Полный текст (8 642 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
رضيَ الله عنه أنَّه قال رسولُ الله ﷺ أسلمُ وغفارٌ وشيءٌ من جُهينةَ ومُزينةَ خيرٌ عند الله يومَ القيامة من تميمٍ وأسدِ بنِ خزيمةَ وهوازن وغطفان
سورة براءة آية (١٠٠ ١٠١)
стр. 2277
﴿والسابقون الاولون مِنَ المهاجرين﴾ بيانٌ لفضائل أشرافِ المسلمين إثرَ بيانِ فضيلةِ طائفةٍ منهم والمرادُ بهم الذينَ صلَّوا إلى القبلتينِ أو الذين شهِدوا بدْراً أو الذين أسلموا قبل الهجرة
﴿والانصار﴾ أهلُ بَيْعةِ العقبةِ الأولى وكانوا سبعة نفر وأهل بيعة العقبة الثانية وكانوا سبعين رجلا والذي آمنوا حين قدم عليهم أبو زُرارةَ مصعبُ بنُ عمير وقرىء بالرفع عطفا على والسابقون
﴿والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ﴾ أي ملتبسين به والمرادُ به كلُّ خَصلةٍ حسنة وهم اللاحقون بالسابقين من الفريقين على أن مَنْ تبعيضيةٌ أو الذين اتبعوهم بالإيمان والطاعةِ إلى يوم القيامة فالمرادُ بالسابقين جميعُ المهاجرين والأنصارِ ومن بيانية
﴿رَّضِىَ الله عَنْهُمْ﴾ خبر للمبتدأ أي ﵃ بقَبول طاعتِهم وارتضاءِ أعمالِهم
﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ بما نالوه من رضاه المستتبِعِ لجميع المطالبِ طراً
﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ﴾ في الآخرةِ
﴿جنات تَجْرِى تحتها الأنهار﴾ وقرئ من تحتها كما في سائر المواقع
﴿خالدين فِيهَا أبدا﴾ من غير انتهاء
﴿ذلك الفوز العظيم﴾ الذِي لَا فوزَ وراءه وما في إسمِ الإشارةِ من معنى البُعد لبيان بُعدِ منزلتِهم في مراتب الفضلِ وعظمِ الدرجةِ من مؤمني الأعراب
стр. 2278
﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مّنَ الاعراب﴾ شروعٌ في بيان أحوالِ منافقي أهلِ المدينة ومن حولها من الأعراب بعد بيانِ حالِ أهلِ الباديةِ منهم أي ممن حول بلدتِكم
﴿منافقون﴾ وهم جهينةُ ومزينةُ وأسلمُ وأشجَعُ وغفارٌ كانوا نازلين حولها
﴿وَمِنْ أَهْلِ المدينة﴾ عطفٌ على ممن حولكم عطفَ مفردٍ على مفرد وقوله تعالى
﴿مَرَدُواْ عَلَى النفاق﴾ إما جملةٌ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب مَسوقةٌ لبيان غلوِّهم في النفاق إثرَ بيانِ اتصافِهم به وإما صفةٌ للمبتدأ المذكورِ فُصل بينها وبينه بما عُطفَ على خبره وإن صفةٌ لمحذوف أقيمت هي مُقامه وهو مبتدأ خبرُه من أهل المدينة كما في قوله ... إِنَّا ابن جلا وطلاع الثنايا ...
والجملةُ عطف على الجملة السابقة أي ومن أهل المدينةِ قومٌ مردوا على النفاق أي تمهّروا فيه من مرَن فلانٌ على عمله ومرَد عليه إذا درب به وضرِي حتى لانَ عليه ومهَر فيه غير أن مرَدَ لا يكادُ يُستعمل إلا في الشر فالتمرّدُ على الوجهين الأولين شاملٌ للفريقين حسب شمولِ النفاقِ وعلى الوجه الأخير خاصٌّ بمنافقي أهلِ المدينةِ وهو الأظهر والأنسبُ بذكر منافقي أهلِ البادية أولاً ثم ذكرِ منافقي الأعرابِ المجاورين للمدينة ثم ذكرِ منافقي أهلِها والله تعالى أعلم وقوله عز شأنه
﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾ بيانٌ لتمرّدهم أي لا تعرفِهم أنت لكن لا بأعيانهم وأسمائِهم وأنسابِهم بل بعنوان نفاقِهم يعني أنهم بلغوا من المهارة في النفاق والتنوُّق في مراعاة التقيةِ
стр. 2279
والتحامي عن مواقع التهم إلى مبلغ يخفى عليك حالُهم مع ما أنت عليه من علو الكعبِ وسموِّ الطبقة في كمال الفِطنةِ وصِدقِ الفِراسةِ وفي تعليق نفي العلمِ بهم مع أنه متعلقٌ بحالهم مبالغةٌ في ذلك وإيماءٌ إلى أنَّ ما هُم فيهِ من صفة النفاقِ لعَراقتهم ورسوخِهم فيها صارت بمنزلة ذاتياتِهم أو مشخَّصاتِهم بحيث لا يُعَدّ من لا يعرِفهم بتلك الصفة عالماً بهم وحُمل عدم علمه ﷺ بأعيانهم على عدم علمِه ﷺ بعد مجيء هذا البيانِ على أنه ﷺ يعلم أن فيهم منافقين لكن لا يعلمهم بأعيانهم مع كونِه خلافَ الظاهرِ عارٍ عما ذكر من المبالغة وقوله
﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ تقريرٌ لما سبقَ من مهارتهم في فن النفاقِ أي لا يقف على سرائرهم المركوزةِ في ضمائرهم إلا مَنْ لا تَخفى عليهِ خافيةٌ لِما هم عليه من شدة الاهتمامِ بإبطان الكفرِ وإظهارِ الإخلاصِ وفي تعليق العلمِ بهم مع أن المقصودَ بيانُ تعلقِه بحالهم ما مر في تعليق نفيِه بهم وقولُه عز شأنُه
﴿سَنُعَذّبُهُم﴾ وعيدٌ لهم وتحقيقٌ لعذابهم حسبما علم الله فيهم من موجباته والسين للتأكيد
﴿مَّرَّتَيْنِ﴾ عن ابن عباس ﵄ أن النبيِّ ﷺ قام خطيباً يوم الجمعة فقال اخرُجْ يا فلانُ فإنك منافقٌ اخرجْ يا فلان فإنك منافقٌ فأخرج ناسا وفضحهم فهذا هو العذابُ الأولُ والثاني إما القتلُ وإما عذابُ القبرِ أو الأولُ هو القتلُ والثاني عذابُ القبرِ أو الأولُ أخذُ الزكاةِ لما أنهم يعُدّونها مغرماً بحتاً والثاني نهكُ الأبدان وإتعابُها بالطاعات الفارغةِ عن الثواب ولعل تكريرَ عذابِهم لما فيهم من الكفر المشفوعِ بالنفاق أو النفاقِ المؤكدِ بالتمرد فيه ويجوز أن يكون المرادُ بالمرتين مجردَ التكثيرُ كما في قوله تعالى فارجع البَصَرَ كَرَّتَيْنِ أي كرةً بعد أخرى
﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ﴾ يوم القيامة
﴿إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ هو عذابُ النارِ وفي تغيير السبكِ بإسناد عذابِهم السابقِ إلى نونِ العظمةِ حسب إسنادِ ما قبله من العلم وإسناد ردهم إلى العذاب اللاحق إلى أنفسهم إيذان باختلافهما حالاً وأن الأولَ خاصٌّ بهم وقوعاً وزماناً يتولاه والثاني شاملٌ لعامة الكفرةِ وقوعاً وزماناً وإن اختلفت طبقاتُ عذابِهم
سورة براءة آية (١٠٢)
стр. 2280
﴿وآخرون﴾ بيانٌ لحال طائفةٍ من المسلمين ضعيفةِ الهِمَمِ في أمور الدينِ وهو عطفٌ على منافقون أي ومنهم يعني وممن حولَكم ومن أهل المدينة قومٌ آخرون
﴿اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ التي هي تخلُّفهم عن الغزو وأيثارُ الدعةِ عليه والرضا بسوء جِوارِ المنافقين وندموا على ذلك ولم يعتذروا بالمعاذير الكاذبةِ ولم يُخفوا ما صدرَ عنهُم من الأعمال السيئةِ كما فعله من اعتاد إخفاءَ ما فيه وإبرازَ ما ينافيه من المنافقين الذين اعتذروا بما لَا خيرَ فيهِ من المعاذير المؤكدةِ بالأيمان الفاجرةِ حسب ديدنِهم المألوفِ وهم رهطٌ من المتخلفين أوثقوا أنفسَهم على سواري المسجدِ عند ما بلغهم ما نزل في المتخلّفين فقدم رسولُ الله ﷺ فدخل المسجد فصلى ركعتين حسب عادتِه الكريمةِ ورآهم كذلك فسأل عن شأنهم فقيل أنهم أقسموا أن لا يَحُلوا أنفسَهم حتى تحلهم فقال ﷺ وأنا أقسم أن لا أحُلَّهم حتى أُومرَ فيهم فنزلت
﴿خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا﴾ هو ما سبق منهم من الأعمال الصالحةِ والخروجِ إلى المغازي السابقةِ وغيرِها وما لحِق من
стр. 2281
الاعتراف بذنوبهم في التخلف عن هذه المرة وتذمُّمِهم وندامتِهم على ذلك وتخصيصُه بالاعتراف لا يناسب الخلْطَ لا سيما على وجه يُؤذِن بتوارد المختلطَيْن وكونِ كلَ منهما مخلوطاً ومخلوطاً به كما يؤذن به تبديلُ الواوِ بالباء في قوله تعالى
﴿وَآخَرَ سَيِّئاً﴾ فإن قولك خلطتُ الماءَ باللبن يقتضي إيرادَ الماءِ على اللبن دون العكس وقولك خلطتُ الماءَ واللبنَ معناه إيقاعُ الخلطِ بينهما من غير دلالة على اختصاص أحدِهما بكونه مخلوطاً به وتركُ تلك الدلالةِ للدلالةِ على جعل كلَ منهما متصفاً بالوصفين جميعاً وذلك فيما نحن فيه بورود كلَ من العملين على الآخر مرةً بعد أخرى والمرادُ بالعمل السيء ما صدرَ عنهُم من الأعمال السيئة أولاً وآخراً وعن الكلبي التوبةُ والإثمُ وقيل الواوُ بمعنى الباء كما في قولهم بعتُ الشاء شاة ودهما بمعنى شاةً بدرهم
﴿عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي يقبل توبتَهم المفهومةَ من اعترافِهم بذنوبهم
﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ يتجاوز عن سيئات التائبِ ويتفضل عليه وهو تعليلٌ لما تفيده كلمةُ عسى من وجوب القَبولِ فإنها للإطماع الذي هو من أكرم الأكرمين إيجابٌ وأيُّ إيجاب
سورة براءة آية (١٠٣)
стр. 2282
﴿خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً﴾ روي أنهم لما أُطلقوا قالوا يا رسولَ الله هذه أموالُنا التي خلَّفتْنا عنك فتصدقْ بها وطهِّرْنا فقال ﷺ ما أُمرتُ أن آخذَ من أموالكم شيئا فنزلت فليست هي الصدقةُ المفروضةُ لكونها مأموراً بها ولِما روى أنه ﷺ أخذ منهم الثلثَ وتركَ لهم الثلثين فوقع ذلك بياناً لِما في صدقةً من الإجمال وإنما هي كفارةٌ لذنوبهم حسبما ينبيء عنه قوله
﴿تُطَهّرُهُمْ﴾ أي عما تلطخوا به من أوضار التخلفِ والتاءُ للخطاب والفعل مجزومٌ على أنه جوابٌ للأمر وقرىء بالرفع على أنه حالٌ من ضمير المخاطب في خذ أو صفةٌ لصدقةً والتاء للخطاب أو للصدقة والعائدُ على الأول محذوفٌ ثقةً بما بعده وقرىء تُطْهِرهم من أطْهره بمعنى طَهّره
﴿وَتُزَكّيهِمْ بِهَا﴾ بإثبات الياءِ وهو خبرٌ لمبتدإٍ محذوفٍ والجملةُ حالٌ منَ الضميرِ في الأمر أو في جوابه أي وأنت تزكيهم بها أي تُنْمي بتلك الصدقةِ حسناتِهم إلى مراتب المخلِصين أو أموالَهم أو تبالغ في تطهيرهم هذا على قراءة الجزم في تطهرْهم وأما على قراءة الرفع فسواءٌ جُعلت التاءُ للخطاب أو للصدقة وكذا إذا جعلت الجملةُ الأولى حالاً من ضمير المخاطَب أو صفةً للصدقة على الوجهين فالثانيةُ عطفٌ على الأولى حالاً وصفةً منْ غيرِ حاجةٍ إلى تقدير المبتدأ لتوجيه دخول الواو في الجملة الحالية
﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾ أي واعطِف عليهم بالدعاء والاستغفار لهم
﴿إن صلاتك﴾ وقرىء صلواتِك مراعاةً لتعدد المدعو لهم
﴿سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ تسكُن نفوسُهم إليها وتطمئن قلوبُهم بها ويثقون بأنه سبحانه قبل توبتَهم والجملةُ تعليلٌ للأمر بالصلاة عليهم
﴿والله سَمِيعٌ﴾ يسمع ما صدرَ عنهُم من الاعتراف بالذنب والتوبةِ والدعاء
﴿عَلِيمٌ﴾ بما في ضمائرهم من الندم والغمّ لما فرَط منهم ومن الإخلاص في التوبة والدعاء أو سميع يجيب دعاءَك لهم عليم بما تقتضيه الحكمةُ والجملةُ حينئذ تذييلٌ للتعليل مقررٌ لمضمونه وعلى الأول تذييلٌ لما سبق من الآيتين محقِّقٌ لما فيهما
стр. 2283
سورة براءة آية (١٠٤ ١٠٥)
стр. 2284
﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ﴾ وقرىء بالتاء والضمير إما للتائبين فهو تحقيقٌ لما سبق من قبول توبتِهم وتطهيرِ الصدقة وتزكيتِها لهم وتقريرٌ لذلك وتوطينٌ لقلوبهم ببيان أن المتوليَ لقبول توبتِهم وأخذِ صدقاتِهم هو الله سبحانه وإن أُسند الأخذُ والتطهيرُ والتزكية إليه ﷺ أي ألم يعلمْ أولئك التائبون
﴿أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة﴾ الصحيحةَ الخالصةَ
﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾ المخلِصين فيها ويتجاوز عن سيئاتهم كما يُفصح عنه كلمةُ عن والمرادُ بهم إما أولئك التائبون ووضعُ المظهرِ في موضع المضمرِ للإشعار بعلّية العبادةِ لقبولها وإما كافةُ العباد وهم داخلون في ذلك دخولاً أولياً
﴿وَيَأْخُذُ الصدقات﴾ أي يقبل صدقاتِهم على أنَّ اللامَ عوضٌ عن المُضافِ إليهِ أو جنسُ الصدقاتِ المندرجُ تحته صدقاتهم ادراجا أولياً أي هو الذي يتولى قَبولَ التوبةِ وأخذَ الصدقاتِ وما يتعلق بها من التطهير والتزكية وإن كنتَ أنتَ المباشرَ لها ظاهراً وفيه من تقرير ما ذكر ورفعِ شأنِ النبيِّ ﷺ على نهج قولِه تعالى إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله ما لا يخفِى
﴿وَأَنَّ الله هُوَ التواب الرحيم﴾ تأكيدٌ لما عُطف عليه وزيادةُ تقريرٍ لما يقرره مع زيادةِ معنى ليس فيه أي ألم يعلموا أنه المختصُّ المستأثرُ ببلوغ الغايةِ القصوى من قبول التوبةِ والرحمةِ وأن ذلك سُنةٌ مستمرةٌ له وشأنٌ دائم والجملتان في حيز النصبِ بيعلموا بسدّ كلِّ واحدةٍ منهما مسدّ مفعوليه وإما لغير التائبين من المؤمنين فقد روي أنهم قالوا لما تِيب على الأولين هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلَّمون ولا يجالَسون فما لهم فنزلت أي ألم يعلموا ما للتائبين من الخصال الداعيةِ إلى التكرِمة والتقريبِ والانتظامِ في سلك المؤمنين والتلقّي بحسن القَبولِ والمجالسة فهو ترغيبٌ لهم في التوبة والصدقة وقوله تعالى
стр. 2285
﴿وَقُلِ اعملوا﴾ زيادةُ ترغيبٍ لهم في العمل الصالحِ الذي من جُملتِه التوبةُ وللأولين في الثبات على ما هم عليه أي قُلْ لهم بعد ما بان لهم شأنُ التوبةِ اعملوا ما تشاءون من الأعمال فظاهرُه ترخيصٌ وتخييرٌ وباطنُه ترغيبٌ وترهيبٌ وقوله
﴿فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ﴾ أي خيرا كان أو شرا تعليل لما قبله وتأكيدٌ للترغيب والترهيب والسينُ للتأكيد
﴿وَرَسُولُهُ﴾ عطف على الاسم الجليل وتأخيرُه عن المفعول للإشعار بما بين الرؤيتين من التفاوت
﴿والمؤمنون﴾ في الخبر لو أن رجلاً عمل في صخرة لا باب لها ولا كوة لخرج عمله إلى الناس كائناً ما كان والمعنى أن أعمالَكم غيرُ خافيةٍ عليهم كما رأيتم وتبين لكم ثمَّ إنْ كان المرادُ بالرؤية معناها الحقيقيَّ فالأمرُ ظاهرٌ وإنْ أُريد بها مآلُها من الجزاء خيراً أو شراً فهو خاصٌّ بالدنيوي من إظهار المدحِ والثناءِ والذكرِ الجميلِ والإعزازِ ونحو ذلك من الأجزية وأضدادها
﴿وَسَتُرَدُّونَ﴾ أي بعد الموتِ
﴿إلى عالم الغيب والشهادة﴾ في وُضع الظاهرُ موضعَ المُضمرِ من تهويل
стр. 2286
الأمرِ وتربية المهابةِ ما لا يخفى ووجهُ تقديمِ الغيبِ في الذكر لسعة عالَمِه وزيادةِ خطرِه على الشهادة غنيٌّ عن البيان وقيل إن الموجوداتِ الغائبةَ عن الحواس عللٌ أو كالعلل للموجودات المحسوسةِ والعلمُ بالعلل علة للعلم بالمعلولات فوجب سبقُ العلمِ بالغيب على العلم بالشهادة وعن ابن عباس ﵄ الغيبُ ما يُسِرّونه من الأعمال والشهادةُ ما يظهرونه كقوله تعالى يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ فالتقديمُ حينئذ لتحقيق أن نسبةَ علمِه المحيطِ بالسر والعلنِ واحدةٌ على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه لا لإيهام أن علمَه سبحانه بما يُسرونه أقدمُ منه بما يعلنونه كيف لا وعلمُه سبحانه بمعلوماته منزهٌ عن أن يكون بطريق حصولِ الصورة بل وجودُ كلِّ شيءٍ وتحققُه في نفسِه عِلْمٌ بالنِّسبةِ إليه تعالى وفي هذا المعنى لا يختلفُ الحالُ بين الأمور البارزةِ والكامنةِ وإما للإيذان بأن رتبةَ السرِّ متقدمةٌ على رتبة العلنِ إذْ مَا من شيءٍ يُعلَنُ إلا وهُو أو مباديهِ القريبةُ أو البعيدةُ مضمرٌ قبل ذلك في القلب فتعلقُ علْمِه تعالى به في حالته الأُولى متقدمٌ على تعلقهِ به في حالته الثانية
﴿فينبئكم﴾ عقيب الردّ الذي هو عبارةٌ عن الأمر الممتد إلى يوم القيامة
﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قَبْلَ ذَلِكَ في الدُّنيا والمرادُ بالتنبئة بذلك الجزاءُ بحسَبه إنْ خيراً فخيرٌ وإنْ شراً فشر فهو وعد ووعيد
سورة براءة آية (١٠٦ ١٠٧)
стр. 2287
﴿وآخرون﴾ عطفٌ على آخرون قبله أي ومن المتخلفين من أهل المدينة ومن حولها من الأعراب قومٌ آخرون غيرُ المعترفين المذكورين
﴿مُرْجَوْنَ﴾ وقرئ مُرْجَئون من أرجيتُه وأرجأتُه أي أخرتُه ومنه المُرْجِئة الذين لا يقطعون بقبول التوبة
﴿لاْمْرِ الله﴾ في شأنهم قال ابن عباس ﵄ هم كعبُ بنُ مالك ومرارة ابن الربيع وهلالُ بنُ أميةَ لم يسارعوا إلى التوبة والاعتذار كما فعل أبو لُبابةَ وأصحابُه من شد أنفسِهم على السواري وإظهارِ الغمّ والجزَعِ والندمِ على ما فعلوا فوقَفهم رسولُ الله ﷺ ونهى أصحابَه عن أن يسلّموا عليهم ويكلموهم وكانوا من أصحاب بدر فهجروهم والناسُ في شأنهم على اختلاف فمن قائلٍ هلكوا وقائل عسى الله أن يغفرَ لهم فصاروا عندهم مُرجَئين لأمره تعالى
﴿إِمَّا يُعَذّبُهُمْ﴾ إن بقوُا على ما هم عليه من الحال وقيل إن أصروا على النفاق وليس بذاك فإن المذكورين ليسوا من المنافقين
﴿وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ إن خلَصت نيتُهم وصحت توبتُهم والجملةُ في محل النصب على الحالية أي منهم هؤلاء إما معذَّبين وإما مَتوباً عليهم وقيل آخرون مبتدأٌ ومرجون صفتُه وهذه الجملةُ خبره
﴿والله عَلِيمٌ﴾ بأحوالهم
﴿حَكِيمٌ﴾ فيما فعل بهم من الإرجاء وما بعده وقرىء والله غفور رحيم
стр. 2288
﴿والذين اتخذوا مَسْجِدًا﴾ عطفٌ على ما سبق أي ومنهم الذين أو نصبٌ على الذم وقرئ بغير واو لأنها قصة على حيالها
﴿ضِرَارًا﴾ أي مضارّةً للمؤمنين وانتصابُه على أنَّه مفعولٌ له أو مفعولٌ ثانٍ لاتخذوا أو على أنَّه مصدرٌ مؤكد لفعل مقدر منصوبٍ على الحالية أي يضارّون بذلك ضراراً أو على أنَّه مصدرٌ بمعنى الفاعلِ وقع حالاً من ضمير اتخذوا أي مضارِّين
стр. 2289
للمؤمنين روي أن بني عمرو بنِ عَوْف لما بنَوا مسجدَ قُباءَ بعثوا إلى رسول الله ﷺ أن يأتيهَم فيصليَ بهم في مسجدهم فلما فعله ﷺ حسدتهم إخواتهم بنو اغنم بنِ عوف وقالوا نبني مسجداً ونرسل إلى رسول الله ﷺ يصلي فيه ويصلي فيه أبو عامرٍ الراهب أيضاً إذا قدم من الشام وهو الذي سماه رسولُ الله ﷺ الفاسقَ وقد كان قال لرسول الله ﷺ يوم أُحد لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتُك معهم فلم يزل يفعل ذلك إلى يوم حنين فلما انهزمت هوازنُ يومئذ ولّى هارباً إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهبٌ إلى قيصرَ وآتٍ بجنود ومخرجٌ محمداً وأصحابَه من المدينة فبنَوا مسجداً إلى جنب مسجد قباءَ وقالوا للنبي ﷺ بنينا مسجداً لذي العلّة والحاجةِ والليلةِ المطيرة والشاتية ونحن نحب أن تصليَ لنا فيه وتدعوَ لنا بالبركة فقال ﷺ إني على جناح سفر وحالِ شُغْلٍ وإذا قدِمنا إنْ شاءَ الله تعالى صلينا فيه فلما قفَل ﷺ من غزوة تبوكَ سألوه إتيانَ المسجد فنزلت عليه فدعا بمالك بنِ الدخشم ومعنِ بن عدي وعامر بنِ السكن ووحشي فقال لهم انطلقوا إلى هذا المسجد الظالمِ أهلُه فاهدِموه وأحرِقوه ففعلوا وأمر أن يتخذ مكانه كُناسةٌ تلقى فيها الجيفُ والقُمامة وهلك أبو عامر الفاسقُ بالشام بقِنَّسْرين
﴿وَكُفْراً﴾ تقوية للكفر الذي يُضمِرونه
﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المؤمنين﴾ الذين كانوا يصلون في مسجد قباءَ مجتمعين فيغص بهم فأرادوا أن يتفرقوا وتختلف كلمتُهم
﴿وَإِرْصَادًا﴾ إعداداً وانتظاراً وترقباً
﴿لّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ﴾ وهو الراهبُ الفاسقُ أي لأجله حتى يجيءَ فيصليَ فيه ويظهرَ على رسُولِ الله ﷺ
﴿مِن قَبْلُ﴾ متعلقٌ باتخذوا أي اتخذوه من قبل أن ينافقوا بالتخلف حيث كانوا بنوه قبل غزوة تبوك أو يحارب أي حاربهما قبل اتخاذِ هذا المسجد
﴿وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا﴾ أي ما أردنا ببناء هذا المسجد
﴿إِلَاّ الحسنى﴾ إلا الخَصلةَ الحسنى وهي الصلاةُ وذكرُ الله والتوسعةُ على المصلين أو إلا الإرادةَ الحسنى
﴿والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لكاذبون﴾ في حلِفهم ذلك
سورة براءة آية (١٠٨)
стр. 2290
﴿لَا تَقُمْ﴾ للصلاة
﴿فِيهِ﴾ في ذلك المسجدِ حسبما دعَوْك إليه
﴿أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسّسَ﴾ أي بُني أصلُه
﴿عَلَى التقوى﴾ يعني مسجدَ قباءَ أسسه رسولُ الله ﷺ وصلى فيه أيامَ مقامِه بقباء وهي يومُ الإثنينِ والثلاثاءِ والأربعاءِ والخميسِ وخرج يومَ الجمعة وقيل هو مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة وعن أبي سعيد ﵁ سألت النبيِّ ﷺ عن المسجد الذي أسسه على التقوى فأخذ حصباءَ فضرب بها الأرضَ وقال مسجدُكم هذا مسجدُ المدينة واللامُ إما للابتداء أو للقسم المحذوفِ أي والله لَمسجدٌ وعلى التقديرين فمسجدٌ مبتدأٌ وما بعده صفتُه وقوله تعالى
﴿مِنَ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ أي من أيام تأسيسِه متعلقٌ بأسس وقوله تعالى
﴿أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ أي للصلاة وذكرِ الله تعالى خبرُه وقوله تعالى
﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ مبينةٌ لأحقّيته لقيامه ﷺ فيه من جهة الحال بعد بيانِ أحقيتِه له من حيث المحلُّ أو صفةٌ أخرى للمبتدأ أو حال من الضمير في فيه وعلى كل حالٍ ففيه تحقيقٌ وتقريرٌ لاستحقاقه القيامَ فيه والمرادُ بكونه أحق نفس
стр. 2291
كونه حقيقاً به إذ لا استحقاقَ في مسجد الضرارِ رأساً وإنما عبر عنه بصيغة التفضيلِ لفضله وكماله في نفسه أو الأفضلية في الاستحقاق المتناولِ لما يكون باعتبار زعمِ الباني ومن يشايعُه في الاعتقاد وهو الأنسبُ بما سيأتي
﴿يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ﴾ من المعاصي والخصالِ الذميمةِ لمرضاة الله سبحانه وقيل من الجنابة فلا ينامون عليها
﴿والله يُحِبُّ المطهرين﴾ أي يرضى عنهم ويُدْنيهم من جنابه إدناءَ المحبِّ حبيبَه قيل لما نزلت مشى رسول الله ﷺ ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباءَ فإذا الأنصارُ جلوسٌ فقال أمؤمنون أنتم فسكت القومُ ثم أعادها فقال عمرُ رضي الله تعالى عنه يا رسولَ الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم فقال ﷺ أترضَوْن بالقضاء قالوا نعم قال ﷺ أتصبِرون على البلاء قالوا نعم قال أتشكرون في الرخاء قالوا نعم قال ﷺ مؤمنون وربِّ الكعبة فجلس ثم قال يا معشرَ الأنصار إن الله قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط فقالوا نُتبعُ الغائطَ الأحجارَ الثلاثة ثم نتبع الأحجارَ الماءَ فتلا النبيِّ ﷺ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وقرىء أن يطّهروا بالإدغام وقيلَ هو عامٌّ في التطهر عن النجاسات كلِّها وكانوا يُتبعون الماءَ إثرَ البول وعن الحسنِ ﵁ هو التطهرُ عن الذنوب بالتوبة وقيل يحبّون أن يتطهروا بالحُمّى المكفرةِ لذنوبهم فحموا عن أخرهم
سورة براءة آية (١٠٩)
стр. 2292
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ على بناء الفعلِ للفاعل والنصبِ وقُرِىءَ على البناءِ للمفعولِ والرفع وقرئ أُسسُ بنيانِه على الإضافة جمع أساس وأساس بالفتح والكسر جمع أُسّ وقرئ أَساسُ بنيانِه جمع أُس أيضاً وأُسُّ بنيانِه وهي جملةٌ مستأنَفةٌ مبينةٌ لخيرية الرجالِ المذكورين من أهل مسجد الضرار والهمزةُ للإنكار والفاء للعطف على مقدر أي أبعدَ ما عَلِمَ حالَهم مَنْ أسّس بنيانَ دينِه
﴿على تقوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ﴾ أي على قاعدةٍ محكمة هي التقوى من الله وابتغاءُ مرضاتِه بالطاعة والمرادُ بالتقوى درجتُها الثانية التي هي التوقّي عن كلِّ ما يُؤثِّمُ من فعل أو ترك وقرئ تقوىً بالتنوين على أن الألف للإلحاق دون التأنيث
﴿خير أم من أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ تركُ الإضمار للإيذان باختلاف البُنيانين ذاتاً مع اختلافهما وصفاً وإضافةً
﴿على شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ الشفا الحَرْف والشفير والجُرُف ما جرفه السيلُ أي استأصله واحتفَر ما تحته فبقىَ واهياً يريد الانهدام والهارُ الهائرُ المتصدِّعُ المشرِفُ إلى السقوط من هار يهورُ ويهار أو هار يهير قُدّمت لامُه على عينه فصار كغازٍ ورامٍ وقيل حذفت عينه اعتباطاً أي بغير موجب فجرى وجوهُ الإعرابِ على لامه
﴿فانهار بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ﴾ مثّل ما بنَوا عليه أمرَ دينِهم في البُطلان وسرعةِ الانطماسِ بما ذُكر ثم رشّح بانهياره في النار ووُضع بمقابلة الرضوانِ تنبيهاً على أن تأسيسَ ذلك على أمر يحفظه من النار ويوصله إلى الرضوان ومقتضياتِه التي أدناها الجنةُ وتأسيسَ هذا على ما هو بصدد الوقوعِ في النار ساعةً فساعة ثم مصيرُهم إليها لا محالة وقرئ جُرْف بسكون الراء
﴿والله لَا يَهْدِى القوم الظالمين﴾ أي لأنفسهم أو الواضعين للأشياء في غير مواضعها
стр. 2293
أي لا يرشدهُم إلى ما فيه نجاتُهم وصلاحُهم إرشاداً موجباً له لا محالة وأما الدلالةُ على ما يرشدهم إليه إن استرشدوا به فهو متحققٌ بلا اشتباه
سورة براءة آية (١١٠ ١١١)
стр. 2294
﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الذى بَنَوْاْ﴾ البنيانُ مصدرٌ أُريد به المفعولُ ووصفُه بالموصول الذي صلتُه فعله للإيذان بكيفية بنائِهم له وتأسيسِه على أوهن قاعدةٍ وأوهى أساسٍ وللإشعار بعلة الحُكم أي لا يزال مسجدُهم ذلك مبنياً ومهدوماً
﴿رِيبَةً فِى قُلُوبِهِمْ﴾ أي سببَ ريبةٍ وشكَ في الدين كأنه نفس الريبة أما حالَ بنيانه فظاهرٌ لِما أن اعتزالَهم من المؤمنين واجتماعَهم في مجمع على حياله يُظهرون فيه ما في قلوبِهِم منَ آثار الكفرِ والنفاقِ ويدبِّرون فيه أمورَهم ويتشاورون في ذلك ويُلقي بعضُهم إلى بعض ما سمعوا من أسرار المؤمنين مما يزيدهم ريبة وشكاً في الدين وأما حالَ هدمِه فلما أنه رسَخ به ما كان في قلوبهم من الشر وتضاعفت آثارُه وأحكامُه أو سبّب ريبةً في أمرهم حيث ضعُفت قلوبُهم وهى اعتقادُهم بخفاء أمرِهم على المؤمنين لأنهم أظهروا من أمرهم بعد البناءِ أكثرَ مما كانوا يُظهرونه قبل ذلك وقت اختلاطِهم بالمؤمنين وساءت ظنونُهم بأنفسهم فلما هُدم بنيانُهم تضاعف ذلك الضَّعفُ وتقوّى وصاروا مُرتابين في أن رسول الله ﷺ هل يتركهم على ما كانُوا عليهِ من قبل أو يأمرُ بقتلهم ونهبِ أموالِهم وقال الكلبي معنى ريبةً حسرةً وندامة وقال السدي وحبيب والمبرد لا يزال هدمُ بنيانِهم حزازةً وغيظاً في قلوبهم
﴿إِلَاّ أَن تَقَطَّعَ﴾ من التفعل بحذف إحدى التاءين أي إلا أن تتقطع
﴿قُلُوبِهِمْ﴾ قِطعاً وتتفرّقَ أجزاءً بحيث لا يبقى لها قابليةُ إدراكٍ وإضمار قطعاً وهو استثناءٌ من أعم الأوقاتِ أو أعم الأحوال ومحلُّه النصبُ على الظرفية أي لا يزال بنيانُهم ريبةً في كل الأوقات أو كلِّ الأحوال إلا وقتَ تقطُّع قلوبهم أو حالَ تقطعِ قلوبِهم فحينئذ يسْلُون عنها وأما ما دامت سالمةً فالريبةُ باقيةٌ فيها فهو تصويرٌ لامتناع زوالِ الريبةِ عن قلوبهم ويجوزُ أن يكون المرادُ حقيقةً تقطُّعُها عند قتلِهم أو في القبُورِ أو في النار وقرئ تُقَطّع على بناء المجهول من التفعيل وعلى البناء للفاعل منه على خطاب النبيِّ ﷺ أي إلا أن تُقطِّع أنت قلوبهم بالقتل وقرئ على البناء للمجهول من الثلاثي مذكرا ومؤنثا وقرئ إلى أن تقطُّعِ قلوبهم وإلى أن تُقطِّع قلوبَهم على الخطاب وقرئ ولو قطعت قلوبهم على إسناد الفعل مجهولاً إلى قلوبهم ولو قَطَّعتَ قلوبَهم على الخطاب للرسول ﷺ أو لكل أحد ممن يصلُح للخطاب وقيل إلا أن يتوبوا توبةً تتقطّع بها قلوبُهم ندماً وأسفاً على تفريطهم
﴿والله عَلِيمٌ﴾ بجميعِ الأشياءِ التي مِنْ جُمْلتها ما ذكِرَ منَ أحوالهم
﴿حَكِيمٌ﴾ في جميعِ أفعالِه التي من زمرتها أمرُه الواردُ في حقهم
стр. 2295
﴿إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم﴾ ترغيبٌ المؤمنين في الجهاد ببيان
стр. 2296
فضيلتِه إثرَ بيانِ حالِ المتخلفين عنه ولقد بولغ في ذلك على وجه لا مزيدَ عليهِ حيثُ عبّر عن قَبول الله تعالى مِنَ المؤمنين أنفسَهم وأموالَهم التي بذلوها في سبيله تعالى وإثابتِه إياهم بمقابلتها الجنةَ بالشراء على طريقة الاستعارةِ التبعية ثم جُعل المبيعُ الذي هو العُمدةُ والمقصِدُ في العقد أنفُسَ المؤمنين وأموالَهم والثمنُ الذي هو الوسيلةُ في الصفقة الجنةُ ولم يُجعل الأمرُ على العكس بأن يقال إن الله باع الجنةَ من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم ليدل على أن المقصِد في العقد هو الجنةُ وما بذله المؤمنون في مقابلتها من الأنفس والأموال وسيلةٌ إليها إيذاناً بتعلق كمالِ العنايةِ بهم وبأموالهم ثم إنه لم يقل بالجنة بل قيل
﴿بِأَنَّ لَهُمُ الجنة﴾ مبالغةً في تقرير وصولِ الثمنِ إليهم واختصاصِه بهم كأنه قيل بالجنة الثابتةِ لهم المختصةِ بهم وأما ما يقال من أن ذلك لمدح المؤمنين بأنهم وبذلوا أنفسَهم وأموالَهم بمجرد الوعدِ لكمال ثقتِهم بوعده تعالى وأن تمامَ الاستعارةِ موقوفٌ على ذلك إذ لو قيل بالجنة لاحتمل كونُ الشراء حقيقةً لأنها صالحةٌ للعوضية بخلاف الوعد بها فليس بشيء لأن مناطَ دِلالةِ مَا عليهِ النظمُ الكريمُ على الوعد ليس كونُه جملةً ظرفيةَ مصدّرةً بأن فإنَّ ذلكَ بمعزلٍ من الدلالة على الاستقبال بل هو الجنةُ التي يستحيل وجودُها في الدنيا ولو سلم ذلك يكون العوضُ الجنةَ الموعودَ بها لا الوعد بها
﴿يقاتلون فِى سَبِيلِ الله﴾ استئنافٌ لكن لا لبيان ما لأجله الشراءُ ولا لبيان نفسِ الاشتراء لأن قتالَهم في سبيلِ الله تعالى ليس باشتراء الله تعالى منهم أنفسَهم وأموالَهم بل هو بذلٌ لهما في ذلك بل لبيان البيعِ الذي يستدعيه الاشتراءُ المذكورُ كأنه قيل كيف يبيعون أنفسَهم وأموالَهم بالجنة فقيل يقاتلون فِى سَبِيلِ الله وهو بذل منهم لأنفسهم وأموالهم إلى جهة الله سبحانه وتعريضٌ لهما للهلاك وقوله تعالى
﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ بيانٌ لكون القتالِ في سبيل الله بذلاً للنفس وأن المقاتِلَ في سبيله باذلٌ لها وإن كانت سالمةً غانمة فإن الإسنادَ في الفعلين ليس بطريق اشتراطِ الجمعِ بينهما ولا اشتراطِ الاتصافِ بأحدهما البتةَ بل بطريق وصفِ الكلِّ بحال البعضِ فإنه يتحقق القتالُ من الكل سواءٌ وجد الفعلان أو أحدَهما منهم أو من بعضهم بل يتحقق ذلك وإن لم يصدُرْ منهم أحدُهما أيضاً كما إذا وُجدت المضاربةُ ولم يوجد القتلُ من أحد الجانيين أو لم توجد المضاربةُ أيضا فإنه يتحقق الجهاد بمجرد العزيمة والنفير وتكثيرِ السواد وتقديمُ حالةِ القاتلية على حالة المقتوليةِ للإيذان بعدم الفرقِ بينهما في كونهما مصداقاً لكون القتالِ بذلا للنفس وقرئ بتقديم المبنيِّ للمفعول رعايةً لكون الشهادة عريقةً في الباب وإيذاناً بعدم مبالاتِهم بالموت في سبيلِ الله تعالى بل بكونه أحبَّ إليهم من السلامة كما قيل في حقهم
لا يفرحون إذا نالت رماحهم
قوماً وليسوا مَجازيعاً إذا نيلوا ... لا يقطع الطعنُ إلا في نحورِهم
وما لهم عن حِياض الموتِ تهليلُ
وقيل في يقاتلون الخ معنى الأمر كما في قوله تعالى تجاهدون فِى سَبِيلِ الله بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ
﴿وَعْدًا عَلَيْهِ﴾ مصدرٌ مؤكدٌ لما يدل عليه كونُ الثمنِ مؤجلاً
﴿حَقّاً﴾ نعتٌ لوعداً والظرفُ حال منه لأنه لو تأخرَ لكانَ صفةً لهُ وقولُه تعالَى ﴿فِي التوراة والإنجيل والقرآن﴾ متعلق بمحذوف وقع كما هو مثبتٌ في القرآن
﴿وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله﴾ اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله من حقية الوعدِ على نهج المبالغةِ في كونه سبحانه أوفى بالعهد من كل واف
стр. 2297
فإن إخلاف الميعاد مِمَّا لا يكادُ يصدُرُ عن كرام الخلقِ مع إمكان صدورِه عنهم فكيف بجناب الخلاقِ الغنيِّ عن العالمين ﷻ وسبكُ التركيب وإن كان على إنكار أن يكون أحدٌ أوفى بالعهد منه تعالى من غيرِ تعرضٍ لإنكار المساواةِ ونفيها لكن المقصودَ به قصداً مطرداً إنكارُ المساواةِ ونفيُها قطعاً فإذا قيل مَنْ أكرمُ من فلان أو لا أفضل منه فالمرادُ به حتماً أنه أكرمُ من كل كريم وأفضل من كل فاضل
﴿فاستبشروا﴾ التفاتٌ إلى الخطاب تشريفاً لهم على تشريف وزيادةً لسرورهم على سرور والاستبشارُ إظهارُ السرور والسينُ فيه ليس للطلب كاستوقَدَ وأوقد والفاء لترتيب الاستبشارِ أو الأمرِ به على ما قبله أي فإذا كان كذلك فسُرّوا نهايةَ السرور وافَرحوا غايةَ الفرحِ بما فُزتم به من الجنة وإنما قيل
﴿بِبَيْعِكُمُ﴾ مع أن الابتهاجَ به باعتبار أدائِه إلى الجنةِ لأن المرادَ ترغيبُهم في الجهاد الذي عبّر عنه بالبيع وإنما لم يُذكر العقدُ بعنوان الشراءِ لأن ذلك من قبل الله سبحانه لا من قبلهم والترغيبُ إنما يكون فيما يتم من قبلهم وقوله تعالى
﴿الذى بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ لزيادة تقرير بيعِهم وللإشعار بكونه مغايراً لسائر البياعات فإنه بيعٌ للفاني بالباقي ولأن كِلا البدلين له عن الحسن ﵁ أنفُساً هو خلقها وأموالاً هو رزقها روي أن الأنصار لما بايعوه ﷺ على العقبة قال عبدُ اللَّه بنِ رَواحةَ رضي الله تعالى عنه اشترِطْ لربك ولنفسك ما شئت قال ﷺ أشترطُ لربي أن تعبُدوه وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسَكم قال فإذا فعلنا ذلك فما لنا قال لكم الجنة قالوا ربِحَ البيعُ لا نُقيل ولا نستقيله ومر برسولِ الله ﷺ أعرابي وهو يقرؤها قال كلامُ مَنْ قال كلام الله قالَ بيعٌ والله مُربحٌ لا نُقيله ولا نستقيله فخرج إلى الغزو واستُشهد
﴿وَذَلِكَ﴾ أي الجنةُ التي جعلت ثمناً بمقابلة ما بذلوا من أنفسهم وأموالِهم
﴿هُوَ الفوز العظيم﴾ الذِي لا فوزَ أعظمُ منه وما في ذلك من معنى البُعد إشارةٌ إلى بُعد منزلةِ المشارِ إليه وسموِّ رتبتِه في الكمال ويجوزُ أنْ يكونَ ذلكَ إشارةً إلى البيع الذي أُمروا بالاستبشار به ويجعل ذلك كأنه نفسُ الفوز العظيم أو يُجعل فوزاً في نفسه فالجملةُ على الأول تذييلٌ للآية الكريمة وعلى الثاني لقوله تعالى فاستبشروا مقرر لمضمونه
سورة براءة آية (١١٢)
стр. 2298
﴿التائبون﴾ رُفع على المدح أي هم التائبون يعني المؤمنين المذكورين كما يدل عليه القراءةُ بالياء نصباً على المدح ويجوز أن يكون مجروراً على أنه صفةٌ للمؤمنين وقد جوِّز الرفعُ على الابتداءِ والخبرُ محذوفٌ أي التائبون من أهل الجنةِ أيضاً وإن لم يجاهدوا كقوله تعالى وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى ويجوز أن يكون خبرُه قولَه تعالى
﴿العابدون﴾ وما بعده خبرٌ بعد خبرٍ أي التائبون من الكفر على الحقيقة هُمُ الجامعون لهذه النعوتِ الفاضلةِ أي المخلِصون في عبادة الله تعالى
﴿الحامدون﴾ لنَعمائه أو لما نابهم من السراء والضراء
﴿السائحون﴾ الصائمون لقوله ﷺ سياحةُ أمتي الصومُ شبّه بها لأنه عائقٌ عن الشهوات أو لأنه رياضةٌ نفسانيةٌ يُتوسّل بها إلى العثور على خفايا المُلك والملَكوتِ وقيل هم السائحون في الجهاد وطلبِ
стр. 2299
العلم
﴿الراكعون الساجدون﴾ في الصلاة
﴿الامرون بالمعروف﴾ بالطاعة والإيمان
﴿والناهون عَنِ المنكر﴾ عن الشرك والمعاصي والعطفُ فيه للِدلالة على أن المتعاطِفَيْن بمنزلة خَصلةٍ واحدة وأما قوله تعالى
﴿والحافظون لِحُدُودِ الله﴾ أي فيما بيّنه وعيّنه من الحقائق والشرائع عَملاً وحمْلاً للناس عليه فلئلاً يُتوهمَ اختصاصُه بأحد الوجهين
﴿وَبَشّرِ المؤمنين﴾ أي الموصوفين بالنعوت المذكورةِ ووضعُ المؤمنين موضعَ ضميرِهم للتنبيه على أن مَلاك الأمرِ هو الأيمانُ وأن المؤمن الكاملَ مَنْ كان كذلك وحُذف المبشَّرُ به للإيذان بخروجه عن حد البيانِ وفي تخصيص الخطابِ بالأولين إظهارُ زيادةِ اعتناءٍ بأمرهم من الترغيب والتسلية
سورة براءة آية (١١٣ ١١٤)
стр. 2300
﴿مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين آمنوا﴾ بالله وحده أي ما صح لهم في حكم الله وحكمتِه وما استقام
﴿أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ به سبحانه
﴿ولو كانوا﴾ أي المشركون
﴿أُوْلِى قربى﴾ أي ذوي قرابةٍ لهم وجوابُ لو محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه والجملةُ معطوفةٌ على جملة أخرى قبلها محذوفةٍ حذفاً مطّرداً كما بُيّن في قوله تعالى وَلَوْ كَرِهَ الكافرون ونظائرِه روي أنه ﷺ قال لعمه أبي طالب لما حضرتْه الوفاةُ يا عمّ قل كلمةً أحُاجُّ لك بها عند الله فأبى فقال ﷺ لا أزال أستغفرُ لك ما لم أُنُهَ عنه فنزلت وقيل لما افتتَح مكةَ خرج إلى الأبواء فزار قبرَ أمِّه ثم قام مستعبِراً فقال إني استأذنتُ ربي في زيارة قبرِ أمّي فأذِن لي واستأذنتُه في الاستغفار لها فلم يأذَنْ لي وأنزل علي الآيتين
﴿مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ﴾ أي للنبي ﷺ والمؤمنين
﴿أَنَّهُمْ﴾ أي المشركين
﴿أصحاب الجحيم﴾ بأن ماتوا على الكفر أو نزل الوحيُ بأنهم يموتون على ذلك
стр. 2301
﴿وما كان استغفار إبراهيم لأَبِيهِ﴾ بقوله واغفر لاِبِى أي بأن توفقه للإيمان وتهديه إليه كما يلوحُ به تعليلُه بقوله إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضالين والجملةُ استئنافٌ مَسوقٌ لتقريرِ ما سبق ودفعِ ما يتراءى بحسب الظاهرِ من المخالفة وقرئ وما استغفر إبراهيمُ لأبيه وقرئ وما يستغفر إبراهيمُ على حكايةِ الحالِ الماضيةِ وقوله تعالى
﴿إِلَاّ عَن مَّوْعِدَةٍ﴾ استثناء مفرغ من أعم العللِ أي لم يكن استغفارُه ﵇ لأبيه آزرَ ناشئاً عن شيءٌ من الأشياءِ إِلَاّ عن موعدة
﴿وعدها﴾ إبراهيمَ ﵊
﴿إياه﴾ أي أباه وقد قرئ كذلك بقوله لَاسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وقولِه سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي بناءً على رجاء إيمانِه لعدم تبيُّنِ حقيقةِ أمرِه وإلا لما وعدها إياه كأنه قيل وما كان استغفارُ إبراهيمَ لأبيه إلا عن موعدة مبينة على عدم تبيُّنِ أمرِه كما ينبىء عنه قوله تعالى
﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ أي لإبراهيمَ بأن أوحِيَ إليه أنه مُصِرٌّ على الكفر غيرُ مؤمنٍ أبداً وقيل بأن مات على الكفر والأولُ هو الأنسبُ بقوله تعالى
﴿أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾ فإن وصفَه بالعداوة مما يأباه حالةُ الموت
﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾
стр. 2302
أي تنزّه عن الاستغفار له وتجانبَ كلَّ التجانب وفيه من المبالغة ما ليس في تركه ونظائرِه
﴿إِنَّ إبراهيم لاوَّاهٌ﴾ لكثيرُ التأوّهِ وهو كنايةٌ عن كمال الرأفةِ ورقةِ القلب
﴿حَلِيمٌ﴾ صبورٌ على الأذية والمحنة وهو استئنافٌ لبيان ما كان يدعُوه ﵊ إلى ما صدر عنه من الاستغفار وفيه إيذانٌ بأن إبراهيمَ ﵊ كان أواهاً حليماً فلذلك صدَر عنه ما صدر من الاستغفار قبل التبينِ فليس لغيره أن يأتسيَ به في ذلك وتأكيدٌ لوجوب الاجتناب عنه بعد التبين بأنه ﵊ تبرأ منه بعد التبينِ وهو في كمال رقةِ القلبِ والحلم فلا بد أن يكون غيرُه أكثرَ منه اجتناباً وتبرُّؤاً وأما أن الاستغفارَ قبل التبينِ لو كان غيرَ محظورٍ لما استُثنيَ من الائتساء به في قوله تعالى إِلَاّ قَوْلَ إبراهيم لأَبِيهِ لَاسْتَغْفِرَنَّ لَكَ فقد حُقق في سورة مريم بإذن الله تعالى
سورة براءة آية (١١٥ ١١٧)
стр. 2303
﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً﴾ أي ليس من عادته أن يصفَهم بالضلال عن طريق الحق ويُجريَ عليهم أحكامَه
﴿بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ للإسلام
﴿حتى يُبَيّنَ لَهُم﴾ بالوحي صريحاً أو دِلالةً
﴿مَّا يَتَّقُونَ﴾ أي ما يجبُ اتقاؤُه من محظورات الدينِ فلا ينزجروا عما نُهوا عنه وأما قبل ذلك فلا يسمى ما صدَر عنهم ضلالاً ولا يؤاخَذون به فكأنه تسليةٌ للذين استغفروا للمشركين قبل ذلك وفيه دليلٌ على أنَّ الغافَل غيرُ مكلفٍ بما لا يستبدُّ بمعرفته العقلُ
﴿أَنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ﴾ تعليلٌ لما سبق أي أنه تعالى عليمٌ بجميعِ الأشياءِ التي مِنْ جملتها حاجتُهم إلى بيان قُبحِ ما لا يستقلُّ العقلُ في معرفته فيبيِّنُ لهم ذلك كما فعل هاهنا
стр. 2304
﴿أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والارض﴾ من غير شريكٍ له فيه
﴿يحيي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِن دُونِ الله مِن وَلِيّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ لمّا منعهم من الاستغفار للمشركين وإن كانوا أولي قربى وضمّن ذلك التبرُّؤَ منهم رأساً بيَّن لهم أن الله تعالى مالكُ كلِّ موجودٍ ومتولي أمورِه والغالبُ عليه ولا يتأتى لهم نصرٌ ولا ولايةٌ إلا منه تعالى ليتوجهوا إليه بشرا شرهم متبرِّئين عما سواه غيرَ قاصدين إلا إياه
стр. 2305
﴿لَقَدْ تَابَ الله على النبى﴾ قال ابن عباس ﵄ هو العفوُ عن إذنه للمنافقين في التخلف عنه
﴿والمهاجرين والانصار﴾ قيل هو في حق زلاتٍ سبقت منهم يوم أحُدٍ ويوم حُنينٍ وقيل المرادُ بيانُ فضلِ التوبةِ وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاجٌ إليها حتى النبيِّ ﷺ لِما صدرَ عنه في بعض الأحوالِ من ترك الأَوْلى
﴿الذين اتبعوه﴾ ولم يتخلفوا عنه ولم يُخِلّوا بأمر من أوامره
﴿فِى سَاعَةِ العسرة﴾ أي في وقتها والتعبيرُ عنه بالساعة لزيادة تعيينِه وهي حالُهم في غزوة تبوكَ كانوا في عُسرةٍ من الظَّهر يعتقِبُ عشرةٌ على بعير واحد ومن الزاد تزوّدوا
стр. 2306
التمرَ المدوّد والشعيرَ المسوّس والإهالة الزَّنِخة وبلغت بهم الشدةُ إلى أن اقتسم التمرةَ اثنان وربما مصّها الجماعةُ ليشربوا عليها الماء المتغيِّرَ وفي عسرة من الماء حتى نحَروا الإبلَ واعتصروا فروثَها وفي شدة زمانٍ من حِمارة القَيظ ومن الجدب والقَحط والضيقة الشديدةِ ووصفُ المهاجرين والأنصارِ بما ذكر من اتّباعِهم له ﵊ في مثل هاتيك المراتبِ من الشدة للمبالغة في بيان الحاجةِ إلى التوبة فإن ذلك حيث لم يُغنهم عنها فلأَنْ لا يستغنيَ عنها غيرُهم أولى وأحرى
﴿مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ﴾ بيانٌ لتناهي الشدة وبلوغِها إلى ما لا غايةَ وراءَها وهو إشرافُ بعضهم على أن يَميلوا إلى التخلف عنِ النبيِّ ﷺ وفي كاد ضميرُ الشأنِ أو ضميرُ القوم الراجعُ إليه الضميرُ في منهم وقرئ بتأنيث الفعل وقرئ من بعد ما زاغت قلوبُ فريقٍ منهم يعني المتخلفين من المؤمنين كأبي لُبابةَ وأضرابِه
﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ تكريرٌ للتأكيد وتنبيهٌ على أنه يتاب عليهم من أجل ما كابدوا من العُسرة والمرادُ أنه تاب عليهم لكيدودتهم
﴿إِنَّهُ بهم رؤوف رَّحِيمٌ﴾ استئنافٌ تعليليٌ فإن صفةَ الرأفةِ والرحمةِ من دواعي التوبةِ والعفوِ ويجوز كونُ الأولِ عبارةً عن إزالة الضررِ والثاني عن إيصالِ المنفعةِ وأن يكون أحدُهما للسوابق والآخَرُ لِلّواحق
سورة براءة آية (١١٨)
стр. 2307
﴿وَعَلَى الثلاثة الذين خُلّفُواْ﴾ أي وتاب الله على الثلاثة الذين أُخِّر أمرُهم عن أمر أبي لُبابةَ وأصحابِه حيث لم يقبَلْ معذرتَهم مثلَ أولئك ولا رُدَّتْ ولم يُقطَعْ في شأنهم بشيء إلى أن نزل فيهم الوحيُ وهم كعبُ بنُ مالكٍ وهلالُ بنُ أميةَ ومَرارةُ بنُ الربيع وقرئ خَلَّفوا أي خلَّفوا الغازين بالمدينة أو فسَدوا من الخالفة وخلوف الفم وقرئ على المخلّفين والأولُ هو الأنسبُ لأن قوله تعالى
﴿حتى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الارض﴾ غايةٌ للتخليف ولا يناسبُه إلا المعنى الأولُ أي خُلّفوا وأخّر أمرُهم إلى أن ضاقت عليهم الارضُ
﴿بما رَحُبتْ﴾ أي برُحبها وسَعتِها لإعراض الناسِ عنهم وانقطاعِهم عن مفاوضتهم وهو مثلٌ لشدة الحَيْرة كأنه لا يستقِرُّ به قرارٌ ولا تطمئن له دار
﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾ أي إذا رجَعوا إلى أنفسهم لا يطمئنّون بشيء لعدم الأنسِ والسرورِ واستيلاءِ الوحشة والحَيْرة
﴿وَظَنُّواْ أَن لَاّ مَلْجَأَ مِنَ الله إِلَاّ إِلَيْهِ﴾ أي علِموا أنه لا ملجأَ من سُخطه تعالى إلا إلى استغفاره
﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ أي وفقّهم للتوبة
﴿لِيَتُوبُواْ﴾ أو أنزل قَبولَ توبتِهم ليصيروا من جملة التوّابين ورجع عليهم بالقَبول والرَّحمة مرةً بعد أخرى ليستقيموا على توبتهم
﴿إِنَّ الله هُوَ التواب﴾ المبالغُ في قَبول التوبةِ كمّاً وكيفاً وإن كثُرت الجناياتُ وعظمُت
﴿الرحيم﴾ المتفضل عليهم بفنون الآلاءِ مع استحقاقهم لأفانينِ العقاب رُوي إنَّ ناساً من المؤمنينَ تخلفُوا عن رسولِ الله ﷺ منهم مَنُ بدا له وكره مكانه فلحِق به ﷺ عن الحسن ﵁ أنَّه قال بلغني أنه كان لأحدهم حائطٌ كان خيراً من مائة ألف درهم فقال يا حائطاه ما خالفني إلا ظلُّك وانتظارُ ثمارِك اذهبْ فأنت في سبيل الله ولم يكن لآخرَ إلا أهلُه فقال يا أهلاه ما بطّأني ولا خلّفني إلا الفتنُ بك فلا جرَم والله لأكابدنّ الشدائدَ حتى ألحقَ برسولِ الله ﷺ فتأبط زادَه ولحِق به ﷺ قال الحسن ﵁ كذلك والله المؤمنُ يتوب من ذنوبه ولا يُصِرُّ عليها
стр. 2308
وعن أبي ذر الغفاري أن بعيرَه أبطأ به فحمَل متاعَه على ظهره واتّبع أثرَ رسولِ الله ﷺ ماشيا فقال ﷺ لما رأى سوادَه كنْ أبا ذر فقال الناسُ هو ذاك فقال ﷺ رحِم الله أبا ذر يمشي وحدَه ويموت وحده ويُبعث وحده وعن أبي خيثمةَ أنه بلغ بستانُه وكانت له امرأةٌ حسناءُ فرَشت له في الظل وبسَطت له الحصيرَ وقرّبت إليه الرطَبَ والماءَ الباردَ فنظر فقال ظلٌ ظليلٌ ورُطبٌ يانعٌ وماء باردٌ وامرأةٌ حسناء ورسولُ الله ﷺ في الضِحّ والريح ما هذا بخير فقام ورحل ناقتَه وأخذ سيفَه ورُمحَه ومرَّ كالريح فمد رسولُ الله ﷺ طْرفَه إلى الطريق فإذا براكب يزهاه السرابُ فقال كن أبا خيثمةَ فكانَهُ ففرِح به رسول الله ﷺ واستغفرَ له ومنهم من بقيَ لم يلحَقْ به ﷺ منهم الثلاثة قال كعب ﵁ لما قفَل رسولُ الله ﷺ سلّمتُ عليه فرد عليّ كالمغضب بعد ما ذكرني وقال يا ليت شعري ما خلّف كعباً فقيل له ما خلفه إلا حسنُ بُردَيه والنظرُ في عطفيه فقال ﷺ ما أعلم إلا فضلاً وإسلاماً ونهى عن كلامنا أيها الثلاثةُ فتنكر لنا الناسُ ولم يكلمنا أحدٌ من قريب ولا بعيد فلما مضت أربعون ليلةً أُمرنا أن نعتزل نساءَنا ولا نقرَبَهن فلما تمت خمسون ليلةً إذا أنا بنداء من ذُروة سلعٍ أبشرْ يا كعبُ بنَ مالكٍ فخرَرْتُ لله ساجداً وكنتُ كما وصفني ربي وضاقتْ عليهم الأرضُ بما رحبت وضاقت عليهم أنفسُهم وتتابعت البِشارةُ فلبست ثوبي وانطلقتُ إلى رسول الله ﷺ فإذا هو جالسٌ في المسجد وحوله المسلمون فقام طلحةُ بنُ عُبيدِ اللَّه يُهرْوِل إلي حتى صافحني وقال لتهنِكَ توبةُ الله عليك فلن أنساها لطلحةَ ﵁ وقال رسول الله ﷺ وهو يستنير استنارةَ القمر أبشر يا كعبُ بخير يوم مر عليك منذ ولدتْك أمُّك ثم تلا علينا الآية وعن أبي بكر الوراق أنه سئل عن التوبة النَّصوح فقال أن تَضيق على التائب الأرضُ بما رحبَتْ وتضيقَ عليه نفسُه كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه
سورة براءة آية (١١٩ ١٢٠)
стр. 2309
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ﴾ خطابٌ عام يندرج فيه التائبون اندراجاً أولياً وقيل لمن تخلف عليه من الطلقاء عن غزوة تبوكَ خاصة
﴿اتقوا الله﴾ في كلِّ ما تأتون وما تذرون فيدخُل فيه المعاملةُ مع رسول الله ﷺ في أمر المغازي دخولاً أولياً
﴿وَكُونُواْ مَعَ الصادقين﴾ في إيمانهم وعهودِهم أو في دين الله نيةً وقولاً وعملاً أو في كلِّ شأنٍ من الشئون فيدخل ما ذُكر أو في توبتهم وإنابتهم فيكون المرادُ بهم حينئذ هؤلاء الثلاثةَ وأضرابَهم وعن ابن عباس ﵄ أنه خطابٌ لمن آمنَ مّنْ أَهْلِ الكتابِ أي كونوا مع المهاجرين والأنصارِ وانتظِموا في سلكهم في الصدق وسائر المحاسن وقرئ من الصادقين
стр. 2310
﴿مَا كَانَ لاهْلِ المدينة﴾ ما صح وما
стр. 2311
استقام لهم
﴿وَمَنْ حَوْلَهُمْ مّنَ الاعراب﴾ كمزينةَ وجهينةَ وأشجعَ وغِفارٍ وأضرابهِم
﴿أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ الله﴾ عند توجهه ﷺ إلى الغزو
﴿وَلَا يَرْغَبُواْ﴾ نصب وقد جُوِّز الجزمُ
﴿بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ﴾ أي لا يصرِفوها عن نفسه الكريمةِ ولا يصونوها عما لم يصُن عنه نفسَه بل يكابده معه ما يكابده من الأهوال والخطوب والكلامُ في معنى النهي وَإِن كان على صورة الخبر
﴿ذلك﴾ إشارةٌ إلى ما دل عليه الكلامُ من وجوب المشايعة
﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم
﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ أي عطشٌ يسير
﴿وَلَا نَصَبٌ﴾ ولا تعب ما
﴿وَلَا مخمصة﴾ أي مجاعة ما لا يستباح عنده المحرمات من مراتبها فإن الظمأَ والنصبَ اليسيرين حين لم يخلُوَا من الثواب فلأَنْ لا يخلو ذلك منه أولى فلا حاجة إلى تأكيد النفي بتكرير كلمة لا ويجوزُ أنْ يُرادَ بها تلك المرتبةُ ويكونُ الترتيبُ بناءً على كثرة الوقوعِ وقِلّته فإن الظمأَ أكثرُ وقوعاً من النصب الذي هو أكثرُ وقوعاً من المخمصة بالمعنى المذكور فتوسيطُ كلمةِ لا حينئذ ليس لتأكيد النفي بل للدلالة على استقلال كلَ واحدٍ منها بالفضيلة والاعتداد به
﴿فِى سَبِيلِ الله﴾ وإعلاء كلمتِه
﴿ولا يطؤون مَوْطِئًا يَغِيظُ الكفار﴾ أي لا يدوسون بأرجلهم وحوافِر خيولِهم وأخفافِ رواحلِهم دَوْساً أو مكاناً يداس
﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَّيْلاً﴾ مصدرٌ كالقتل والأسرِ والنهب أو مفعول أي شيئاً يُنال من قِبَلهم
﴿إِلَاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ﴾ أي بكلِّ واحدٍ من الأمور المعدودةِ
﴿عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ وحسنةٌ مقبولةٌ مستوجبةٌ بحكم الوعد الكريمِ للثواب الجميلِ ونيل الزُّلفى والتنوينُ للتفخيم وكونُ المكتوبِ عينَ ما فعلوه من الأمور لا يمنع دخولَ الباء فإن اختلافَ العنوان كافٍ في ذلك
﴿إِنَّ الله لَا يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين﴾ على إحسانهم تعليلٌ لما سلف من الكتب والمرادُ بالمحسنين إما المبحوثُ عنهم ووضعُ المُظْهر موضعَ المضمرِ لمدحهم والشهادةِ عليهم بالانتظام في سلك المحسنين وأن أعمالَهم من قبيل الإحسانِ وللإشعار بعلية المأخَذ للحكم وإما جنسُ المحسنين وهم داخلون فيه دخولا أوليا
سورة براءة آية (١٢١ ١٢٢)
стр. 2312
﴿وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً﴾ ولو تمرةً أو علاقةَ سَوْط
﴿وَلَا كَبِيرَةً﴾ كما أنفق عثمانُ ﵁ والترتيب باعتبار ما ذُكر من كثرة الوقوعِ وقلته وتوسيطُ لا للتنصيص على استبداد كلَ منهما بالكتْب والجزاءِ لا لتأكيد النفي كما في قوله
﴿وَلَا يَقْطَعُونَ﴾ أي لا يجتازون في مسيرهم
﴿وَادِيًا﴾ وهو في الأصل كلُّ منفرَجٍ من الجبال والآكامِ يكون منفذاً للسيل اسمُ فاعلٍ من ودَى إذا سال ثم شاع في الأرض على الإطلاق
﴿إِلَاّ كتب لهم﴾ أي أثبت لَهُمْ ذلك الذي فعلوه من الإنفاق والقطع
﴿لِيَجْزِيَهُمُ الله﴾ بذلك
﴿أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أحسنَ جزاءِ أعمالِهم أو جزاءَ أحسنِ أعمالِهم
стр. 2313
﴿وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً﴾
стр. 2314
أي ما صح وما استقام لهم أن ينفِروا جميعاً لنحو غزْوٍ أو طلب علمٍ كما لا يستقيم لهم أن يتثبّطوا جميعاً فإن ذلك مُخِلٌّ بأمر المعاش
﴿فَلَوْلَا نَفَرَ﴾ فهلا نفَر
﴿مِن كُلّ فِرْقَةٍ﴾ أي طائفة كثيرة
﴿مِنْهُمْ﴾ كأهل بلدةٍ أو قبيلةٍ عظيمة
﴿طَائِفَةٌ﴾ أي جماعة قليلة
﴿لّيَتَفَقَّهُواْ فِى الدين﴾ أي يتكلفوا الفَقاهةَ فيه ويتجشموا مشاقَّ تحصيلِها
﴿وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ﴾ أي وليجعلوا غايةَ سعيِهم ومرمى غرضِهم من ذلك إرشادَ القومِ وإنذارَهم
﴿إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ﴾ وتخصيصُه بالذكر لأنه أهم وفيه دليلٌ على أنَّ التفقهَ في الدين من فروض الكفايةِ وأن يكون غرضُ المتعلمِ الاستقامةَ والإقامةَ لا الترفعَ على العباد والتبسط في البلاد كما هو ديدن أبناء الزمان والله المستعان
﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ إرادةَ أن يحذروا عما ينذرون واستُدل به على أنَّ أخبارَ الآحادِ حجةٌ لأن عمومَ كلِّ فرقةٍ يقتضي أن ينفِرَ من كل ثلاثةٍ تفردوا بقرية طائفةٌ إلى التفقه لتنذر فرقتها كي يتذكروا ويحذروا فلو لم يعتبر الإخبارُ ما لم يتواتر لم يُفِدْ ذلك وقد قيل للآية وجهٌ آخرُ وهو أن المؤمنين لما سمعوا ما نزل في المتخلفين سارعوا إلى النفير رغبةً ورهبةً وانقطعوا عن التفقه فأُمروا أن ينفر من كل فرقةٍ طائفةٌ إلى الجهاد ويبقى أعقابُهم يتفقهون حتى لا ينقطع الفقهُ الذي هو الجهادُ الأكبرُ لأن الجدالَ بالحجة هو الأصلُ والمقصودُ من البعثة فالضميرُ في ليتفقهوا ولينذِروا لبواقي الفِرَق بعد الطوائفِ النافرةِ للغزو وفي رجعوا للطوائف أي ولينذر البواقي قومَهم النافرين إذا رجَعوا إليهم بما حصلوا في أيام غيبتهم من العلوم
سورة براءة آية (١٢٣ ١٢٤)
стр. 2315
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مّنَ الكفار﴾ أُمروا بقتال الأقربِ منهم فالأقرب كما أُمر ﷺ أولاً بإنذار عشيرتِه فإن الأقربَ أحقُّ بالشفقة والاستصلاحِ قيل هم اليهودُ حوالي المدينة كبني قرُيظةَ والنَّضير وخيبَر وقيل الرومُ فإنهم كانوا يسكنون الشامَ وهو قريبٌ من المدينة بالنسبة إلى العراق وغيره
﴿وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ أي شدة وصبرا على القتال وقرئ بفتح الغين كسَخْطة وبضمها وهما لغتان فيها
﴿واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين﴾ بالعصمة والنصرة والمرادُ بهم إما المخاطَبون ووضعُ الظاهرِ موضعَ الضمير للتنصيص على أن الإيمانَ والقتالَ على الوجه المذكور من باب التقوى والشهادة بكونهم من زمرة المتقين وإما الجنس وهم داخلون فيه دخولا أولياً والمرادُ بالمعية الولايةُ الدائمةُ وقد ذُكر وجهُ دخولِ مع على المتبوع في قوله تعالى إن الله مَعَنَا
следующие страницы →