Полный текст (8 642 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
﴿فلما آتاهم مّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ﴾ أي منعوا حق الله منه
﴿وَتَوَلَّواْ﴾ أي أعرضوا عن طاعة الله سبحانه فلما رجعا قال لهما رسول الله ﷺ قبل أن يكلماه يا ويحَ ثعلبةَ مرتين فنزلت فجاء ثعلبةُ بالصدقة فقال ﷺ إن الله منعني أن أقبل منك فجعل يحثو التراب على رأسه فقال ﷺ هذا عملُك قد أمرتك فلم تطعني فقبض ﷺ فجاء بها إلى أبي بكرٍ ﵁ فلم يقبلها وجاء بها إلى عمرَ ﵁ في خلافته فلم يقبلها وهلك في خلافة عثمانَ ﵁ وقيل نزلت فيه وفي سهل بن الحرث وجَدِّ بنِ قيس ومعتب بن قُشير والأول هو الأشهرُ
﴿وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ جملة معترضة أي وهم قوم عادتُهم الإعراضُ أو حالية أي تولوا بإجرامهم وهم معرضون بقلوبهم
стр. 2242
﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾ أي جعل الله عاقبةَ فعلِهم ذلك
﴿نِفَاقاً﴾ راسخاً
﴿فِى قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ إلى يوم موتِهم الذي يلقون الله تعالى عنده أو يلقَون فيه جزاءَ عملِهم وهو يومُ القيامة وقيل فأورثهم البخلَ نفاقاً متمكناً في قلوبهم ولا يلائمه
стр. 2243
قوله
﴿بِمَا أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ﴾ أي بسبب إخلافِهم ما وعدوه تعالى من التصدق والصلاح
﴿وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ أي وبكونهم مستمرِّين على الكذب في جميع المقالاتِ التي من جملتها وعدُهم المذكورُ وتخصيصُ الكذبِ به يؤدّي إلى تخلية الجمعُ بينَ صيغتي المَاضِي والمستقبلِ عن المزية فإن تسببَ الإعقابِ المذكورِ بالإخلاف والكذب يقضي بإسناده إلى الله إذ لا معنى لكونهما سببين لأعقاب البخل النفاق والتحقيقُ أنه لما كانت الفاءُ الدالةُ على الترتيب والتفريعِ منبئةً عن ترتب إعقابِ النفاقِ المخلّدِ على أفعالهم المحكيةِ عنهم من المعاهدة بالتصدق والصلاح والبخل والتولي والإعراض وفيها مالا دخل له في الترتب المذكور كالمعاهدة أزيح ما في ذلك من الإبهام بتعيين ما هو المدارُ في ذلك والله تعالى أعلم وقرئ بتشديد الذال
سورة براءة آية (٧٨ ٧٩)
стр. 2244
﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ﴾ أي المنافقون أو من عاهد الله وقرئ بالتاء الفوقانية خطاباً للمؤمنين فالهمزةُ على الأول للإنكار والتوبيخِ والتهديد أي ألم يعلمُوا
﴿أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ أي ما أسرُّوا به في أنفسهم وما تناجَوا به فيما بينهم من المطاعن وتسميةِ الصدقةِ جزيةً وغيرِ ذلك مما لا خير فيه وسرُّ تقديمِ السر على النجوى سيظهر في قوله سبحانه وَسَتُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة
﴿وَأَنَّ الله علام الغيوب﴾ فلا يَخْفى عليه شيءٌ من الأشياء حتى اجترءوا على ما اجترءوا عليه من العظائم وإظهارُ اسمِ الجلالةِ في الموقعين لإلقاء الروعةِ وتربيةِ المهابةِ وفي إيراد العلم المتعلّق بسرهم ونجواهم بصيغة الفِعلِ الدالِّ على الحدوث والتجدد والعلمِ المتعلقِ بالغيوب الكثيرةِ الدائمةِ بصيغة الاسم الدالِّ على الدوام والمبالغة من الفخامة والجزالة مالا يخفى وعلى الثاني لتقرير علم المؤمنين بذلك وتنبيههم على أنه تعالى مؤاخِذُهم ومجازيهم بما علم من أعمالهم
стр. 2245
﴿الذين يَلْمِزُونَ﴾ نُصِب أو رُفع على الذم ويجوز جرُّه على البدليَّةِ من الضَّميرِ في سرَّهم ونجواهم وقرئ بضم الميم وهي لغة أي يعيبون
﴿المطوعين﴾ أي المتطوعين المتبرِّعين
﴿مِنَ المؤمنين﴾ حالٌ من المطّوعين وقوله تعالى
﴿فِي الصدقات﴾ متعلق بيلمزون رُوِيَ أنَّ رسولَ الله ﷺ حث الناسَ على الصدقة فأتى عبدُ الرحمن بنُ عوف بأربعين أوقيةً من ذهب وقيل بأربعةِ آلافِ درهم وقال كان لي ثمانيةُ آلافٍ فأقرضتُ ربي أربعة وأمسكتُ لعيالي أربعة فقال رسول الله ﷺ بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت فبارك له حتى صولحت تُماضِرُ رابعةُ نسائِه عن ربع الثمن على ثمانين ألفاً وتصدق عاصمُ بنُ عدي بمائة وَسْقٍ من تمر وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر فقال بتُّ ليلتي أجرُّ بالجرير على صاعين فتركت صاعاً لعيالي وجئت بصاع فأمره رسول الله ﷺ أن ينثُره على الصدقات فلمَزَهم المنافقون وقالوا ما أعطى عبدُ الرحمن وعاصمٌ إلا رياءً وإنْ كان الله ورسولُه لغنيَّيْن عن صاع أبي عقيل ولكنه أحب أن يذكِّر بنفسه ليعطى من الصدقات فنزلت
﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَاّ جُهْدَهُمْ﴾ عطف على المطوعين أي ويلمزون
стр. 2246
الذين لا يجدون إلا طاقتهم وقرئ بفتح الجيم وهو مصدر جهد في الأمر إذا بالغ فيه وقيل هو بالضم الطاقةُ وبالفتح المشقة
﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ عطف على يلمِزون أي يهزءون بهم والمرادُ بهم الفريقُ الأخير
﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ إخبارٌ بمجازاته تعالى إياهم على ما فعلوا من السخرية والتعبيرُ عنها بذلك للمشاكلة
﴿وَلَهُمْ﴾ أي ثابت لهم
﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ التنوينُ للتهويل والتفخيم وإيرادُ الجملةِ اسميةً للدَلالة على الاستمرار
سورة براءة آية (٨٠)
стр. 2247
﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ إخبارٌ باستواء الأمرَين الاستغفارُ لهم وتركُه في استحالة المغفرة وتصويرُه بصورة الأمر للمبالغة في بيان استوائهما كأنه ﷺ أُمر بامتحان الحالِ بأن يستغفر تارة ويتركَ أخرى ليظهرَ له جليةُ الأمر كما مر في قوله قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كرها لن يتقبل منكم
﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ﴾ بيانٌ لاستحالة المغفرة بعد المبالغةِ في الاستغفار إثرَ بيانِ الاستواءِ بينه وبين عدمِه رُوِيَ أنَّ عبدَ اللَّه بنَ عبدِ اللَّه بنِ أُبيّ وكان من المخلِصين سأل رسول الله ﷺ في مرض أبيه أن يستغفر له ففعل ﷺ فنزلت فقال ﷺ محافظةً على ما هو الأصلُ من أن مراتبَ الأعداد حدودٌ معينةٌ يخالف حكمُ كلَ منها حكمَ ما فوقها إن الله قد رخّص لي فسأزيد على السبعين فنزلت سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ وقد شاع استعمالُ السبعةِ والسبعين والسبعِمائةِ في مطلق التكثيرِ لاشتمال السبعة على جملة أقسام العددِ فكأنها العددُ بأسره وقيل هي أكملُ الأعدادِ لجمعها معانيَها ولأن الستة أولُ عددٍ تامَ لتعادل أجزائِها الصحيحةِ إذ نصفُها ثلاثة وثلثُها اثنان وسدسُها واحد وجملتها ستةٌ وهي مع الواحد سبعةٌ فكانت كاملةً إذ لا مرتبةَ بعد التمام إلا الكمالُ ثم السبعون غايةُ الكمالِ إذ الآحادُ غايتُها العشرات والسبعُمائة غايةُ الغايات
﴿ذلك﴾ إشارةٌ إلى امتناع المغفرةِ لهم ولو بعد المبالغةِ في الاستغفار أي ذلك الامتناعُ ليس لعدم الاعتدادِ باستغفارك بل
﴿بِأَنَّهُمْ﴾ أي بسببِ أنَّهم
﴿كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾ كفراً متجاوزاً عن الحد كما يلوح به وصفُهم بالفسق في قولِه
﴿والله لَا يَهْدِى القوم الفاسقين﴾ فإن الفسقَ في كل شيء عبارةٌ عن التمرُّد والتجاوز عن حدوده أي لا يهديهم هدايةً مُوصلةً إلى المقصد البتةَ لمخالفة ذلك للحكمة التي عليها يدورُ فلكُ التكوين والتشريعِ وأما الهدايةُ بمعنى الدِلالة على ما يوصِل إليه فهي متحققةٌ لا محالة ولكنهم بسوء اختيارِهم لم يقبلوها فوقعوا فيما وقعوا وهو تذييلٌ مؤكدٌ لما قبله من الحُكم فإن مغفرةَ الكافرِ إنما هي بالإقلاع عن الكفر والإقبال إلى الحق والمتهمك فيه المطبوعُ عليه بمعزل من ذلك وفيه تنبيهٌ على عذر النبيِّ ﷺ في استغفاره لهم وهو عدمُ يأسِه من إيمانهم حيث لم يعلم أنهم مطبوعون على الغي والضلالِ إذ الممنوعُ هو الاستغفارُ لهم بعد تبيُّن حالِهم كما سيتلى من قولهِ مَا كَانَ لِلنَّبِىّ الآية
стр. 2248
سورة براءة آية (٨١ ٨٢)
стр. 2249
﴿فَرِحَ المخلفون﴾ أي الذين خلفهم النبيِّ ﷺ بالإذن لهم في القعود عند استئذانِهم أو خلّفهم الله بتثبيطه إياهم لِما علم في ذلك من الحِكمة الخفية أو خلّفهم كسلُهم أو نفاقُهم
﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ متعلقٌ بفرِحَ أي بقعودهم وتخلّفِهم عن الغزو
﴿خلاف رَسُولِ الله﴾ أي خلفه وبعد خروجِه حيث خرج ولم يخرُجوا يقال أقام خلافَ الحيِّ أي بعدهم ظعنوا ولم يظعَن ويُؤيده قراءةُ مَن قرأَ خلف رسولِ الله فانتصابُه على أنه ظرفٌ لمقعدهم إذْ لا فائدةَ في تقييد فرحِهم بذلك وقيل هو بمعنى المخالفة ويعضُده قراءةُ مَن قرأَ خلف رسول الله بضم الخاء فانتصابُه على أنَّه مفعولٌ له والعاملُ إما فرح أي فرحوا لأجل مخالفته ﷺ بالقعود وإما مقعدِهم أي فرحوا بقعودهم لأجل مخالفته ﷺ أو على أنه حالٌ والعامل أحدُ المذكورَيْن أي فرحوا مخالفين له ﷺ أو فرحوا بالقعود مخالفين له ﷺ
﴿وَكَرِهُواْ أَن يجاهدوا بأموالهم وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ الله﴾ لا إيثار للدعةِ والخفْضِ على طاعة الله تعالى فقط بل مع ما في قلوبِهِم منَ الكفر والنفاقِ فإن إيثارَ أحدِ الأمرين قد يتحقق بأدنى رُجْحانٍ منه من غير أن يبلُغ الآخرُ مرتبةَ الكراهيةِ وإنما أوثر مَا عليهِ النظمُ الكريمُ على أن يقال وكرهوا أن يخرُجوا إلى الغزو إيذاناً بأن الجهادِ في سبيل الله مع كونه من أجلّ الرغائبِ وأشرفِ المطالبِ التي يجب أن يتنافسَ فيها المتنافسون قد كرهوه كما فرحوا بأقبح القبائحِ الذي هو القعودُ خلاف رسول الله ﷺ
﴿وَقَالُواْ﴾ أي لإخوانهم تثبيتاً لهم على التخلف والقعودِ وتواصياً فيما بينهم بالشر والفساد أو للمؤمنين تثبيطاً لهم عن الجهاد ونهياً عن المعروف وإظهاراً لبعض العللِ الداعيةِ لهم إلى ما فرِحوا به من القعود فقد جمَعوا ثلاثَ خلالٍ من خصال الكفر والضلالِ الفرحُ بالقعودِ وكراهيةُ الجهاد ونهيُ الغير عن ذلك
﴿لَا تَنفِرُواْ فِى الحر﴾ فإنه لا يستطاع شدّتُه
﴿قُلْ﴾ رداً عليهم وتجهيلاً لهم
﴿نَارُ جَهَنَّمَ﴾ التي ستدخُلونها بما فعلتم
﴿أَشَدُّ حَرّا﴾ مما تحذرون من الحر المعهودِ وتحذّرون الناسَ منه فما لكم لا تحذَرونها وتعرِّضون أنفسَكم لها بإيثار القعودِ على النفير
﴿لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ اعتراض تذييلى من جهته غيرُ داخلٍ تحت القولِ المأمور به مؤكدٌ لمضمونه وجوابُ لو إما مقدرٌ أي لو كانوا يفقهون أنها كذلك أو كيف هي أو أن مآلُهم إليها لَما فعلوا ما فعلوا أو لتأثروا بهذا الإلزامِ وإما غيرُ منويَ على أن لو لمجرد التمني المنبئ عن امتناع تحققِ مدخولِها أي لو كانوا من أهل الفَطانةِ والفِقه كما في قوله قُلِ انظروا مَاذَا فِى السموات والارض وَمَا تُغْنِى الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لَاّ يُؤْمِنُونَ
стр. 2250
﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا﴾ إخبارٌ عن عاجل أمرِهم وآجلِه من الضحِك القليلِ والبكاءِ الطويلِ المؤدِّي إليه أعمالُهم السيئةُ التي من جُملتها ما ذكر من الفرح والفاءُ لسببية ما سبق للإخبار بما ذُكر من الضحِك والبكاءِ لا لنفسهما إذ لا يُتصوَّر السببيةُ في الأول أصلاً وقليلاً وكثيراً منصوبان على المصدرية
стр. 2251
أو الظرفية أي ضَحِكاً قليلاً وبكاءً كثيراً أو زمانا قليلا زمانا كثيراً وإخراجُه في صورة الأمرِ للدِلالة على تحتم وقوعِ المُخبَرِ به فإن أمرَ الآمرِ المطاعِ مما لا يكاد يتخلّف عنه المأمورُ به خلا أن المقصودَ إفادتُه في الأول هو وصفُ القِلة فقط وفي الثاني وصفُ الكثرةِ مع الموصوف يروى أن أهلَ النفاق يبكون في النار عمُرَ الدنيا لا يرفأ لهم دمعٌ ولا يكتحلون بنوم ويجوز أن يكون الضحِكُ كنايةً عن الفرح والبكاءُ عن الغم وأن تكون القِلةُ عبارةٌ عن العدمِ والكثرةُ عن الدوام
﴿جزاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ منَ فنون المعاصي والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار التجددي ما داموا في الدنيا وجزاءً مفعولٌ له للفعل الثاني أي ليبكوا جزاءً أو مصدرٌ حُذف ناصبُه أي يُجزَون بما ذكر من البكاء الكثيرِ جزاءً بِمَا كَسَبُواْ من المعاصي المذكورة
سورة براءة آية (٨٣ ٨٤)
стр. 2252
﴿فَإِن رَّجَعَكَ الله﴾ الفاء لتفريع الأمرِ الآتي على ما بيِّن من أمرهم والفعلُ من الرجْع المتعدّي دون الرجوع اللازم أي فإن ردّك الله تعالى
﴿إلى طَائِفَةٍ مّنْهُمْ﴾ أي إلى المنافقين من المتخلفين في المدينة فإنّ تخلّف بعضهم إنما كان لعذر عائقٍ مع الإسلام أو إلى من بقيَ من المنافقين المتخلفين بأن ذهب بعضُهم بالموت أو بالغَيبة عن البلد أو بأن لم يستأذِن البعضُ عن قتادة أنهم كانوا اثنيْ عشرَ رجلاً قيل فيهم ما قيل
﴿فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ﴾ معك إلى غزوة أخرى بعد غزوتِك هذه
﴿فَقُلْ﴾ إخراجاً لهم عن ديوان الغُزاةِ وإبعاداً لمحلهم عن محفِل صُحبتِك
﴿لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تقاتلوا مَعِىَ عَدُوّا﴾ من الأعداء وهو إخبارٌ في مَعْنى النهي للمبالغةِ وقد وقع كذلك
﴿إِنَّكُمْ﴾ تعليلٌ لما سلف أي لأنكم
﴿رَضِيتُمْ بالقعود﴾ أي عن الغزو وفرِحتم بذلك
﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هي غزوةُ تبوكَ
﴿فاقعدوا﴾ الفاءُ لتفريع الأمرِ بالقعود بطريق العقوبةِ على ما صدرَ عنهُم من الرضا بالقعود أي إذ رضِيتم بالقعود أولَ مرة فاقعُدوا من بعدُ
﴿مَعَ الخالفين﴾ أي المتخلّفين الذين ديدنُهم القعودُ والتخلفُ دائماً وقرئ الخَلِفين على القصر فكان محوُ أساميهم من دفتر المجاهدين ولزُّهم في قَرن الخالفين عقوبةً لهم أيَّ عقوبةٍ وتذكيرُ اسم التفضيل المضاف إلى المؤنث هو الأكثرُ الدائرُ على الألسنة فإنَّك لا تكادُ تسمعُ قائلاً يقول هي كبرى امرأةٍ أو أُولى مرة
стр. 2253
﴿وَلَا تُصَلّ على أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ﴾ صفةٌ لأحد وإنما جيء بصيغة الماضي تنبيهاً على تحقق الوقوعِ لا محالة
﴿أَبَدًا﴾ متعلقٌ بالنهي أي لا تدْعُ ولا تستغفرْ لهم أبداً
﴿وَلَا تَقُمْ على قَبْرِهِ﴾ أي لا تقِفْ عليه للدفن أو للزيارة والدعاء روي أنه ﷺ كان يقوم على قبور المنافقين ويدعو لهم فلما مرِض رأسُ النفاق عبدُ الله بن أبي بن سَلول بعث إلى رسول الله ﷺ ليأتيَه فلما دخل عليه فقال ﷺ أهلكك حبُّ اليهود فقالَ
стр. 2254
يا رسول الله بعثتُ إليك لتستغفرَ لي لا لتؤنِّبني وسأله أن يكفِّنه في شِعاره الذي بلى جلدَه ويصليَ عليه فلما مات دعاه ابنُه وكان مؤمنا صالحا فأجابه ﷺ تسليةً له ومراعاةً لجانبه وأرسل إليه قميصَه فكُفّن فيه فلما همّ بالصلاة أو صلّى نزلت وعن عمر ﵁ أنَّه قال لما هلك عبد الله بن أبي ووضعناه ليصلى عليه قام رسول الله ﷺ فقلت أتصلي على عدوّ الله القائلِ يومَ كذا كذا وكذا والقائلِ يوم كذا كذا وكذا وعدّدتُ أيامه الخبيثة فتبسم ﷺ وصلى عليه ثم مشى معه وقام على حُفرته حتى دفن فو الله ما لبث إلا يسيراً حتى نزل وَلَا تُصَلّ الخ فما صلى رسولُ الله ﷺ بعد ذلك على منافق ولا قام على قبره وإنما لم يُنْهَ عن التكفين بقميصه ﷺ لأن الضنَّةَ بالقميص كانت مظِنّةَ الإخلالِ بالكرم على أنه كان مكافأةً لقميصه الذي كان ألبسه العباسَ رضي الله تعالى عنه حين أُسر ببدر والخبرُ مشهور
﴿إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾ تعليلٌ للنَّهِي عَلى مَعْنى أن الاستغفارَ للميت والوقوفَ على قبره إنما يكون لاستصلاحه وذلك مستحيلٌ في حقهم لأنهم استمرّوا على الكفر بالله ورسوله مدةَ حياتِهم
﴿وَمَاتُواْ وَهُمْ فاسقون﴾ أي متمرِّدون في الكفر خارجون عن حدوده كما بين من معنى الفسق
سورة براءة آية (٨٥ ٨٦)
стр. 2255
﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أموالهم وأولادهم﴾ تكريرٌ لما سبق وتقريرٌ لمضمونه بالإخبار بوقوعه ويجوز أن يكون هذا في حق فريقٍ غيرِ الفريقِ الأولِ وتقديمُ الأموالِ في أمثالِ هذهِ المواقعِ على الأولاد مع كونهم أعزَّ منها إما لعموم مِساسِ الحاجةِ إليها بحسب الذاتِ وبحسب الأفراد والأوقات فإنها مما لا بد منه لكل أحدٍ من الآباء والأمهاتِ والأولادِ في كل وقت وحينٍ حتى إن من له أولادٌ ولا مالَ له فهو وأولادُه في ضيق ونَكالٍ وأما الأولادُ فإنما يَرغب فيهم مَنْ بلغ مبلغَ الأُبوةِ وإما لأن المالَ مناطٌ لبقاء النفسِ والأولادُ لبقاء النوعِ وإما لأنها أقدمُ في الوجود من الأولاد لأن الأجزاءَ المَنويةَ إنما تحصُل من الأغذية كما سيأتي في سورة الكهف
﴿إنما يريد الله﴾ بما متعهم به من الأموال والأولاد
﴿أَن يُعَذّبَهُمْ بِهَا فِى الدنيا﴾ بسبب معاناتِهم المشاقَّ ومكابدتِهم الشدائدَ في شأنها
﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون﴾ أي فيموتوا كافرين باشتغالهم بالتمتع بها والالتهاء عن النظر والتدبّرِ في العواقب
стр. 2256
﴿وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ﴾ من القرآن ويجوزُ أنْ يُرادَ بها بعضُها
﴿أَنْ آمِنُواْ بِاللهِ﴾ أنْ مفسرةٌ لما في الإنزال من معنى القولِ والوحي أو مصدريةٌ حذف عنها الجارُّ أي بأن آمِنوا
﴿وجاهدوا مَعَ رَسُولِهِ﴾ لإعزاز دينِه وإعلاءِ كلمتِه
﴿استأذنك أُوْلُواْ الطول منهم﴾ أي ذوو الفضل والسَّعةِ والقُدرة على الجهاد بدناً ومالاً
﴿وَقَالُواْ﴾ عطفٌ تفسيريٌّ لاستأذنك مغنٍ عن ذكر ما استأذنوا فيه يعني القعودَ
﴿ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ القاعدين﴾
стр. 2257
أي الذين قعدوا عنِ الغزوِ لِما بِهمْ من عذر
سورة براءة آية (٨٧ ٩٠)
стр. 2258
﴿رَضُواْ﴾ استئنافٌ لبيان سوءِ صنيعِهم وعدمِ امتثالِهم لكلا الأمرين وإن لم يرُدّوا الأول صريحاً
﴿بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف﴾ مع النساء اللاتي شأنُهن القعودُ ولزومُ البيوتِ جمعُ خالفةٍ وقيل الخالفةُ من لا خير فيه
﴿وَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ فهم﴾ بسبب ذلك
﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ ما في الإيمان بالله وطاعتِه في أوامره ونواهيه واتباع رسوله ﷺ والجهادِ من السعادة وما في أضداد ذلك من الشقاوة
стр. 2259
﴿لكن الرسول والذين آمنوا مَعَهُ﴾ بالله وبما جاء من عنده تعالى وفيه إيذانٌ بأنهم ليسوا من الإيمان بالله في شيء وإن لم يُعرضوا عنه صريحاً إعراضَهم عن الجهاد باستئذانهم في القعود
﴿جاهدوا بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ﴾ أي إنْ تخلّف هؤلاء عن الغزو فقد نهَدَ إليه ونهضَ له من هو خيرٌ منهم وأخلصُ نيةً ومعتقَداً وأقاموا أمرَ الجهادِ بكلا نوعيه كقوله تعالى فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بكافرين
﴿وَأُوْلئِكَ﴾ المنعوتون بالنعوت الجليلة
﴿لَهُمْ﴾ بواسطة نعوتِهم المزبورة
﴿الخَيْرَاتِ﴾ أي منافعُ الدارين النصرُ والغنيمةُ في الدنيا والجنةُ والكرامة في العُقبى وقيل الحورُ كقوله عز قائلاً فِيهِنَّ خيرات حِسَانٌ وهي جمعُ خَيْرة تخفيف خيّرة
﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ أي الفائزون بالمطلوب لا مَنْ حاز بعضاً من الحظوظ الفانية عما قليل وتكريرُ اسمِ الإشارة تنويهٌ لشأنهم وربْءٌ لمكانهم
стр. 2260
﴿أَعَدَّ الله لَهُمْ﴾ استئنافٌ لبيان كونِهم مفلحين أي هيأ لهم في الآخرةِ
﴿جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا﴾ حالٌ مقدرةٌ من الضمير المجرور والعامل أعدّ
﴿ذلك﴾ إشارةٌ إلى ما فُهم من إعداد الله سبحانه لهم الجناتِ المذكورةَ من نيل الكرامةِ العظمى
﴿الفوز العظيم﴾ الذِي لَا فوز وراءه
стр. 2261
﴿وَجَاء المعذرون مِنَ الاعراب لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ شروعٌ في بيان أحوالِ منافقي الأعرابِ إثرَ بيانِ منافقي أهلِ المدينةِ والمعذّرون من عذّر في الأمر إذا قصّر فيه وتوانى ولم يجدو حقيقته أن يوهِمَ أن له عذراً فيما يفعل ولا عذرَ له أو المعتذرون بإدغام التاءِ في الذال ونقلِ حركتِها إلى العين وهم المعتذرون بالباطل وقرئ المُعْذِرون من الإعذار وهو الاجتهاد في العذرُ والاحتشادُ فيه قيل هم أسَدٌ وغطَفانُ قالوا إن لنا عيالاً وإن بنا لجَهداً فأذن لنا في التخلف وقيل هم رهطُ عامِر بنِ الطفيل قالوا إن غزَوْنا معك أغارت أعرابُ طيءٍ على أهالينا ومواشينا فقال صلى الله عليه وسلم
стр. 2262
سيغنيني الله تعالى عنكم وعن مجاهد نفرٌ من غِفارٍ اعتذروا فلم يعذُرهم الله سبحانه وعن قتادة اعتذروا بالكذب وقرئ المُعّذّرون بتشديد العين والذال من تعذر بمعنى اعتذر وهو لحنٌ إذ التاءُ لا تُدغم في العين إدغامها في الطاء والزاء والصاد في المطّوعين وازّكى واصّدق وقيل أريد بهم المعتذرون بالصحة وبه فُسّر المعذّرون والمُعْذِرون أي الذين لم يُفرطوا في العذر
﴿وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله ورسوله﴾ وهم منافقو الأعرابِ الذين لم يجيئوا ولم يعتذروا فظهر أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعاء الإيمانَ والطاعة
﴿سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ﴾ أي من الأعراب أو من المعذّرين فإن منهم من اعتذر لكسله لا لكفره
﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ بالقتل والأسرِ في الدنيا والنارِ في الآخرة
سورة براءة آية (٩١ ٩٢)
стр. 2263
﴿لَّيْسَ عَلَى الضعفاء وَلَا على المرضى﴾ كالهرمى والزَّمْنى
﴿وَلَا عَلَى الذين لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ﴾ لفقرهم كمُزَينةَ وجُهينة وبني عذرة
﴿حَرَجٌ﴾ إثمٌ في التخلف
﴿إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وهو عبارةٌ عن الإيمان بهما والطاعةِ لهما في السر والعلنِ وتولِّيهما في السراء والضراءِ والحبِّ فيهما والبغضِ فيهما كما يفعل المَوْلى الناصحُ بصاحبه
﴿مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ﴾ استئنافٌ مقررٌ لمضمونِ ما سبق أي ليس عليهم جناحٌ ولا إلى معاتبتهم سبيلٌ ومن مزيدةٌ للتأكيد ووضْعُ المحسنين موضِعَ الضمير للدِلالة على انتظامهم بنُصحهم لله ورسولِه في سلك المحسنين أو تعليلٌ لنفي الحرجِ عنهم أي ما على جنس المحسنين من سبيل وهم من جملتهم
﴿والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ تذييلٌ مؤيدٌ لمضمون ما ذُكر مشيرٌ إلى أن بهم حاجةً إلى المغفرة وإن كان تخلُّفهم بعذر
стр. 2264
﴿وَلَا عَلَى الذين إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ عطفٌ على المحسنين كما يُؤذِن به قوله فيما سيأتي إِنَّمَا السبيل الآية وقيل عطفٌ على الضعفاء وهم البكاءون سبعةٌ من الأنصار معقِلُ بن يسار وصخر ابن خنساءَ وعبدُ اللَّه بنُ كعبٍ وسالمُ بنُ عميرٍ وثعلبةُ بنُ غنمةَ وعبدُ اللَّه بنُ معقِلٍ وعلبةُ بنُ زيد أتوْا رسولَ الله ﷺ فقالوا نذرْنا الخروجَ فاحمِلنا على الخِفافِ المرقوعة والنعالِ المخصوفة نغْزُ معك فقال ﷺ لا أجد فتولَّوا وهم يبكون وقيل هم بنو مقر معقِلٌ وسويدٌ ونُعمانُ وقيل أبو موسى الأشعريُّ وأصحابُه رضي الله تعالى عنهم
﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ حالٌ من الكاف في أتوك بإضمار قد وما عامةٌ لِما سألوه ﷺ وغيرَه مما يُحمل عليه عادة وفي إيثار لا أجد على ليس عندي من تلطيف الكلامِ وتطييبِ قلوبِ السائلين ما لا يخفى كأنه ﷺ يطلب ما يسألونه على الاستمرار فلا يجده
﴿تَوَلَّوْاْ﴾ جوابُ إذا
﴿وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ﴾ أي تسيل بشدة
﴿مِنَ الدمع﴾ أي دمعاً فإن من البيانية مع مجرورها في حيز النصبِ على التمييز وهو أبلغُ من يفيض دمعُها لإفادتها أن العينَ بعينها صارت دمعاً فيّاضاً والجملةُ حاليةٌ وقوله عزّ اسمُه
﴿حَزَناً﴾ نُصب على العِلّية أو الحالية أو المصدرية لفعل دلَّ عليهِ ما قبلَهُ أيْ تفيض للحزن فإن الحزنَ يُسند إلى العين مجازاً
стр. 2265
كالفيض أو تولوا له أو حزِنين أو يحزنون حزناً فتكون هذه الجملةُ حالاً من الضمير في تفيض
﴿أَلَاّ يَجِدُواْ﴾ على حذف لامٍ متعلقة بحَزَناً أو تفيض أي لئلا يجدوا
﴿مَا يُنْفِقُونَ﴾ في شراء ما يحتاجون إليه إذ لم يجدوه عندك
سورة براءة آية (٩٣ ٩٤)
стр. 2266
﴿إِنَّمَا السبيل﴾ بالمعاتبة
﴿عَلَى الذين يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ في التخلف
﴿وَهُمْ أَغْنِيَاء﴾ واجدون لأُهبة الغزوِ مع سلامتهم
﴿رَضُواْ﴾ استئنافٌ تعليليٌّ لما سبق كأنه قيلَ ما بالُهم استأذنوا وهم أغنياء فقيل رضوا
﴿بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف﴾ الذين شأنُهم الضَّعة والدناءة
﴿وَطَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ﴾ أي خذلهم فغفَلوا عن وخامة العاقبة
﴿فَهُمُ﴾ بسبب ذلك
﴿لَاّ يَعْلَمُونَ﴾ أبداً غائلةَ ما رضُوا به وما يستتبعه آجلاً كما لم يعلموا بخساسة شأنِه عاجلاً
стр. 2267
﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾ استئنافٌ لبيان ما يتصدرون له عند القفولِ إليهم روي أنهم كانوا بضعةً وثمانين رجلاً فلما رجع ﷺ إليهم جاءوا يعتذرون إليه بالباطل والخطابُ لرسول الله ﷺ وأصحابهِ فإنهم كانوا يعتذرون إليهم أيضاً لا إلى رسول الله ﷺ فقط أي يعتذرون إليكم في التخلف
﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ من الغزو منتهين
﴿إِلَيْهِمُ﴾ وإنما لم يقل إلى المدينة إيذاناً بأن مدارَ الاعتذار هو الرجوعُ إليهم لا الرجوع إلى المدينة فلعل منهم مَنْ بادر إلى الاعتذار قبل الرجوعِ إليها
﴿قُلْ﴾ تخصيصُ هذا الخطابِ برسولِ الله ﷺ بعد تعميمِه فيما سبق لأصحابه أيضاً لِما أن الجواب وظيفته ﷺ وأما اعتذارُهم فكان شاملاً للمسلمين شمولَ الرجوعِ لهم
﴿لَا تَعْتَذِرُواْ﴾ أي لا تفعلوا الاعتذارَ كقوله تعالى اخسئوا فِيهَا وَلَا تُكَلّمُونِ أو لا تعتذروا بما عندكم من المعاذير وأما التعرُّضُ لعنوان كذبها فلا يساعُده قوله تعالى
﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ﴾ أي لن نصدِّقَكم في ذلك أبداً فإنه استئنافٌ تعليليٌّ للنهي مبني على سؤال نشأ من قِبَلهم متفرّعٌ على ادعاء الصّدقِ في الاعتذار كأنهم قالوا لم لا نعتذر فقيل لأنا لا نصدقكم أبداً فيكون عبثاً إذ لا يترتب عليه غرض المعتذر وقوله
﴿قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ تعليلٌ لانتفاء التصديقِ أي أُعلِمْنا بالوحي بعضَ أخباركم المنافيةِ للتصديق مما باشرتموه من الشر والفساد وأضمرتموه في ضمائركم وهيأتموه للإبراز في معرِض الاعتذارِ من الأكاذيب وجمعُ ضميرِ المتكلم في الموضعين للمبالغة في حسم أطماعِهم من التصديق رأساً ببيان عدمِ رواج اعتذارِهم عند أحدٍ من المؤمنين أصلاً فإن تصديقَ البعض لهم ربما يطمعهم في تصديق الرسولِ أيضا ﷺ بواسطة المصدِّقين وللإيذان بأن افتضاحَهم بين المؤمنين كافة
﴿وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ﴾ فيما سيأتي أتُنيبون إليه تعالى مما أنتم فيه من النفاق أم تثبُتون وكأنه استتابةٌ وإمهالٌ للتوبة وتقديمُ مفعول الرؤية على ما عطف على فاعله من قوله تعالى
﴿وَرَسُولُهُ﴾ للإيذان باختلاف حالِ الرؤيتين وتفاوتِهما وللإشعار بأن مدارَ الوعيد هو علمه بأعمالهم
﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ يوم القيامة
﴿إلى عالم الغيب والشهادة﴾
стр. 2268
للجزاء بما ظهر منكم من الأعمال ووضعُ المُظهرِ موضعَ المضمرِ لتشديد الوعيدِ فإن علمَه بجميع أعمالِهم الظاهرةِ والباطنةِ وإحاطتَه بأحوالهم البارزةِ والكامنةِ مما يوجب الزجرَ العظيم
﴿فَيُنَبّئُكُمْ﴾ عند ردِّكم إليه ووقوفِكم بين يديه
﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي بما كنتُم تعملونَهُ في الدنيا على الاستمرار من الأعمال السيئةِ السابقةِ واللاحقة على أن ما موصولةٌ والعائدُ إليها محذوفٌ أو بعملكم المستمر على أنها مصدريةٌ والمرادُ بالتنبئة بذلك المجازاةُ به وإيثارُها عليها لمراعاة ما سبقَ من قولِه تعالى قَدْ نَبَّأَنَا الله الخ فإن المنبأَ به الأخبارُ المتعلِّقةُ بأعمالهم وللإيذان بأنهم ما كانوا عالمين في الدنيا بحقيقة أعمالِهم وإنما يعلمونها يومئذ
سورة براءة آية (٩٥ ٩٦)
стр. 2269
﴿سيحلفون بالله لكم﴾ تأكيد لمعاذيرهم الكاذبةِ وتقريراً لها والسين للتأكيد والمحلوفُ عليه محذوف يدل عليه الكلام وهو ما اعتذروا به من الأكاذيب والجملةُ بدلٌ من يعتذرون أو بيانٌ له
﴿إِذَا انقلبتم﴾ أي انصرفتم من الغزو
﴿إِلَيْهِمُ﴾ ومعنى الانقلابِ هو الرجوعُ والانصرافُ مع زيادة معنى الوصولِ والاستيلاء وفائدةُ تقييدِ حَلفِهم به الإيذانُ بأنه ليس لدفع ما خاطبهم النبيِّ ﷺ به من قولهِ تعالَى لَاّ تَعْتَذِرُواْ الخ بل هو أمر مبتدأ
﴿لِتُعْرِضُواْ﴾ وتصفحوا
﴿عَنْهُمْ﴾ صفحَ رضا فلا توبّخوهم ولا تعاتبوهم كما يُفصح عنه قولُه تعالى لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ
﴿فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾ لكن لا إعراضَ رضا كما هو طِلْبتُهم بل إعراضَ اجتنابٍ ومقتٍ كما يعرب عنه قوله
﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ فإنه صريحٌ في أن المرادَ بالإعراض عنهم إما الاجتنابُ عنهم لما فيهم من الرجس الروحاني وإما تركُ استصلاحِهم بترك المعاتبةِ لأن المقصودَ بها التطهيرُ بالحمل على الإنابة وهؤلاء أرجاسٌ لا تقبل التطهير فلا يُتعرّضُ لهم بها وقوله عز وعلا
﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ إما من تمام التعليلِ فإن كونَهم من أهل النارِ من دواعي الاجتناب عنهم وموجباتِ تركِ استصلاحِهم باللوم والعتاب وإما تعليلٌ مستقلٌ أي وكفتْهم النارُ عتاباً وتوبيخاً فلا تتكلفوا أنتم في ذلك
﴿جَزَاء﴾ نُصبَ على أنَّه مصدرٌ مؤكِّد لفعل مقدر من لفظه وقع حالاً أي يُجزَون جزاءً أو لمضمون الجملةِ السابقة فإنها مفيدةٌ لمعنى المجازاةِ قطعاً كأنه قيل مجزيّون جزاءً
﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ فى الدنيا من فنون السيئاتِ أو على أنَّه مفعولٌ له
стр. 2270
﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ بدلٌ مما سبق وعدمُ ذكر المحلوفِ به لظهوره أي يحلفون به تعالى
﴿لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ﴾ بحلفهم وتستديموا عليهم ما كنتم تفعلون بهم
﴿فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ﴾ حسبما راموا وساعدتموهم في ذلك
﴿فَإِنَّ الله لَا يرضى عَنِ القوم الفاسقين﴾ أي فإن رضاكم عنهم لا يُجديهم نفعاً لأن الله ساخطٌ عليهم ولا أثرَ لرضاكم عند سخطِه سبحانه ووضعُ الفاسقين موضعَ ضميرِهم للتسجيل عليهم بالخروج عن الطاعة المستوجبِ لما حلَّ بهم من السُخط وللإيذان بشمول الحُكمِ لمن شاركهم في ذلك والمرادُ به نهيُ المخاطبين عن الرضا عنهم والاغترارِ بمعاذيرهم الكاذبةِ على أبلغِ وجهٍ وآكدِه فإن الرضا عمن لا يرضى
стр. 2271
عنه الله تعالى ممَّا لا يكادُ يصدُرُ عن المؤمن وقيل إنما قيل ذلك لئلا يَتوهمَ متوهمٌ أن رضا المؤمنين من دواعي رضا الله تعالى قيل هم جدُّ بنُ قيس ومعتب بن قشير وأصحابُهما وكانوا ثمانين منافقاً فقال النبيِّ ﷺ للمؤمنين حين قدم المدينةَ لا تجالسوهم ولا تكلموهم وقيل جاء عبد اللَّه بن أبي يحلف أنْ لا يتخلفُ عنه أبداً
سورة براءة آية (٩٧ ٩٨)
стр. 2272
﴿الاعراب﴾ هي صيغةُ جمعٍ وليست بجمع للعرب قاله سيبويه لئلا يلزمَ كونُ الجمع أخصَّ من الواحد فإن العربَ هو هذا الجيلُ الخاصُّ سواء سكنَ البواديَ أم القرى وأما الأعرابُ فلا يطلق إلا على من يسكن البواديَ ولهذا نسب إلى الأعراب على لفظه فقيل أعرابيٌّ وقال أهلُ اللغة رجلٌ عربيٌ وجمعُه العَرَبُ كما يقال مَجوسيٌّ ويهوديٌّ ثم يحذف ياء النسب في الجمع فيقال المجوس واليهود ورجلٌ أعرابي ويجمع على الأعراب والأعاريب أي أصحاب البدو
﴿أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ من أهل الحضَر لجفائهم وقسوةِ قلوبهم وتوحُّشهم ونشئِهم في معزل من مشاهدة العلماء ومفاوضتهم وهذا من باب وصف الجنسِ بوصف بعض أفرادِه كما في قوله تعالى وَكَانَ الإنسان كَفُورًا إذ ليس كلُّهم كما ذُكر على ما ستحيط به خُبراً
﴿وَأَجْدَرُ ألا يَعْلَمُواْ﴾ أي أحقُّ وأخلقُ بأن لا يعلموا
﴿حُدُودَ ما أنزل الله على رَسُولِهِ﴾ لبعدهم عن مجلسه ﷺ وحِرمانِهم من مشاهدة معجزاتِه ومعاينةِ ما ينزل عليه من الشرائع في تضاعيف الكتابِ والسنة
﴿والله عَلِيمٌ﴾ بأحوال كلَ من أهل الوَبر والمدَر
﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يصيب به مسيئَهم ومحسنَهم من العقاب والثواب
стр. 2273
﴿وَمِنَ الاعراب﴾ شروعٌ في بيان تشعّبِ جنسِ الأعرابِ إلى فريقين وعدم انحصارِهم في الفريق المذكورِ كما يتراءى من ظاهر النظمِ الكريمِ وشرحٌ لبعض مثالبِ هؤلاء المتفرعةِ على الكفر والنفاق بعد بيانِ تماديهم فيهما وحملُ الأعراب على الفريق المذكورِ خاصةً وإن ساعده كونُ من يحكي حالَه بعضاً منهم وهم الذين بصدد الإنفاقِ من أهل النفاقِ دون فقرائِهم أو أعرابِ أسدٍ وغطفانَ وتميم كما قيل لكن لا يساعدُه ما سيأتِي من قولِه تعالى وَمَن الاعراب مَن يُؤْمِنُ الخ فإن أولئك ليسوا من هؤلاء قطعاً وإنما هم من الجنس أي ومن جنس الأعرابِ الذي نُعت بنعت بعض أفراده
﴿مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ﴾ من المال أي يعُدّ ما يصرِفه في سبيل الله ويتصدق به صورةً
﴿مَغْرَمًا﴾ أي غرامةً وخُسراناً لازماً إذ لا ينفقه احتساباً ورجاءً لثواب الله تعالى ليكون له مغنماً وإنما ينفقه رياءً وتقيّةً فهي غرامةٌ محضةٌ وما في صيغة الاتخاذِ من معنى الاختيارِ والانتفاعِ بما يتخذ إنما هو باعتبار غرضِ المنفقِ من الرياء والتقيةِ لا باعتبار ذاتٍ النفقة أعني كونَها غرامة
﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدوائر﴾ أصلُ الدائرة ما يحيط بالشيء والمرادُ بها ما لا
стр. 2274
محيص عنه من مصائب الدهرِ أي ينتظر بكم دوائرَ الدهرِ ونُوَبَه ودَوَلَه ليذهب غلَبتُكم عليه فليتخلص مما ابتُلي به
﴿عَلَيْهِمْ دائرة السوء﴾ دعا عليهم بنحو ما أرادوا بالمؤمنين على نهج الاعتراض كقوله سبحانه غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ بعد قول اليهود ما قالوا والسوءُ مصدرٌ ثم أطلق على كل ضُرَ وشر وأضيفت إليه الدائرةُ ذماً كما يقال رجلُ سوءٍ لأن مَن دارت عليه يذمّها وهي من باب إضافةِ الموصوفِ إلى صفتِه فوصفت في الأصل بالمصدر مبالغةً ثم أضيفت إلى صفتها كقوله مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْء وقيل معنى الدائرةِ يقتضي معنى السَّوءِ فإنما هي إضافةُ بيانٍ وتأكيدٍ كما قالوا شمسُ النهارِ ولحيا رأسه وقرئ بالضم وهو العذابُ كما قيل له سيئة
﴿والله سَمِيعٌ﴾ لما يقولونه عند الإنفاقِ مما لا خيرَ فيه
﴿عَلِيمٌ﴾ بما يُضمِرونه من الأمور الفاسدةِ التي من جُمْلتها أن يتربّصوا بكم الدوائر وفيه من شدة الوعيدِ ما لا يخفي
سورة براءة آية (٩٩)
стр. 2275
﴿وَمِنَ الاعراب﴾ أي من جنسهم على الإطلاق
﴿مَن يؤمنُ بالله واليومِ الآخر وَيَتَّخِذُ﴾ أي يأخذ لنفسه على وجه الاصطفاءِ والادخارِ
﴿مَا يُنفِقُ﴾ أي ينفقه في سبيلِ الله تعالى
﴿قربات﴾ أي ذرائعَ إليها وللإيذان بما بينهما من كمال الاختصاصِ جُعل كأنه نفسُ القرُبات والجمعُ باعتبار أنواعِ القرُباتِ أو أفرادِها وهي ثاني مفعولَي يتخذ وقوله تعالى
﴿عند الله﴾ صفتُها أو ظرفٌ ليتخذ
﴿وصلوات الرسول﴾ أي وسائلَ إليها فإنه ﷺ كان يدعو للمتصدِّقين بالخير والبركة ويستغفرُ لهم ولذلك سُنّ للمُصدِّق أن يدعوَ للمتصدِّق عند أخذِ صدقتِه لكن ليس له أن يصليَ عليه كما فعله ﷺ حين قال اللهم صلَّ على آل أبي أو في ذلك منصِبُه فله أن يتفضلَ به على من يشاء والتعرُّضُ لوصف الإيمانِ بالله واليومِ الآخرِ في الفريق الأخيرِ مع أنَّ مساقَ الكلامِ لبيان الفرقِ بين الفريقين في شأن اتخاذِ ما ينفقانه حالاً ومآلاً وأن ذكرَ اتخاذِه ذريعةً إلى القربات والصلوات مغنٍ عن التصريح بذلك لكمال العنايةِ بإيمانهم وبيانِ اتصافِهم به وزيادةِ الاعتناءِ بتحقيق الفرق بين الفريقين من أول الأمرِ وَإِمَّا الفريقُ الأولُ فاتصافُهم بالكفر والنفاقِ معلومٌ من سياق النظم الكريمِ صريحاً
﴿أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ﴾ شهادةٌ لهم من جناب الله تعالى بصحة ما اعتقدوه وتصديقٌ لرجائهم والضميرُ لما ينفَق والتأنيثُ باعتبار الخبرِ مع ما مر من تعدّده بأحد الوجهين والتنكيرُ للتفخيم المغني عن الجمع أي قربةٌ عظيمةٌ لا يُكتَنه كُنهُها وفي إيراد الجملةِ اسميةً وتصديرِها بحرفي التنبيةِ والتحقيقِ من الجزالة ما لا يخفي والاقتصار على بيان كونِها قربةً لهم لأنها الغايةُ القصوى وصلواتُ الرسول من ذرائعها وقوله تعالى
﴿سَيُدْخِلُهُمُ الله فِى رَحْمَتِهِ﴾ وعدٌ لهم بإحاطة رحمتِه الواسعةِ بهم وتفسيرٌ للقربة كما أن قوله عز وعلا والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ وعيدٌ للأولين عَقيبَ الدعاءِ عليهم والسينُ للدلالة على تحقق ذلك وتقررِه البتةَ وقوله تعالى
﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ تعليلٌ لتحقق الوعدِ على نهج الاستئنافِ التحقيقيّ قيل هذا في عبد اللَّه ذي البجادَيْن وقومِه وقيل في بني مُقَرِّنٍ من مُزينةَ وقيل في أسلمَ وغِفارٍ وجهُينةَ وروى أبو هريرةَ
стр. 2276
رضيَ الله عنه أنَّه قال رسولُ الله ﷺ أسلمُ وغفارٌ وشيءٌ من جُهينةَ ومُزينةَ خيرٌ عند الله يومَ القيامة من تميمٍ وأسدِ بنِ خزيمةَ وهوازن وغطفان
سورة براءة آية (١٠٠ ١٠١)
стр. 2277
﴿والسابقون الاولون مِنَ المهاجرين﴾ بيانٌ لفضائل أشرافِ المسلمين إثرَ بيانِ فضيلةِ طائفةٍ منهم والمرادُ بهم الذينَ صلَّوا إلى القبلتينِ أو الذين شهِدوا بدْراً أو الذين أسلموا قبل الهجرة
﴿والانصار﴾ أهلُ بَيْعةِ العقبةِ الأولى وكانوا سبعة نفر وأهل بيعة العقبة الثانية وكانوا سبعين رجلا والذي آمنوا حين قدم عليهم أبو زُرارةَ مصعبُ بنُ عمير وقرىء بالرفع عطفا على والسابقون
﴿والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ﴾ أي ملتبسين به والمرادُ به كلُّ خَصلةٍ حسنة وهم اللاحقون بالسابقين من الفريقين على أن مَنْ تبعيضيةٌ أو الذين اتبعوهم بالإيمان والطاعةِ إلى يوم القيامة فالمرادُ بالسابقين جميعُ المهاجرين والأنصارِ ومن بيانية
﴿رَّضِىَ الله عَنْهُمْ﴾ خبر للمبتدأ أي ﵃ بقَبول طاعتِهم وارتضاءِ أعمالِهم
﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ بما نالوه من رضاه المستتبِعِ لجميع المطالبِ طراً
﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ﴾ في الآخرةِ
﴿جنات تَجْرِى تحتها الأنهار﴾ وقرئ من تحتها كما في سائر المواقع
﴿خالدين فِيهَا أبدا﴾ من غير انتهاء
﴿ذلك الفوز العظيم﴾ الذِي لَا فوزَ وراءه وما في إسمِ الإشارةِ من معنى البُعد لبيان بُعدِ منزلتِهم في مراتب الفضلِ وعظمِ الدرجةِ من مؤمني الأعراب
стр. 2278
﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مّنَ الاعراب﴾ شروعٌ في بيان أحوالِ منافقي أهلِ المدينة ومن حولها من الأعراب بعد بيانِ حالِ أهلِ الباديةِ منهم أي ممن حول بلدتِكم
﴿منافقون﴾ وهم جهينةُ ومزينةُ وأسلمُ وأشجَعُ وغفارٌ كانوا نازلين حولها
﴿وَمِنْ أَهْلِ المدينة﴾ عطفٌ على ممن حولكم عطفَ مفردٍ على مفرد وقوله تعالى
﴿مَرَدُواْ عَلَى النفاق﴾ إما جملةٌ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب مَسوقةٌ لبيان غلوِّهم في النفاق إثرَ بيانِ اتصافِهم به وإما صفةٌ للمبتدأ المذكورِ فُصل بينها وبينه بما عُطفَ على خبره وإن صفةٌ لمحذوف أقيمت هي مُقامه وهو مبتدأ خبرُه من أهل المدينة كما في قوله ... إِنَّا ابن جلا وطلاع الثنايا ...
والجملةُ عطف على الجملة السابقة أي ومن أهل المدينةِ قومٌ مردوا على النفاق أي تمهّروا فيه من مرَن فلانٌ على عمله ومرَد عليه إذا درب به وضرِي حتى لانَ عليه ومهَر فيه غير أن مرَدَ لا يكادُ يُستعمل إلا في الشر فالتمرّدُ على الوجهين الأولين شاملٌ للفريقين حسب شمولِ النفاقِ وعلى الوجه الأخير خاصٌّ بمنافقي أهلِ المدينةِ وهو الأظهر والأنسبُ بذكر منافقي أهلِ البادية أولاً ثم ذكرِ منافقي الأعرابِ المجاورين للمدينة ثم ذكرِ منافقي أهلِها والله تعالى أعلم وقوله عز شأنه
﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾ بيانٌ لتمرّدهم أي لا تعرفِهم أنت لكن لا بأعيانهم وأسمائِهم وأنسابِهم بل بعنوان نفاقِهم يعني أنهم بلغوا من المهارة في النفاق والتنوُّق في مراعاة التقيةِ
стр. 2279
والتحامي عن مواقع التهم إلى مبلغ يخفى عليك حالُهم مع ما أنت عليه من علو الكعبِ وسموِّ الطبقة في كمال الفِطنةِ وصِدقِ الفِراسةِ وفي تعليق نفي العلمِ بهم مع أنه متعلقٌ بحالهم مبالغةٌ في ذلك وإيماءٌ إلى أنَّ ما هُم فيهِ من صفة النفاقِ لعَراقتهم ورسوخِهم فيها صارت بمنزلة ذاتياتِهم أو مشخَّصاتِهم بحيث لا يُعَدّ من لا يعرِفهم بتلك الصفة عالماً بهم وحُمل عدم علمه ﷺ بأعيانهم على عدم علمِه ﷺ بعد مجيء هذا البيانِ على أنه ﷺ يعلم أن فيهم منافقين لكن لا يعلمهم بأعيانهم مع كونِه خلافَ الظاهرِ عارٍ عما ذكر من المبالغة وقوله
﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ تقريرٌ لما سبقَ من مهارتهم في فن النفاقِ أي لا يقف على سرائرهم المركوزةِ في ضمائرهم إلا مَنْ لا تَخفى عليهِ خافيةٌ لِما هم عليه من شدة الاهتمامِ بإبطان الكفرِ وإظهارِ الإخلاصِ وفي تعليق العلمِ بهم مع أن المقصودَ بيانُ تعلقِه بحالهم ما مر في تعليق نفيِه بهم وقولُه عز شأنُه
﴿سَنُعَذّبُهُم﴾ وعيدٌ لهم وتحقيقٌ لعذابهم حسبما علم الله فيهم من موجباته والسين للتأكيد
﴿مَّرَّتَيْنِ﴾ عن ابن عباس ﵄ أن النبيِّ ﷺ قام خطيباً يوم الجمعة فقال اخرُجْ يا فلانُ فإنك منافقٌ اخرجْ يا فلان فإنك منافقٌ فأخرج ناسا وفضحهم فهذا هو العذابُ الأولُ والثاني إما القتلُ وإما عذابُ القبرِ أو الأولُ هو القتلُ والثاني عذابُ القبرِ أو الأولُ أخذُ الزكاةِ لما أنهم يعُدّونها مغرماً بحتاً والثاني نهكُ الأبدان وإتعابُها بالطاعات الفارغةِ عن الثواب ولعل تكريرَ عذابِهم لما فيهم من الكفر المشفوعِ بالنفاق أو النفاقِ المؤكدِ بالتمرد فيه ويجوز أن يكون المرادُ بالمرتين مجردَ التكثيرُ كما في قوله تعالى فارجع البَصَرَ كَرَّتَيْنِ أي كرةً بعد أخرى
﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ﴾ يوم القيامة
﴿إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ هو عذابُ النارِ وفي تغيير السبكِ بإسناد عذابِهم السابقِ إلى نونِ العظمةِ حسب إسنادِ ما قبله من العلم وإسناد ردهم إلى العذاب اللاحق إلى أنفسهم إيذان باختلافهما حالاً وأن الأولَ خاصٌّ بهم وقوعاً وزماناً يتولاه والثاني شاملٌ لعامة الكفرةِ وقوعاً وزماناً وإن اختلفت طبقاتُ عذابِهم
سورة براءة آية (١٠٢)
стр. 2280
﴿وآخرون﴾ بيانٌ لحال طائفةٍ من المسلمين ضعيفةِ الهِمَمِ في أمور الدينِ وهو عطفٌ على منافقون أي ومنهم يعني وممن حولَكم ومن أهل المدينة قومٌ آخرون
﴿اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ التي هي تخلُّفهم عن الغزو وأيثارُ الدعةِ عليه والرضا بسوء جِوارِ المنافقين وندموا على ذلك ولم يعتذروا بالمعاذير الكاذبةِ ولم يُخفوا ما صدرَ عنهُم من الأعمال السيئةِ كما فعله من اعتاد إخفاءَ ما فيه وإبرازَ ما ينافيه من المنافقين الذين اعتذروا بما لَا خيرَ فيهِ من المعاذير المؤكدةِ بالأيمان الفاجرةِ حسب ديدنِهم المألوفِ وهم رهطٌ من المتخلفين أوثقوا أنفسَهم على سواري المسجدِ عند ما بلغهم ما نزل في المتخلّفين فقدم رسولُ الله ﷺ فدخل المسجد فصلى ركعتين حسب عادتِه الكريمةِ ورآهم كذلك فسأل عن شأنهم فقيل أنهم أقسموا أن لا يَحُلوا أنفسَهم حتى تحلهم فقال ﷺ وأنا أقسم أن لا أحُلَّهم حتى أُومرَ فيهم فنزلت
﴿خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا﴾ هو ما سبق منهم من الأعمال الصالحةِ والخروجِ إلى المغازي السابقةِ وغيرِها وما لحِق من
следующие страницы →