Полный текст (8 642 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
ما جاءني من رجل وقرئ يُعْلِمانِ من الإعلام
﴿حتى يقولا إنما نحن فتنة﴾ الفتنةُ الاختبارُ والامتحانُ وإفرادُها مع تعددهما لكونهما مصدراً وحملُها عليهما مواطأةٌ للمبالغة كأنهما نفسُ الفتنة والقصرُ لبيان أنه ليس لهما فيما يتعاطيَانِه شأنٌ سواها لينصرِفَ الناسُ عن تعلّمه أي وما يُعلّمان ما أنزل عليهما من السحر أحداً من طالبيه حتى ينصَحاه قبل التعليم ويقولا له إنما نحن فتنةٌ وابتلاء من الله فمن عمِل بما تعلم منا واعتقد حقّيته كفَر ومن تَوقَّى عن العمل به أو اتخذه ذريعةً للاتقاءِ عن الاغترار بمثله بقيَ على الإيمان
٦ - ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾ باعتقاد حقّيتهِ وجوازِ العمل به والظاهرُ أن غاية النفي ليست هذه المقالةَ فقط بل من جملتها التزامُ المخاطب بموجب النهي لكن لم يُذكَرْ لظهُوره وكونِ الكلامِ في بيان اعتناءِ الملكين بشأن النُصح والإرشاد والجملةُ في محل النصب على الحالية من ضمير يعلمون لا معطوفةٌ عليه كما قيل أي ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناسَ السحرَ وما أنزل على الملكين ويحمِلونهم على العمل به إغواءً وإضلالاً والحال أنهما ما يعلمان أحداً حتى ينهيَاهُ عن العمل به والكفرِ بسببه وأما ما قيل من أن ما في قوله تعالى وما أنزل الخ نافيةٌ والجملةُ معطوفةٌ على قولِه تعالى وَمَا كفر سليمان جئ بها لتكذيب اليهودِ في القصة أي لم يُنزَّل على الملكين إباحةُ السحر وأن هاروتَ وماروتَ بدلٌ من الشياطين على أنهما قبيلتان من الجن خُصتا بالذكر لأصالتهما وكونِ باقي الشياطينِ أتباعاً لهما وأن المعنى ما يعلّمان أحداً حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفرْ فتكونَ مثلَنا فيأباه أن مقام وصف الشيطان بالكفر وإضلال الناس مما لا يلائمه وصفُ رؤسائهم بما ذكر من النهي عن الكفر مع ما فيه من الإخلال بنظام الكلامِ فإن الإبدالَ في حُكم تنحيةِ المبدَل منه
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ عطفٌ على الجملةِ المنفيَّةِ فإنها في قوة المثبتة كأنه قيل يعلمانهم بعد قولِهما إنما نحن الخ والضميرُ لأحدٍ حَمْلاً على المَعْنى كَما في قوله تعالى فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجزين
﴿مَا يُفَرّقُونَ بِهِ﴾ أي بسببه وباستعماله
﴿بَيْنَ المرء﴾ وقرئ بضم الميم وكسرِها مع الهمزة وتشديد الراء بلا همزة
﴿وَزَوْجِهِ﴾ بأن يُحدث الله تعالى بينهما التباغضَ والفرك والنشوز عند ما فعلُوا ما فعلُوا من السحر على حسب جري العادةِ الإلهية من خلق المسببيات عقيب حصول الأسباب العاديةِ ابتلاءً لا أن السحرَ هو المؤثرُ في ذلك وقيل فيتعلمون منهما ما يعملون به فيراه الناسُ ويعتقدون أنه حق فيكفرون فتَبينُ أزواجهم
﴿وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ﴾ أي بما تعلّموه واستعملوه من السحر
﴿مّنْ أَحَدٍ﴾ أي أحداً ومن مزيدة لما ذُكر في قوله تعالى وَمَا يعلمان من احد والمعهود وإن كان زيادتها في معمول فعلٍ منفي إلا أنه حُملت الاسميةُ في ذلك على الفعلية كأنه قيل وما يضرون به من أحد
﴿إِلَاّ بِإِذْنِ الله﴾ لأنه وغيرَه من الأسباب بمعزل من التأثير بالذات وإنما هو بأمره تعالى فقد يُحدِث عند استعمالهم السحرَ فعلاً من أفعاله ابتلاءً وقد لا يُحدِثه والاستثناءُ مفرَّغٌ والباءُ متعلقةٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من ضمير ضارِّين أو من مفعوله وإن كان نكرةً لاعتمادها على النفي أو الضمير المجرورِ في به أي وما يُضرون به أحداً إلا مقروناً بإذن الله تعالى وقرئ بضارِّي على الإضافة بجعل الجارِّ جزءاً من المجرور وفصلِ ما بين المُضافين بالظرف
﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ﴾ لأنهم يقصِدون به العمل أو لأن العلم يجرُّ إلى العَمل غالباً
﴿وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ صرح بذلك إيذاناً بأنه ليس من الأمور المشوبة بالنفع والضرر بل هو شرٌّ بحتٌ وضررٌ محضٌ لأنهم لا يقصدون به التخلّصَ عن الاغترار بأكاذيبِ من يدّعي النبوةَ
стр. 247
البقرة (١٠٣)
مثلاً من السَحَرة أو تخليصَ الناس منه حتى يكون فيه نفعٌ في الجملة وفيه أن الاجتنابَ عما لا يؤمن غوائلُه خيرٌ كتعلم الفلسفةِ التي لا يؤمن أن تجُرَّ إلى الغواية وإن قال من قال ... عرفتُ الشرَّ لا للشر ... رولكن لتوقِّيه ... ومن لا يعرِفِ الشرَّ ... من الناس يقَعْ فيهِ ...
﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ﴾ أي اليهود الذين حُكِيت جناياتُهم
﴿لَمَنِ اشتراه﴾ أي استبدلَ ما تتلوا الشياطين بكتاب الله واللامُ الأولى جوابُ قسمٍ محذوفٍ والثانيةُ لامُ ابتداءٍ عُلِّقَ به علِموا عن العمل ومَنْ موصولة في حيز الرفعِ بالابتداء واشتراه صلتها وَقولُه تعالَى
﴿مَا لَهُ فِى الأخرة مِن خلاق﴾ أي من نصيبٍ جملةٌ من مبتدإٍ وخبر ومِنْ مزيدة في المبتدأ وفي الآخرة متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً منه ولو أُخِّرَ عنه لكان صفةً له والتقدير ماله خلاقٌ في الآخرة وهذه الجملةُ في محلِّ الرفعِ على أنها خبرٌ للموصول والجملةُ في حيز النصبِ سادَّةٌ مسَدَّ مفعولَيْ علموا إن جعل متعديا إلى اثنين أو مفعولِه الواحدِ إن جعل متعديا إلى واحد فجملة ولقد علموا الخ مُقْسَمٌ عليها دون جملة لمن اشتراه الخ هذا ما عليه الجمهورُ وهو مذهب سيبويه وقال الفرّاءُ وتبعه أبو البقاء إن اللامَ الأخيرة موطئةٌ للقسم ومَنْ شرطية مرفوعةٌ بالابتداء واشتراه خبرُها وماله فى الاخرة من خلاق جوابُ القسم وجوابُ الشرطِ محذوفٌ اكتفاءً عنه بجواب القسم لأنه إذا اجتمع الشرطُ والقسمُ يُجاب سابقُهما غالباً فحينئذ يكون الجملتان مُقْسماً عليهما
﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾ أي باعوها واللامُ جوابُ قسمٍ محذوفٍ والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ أي وبالله لبئسما باعوا به أنفسَهم السحرُ أو الكفرُ وفيه إيذانٌ بأنهم حيث نبذوا كتابَ الله وراء ظهورِهم فقد عرَّضوا أنفسهم للهَلكة وباعوها بما لا يزيدهم إلا تَباراً وتجويزُ كونِ الشراء بمعنى الاشتراء مما لا سبيلَ إليه لأن المشترى متعين وهو ما تتلوا الشياطين ولأن متعلَّق الذمِّ هو المأخوذُ لا المنبوذُ كما أشير إليه في تفسيره قوله سبحانه بِئْسَمَا اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنزَلَ الله
﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أي يعملون بعلمهم جُعلوا غيرَ عالمين لعدم عملِهم بموجب علمِهم أوْ لو كانوا يتفكرون فيه أو يعلمون قبحَه على اليقين أو حقيقةَ ما يتْبعُه من العذاب عليه على أن المُثبَتَ لهم أو لا على التوكيد القسميِّ العقلُ الغريزيُّ أو العلمُ الإجماليُّ بقبح الفعل أو ترتبِ العقاب من غير تحقيق وجوابُ لو محذوفٌ أي لما فعلوا ما فعلوا
стр. 248
﴿ولو أنهم آمنوا﴾ أي بالرسول المومى إليه في قوله تعالى وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مّنْ عِندِ الله الخ أو بما أنزل إليه من الآيات المذكورةُ في قولِه تعالى وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيات بينات وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَاّ الفاسقون أو بالتوراةِ التي أريدتْ بقولِه تعالى نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب كتاب الله وَرَاء ظُهُورِهِمْ فإن الكفر بالقرآن والرسول ﵇ كفرٌ بها
﴿واتقوا﴾ المعاصيَ المحكيةَ عنهم
﴿لَمَثُوبَةٌ مّنْ عِندِ الله خَيْرٌ﴾ جواب لو وأصله لأيثبوا مَثوبةً من عند الله خيراً مما شرَوْا به أنفسَهم فحُذفَ الفعلُ وغُيِّر السبكُ إلى مَا عليهِ النظمُ الكريمُ دلالةً على ثبات المثوبةِ لهم والجزمِ بخيريّتها وحُذف المفضَّلُ عليه إجلا لا للمفضَّل من أن يُنسبَ إليه وتنكيرُ المثوبة للتقليل ومن متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً تشريفيةً لِمثوبةٌ أي لشئ ما من المثوبة كائنة من عنده تعالى خير وقيل جواب لو محذوفٌ أي لأثيبوا وما بعده جملة مستأنفة فإن وقوعَ
стр. 249
البقرة (١٠٥ - ١٠٤
الجملة الابتدائة جوابا للوغير معهود في كلام العرب وقيل لو للتمني ومعناه أنهم من فظاعة الحال بحيث يتمنى العارفُ إيمانَهم واتقاءهم تلهفا عليهم وقرئ لمثوبة وإنما سمي الجزاء ثواباً ومثوبةً لأن المحسن يثوب إليه
﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أن ثواب الله خيرٌ نُسبوا إلى الجهل لعدم العملِ بموجب العلم
стр. 250
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ﴾ خطابٌ للمؤمنينً فيه إرشادٌ لهم إلى الخير وإشارةٌ إلى بعض آخر من جنايات اليهود
﴿لَا تَقُولُواْ راعنا﴾ المراعاةُ المبالغةُ في الرعى وهو حِفظُ الغير وتدبيرُ أموره وتدارُكُ مصالحِه وكان المسلمون إذا ألقى عليهم رسول الله ﷺ شيئاً من العلم يقولون راعنا يارسول الله أي راقبْنا وانتظِرْنا وتأنَّ بنا حتى نفهمَ كلامَك ونحفظَه وكانت لليهود كلمة عبرانية أو سريانية يتسابُّون بها فيما بينهم وهي راعينا قيل معناها اسمعْ لا سمِعْت فلما سمعوا بقول المؤمنين ذلك افترضوه واتخذوه ذريعةً إلى مقصِدهم فجعلوا يخاطبون به النبيَّ ﷺ يعنون به تلك المسبةَ أو نسبته ﷺ إلى الرَعَن وهو الحمَقُ والهوَج روي أن سعد بن عبادة ﵁ سمعها منهم فقال يا أعداءَ الله عليكم لعنةُ الله والذي نفسي بيدهِ لئن سمعتُها من رجل منكم يقولها لرسول الله ﷺ لأضربن عنقه قالوا أو لستم تقولونها فنزلت الآية ونُهيَ فيها المؤمنون عن ذلك قطعاً لألسنة اليهود عن التدليس وأُمروا بما في معناها ولا يقبل التلبيس فقيل
﴿وَقُولُواْ انظرنا﴾ أي انظر إلينا بالحذف والإيصال أو انتظرنا على أنه من نظرة إذا انتظره وقرئ أنظرنا من النظرة أي أمهلنا حتى نحفظ وقرئ راعونا على صيغة الجمع للتوقير وراعنا على صيغةِ الفاعلِ أي قولا ذا رَعَنٍ كدارعٍ ولابنٍ لأنه لما أشبه قولَهم راعينا وكان سببا للسبب بالرَعَن اتَّصفَ به
﴿واسمعوا﴾ وأحسنوا سماع ما يكلمكم رسول الله ﷺ ويلقى عليكم من لمسائل بآذان واعية وأذهانٍ حاضرةٍ حتى لاتحتاجوا إلى الاستعاذة وطلبِ المراعاة أو واسمعوا ما كُلفتموه من النهي والأمر بجدَ واعتناء حتى لا ترجِعوا إلى ما نهيتم عنه أو واسمعوا سماعَ طاعةٍ وقَبول ولا يكن سماعُكم مثل سماعِ اليهود حيث قالوا سمعنا وعصينا
﴿وللكافرين﴾ أي اليهود الذين توسلوا بقولكم المذكور إلى كفرياتهم وجعلوه سبباً للتهاون برسولِ الله ﷺ وقالوا له ما قالوا
﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ لما اجترءوا عليه من العظيمة وهو تذييلٌ لما سبق فيه وعيدٌ شديد لهم ونوعُ تحذير للنخاطبين عما نُهُوا عنه
стр. 251
﴿مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ﴾ الود حب الشئ مع تمنيه ولذلك يستعمل في كلَ منهما ونفيُه كنايةٌ عن الكراهة ووضعُ الموصولِ موضعَ الضميرِ للإشعار بعلية مَا في حيزِ الصلةِ لعدم وُدِّهم ولعل تعلقَه بما قبله من حيث إن القولَ المنهيَّ عنه كثيراً ما كان يقع عند تنزيل الوحْي المعبَّرِ عنه في هذه الآية بالخير فكأنه أُشير إلى أن سببَ تحريفِهم له إلى ما حُكي عنهم لوقوعه في أثناء حصولِ ما يكرهونه من تنزيلِ الخير وقيل كان فريق من اليهود يُظهرون للمؤمنين محبةً ويزعُمون أنهم يَودُّون لهم الخير فنزلت تكذيباً لهم في ذلك ومن في
стр. 252
البقرة (١٠٦)
قوله تعالى
﴿مِنْ أَهْلِ الكتابِ وَلَا المشركين﴾ للتبيين كما في قوله عز وعلا ﴿لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين﴾ ولا مزيدةٌ لما ستعرفه
﴿أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم﴾ في حيز النصبِ على أنه مفعول يود وبناءُ الفعل للمفعول للثقة بتعيُّن الفاعل والتصريحُ الآتي في قوله تعالى
﴿مّنْ خَيْرٍ﴾ هو القائمُ مقامَ فاعلِه ومن مزيدة للاستغراق والنفيُ وإن لم يباشرْه ظاهراً لكنه منسحبٌ عليه معنىً والخيرُ الوحيُ وحملُه على ما يعمُّه وغيرَهُ من العلم والنُّصرة كما قيل يأباه وصفُه فيما سيأتي بالاختصاص وتقديم الظرف عليه مع أنَّ حقَّهُ التأخيرُ عنه لإظهار كمال العنايةِ به لأنه المدارُ لعدم ودِّهم ومِنْ في قولِه تعالَى
﴿مّن رَّبّكُمْ﴾ ابتدائية والتعرُّضُ لعنوان الربوبية للإشعار بعليته لتنزيل الخيرِ والإضافة إلى ضمير المخاطبين لتشريفهم وليست كراهتُهم لتنزيله على المخاطبين من حيث تعبُّدُهم بما قبله وتعرضهم بذلك لسعادة الدارين كيف لا وهم من تلك الحيثية من جملة مَنْ نزَلَ عليهم الخيرُ بل من حيث وقوعُ ذلك التنزيل على النبيِّ ﷺ وصيغةُ الجمعِ للإيذان بأن مدارَ كراهتهم ليس معنى خاصا بالنبى ﷺ بل وصفٌ مشترك بين الكل وهو الخلوُّ عن الدراسة عند اليهود وعن الرياسة عند المشركين والمعنى أنهم يرَوْن أنفسَهم أحقَّ بأن يوحى إليهم ويكرهون فيحسُدونكم أن ينْزِل عليكم شئ من الوحي أما اليهودُ فبناءً على أنهم أهلُ الكتاب وأبناءُ الأنبياءِ الناشئون في مهابط الوحي وأنتم أُميِّوّن وأما المشركون فإدلالاً بما كان لهم من الجاه والمال زعماً منهم أن رياسةَ الرسالةِ كسائر الرياساتِ الدنيويةِ منوطةٌ بالأسباب الظاهرة ولذلك قالُوا ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هذا القرآنُ على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ ولما كانت اليهودُ بهذا الداء أشهر لاسيما في أثناء ذكرِ ابتلائِهم به لم يلزَمْ من نفي ودادتِهم لما ذكِرَ نفيُ ودادةِ المشركين له فزيدت كلمةُ لا لتأكيد النفي
﴿والله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾ جملة ابتدائية سيقت لتقرير ما سبق من تنزيل الخيرِ والتنبيه على حكمتِه وإرغامِ الكارهين له والمرادُ برحمته الوحيُ كما في قوله سبحانه ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ﴾ عبّر عنه باعتبار نزولِه على المؤمنين بالخير وباعتبار إضافتِه إليه تعالى بالرحمة قال علي ﵁ بنبوته خَصَّ بها محمداً ﷺ فالفعل متعد وصيغته الافتعال للإنباء عن الاصطفاء وإيثارُه على التنزيل المناسبِ للسياق الموافقِ لقوله تعالى ﴿أَن يُنَزّلُ الله مِن فَضْلِهِ على مَن يَشَاء﴾ لزيادة تشريفه ﷺ وإقناطِهم ممَّا علَّقوا به أطماعَهم الفارغةَ والباءُ داخلةٌ على المقصود أي يؤتي رحمته
﴿مَن يَشَآء﴾ من عباده ويجعلها مقصورةً عليه لاستحقاقه الذاتي الفائضِ عليه بحسب إرادتِه عز وعلا تفضّلاً لا تتعداه إلى غيره وقيل الفعلُ لازمٌ ومَنْ فاعله والضميرُ العائد إلى مَنْ محذوفٌ على التقديرين وقولُه تعالى
﴿والله ذُو الفضل العظيم﴾ تذييلٌ لما سبق مقررٌ لمضمونه وفيه إيذان بأن إيتاءَ النبوةِ من فضله العظيم كقوله تعالى ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ وأن حِرمان من حُرم ذلك ليس لضيق ساحةِ فضلِه بل لمشيئته الجاريةِ على سَننِ الحِكْمةِ البالغةِ وتصديرُ الجملتين بالاسم الجليل للإيذان بفخامة مضمونَيْهما وكونِ كلَ منهما مستقلةً بشأنها فإن الإضمارَ في الثانية منبئ عن توقُّفِها على الأولى
стр. 253
﴿ما ننسخ من آية أَوْ نُنسِهَا﴾ كلامٌ مستأنفٌ مَسوقٌ لبيانِ سرِّ النسخِ الذي هو فردٌ من أفراد تنزيلِ الوحي وإبطالِ مقالةِ الطاعنين فيه إثْرَ تحقيق
стр. 254
البقرة (١٠٧)
حقيقةِ الوحي وردِّ كلامِ الكارهين له رأساً قيل نزلت حين قال المشركون أو اليهود ألا ترون إلى محمد يأمُر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمُر بخلافه والنسخُ في اللغة الإزالةُ والنقلُ يقال نسخَت الريحُ الأثرَ أي أزالته ونسخْتُ الكتابَ أي نقلتُه ونسخُ الآيةِ بيانُ انتهاءِ التعبّدِ بقراءتها أو بالحكم المستفاد منها أوبهما جميعاً وإنساؤُها إذهابُها من القلوب وما شرطيةٌ جازمة لننسَخْ منتصبةٌ به على المفعولية وقرئ نُنْسِخْ من أنسخ أي نأمرك أو جبريل بنسخها أو نجدها منسوخة ونَنْسأْها من النَّسء أي نؤخّرْها ونُنَسِّها بالتشديد وتَنْسَها وتُنْسِها على خطاب الرسول ﷺ مبنيا للفاعل وللمفعول وقرئ ما ننسخ من آية أو ننسكها وقرئ ما نُنْسِكَ من آية أو نَنْسَخها والمعنى أن كل آيةٍ نذهب بها على ماتقتضيه الحكمةُ والمصلحة من إزالة لفظِها أو حكمِها أو كليهما معاً إلى بدل أو إلى غير بدل
﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا﴾ أي نوع آخرَ هو خيرٌ للعباد يحسب الحال في النفع والثوابِ من الذاهبة وقرئ بقلب الهمزة ألفاً
﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ أي فيما ذكر من النفع والثواب وهذا الحكمُ غيرُ مختصَ بنسخ الآية التامة فما فوقها بل جار في مادونها أيضاً وتخصيصُها بالذكر باعتبار الغالب والنصُّ كما ترى دالٌّ على جواز النسخ كيف لا وتنزيلُ الآيات التي عليها يدورُ فلكُ الأحكام الشرعية إنما هو بحسب ما يقتضيه من الحِكَم والمصالح وذلك يختلف باختلاف الأحوال ويتبدّل حسب تبدل الأشخاص والأعصار كأحوال المعاش فرب حكمٍ تقتضيه الحكمةُ في حال تقتضي في حالٍ أخرى نقيضَه فلو لم يُجزِ النسخُ لاختل ما بين الحِكمة والأحكام من النظام
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ الهمزة للتقرير كما في قوله سبحانه ﴿أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ وقوله تعالى ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ والخطابُ للنبيِّ ﵊ وقوله تعالى
﴿إن الله على كل شَىْء قَدِيرٌ﴾ سادٌّ مسَدَّ مفعوليْ تعلم عند الجمهور ومسد مفعوله الأول والثاني محذوفٌ عند الأخفش والمرادُ بهذا التقرير الاستشهادُ بعلمه بما ذكر على قدرتِهِ تعالَى على النسخ وعلى الإيتان بما هو خيرٌ من المنسوخ وبما هو مثله لأن ذلك من جملة الأشياء المقهورةِ تحت قدرته سبحانه فمِنْ علم شمولِ قدرتِه تعالى لجميعِ الأشياء علمُ قدرته على ذلك قطعاً والالتفاتُ بوضع الاسمِ الجليلِ موضعَ الضَّميرِ لتربية المهابة والإشعار بمناط الحكم فإن شمول القدرة لجميع الأشياء من الأحكام الألوهية وكذا الحالُ في قولِه عز سلطانه
стр. 255
﴿ألم تعلمَ إِنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والارض﴾ فإن عنوان الألوهية مدار أحكام ملكوتهما والجار والمجرور خبر مقدم وملك السموات والأرض مبتدأٌ والجملةُ خبرٌ لإن إيثاره على أنْ يقالَ إنِ للَّهِ مُلْكُ السموات والأرض للقصد إلى تقوّي الحُكم بتكرر الإسناد وهو إما تكريرٌ للتقرير وإعادةٌ للاستشهادِ على ما ذُكر وإنما لم يعطَفْ أن مع ما في حيزها على ما سبق من مثلها روما لزيادة التأكيد وإشعاراً باستقلال العلم بكلَ منهما وكفايتِه في الوقوف على ما هو المقصودُ وإما تقريرٌ مستقل للاستشهاد على قدرتِهِ تعالَى على جميع الأشياء أي ألم تعلمَ أَنَّ الله له السلطان القاهر والاستيلاء الباهر المستلزمان للقدرة التامة على التصرف الكلي فيهما إيجاداً وإعداماً وأمراً ونهياً حسبما تقتضيهِ مشيئتُه لا مُعارِضَ لأمره ولا معقِّبَ لحُكمه فَمْن هذا شأنُه كيف يخرُج عن قدرته شئ من الأشياء وقولُه تعالَى
﴿وَمَا لَكُم من دُونِ الله مِن وَلِيّ وَلَا نصير﴾
стр. 256
معطوف على الجملة الواقعةِ خبراً لأن داخل معها تحت تعلقِ العلم المقرِّرِ وفيه إشارة إلى تناول الخطابين السابقين للأمة أيضاً وإنما إفرادُه ﵇ بهما لما أن علومَهم مستنِدةٌ إلى علمه ﵇ ووضعُ الاسمِ الجليلِ موضِعَ الضمير الراجعِ إلى اسم أن لتربية المهابة والإيذانِ بمقارنة الولاية والنصرةِ للقوة والعزة والمرادُ به الاستشهادُ بما تعلق به من العلم على تعلُّق إرادتِه تعالى بما ذُكر من الإتيان بما هو خيرٌ من المنسوخ أو بمثله فإن مجرَّد قدرته تعالى على ذلك لا يستدعي حصولَه اْلبتة وإنما الذي يستدعيه كونُه تعالى مع ذلك ولياً ونصيراً لهم فمن علم أنه تعالى وليُّه ونصيرُه على الاستقلال يعلم قطعاً أنه لا يفعل به إلا ما هو خير له فيفوِّضُ أمرَه إليه تعالى ولا يخطُر بباله ريبةٌ في أمر النسخ وغيرِه أصلاً والفرق بين الوليِّ والنصيرِ أن الوليَّ قد يضعُفُ عن النُصرة والنصيرُ قد يكون أجنبياً من المنصور وما إما تميمية لاعمل لها ولكم خبرٌ مقدم ومن وليَ مبتدأ مؤخر زيدت فيه كلمة من للاستغراق وإما حجازية ولكم خبرها المنصوب عند من يُجيزُ تقديمَه واسمُها من ولي ومن مزيدة لما ذكر ومن دون الله في حيز النصبِ على الحالية من اسمها لأنَّه في الأصلِ صفةٌ له فلما قدم انتصب حالا ومعناه سوى الله والمعنى أن قضية العلم بما ذكرَ من الأمورِ الثلاثة هو الجزمُ والإيقانُ بأنه تعالى لا يفعل بهم في أمر من أمور دينهم أو دنياهم إلا ما هو خيرٌ لهم والعملُ بموجبه من الثقة به والتوكلِ عليه وتفويضِ الأمر إليه من غير إصغاءٍ إلى أقاويل الكفرةِ وتشكيكاتهم التي من جملتها ماقالوا في أمر النسخ وقوله تعالى
стр. 257
﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ تجريدٌ للخطاب عنِ النبيِّ ﷺ وتخصيصٌ له بالمؤمنين وأمْ منقطعةً ومعنى بل فيها الإضرابُ والانتقال من حملهم على العمل بموجب علمهم بما ذكر عند ظهور بعض مخابل المساهلةِ منهم في ذلك وأمارات التأثر من أقاويل الكفرة إلى التحذير من ذلك ومعنى الهمزةِ إنكارُ وقوعِ الإرادة منهم واستبعادُه لما أن قضية الإيمان وازعةٌ عنها وتوجيهُ الإنكار إلى الإرادة دون متعلقها للمبالغة في إنكاره واستبعادِه ببيان انه مما لايصدر عن العاقل إرادتُه فضلاً عن صدور نفسِه والمعنى بل أتريدون
﴿أن تسألوا﴾ وأنتم مؤمنون
﴿رَسُولَكُمُ﴾ وهو في تلك الرتبة من علو الشأن وتقترحوا عليه ماتشتهون غيرَ واثقين في أموركم بفضل الله تعالى حسبما يوجبه قضية علمكم بشئونه سبحانه قيل لعلهم كانوا يطلبون منه ﵊ بيانَ تفاصيلِ الحكم الداعية إلى النسخ وقيل سأله ﵇ قومٌ من المسلمين أن يجعل لهم ذاتَ أنواط كما كانت للمشركين وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلّقون عليها المأكول والمشروب وقوله تعالى
﴿كَمَا سُئِلَ موسى﴾ مصدرٌ تشبيهيٌّ أي نعتٌ لمصدرٍ مؤكدٍ محذوف وما مصدرية أي سؤال مُشْبَهاً بسؤال موسى ﵇ حيث قيل له اجعلْ لنا إلها وأرِنا الله جهرةً وغيرَ ذلك ومقتضى الظاهرِ أن يقال كما سألوا موسى لأن المشبَّه هو المصدرُ من المبنى للفاعل أعنى سائلية المخاطبين لا من المبني للمفعول أعنى مسئولية
стр. 258
البقرة (١٠٩)
الرسول ﷺ حتى يشبه بمسئولية موسى ﵇ فلعله أريد التشبيهُ فيهما معاً ولكنه أوجز النظم فذكر في جانب المشبه السائليةَ وفي جانب المشبَّه به المسئولية واكتُفي بما ذكر في كل موضع عما تُرك في الموضع الآخر كَما ذُكر في قولِهِ تعالَى ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَاّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ وقد جُوِّز أن تكون ما موصولةً على أن العائد محذوفٌ أي كالسؤال الذي سُئِله موسى ﵇ وقوله تعالى
﴿من قبل﴾ متعلِّقٌ بسُئِل جيءَ به للتأكيد وقرئ سِيل بالياء وكسر السين وبتسهيل الهمزة بين بين
﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر﴾ أي يختر ويأخذْه لنفسه
﴿بالإيمان﴾ بمقابَلتِه بدلا منه وقرئ ومن يُبْدلْ من أَبدل وكان مقتضى الظاهرِ أن يقال وَمَن يفعلْ ذلك أي السؤالَ المذكورَ أو إرادتَه وحاصلُه ومن يترُكِ الثقةَ بالآيات البينةِ المنْزلةِ بحسب المصالحِ التي منْ جُملتها الآياتُ الناسخةُ التي هي خيرٌ محضٌ وحقٌّ بحتٌ واقترح غيرَها
﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل﴾ أي عدَلَ وجارَ من حيث لا يدري عن الطريق المستقيم الموصِل إلى معالم الحق والهدى وتاه في تيه الهوى وتردى في مهاوي الردى وإنما أوُثر على ذلك مَا عليهِ النظمُ الكريمُ للتصريح من أول الأمرِ بأنه كفرٌ وارتدادٌ وأن كونَه كذلك أمرٌ واضحٌ غنيٌ عن الإخبارية بأن يقال ومن يفعلْ ذلك يكفُرْ حقيقٌ بأن يُعدَّ من المسلّمات ويُجعلَ مقدَّماً للشرْطية رَوْماً للمبالغة في الزجر والإفراط في الردع وسواء السبيل من باب إضافةِ الوصفِ إلى الموصوف لقصد المبالغة في بيان قوة الاتصافِ كأنه نفسُ السواءِ على منهاج حصولِ الصورة في الصورة الحاصلة وقيل الخطابُ لليهود حين سألوا أن يُنزِّل الله عَلَيْهِمْ كتابا مّنَ السماء وقيل للمشركين حين قالوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الارض يَنْبُوعًا الخ فإضافة الرسول ﷺ إليهم على القولين باعتبار أنهم من أمة الدعوةِ ومعنى تبدّلِ الكفر بالإيمان وهم بمعزل من الإيمان تركُ صَرْفِ قدرتِهم إليه مع تمكنِّهم من ذلك وإيثارُهم للكفر عليه
стр. 259
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب﴾ هم رهطٌ من أحبار اليهود رُوي أن فِنحاصَ بنَ عازوراءَ وزيدَ بنَ قيسٍ ونفراً من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمارِ بن ياسر ﵄ بعد وقعة أحُد ألم ترَوْا ما أصابكم ولو كنتم على الحق ما هُزمتم فارجِعوا إلى ديننا فهو خيرٌ لكم وأفضلُ ونحن أهدى منكم سبيلاً فقال عمارٌ كيف نقضُ العهد فيكم قالوا شديد قال فإني عاهدتُ أن لا أكفر بمحمَّدٍ ﵊ ما عشتُ فقالت اليهود أما هذا فقد صَبَأ وقال حذيفةُ أما أنا فقد رضِيتُ بالله رباً وبمحمد نبياً وبالإسلامِ ديناً وبالقرآن إماماً وبالكعبة قِبلةً وبالمؤمنين إخواناً ثم أتَيَا رسول الله ﷺ وأخبراه فقال أصبتما خيراً وأفلحتما فنزلت
﴿لَوْ يَرُدُّونَكُم﴾ حكاية لو دادتهم ولوُ في مَعْنَى التمنِّي وصيغةُ الغَيْبة كما في قوله حلف ليَفعلَن وقيلَ هي بمنزلةِ أَن الناصبةِ فلا يكونُ لها جوابٌ وينْسبكُ منها ومما بعدها مصدرٌ يقع مفعولا لودّوا التقدير ودُّوا ردَّكم وقيل هي على حقيقتها وجوابُها محذوف تقديره لويردونكم كفاراً لسُرُّوا بذلك
و ﴿من بعد إيمانكم﴾
стр. 260
البقرة (١١١ - ١١٠)
متعلق بيردّونكم وقوله تعالى
﴿كَفَّاراً﴾ مفعول ثانٍ له على تضمين الرد معنى التصيير أي يصيِّرونكم كفاراً كما في قوله
رَمَى الحِدْثانُ نِسْوةَ آلِ سَعْد
بمقْدَارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُوداً ... فردَّ شعورَهُنَّ السودَ بيضا
ورد وجوهَهن البيضَ سودا
وقيلَ هُو حالٌ من مفعوله والأول أدخلُ لما فيهِ منَ الدلالةِ صريحاً على كون الكفر المفروضِ بطريق القسر وإيراد الظرف مع عدم الحاجة إليه ضرورةَ كونِ المخاطبين مؤمنين واستحالةِ تحققِ الردِّ إلى الكفر بدون سبق الإيمان مع توسيطه بين المفعولين لإظهارِ كمالِ شناعةِ ما أرادوه وغايةِ بُعدِه من الوقوع إما لزيادة قبحه الصارفِ للعاقل عن مباشرته وإما لممانعة الإيمانِ له كأنه قيل من بعد إيمانكم الراسخ وفيه من تثبيت المؤمنين مالا يخفى
﴿حَسَدًا﴾ علةٌ لودّ أو حال أريد به نعتُ الجمع أي حاسدين لكم والحسَدُ الأسفُ على من له خيرٌ بخيره
﴿مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ متعلق بود أي ودوا ذلك من أجل تشهّيهم وحظوظِ أنفسِهم لا من قِبَل التدين والميل مع الحق ولو على زعمهم أو بحسد أي حسداً منبعثاً من أصل نفوسهم بالغاً أقصى مراتبه
﴿مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحق﴾ بالمعجزات الساطعةِ وبما عاينوا في التوراة من الدلائل وعلموا أنكم متمسّكون به وهم منهمكون في الباطل
﴿فاعفوا واصفحوا﴾ العفوُ تركُ المؤاخذة والعقوبةِ والصفحُ تركُ التثريب والتأنيب
﴿حتى يَأْتِىَ الله بِأَمْرِهِ﴾ الذي هو قتلُ بني قريظة وإجلاء بني النضير واذ لا لهم بضرب الجزية عليهم أو الإذنُ في القتال وعن ابن عباس ﵄ إنه منسوخٌ بآية السيف ولا يقدحُ في ذلك ضرب الغاية لأنها لا تُعْلم إلا شرعاً ولا يخرُجُ الواردُ بذلك من أن يكون ناسخاً كأنه قيل فاعفوا واصفحوا إلى ورورد الناسخ
﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ﴾ فينتقمُ منهم إذا حان حينُه وآن أوانُه فهو تعليلٌ لما دلَّ عليه ما قبله
стр. 261
﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة﴾ عطفٌ على فاعفوا أُمروا بالصبر والمداراةِ واللَّجَإ إلى الله تعالى بالعبادة البدنية والمالية
﴿وَمَا تُقَدّمُواْ لانْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ﴾ كصلاة أو صدقةٍ أو غيرِ ذلك أيْ أيُّ شيءٍ من الخيرات تقدّموه لمصلحة أنفسِكم
﴿تَجِدُوهُ عِندَ الله﴾ أي تجدوا ثوابه وقرئ تُقْدِموا من أقدم
﴿إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فلا يَضيعُ عنده عملٌ فهو وعد للمؤمنين وقرئ بالياء فهو وعيدٌ للكافرين
стр. 262
﴿وَقَالُواْ﴾ عطف على ود والضميرُ لأهل الكتابين جميعاً
﴿لنْ يدخلَ الجنةَ إلَاّ من كان هودا أو نصارى﴾ أي قالت اليهودُ لنْ يدخلَ الجنةَ إلَاّ من كان هُوداً وقالت النصارى لنْ يدخُلَ الجنةَ إلَاّ من كان نصارى فلفّ بين القولين ثقةً أن السامعَ يردُّ كلاً منهما إلى قائله ونحوُه وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا وليس مرادُهم بأولئك مَنْ أقام اليهوديةَ والنصرانية قبل النسخ
стр. 263
البقرة (١١٢)
والتحريف على وجهها بل أنفسهم على ماهم عليه لأنهم إنما يقولونه لإضلال المؤمنين وردِّهم إلى الكفر والهوُدُ جمعُ هائِدٍ كعوذٍ جمعُ عائذ وبُزْلٍ جمعُ بازل والإفرادُ في كان باعتبار لفظ مَنْ والجمع في خبرِه باعتبار معناه وقرئ إلا من كان يهودياً أو نصرانياً
﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ الاماني جميع أُمنية وهي ما يُتمنّى كالأُعجوبة والأُضْحوكة والجملةُ معترِضةٌ مبنية لبطلان ما قالوا وتلك إشارةٌ إليه والجمعُ باعتبار صدوره عن الجميع وقيل فيه حذفُ مضافٍ أي أمثالُ تلك الأُمنية أمانيُّهم وقيل تلك إشارةٌ إليه وإلى ما قبله مِن أن لا ينزِلَ على المؤمنين خيرٌ من ربهم وأن يردَّهم كفاراً ويردُّه قوله تعالَى
﴿قُلْ هَاتُواْ برهانكم إِن كُنتُمْ صادقين﴾ فإنهما ليسا مما يُطلب له البرهانُ ولا مما يَحتملُ الصِّدق والكذِبَ قيل هاتوا أصلُه آتوا قُلبت الهمزةُ هاءً أي أَحضروا حُجتَكم على اختصاصكم بدخول الجنة إِن كُنتُمْ صادقين في دعواكم هذا ما يقتضيه المقامَ بحسب النظرِ الجليلِ والذي يستدعيه إعجازُ التنزيل أن يُحمل الأمرُ التبكيتيُّ على طلب البرهان على أصل الدخولِ الذي يتضمنه دعوى الاختصاص به فإن قوله تعالى
стр. 264
﴿بلى﴾ الخ إثباتٌ منْ جهتِه تعالَى لِمَا نفَوْه مستلزمٌ لنفْي ما أثبتوه وإذْ ليس الثابتُ به مجردَ دخولِ غيرِهم الجنةَ ولو معهم ليكون المنفيُّ مجردَ اختصاصِهم به مع بقاءِ أصلِ الدخولِ على حاله بل هو اختصاصُ غيرِهم بالدخول كما ستعرفه بإذن الله تعالى ظهرَ أن المنفيَّ أصلُ دخولِهم ومن ضرورته أن يكون هو الذي كُلِّفوا إقامةَ البُرهانِ عليه لا اختصاصُهم به ليتّحدَ موردُ الإثباتِ والنفي وإنما عدَلَ عن ابطال ما ادَّعَوْه وسَلك هذا المسلكَ إبانةً لغاية حِرمانِهم مما علقوا به أطماعَهم واظهار لكمال عجزِهم عن إثباتِ مُدَّعاهم لأن حِرمانَهم من الاختصاص بالدخول وعجزَهم عن إقامة البرهان عليه لا يقتضيان حرمانَهم من أصل الدخولِ وعجزَهم عن إثباته وأما نفسُ الدخولِ فحيث ثبت حِرمانُهم منه وعجزُهم عن إثباته فهم من الاختصاص به أبعدُ وعن إثباته أعجزُ وإنما الفائزُ به من انتظمه قوله سبحانه
﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أي أخلص نفسه له تعالى لا يشرك به شيئاً عبّر عنها بالوجه لأنه أشرف الأعضاء ومجمعُ المشاعرِ وموضعُ السجود ومظهَرُ آثارِ الخضوعِ الذي هو من أخص خصائِص الإخلاص أو توجّهُه وقصدُه بحبث لا يلوي عزيمتَه إلى شيءٍ غيره
﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ حال من ضمير أسلم أي والحالُ أنه مُحسنٌ في جميع أعمالِه التي من جملتها الإسلامُ المذكورُ وحقيقةُ الإحسانِ الإتيانُ بالعمل على الوجه اللائقِ وهو حُسنُه الوصفيُّ التابعُ لحسنه الذاتي وقد فسره ﷺ بقولِه أنْ تعبدَ الله كأنَّك تراهُ فإنْ لم تكنْ تراهُ فإنَّه يراكَ
﴿فله أجره﴾ الذي وعده له على عمله وهو عبارةٌ عن دخول الجنة أو عما يدخُلُ هو فيه دخولاً أوليا واياما كان فتصويرُه بصورة الأجرِ للإيذان بقوة ارتباطِه بالعمل واستحالةِ نيلِه بدونه وقوله تعالى
﴿عِندَ رَبّهِ﴾ حالٌ من أجره والعاملُ فيه معنى الاستقرارِ في الظرف والعِنديةُ للتشريف ووضعُ اسمِ الربِّ مُضافاً إلى ضمير من أسلم موضعَ ضميرِ الجلالة لإظهار مزيدِ اللُطفِ به وتقريرِ مضمونِ الجملة أي فله أجره
стр. 265
البقرة (١١٣)
عتد مالكِه ومدبِّرِ أموره ومبلِّغِه إلى كماله والجملةُ جوابُ مَنْ إن كانت شرطيةً وخبرُها إن كانت موصولة والفاءُ لتضمنها معنى الشرط فيكون الردُّ بقوله تعالى بلى وحده ويجوزُ أنْ يكونَ مَنْ فاعلاً لفعل مقدرٍ أي بلى يدخلها من أسلم وقوله تعالى فَلَهُ أَجْرُهُ معطوفٌ على ذلك المقدر وأياً ما كان فتعلق ثبوتِ الأجرِ بما ذكر من الإسلام والإحسانِ المختصَّيْن بأهل الإيمان قاضٍ بأن أولئك المدّعين من دخول الجنة بمعزل ومن الاختصاص به بألف معزل
﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في الدارين من لُحوق مكروهٍ
﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ من فواتِ مطلوب أي لايعتريهم ما يوجب ذلك لا أنه يعتريهم لكنهم لايخافون ولايحزنون والجمعُ في الضَّمائرِ الثَّلاثةِ باعتبارِ معنى مَنْ كما أن الإفرادَ في الضمائرِ الأُوَلِ باعتبار اللفظ
стр. 266
﴿وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَىْء﴾ بيانٌ لتضليل كلِّ فريقٍ صاحَبه بخصوصه إثرَ بيانِ تضليله كلَّ من عداه على وجه العموم نزلت لما قدِم وفدُ نجرانَ على رسُولِ الله ﷺ وأتاهم أحبارُ اليهود فتناظروا فارتفعت أصواتُهم فقالوا لهم لستم على شئ أي أمرٍ يُعتدُّ به من الدين أو على شئ ما منه أصلاً مبالغةً في ذلك كما قالوا أقل من لاشئ وكفروا بعيسى والإنجيل
﴿وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَىْء﴾ على الوجه المذكورِ وكفروا بموسى والتوراةِ لا أنهم قالوا ذلك بناءً للإمر على منسوخية التوراة
﴿وهم يتلون الكتاب﴾ الواو للحال واللامُ للجنس أي قالوا ما قالوا والحال أن كلَّ فريقٍ منهم من أهل العلم والكتاب أي كان حقُّ كلَ منهم أن يعترف بحقية دينِ صاحبه حسبما ينطِقُ به كتابُه فإن كتبَ الله تعالى متصادقة
﴿كذلك﴾ أي مثلَ ذلك الذي سمعت به والكافُ في محل النصب إما على أنها نعتٌ لمصدر محذوف قُدّم على عامله لإفادة القصر أي قولاً مثلَ ذلك القول بعينه لاقولا مغايراً له
﴿قَالَ الذين لَا يَعْلَمُونَ﴾ من عبَدَة الأصنام والمعطِّلة ونحوِهم من الجهَلة أي قالوا لأهل كل دين ليسوا على شئ وإما على أنَّها حالٌ من المصدر المضمر المعرف الدال عليه قال أي قال القول الذين لايعلمون حال كونه مثلَ ذلك القولِ الذي سمعْتَ به
﴿مِّثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ إما بدلٌ من محل الكاف وإما مفعولٌ للفعل المنفيِّ قبله أي مثلَ ذلك القول قال الجاهلون بمثل مقالةِ اليهودِ والنصارى وهذا توبيخٌ عظيم لهم حيث نظَموا أنفسهم مع علمهم في سلك مَنْ لا يعلم أصلاً
﴿فالله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أي بين اليهود والنصارى فإن مساقَ النظمِ لبيان حالِهم وإنما التعرُّضُ لمقالة غيرِهم لإظهار كمالِ بطلانِ مقالهم ولأن المُحاجَّةَ المُحوِجَةَ إلى الحكم إنما وقعت بينهم
﴿يَوْمُ القيامة﴾ متعلقٌ بيحكم وكذا ماقبله وما بعده ولاضير فيه لاختلاف المعنى
﴿فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بما يقسم لكل فريق مايليق به من العقاب وقيل حكمُه بينهم أن يكذِّبَهم وبدخلهم النارَ والظرفُ الأخير متعلقٌ بيختلفون قُدِّم عليه للمحافظة على رءوس الآى لا بكانوا
стр. 267
البقرة (١١٤)
стр. 268
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله﴾ إنكارٌ واستبعاد لأن يكون أحدٌ أظلمَ ممن فعل ذلك أومساويا له وإن لم يكن سبكُ التركيب متعرضاً لإنكار المساواة ونفيُها يشهد به العرف الفاشي والاستعمال المطرد فإذا قيل مَنْ أكرمُ من فلان أولا أفضلَ من فلان فالمرادُ به حتماً أنه أكرمُ من كل كريم وأفضل من كل فاضل وهذا الحكم عامٌ لكل من فعل ذلك في أي مسجد كان وإن كان سببَ النزول فعلُ طائفةٍ معينة في مسجد مخصوص رُوي أن النصارى كانوا يطرَحون في بيت المقدس الأذى ويمنعون الناسَ أن يصلوا فيه وأن الرومَ غزَوُا أهلَه فخرَّبوه وأحرقوا التوراة وقتلوا وسبوا وقد نُقلَ عن ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ طِيطَيُوسَ الروميَّ ملكَ النصارى وأصحابَه غزوا بني إسرئيل وقتلوا مُقاتِلَتَهم وسبَوُا ذرارِيَهم وأحرقوا التوراةَ وخرَّبوا بيتَ المقدس وقذفوا فيه الجيفَ وذبحوا فيه الخنازيرَ ولم يزل خراباً حتى بناه المسلمون في عهد عمرَ ﵁ وإنما أُوقعَ المنعُ على المساجد وإن كان الممنوعُ هو الناسَ لما أن فعلَهم من طرح الأذى والتخريب ونحوِهما متعلقٌ بالمسجد لا بالناس مع كونه على حاله وتعلقُ الآيةِ الكريمة بما قبلها من حيث إنها مبطلةٌ لدعوى النصارى اختصاصَهم بدخول الجنة وقيل هو منعُ المشركين من جُملة الجاهلين القائلين لكل مَنْ عداهم ليسوا على شئ
﴿أن يذكر فيها اسمه﴾ ثاني مفعولي منع كقوله تعالى ﴿وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ﴾ وقوله تعالى ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلَاّ أَن كَذَّبَ بِهَا الاولون﴾ ويجوزُ أنْ يكونَ ذلكَ بحذف الجارِّ مع أن وأن يكون ذلك مفعولاً له أي يُذكر فيها اسمُه
﴿وسعى فِى خَرَابِهَا﴾ بالهدم أو التعطيل بانقطاع الذكر
﴿أولئك﴾ المانعون الظالمون الساعون في خرابها
﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَاّ خَائِفِينَ﴾ أي ما كان ينبغي لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَاّ بخشية وخضوعٍ فضلاً عن الاجتراء على تخريبها أوتعطيلها أوما كان الحق أن يدخلوها إلا على حال التهيُّب وارتعادِ الفرائصِ من جهة المؤمنين أن يبطِشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليها ويَلوُها ويمنعوهم منها أو ما كان لَهُمْ في علم الله تعالى وقضائه بالآخرة إلا ذلك فيكونُ وعداً للمؤمنين بالنُصرة واستخلاص ما استولَوْا عليه منهم وقد أُنجز الوعدُ ولله الحمد روى أنه لايدخل بيتَ المقدس أحدٌ من النصارى إلا متنكراً مسارقةً وقيل معناه النهيُ عن تمكينهم من الدخول في المسجد واختلف الأئمة في ذلك فجوّزه أبو حنيفة مطلقاً ومنعه مالك مطلقاً وفرَّق الشافعي بين المسجد الحرام وغيره
﴿ولهم﴾ أي لأولئك المذكورين
﴿فِى الدنيا خِزْىٌ﴾ أي خزي فظيعٌ لا يوصف بالقتل والسبي والإذلال بضرب الجزية عليهم
﴿وَلَهُمْ فِى الأخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو عذابُ النار لما أن سببه أيضاً وهو ما حُكي من ظلمهم كذلك في العِظَم وتقديمُ الظَّرفِ في الموضعينِ لتشويق إلى ما يذكر بعدَه من الخزي والعذاب لما مرَّ منْ أنَّ تأخيرَ ما حقُّه التقديمُ موجبٌ لتوجه النفس إليه فيتمكن فيها عند وروده فضلَ تمكن كما في
стр. 269
البقرة (١١٦ - ١١٥)
قوله تعالى ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الأنعامِ ثمانية أزواج﴾ إلى غير ذلك
стр. 270
﴿وَلِلَّهِ المشرق والمغرب﴾ أي له كلُّ الأرض التي هي عبارةٌ عن ناحيتي المشرقِ والمغربِ لا يختصّ به من حيث الملكُ والتصرفُ ومن حيث المحلّيةُ لعبادته مكانٌ منها دون مكان فإن مُنعتم من إقامة العبادةِ في المسجد الأقصى أو المسجد الحرام
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ﴾ أي ففي أي مكان فعلتم توليةَ وجوهِكم شطرَ القبلة
﴿فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ ثَمَّ اسمُ إشارة للمكان البعيد خاصة مبنيٌّ على الفتح ولا يتصرَّف سوى الجر بمن وهو خبر مقدمٌ ووجهُ الله مبتدأ والجملة في محل الجزم على أنها جواب الشرط أي هناك جهتُه التي أمر بها فإن إمكان التوليةِ غيرُ مختصَ بمسجد دون مسجد أو مكان دون آخر أو فثَمَّ ذاتُه بمعنى الحضورِ العلميّ أي فهو عالم بما يُفعل فيه ومثيبٌ لكم على ذلك وقرئ بفتح التاء واللام أي فأينما توجهوا القبلة
﴿إِنَّ الله واسع﴾ بإحاطته بالأشياء أو برحمته يريد التوسعةَ على عباده
﴿عَلِيمٌ﴾ بمصالحهم وأعمالهم في الأماكن كلِّها والجملة تعليلٌ لمضمون الشرطية وعن ابن عمرَ ﵄ نزلت في صلاة المسافرين على الراحلة أينما توجّهوا وقيل في قوم عمِيت عليهم القِبلةُ فصلُّوا إلى أنحاءَ مختلفةٍ فلما أصبحوا تبينوا خطأهم وعلى هذا لو أخطأ المجتهدُ ثم تبين له الخطأ لم يلزمه التدارُك وقيل هي توطئة لنسخ القِبلة وتنزيهٌ للمعبود عن أن يكون في جهة
стр. 271
﴿وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا﴾ حكاية لطرفٍ آخرَ من مقالاتهم الباطلةِ المحكية فيما سلف معطوفةٌ على ما قبلها من قوله تعالى وَقَالَت الخ لا على صلةِ مَنْ لما بينهما من الجمل الكثيرة الأجنبيةِ والضميرُ لليهود والنصارى ومن شاركهم فيما قالوا من الذين لا يعلمون وقرئ بغير واو على الاستئناف نزلت حين قالت اليهودُ عزيز ابنُ الله والنصارى المسيحُ ابنُ الله ومشركو العربِ الملائكةُ بناتُ الله والاتخاذُ إما بمعنى الصُنع والعمل فلا يتعدَّى إلا إلى واحد وإما بمعنى التصيير والمفعولُ الأول محذوف أي صير بعض مخلوقاته ولداً
﴿سبحانه﴾ تنزيهٌ وتبرئةٌ له تعالى عما قالوا وسبحانَ عَلَمٌ للتسبيح كعُثمانَ للرجل وانتصابُه على المصدريّةِ ولا يكاد يُذكر ناصبُه أي أُسبِّحُ سبحانَه أي أنزّهُه تنزيهاً لائقاً به وفيه من التنزيه البليغِ من حيث الاشتقاقُ من السبْح الذي هو الذهابُ والإبعادُ في الأرض ومن جهة النقلِ إلى التَّفعيلِ ومن جهة العدولِ إلى المصدر إلى الاسمِ الموضوعِ له خاصة لاسيما العلمُ المشيرُ إلى الحقيقةِ الحاضرةِ في الذِّهنِ ومن جهة إقامتهِ مُقامَ المصدرِ مع الفعل مالا يخفى وقيل هو مصدرٌ كغُفرانٍ بمعنى التنزُّه أي تنَزَّهَ بذاتِه تنزُّهاً حقيقاً به ففيه مبالغةٌ من حيث إسنادُ البراءةِ إلى الذات المقدسة وإن كان التنزيهُ اعتقادَ نزاهتِه تعالى عما لا يليق به لا إثباتَها له تعالى وقولُه تعالى
﴿بَل لَّهُ ما في السماوات والارض﴾ رد لما زعموا وتنبيهٌ على بطلانه وكلمةُ بل للإضراب عما تقتضيه مقالتُهم الباطلةُ من مجانسته لشئ من المخلوقات ومن سرعة فَنائِه المَحوِجة إلى اتخاذ ما يقوم مَقامه فإن مجرد الإمكان والفَناء لا يوجب ذلكَ ألا يُرى أن الأجرامَ الفَلَكيةَ مع إمكانها وفَنائِها بالآخرة مستغنيةٌ
стр. 272
البقرة (١١٨ - ١١٧)
بدوامها وطولِ بقائها عما يجري مجرَى الولدِ من الحيوان أي ليس الأمرُ كما زعموا بل هو خالقٌ جميعَ الموجودات التي من جملتها عزيز والمسيحُ والملائكة
﴿كُلٌّ﴾ التنوين عوضٌ عن المضافِ إليهِ أي كلُّ ما فيهما كائناً ما كانَ منْ أولي العلم وغيرِهم
﴿لَّهُ قانتون﴾ منقادون لا يستعصي شئ منهم على تكوينه وتقديره ومشيئتِه ومن كان هذا شأنُه لم يُتصوَّرْ مجانستُه لشئ ومن حق الولدِ أن يكون من جنس الوالد وإنما جيءَ بما المختصةِ بغير أولي العلم تحقيراً لشأنهم وإيذانا بكمال بُعدِهم عما نسَبوا إلى بعضٍ منهم وصيغةُ جمعِ العقلاءِ في قانتون للتغليب أو كلُّ مَنْ جعلوه لله تعالى ولداً له قانتون أي مطيعون عابدون له معترفون بربوبيته تعالى كقوله تعالى ﴿أُولَئِكَ الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوسيلة﴾
стр. 273
﴿بديع السماوات والارض﴾ أي مُبدِعُهما ومخترِعُهما بلا مثالٍ يَحتذيه ولا قانونٍ ينتجه فإن البديعَ كما يُطلقُ على المبتدِع يُطلق على المبدع نصَّ عليه أساطينُ أهل اللغة وقد جاء بَدَعَه كمنعه بمعنى أنشأه كابتدعه كما ذُكر في القاموس وغيرِه ونظيرُه السميعُ بمعنى المسمِع في قوله أَمِنْ رَيْحانَةَ الدَّاعي السميعُ وقيل هو من إضافة الصفةِ المشبّهةِ إلى فاعلها للتخفيف بعد نصبه على تشبيهها باسم الفاعِلِ كما هو المشهورُ أي بديعُ سمواتِه من بَدَع إذا كان على شكل فائقٍ وحُسْنٍ رائق وهو حجة أخرى لإبطال مقالتِهم الشنعاءِ تقريرُها أن الوالدَ عنصرُ الولدِ المنفعل بانفصال مادته عنه والله سبحانه مُبدعُ الأشياء كلِّها على الإطلاق منزَّه عن الانفعال فلا يكون والداً ورفعُه على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوف أي هو بديعُ الخ وقرئ بالنصبَ على المدح وبالجرِّ على أنه بدلٌ من الضمير في له على رأي من يجوز الإبدالَ من الضمير المجرور كما في قوله ... على جودِه لَضَنَّ بالماء حاتِمُ ...
﴿وَإِذَا قضى أَمْرًا﴾ أي أرادَ شيئاً كقوله تعالى إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً وأصلُ القضاءِ الإحكام أطلق على الإرادة الإلهية المتعلقة بوجود الشئ لإيجابها إياه البتة وقيل الأمر ومنه قوله تعالى ﴿وقضى رَبُّكَ﴾ الخ
﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيكون﴾ كلاهما من الكون التام أي أحدث فيحدث وليس المرادُ به حقيقةَ الأمرِ والامتثال وإنما هو تمثيلٌ لسهولة تأتّي المقدورات بحسَب تعلّقِ مشيئتِه تعالى وتصويرٌ لسرعة حدوثِها بما هو عَلَمٌ في الباب من طاعة المأمورِ المطيعِ للآمر المطاعِ وفيه تقريرٌ لمعنى الإبداع وتلويحٌ لحجة أخرى لإبطال ما زعموه بأن اتخاذَ الولدِ شأنُ مَن يفتقرُ في تحصيل مرادِه إلى مباد يستدعي ترتيبُها مرورَ زمانٍ وتبدلَ أطوارٍ وفعلُه تعالى متعالٍ عن ذلك
стр. 274
﴿وَقَالَ الذَين لَا يَعْلَمُونَ﴾ حكايةٌ لنوعٍ آخرَ من قبائحهم وهو قدحُهم في أمر النبوة بعد حكاية قدحِهم في شأن التوحيد بنسبة الولدِ إليه واختُلف في هؤلاء القائلين فقال ابن عباس ﵄ اليهودُ وقال مجاهد هم النصارى ووصفُهم بعدم العلم لعدم علمِهم بالتوحيد والنبوة كما ينبغي أو لعدم علمِهم بموجب عمَلِهم أو لأن ما يحكى عنهم لا يصدرُ عمن له شائبةُ علمٍ أصلاً وقال قتادة
стр. 275
البقرة (١٢٠ - ١١٩)
وأكثرُ أهل التفسير هم مشركو العربِ لقوله تعالى ﴿فليأتنا بآية كَمَا أرسل الأولون﴾ وقالوا ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا المَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾
﴿لَوْلَا يُكَلّمُنَا الله﴾ أي هلا يكلمُنا بلا واسطة أمراً أو نهياً كما يكلم الملائكةَ أو هلا يكلمنا نتصيصا على نُبوَّتِك
﴿أو تأتينا آية﴾ حجةٌ تدل على صدقك بلغوا من العُتوِّ والاستكبارِ إلى حيثُ أمَّلوا نيلَ مرتبةِ المفاوضةِ الإلهيةِ من غير توسط الرسولِ والملَك ومن العنادِ والمكابرة إلى حيث لم يعُدّوا ما آتاهم من البينات الباهرة التي تخِرُّ لها صُمُّ الجبال من قَبيل الآيات قاتلهم الله أنَّي يُؤفكون
﴿كَذَلِكِ﴾ مثلَ ذلكَ القولِ الشنيعِ الصادرِ عن العِناد والفساد
﴿قَالَ الذين مِن قَبْلِهِم﴾ من الأمم الماضية
﴿مِّثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ هذا الباطلِ الشنيعِ فقالوا ﴿أَرِنَا الله جهرة﴾ قالوا ﴿لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد﴾ الآية وقالوا هَلْ يستطيع ربك الخ قالوا اجْعَلْ لَّنَا إِلَهًا الخ
﴿تشابهت قُلُوبُهُمْ﴾ أي قلوبُ هؤلاءِ وأولئك في العمى والعِناد وإلا لما تشابهت أقاويلُهم الباطلة
﴿قَدْ بَيَّنَّا الآيات﴾ أي نزلناها بينةً بأن جعلناها كذلك في أنفسِها كما في قولِهم سبحانَ من صغر البغوض وكبَّر الفيلَ لا أنا بيناها بعد أن لم تكن بينةً
﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أي يطلُبون اليقين ويوقنون بالحقائق لا يعتريهم شُبهةٌ ولا رِيبة وهذا ردٌّ لطلبهم الآيةَ وفي تعريف الآيات وجمعها وإيراد التبيين المُفصِح عن كمال التوضيح مكانَ الإتيان الذي طلبوه ما لا يَخفْى من الجزالة والمعنى أنهم اقترحوا آيةً فذَّةً ونحن قد بينا الآياتِ العظامَ لقوم يطلُبون الحقَّ واليقين وإنما لم يُتعرَّضْ لرد قولِهم لَوْلَا يُكَلّمُنَا الله إيذانا بأنه من ظهور البطلانِ بحيث لا حاجة إلى الرد والجواب
стр. 276
﴿إِنَّا أرسلناك بالحق﴾ أي متلبسا بالقرآن كما في قوله تعالى ﴿كَذَّبُواْ بالحق لَمَّا جَاءهُمْ﴾ أو بالصدق كما في قوله تعالى ﴿أَحَق هو﴾ وقولُه تعالى
﴿بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ حال من مفعول باعتبار تقييدِه بالحال الأولى أي أرسلناك متلبسا بالقرآن حالَ كونك بشيراً لمن آمن بما أُنزِل عليك وعمِل به ونذيراً لمن كفَر به أو أرسلناك صادقاً حال كونِك بشيراً لمن صدّقك بالثواب ونذيراً لمن كذّبك بالعذاب ليختاروا لأنفسهم ما أحبّوا لا قاسرَ لهم على الإيمان فلا عليك إنْ أصروا وكابروا
﴿ولا تسأل عَنْ أصحاب الجحيم﴾ ما لهم لم يؤمنوا بعد ما بلّغْتَ ما أُرسلتَ به وقرئ لن تسأل وما تسأل وقرئ لا تَسْألْ على صيغة النهي إيذاناً بكمال شدةِ عقوبةِ الكفار وتهويلاً لها كأنها لغاية فظاعتها لا يقدِرُ المخبِرُ على إجرائها على لسانه أو لا يستطيع السامعُ أن يسمع خبرَها وحملُه على نهي النبيِّ ﷺ عن السؤال عن حال أبويه مما لايساعده النظمُ الكريمُ والجحيمُ المتأججُ من النار وفي التعبير عنهم بصاحبية الجحيم دون الكفر والتكذيب ونحوهما وعيدٌ شديد لهم وإيذانٌ بأنهم مطبوعٌ عليهم لا يرجى منهم الإيمانُ قطعاً وقوله تعالى
стр. 277
﴿وَلَن ترضى عَنكَ اليهود وَلَا النصارى حتى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ بيانٌ لكمال شدةِ شكيمةِ هاتين الطائفتين خاصة إثْرَ بيانِ ما يعُمُّهما والمشركين من الإصرار على ما هم عليه إلى الموت وإيراد لا
стр. 278
البقرة (١٢٢ - ١٢١)
النافية بين المعطوفَيْن لتأكيد النفي لما مرَّ منْ أنَّ تصلُّبُ اليهودِ في أمثال هذه العظائم أشدُّ من النصارى والإشعارِ بأن رضى كلَ منهما مباينٌ لرضى الأخرى أي لن ترضى عنك اليهودُ ولو خلَّيتَهم وشأنَهم حتى تتبعَ ملّتهم ولا النصارى ولو تركتم ودينَهم حتى تتبع مِلَّتَهم فأُوجِزَ النظمُ ثقةً بظهور المراد وفيهِ من المبالغةِ في إقناطه ﷺ من إسلامهم ما لا غايةَ وراءَه فإنهم حيث لم يرضَوْا عنه ﵇ ولو خلاّهم يفعلون ما يفعلون بل أملّوا منه ﷺ مالا يكاد يدخُل تحت الإمكان من اتِّباعِه ﵇ لمِلّتهم فكيف يُتوهم اتباعُهم لملته ﵇ وهذه حالتُهم في أنفسهم ومقالتُهم فيما بينهم وأما أنهم أظهروها للنبي ﷺ وشافهوه بذلك وقالوا لن نرضى عنك وإن بالغْتَ في طلب رضانا حتى تتبعَ مِلَّتنا كما قيل فلا يساعدُهُ النظمُ الكريمُ بل فيه ما يدل على خلافه فإنَّ قولَه
﴿قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى﴾ صريحٌ في أنَّ ما وقع هذا جواباً عنه ليس عينَ تلك العبارةِ بل ما يستلزم مضمونَها أو يلزمه من الدعوة إلى اليهودية والنصرانية وادعاء أن الاهتداءَ فيهما كقوله حكايةً عنهم ﴿كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ﴾ أي قل رداً عليهم إِنَّ هُدَى الله الذي هو الإسلامُ هو الهدى بالحق والذي يحِقُّ ويصح أن يُسمَّى هُدىً وهو الهدى كلُّه ليس وراءه هُدىً وما تدْعون إليه ليس بهُدىً بل هو هوىً كما يعرب عنه قوله تعالى
﴿وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم﴾ أي آراءَهم الزائغةَ الصادرةَ عنهم بقضية شهواتِ أنفسِهم وهي التي عُبّر عنها فيما قبلُ بملتهم إذ هي التي ينتمون إليها وأما ما شرعه الله تعالى لهم من الشريعة على لسان الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام وهو المعنى الحقيقيُّ للملة فقد غيّروها تغييراً
﴿بَعْدَ الذي جَاءكَ مِنَ العلم﴾ أي الوحي أو الدين المعلومِ صحتُه
﴿مَا لَكَ مِنَ الله﴾ مِن جهته العزيزة
﴿مِن وَلِىّ﴾ يلي أمرَك عموماً
﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ يدفعُ عنك عقابَه وحيث لم يستلزم نفيُ الوليِّ نفيَ النصيرِ وُسِّط لا بين المعطوفين لتأكيد النفي وهذا باب التهييج والإلهابِ وإلا فأنى يُتوهم إمكانُ اتباعِه ﵇ لمِلّتهم وهو جوابٌ للقسم الذي وطّأه اللامُ واكتُفي به عن جواب الشرط
стр. 279
﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ هُم مُؤمنو أهلِ الكتابِ كعبدِ اللَّه بن سلام وأضرابِه
﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ بمراعاة لفظِه عن التحريف وبالتدبّر في معانيه والعمل بما فيه وهو حال مقدرةٌ والخبرُ ما بعدَهُ أو خبرٌ وما بعده مقرِّرٌ له
﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى الموصوفينَ بإيتاء الكتاب وتلاوتِه كما هو حقُّه وما فيه من معنى البعد للإيذانِ ببُعدِ منزلتِهم في الفضل
﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي بكتابهم دون المحرِّفين فإنهم بمعزل من الإيمان به فإنه لا يجامِعُ الكفرَ ببعضٍ منه
﴿وَمن يَكْفُرْ بِهِ﴾ بالتحريف والكفرِ بما يصدِّقه
﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون﴾ حيثُ اشترَوُا الكفرَ بالإيمانِ
стр. 280
﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التى أنعمت عَلَيْكُمْ﴾ ومن جملتها التوراةُ وذكر النعمة إنما
стр. 281
البقرة (١٢٤ - ١٢٣)
يكون بشكرها وشكرُها الإيمانُ بجميع ما فيها ومن جملته نعت النبيِّ ﷺ ومن ضرورة الإيمان بها الإيمان به ﵊
﴿وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين﴾ أفرِدَتْ هذه النعمةُ بالذكر مع كونها مندرجةً تحت النعمة السالفةِ لإنافتها فيما بين فنونِ النعم
стр. 282
﴿واتقوا﴾ إن لم تؤمنوا
﴿يَوْمًا لَاّ تَجْزِى﴾ في ذلك اليوم
﴿نَفْسٌ﴾ من النفوس
﴿عَن نَّفْسٍ﴾ أخرى
﴿شَيْئاً﴾ من الأشياءِ أو شيئاً من الجزاء
﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ أي فدية
﴿وَلَا تَنفَعُهَا شفاعة وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ وتخصيصُهم بتكرير التذكيرِ وإعادةِ التحذير للمبالغة في النُصحِ وللإيذان بأن ذلك فذلكةُ القضية والمقصودُ من القصة لِما أن نعم الله عليهم أعظمُ وكفرَهم بها أشدُّ وأقبحُ
стр. 283
﴿وَإِذِ ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات﴾ شروع في تحقيق إن هُدى الله هو ما عليه النبيِّ ﷺ من التوحيد والإسلام الذي هو ملةُ إبراهيمَ ﵇ وأن ما عليه أهلُ الكتابين أهواءٌ زائغةٌ وأن ما يدّعونه من أنهم على ملَّته ﵊ فريةٌ بلا مريةٍ ببيان ما صدر عن إبراهيم وأبنائه الأنبياءِ ﵈ من الأقاويل والأفاعيل الناطقة بحقية التوحيدِ والإسلام وبُطلان الشركِ وبصحة نبوةِ النبيِّ ﷺ وبكونه ذلك النبيِّ الذي استدعاه إبراهيم واسمعيل عليهما الصلاة والسلام بقولهما ﴿رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ﴾ الآية فإذْ منصوبٌ على المفعوليةِ بمضمرِ مقدمٍ خوطب به النبيُّ ﷺ بطريقِ التلوينِ أيْ واذكُر لهم وقت ابتلائِه ﵇ ليتذكروا بما وقع فيه من الأمور الدَّاعيةِ إلى التوحيد الوازعةِ عن الشرك فيقبلوا الحقَّ ويتركوا ماهم فيه من الباطل وتوجيهُ الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودةُ بالذات قد مرَّ وجهُه في أثناء تفسير قولِه ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنّي جَاعِلٌ فِى الأرض خَلِيفَةً﴾ وقيل على الظرفية بمُضمر مؤخَّرٍ أي وإذ ابتلاه كان كيتَ وكيت وقيل بما سيجيء من قوله تعالى قَالَ الخ والأول هو اللائق بجزالة التنزيل ولا يبعُد أن ينتصِبَ بمضمرٍ معطوف على اذكُروا خُوطب به بنو إسرائيلَ ليتأملوا فيما يُحْكى عمن ينتمون الى ملته من إبراهيمَ وأبنائه ﵈ من الأفعال والأقوال فيقتدوا بهم ويسيروا سيرتَهم والابتلاءُ في الأصل الاختبارُ أي تطلب الخبرة بحال المختبر بتعريضه لأمر يشُقُّ عليه غالباً فِعلُه أو تركُه وذلك إنما يتصور حقيقة ممن لا وقوفَ له على عواقب الأمور وأما من العليم الخبير فلا يكون إلا مجازا من تمكينه للعبد من اختيار أحدِ الأمرين قبل أن يرتب عليه شيئا هو من مباديه العادية كمن يختبرُ عبدَه ليتعرَّف حاله من الكِياسة فيأمُره بما يليق بحاله من مَصالحه وإبراهيمُ اسمٌ أعجميٌّ قال السُهيلي كثيراً ما يقع الاتفاقُ أو التقاربُ بين
стр. 284
السرياني والعربي الا يرى أن إبراهيمَ تفسيره أبْ رَاحِم ولذلك جُعل هو وزوجتُه سارةُ كافِلَيْن لأطفال المؤمنين الذين يموتون صغاراً إلى يوم القيامةِ على ما رَوى البُخاريُّ في حديث الرؤيا أن النبيِّ ﷺ رأى في الروضة إبراهيمَ ﵇ وحوله أولادُ الناس وهو مفعولٌ مقدَّم لإضافة فاعلِه إلى ضميره والتعرُّضُ لعنوان الربوبية تشريفٌ له ﵇ وإيذانٌ بأن ذلك الابتلاء تربيةٌ له وترشيحٌ لأمر خطير والمعنى عاملَه سبحانه معاملةَ المختبِرَ حيث كلّفه أوامر ونواهي يظهر بحسن قيامِه بحقوقها قُدرتُه على الخروج عن عُهدة الإمامةِ العظمى وتحمّلِ أعباءِ الرسالة وهذه المعاملة وتذكيرها للناس لإرشادهم إلى طريق إتقانِ الأمور ببنائها على التجربة وللإيذان بأن بِعثةَ النبيِّ ﷺ أيضاً مبنيةٌ على تلك القاعدة الرصينة واقعةٌ بعد ظهور استحقاقِه ﵇ للنبوة العاملة كيف لا وهي التي أُجيب بها دعوةُ إبراهيمَ ﵇ كما سيأتي واختُلف في الكلمات فقال مجاهد هي المذكورة بعدَها ورُدَّ بأنه يأباه الفاء في فأتمهن ثم الاستئناف وقال طاوسُ عن ابن عباس ﵄ هي عشرُ خصال كانت فرضاً في شرعه وهُن سنةٌ في شرعنا خمسٌ في الرأس المضمضةُ والاستنشاقُ وفرقُ الرأس وقصُّ الشارب والسواكُ وخمس في البدن الخِتانُ وحلقُ العانة ونتفُ الإبْطِ وتقليمُ الأظفار والاستنجاءُ بالماء وفي الخبر أن إبراهيمَ ﵇ أولُ من قص الشاربَ وأولُ من اختَتَن وأولُ من قلم الأظفار وقال عكرمة عن ابن عباس لم يُبْتلَ أحدٌ بهذا الدين فأقامه كلَّه إلا إبراهيم ابتلاه الله تعالى بثلاثين خَصلةً من خصال الإسلام عشرٌ منها في سورة براءة التائبون الخ وعشر في الأحزاب إن المسلمين والمسلمات الخ وعشر في المؤمنون وسأل سائل الى قوله وَالَّذِينَ هُمْ على صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ وقيل ابتلاه الله سبحانه بسبعة أشياءَ بالشمس والقمرِ والنجوم والاختتان على الكِبَر والنار وذبحِ الولدِ والهِجْرة فوفى بالكل وقيل هن مُحاجَّتُه قومَه والصلاةُ والزكاةُ والصوم والضيافة والصبرُ عليها وقيل هي مناسك كالطواف والسعي والرمي والإحرام والتعريف وغيرِهن وقيل هي قوله ﵇ ﴿الذي خلقني فهو يهدين﴾ الآيات ثم قيل إنما وقع هذا الابتلاءُ قبل النبوة وهو الظاهرُ وقيل بعدها لأنه يقتضي سابقةَ الوحي وأجيب بأن مطلق الوحي لا يستلزمُ البعثةَ إلى الخلق وقرئ برفع إبراهيمُ ونصبِ ربَّه أي دعاه بكلماتٍ من الدعاء فعل المختبِر هل يجيبه اليهن أولا
﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي قام بهن حق القيام وأداهن أحسنَ التأديةِ من غير تفريط وتوانٍ كما في قوله تعالى ﴿وإبراهيم الذى وفى﴾ وعلى القراءة الأخيرة فأعطاه الله تعالى ما سأله من غير نقص ويعضدُه ما روي عن مقاتل أنه فسَّر الكلماتِ بما سأل إبراهيمُ ربه بقوله رب اجعل الآيات وقوله
﴿قَالَ﴾ على تقدير انتصاب إذْ بمضمر جملةٌ مستأنفةٌ وقعت جوابا عن سؤال نشأ من الكلام فإن الابتلاء تمهيدٌ لأمر معظَّم وظهورُ فضيلة المبتلى من دواعي الإحسان إليه فبعد حكايتها تترقب النفسُ إلى ما وقع بعدهما كأنه قيل فماذا كان بعد ذلك فقيل قال
﴿إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ أو بيانٌ لقوله تعالى ابتلي على رأي من جعل الكلماتِ عبارةً عما ذُكر أثرُه من الإمامة وتطهيرِ البيت ورفعِ قواعدِه وغير ذلك وعلى تقدير انتصابِ إذ بقال فالجملة معطوفةٌ على ما قبلها عطفَ القِصة على القصة والواو في المعنى داخلةٌ على قال أي وقال ابتلى الخ والجعلُ بمعنى التصيير أحدُ مفعوليه الضميرُ والثاني إماماً واسم الفاعل بمعنى المضارع وأوكد منه لدلالته على أنه جاعل
стр. 285
البقرة (١٢٥)
له اُلبتةَ منْ غيرِ صارفٍ يلويهِ ولا عاطفٍ يثنيهِ وللناس متعلق بحاعلك أي لأجل الناس أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من إماماً إذ لو تأخر عنه لكان صفةً له والإمام اسم لمن يؤتم به وكلُّ نبي إمامٌ لأمته وإمامته ﵇ عامةٌ مؤبدةٌ إذ لم يبعث بعده نبي إلا كان من ذريته مأموراً باتباع ملته
﴿قَالَ﴾ استئناف مبنيٌّ على سؤال مقدر كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ إبراهيم ﵇ عنده فقيل قال
﴿وَمِن ذُرّيَتِى﴾ عطف على الكاف ومن تبعيضيةٌ متعلقة بجاعل أي وجاعل بعضَ ذريتي كما تقول وزيداً لمن يقول سأكرمك أو بمحذوف أي واجعل فريقاً من ذريتي إماماً وتخصيصُ البعض بذلك لبَداهة استحالة إمامةِ الكلِّ وإن كانوا على الحق وقيل التقدير وماذا يكون من ذرتيى والذرية نسلُ الرجل فُعّولة من ذروت أو ذريت والأصل ذرووة أو ذُرّوْية فاجتمع في الأولى واوان زائدة وأصلية فقلبت الأصلية ياء فصارت كالثانية فاجتمعت واوٌ وياء وسَبَقَتْ إحداهما بالسكون فقُلبت الواوُ ياء وأُدغمت الياءُ في الياء فصارت ذرية أو فعلية منهما والأصل في الولى ذُرِّيوة فقلبت الواو ياء لما سبق من اجتماعهما وسَبْقِ إحداهما بالسكون فصارت ذرّيْيَة كالثانية فأدغمت الياء في مثلها فصارت ذرّية أو فُعيلة من الذرْء يمعنى الخلق والأصل ذُريئة فخففت الهمزةُ بإبدالها ياءً كهمزة خطيئة ثم أُدغمت الياء الزائدةُ في المبدلةِ أو فعيلة من الذرّ بمعنى التفريق والأصل ذُرّيرة قلبت الراء الأخيرة ياء لتوالي الأمثال كما في تسري وتفضى وتظني فأدغمت الياء في الياء كما مر أو فعولة منه والأصل ذُرّورة فقلبت الراء الأخيرة ياءً فجاء الإدغام وقرئ بكسر الذال وهي لغة فيها وقرأ أبو جعفر المدني بالفتح وهي أيضاً لغة فيها
﴿قَالَ﴾ استئناف مبني على سؤال ينساق إليه الذهنُ كما سبق
﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظالمين﴾ ليس هذا رداً لدعوتِه ﵇ بلْ إجابةً خفيةً لها وعِدَةً إجماليةً منه تعالى بتشريف بعضِ ذريتِه ﵇ بنيل عهدِ الإمامةِ حسبما وقع في استدعائه ﵇ من غير تعيين لهم بوصفٍ مميزٍ لهم عن جميع مَنْ عداهم فإن التنصيصَ على حرمانِ الظالمين منه بمعزلٍ من ذلك التمييزِ إذ ليس معناه أنه ينالُ كلَّ من ليس بظالم منهم ضرورةَ استحالةِ ذلك كما أشير إليه ولعل إيثارَ هذه الطريقةِ على تعيين الجامعين لمبادئ الإمامة من ذريته إجمالاً أو تفصيلاً وإرسالَ الباقين لئلا ينتظمَ المقتدون بالأئمةِ من الأمةِ في سلك المحرومين وفي تفصيل كل فرقة من الإطناب مالا يخفى مع ما في هذه الطريقة من تخييبِ الكفرةِ الذين كانوا يتمنَّوْن النبوة وقطعِ أطماعهمَ الفارغةِ من نيلها وإنما أوثِرَ النيلُ على الجعلِ إيماءً إلى أن إمامة الأنبياءِ ﵈ من ذريته ﵇ كإسماعيلَ وإسحقَ ويعقوبَ ويوسفَ وموسى وهارونَ وداودَ وسليمانَ وأيوبَ ويونسَ وزكريا ويحيى وعيسى وسيدنا محمدٍ ﷺ تسليماً كثيراً ليست بجعل مستقل بل هي حاصلة في ضمن إمامة إبراهيمَ ﵇ تنال كلا منهم في وقت قدر الله وقرئ الظالمون على أن عهدي مفعولٌ قُدم على الفاعل اهتماماً ورعايةً للفواصلِ وفيه دليلٌ على عصمةِ الأنبياءِ ﵈ من الكبائر على الإطلاق وعدم صلاحية الظالمِ لِلإمامة وقوله تعالى
следующие страницы →