناء الفعلِ للمفعول مع إسناد التبيّنِ إلى الأولين لما أن المقصود ههنا علمه ﷺ بهم ومؤاخذتُهم بموجبه بخلاف الأولين حيث لا مؤاخذةَ عليهم ومن لم ينتبه لهذا قال حتى يتبين لك مَنْ صدق في عذره ممن كذَب فيه وإسنادُ التبيُّنِ إلى الأولين وتعليقُ العلمِ بالآخَرين مع أن مدارَ الإسنادِ والتعلقِ أولا وبالذات هو وصفُ الصدقِ والكذب كما أشير إليه لما أن المقصِدَ هو العلمُ بكلا الفريقين باعتبار اتصافهما بوصفيهما المذكورَين ومعاملتِهما بحسب استحقاقِهما لا العلمُ بوصفيهما بذاتيهما أو باعتبار قيامِهما بموصوفيهما هذا وفي تصدير فاتحةِ الخطابِ ببشارة العفوِ دون ما يوهم العتابَ من مراعاة جانبه ﷺ وتعهده بحسن المفاوضةِ ولُطفِ المراجعةِ ما لا يخفى على أولي الألباب قال سفيان بن عيينة انظروا إلى هذا اللطفِ بدأ بالعفو قبل ذكر المعفوّ ولقد أخطأ وأساء الأدبَ وبئسما فعل فيما قال وكتب مَنْ زعم أن الكلام كنايةٌ عن الجناية وأن معناه أخطأتَ وبئسما فعلتَ هبْ أنه كنايةٌ أليس إيثارُها على التصريح بالجناية للتلطيف في الخطاب والتخفيفِ في العتاب وهب أن العفوَ مستلزِمٌ للخطأ فهل هو مستلزمٌ لكونه من القبح واستتباعِ اللائمة بحيث يصحح هذه المرتبةَ من المشافهة بالسوء أو يسوِّغُ إنشاءَ الاستقباحِ بكلمة بئسما المنبئةِ عن بلوغِ القبحِ إلى رتبة يتُعجَّب منها ولا يخفى أنه لم يكن في خروجهم مصلحةٌ للدين أو منفعةٌ للمسلمين بل كان فيه فساد وخبال حسبما نطق به قوله لَوْ خَرَجُواْ الخ وقد كرِهه سبحانه كما يفصحُ عنه قولُه تعالى ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم الآية نعم كان الأولى تأخيرُ الإذن حتى يظهر كذبُهم آثرَ ذي أثيرٍ ويفتضحوا على رءوس الأشهادِ ولا يتمكنوا من التمتع بالعيش على الأمن والدعةِ ولا يتسنّى لهم الابتهاجُ فيما بينهم بأنهم غروه ﷺ وأرضَوْه بالأكاذيب على أنه لم يهنأ لهم عيشٌ ولا قرت لهم عينٌ إذ لم يكونوا على أمن واطمئنانٍ بل كانوا على خوف من ظهور أمرهم وقد كان
سورة براءة آية (٤٤)
стр. 2193
﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر﴾ تنبيهٌ على أنه كان ينبغي أن يُستدل باستئذانهم على حالهم ولا يُؤذَنَ لهم أي ليس من عادة المؤمنين أي يستأذنوك في
﴿أَن يجاهدوا بأموالهم وَأَنْفُسِهِمْ﴾ وإن الخُلَّصَ منهم يبادرون إليه من غير توقفٍ على الإذن فضلاً عن أن يستأذنوك في التخلف وحيث استأذنك هؤلاء في التخلف كان ذلك مَئِنّةً للتأني في أمرهم بل دليلاً على نفاقهم وقيل المستأذَنُ فيه محذوفٌ ومعنى قوله تعالى أَن يجاهدوا كراهةَ أن يجاهدوا ثم
стр. 2194
قيل المحذوفُ هو التخلّفُ والمعنى لا يستأذنك المؤمنون في التخلف كراهةَ الجهاد فيتوجّه النفيُ إلى القيد وبه يمتاز المؤمنُ من المنافق وهو وإن كان في نفسه أمراً خفياً لا يوقف عليه بادئ الأمرِ لكن عامةَ أحوالِهم لما كانت مُنبئةً عن ذلك جُعل أمراً ظاهراً مقرراً وقيل هو الجهادُ أي لا يستأذنك المؤمنون في الجهاد كراهةَ أن يجاهدوا بناءً على أن الاستئذان في الجهاد ربما يكون لكراهتة ولا يخفى أن الاستئذان في الشيء لكراهته مما لا يقع بل لا يُعقل ولو سَلِم وقوعُه فالاستئذانُ لعلة الكراهة مما لا يمتاز بحسب الظاهرِ من الاستئذان لعلة الرغبةِ ولو سلِم فالذي نُفيَ عن المؤمنين يجب أن يثبُتَ للمنافقين وظاهرٌ أنهم لم يستأذِنوا في الجهاد لكراهتهم له بل إنما استأذنوا في التخلف
﴿والله عَلِيمٌ بالمتقين﴾ شهادةٌ لهم بالانتظام في سلك المتَّقين وعِدَةٌ لهم بأجزل الثوابِ وتقريرٌ لمضمون ما سبق كأنه قيل والله عليم بأنهم كذلك وإشعارٌ بأنَّ ما صدرَ عنُهم معلل بالتقوى
سورة براءة آية (٤٥ ٤٦)
стр. 2195
﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ أي في التخلف مطلقاً على الأول أو لكراهة الجهادِ على الثاني
﴿الذين لَا يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر﴾ تخصيصُ الإيمان بهما في الموضعين للإيذان بأن الباعثَ على الجهاد ببذل النفسِ والمالِ إنما هو الإيمانُ بهما إذ به يتسنى للمؤمنين استبدالُ الحياةِ الأبديةِ والنعيمِ المقيمِ الخالدِ بالحياة الفانية والمتاعِ الكاسد
﴿وارتابت قُلُوبُهُمْ﴾ عطفٌ على الصلة وإيثارُ صيغةِ الماضي للدَلالة على تحقيق الريب وتقرُّره
﴿فَهُمُ﴾ حالَ كونهم
﴿فِى رَيْبِهِمْ﴾ وشكِّهم المستقرِّ في قلوبهم
﴿يَتَرَدَّدُونَ﴾ أي يتحيرون فإن الترددَ ديدنُ المتحيَّرِ كما أن الثباتَ ديدنُ المستبصِر والتعبيرُ عنه به مما لا يخفي حسب موقعِه
стр. 2196
﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج﴾ يدل على أن بعضَهم قالوا عند الاعتذارِ كنا نريد الخروجَ لكن لم نتهيأ له وقد قرُب الرحيلُ بحيث لا يمكننا الاستعدادُ فقيل تكذيباً لهم لو أراده
﴿لاعَدُّواْ لَهُ﴾ أي للخروج في وقته
﴿عِدَّةَ﴾ أي أهبة من الزاد والراحلة والسلاح وغيرِ ذلك مما لا بد منه للسفر وقرئ عُدَّه بحذف التاءِ والإضافةِ إلى ضمير الخروج كما فعل بالعِدَة مَنْ قال ... وَأَخْلفُوك عِدَ الأمرِ الذي وعدوا ...
أي عدته وقرئ عِدّةً بكسر العين وعِدَّهُ بالإضافة
﴿ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم﴾ أي نهوضَهم للخروج قيل هو استدراك عما يُفهم من مقدم الشرطيةِ فإن انتفاءَ إرادتِهم للخروج يستلزم انتفاءَ خروجِهم وكراهةَ الله تعالى انبعاثَهم تستلزم تثبطهم عن الخروج فكأنه قيل ما خرجوا ولكن تثبَّطوا والاتفاق في المعنى لا يمنع الوقوعَ بين طرَفي لكنْ بعد تحققِ الاختلافِ نفياً وإثباتاً في اللفظ كقولك ما أحسن إلى زيد ولكنْ أساء والأظهرُ أن يكون استدراكاً من نفس المقدم على نهج ما في الأقيسة الاستثنائيةِ والمعنى
стр. 2197
لو أرادوا الخروجَ لأعدوا له عُدةً ولكن ما أرادوه لِما أنه تعالى كره انبعاثَهم لما فيه من المفاسد التي ستَبِين
﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ أي حبسهم بالجُبن والكسل فتثبطوا عنه ولم يستعدوا له
﴿وَقِيلَ اقعدوا مَعَ القاعدين﴾ تمثيلٌ لإلقاء الله تعالى كراهةَ الخروجِ في قلوبهم أو لوسوسة الشيطانِ بالأمر بالقعود أو هو حكايةُ قولِ بعضِهم لبعض أو هو إذن رسول الله ﷺ لهم في القعود والمرادُ بالقاعدين إما المعذورون أو غيرُهم وأياً ما كان فغيرُ خالٍ عن الذم
سورة براءة آية (٤٧ ٤٨)
стр. 2198
﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم﴾ بيانٌ لسر كراهتِه تعالى لانبعاثهم أي لو خرجوا مخالطين لكم
﴿مَّا زَادُوكُمْ﴾ أي ما أورثوكم شيئاً من الأشياءِ
﴿إِلَاّ خَبَالاً﴾ أي فساداً وشراً فالاستثناءُ مفرَّغٌ متصلٌ وقيل منقطعٌ وليس بذلك
﴿ولَاوْضَعُواْ خلالكم﴾ أي ولسعَوْا فيما بينكم بالنمائم والتضريبِ وإفسادِ ذاتِ البين من وضَع البعيرُ وضعاً إذا أسرع وأوضعتُه أنا أي حملتُه على الإسراع والمعنى لأوضعوا ركائبَهم بينكم والمرادُ به المبالغةُ في الإسراع بالنمائم لأن الراكبَ أسرع من الماشي وقرئ ولأرقصوا من رقصت الناقة أسرعت وأرقصتها أنا وقرئ ولأوفضوا أي أسرعوا
﴿يَبْغُونَكُمُ الفتنة﴾ يحاولون أن يفتنوكم بإيقاع الخلافِ فيما بينكم وإلقاءِ الرعبِ في قلوبكم وإفسادِ نياتِكم والجملةُ حالٌ من ضمير أوضعوا أو استئنافٌ
﴿وَفِيكُمْ سماعون لَهُمْ﴾ أي نمّامون يسمعون حديثَكم لأجل نقلِه إليهم أو فيكم قومٌ ضَعَفةٌ يسمعون للمنافقين أي يُطيعونهم والجملةُ حالٌ من مفعولِ يبغونكم أو من فاعله لاشتمالها على ضميريهما أو مستأنَفةٌ ولعلهم لم يكونوا في كمية العددِ وكيفية الفسادِ بحيث يُخِل مكانُهم فيما بين المؤمنين بأمر الجهادِ إخلالاً عظيماً ولم يكن فسادُ خروجِهم معادلاً لمنفعته ولذلك لم تقتضِ الحكمةُ عدمَ خروجِهم فخرجوا مع المؤمنين ولكن حيث كان انضمامُ المنافقين القاعدين إليهم مستتبِعاً لخلل كليَ كرِه الله انبعاثَهم فلم يتسنَّ اجتماعُهم فاندفع فسادُهم ووجهُ العتابِ على الأذن في قعودهم مع تقرُّره لا محالة وتضمُّنِ خروجِهم لهذه المفاسد أنهم لو قعدوا بغير إذن منه ﷺ لظهر نفاقِهم فيما بين المسلمين من أول الأمرِ ولم يقدِروا على مخالطتهم والسعي فيما بينهم بالأراجيف ولم يتسنَّ لهم التمتعُ بالعيش إلى أن يظهرَ حالُهم بقوارعِ الآيات النازلة
﴿والله عَلِيمٌ بالظالمين﴾ علماً محيطاً بضمائرهم وظواهرِهم وما فعلوا فيما مضى وما يتأتى منهم فيما سيأتي ووضعُ المظهرِ موضعَ المضمرِ للتسجيل عليهم بالظلم والتشديد في الوعيد والإشعارِ بترتّبه على الظلم ولعله شاملٌ للفريقين السّماعين والقاعدين
стр. 2199
﴿لَقَدِ ابتغوا الفتنة﴾ تشتيتَ شملِك وتفريقَ أصحابِك منك
﴿مِن قَبْلُ﴾ أي يومَ أحُدٍ حين انصرف عبدُ الله بن أبي بن سَلولٍ المنافقُ بمن معه وقد تخلف بمن معه عن تبوك أيضا بعد ما خرج مع النبيِّ ﷺ إلى ذي جُدّة أسفلَ من ثنية الوداع وعن ابن جريج ﵁ وقفوا لرسول ﷺ على الثنية ليلةَ العقبةِ وهم اثنا عشرَ رجُلاً من المنافقين ليفتِكوا به ﷺ فردّهم الله تعالى خاسئين
﴿وَقَلَّبُواْ لَكَ الامور﴾ تقليبُ الأمر تصريفُه من وجه إلى وجه
стр. 2200
وترديدُه لأجل التدبير والاجتهادِ في المكر والحيلة يقال للرجل المتصرِّف في وجوه الحِيَل حُوَّلٌ وقُلّبٌ أي اجتهدوا ودبروا لك الحِيلَ والمكايدَ ودّوروا الآراءَ في إبطال أمرك وقرئ بالتخفيف
﴿حتى جَاء الحق﴾ أي النصرُ والتأييدُ الإلهي
﴿وَظَهَرَ أَمْرُ الله﴾ غلب دينه وعلا عرشه
﴿وَهُمْ كارهون﴾ والحالُ أنهم كارهون لذلك أي على رغم منهم والآيتان لتسلية الرسول ﷺ والمؤمنين عن تخلف المتخلفين وبيانُ ما ثبّطهم الله تعالى لأجله وهتَك أستارَهم وكشف أسرارَهم وإزاحةِ أعذارِهم تداركاً لما عسى يفوت بالمبادرة إلى الإذن وإيذاناً بأن ما فات بها ليس مما لا يمكن تلافيه تهوينا للخطب
سورة براءة آية (٤٩ ٥٠)
стр. 2201
﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائذن لّي﴾ في القعود
﴿وَلَا تَفْتِنّى﴾ أي لا توقِعْني في الفتنة وهي المعصيةُ والإثمُ يريد إني متخلِّفٌ لا محالة أذِنتَ أو لم تأذن فأذن لي حتى لا أقعَ في المعصية بالمخالفة أو لا تُلقِني في الهلكة فإني إن خرجتُ معك هلَك مالي وعيالي لعدم مَنْ يقوم بمصالحهم وقيل قال الجدُّ بنُ قيس قد علمت الأنصارُ أني مشتهرٌ بالنساء فلا تفتنّي ببنات الأصفر يعنى نساءَ الروم ولكن أُعينُك بمالي فاتركني وقرئ ولا تُفْتِنِّي من أفْتنَه بمعنى فتنه
﴿أَلا فِى الفتنة﴾ أي في عينها ونفسها وأكملِ أفرادِها الغنيُّ عن الوصف بالكمال الحقيقِ باختصاص اسمِ الجنسِ به
﴿سَقَطُواْ﴾ لا في شيء مُغايرٍ لها فضلاً عن أن يكونَ مهرَباً ومخلَصاً عنها وذلك بما فعلوا من العزيمة على التخلف والجراءةِ على الاستئذان بهذه الطريقة الشنيعةِ ومن القعود بالإذن المبنيِّ عليه وعلى الاعتذارات الكاذبة وقرئ بإفراد الفعلِ محافظةً على لفظ مَن وفي تصدير بحرف التنبيه مع تقديم الظرفِ إيذانٌ بأنهم وقعوا فيها وهم يحسَبون أنها مَنْجى من الفتنة زعماً منهم أن الفتنةَ إنما هي التخلفُ بغير إذن وفي التعبير عن الافتتان بالسقوط في الفتنة تنزيلٌ لها منزلةَ المَهواة المُهلِكةِ المُفصحةِ عن تردّيهم في دَركات الرَّدى أسفلَ سافلين وقوله
﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين﴾ وعيدٌ لهم على ما فعلوا معطوفٌ على الجملة السابقة داخلٌ تحت التنبيهِ أي جامعةٌ لهم يومَ القيامة مِن كُلّ جانب وإيثارُ الجملة الاسميةِ للدلالة على الثبات والاستمرارِ أو محيطةٌ بهم الآن تنزيلاً لشيء سيقع عن قريب منزلَة الواقعِ أو وضعاً لأسباب الشيءِ موضعَه فإن مبادئ إحاطةِ النارِ بهم من الكفر والمعاصي محيطةٌ بهم الآن من جميع الجوانبِ ومن جملتها ما فرّوا منه وما سقطوا فيه من الفتنة وقيل تلك المبادئ المتشكلةُ بصور الأعمالِ والأخلاق هي النارُ بعينها ولكن لا يظهر ذلك في هذه النشأةِ وإنما يظهر عند تشكُّلِها بصورها الحقيقيةِ في النشأة الآخرة والمرادُ بالكافرين إما المنافقون وإيثارُ وضعِ المُظْهر موضعَ المُضمَرِ للتسجيل عليهم بالكفر والإشعارِ بأنه معظمُ أسبابِ الإحاطة المذكورة وإما جميعُ الكافرين الشاملين للمنافقين شمولاً أولياً
стр. 2202
﴿إِن تُصِبْكَ﴾ في بعض مغازيك
﴿حَسَنَةٌ﴾ من الظَفَر والغنيمة
﴿تَسُؤْهُمْ﴾ تلك الحسنةُ
стр. 2203
أي تورِثُهم مساءةً لفرط حسدهم وعدواتهم لك
﴿وَإِن تُصِبْكَ﴾ في بعضها
﴿مُّصِيبَةٌ﴾ من نوع شدة
﴿يَقُولُواْ﴾ متبجّحين بما صنعوا حامدين لآرائهم
﴿قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا﴾ أي تلافَيْنا ما يُهمّنا من الأمر يعنون به الاعتزالَ عن المسلمين والقعودَ عن الحرب والمداراةَ مع الكفرة وغيرَ ذلك من أمور الكفر والنفاقِ قولاً وفعلاً
﴿مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل إصابةِ المصيبة في وقت تدارُكِه يشيرون بذلك إلى أن المعاملةَ المذكورةَ إنما تروّج عند الكفرةِ بوقوعها حالَ قوةِ الإسلامِ لا بعد إصابةِ المصيبة
﴿وَيَتَوَلَّواْ﴾ عن مجلس الاجتماعِ والتحدثِ إلى أهاليهم أو يُعرِضوا عنِ النبيِّ ﷺ
﴿وَّهُمْ فَرِحُونَ﴾ بما صنعوا من أخذ الأمرِ وبما أصابه ﷺ والجملةُ حالٌ منَ الضميرِ في يقولوا ويتولوا لا في الأخير فقط لمقارنة الفرَحِ لهما معاً وإيثارُ الجملة الاسميةِ للدلالة على دوام السرورِ وإسنادُ المَساءة إلى الحسنة والمَسرَّة إلى أنفسهم دون المصيبة بأن يقال وإن تُصِبْك مصيبةٌ تَسْرُرْهم للإيذان باختلاف حاليهم حالتي عروضِ المَساءة والمسرةِ بأنهم في الأولى مضطرون وفي الثانية مختارون
سورة براءة آية (٥١ ٥٢)
стр. 2204
﴿قُلْ﴾ بياناً لبطلان ما بنَوْا عليه مسرتَهم من الاعتقاد
﴿لَّن يُصِيبَنَا﴾ أبداً وقرئ هل يصيبنا وهل يصيِّبُنا من فيعل لا من فعل لأنه واويٌّ يقال صاب السهمُ يصوب واشتقاقُه من الصواب
﴿إِلَاّ مَا كَتَبَ الله لَنَا﴾ أي أثبته لمصلحتنا الدنيويةِ أو الأخروية من النُّصرة عليكم أو الشهادة المؤديةِ إلى النعيم الدائم
﴿هُوَ مولانا﴾ ناصرُنا ومتولِّي أمورِنا
﴿وَعَلَى الله﴾ وحده
﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ التوكلُ تفويضُ الأمر إلى الله والرضا بما فعله وإن كان ذلك بعد ترتيب المبادئ العادية والفاءُ للدلالة على السببية والأصل ليتوكلِ المؤمنون على الله قدِّم الظرفُ على الفعلِ لإفادةِ القصِر ثم أدخل الفاء للدلالة على استيجابه تعالى للتوكل عليهِ كما في قولِهِ تعالى وإياى فارهبون والجملةُ إن كانت من تمامِ الكلامِ المأمورِ به فإظهارُ الاسمِ الجليلِ في مقام الإضمارِ لإظهار التبرُّكِ والتلذذِ به وإن كانت مَسوقةً من قِبله تعالى أمراً للمؤمنين بالتوكل إثرَ أمرِه ﷺ بما ذكر فالأمرُ ظاهرٌ وكذا إعادةُ الأمر في قولِه عزَّ وجلَّ
стр. 2205
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا﴾ لانقطاع حُكم الأمرِ الأولِ بالثاني وإن كان أمرَ الغائب وأمَّا على الوجهِ الأولِ فهي لإبراز كمالِ العنايةِ بشأن المأمورِ به والإشعارِ بما بينه وبين ما أُمر به أولاً من الفرق في السياقِ والتربُّصُ التمكّثُ مع انتظار مجيءِ شيءٍ خيرا كان أو شرا والباءُ للتعدية وإحدى التاءين محذوفةٌ أي ما تنتظرون بنا
﴿إِلا إِحْدَى الحسنيين﴾ أي العاقبتين اللتين كلُّ واحدةٍ منهما هي حُسنى العواقبِ وهما النصرُ والشهادةُ وهذا نوعُ بيان لما أبهم في الجواب الأول وكشفٌ لحقيقة الحالِ بإعلام أن ما يزعُمونه مضرَّةً للمسلمين من الشهادة أنفعُ مما يعُدّونه منفعةً من النصر والغنيمة
﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ أحدى السوأَيَيْن من العواقب إما
﴿أَن يُصِيبَكُمُ الله بِعَذَابٍ مّنْ عِندِهِ﴾
стр. 2206
كما أصاب مَن قبلكم من الأممِ المهلَكة والظرفُ صفةُ عذاب ولذلك حُذف عاملُه وجوباً
﴿أَوْ﴾ بعذاب
﴿بِأَيْدِينَا﴾ وهو القتلُ على الكفر
﴿فَتَرَبَّصُواْ﴾ الفاءُ فصيحةٌ أي إذا كان الأمر كذلك فتربصوا بنا ما هو عاقبتُنا
﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبّصُونَ﴾ ما هو عاقبتُكم فإذا لقِيَ كلٌّ منا ومنكم ما يتربصه لا تشاهدون إلا ما يُسرنا ولا نشاهد إلا ما يسوؤكم
سورة براءة آية (٥٣ ٥٦)
стр. 2207
﴿قُلْ أَنفِقُواْ﴾ أموالَكم في سبيل الله
﴿طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ مصدران وقعا موقعَ الفاعل أي طائعين أو كارهين وهو أمرٌ في معنى الخبر كقوله تعالى استغفر لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ والمعنى أنفقتم طوعا أو كرها
﴿لن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ ونظمُ الكلامِ في سلك الأمرِ للمبالغة في بيان تساوي الأمرين في عدم القَبولِ كأنهم أمر وابأن يمتحنوا الحال فينفقوا على الحالين فينظروا هل يُتقبّل منهم فيشاهدوا عدمَ القبولِ وهو جوابُ قولِ جدِّ بنِ قيس ولكن أُعينك بمالي ونفيُ التقبُّلِ يحتمل أن يكون بمعنى عدم الأخذِ منهم وأن يكون بمعنى عدمِ الإثابةِ عليه وقوله
﴿إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فاسقين﴾ أي عاتين متمردين تعليل لرد إنفاقهم
стр. 2208
﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ منهم﴾ وقرئ بالتحتانية
﴿نفقاتهم إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَبِرَسُولِهِ﴾ استثناءٌ من أعم الأشياء أي ما منعهم قَبولَ نفقاتِهم منهم شيءٌ من الأشياءِ إِلَاّ كفرهم وقرئ يَقبَلَ على البناءِ للفاعلِ وهو الله تعالى
﴿وَلَا يَأْتُونَ الصلاة إِلَاّ وَهُمْ كسالى﴾ أي لا يأتونها في حالٍ من الأحوالِ إلا حالَ كونهم متثاقلين
﴿وَلَا يُنفِقُونَ إِلَاّ وَهُمْ كارهون﴾ لأنهم لا يرجون بهما ثواباً ولا يخافون على تركهما عقاباً فقوله تعالى طوعا أي من غير إلزامٍ من جهته ﷺ لا رغبة أو هو فرْضيٌّ لتوسيع الدائرة
стр. 2209
﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أموالهم وَلَا أولادهم﴾ فإن ذلك استدراجٌ لهم ووبالٌ عليهم حسبما ينبئ عنه قولُه
﴿إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدُّنيا﴾ بما يكابدون لجمعها وحفظِها من المتاعب وما يقاسون فيها من الشدائد والمصائب
﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون﴾ فيموتوا كافرين مشتغلين بالتمتع عن النظر في العاقبة فيكون ذلك لهم نقمةً لا نعمةً وأصلُ الزهوقِ الخروجُ بصعوبة
стр. 2210
﴿وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾ في الدين والإسلام
﴿وَمَا هُم مّنكُمْ﴾ في ذلك
﴿ولكنهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ يخافون أن يُفعلَ بهم ما يفعل بالمشركين فيظهرون الإسلام تقيةً ويؤيدونه
следующие страницы →