← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

كما أصاب مَن قبلكم من الأممِ المهلَكة والظرفُ صفةُ عذاب ولذلك حُذف عاملُه وجوباً ﴿أَوْ﴾ بعذاب ﴿بِأَيْدِينَا﴾ وهو القتلُ على الكفر ﴿فَتَرَبَّصُواْ﴾ الفاءُ فصيحةٌ أي إذا كان الأمر كذلك فتربصوا بنا ما هو عاقبتُنا ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبّصُونَ﴾ ما هو عاقبتُكم فإذا لقِيَ كلٌّ منا ومنكم ما يتربصه لا تشاهدون إلا ما يُسرنا ولا نشاهد إلا ما يسوؤكم سورة براءة آية (٥٣ ٥٦)

стр. 2207

﴿قُلْ أَنفِقُواْ﴾ أموالَكم في سبيل الله ﴿طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ مصدران وقعا موقعَ الفاعل أي طائعين أو كارهين وهو أمرٌ في معنى الخبر كقوله تعالى استغفر لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ والمعنى أنفقتم طوعا أو كرها ﴿لن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ ونظمُ الكلامِ في سلك الأمرِ للمبالغة في بيان تساوي الأمرين في عدم القَبولِ كأنهم أمر وابأن يمتحنوا الحال فينفقوا على الحالين فينظروا هل يُتقبّل منهم فيشاهدوا عدمَ القبولِ وهو جوابُ قولِ جدِّ بنِ قيس ولكن أُعينك بمالي ونفيُ التقبُّلِ يحتمل أن يكون بمعنى عدم الأخذِ منهم وأن يكون بمعنى عدمِ الإثابةِ عليه وقوله ﴿إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فاسقين﴾ أي عاتين متمردين تعليل لرد إنفاقهم

стр. 2208

﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ منهم﴾ وقرئ بالتحتانية ﴿نفقاتهم إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَبِرَسُولِهِ﴾ استثناءٌ من أعم الأشياء أي ما منعهم قَبولَ نفقاتِهم منهم شيءٌ من الأشياءِ إِلَاّ كفرهم وقرئ يَقبَلَ على البناءِ للفاعلِ وهو الله تعالى ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصلاة إِلَاّ وَهُمْ كسالى﴾ أي لا يأتونها في حالٍ من الأحوالِ إلا حالَ كونهم متثاقلين ﴿وَلَا يُنفِقُونَ إِلَاّ وَهُمْ كارهون﴾ لأنهم لا يرجون بهما ثواباً ولا يخافون على تركهما عقاباً فقوله تعالى طوعا أي من غير إلزامٍ من جهته ﷺ لا رغبة أو هو فرْضيٌّ لتوسيع الدائرة

стр. 2209

﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أموالهم وَلَا أولادهم﴾ فإن ذلك استدراجٌ لهم ووبالٌ عليهم حسبما ينبئ عنه قولُه ﴿إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدُّنيا﴾ بما يكابدون لجمعها وحفظِها من المتاعب وما يقاسون فيها من الشدائد والمصائب ﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون﴾ فيموتوا كافرين مشتغلين بالتمتع عن النظر في العاقبة فيكون ذلك لهم نقمةً لا نعمةً وأصلُ الزهوقِ الخروجُ بصعوبة

стр. 2210

﴿وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾ في الدين والإسلام ﴿وَمَا هُم مّنكُمْ﴾ في ذلك ﴿ولكنهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ يخافون أن يُفعلَ بهم ما يفعل بالمشركين فيظهرون الإسلام تقيةً ويؤيدونه

стр. 2211

بالأيمان الفاجرة سورة براءة آية (٥٧ ٥٩)

стр. 2212

﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأَ﴾ استئنافٌ مقررٌ لمضمونِ ما سبق من أنهم ليسوا من المسلمين وأن التجاءَهم إلى الانتماء إليهم إنما هو للتقية اضطراراً حتى إنهم لو وجدوا غيرَ ذلك ملجأ أي مكاناً حصيناً يلجأون إليه من رأس جبل أو قلعةٍ أو جزيرة وإيثارُ صيغةِ الاستقبالِ في الشرط وإن كان المعنى على المضي لإفادة استمرارِ عدمِ الوجدانِ فإن المضارعَ المنفيَّ الواقعَ موقعَ الماضي ليس نصاً في إفادة انتفاء استمرار الفعل كما هو الظاهرُ بل قد يفيد استمرارَ انتفائِه أيضاً حسبما يقتضيه المقامُ فإن معنى قولِك لو تحسن إلي لشكرتك أن انتفاءَ الشكر بسبب استمرارِ انتفِاء الإحسانِ لا أنه بسبب انتفاءِ استمرارِ الإحسانِ فإن الشكرَ يتوقف على وجود الإحسانِ لا على استمرارِه كما حُقّق في موضعه ﴿أَوْ مغارات﴾ أي غير انا وكهوفاً يُخفون فيها أنفسهَم وقرئ بضم الميم من أغار الرجل إذا دخل الغور وقيل هو معتد من غار إذا دخل الغور أي أمكنة يغيرون فيها أشخاصهم وأهليهم ويجوزُ أنْ يكونَ مَنْ أغار الثعلب إذا أسرع بمعنى مهارب ومفار ﴿أَوْ مُدَّخَلاً﴾ أي نفقاً يندسّون وينجحرون وهو مفتعلٌ من الدخول وقرئ مَدخْلاً من الدخول ومُدْخلاً من الإدخال أي مكاناً يدخلون فيه أنفسهم وقرئ مُتدخَّلاً ومنْدخَلاً من التدخل والاندخال ﴿لَوَلَّوُاْ﴾ أي لصرفوا وجوههم وأقبلوا وقرئ لوالَوْا أي لالتجأوا ﴿إِلَيْهِ﴾ أي إلى أحد ما ذُكر ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ أي يُسرعون بحيث لا يردُّهم شيء من الفرس الجَموحِ وهو الذي لا يثنيه اللجام وفيه إشعارٌ بكمال عتوهم وطغيانهم وقرئ يجمزون بمعنى يجمحون ويشتدون ومنه الجمازة

стр. 2213

﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ﴾ بكسر الميم وقرئ بضمها أي يَعيبُك سراً وقرئ يُلمِّزك ويلامزُك مبالغة ﴿فِي الصدقات﴾ أي في شأنها وقسمتها ﴿فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا﴾ بيانٌ لفسادِ لمزِهم وأنه لا منشأ له سوى حرصِهم على حطام الدنيا أي إن أُعطوا منها قدرَ ما يريدون ﴿رَضُواْ﴾ بما وقع من القسمة واستحسنوها ﴿وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا﴾ ذلك المقدارَ ﴿إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ أي يفاجِئون السخط وإذا نائبٌ منابَ فاءِ الجزاء قيلَ نزلتِ الآيةُ في أبي الجواحظ المنافقِ حيث قال ألا تَروْن إلى صاحبكم يقسِم صدقاتِكم في رعاة الغنم ويزعُم أنه يعدل وقيل في ابن ذي الخُويصِرَةِ واسمه حرقوص ابن زهير التميمي رأسُ الخوارج كان رسول الله ﷺ يقسمُ غنائمَ حُنينٍ فاستعطف قلوبَ أهلِ مكةَ بتوفير الغنائم عليهم فقال اعدِلْ يا رسول الله فقال ﷺ ويلك إن لم أعدِلْ فمن يعدِلُ وقيل هم المؤلفةُ قلوبُهم والأولُ هو الأظهر

стр. 2214

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتاهم الله وَرَسُولُهُ﴾ أي ما أعطاهم الرسول ﷺ من الصدقات طيِّبي النفوسِ به وإن قلَّ وذكرُ الله للتعظيم والتنبيه على أن ما فعله الرسول ﷺ كان بأمره سبحانه

стр. 2215

﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله﴾ أي كفانا فضلُه وصنعُه بنا وما قسمه لنا ﴿سَيُؤْتِينَا الله مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ بعد هذا حسبما نرجو ونؤمّل ﴿إِنَّا إِلَى الله راغبون﴾ في أن يُخوِّلنا فضلَه والآيةُ بأسرها في حيز الشرطِ والجوابُ محذوفٌ بناء على ظهوره أي لكان خيرا لهم سورة براءة آية (٦٠)

стр. 2216

﴿إِنَّمَا الصدقات﴾ شروعٌ في تحقيق حقِّيةِ ما صنعه الرسول ﷺ من القسمة ببيان المصارفِ وردٌّ لمقالة القالةِ في ذلك وحسمٌ لأطماعهم الفارغة المبنيةِ على زعمهم الفاسدِ ببيان أنهم بمعزل من الاستحقاق أي جنسُ الصدقات المشتملةِ على الأنواع المختلفة ﴿لِلْفُقَرَاء والمساكين﴾ أي مخصوصةٌ بهؤلاء الأصنافِ الثمانيةِ الآتية لا تتجاوزهم إلى غيرهم كأنه قيل إنما هي لهم لا لغيرهم فما للذين لا علاقةَ بينها وبينهم يقولون فيها ما يقولون وما سوغهم أن يتكلموا فيها وفي قاسمها والفقيرُ من له أدنى شيءٍ والمسكينُ من لا شيء له هو المرويُّ عن أبي حنيفة ﵁ وقد قيل على العكس ولكل منهما وجهٌ يدل عليه ﴿والعاملين عَلَيْهَا﴾ الساعين في جمعها وتحصيلها ﴿والمؤلفة قُلُوبُهُمْ﴾ هم أصنافٌ فمنهم أشرافٌ من العرب كان رسول الله ﷺ يستألفهم ليُسلموا فيرضَخ لهم ومنهم قومٌ أسلموا ونيّاتُهم ضعيفةٌ فيؤلّف قلوبَهم بإجزال العطاء كعيينةَ بنِ حصن والأقرعِ بن حابس والعباسِ بن مرداس ومنهم من يُترقَّب بإعطائهم إسلامُ نظرائِهم ولعل الصنفَ الأولَ كان يعطيهم الرسول ﷺ من خُمس الخُمسِ الذي هو خالصُ مالَه وقد عد منهم من يؤلَّف قلبُه بشيء منها على قتال الكفار وما نعي الزكاة وقد سقط سهمُ هؤلاء بالإجماع لما أن ذلك كان لتكثير سوادِ الإسلامِ فلما أعزّه الله عز وعلا وأعلى كلمتَه استُغنيَ عن ذلك ﴿وَفِي الرقاب﴾ أي وللصَّرف في فك الرقاب بأن يُعانَ المكاتَبون بشيء منها على أداء نجومِهم وقيل بأن يُفدَى الأُسارى وقيل بأن يُبتاع منها الرقابُ فتُعتق وأياً ما كان فالعدولُ عن اللام لعدم ذكرِهم بعنوان مُصححٍ للمالكية والاختصاص كالذين من قبلهم أو للإيذان بعدم قرارِ مِلكِهم فيما أعطوا كما في الوجهين الأولين أو بعدم ثبوتِه رأساً كما في الوجه الأخير أو للإشعار برسوخهم في استحقاق الصدقةِ لما أن في للظرفية المنبئةِ عن إحاطتهم بها وكونِهم محلَّها ومركزَها ﴿والغارمين﴾ أي الذين تداينوا لأنفسهم في غير معصيةٍ إذا لم يكن لهم نصابٌ فاضلٌ عن ديونهم وكذلك عند الشافعي ﵁ من غُرمٍ لإصلاح ذاتِ البين وإطفاءِ الثائرة بين القبيلتين وإن كانوا أغنياء ﴿وَفِى سَبِيلِ الله﴾ أي فقراءِ الغزاةِ والحجيج والمنقطَعِ بهم ﴿وابن السبيل﴾ أي المسافرَ المنقطِع عن ماله وتكريرُ الظرف في الأخيرين للإيذان بزيادة فضلِهما في الاستحقاق أو لما ذُكر من إيرادهما بعنوان غيرِ مصحَّحٍ للمالكية والاختصاص فهذه مصارفُ الصدقاتِ فللمتصدق أن يدفع صدقتَه إلى كل واحدٍ منهم وأن يقتصرَ على صنف منهم لأن اللام لبيان أنهم مصارفُ لا تخرُج عنهم لا لإثبات الاستحقاق وقد روي ذلك عن عمرَ وابنِ عباس وحذيفة ﵃ وعند الشافعيِّ لا يجوزُ إلا أن يُصرَف إلى ثلاثة من تلك الأصناف ﴿فَرِيضَةً مّنَ الله﴾ مصدرٌ مؤكدٌ

стр. 2217

لما دل عليه صدْرُ الآية أي فرَضَ لهم الصدقاتِ فريضةً ونُقل عن سيبويه أنه منصوبٌ بفعله مقدراً أي فرَض الله ذلك فريضةً أو حالٌ من الضمير المستكنّ في قوله للفقراء أي إنما الصدقاتُ كائنةٌ لهم حالَ كونها فريضةً أي مفروضة ﴿والله عَلِيمٌ﴾ بأحوال الناسِ ومراتبِ استحقاقِهم ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يفعلُ إلا ما تقتضيه الحِكمةُ من الأمور الحسنةِ التي من جُملتها سَوْقُ الحقوق إلى مستحقيها سورة براءة آية (٦١)

стр. 2218

﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبى﴾ نزلت في فِرقة من المنافقين قالوا في حقه ﷺ مالا ينبغي فقال بعضُهم لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلُغه ذلك فيقعَ بنا فقال الجلاس بن سويد نقول ما شئنا ثم نأتيه فننكر ما قلنا ونحلِف فيصدقنا بما نقول إنما محمدٌ أذُنٌ سامعة وذلك قوله ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ أي يسمع كلَّ ما قيل من غير أن يتدبَّرَ فيه ويميّزَ بين ما يليق بالقَبول لمساعدة أَمارات الصدقِ له وبين مالا يليق به وإنما قالوه لأنه ﷺ كان لا يواجههم بسوء ما صنعوا ويصفَحُ عنهم حِلماً وكرماً فحملوه على سلامة القلبِ وقالوا ما قالوا ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾ من قبيل رجلُ صدقٍ في الدلالة على المبالغة في الجودة والصلاح كأنه قيل نعم هو أذنٌ ولكن نِعمَ الأذُنُ ويجوز أن يكون المرادُ أذناً في الخير والحقِّ وفيما ينبغي سماعُه وقَبولُه لا في غير ذلك كما يدل عليه قراءةُ رحمةٍ بالجر عطفاً عليه أي هو أذنُ خيرٍ ورحمةٍ لا يسمع غيرَهما ولا يقبله وقرئ أذْن بسكون الذال فيهما وقرئ أذن خير على أنه صفةٌ أو خبرٌ ثان وقوله ﴿يُؤْمِنُ بالله﴾ تفسيرٌ لكونه أذنَ خيرٍ لهم أي يصدق بالله تعالى لما قام عنده من الأدلة الموجبةِ له وكونُ ذلك خيراً للمخاطَبين كما أنه خيرٌ للعالمين مما لا يخفى ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي يصدّقهم لِما علم فيهم من الخلوص واللامُ مزيدةٌ للتفرقة بين الإيمان المشهورِ وبين الإيمان بمعنى التسليمِ والتصديق كما في قوله تعالى أَنُؤْمِنُ لَكَ الخ وقوله تعالى فَمَا آمن لموسى الخ ﴿وَرَحْمَةً﴾ عطفٌ على أذنُ خيرٍ أي وهو رحمةٌ بطريق إطلاقِ المصدرِ على الفاعل للمبالغة ﴿للذين آمنوا مِنكُمْ﴾ أي للذين أظهروا الإيمانَ منكم حيث يقبله منهم لكن لا تصديقاً لَهُم في ذلك بل رفقاً بهم وترحماً عليهم ولا يكشف أسرارَهم ولا يهتِك أستارَهم وإسنادُ الإيمان إليهم بصيغة الفعلِ بعد نسبتِه إلى المؤمنين بصيغة الفاعل المنبئةِ عن الرسوخ والاستمرارِ للإيذان بأن إيمانَهم أمرٌ حادثٌ ما له من قرار وقرئ بالنصب على أنها علةٌ لفعل دلَّ عليه أذنُ خيرٍ أي يأذن لكم رحمةً ﴿والذين يُؤْذُونَ رَسُولَ الله﴾ بما نُقل عنهم من قولهم هو أذنٌ ونحوِه وفي صيغة الاستقبالِ المُشعِرة بترتب الوعيدِ على الاستمرار على ما هم عليه إشعارٌ بقبول توبتِهم كما أفصح عنه قولُه تعالى فيما سيأتي فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ ﴿لَهُمْ﴾ بما يجترئون عليه من أذيته ﷺ كما ينبئ عنه بناءُ الحُكمِ على الموصول ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وهذا اعتراضٌ مَسوقٌ من قِبَله على نهج الوعيدِ غيرُ داخلٍ تحت الخطابِ وفي تكرير الإسنادِ بإثبات العذابِ الأليم لهم ثم جعلِ الجملة خبرا للموصول مالا يخفى من المبالغة وإيرادُه ﷺ بعنوان الرسالةِ مضافاً إلى الاسم الجليلِ لغاية التعظيمِ والتنبيهِ على أن أذيته

стр. 2219

راجعة إلى جنابه موجبةٌ لكمال السخطِ والغضب سورة براءة آية (٦٢ ٦٣)

стр. 2220

﴿يَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ﴾ الخطابُ للمؤمنين خاصةً وكان المنافقون يتكلمون بالمطاعن ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم ويؤكدون معاذيرَهم بالأيمان ليعذُروهم ويرضَوا عنهم أي يحلفون لكم أنهم ما قالوا ما نُقل إليهم مما يورث أذاةَ النبيِّ ﷺ وأما التخلفُ عن الجهاد فليس بداخل في هذا الاعتذارِ ﴿لِيُرْضُوكُمْ﴾ بذلك وإفرادُ إرضائِهم بالتعليل مع أن عمدةَ أغراضِهم إرضاءُ الرسول ﷺ وقد قبل ﷺ ذلك منهم ولم يكذّبْهم للإيذان بأن ذلك بمعزل من أن يكونَ وسيلةً إلى إرضائه ﷺ وأنه ﷺ إنما لم يكذبهم رفقاً بهم وستراً لعيوبهم لا عن الرضا بما فعلوا كما أشير إليه ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ أي أحقُّ بالإرضاء ولا يتسنى ذلك إلا بالطاعة والمتابعة وإيفاء حقوقه ﷺ في باب الإجلالِ والإعظامِ مَشهداً ومَغيباً وأما ما أتَوا به من الأَيمان الفاجرة فإنما يرضى به من انحصر طريقُ علمِه في الأخبار إلى أن يجئ الحقُّ ويزهَقَ الباطلُ والجملةُ نصب على الحالية من ضمير يحلفون أي يحلفون لكم لإرضائكم والحالُ أنه تعالى ورسولُه أحقُّ بالإرضاء منكم أي يُعرضون عما يهمهم ويجديهم ويشتغلون بمالا يَعنيهم وإفرادُ الضمير في يُرْضوه إما للإيذان بأن رضاه ﷺ مندرجٌ تحت رضاه سبحانه وإرضاؤه ﷺ إرضاءٌ له تعالى لقوله تعالى مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله وإما لأنه مستعارٌ لاسم الإشارةِ الذي يشار به إلى الواحد والمتعدد بتأويل المذكور كما في قول رؤية ... فيها خطوطٌ من سوادٍ وبلق ... كأَنَّهُ فِي الجلدِ توليعُ البهقْ ... أي كأن ذلك لا يقال أيُّ حاجةٍ إلى الاستعارة بعد التأويل المذكورِ لأنا نقول لولا الاستعارةُ لم يتسنَّ التأويل لما أن الضميرَ لا يتعرض إلا لذات ما يرجِع إليه من غير تعرضٍ لوصف من أوصافه التي من جملتها المذكوريةُ وإنما المتعرضُ لها اسمُ الإشارةِ وإما لأنه عائدٌ إلى رسوله والكلامُ جملتان حُذف خبرُ الأولى لدلالة خبرِ الثانية عليه كما ذهب إليه سيبويه ومنه قولُ مَن قالَ ... نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ والرأيُ مختلف أو إلى الله على أن المذكورَ خبرُ الجملة الأولى وخبرُ الثانيةِ محذوف كما هو رأي المبرد ﴿إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ جوابُه محذوفٌ تعويلاً على دِلالة ما سبق عليه أي إن كانوا مؤمنين فليُرْضوا الله ورسولَه بما ذكر فإنهما أحقُّ بالإرضاء

стр. 2221

﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ﴾ أي أولئك المنافقون والاستفهامُ للتوبيخ على ما أقدَموا عليه من العظيمة مع علمهم بسوء عاقبتها وقرئ بالتاء على الالتفات لزيادةِ التقريعِ والتوبيخ أي ألم يعلموا بما سمعوا من رسول الله ﷺ من فنون القوارعِ والإنذارات ﴿إٍِنَّهُ﴾ أي الشأنَ ﴿مَن يُحَادِدِ الله وَرَسُولَهُ﴾ المحادَّةُ من الحدّ كالمُشاقّة من الشَّق والمعاداةُ من العُدوة بمعنى الجانبِ فإن كلَّ واحدٍ من مباشري كلِّ من الأًفعالِ المذكورة في محل غيرِ محلِّ صاحبِه ومَنْ شرطيةٌ جوابُها قوله تعالى ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ على أن خبرَه محذوفٌ أي فحَقٌّ أنَّ له نارَ جهنَم وقرئ بكسر الهمزةِ والجملةُ الشرطيةُ في محلِ الرفعِ على أنها خبرٌ لأن وهي مع خبرها سادةٌ مسدَّ مفعولي يعلموا وقيل المعنى

стр. 2222

فله وإنّ تكريرٌ للأولى تأكيداً لطول العهدِ لا من باب التأكيدِ اللفظيِّ المانعِ للأولى من العمل ودخولُ الفاءِ كما في قول من قال ... لقد علم الحيُّ اليمانُونَ أنني ... إذا قلتُ أما بعدُ أني خطيبُها ... وقد جوز أن يكون فإن له معطوفاً على أنه وجوابُ الشرط محذوفٌ تقديرُه ألم يعلموا أنه من يحاددِ الله ورسولَه يهلِكْ فإن له الخ ورُدّ بأن ذلك إنما يجوز عند كونِ فعلِ الشرط ماضياً أو مضارعاً مجزوماً بلم ﴿خَالِداً فِيهَا﴾ حالٌ مقدرةٌ من الضمير المجرورِ إن اعتُبر في الظرف ابتداءُ الاستقرار وحدوثُه وإن اعتبر مطلقُ الاستقرارِ فالأمرُ ظاهر ﴿ذلك﴾ أشير إلى ما ذكر من العذاب الخالدِ بذلك إيذاناً ببُعد درجتِه في الهول والفظاعةِ ﴿الخزى العظيم﴾ الخزي الذل والهو أن المقارِنُ للفضيحة والندامة وهي ثمراتُ نفاقِهم حيث يفتضحون على رءوس الأشهادِ بظهورها ولُحوقِ العذاب الخالدِ بهم والجملةُ تذييلٌ لما سبق سورة براءة آية (٦٤ ٦٥)

стр. 2223

﴿يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ في شأنهم فإن ما نزل في حقهم نازلٌ عَلَيْهِمْ ﴿سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم﴾ من الأسرار الخفيةِ فضلاً عما كانوا يُظهِرونه فيما بينهم من أقاويل الكفرِ والنفاقِ ومعنى تَنْبئتِها إياهم بما في قلوبهم مع أنه معلومٌ لهم وأن المحذورَ عندهم إطلاعُ المؤمنين على أسرارهم لا إطلاعُ أنفسِهم عليها أنها تُذيع ما كانوا يُخفونه من أسرارهم فتنتشرُ فيما بين الناس فيسمعونها من أفواه الرجالِ مُذاعةً فكأنها تخبرهم بها أو المرادُ بالتنبئة المبالغةُ في كون السورة مشتملةً على أسرارهم كأنها تعلم من أحوالهم الباطنةِ ما لا يعلمونه فتنبئهم بها وتنعي عليهم قبائحَهم وقيل معنى يحذر لِيحذر وقيل الضمير أن الأولان للمؤمنين والثالث للمنافقين ولا يبالى بالتفكيك عند ظهورِ الأمرِ بعَوْد المعنى إليه أي يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ على المؤمنين سورةٌ تخبرهم بما في قلوب المنافقين وتهتِك عليهم أستارَهم قال أبو مسلم كان إظهارُ الحذرِ منهم بطريق الاستهزاءِ فإنهم كانوا إذا سمعوا رسولَ الله ﷺ يذكر كلَّ شيء ويقول إنه بطريق الوحي يكذبونه ويستهزئون به ولذلك قيل ﴿قل استهزؤوا﴾ أي افعلوا الاستهزاءَ وهو أمر تهديد ﴿إِنَّ الله مُخْرِجٌ﴾ أي من القوةِ إلى الفعلِ أو من الكُمون إلى البروز ﴿مَّا تَحْذَرُونَ﴾ أي ما تحذرونه من إنزال السورةِ ومن مخازيكم ومثالبِكم المستكنةِ في قلوبكم الفاضحةِ لكم على ملأ الناسِ والتأكيدُ لرد إنكارِهم بذلك لا لدفع ترددِهم في وقوع المحذورِ إذ ليس حذرُهم بطريق الحقيقة

стр. 2224

﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ﴾ عما قالوا ﴿لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ ونلعب﴾ روى أنه ﷺ كان يسير في غزوة تبوكَ وبين يديه ركبٌ من المنافقين يستهزئون بالقرآن وبالرسول ﷺ ويقولون انظُروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتتحَ حُصون الشامِ وقصورَها هيهاتَ هيهات فأطلع الله تعالى نبيه على ذلك فقال احبِسوا على الركب فأتاهم فقال قلتم كذا وكذا فقالوا يا نبيَّ الله لا والله ما كنا في شيء من أمرك ولا من أمر أصحابِك ولكن كنا في شيء مما يخوض فيه الركبُ ليقصُرَ بعضنا على بعض السفر ﴿قُلْ﴾ غيرَ ملتفتٍ إلى اعتذارهم ناعياً

стр. 2225

عليهم جناياتِهم منزِّلاً لهم منزلةَ المعترفِ بوقوع الاستهزاء موبخاً لهم على أخطائهم موقع الاستهزاء ﴿أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون﴾ حيث عقب حرف التقرير بالمستهزأ به ولا يستقيم ذلك إلا بعد تحققِ الاستهزاء وثبوته سورة براءة آية (٦٦ ٦٨)

стр. 2226

﴿لَا تَعْتَذِرُواْ﴾ لا تشتغلوا بالاعتذار وهو عبارةٌ عن محو أثرِ الذنبِ فإنه معلومُ الكذبِ بيِّنُ البطلان ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ أظهرتم الكفر بإيذاء الرسول ﷺ والطعن فيه ﴿بَعْدَ إيمانكم﴾ بعد إظهارِكم له ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مّنْكُمْ﴾ لتوبتهم وإخلاصِهم أو تجنّبهم عن الإيذاء والاستهزاء وقرئ إن يعفُ على إسنادِ الفعلِ إلى الله سبحانه وقرئ على البناءِ للمفعول مُسنداً إلى الظرف بتذكير الفعلِ وبتأنيثه أيضاً ذهاباً إلى المعنى كأنه قيل إن ترحم طائفةٌ ﴿نُعَذّبْ﴾ بنون العظمه وقرئ بالياء على البناء للفاعل وبالتاء على البناءِ للمفعول مُسنداً إلى ما بعده ﴿طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ مصِرِّين على الإجرام وهو غيرُ التائبين أو مباشرين له وهم غير المجتنبين قال محمد بن إسحق الذي عُفي عنه رجلٌ واحد وهو يحيى بنُ حُمَيِّر الأشجعيُّ لم نزلت هذه الآيةُ تاب عن نفاقه وقال اللهم إني لا أزال أسمع آيةً تقشعر منها الجلودُ وتجِبُ منها القلوب اللهم اجعل وفاتي قتلاً في سبيلك لا يقولُ أحدٌ أنا غسلتُ أنا كفنتُ أنا دفنتُ فأصيب يومَ اليمامة فما أحدٌ من المسلمين إلا عُرِفَ مصرعُه غيرَه

стр. 2227

﴿المنافقون والمنافقات﴾ التعرّضُ لأحوال الإناثِ للإيذان بكمال عراقتِهم في الكفر والنفاق ﴿بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ﴾ أي متشابهون في النفاق والبُعدِ عن الإيمان كأبعاض الشئ الواحدِ بالشخص وقيل أريد به نفيُ أن يكونوا من المؤمنين وتكذيبُهم في حلفهم بالله إنهم لمنكم وتقريرٌ لقوله تعالى وَمَا هُم مّنكُمْ وقوله تعالى ﴿يَأْمُرُونَ بالمنكر﴾ أي بالكفر والمعاصي ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المعروف﴾ أي عن الإيمان والطاعةِ استئنافٌ مقررٌ لمضمونِ ما سبق ومُفصِحٌ عن مضادة حالِهم لحال المؤمنين أو خبرٌ ثان ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي عن المبرات والإنفاقُ فِى سَبِيلِ الله فإن قبضَ اليد كنايةٌ عن الشح ﴿نَسُواْ الله﴾ أغفلوا ذكرَه ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ فتركهم من رحمته وفضلِه وخذلَهم والتعبيرُ والتعبيرُ عنه بالنسيان للمشاكلة ﴿إِنَّ المنافقين هُمُ الفاسقون﴾ الكاملونَ في التمرد والفسقِ الذي هو الخروجُ عن الطاعة والانسلاخُ عن كل خيرٍ والإظهارُ في موقعِ الإضمارِ لزيادةِ التَّقريرِ كما في قوله تعالى

стр. 2228

﴿وَعَدَ الله المنافقين والمنافقات والكفار﴾ أي المجاهرين

стр. 2229

﴿نَارَ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا﴾ مقدرين الخلود فيها ﴿هِىَ حَسْبُهُمْ﴾ عقاباً وجزاءً وفيه دليلٌ على عظم عقابِها وعذابِها ﴿وَلَعَنَهُمُ الله﴾ أي أبعدهم من رحمته وأهانهم وفي إظهار الاسم الجليل من الإيذان بشدة السخط مالا يخفى ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ أي نوعٌ من العذاب غيرَ عذابِ النار دائمٌ لا ينقطع أبداً أو لهم عذاب مقيم معهم في الدنيا لا ينفك عنهم وهو ما يقاسونه من تعب النفاقِ الذي هم منه في بلية دائمةٍ لا يأمنون ساعةً من خوف الفضيحةِ ونزولِ العذاب إن اطُّلع عن أسرارهم سورة براءة آية (٦٩)

стр. 2230

﴿كالذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ التفاتٌ من الغَيبة إلى الخطاب للتشديد والكافُ في محلِ الرفعِ على الخبرية أي أنتم مثلُ الذين مِن قَبْلِكُمْ من الأممِ المهلَكة أو في حيزِ النصبِ بفعل مقدر أي فعلتم مثل فعل الذين مِن قبلكم ﴿كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أموالا وأولادا﴾ تفسيرٌ وبيانٌ لِشَبَههم بهم وتمثيلٌ لحالهم بحالهم ﴿فاستمتعوا﴾ تمتعوا وفي صيغة الاستفعالِ ما ليس في صيغة التفعل من الاستزادة والاستدامةِ في التمتع ﴿بخلاقهم﴾ بنصيبهم من ملاذ الدنيا واشتقاقُه من الخَلْق بمعنى التقدير وهو ما قُدّر لصاحبه ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بخلاقكم كَمَا اسْتَمْتَعَ﴾ الكاف في محل النصب على أنَّه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أي استمتاعاً كاستمتاع ﴿الذين مِنْ قَبْلِكُم بخلاقهم﴾ ذمّ الأولين باستمتاعهم بحظوظهم الخسيسةِ من الشهوات الفانيةِ والتهائِهم بها عن النظر في العواقب الحقةِ واللذائذ الحقيقيةِ تمهيداً لذم المخاطبين بمشابهتهم إياهم واقتفائِهم أثرَهم ﴿وَخُضْتُمْ﴾ أي دخلتم في الباطل ﴿كالذي خَاضُواْ﴾ أي كالذين بإسقاط النونِ أو كالفوج الذي أو كالخوض الذي خاضوه ﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى المتَّصفين بالأوصاف المعدودةِ من المشبَّهين والمشبه بهم لا إلى الفريق الأخير فقط فإن ذلك يقتضي أن يكون حُبوطُ أعمالِ المشبهين وخسرانُهم مفهومَين ضمناً لا صريحاً ويؤدي إلى خلوّ تلوينِ الخطابِ عن الفائدة إذ الظاهرُ حينئذ أولئكم والخطابُ لرسول الله ﷺ أو لكل من يصلُح للخطاب أي أولئك الموصوفون بما ذكر من الأفعال الذميمة ﴿حَبِطَتْ أعمالهم﴾ ليس المرادُ بها أعمالَهم المعدودةَ كما يُشعر به التعبيرُ عنهم باسم الإشارةِ فإن غائلتَها غنيةٌ عن البيان بل أعمالَهم التي كانوا يستحقون بها أجوراً حسنةً لو قارنت الإيمان أي ضاعت وبطَلت بالكلية ولم يترتب عليها أثرٌ ﴿فِى الدنيا والاخرة﴾ بطريق المثوبةِ والكرامةِ أما في الآخرة فظاهرٌ وأما في الدنيا فلأنّ ما يترتب على أعمالهم فيها من الصحةِ والسعة وغيرِ ذلك حسبما ينبئ عنه قولُه من كان يريد الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ليس ترتبُه عليها على طريقه المثوبةِ والكرامة بل بطريق الاستدراج ﴿وَأُوْلئِكَ﴾ أي الموصوفون بحُبوط الأعمالِ في الدارين ﴿هُمُ الخاسرون﴾ الكاملون في الخسران في الدارين الجامعون لمباديه وأسبابِه طراً فإنه قد ذهبت رءوس أموالِهم التي هي أعمالُهم فيما ضرهم ولم ينفعهم قطّ ولو أنها ذهبت فيما لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا

стр. 2231

ينفعهم لكفى بهم خسراناً وإيرادُ اسمِ الأشارة في الموضعين للإشعار بعلية الأوصافِ المُشارِ إليها للحبوط والخسران سورة براءة آية (٧٠ ٧١)

стр. 2232

﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ﴾ أي المنافقين ﴿نَبَأُ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي خبرُهم الذي له شأن وهو ما فعلوا وما فُعل بهم والاستفهامُ للتقرير والتحذير ﴿قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إبراهيم وأصحاب مَدْيَنَ﴾ وهم قومُ شعيبٍ ﴿والمؤتفكات﴾ قَرْياتُ قومِ لوطٍ ائتفَكَت بهم أي انقلبت بهم فصار عاليها سافلَها وأُمطروا حجارةً من سجيل وقيل قريات المكذبين وائتفاكُهن انقلابُ أحوالِهن من الخير إلى الشر ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات﴾ استئنافٌ لبيان نبئهم ﴿فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ﴾ الفاءُ للعطف على مقدر ينسحبُ عليه الكلامُ ويستدعيهِ النظامُ أي فكذبوهم فأهلكهم الله تعالى فما ظلمهم بذلك وإيثارُ مَا عليهِ النظمُ الكريمُ للمبالغة في تنزيه ساحة السبحان عن الظلم أي ما صح وما استقام له أن يظلِمهم ولكنهم ظلموا أنفسَهم والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقيل في قولِه ﴿ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ للدِلالة على استمرار ظلمِهم حيث لم يزالوا يعرِّضونها للعقاب بالكفر والتكذيب وتقديمُ المفعول لمجرد الاهتمام به مع مراعاة الفاصلةِ من غير قصدٍ إلى قصر المظلومية عليهم على رأي مَن لا يرى التقديمَ موجباً للقصر فيكون كما في قوله تعالى وَمَا ظلمناهم ولكن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ من غير قصر للظلم على الفاعل أو المفعول وسيجيء لهذا مزيدُ بيان في قوله سبحانه إِنَّ الله لَا يَظْلِمُ الناس شَيْئًا ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

стр. 2233

﴿والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ بيانٌ لحسنِ حالِ المُؤمنين والمؤمنات حالاً ومآلاً إثرَ بيانِ قبحِ حالِ أضدادِهم عاجلاً وآجلاً والتعبيرُ عن نسبة هؤلاء بعضِهم إلى بعض بالولاية وعن نسبة أولئك بمن الاتصالية للإيذان بأن نسبةَ هؤلاء بطريق القرابة الدينيةِ المبنية على المعاقدة المستتبعةِ للآثار من المعونة والنصرة وغيرِ ذلك ونسبةُ أولئك بمقتضى الطبيعةِ والعادة ﴿يَأْمُرُونَ بالمعروفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر﴾ أي جنسِ المعروف والمنكرِ المنتظمَين لكل خير وشر ﴿وَيُقِيمُونَ الصلاة﴾ فلا يزالون يذكرون الله سبحانه فهو في مقابلة ماسبق من قوله تعالى نسُوا الله ﴿وَيُؤْتُونَ الزكاة﴾ بمقابلة قوله تعالى وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ﴿وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ أي في كل أمر ونهي وهو بمقابله وصفِ المنافقين بكمال الفسقِ والخروج عن الطاعة ﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى المؤمنين والمؤمنات باعتبار اتصافِهم بما سلف من الصفات الفاضلة وما فيه من معنى البُعدِ للإشعارِ ببُعد درجتِهم في الفضل أي أولئكَ المنعُوتون بما فُصّل من النعوت الجليلة ﴿سَيَرْحَمُهُمُ الله﴾ أي يُفيض عليهم آثارَ رحمتِه من التأييد والنصرة

стр. 2234

البتة فإن السين مؤكدةٌ للوقوع كما في قولك سأنتقم منك ﴿أَنَّ الله عَزِيزٌ﴾ تعليلٌ للوعد أي قويٌّ قادرٌّ على إعزاز أوليائه وقهر أعدائه ﴿حَكِيمٌ﴾ يبني أحكامَه على أساس الحِكمةِ الداعيةِ إلى إيصال الحقوقِ من النعمة والنقمة إلى مستحقيها من أهل الطاعة وأهلِ المعصية وهذا وعدٌ للمؤمنين متضمِّنٌ لوعيد المنافقين كما أن ما سبق في شأن المنافقين من قوله تعالى فَنَسِيَهُمْ وعيدٌ لهم متضمنٌ لوعد المؤمنين فإن منعَ لطفِه تعالى عنهم لطفٌ في حق المؤمنين سورة براءة آية (٧٢)

стр. 2235

﴿وَعَدَ الله المؤمنين والمؤمنات﴾ تفصيل لآثارِ رحمتهِ الأخرويةِ إثرَ ذكر رحمتِه الدنيوية والإظهارُ في موقعِ الإضمارِ لزيادة التقرير والإشعارِ بعلية وصفِ الإيمان لحصول ما تعلق به الوعدُ وعدمُ التعرض لذكر ما مر من الأمر بالمعروف وغيرِ ذلك للإيذان بأنه من لوازمه ومستتبِعاته أي وعَدهم وعداً شاملاً لكل أحدٍ منهم على اختلاف طبقاتِهم في مراتب الفضل كيفاً وكماً ﴿جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَا﴾ فإن كلَّ أحد منهم فائزٌ بها لا محالة ﴿ومساكن طَيّبَةً﴾ أي وعد بعضَ الخواصِّ الكمل منهم منازل تستطيبها النفوس أو يطيب فيها العيش في الخبر أنها قصورٌ من اللؤلؤ والزبرجدِ والياقوتِ الأحمر ﴿فِى جنات عَدْنٍ﴾ هي أبهى أماكنِ الجناتِ وأسناها عنِ النبيِّ ﷺ عدْنٌ دارُ الله لم ترها عينٌ ولم تخطُرْ على قلب بشر لا يسكنها غيرُ ثلاثة النبيون والصديقون والشهداء يقول الله تعالى طوبى لمن دخلك وعن ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ في الجنة قصراً يقال له عدْن حوله البروج والمروج وله خمسةُ آلاف باب على كل باب خمسةُ آلافِ حَوْراء لا يدخُله إلا نبيٌّ أو صدّيقٌ أو شهيد وعن ابن مسعود ﵁ هي بُطنانُ الجنة وسُرَّتُها فعدن على هذا عَلَم وقيل هو بمعناه اللغوي أعني الإقامة والخلود فمرجِعُ العطفِ إلى اختلاف الوصفِ وتغايُرِه فكأنه وصَفه أولاً بأنه من جنس ما هو أشرفُ الأماكنِ المعروفة عندهم من الجنات ذاتِ الأنهار الجارية ليميل إليها طباعُهم أولُ ما يقرَعُ أسماعَهم ثم وصفه بأنه محفوفٌ بطيب العيشِ مُعرّى عن شوائب الكدوراتِ التي لا تكاد تخلو عنها أماكنُ الدنيا وفيها ما تشتهي الأنفسُ وتلَذّ الأعينُ ثم وصفه بأنه دارُ إقامةٍ وثباتٍ في جوار العلّيين لا يعتريهم فيها فناءٌ ولا تغيُّرٌ ثم وعدهم بما هو أعلى من ذلك كله فقال ﴿ورضوان مّنَ الله﴾ أي وشئ يسيرٌ من رضوانه تعالى ﴿أَكْبَرُ﴾ إذ عليه يدور فوزُ كل خيرٍ وسعادة وبه يُناط نيلُ كلِّ شرفٍ وسيادة ولعل عدمَ نظمِه في سلك الوعد مع عزته في نفسه لأنه متحققٌ في ضمن كل موعودٍ ولأنه مستمرٌّ في الدارين روي أنه تعالى يقول لأهل الجنة هل رضيتم فيقولون مالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطِ أحداً من خلقك فيقول أنا أُعطيكم أفضلَ من ذلك قالوا وأيُّ شيء أفضلُ من ذلك قال أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخطُ عليكم أبداً ﴿ذلك﴾ إشارةٌ إلى ما سبق ذكرُه وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد درجتِه في العِظَم والفخامة ﴿هُوَ الفوز العظيم﴾ دون ما يعده الناس فوزاً من حظوظ الدنيا فإنها مع قطع النظرِ عن فنائها وتغيُّرِها وتنغُّصِها وتكدّرِها ليست

стр. 2236

بالنسبة إلى أدنى شيءٍ من نعيم الآخرة بمثابة جناحِ البعوض قال رسول الله ﷺ لو كانتِ الدُّنيا تزنُ عندَ الله جناحَ بعوضةٍ ما سَقَى الكافرَ منها شربة ماء ونِعِمّا قال من قال ... تالله لو كانت الدنيا بأجمعها ... تبقي علينا ويأتي رزقُها رغَدا ... ما كان من حق حر أن يدل بها فكيف وهي متاعٌ يضمحل غدا ... سورة براءة آية (٧٣ ٧٤)

стр. 2237

﴿يا أيها النبى جاهد الكفار﴾ أي المجاهرين منهم بالسيف ﴿والمنافقين﴾ بالحجة وإقامة الحدود ﴿واغلظ عَلَيْهِمْ﴾ في ذلك ولا تأخُذْك بهم رأفة قال عطاء نسَخت هذه الآيةُ كلَّ شيء من العفو والصفح ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ لبيان آجل أمرِهم إثرَ بيانِ عاجلِه وقيل حالية ﴿وَبِئْسَ المصير﴾ تذييلٌ لما قبله والمخصوصُ بالذم محذوف

стр. 2238

﴿يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ﴾ استئنافٌ لبيان ما صدرَ عنهُم من الجرائمِ الموجبةِ لما مر من الأمر بالجهاد والغِلظة عليهم ودخولِ جهنم رُوِيَ أنَّ رسولَ الله ﷺ أقام في غزوة تبوكَ شهرين ينزلِ عليه القرآنُ ويَعيب المنافقين المتخلّفين فيسمعه مَنْ كان منهم معه ﷺ فقال الجلاس بن سويد منهم لئن كانَ ما يقولُ محمدٌ حقاً لإخواننا الذين خلفناهم وهم ساداتنا وأشرافنا فنحن شرٌّ من الحمير فقال عامر بن قيس الأنصاري للجلاس أجل والله إن محمداً لصادقٌ وأنت شرٌّ من الحمار فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فاستُحضر فحلف بالله ما قال فرفع عامرٌ يده فقال اللهم أنزِل على عبدك ونبيك تصديق الكاذب وتكذيب الصادق فنزل وإيثارُ صيغةِ الاستقبالِ في يحلفون لاستحضار الصورةِ أو للدلالة على تكرير الحلف وصيغةُ الجمعِ في قالوا مع أن القائلَ هو الجلاس للإيذان بأن بقيتَهم برضاهم بقوله صاروا بمنزلة القائل ﴿وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الكفر﴾ هي ما حُكي آنفاً والجملةُ مع ما عطف عليها اعتراضٌ ﴿وَكَفَرُواْ بَعْدَ إسلامهم﴾ أي وأظهروا ما في قلوبِهِم منَ الكفر بعد إظهارِهم الإسلامَ ﴿وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ ينالُوا﴾ هو الفنك برسولِ الله ﷺ وذلك أنه توافقَ خمسةَ عشرَ منهم على أن يدفعوه ﷺ عن راحلته إذا تسنّم العقبةَ بالليل وكان عمارُ بنُ ياسر آخذاً بخِطام راحلته يقودها وحذيفةُ بنُ اليمان خلفها يسوقُها فبينما هما كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفافِ الإبل وبقعقعة السلاحِ فالتفت فإذا قومٌ متلثّمون فقال إليكم إليكم يا أعداءَ الله فهربوا وقيل هم المنافقون همّوا بقتل عامر لرده على الجلاس وقيل أرادوا أن يتوِّجوا عبدَ اللَّه بن أبي بن سلول وإن لم يرضَ به رسول الله ﷺ ﴿وَمَا نَقَمُواْ﴾ أي وما أنكروا وما عابوا أو وما وجدوا ما يورث نَقِمتَهم ﴿إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ وذلك أنهم كانوا حين قدم رسولُ الله ﷺ المدينةَ في غايةِ ما يكونُ من ضنْك العيشِ لا يركبون الخيلَ ولا يحوزون الغنيمة فأثروا بالغنائم وقُتل للجلاس مولى فأُمِرَ رسولُ الله ﷺ بديته اثنى عشَرَ ألفَ درهم فاستغنى والاستثناءُ مفرَّغٌ من أعمِّ المفاعيلِ أو من أعمِّ العللِ أي وما

стр. 2239

أنكروا شيئاً من الأشياءِ إلا أغناه الله تعالى إياهم أو وما أنكروا ما أنكروا لعلة من العلل إلا لإغناء الله إياهم ﴿فَإِن يَتُوبُواْ﴾ عمَّا هُم عليهِ من الكفر والنفاق ﴿يَكُ خَيْراً لَّهُمْ﴾ في الدارين قيل لما تلاها رسول الله ﷺ قال الجلاس يَا رسولَ الله لقدْ عرض الله عليّ التوبةَ والله لقد قلت وصدق عامرٌ فتاب الجلاسُ وحسُنت توبته ﴿وَإِن يَتَوَلَّوْا﴾ أي استمروا على ما كانُوا عليهِ من التولي والإعراض عن الدين أو أعرضوا عن التوبة بعد هذا العرض ﴿يُعَذّبْهُمُ الله عَذَابًا أَلِيمًا فِى الدنيا﴾ بالقتل والأسرِ والنهب وغير ذلك من فنون العقوبات ﴿والاخرة﴾ بالنار وغيرها من أفانين العقاب ﴿وَمَا لَهُمْ فِى الارض﴾ مع سعتها وتباعُدِ أقطارِها وكثرة أهلِها المصحّحة لوجدان ما نفى بقوله ﴿مِن وَلِيّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ ينقذهم من العذاب بالشفاعة أو المدافعة سورة براءة آية (٧٥ ٧٧)

стр. 2240

﴿وَمِنْهُمُ﴾ بيانٌ لقبائح بعضٍ آخرَ منهم ﴿مَّنْ عاهد الله لئن آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ لنؤتين الزكاةَ وغيرَها من الصدقات ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين﴾ قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يريد الحج وقرئ بالنون الخفيفة فيهما قيل نزلت في ثعلبةَ بنِ حاطب أتى النبيِّ ﷺ فقالَ يا رسولَ الله ادعُ الله أن يرزُقَني مالا فقال ﷺ يا ثعلبةُ قليلٌ تؤدّي حقه خيرٌ من كثير لا تطيقه فراجعه وقال والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالاً لأعطين كلَّ ذِي حقَ حقَّه فدعا له فاتخذ غنماً فنمت كما ينمي الدودُ حتى ضاقت بها المدينةُ فنزل وادياً وانقطع عن الجماعة والجمعة فسأل عنه رسول الله ﷺ فقيل كثرُ مالُه حتى لا يسعُه وادٍ فقال يا ويحَ ثعلبةَ فبعث مصدقين لأخذ الصدقات فاستقبلهما الناسُ بصدقاتهم ومرا بثعلبةَ فسألاه الصدقة وأقرآه كتابَ رسول الله ﷺ الذي فيه الفرائضُ فقال ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أختُ الجزية وقال ارجعا حتى أرى رأيي وذلك قولِه عزَّ وجلَّ

стр. 2241

﴿فلما آتاهم مّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ﴾ أي منعوا حق الله منه ﴿وَتَوَلَّواْ﴾ أي أعرضوا عن طاعة الله سبحانه فلما رجعا قال لهما رسول الله ﷺ قبل أن يكلماه يا ويحَ ثعلبةَ مرتين فنزلت فجاء ثعلبةُ بالصدقة فقال ﷺ إن الله منعني أن أقبل منك فجعل يحثو التراب على رأسه فقال ﷺ هذا عملُك قد أمرتك فلم تطعني فقبض ﷺ فجاء بها إلى أبي بكرٍ ﵁ فلم يقبلها وجاء بها إلى عمرَ ﵁ في خلافته فلم يقبلها وهلك في خلافة عثمانَ ﵁ وقيل نزلت فيه وفي سهل بن الحرث وجَدِّ بنِ قيس ومعتب بن قُشير والأول هو الأشهرُ ﴿وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ جملة معترضة أي وهم قوم عادتُهم الإعراضُ أو حالية أي تولوا بإجرامهم وهم معرضون بقلوبهم

стр. 2242

﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾ أي جعل الله عاقبةَ فعلِهم ذلك ﴿نِفَاقاً﴾ راسخاً ﴿فِى قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ إلى يوم موتِهم الذي يلقون الله تعالى عنده أو يلقَون فيه جزاءَ عملِهم وهو يومُ القيامة وقيل فأورثهم البخلَ نفاقاً متمكناً في قلوبهم ولا يلائمه

стр. 2243

قوله ﴿بِمَا أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ﴾ أي بسبب إخلافِهم ما وعدوه تعالى من التصدق والصلاح ﴿وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ أي وبكونهم مستمرِّين على الكذب في جميع المقالاتِ التي من جملتها وعدُهم المذكورُ وتخصيصُ الكذبِ به يؤدّي إلى تخلية الجمعُ بينَ صيغتي المَاضِي والمستقبلِ عن المزية فإن تسببَ الإعقابِ المذكورِ بالإخلاف والكذب يقضي بإسناده إلى الله إذ لا معنى لكونهما سببين لأعقاب البخل النفاق والتحقيقُ أنه لما كانت الفاءُ الدالةُ على الترتيب والتفريعِ منبئةً عن ترتب إعقابِ النفاقِ المخلّدِ على أفعالهم المحكيةِ عنهم من المعاهدة بالتصدق والصلاح والبخل والتولي والإعراض وفيها مالا دخل له في الترتب المذكور كالمعاهدة أزيح ما في ذلك من الإبهام بتعيين ما هو المدارُ في ذلك والله تعالى أعلم وقرئ بتشديد الذال سورة براءة آية (٧٨ ٧٩)

стр. 2244

﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ﴾ أي المنافقون أو من عاهد الله وقرئ بالتاء الفوقانية خطاباً للمؤمنين فالهمزةُ على الأول للإنكار والتوبيخِ والتهديد أي ألم يعلمُوا ﴿أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ أي ما أسرُّوا به في أنفسهم وما تناجَوا به فيما بينهم من المطاعن وتسميةِ الصدقةِ جزيةً وغيرِ ذلك مما لا خير فيه وسرُّ تقديمِ السر على النجوى سيظهر في قوله سبحانه وَسَتُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة ﴿وَأَنَّ الله علام الغيوب﴾ فلا يَخْفى عليه شيءٌ من الأشياء حتى اجترءوا على ما اجترءوا عليه من العظائم وإظهارُ اسمِ الجلالةِ في الموقعين لإلقاء الروعةِ وتربيةِ المهابةِ وفي إيراد العلم المتعلّق بسرهم ونجواهم بصيغة الفِعلِ الدالِّ على الحدوث والتجدد والعلمِ المتعلقِ بالغيوب الكثيرةِ الدائمةِ بصيغة الاسم الدالِّ على الدوام والمبالغة من الفخامة والجزالة مالا يخفى وعلى الثاني لتقرير علم المؤمنين بذلك وتنبيههم على أنه تعالى مؤاخِذُهم ومجازيهم بما علم من أعمالهم

стр. 2245

﴿الذين يَلْمِزُونَ﴾ نُصِب أو رُفع على الذم ويجوز جرُّه على البدليَّةِ من الضَّميرِ في سرَّهم ونجواهم وقرئ بضم الميم وهي لغة أي يعيبون ﴿المطوعين﴾ أي المتطوعين المتبرِّعين ﴿مِنَ المؤمنين﴾ حالٌ من المطّوعين وقوله تعالى ﴿فِي الصدقات﴾ متعلق بيلمزون رُوِيَ أنَّ رسولَ الله ﷺ حث الناسَ على الصدقة فأتى عبدُ الرحمن بنُ عوف بأربعين أوقيةً من ذهب وقيل بأربعةِ آلافِ درهم وقال كان لي ثمانيةُ آلافٍ فأقرضتُ ربي أربعة وأمسكتُ لعيالي أربعة فقال رسول الله ﷺ بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت فبارك له حتى صولحت تُماضِرُ رابعةُ نسائِه عن ربع الثمن على ثمانين ألفاً وتصدق عاصمُ بنُ عدي بمائة وَسْقٍ من تمر وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر فقال بتُّ ليلتي أجرُّ بالجرير على صاعين فتركت صاعاً لعيالي وجئت بصاع فأمره رسول الله ﷺ أن ينثُره على الصدقات فلمَزَهم المنافقون وقالوا ما أعطى عبدُ الرحمن وعاصمٌ إلا رياءً وإنْ كان الله ورسولُه لغنيَّيْن عن صاع أبي عقيل ولكنه أحب أن يذكِّر بنفسه ليعطى من الصدقات فنزلت ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَاّ جُهْدَهُمْ﴾ عطف على المطوعين أي ويلمزون
следующие страницы →