← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ﴾ بيانٌ لتبعية إيمانِ النفوس المؤمنةِ لمشيئته تعالى وجوداً بعد بيانِ الدوران الكليِّ عليها وجوداً وعدماً أي ما صح وما استقام لنفس من النفوس التي علم الله تعالى أنها تؤمنُ ﴿أَن تُؤْمِنَ إِلَاّ بِإِذْنِ الله﴾ أي بتسهيله ومنحِه للألطاف وإنما خُصت النفسُ بمن ذُكر ولم يُجعل من قبيل قولِه تعالَى وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَاّ بِإِذْنِ الله لأن الاستئشاء مفرغٌ من أعمِّ الأحوالِ أي ما كان لنفس أن تؤمن في حالٍ من أحوالِها إلا حالَ كونِها ملابسةً بإذنه تعالى فلا بد من كون الإيمان مما يئول إليه حالُها كما أن الموتَ مآلٌ لكل نفس بحيث لا محيصَ لها عنه فلا بد من تخصيص النفسِ بمن ذكر فإن النفوسَ التي علم الله أنها لا تؤمنُ ليس لها حالٌ تؤمن فيها حتى يستثنى تلك الحال من غيرها ﴿وَيَجْعَلُ الرجس﴾ أي الكفر بقرينة ما قبله عبر عنه بالرجس الذي هو عبارةٌ عن القبيح المستقدر المستكرَه لكونه علماً في القبح والاستكراه وقيل هو العذاب أو الخِذلان المؤدي إليه وقرى بنون العظمة وقرئ بالزاي أي يجعل الكفرَ ويبقيه ﴿عَلَى الذين لَا يَعْقِلُونَ﴾ لا يستعملون عقولهم بالنظر في الحجج والآيات أولا يعقلون دلائله وأحكامه لما على قلوبهم من الطبع

стр. 2487

سورة يونس (١٠١١٠٢١٠٣) فلا يحصُل لهم الهدايةُ التي عبّر عنها بالإذن فيبقَون مغمورين بقبائح الكفرِ والضلال أو مقهورين بالعذاب والنَّكال والجملةُ معطوفةٌ على مقدر ينسحب عليه النظمُ الكريمُ كأنه قيل فيأذن لهم بمنح الألطافِ ويجعل الخ

стр. 2488

﴿قُلْ﴾ مخاطِباً لأهل مكةَ بعثاً لهم على التدبر في ملكوتُ السموات والأرض وما فيهما من تعاجيب الآياتِ الأنفسية والآفاقية ليتضحَ لك أنهم من الذين لا يعقِلون وحقّت عليهم الكلمة ﴿انظروا﴾ أي تفكروا وقرئ بنقل حركةِ الهمزةِ إلى لام قل ﴿مَاذَا فِى السماوات والارض﴾ أي أيُّ شيءٍ بديعٍ فيهما من عجائب صُنعه الدالةِ على وحدته وكمالِ قدرتِه على أن ماذا جعل بالتركيب اسماً واحداً مغلّباً فيه الاستفهامُ على اسم الإشارةِ فهو مبتدأٌ خبرُه الظرفُ ويجوز أن يكون ما مبتدأ وذا بمعنى الذي والظرفُ صلته والجملةُ خبرٌ للمبتدأ وعلى التقديرين فالمبتدأ والخبرُ في محل النصبِ بإسقاط الخافضِ وفعلُ النظر معلقٌ بالاستفهام ﴿وَمَا تُغْنِى﴾ أي ما تنفع وقرئ بالتذكير ﴿الايات﴾ وهي التي عُبّر عنها بقوله تعالى مَاذَا فِى السموات والارض ﴿والنذر﴾ جمع نذير على أنه فاعَلَ بمعنى منذر أو على أنَّه مصدرٌ أي لا تنفع الآيات والرسل المنذرون أو الإنذارات ﴿عَن قَوْمٍ لَاّ يُؤْمِنُونَ﴾ في علم الله تعالى وحكمه فما نافية والجملة إما حالية أو اعتراضية ويجوز كون ما استفهاميةً إنكاريةً في موضع النصبِ على المصدرية أي أي إغناء تغني الخ فالجملة حينئذ اعتراضية

стр. 2489

﴿فهل ينتظرون﴾ أي مشركو مكة وأضرابهم ﴿إِلَاّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ﴾ أي إلا يوماً مثل أيام الذين خلوا ﴿من قبلهم﴾ من مشركي الأممِ الماضية أي مثل وقائعهم ونزول بأس الله بهم إذ لا يستحقون غيره من قولِهم أيامُ العربِ لوقائعها ﴿قُلْ﴾ تهديداً لهم ﴿فانتظروا﴾ ما هو عاقبتكم ﴿إِنّى مَعَكُم مّنَ المنتظرين﴾ لذلك

стр. 2490

﴿ثُمَّ نُنَجّى رُسُلَنَا﴾ بالتشديد وقرئ بالتخفيف وهو عطفٌ على مقدرٍ يدلُّ عليه قوله مثل أيام الذين خلوا وما بينهما اعتراضٌ جيءَ به مسارعةً إلى التهديد ومبالغة في تشديد الوعيد كأنه قيل أهلكنا الأمم ثم نجينا رسلنا المرسلة إليهم ﴿والذين آمنوا﴾ وصيغةُ الاستقبالِ لحكاية الأحوالِ الماضية لتهويل أمرها باستحضار صورِها وتأخيرُ حكايةِ التنجيةِ عن حكاية الإهلاكِ على عكس ما في قوله تعالى فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِى الفلك الخ ونظائِره الواردةِ في مواقعَ عديدة ليتصل به قولُه ﴿كذلك﴾ أي مثلَ ذلك الإنجاء ﴿حَقّاً عَلَيْنَا﴾ اعتراض بين العامل والمعمول أي حق ذلك حقاً وقيل بدل من المحذوف الذي ناب عنه كذلك أي إنجاء مثل ذلك حقاً والكاف متعلقة بقوله تعالى ﴿نُنَجِّى المؤمنين﴾ أي من كل شدة وعذاب والجملةُ تذييلٌ لما قبلَها مقرر لمضمونه والمرادُ بالمؤمنين إما الجنسُ المتناول للرسل ﵈ والأتباع وإما الأتباعُ فقط وإنما لم يذكر إنجاء الرسل إيذانا بعدم الحاجة إليه وأيا ما كان ففيه

стр. 2491

سورة يونس (١٠٤١٠٥١٠٦) تنبيهٌ على أنَّ مدارَ النجاة هو الإيمان

стр. 2492

﴿قل﴾ لجمهور المشركين ﴿يا أيها الناس﴾ أوثر الخطاب باسم الجنس مصدراً بحرف التنبيه تعميماً للتبليغ وإظهاراً لكمال العناية بشأن ما بلغ إليهم ﴿إِن كُنتُمْ فِى شَكّ مّن دِينِى﴾ الذي أتعبد الله بهِ وأدعوكم إليه ولم تعلموا ما هو وما صفتُه ﴿فَلَا أَعْبُدُ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ في وقتٍ من الأوقاتِ ﴿ولكن أَعْبُدُ الله الذى يَتَوَفَّاكُمْ﴾ ثم يَفعل بكم ما يفعلُ من فنون العذاب أي فاعلموا أنه تخصيصُ العبادةِ به ورفضُ عبادةِ ما سواه من الأصنام وغيرِها مما تعبدونه جهلاً وتقديمُ تركِ عبادةِ الغير على عبادته تعالى لتقدم التخلية على التحلية كما في كلمة التَّوحيدِ وللإيذان بالمخالفة من أول الأمر أو إن كنتم في شك من صحة ديني وسَدادِه فاعلموا أن خلاصتَه إخلاصُ العبادة لمن بيده الإيجادُ والإعدام دون ما هو بمعزل منهما من الأصنام فاعِرضوها على عقولكم وأجيلوا فيها أفكارَكم وانظُروا فيها بعين الإنصافِ لتعلموا أنه حقٌّ لا ريب فيه وفي تخصيص التوفي بالذكر متعلقا بهم ما لا يَخفْى من التهديد والتعبير عما هم فيه بالشك مع كونهم قاطعين بعدم الصحةِ للإيذان بأن أقصى ما يمكن عروضُه للعاقل في هذا الباب هو الشكُّ في صحته وأما القطعُ بعدمها فمما لا سبيلَ إليه أو إن كنتم في شك من ثباتي على الدين فاعلموا أني لا أتركه أبداً ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المؤمنين﴾ بما دل عليه العقلُ ونطق به الوحيُ وهو تصريحٌ بأن ما هُو عليه من دين التوحيدِ ليس بطريق العقلِ الصِّرْفِ بل بالإمداد السماويِّ والتوفيق الإلهي وحذفُ حرفِ الجر من أن يجوز أن يكون من باب الحذفِ المطردِ مع أن وأن يكون خاصاً بفعل الأمر كما في قوله أمرتُك الخيرَ فافعلْ ما أُمِرْت به

стр. 2493

﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ﴾ عطفٌ على أن أكونَ خلا أن صلةَ أن محكيةٌ بصيغة الأمرِ ولا ضير في ذلك لأن مناطَ جوازِ وصلِهَا بصيغِ الأفعالِ دلالتُها على المصدرِ وذلكَ لا يختلف بالخبرية والطلبيةِ ووجوبُ كونِ الصلةِ خبريةً في الموصولِ الاسميِّ إنَّما هُو للتوصلِ إلى وصفِ المعارفِ بالجملِ وهي لا توصفُ إلا بالجملِ الخبريةِ وليسَ الموصولُ الحرفيُّ كذلكَ أي وأُمرتُ بالاستقامة في الدين والاستبدادِ فيه بأداء المأمورِ به والانتهاءِ عن المنْهيِّ عنه أو باستقبال القبلةِ في الصلاة وعدمِ الالتفات إلى اليمين والشمال حَنِيفاً حالٌ من الدين أو الوجه أي مائلا عن الأديان الباطلة ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ عطفٌ على أقم داخلٌ تحت الأمرِ أي لا تكونن منهم اعتقاداً ولا عملاً وقوله عز وعلا

стр. 2494

﴿وَلَا تَدْعُ﴾ عطف على قوله تعالى قل يا أيها الناس غيرُ داخلٍ تحت الأمر وقيل على ما قبله من النهي والوجهُ هو الأولُ لأن ما بعده من الجمل إلى آخر الآيتين متسقةٌ لا يمكن فصلُ بعضِها عن بعض كما ترى ولا وجهَ لإدراج الكلِّ تحت

стр. 2495

سورة يونس (١٠٧١٠٨) الأمرِ وهو تأكيدٌ للنهي المذكورِ وتفصيلٌ لما أُجمِلَ فيه إظهاراً لكمال العنايةِ بالأمر وكشفاً عن وجه بُطلان ما عليه المشركون أي لا تدْعُ مِن دُونِ الله استقلالاً ولا اشتراكاً مَا لَا يَنفَعُكَ إذا دعوتَه بدفع مكروهٍ أو جلبِ محبوب ﴿وَلَا يَضُرُّكَ﴾ إذا تركتَه بسلب المحبوبِ دفعاً أو رفعاً أو بإيقاع المكروهِ وتقديمُ النفعِ على الضرر غنيٌّ عن بيان السبب ﴿فَإِن فَعَلْتَ﴾ أي ما نُهيتَ عنه من دعاء ما لا ينفعُ ولا يضرُّ كنّى به عنه تنويهاً لشأنه ﷺ وتنبيهاً على رفعة مكانِه من أن يُنسبَ إليه عبادِة غيرِ الله سبحانه ولو في ضمن الجملةِ الشرطية ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مّنَ الظالمين﴾ جزاءٌ للشرط وجوابٌ لسؤال من يسأل عن تَبِعة ما نُهي عنه

стр. 2496

﴿وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرّ﴾ تقريرٌ لما أوردَ في حيز الصلةِ من سلب النفعِ من الأصنام وتصويرٌ لاختصاصه به سبحانه ﴿فَلَا كاشف لَهُ﴾ عنك كائناً من كان وما كان ﴿إِلَاّ هُوَ﴾ وحده فيثبت عدمُ كشفِ الأصنامِ بالطريق البرهاني وهو بيانٌ لعدم النفعِ برفع المكروهِ المستلزِمِ لعدم النفعِ بجلب المحبوبِ استلزاماً ظاهراً فإن رفعَ المكروهِ أدنى مراتبِ النفعِ فإذا انتفى انتفى بالكلية ﴿وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ تحقيقٌ لسلب الضررِ الواردِ في حيز الصلةِ أي إن يُرِدْ أن يصيبَك بِخَيْرٍ ﴿فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ الذي من جملته ما أرادك به من الخير فهو دليلٌ على جواب الشرطِ لا نفسُ الجواب وفيه إيذانٌ بأن فيضانَ الخير منه تعالى بطريق التفضلِ من غير استحقاقٍ عليه سبحانه أي لا أحدَ يقدِر على رده كائناً ما كان فيدخل فيه الأصنامُ دخولاً أولياً وهو بيانٌ لعدم ضُرِّها بدفع المحبوبِ قبلَ وقوعِه المستلزمِ لعدم ضُّرِّها برفعه أو بإيقاع المكروهِ استلزاماً جلياً ولعل ذكرَ الإرادةِ مع الخير والمسِّ مع الضر مع تلازم الأمرين للإيذان بأن الخيرَ مُراد بالذات وأن الضُرَّ إنما يَمسُّ من يَمَسّه لما يوجبه من الدواعي الخارجيةِ لا بالقصد الأوليّ أو أريد معنى الفعلين في كلَ من الضر والخير وأنه لا رادَّ لما يريد منهما ولا مزيلَ لما يصيب به منهما فأوجزَ الكلامَ بأن ذكرَ في أحدهما المسَّ وفي الآخر الإرادةَ ليدل بما ذكر في كل جانبٍ على ما تُرك في الجانب الآخر على أنه قد صرّح بالإصابة حيث قيل ﴿يُصَيبُ بِهِ﴾ إظهاراً لكمال العنايةِ بجانب الخير كما ينبىء عنه تركُ الاستثناءِ فيه أي يصيب بفضله الواسعِ المنتظمِ لما أرادك به من الخير وجعلُ الفضلِ عبارةً عن ذلك الخير بعينه على أن يكون من باب وضعِ المُظهرِ في موضع المُضمَرِ لما ذُكر من الفائدة يأباه قوله ﴿مَن يَشَآء من عباده﴾ فإن ذلك ينادي بعموم الفضل وقوله عز قائلاً ﴿وهو الغفور الرحيم﴾ تذليل لقوله تعالى يُصَيبُ بِهِ الخ مقرِّرٌ لمضمونه والكلُّ تذييلٌ للشرطية الأخيرةِ محققٌ لمضمونها

стр. 2497

﴿قل﴾ مخاطبا لأولئك

стр. 2498

سورة يونس (١٠٩) الكفرةِ بعد ما بلّغتهم ما أوحى إليك ﴿يا أيها الناس قَدْ جَاءكُمُ الحق مِن رَّبّكُمْ﴾ وهو القرآنُ العظيمُ المشتمِلُ على محاسن الأحكامِ التي من جُملتها ما مر آنفاً من أصول الدينِ واطلعتم على ما في تضاعيفِه من البينات والهدى ولم يبقَ لكم عذرٌ ﴿فَمَنُ اهتدى﴾ بالإيمانِ به والعملِ بما في مطلوبه ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ﴾ أي منفعةُ اهتدائِه لها خاصة ﴿وَمَن ضَلَّ﴾ بالكفرِ به والإعراض عنه ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أي فوبالُ الضلالِ مقصورٌ عليها والمرادُ تنزيهُ ساحةِ الرسالةِ عن شائبة غرض عائد إليه ﷺ من جلب نفعٍ أو دفعِ ضرَ كما يلوح به إسنادُ المجيء إلى الحق من غير إشعارٍ بكون ذلك بواسطته ﴿وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ بحفيظ موكول إلى أمركم وإنما أنا بشيرٌ ونذير

стр. 2499

﴿واتبع﴾ اعتقاداً وعملاً وتبليغاً ﴿مَا يوحى إِلَيْكَ﴾ على نهج التجددِ والاستمرارِ من الحق المذكورِ المتأكِّدِ يوماً فيوماً وفي التعبير عن بلوغه إليهم بالمجيء وإليه ﷺ بالوحي تنبيهٌ على ما بين المرتبتين من التنائي ﴿واصبر﴾ على ما يعتريك من مشاقِّ التبليغِ ﴿حتى يَحْكُمَ الله﴾ بالنُصرة عليهم أو بالأمر بالقتال ﴿وَهُوَ خير الحاكمين﴾ إذ لا يمكن الخطأ في حكمه لاطّلاعه على السرائر اطّلاعَه على الظواهر عن رسول الله ﷺ مَنْ قرأَ سورةَ يونُسَ أُعطيَ له منَ الأجرِ عشرَ حسناتٍ بعدد من صَدَّقَ بيونُسَ وكذّب به وبعدد مَنْ غرِق مع فرعونَ والحمدُ لله وحده

стр. 2500

سورة هود ﵇ مكية وهى مائة وثلاث وعشرون آية سورة هود (١) ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾

стр. 2501

﴿الر﴾ محلُّه الرفعُ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ وقيل على أنه مبتدأٌ والأولُ هو الأظهرُ كما أشير إليه في سورة يونُسَ أو النصبُ بتقديرِ فعلِ يناسب المقام نحوِ اذكُر أو اقرأْ على تقديرِ كونِه اسماً للسورة على ما عليه إطباقُ الأكثرِ أو لا محلَّ له من الإعراب مسرودٌ على نمط التعديدِ حسبما فُصِّل في أخوَاته وقوله تعالى ﴿كِتَابٌ﴾ خبرٌ له على الوجه الثاني ولمبتدأ محذوفٍ على الوجوه الباقيةِ ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ نُظمت نظماً مُتْقناً لا يعتريه خللٌ بوجه من الوجوه أو جُعلت حكيمةً لانطوائها على جلائل الحِكَم البالغةِ ودقائِقها أو مُنعت من النسخ بمعنى التغييرِ مطلقاً أو أُيِّدت بالحُجج القاطعةِ الدالةِ على كونِها من عندِ الله أو على ثبوتِ مدلولاتِها فالمرادُ بالآيات جميعُها أو على حقية ما تشتمل عليه من الأحكام الشرعيةِ فالمرادُ بها بعضُها المشتملُ عليها كما إذا فُسِّر الأحكامُ بالمنع من النسخ بمعنى تبديلِ الحُكمِ الشرعيِّ خاصةً وأما تفسيرُه بالمنع من الفساد أخذاً من قولهم أحكمتَ الدابة إذا وضعتَ عليها الحَكَمة لتمنعَها من الجِماح ففيه إيهامُ ما لا يكادُ يليقُ بشأن الآياتِ الكريمةِ من التداعي إلى الفساد لولا المانع وفي إسناد الإحكامِ على الوجوه المذكورةِ إلى الآيات الكتابِ دون نفسِه لا سيما على الوجوه الشاملةِ لكل آية آية منه من حسن الموقعِ والدِلالة على كونه في أقصى غاية منه ما لا يخفى ﴿ثُمَّ فُصّلَتْ﴾ أي جُعلت فصولاً من الأحكام والدلائل والمواعظِ والقِصصِ أو فُصّل فيها مَهمّاتُ العبادِ في المعاش والمعادِ على الإسناد المجازيِّ والتفسيرُ بجعلها آيةً آيةً لا يساعده المقام لأن ذلك من الأوصاف الأوليةِ فلا يناسب عطفُه على أحكامها بكلمة التراخي وأما المعنيان الأوّلانِ فهما وإن كانا مع الأحكام زماناً حيث لم تزَل الآياتُ مُحكمةً مفصّلة لا أنها أُحكِمَتْ أو فُصِّلَت بعد أن لم تكن كذلك إذ الفعلانِ من قَبيل قولِهم سُبحان مَنْ صغر البعوض وكبر الفيل إلا أنهما حيث كانا من صفات الآياتِ باعتبار نسبةِ بعضِها إلى بعضٍ على وجه يستتبِعُ أحكاماً مخصوصةً وآثاراً معتدًّا بها وبملاحظة مصالحِ العبادِ ناسبَ أن يشار إلى تراخي رتبتِهما عن رتبة الإحكام وإن حُمل جعلُها آية آيةً على معنى تفريقِ بعضِها عن بعض يكونُ من هذا القبيل إلا أنه ليس في مثابته في استتباع ما يستتبعه من الأحكام والآثارِ أو فُرّقت في التنزيل منجّمة بحسب المصالحِ فإن أريد تنزيلُها المنجَّمُ بالفعل فالتراخي زمانيٌّ وإن أريد جعلُها في نفسها بحيث يكون نزولُها منجّماً حسبما تقتضيهِ الحِكمةُ والمصلحةُ فهو رُتبيٌّ لأن ذلك وصفٌ لازمٌ لها حقيقٌ بأن يُرتَّبَ على وصف إحكامها وقرئ أحكمت

стр. 2502

سورة هود (٢٣) آياتِه ثم فصّلتُ على صيغة التكلم وعن عكرمة والضحاك ثم فُصِلَتْ أي فَرَقتْ بينَ الحق والباطل ﴿مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ صفةٌ للكتاب وُصف بها بعد ما وصُف بإحكام آياتِه وتفصيلِها الدالّين على علو رتبتِه من حيث الذاتُ إبانةً لجلالة شأنِه من حيث الإضافةُ أو خبرٌ بعد خبرٌ للمبتدأ المذكور أو المحذوفِ أو صلةٌ للفعلين وفي بنائهما للمفعول ثم إيرادِ الفاعلِ بعنوان الحِكمة البالغةِ والإحاطةِ بجلائلها ودقائِقها منكراً بالتنكير التفخيميّ وربطِهما به لا على النهج المعهودِ في إسناد الأفاعيل إلى قواعدها مع رعاية حسنِ الطباقِ من الجزالة والدلالة على فخامتهما وكونِهما على أكمل ما يكون مالا يُكتنه كُنهُه

стр. 2503

﴿أَلَاّ تَعْبُدُواْ إِلَاّ الله﴾ مفعولٌ له حُذف عنه اللامُ مع فقدان الشرطِ أعني كونَه فعلاً لفاعل الفعلِ المعللِ جرياً على سنن القياسِ المطّردِ في حذف حرفِ الجرِّ مع أن المصدريةِ كأنه قيل كتابٌ أُحكمت آياتُه ثم فُصّلت لئلا تَعْبُدُواْ إِلَاّ الله أي لتترُكوا عبادةَ غير الله وتتمحّضوا في عبادته فإن الإحكامَ والتفصيلَ على ما فُصِّل من المعاني مما يدعوهم إلى الإيمان والتوحيدِ وما يتفرَّع عليه من الطاعات قاطبةً وقيل أنْ مفسرةٌ لما في التفصيل من معنى القولِ أي قيل لَاّ تَعْبُدُواْ إِلَاّ الله ﴿إِنَّنِى لَكُمْ مِّنْهُ﴾ من جهة الله تعالى ﴿نَّذِيرٌ﴾ أُنذركمَ عذابَه إن لم تتركوا ما أنتم عليه من الكفر وعبادةِ غيرِ الله تعالى ﴿وَبَشِيرٌ﴾ أبشركم بثوابه إن آمنتم به وتمحّضتم في عبادته ولمّا ذُكر شؤون الكتابِ من إحكام آياتهِ وتفصيلِها وكونِ ذلك من قِبَل الله تعالى وأُورد معظمُ ما نُظم في سلك الغايةِ والأمرِ من التوحيد وتركِ الإشراك وُسِّط بينه وبين قرينيه أعني الاستغفارَ والتوبة ذِكرُ أن من نُزّل عليه ذلك الكتابُ مرسَلٌ من عند الله تعالى لتبليغ أحكامِه وترشيحِها بالمؤيدات من الوعد والوعيدِ للإيذان بأن التوحيدَ في أقصى مراتبِ الأهمية حتى أُفرد بالذكر وأُيِّد إيجابُه بالخطاب غِبَّ الكتابِ مع تلويح بأنه كما لا يتحقق في نفسه إلا مقارنا للحكم برسالته ﷺ كذلك في الذكر لا ينفكّ أحدُهما عن الآخر وقد رُوعيَ في سَوق الخطابِ بتقديم الإنذار على التبشير ما رُوعيَ في الكتاب من تقديم النفي على الإثبات والتخليةِ على التحلية ليتجاوب أطرافِ الكلامِ ويجوز أنْ يكونَ قولُه تعالى أَلَاّ تَعْبُدُواْ إِلَاّ الله كلاماً منقطعا عما قبله وارادا على لسانه ﷺ إغراءً لهم على اختصاصه تعالى بالعبادة كأنه ﷺ قال تركَ عبادةِ غيرِ الله أي الزموه على معنى اترُكوا عبادةَ غيرِ الله تركاً مستمراً إنني لكم من جهة الله تعالى نذيرٌ وبشير أي نذير أنذرُكم من عقابه على تقدير استمرارِكم على الكفر وبشيرٌ أبشرّكم بثوابه على تقدير تركِكم له وتوحيدكم ولما سبق إليهم حديثُ التوحيدِ وأُكد ذلك بخطاب الرسول ﷺ على وجه الإنذارِ والتبشيرِ شُرع في ذكر ما هو من تتماته على وجه يتضمّن تفصيلَ ما أُجملَ في وصف البشير والنذير فقيل

стр. 2504

﴿وَأَنِ استغفروا رَبَّكُمْ﴾ وهو معطوفٌ على إنَّ لا تعبدوا على ما ذكر من الوجهين فعلى الأول أن

стр. 2505

سورة هود (١١) مصدرية لجوازِ كون صلتِها أمراً أو نهياً كما في قوله تعالى وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفًا لأن مدارَ جوازِ كونِها فعلاً إنما هو دلالتُه على المصدر وهو موجودٌ فيهما ووجوبُ كونِها خبريةً في صلةِ الموصولِ الاسميِّ إنَّما هُو للتوصلِ إلى وصفِ المعارفِ بالجملِ وهي لا توصفُ بها إلا إذا كانت خبريةً وأما الموصولُ الحرفيُّ فليس كذلك ولما كان الخبرُ والإنشاءُ في الدلالةِ على المصدرِ سواءً ساغَ وقوعُ الأمرِ والنهي صلةً حسبما ساغ وقوعِ الفعلِ فيتجرد عند ذلك عن مَعْنَى الأمرِ والنَّهيِ نحوُ تجردِ الصلةِ الفعليةِ عن معنى المضي والاستقبال ﴿ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ عطف على استغفروا والكلامُ فيه كالكلام فيه والمعنى فعلَ ما فعلَ من الإحكام والتفصيلِ لتخصّوا الله تعالى بالعبادة وتطلُبوا منه سَتر ما فرَط منكُم من الشرك ثم ترجِعوا إليه بالطاعة أو تستمرّوا على ما أنتُم عليهِ من التوحيد والاستغفارِ أو تستغفروا من الشرك وتتوبوا من المعاصي وعلى الثاني أنْ مفسرةٌ أي قيل في أثناء تفصيلِ الآياتِ لَاّ تَعْبُدُواْ إِلَاّ الله واستغفِروه ثم توبوا إليه والتعرّضُ لوصف الربوبيةِ تلقينٌ للمخاطَبين وإرشادٌ لهم إلى طريق الابتهالِ في السؤال وترشيحٌ لما يعقُبه من التمتيع وإيتاءِ الفضلِ بقوله تعالى ﴿يُمَتّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا﴾ أي تمتيعاً وانتصابُه على أنه مصدرٌ حذف منه الزوائد كقوله تعالى أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرض نَبَاتاً أو على أنَّه مفعولٌ به وهو اسمٌ لما يُتمتّع به من منافع الدنيا من الأموال والبنينَ وغيرِ ذلك والمعنى يعشكم عَيشاً مرضياً لا يفوتكم فيه شيءٌ مما تشتهون ولا ينغصُه شيءٌ من المكدرات ﴿إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ مقدر عند الله وهو آخرُ أعمارِكم ولما كان ذلك غايةً لا يطمح وراءَها طامحٌ جرى التمتيع إليها مجرى التأبيد عادةً أو لا يهلككم بعذاب الاستئصال ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ﴾ في الطاعة والعملِ ﴿فَضْلَهُ﴾ جزاءَ فضلِه إما في الدنيا أو في الآخرة وهذه تكملةٌ لما أُجمل من التمتيع إلى أجل مسمى وتببين لما عسى يعسُر فهمُ حكمتِه من بعض ما يتفق في الدنيا من تفاوت الحالِ بين العاملين فرب إنسانٍ له فضلٌ طاعةٌ وعملٌ لا يُمتّع في الدنيا أكثرَ مما مُتِّع آخرُ دونه في الفضل وربما يكون المفضولُ أكثرَ تمتيعاً فقيل ويُعطِ كلَّ فاضلٍ جزاءَ فضلِه إما في الدنيا كما يتفق في بعض المواد وإما في الآخرة وذلك مما لا مردَّ لهُ وهذا ضربُ تفصيلٍ لما أُجمل فيما سبق من البشارة ثم شرُع في الإنذار فقيل ﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أي تتولوا عما أُلقي إليكم من التوحيد والاستغفار والتوبةِ وإنما أُخّر عن البشارة جرياً على سنن تقدمِ الرحمةِ على الغضب أو لأن العذابَ قد علّق بالتولي عما ذكر من التوحيد والاستغفار والتوبة وذلك يستدعي سابقةَ ذكرِه وقرئ تُوَلّوا من ولى ﴿فَإِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ بموجب الشفقة والرأفةِ أو أتوقع ﴿عَذَابَ يوم كبير﴾ هو يومُ القيامةُ وُصف بالكِبَر كما وصف بالعِظَم في قوله تعالى إِلَاّ يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أنهم مبعثون لِيَوْمٍ عَظِيمٍ إما لكونه كذلك في نفسه أو وُصف بوصف ما يكون فيه كما وُصفَ بالثقل في قوله تعالى ثَقُلَتْ فِى السموات والارض وقيل يوُم الشدائد وقد ابتلُوا بقَحطٍ أكلوا فيه الجيَفَ وأيا ما كان ففي إضافةِ العذابِ إليه تهويلٌ وتفظيعٌ له

стр. 2506

﴿إلى الله مَرْجِعُكُمْ﴾ رجوعُكم بالموت ثم البعثِ للجزاء في مثل ذلك اليومِ لا إلى غيره ﴿وَهُوَ على كُلّ شَىْء قدير﴾ فيندرج في تلك الكلية قدرتُه على إماتتكم ثم بعثِكم وجزائِكم فيعذبكم بأفانينِ

стр. 2507

سورة هود (٥) العذابِ وهو تقريرٌ لما سلف من كِبر اليوم وتعليلٌ للخوف ولمّا أُلقيَ إليهم فحوى الكتابِ على لسان النبيِّ ﷺ وسيق إليهم ما ينبغي أن يُساقَ من الترغيب والترهيبِ وقع في ذهن السامع أنهم بعد ما سمِعوا مثلَ هذا المقالِ الذي تخِرُّ له صمُّ الجبالِ هل قابلوه بالإقبال أم تمادَوا فيما كانُوا عليهِ من الإعراضِ والضلالِ فقيل مصدّراً بكلمة التنبيهِ إشعاراً بأن ما يعقُبها من هَناتهم أمرٌ يجب أن يُفهم ويتعجَّبَ منه

стр. 2508

﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ يزْورُّون عن الحق وينحرفون عنه أي يستمرون على ما كانُوا عليهِ من التولّي والإعراضِ لأن مَنْ أعرض عن شيء ثنى عنه صدرَه وطوى عنه كشحَه وهذا معنىً جزْلٌ مناسبٌ لما سبق وقد نحا نحوَه العلامةُ الزَّمَخْشَريُّ ولكن حيث لم يصلُح التولي سببا للاستخفاء في قولِه ﴿لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾ التَجأ إلى إضمار الإرادةِ حيث قال ويريدون ليستخفوا من الله تعالى فلا يُطْلِعَ رسولَه والمؤمنين على إعراضهم وجعلُه في قَوْد المعنى إليه من قبيل الإضمار قي قوله تعالى اضرب بّعَصَاكَ البحر فانفلق أي فضرب فانفلق ولا يخفى أن انسياقَ الذهنِ إلى توسيط الإرادةِ بين ثنْيِ الصدورِ وبين الاستخفاءِ ليس كانسياقِه إلى توسيط الضربِ بين الأمرِ به وبين الانفلاقِ ولعل الأظهرَ أن معناه يعطِفون صدورَهم عَلى ما فَيها من الكفر والإعراضِ عن الحق وعداوةِ النبيِّ ﷺ بحيث يكون ذلك مخفياً مستوراً فيها كما تُعطف الثيابَ عَلى ما فَيها من الأشياء المستورةِ وإنما لم يذكرْ ذلك استهجاناً بذكره أو إيماءً إلى أن ظهورَه مغنٍ عن ذكره أو ليذهبَ ذهنُ السامعِ إلى كل ما لا خيرَ فيه من الأمور المذكورةِ فيدخُل فيه ما ذُكر من تولّيهم عن الحق الذي أُلقيَ إليهم دخولاً أولياً فحينئذ يظهر وجهُ كونِ ذلك سبباً للاستخفاء ويؤيده ما رُوي عن ابنِ عباس ﵄ أنها نزلتْ في الأخنسِ بنِ شُرَيقٍ وكان رجلاً حلوَ المنطِق حسنَ السياقِ للحديث يُظهر لرسول الله ﷺ المحبةَ ويُضمِرُ في قلبه ما يضادُّها وقال ابن شداد أنَّها نزلتْ في بعضِ المنافقين كان إذا مرَّ برسولِ الله ﷺ ثنى صدرَه وظهرَه وطأطأ رأسَه وغطَّى وجهَه كيلا يراه النبيِّ ﷺ فكأنه إنما كان يصنع ما يصنع لأنه لو رآه النبيِّ ﷺ لم يمكِنْه التخلّفُ عن حضور مجلِسه والمصاحبةِ معه وربما يؤدّي ذلك إلى ظهور ما في قلبه من الكفر والنفاق وقرئ يَثْنَوْني صدورُهم بالياء والتاء من اثنونى افعوعل من الثَنْي كاحلولي من الحلاوة وهو بناءُ مبالغةٍ وعن ابن عباس ﵄ لتثنونى وقرئ تثنون وأصله تثنونن من تفْعَوعِلُ من الثِّنِّ وهو ما هشّ من الكلأ وضعُف يريد مطاوعةَ صدروهم للثني كما يثنى الهشُّ من النبات أو أراد ضعفَ إيمانِهم ورَخاوةَ قلوبِهم وقرئ تثنن من اثنانّ افعالَّ منه ثم همزٌ كما قيل ابيأضت وادهامت وقرئ تثنوي بوزن ترعوي ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ أي يتغطَّوْن بها للاستخفاء على ما نقل عن ابن شداد أو حين يأوون إلى فراشهم ويتدثّرون بثيابهم فإن ما يقع حينئذٍ حديثُ النفس عادةً وقيل كان الرجلُ من الكفار يدخُل بيته ويرخى ستره ويحى ظهره

стр. 2509

سورة هود (٦) ويتغشّى بثوبه ويقول هل يَعْلَمُ الله مَا فِى قلبي ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ أي يُضمِرون في قلوبهم ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أي يستوي بالنسبة إلى علمه المحيط سِرُّهم وعلنُهم فكيف يخفى عليه ما عسى يُظهرونه وإنما قدم السرُّ على العلن نعياً عليهم من أول الأمر ما صنعوا وإيذاناً بافتضاحِهِم ووقوعِ ما يحذَرونه وتحقيقاً للمساواة بين العِلْمين على أبلغ وجهٍ فكأن علمَه بما يُسرونه أقدمُ منه بما يعلنونه ونظيرُه قوله تعالى قُلْ إِنَّ تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ الله حيث قُدم فيه الإخفاءُ على الإبداء على عكس ما وقع في قوله تعالى وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله إذ لم يتعلق بإشعار أن المحاسبةَ بما يُخفونه أولى منها بما يُبْدونه غرضٌ بل الأمرُ بالعكس وأما ههنا فقد تعلق بإشعار كونِ تعلقِ علمِه تعالَى بما يُسرّونه أولى منه بما يعلنونه غرضٌ مُهِمٌّ مع كونهما على السوية كيف لا وعلمُه تعالَى بمعلوماتهِ ليسَ بطريقِ حصولِ الصورةِ بل وجودُ كلِّ شيءٍ في نفسِه عِلْمٌ بالنِّسبةِ إليه تعالى وفي هذا المعنى لا يختلفُ الحالُ بين الأشياءِ البارزةِ والكامنةِ وأما قوله تعالى وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ فحيث كان وارداً بصدد الخطابِ مع الملائكة ﵈ المنزهِ مقامُهم عن اقتضاء التأكيدِ والمبالغةِ في الإخبار بإحاطة علمِه تعالى بالظاهر والباطن لم يُسلَكْ فيه ذلك المسلكُ مع أنه وقع الغُنيةُ عنه بمَا قَبْلَهُ منْ قولِه إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات والأرضِ ويجوزُ أنْ يكونَ ذلكَ باعتبار أن مرتبةَ السرِّ متقدمةٌ على مرتبة العلنِ إذْ مَا من شيءٍ يُعلَنُ إلا وهُو أو مباديهِ قبل ذلك مضمر في القلب فتعلق علمِه سبحانه بحالتِهِ الأُولى متقدمٌ على تعلقه بحالته الثانية ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ تعليلٌ لما سبق وتقريرٌ له واقع موقعَ الكبرى من القياس وفي صيغةِ الفعيلِ وتحليةِ الصدورِ بلام الاستغراقِ والتعبيرِ عن الضمائر بعنوان صاحبيتها منَ البراعةِ ما لا يصفه الواصفون كأنَّهُ قيلَ إنه مبالغٌ في الإحاطةِ بمضمراتِ جميعِ الناسِ وأسرارِهم الخفيةِ المستكنّةِ في صدورِهِمْ بحيثُ لا تفارقها أصلا فكيف يخفى عليه مَا يُسرّون وَمَا يُعْلِنُونَ ويجوزُ أنْ يُراد بذاتِ الصدورِ القلوبُ من قولِه تعالى ولكن تعمى القلوب التى فِى الصدور والمعنى أنه عليمٌ بالقلوبِ وأحوالِها فلا يَخْفَى عليهِ سرٌّ من أسرارها

стр. 2510

﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الارض إِلَاّ عَلَى الله رِزْقُهَا﴾ غذاؤُها اللائقُ بها من حيث الخلقُ ومن حيث الإيصالُ إليها بطريق طبيعيَ أو إراديَ لتكفّله إياه تفضلاً ورحمةً وإنما جيء به على طريق الوجوبِ اعتباراً لسبق الوعدِ وتحقيقاً لوصوله إليها البتة وحملاً للمكلّفين على الثقة به تعالى والإعراضِ عن إتعاب النفس في طلبه ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾ محلَّ قرارِها في الأصلاب ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ موضعَها في الأرحام وما يجري مجراها من البيض ونحوِها وإنما خُصَّ كلٌّ من الاسمين بما خُصَّ به من المحلَّين لأن النطفةَ بالنسبة إلى الأصلاب في حيزها الطبيعيِّ ومنشئِها الخلقيِّ وأما بالنسبة إلى الأرحام وما يجري مجراها فهي مُودعةٌ فيها إلى وقت معين أو مسكنَها من الأرض حين وُجدت بالفعل ومُودَعها من الموادّ والمقارِّ حين كانت بعدُ بالقوة ولعل تقديم محلها

стр. 2511

سورة هود (٧) باعتبار حالتِها الأخيرةِ لرعاية المناسبةِ بينها وبين عنوانِ كونِها دابةً في الأرض والمعنى وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض إلا يرزُقها الله تعالى حيث كانت من أماكنها يسوقُه إليها ويعلم موادها المتخالفة المندرجة في مراتب الاستعداداتِ المتفاوتةِ المتطورةِ في الأطوارِ المتباينة ومقارَّها المتنوعةَ ويُفيض عليها في كل مرتبةٍ ما يليق بها من مبادي وجودِها وكمالاتِها المتفرِّعةِ عليه وقد فُسر المستودَعُ بأماكنها في الممات ولا يلائمه مقامُ التكفّل بأرزاقها ﴿كُلٌّ﴾ من الدواب ورزقِها ومستقرِّها ومستودعِها ﴿فِى كتاب مُّبِينٍ﴾ أيْ مُثْبتٍ في اللوح المحفوظِ البيِّن لمن ينظر فيه من الملائكةِ ﵈ أو المُظهِرِ لما أُثبت فيه للناظرين ولمّا انتهى الأمرُ إلى أنه سبحانه محيطٌ بجميع أحوالِ ما فى الأرض من المخلوقات التي لا تكاد تُحصى من مبدأ فطرتِها إلى منتهاها اقتضى الحالُ التعرّضَ لمبدأ خلقِ السمواتِ والأرضَ والحكمةِ الداعية إلى ذلك فقيل

стр. 2512

﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ السمواتِ في يومين والأرضَ في يومين وما عليها من أنواع الحيواناتِ والنباتِ وغيرِ ذلك في يومين حسبما فعل في سورةِ حم السجدةُ ولم يُذكر خلقُ ما في الأرض لكونه من تتمات خلقِها وهو السرُّ في جعل الزمان خلقِه تتمةً لزمان خلقِها في قولِه تعالى فِى أربعة أيام في تتمة أربعةِ أيام والمرادُ بالأيام الأوقاتُ كما في قوله تعالى ومن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ أي في ستة أوقاتٍ أو مقدار ستة أيام فإن اليومَ في المتعارَف زمانُ كون الشمس فوق الأرض ولا يُتصوَّر ذلك حين لا لأرض ولا سماء وفي خلقها مدرجا مع القدرة التامة على خلقها دفعةً دليلٌ على أنه قادرٌ مختارٌ وحث على التأني في الأمور وأما تخصيصُ ذلك بالعدد المعيَّنِ فأمرٌ استأثر بعلم ما يقتضيه علم الغيوب جلت حِكمتُه وإيثارُ صيغةِ الجمعِ في السموات لما هو المشهورُ من الإشارة إلى كونها أجراماً مختلفةَ الطبائعِ ومتفاوتةَ الآثارِ والأحكام ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ﴾ قبل خلقِهما ﴿عَلَى الماء﴾ ليس تحته شيءٌ غيرُه سواءٌ كان بينهما فرجة وكان موضوعاً على متنه كما ورد في الأثر فلا دلالةَ فيه على إمكان الخلاء كيف لا ولو دلّ لدلّ على وجوده لا على إمكانه فقط ولا على كون الماءِ أولَ ما حدث في العالم بعد العرش وإنما يدلّ على أن خلقَهما أقدمُ من خلقِ السمواتِ والأرضِ من غير تعرضٍ للنسبة بينهما ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ متعلقٌ بخلق أي خلق السمواتِ والأرض وما فيهما من المخلوقات التي من جملتها أنتم ورتب فيهما جميع ما تحتاجونَ إليهِ من مبادي وجودِكم وأسبابِ معايشِكم وأودع في تضاعيفهما من تعاجيب الصنائعِ والعبرِ ما تستدلون به على مطالبكم الدينيةِ ليعامِلَكم معاملةَ من يبتليكم ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ فيجازيكم بالثواب والعقاب غِبّ ما تبيَّن المحسنُ من المسيء وامتازتْ درجاتُ أفرادِ كلَ من الفريقينِ حسبَ امتيازِ طبقاتِ علومِهم واعتقاداتِهم المترتبةِ على أنظارِهم فيما نُصب من الحُجج والدلائلِ والأَماراتِ والمخايلِ ومراتب أعمالِهم المتفرّعةِ على ذلك فإنَّ العملَ غيرُ مختصَ بعلم الجوارح ولذلك فسره ﷺ بقولِه أيُكم

стр. 2513

أحسنُ عقلاً وأورَعُ عن محارمِ الله وأسرعُ في طاعةِ الله فإنَّ لكلٍ من القلبِ والقالَب عملاً مخصوصاً به فكَما أنَّ الأولِ أشرفَ من الثاني فكذا الحالُ في عملِه كيفَ لَا ولا عملَ بدونِ معرفةِ الله الواجبةِ على العبادِ آثرَ ذي أثيرٍ وإنما طريقُها النظريُّ التفكرُ في بدائعِ صنائعِ الملِكِ الخلاقِ والتدبّرِ في آياتة البيناتِ المنصوبةِ في الأنفس والآفاق ولا طاعة بدون فهم ما في مطاوي الكتابِ الحكيم من الأوامر والنواهي وغيرِ ذلك ممَّا له مدخلٌ في الباب وقد رُويَ عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ لا تُفضِّلوني على يونسَ بنِ مَتَّى فإنَّهُ كانَ يُرفع لهُ كلَّ يومٍ مثلُ عملِ أهلِ الأرضِ قالُوا وإنَّما كانَ ذلكَ التفكّرَ في أمرِ الله الذي هُو عملُ القلبِ لأن أحداً لا يقدرُ على أن يعملَ في اليوم بجوارحه مثل علم أهلِ الأرضِ وتعليقُ فعلِ البَلْوَى أي تعقيبُه بحرفِ الاستفهامِ لا التعليقُ المشهورُ الذي يقتضِي عدمَ إيرادِ المفعولِ أصلاً مع اختصاصِهِ بأفعالِ القلوبِ لما فيهِ من مَعْنَى العلمِ باعتبارِ عاقبتِه كالنظرِ ونظائرِه ولذلك أُجرَي مَجْرَاه بطريقِ التمثيلِ أو الاستعارةِ التبعيةِ وإيرادُ صيغةِ التفضيلِ مع أن الابتلاء شاملٌ للفريقين باعتبار أعمالهِم المقسمة إلى الحسنِ والقبيحِ أيضاً لا إلى الحسنِ والأحسنِ فقطْ للإيذانِ بأنَّ المرادَ بالذات والمقصودَ الأصليَّ مما ذكر من إبداع تلك البدائعِ على ذلك النمطِ الرائعِ إنما هو ظهورُ كمالِ إحسانِ المحسنين وأن ذلك لكونه على أتم الوجوهِ اللائقةِ وأكملِ الأساليب الرائقةِ يوجب العملَ بموجبه بحيث لا يَحيدُ أحدٌ عن سَننه المستبينِ بل يهتدي كلُّ فردٍ إلى ما يُرشد إليه من مطلق الإيمانِ والطاعةِ وإنما التفاوتُ بينهم في مراتبهما بحسب القوةِ والضَّعفِ والكثرةِ والقلة وأما الإعراضُ عن ذلكَ والوقوعُ في مهاوي الضلالِ فبمعزلٍ من الاندراجِ تحتَ الوقوعِ فضلاً عن أن ينظم ظهورُه في سلك العلةِ الغائبة لذلك الصنعِ البديعِ وإنَّما هُو عملٌ يصدُر عن عاملِهِ بسوءِ اختيارِه من غيرِ مصحِّحٍ لهُ ولا تقريب ولا يَخْفى ما فيهِ من الترغيبِ في الترقِّي إلى معارجِ العلومِ ومدارجِ الطاعاتِ والزجرِ عن مباشرةِ نقائضِها والله تعالى أعلم ﴿وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الموت﴾ على ما يوجبه قضيةُ الابتلاءِ ليترتبَ عليه الجزاءُ المتفرِّعُ على ظهور مراتبِ الأعمال ﴿لَّيَقُولَنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ إن وُجِّه الخطابِ في قولِه تعالَى إِنَّكُمْ إلى جميع المكلفين فالموصول مع صلته للتخصيص أي ليقولَن الكافرون منهم وإن وجِّه إلى الكافرين منهم فهو واردٌ على طريقة الذم ﴿إِنْ هذا إِلَاّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي مثلُه في الخديعة أو البطلان وهذا إشارةٌ إلى القول المذكورِ أو إلى القرآن فإن الإخبارَ عن كونهم مبعوثين وإن لم يجب كونُه بطريق الوحي المتلوِّ إلا أنهم عند سماعِهم ذلك تخلّصوا إلى القرآن لإنبائه عنه في كل موضعٍ وكونِه علَماً عندهم في ذلك فعمَدوا إلى تكذيبه وتسميتِه سحراً تمادياً منهم في العناد وتفادياً عن سَنن الرشاد وقيلَ هُو إشارةٌ إلى نفس البعثِ ولا يلائمه التسميةُ بالسحر فإنه إنما يُطلقُ على شيء موجودٍ ظاهراً لا أصلَ له في الحقيقة ونفسُ البعثِ عندهم معدومٌ بحتٌ وتعلقُ الآيةِ الكريمةِ بما قبلها أما من حيثُ إن البعثَ كما أشير إليه من تتمات الابتلاءِ المذكورِ فكأنه قيل الأمرُ كما ذكر ومع ذلك إن أخبرتهم بمقدمة فذّةٍ من مقدماته وقضيةٍ فردةٍ من تتماته لا يتلعثمون في الرد ويعدّون ذلك من قبيلِ ما لا صِحةَ له أصلاً فضلاً عن تصديق ما هذه من تتماته وإمَّا منْ حيثُ إنَّ البعثَ خلقٌ جديد فكأنه قيل وهو الذي خلق جميعَ المخلوقاتِ ابتداءً لهذه الحكمة البالغةِ ومع ذلك إن أخبرتهم بأنه يعيدهم تارة أخرى وهو

стр. 2514

سورة هود (٨٩) أهونُ عليه يقولون ما يقولُون فسبحان الله عما يصفون وقرأ حمزةُ والكسائيُّ إلا ساحرٌ على أنَّ الإشارةَ إلى القاتل أو إلى القرآن على اسلوب شعر شاعر وقرئ بالفتح على تضمين قلتَ معنى ذكرتَ أو على أن أنك بمعنى عنك في علّك أي ولئن قلتَ لعلكم مبعوثون على أن الرجاءَ والتوقعَ باعتبار حالِ المخاطبين أي توقّعوا ذلك ولا تبُتّوا القولَ بإنكاره أو على أنه مجاراةٌ معهم في الكلام على نهج المساعدةِ لئلا يسارعوا إلى اللَّجاج والعِنادِ ريثما قَرعَ أسماعَهم بتُّ القولِ بخلاف ما ألِفوا وألفَوْا عليه آباءَهم من إنكار البعثِ ويكون ذلك أدعى لهم إلى التأمل والتدبّر وما فعلوه قاتلهم الله أنَّي يُؤفكون

стр. 2515

﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب﴾ المترتِّبَ على بعثهم أو العذابَ الموعودِ في قولِهِ تعالَى فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ وقيل عذابُ يومِ بدرٍ وعن ابنِ عباس ﵄ أنه قتلُ جبريلَ ﵇ للمستهزِئين والظاهرُ أن المرادَ به العذابُ الشاملُ للكفرة دون ما يُخَصّ ببعض منهم على أنَّه لم يكنْ موعوداً يستعجل منه المجرمون ﴿إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ﴾ إلى طائفة من الأيام قليلةٍ لأن ما يحصُره العدُّ قليلٌ ﴿لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ أي أيُّ شيءٍ يمنعه من المجيء فكأنه يريده فيمنعه مانعٌ وإنما كانوا يقولونه بطريق الاستعجالِ استهزاءً لقوله تعالى مَّا كَانُوا بِهِ يستهزئون ومرادُهم إنكارُ المجيءِ والحبْسِ رأَساً لا الاعترافُ به والاستفسارُ عن حابسه ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ ذلك ﴿لَيْسَ مَصْرُوفاً﴾ محبوساً ﴿عَنْهُمْ﴾ عَلى مَعْنَى أنهُ لا يرفعه رافعٌ أبداً إن أريد به عذابُ الآخرة أو لا يدفعه عنكم دافعٌ بل هو واقعٌ بكم إن أريد به عذابُ الدنيا ويومَ منصوبٌ بخبر ليس مقدماً عليه واستدل به البصريون على جواز تقديمِه على ليس إذ المعمولُ تابعٌ للعامل فلا يقع إلا حيث يقعُ متبوعُه ورُدَّ بأن الظرفَ يجوز فيه ما لا يجوز في غيره توسّعاً وبأنه قد يُقدّم المعمولُ حيث لا مجالَ لتقدم العامل كما في قوله تعالى فَأَمَّا اليتيم فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السائل فَلَا تَنْهَرْ فإن اليتيمَ والسائلَ مع كونهما منصوبين بالفعلين المجزومين قد تقدما على لا الناهيةِ مع امتناع تقدم الفعلين عليها قال أبو حيان وقد تتبعتُ جملةً من دواوين العربِ فلم أظفَرْ بتقديم خبرِ ليس عليها ولا بتقديمِ معمولِه إلا ما دل عليه ظاهرُ هذه الآيةِ الكريمةِ وقولُ الشاعر ... فيأبى فما يزدادُ إلا لجاجة ... وكنتُ أبياً في الخنا لست أُقدِمُ ... ﴿وَحَاقَ بِهِم﴾ أي أحاط بِهِم ﴿مَّا كَانُواْ بِهِ يستهزؤون﴾ أي العذابُ الذي كانوا يستعجلون به استهزاءً وفي التعبير عنه بالموصول تهويلٌ لمكانه وإشعارٌ بعليّة ما ورد في حيِّزِ الصلةِ من استهزائهم به لنزوله وإحاطتِه والتعبيرُ عنها بالماضي واردٌ على عادة الله تعالى في أخباره لأنها في تحققها وتيقُّنها بمنزلة الكائنةِ الموجودةِ وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر وتقرير وقوع المُخْبَرِ به ما لا يَخْفى

стр. 2516

﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً﴾ أي أعطيناه نعمةً من صحة وأمْنٍ وجِدَةٍ وغيرها وأوصلناها إليه بحيث يجد لذّتها ﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا منه﴾ أى

стр. 2517

سورة هود (١٠) (١١) سلبناه وإياها وإيرادُ النزعِ للإشعار بشدة تعلُّقِه بها وحِرْصِه عليها ﴿إنه ليؤوس﴾ شديدُ القنوطِ من رَوْح الله قَطوعٌ رجاءَه من عَود أمثالِها عاجلاً أو آجلاً بفضل الله تعالى لقلة صبرِه وعدمِ توكلِه عليه وثقته به ﴿كَفُورٌ﴾ عظيمُ الكُفرانِ لِما سلف من النعم وفيه إشارةٌ إلى أن النزْعَ إنما كان بسبب كفرانِهم بما كانوا يتقلّبون فيه من نعم الله وتأخيره عن وصف يأسِهم مع تقدمه عليه لرعاية الفواصلِ على أن اليأسَ من فضل الله سبحانه وقطع الرجاء عن إضافة أمثالِه في العاجل وإيصالِ أجرِه في الآجل من باب الكُفران للنعمة السالفة أيضاً

стр. 2518

﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ﴾ كصِحّة بعد سَقَم وجِدَةٍ بعد عدمٍ وفرجٍ بعد شدة وفي التعبير عن ملابسة الرحمةِ والنعماءِ بالذوق المُؤْذِنِ بلذتهما وكونِهما مما يُرْغب فيه وعن ملابسة الضراءِ بالمسِّ المُشْعِرِ بكونها في أدنى ما ينطلق عليه اسمُ الملاقاة من مراتبها وإسنادُ الأول إلى الله دون الثاني ما لا يَخفْى من الجزالة والدِلالةِ على أن مرادَه تعالى إنما هو إيصالُ الخير المرغوبِ فيه على أحسنِ ما يكون وأنه إنما يريد بعباده اليُسرَ دون العسرِ وإنما ينالهم ذلك بسوء اختيارِهم نيلاً يسيراً كأنما يلاصقُ البشرَةَ من غير تأثيرٍ وأما نزعُ الرحمةِ فإنما صدَر عنه بقضية الحِكمةِ الداعيةِ إلى ذلك وهي كفرانُهم بها كما سبق وتنكيرُ الرحمة بإعتبار لحقوق النزْعِ بها ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السيئات عَنّي﴾ أي المصائبُ التي تسوؤني ولن يعترِيَني بعدُ أمثالُها كما هو شأنُ أولئك الأشرارِ فإن الترقّبَ لورود أمثالِها مما يكدّر السرورَ وينغّص العيش ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ﴾ بطِرٌ وأشِرٌ بالنعم مغترٌّ بها ﴿فَخُورٌ﴾ على الناس بما أوتيَ من النعم مشغولٌ بذلك عن القيام بحقها واللامُ في لئن في الآيات الأربعِ موطّئةٌ للقسم وجوابُه سادٌّ مسدَّ جوابِ الشرط

стр. 2519

﴿إِلَاّ الذين صَبَرُواْ﴾ على ما أصابهُم من الضراء سابقاً أو لاحقاً إيماناً بالله واستسلاماً لقضائه ﴿وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ شكراً على آلائه السالفة والآنفة والام في الإنسان إما لاستغراق الجنسِ فالاستثناءُ متصلٌ أو للعهد فمُنقطعٌ ﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيزِ الصلةِ وما فيهِ من معنى البعد للإيذان بعلو درجتهم وبُعدِ منزلَتهِم في الفضلِ أي أولئك الموصوفون بتلك الصفاتِ الحميدة ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ عظيمةٌ لذنوبِهِم وإن جمّت ﴿وَأَجْرٌ﴾ ثوابٌ لأعمالهم الحسنة ﴿كَبِيرٌ﴾ ووجهُ تعلّقِ الآياتِ الثلاثِ بما قبلهن من حيث إن إذاقةَ النَّعماءِ ومِساسَ الضّراءِ فصلٌ من باب الابتلاءِ واقعٌ موقعَ التفصيلِ من الإجمال الواقعِ في قولُه تعالَى لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً والمعنى أنَّ كلاًّ من إذاقة النَّعماءِ ونزعِها مع كونه ابتلاءً للإنسان أيشكُر أم يكفُر لا يهتدي إلى حسن الصواب بل يحَيد في كلتا الحالتين عنه إلى مهاوي الضلالِ فلا يَظهرُ منه حسنُ عملٍ إلا من الصابرين الصالحين أو من حيث إن إنكارَهم بالبعث واستهزائهم بالعذاب بسبب بطرِهم وفخرِهم كأنه قيل إنما فعلُوا ما فعلُوا لأن طبيعةَ الإنسانِ مجبولةٌ على ذلك

стр. 2520

سورة هود (١٢) (١٣)

стр. 2521

﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ﴾ مِن البينات الدالة على حقيقة نبوَّتِك المناديةِ بكونها من عندِ الله لمن له أُذنٌ واعية ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ أي عارضٌ لك ضِيقُ صَدرٍ بتلاوته عليهم وتبليغِه إليهم في أثناء الدعوةِ والمُحاجّة ﴿أَن يَقُولُواْ﴾ لأن يقولوا تعامِياً عن تلك البراهينِ التي لا تكاد تخفى صحّتُها على أحدٍ ممَّن له أدنى بصيرةٍ وتمادياً في العِناد على وجه الاقتراح ﴿لَوْلَا أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ﴾ مالٌ خطيرٌ مخزونٌ يدل على صدقه ﴿أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ﴾ يصدّقه قيل قاله عبدُ اللَّه بنُ أميةَ المخزوميُّ ورُوي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّ رؤساءَ مكةَ قالوا يا محمد اجعل لنا جبالَ مكةَ ذهباً إن كنت رسولاً وقال آخرون ائتِنا بالملائكة يشهدوا بنبوتك فقال لا أقدِر على ذلك فنزلت كأنه ﷺ لما عاين اجتراءَهم على اقتراح مثلِ هذه العظائمِ غيرَ قانعين بالبينات الباهرةِ التي كانت تضطرهم إلى القَبول لو كانوا من أرباب العقولِ وشاهدَ ركوبَهم من المكابرة مَتنَ كلِّ صَعْبٍ وذَلولٍ مسارعين إلى المقابلة بالتكذيب والاستهزاءِ وتسميتِها سحرا مثل حاله ﷺ بحال من يتوقع منه أن يضيقَ صدرُه بتلاوة تلك الآيات الساطعةِ عليهم وتبليغِها إليهم فحُمل على الحذر منه بما في لعل من الإشفاق فقيل ﴿إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ﴾ ليس عليك إلا الإنذارُ بما أوحي إليك غيرَ مبالٍ بما صدرَ عنْهم منَ الرد والقَبولِ ﴿والله على كُلّ شَيْء وَكِيلٌ﴾ يحفَظ أحوالَك وأحوالَهم فتوكلْ عليه في جميع أمورِك فإنه فاعلٌ بهم ما يليق بحالهم والاقتصار على النذير في أقصى غايةٍ من إصابة المَحزّ

стр. 2522

﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه﴾ إضرابٌ بأم المنقطة عن ذكر تركِ اعتدادِهم بما يوحى وتهاونِهم به وعدمِ اقتناعِهم بما فيه من المعجزاتِ الظاهرةِ الدالةِ على كونه من عندِ الله وعلى حقية نبوته ﷺ وشروعٌ في ذكر ارتكابِهم لما هو أشدُّ منه وأعظمُ وما فيها من معنى الهمزةِ للتوبيخ والإنكارِ والتعجيب والضميرُ المستكنُّ في افتراه للنبي ﷺ والبارزُ لما يوحى أي بل أيقولون افتراه وليس من عند الله ﴿قُلْ﴾ إنْ كانَ الأمرُ كَما تقولون ﴿فَاتُواْ﴾ أنتم أيضاً ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ﴾ في البلاغة وحُسنِ النظمِ وهو نعتٌ لسُوَر أي أمثالِه وتوحيدُه إما باعتبار مماثلةِ كل واحد منها أو لأن المطابقةَ ليست بشرط حتى يوصَفُ المثنى بالمفرد كما في قوله تعالى أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مثلنا أو للإماء إلى أن وجهَ الشبهِ ومدارَ المماثلةِ في الجميع شيءٌ واحدٌ هو البلاغةُ المؤديةُ إلى مرتبة الإعجازِ فكأن الجميعَ واحدٌ ﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾ صفةٌ أخرى لسُور أُخِّرت عن وصفها بالمماثلة لما يوحى لأنها الصفةُ المقصودةُ بالتكليف إذ بها يظهر عجزُهم وقعودُهم عن المعارضة وأما وصفُ الافتراء فلا يتعلق به غرضٌ يدور عليه شيءٌ في مقام التحدِّي وإنما ذُكر على نهج المساهلةِ وإرخاءِ العِنانِ ولأنه

стр. 2523

سورة هود (١٤) لو عُكس الترتيبُ لربما تُوُهّم أن المرادَ هو المماثلةُ في الافتراء والمعنى فأتوا بعشر سورٍ مماثلةٍ له في البلاغة مختلقات من عند أنفسِكم إن صح أن اختلقتُه من عندي فإنكم أقدرُ على ذلك مني لأنكم عرَبٌ فصحاءُ بلغاءُ قد مارستم مبادى ذلك من الخُطَب والأشعارِ وحفِظتم الوقائعَ والأيامَ وزاولتم أساليبَ النظْمِ والنثر ﴿وادعوا﴾ للاستظهار في المعارضة ﴿مَنِ استطعتم﴾ دعاءَه والاستعانةَ به من آلهتكم التي تزعُمون أنها مُمِدّةٌ لكم في كل ما تأتون وما تذرون والكهنةِ ومَدارِهِكم الذين تلجئون إلى آرائهم في المُلمّات ليُسعدوكم فيها ﴿مِن دُونِ الله﴾ متعلق بادعوا أي متجاوزينَ الله تعالى ﴿إِن كُنتُمْ صادقين﴾ في أني افتريتُه فإن ذلك يستلزِمُ إمكانَ الإتيانِ بمثله وهو أيضا يستلزم قدرتَكم عليه والجوابُ محذوفٌ يدل عليه المذكور

стр. 2524

﴿فإن لم يستجيبوا لكم﴾ أي فإنْ لم يفعلُوا ما كُلِّفوه من الإتيان بمثله كقولِه تعالى فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وإنَّما عُبِّر عنه بالاستجابة إيماء إلى أنه ﷺ على كمالِ أمنٍ من أمره كأن أمرَه لهم بالإتيان بمثله دعاءٌ لهم إلى أمرٍ يريد وقوعَه والضميرُ في لكم للرسول ﷺ والجمعُ للتعظيم كما في قول من قال ... وإن شئتِ حرمتُ النساءَ سواكمُ ... أوله وللمؤمنين لأنهم أتباعٌ له ﷺ في الأمر بالتحدّي وفيه تنبيهٌ لطيفٌ على أن حقهم ان لا ينفكوا عنه ﷺ ويناصِبوا معه لمعارضة المعارِضين كما كان يفعلونه في الجهاد وإرشادٌ إلى أن ذلك مما يفيد الرسوخَ في الإيمان والطُمأنينةَ في الإيقان ولذلك رُتِّب عليه قولُه فاعلموا أي اعلموا حين ظهر لكم عجزُهم عن المعرضة مع تهالُكهم عليها علماً يقيناً متاخِماً لعين اليقينِ بحيث لا مجالَ معه لشائبة ريبٍ بوجه من الوجوه كأن ما عداه من مراتب العلمِ ليس بعلم لكن لا للإشعار بانحطاطِ تلك المراتبِ بل بارتفاع هذه المرتبةِ وبه يتضح سرا يراد كلمةِ الشكِّ مع القطعِ بعدم الاستجابةِ فإن تنزيلَ سائرِ المراتبِ منزلةَ العدمِ مستتبِعٌ لتنزيل الجزْمِ بعدم الاستجابةِ منزلةَ الشكِّ فيه أو اثبُتوا واستمِرّوا على ما كنتم عليه من العلم ﴿إِنَّمَا أُنزِلَ﴾ ملتبساً ﴿بِعِلْمِ الله﴾ المخصوصِ به بحيث لا تحوم حوله العقولُ والأفهامُ مستبداً بخصائصِ الإعجازِ من جهتي النظمِ الرائقِ والإخبار بالغيب ﴿وَأَن لا إله إلا هو﴾ أي واعلموا أيضا أن لا شريكٍ له في الألوهية وأحكامِها ولا يقدِر على ما يقدرُ عليه أحدٌ ﴿فَهَلْ أَنتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي مخلِصون في الإسلام أو ثابتون عليه وهذا من باب التثبيتِ والترقيةِ إلى معارج اليقينِ ويجوزُ أن يكونَ الخطابُ في الكل للمشركين من جهة الرسول ﷺ داخلاً تحت الأمر بالتحدّي والضميرُ في لم يستجيبوا لمن استطعتم أي فإن لم يستجبْ لكم آلهتُكم وسائرُ مَنْ إليهم تجأرون في مُهمّاتكم ومُلماتكم إلى المعاونة والمظاهَرَةِ فاعلموا أن ذلك خارجٌ عن دائرة قُدْرةِ البشر وأنه مُنزّلٌ من خالق القُوى والقدر فإيرادُ كلمةِ الشكِّ حينئذ مع الجزم بعدمِ الاستجابة من جهة آلهتكم تهكّمٌ بهم وتسجيلٌ عليهم بكمال سخافةِ العقلِ وترتيبُ الأمرِ بالعلم على مجرد عدمِ الاستجابة من حيث إنه مسبوقٌ بالدعاء المسبوقِ بعجزهم واضطرارِهم فكأنه قيل فإن لم يستجيبوا لكم عند التجائِكم إليهم بعد ما اضطُررتم إلى ذلك وضاقت عليكم الحيلُ وعيَّتْ بكم العللُ أو من حيث إن مَنْ يستمدّون بهم أقوى منهم في اعتقادهم فإذا ظهر عجزُهم بعدم استجابتِهم وإن كان ذلك قبل ظهور

стр. 2525

سورة هود (١٥) (١٦) عجزِ أنفِسهم يكون عجزُهم أظهرَ وأوضحَ واعلموا أيضاً أن آلهتَكم بمعزل عن رتبة الشِرْكة في الألوهية وأحكامِها فهل أنتم داخلون في الإسلام إذْ لم يبْقَ بعدُ شائبةُ شبهةٍ في حقِّيته وفي بُطلان ما كنتم فيه من الشرك فيدخُلُ فيه الإذعانُ لكون القرآنِ مِنْ عِندِ الله تعالى دخولاً أولياً أو منقادون للحق الذي هو كونُ القرآنِ مِنْ عِندِ الله تعالى وتاركون لما كنتم فيه من المكابرة والعِناد وفي هذا الاستفهامِ إيجابٌ بليغٌ لما فيه من معنى الطلب والتنبيهِ على قيام الموجبِ وزوالِ العذر وإقناطٌ من أن يجيرهم آلهتُهم من بأس الله عز سلطانُه هذا والأول أنسبُ لما سلف من قوله تعالى وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ ولما سيأتي من قوله تعالى فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ مّنْهُ وأشدُّ ارتباطاً بما يعقُبه كما ستحيطُ به خُبراً
следующие страницы →