← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ﴾ مِن البينات الدالة على حقيقة نبوَّتِك المناديةِ بكونها من عندِ الله لمن له أُذنٌ واعية ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ أي عارضٌ لك ضِيقُ صَدرٍ بتلاوته عليهم وتبليغِه إليهم في أثناء الدعوةِ والمُحاجّة ﴿أَن يَقُولُواْ﴾ لأن يقولوا تعامِياً عن تلك البراهينِ التي لا تكاد تخفى صحّتُها على أحدٍ ممَّن له أدنى بصيرةٍ وتمادياً في العِناد على وجه الاقتراح ﴿لَوْلَا أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ﴾ مالٌ خطيرٌ مخزونٌ يدل على صدقه ﴿أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ﴾ يصدّقه قيل قاله عبدُ اللَّه بنُ أميةَ المخزوميُّ ورُوي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّ رؤساءَ مكةَ قالوا يا محمد اجعل لنا جبالَ مكةَ ذهباً إن كنت رسولاً وقال آخرون ائتِنا بالملائكة يشهدوا بنبوتك فقال لا أقدِر على ذلك فنزلت كأنه ﷺ لما عاين اجتراءَهم على اقتراح مثلِ هذه العظائمِ غيرَ قانعين بالبينات الباهرةِ التي كانت تضطرهم إلى القَبول لو كانوا من أرباب العقولِ وشاهدَ ركوبَهم من المكابرة مَتنَ كلِّ صَعْبٍ وذَلولٍ مسارعين إلى المقابلة بالتكذيب والاستهزاءِ وتسميتِها سحرا مثل حاله ﷺ بحال من يتوقع منه أن يضيقَ صدرُه بتلاوة تلك الآيات الساطعةِ عليهم وتبليغِها إليهم فحُمل على الحذر منه بما في لعل من الإشفاق فقيل ﴿إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ﴾ ليس عليك إلا الإنذارُ بما أوحي إليك غيرَ مبالٍ بما صدرَ عنْهم منَ الرد والقَبولِ ﴿والله على كُلّ شَيْء وَكِيلٌ﴾ يحفَظ أحوالَك وأحوالَهم فتوكلْ عليه في جميع أمورِك فإنه فاعلٌ بهم ما يليق بحالهم والاقتصار على النذير في أقصى غايةٍ من إصابة المَحزّ

стр. 2522

﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه﴾ إضرابٌ بأم المنقطة عن ذكر تركِ اعتدادِهم بما يوحى وتهاونِهم به وعدمِ اقتناعِهم بما فيه من المعجزاتِ الظاهرةِ الدالةِ على كونه من عندِ الله وعلى حقية نبوته ﷺ وشروعٌ في ذكر ارتكابِهم لما هو أشدُّ منه وأعظمُ وما فيها من معنى الهمزةِ للتوبيخ والإنكارِ والتعجيب والضميرُ المستكنُّ في افتراه للنبي ﷺ والبارزُ لما يوحى أي بل أيقولون افتراه وليس من عند الله ﴿قُلْ﴾ إنْ كانَ الأمرُ كَما تقولون ﴿فَاتُواْ﴾ أنتم أيضاً ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ﴾ في البلاغة وحُسنِ النظمِ وهو نعتٌ لسُوَر أي أمثالِه وتوحيدُه إما باعتبار مماثلةِ كل واحد منها أو لأن المطابقةَ ليست بشرط حتى يوصَفُ المثنى بالمفرد كما في قوله تعالى أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مثلنا أو للإماء إلى أن وجهَ الشبهِ ومدارَ المماثلةِ في الجميع شيءٌ واحدٌ هو البلاغةُ المؤديةُ إلى مرتبة الإعجازِ فكأن الجميعَ واحدٌ ﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾ صفةٌ أخرى لسُور أُخِّرت عن وصفها بالمماثلة لما يوحى لأنها الصفةُ المقصودةُ بالتكليف إذ بها يظهر عجزُهم وقعودُهم عن المعارضة وأما وصفُ الافتراء فلا يتعلق به غرضٌ يدور عليه شيءٌ في مقام التحدِّي وإنما ذُكر على نهج المساهلةِ وإرخاءِ العِنانِ ولأنه

стр. 2523

سورة هود (١٤) لو عُكس الترتيبُ لربما تُوُهّم أن المرادَ هو المماثلةُ في الافتراء والمعنى فأتوا بعشر سورٍ مماثلةٍ له في البلاغة مختلقات من عند أنفسِكم إن صح أن اختلقتُه من عندي فإنكم أقدرُ على ذلك مني لأنكم عرَبٌ فصحاءُ بلغاءُ قد مارستم مبادى ذلك من الخُطَب والأشعارِ وحفِظتم الوقائعَ والأيامَ وزاولتم أساليبَ النظْمِ والنثر ﴿وادعوا﴾ للاستظهار في المعارضة ﴿مَنِ استطعتم﴾ دعاءَه والاستعانةَ به من آلهتكم التي تزعُمون أنها مُمِدّةٌ لكم في كل ما تأتون وما تذرون والكهنةِ ومَدارِهِكم الذين تلجئون إلى آرائهم في المُلمّات ليُسعدوكم فيها ﴿مِن دُونِ الله﴾ متعلق بادعوا أي متجاوزينَ الله تعالى ﴿إِن كُنتُمْ صادقين﴾ في أني افتريتُه فإن ذلك يستلزِمُ إمكانَ الإتيانِ بمثله وهو أيضا يستلزم قدرتَكم عليه والجوابُ محذوفٌ يدل عليه المذكور

стр. 2524

﴿فإن لم يستجيبوا لكم﴾ أي فإنْ لم يفعلُوا ما كُلِّفوه من الإتيان بمثله كقولِه تعالى فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وإنَّما عُبِّر عنه بالاستجابة إيماء إلى أنه ﷺ على كمالِ أمنٍ من أمره كأن أمرَه لهم بالإتيان بمثله دعاءٌ لهم إلى أمرٍ يريد وقوعَه والضميرُ في لكم للرسول ﷺ والجمعُ للتعظيم كما في قول من قال ... وإن شئتِ حرمتُ النساءَ سواكمُ ... أوله وللمؤمنين لأنهم أتباعٌ له ﷺ في الأمر بالتحدّي وفيه تنبيهٌ لطيفٌ على أن حقهم ان لا ينفكوا عنه ﷺ ويناصِبوا معه لمعارضة المعارِضين كما كان يفعلونه في الجهاد وإرشادٌ إلى أن ذلك مما يفيد الرسوخَ في الإيمان والطُمأنينةَ في الإيقان ولذلك رُتِّب عليه قولُه فاعلموا أي اعلموا حين ظهر لكم عجزُهم عن المعرضة مع تهالُكهم عليها علماً يقيناً متاخِماً لعين اليقينِ بحيث لا مجالَ معه لشائبة ريبٍ بوجه من الوجوه كأن ما عداه من مراتب العلمِ ليس بعلم لكن لا للإشعار بانحطاطِ تلك المراتبِ بل بارتفاع هذه المرتبةِ وبه يتضح سرا يراد كلمةِ الشكِّ مع القطعِ بعدم الاستجابةِ فإن تنزيلَ سائرِ المراتبِ منزلةَ العدمِ مستتبِعٌ لتنزيل الجزْمِ بعدم الاستجابةِ منزلةَ الشكِّ فيه أو اثبُتوا واستمِرّوا على ما كنتم عليه من العلم ﴿إِنَّمَا أُنزِلَ﴾ ملتبساً ﴿بِعِلْمِ الله﴾ المخصوصِ به بحيث لا تحوم حوله العقولُ والأفهامُ مستبداً بخصائصِ الإعجازِ من جهتي النظمِ الرائقِ والإخبار بالغيب ﴿وَأَن لا إله إلا هو﴾ أي واعلموا أيضا أن لا شريكٍ له في الألوهية وأحكامِها ولا يقدِر على ما يقدرُ عليه أحدٌ ﴿فَهَلْ أَنتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي مخلِصون في الإسلام أو ثابتون عليه وهذا من باب التثبيتِ والترقيةِ إلى معارج اليقينِ ويجوزُ أن يكونَ الخطابُ في الكل للمشركين من جهة الرسول ﷺ داخلاً تحت الأمر بالتحدّي والضميرُ في لم يستجيبوا لمن استطعتم أي فإن لم يستجبْ لكم آلهتُكم وسائرُ مَنْ إليهم تجأرون في مُهمّاتكم ومُلماتكم إلى المعاونة والمظاهَرَةِ فاعلموا أن ذلك خارجٌ عن دائرة قُدْرةِ البشر وأنه مُنزّلٌ من خالق القُوى والقدر فإيرادُ كلمةِ الشكِّ حينئذ مع الجزم بعدمِ الاستجابة من جهة آلهتكم تهكّمٌ بهم وتسجيلٌ عليهم بكمال سخافةِ العقلِ وترتيبُ الأمرِ بالعلم على مجرد عدمِ الاستجابة من حيث إنه مسبوقٌ بالدعاء المسبوقِ بعجزهم واضطرارِهم فكأنه قيل فإن لم يستجيبوا لكم عند التجائِكم إليهم بعد ما اضطُررتم إلى ذلك وضاقت عليكم الحيلُ وعيَّتْ بكم العللُ أو من حيث إن مَنْ يستمدّون بهم أقوى منهم في اعتقادهم فإذا ظهر عجزُهم بعدم استجابتِهم وإن كان ذلك قبل ظهور

стр. 2525

سورة هود (١٥) (١٦) عجزِ أنفِسهم يكون عجزُهم أظهرَ وأوضحَ واعلموا أيضاً أن آلهتَكم بمعزل عن رتبة الشِرْكة في الألوهية وأحكامِها فهل أنتم داخلون في الإسلام إذْ لم يبْقَ بعدُ شائبةُ شبهةٍ في حقِّيته وفي بُطلان ما كنتم فيه من الشرك فيدخُلُ فيه الإذعانُ لكون القرآنِ مِنْ عِندِ الله تعالى دخولاً أولياً أو منقادون للحق الذي هو كونُ القرآنِ مِنْ عِندِ الله تعالى وتاركون لما كنتم فيه من المكابرة والعِناد وفي هذا الاستفهامِ إيجابٌ بليغٌ لما فيه من معنى الطلب والتنبيهِ على قيام الموجبِ وزوالِ العذر وإقناطٌ من أن يجيرهم آلهتُهم من بأس الله عز سلطانُه هذا والأول أنسبُ لما سلف من قوله تعالى وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ ولما سيأتي من قوله تعالى فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ مّنْهُ وأشدُّ ارتباطاً بما يعقُبه كما ستحيطُ به خُبراً

стр. 2526

﴿من كان يريد الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا﴾ أي ما يزيِّنها ويحسِّنها من الصحة والأمنِ والسعةِ في الرزق وكثرةِ الأولادِ والرياسةِ وغيرِ ذلك والمرادُ بالإرادة ما يحصُل عند مباشرةِ الأعمالِ لا مجرد الإدارة القلبية لقوله تعالى ﴿نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ وإدخالُ كان عليه للدِلالة على استمرارها منهم بحيث لا يكادون يريدون الآخِرةَ أصلاً وليس المرادُ بأعمالهم أعمالَ كلِّهم فإنه لا يجد كلُّ متمنَ ما يتمناه ولا كلُّ أحدٍ ينال كلَّ ما يهواه فإن ذلك منوطٌ بالمشيئة الجاريةِ على قضية الحِكمة كما نطق به قوله تعالى مَن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ولا كلَّ أعمالِهم بل بعضَها الذي يترتب عليه الأمورُ المذكورةُ بطريق الأجرِ والجزاءِ من أعمال البرِّ وقد أُطلقت وأريد بها ثمراتُها فالمعنى نوصِلُ إليهم ثمراتِ أعمالِهم في الحياة الدنيا كاملةً وقرىء يُوفِّ على الإسناد إلى الله وتُوَفَّ بالفوقانية على البناءِ للمفعولِ ورفعِ أعمالَهم وقرىء نُوْفي بالتخفيف والرفع لكون الشرط ماضياً كقوله ... وَإِنْ أَتَاهُ خليلٌ يومَ مسغَبة ... يقول لا غائب ما لي ولا حرِمُ ... ﴿وَهُمْ فِيهَا﴾ أي في الحياة الدنيا ﴿لَا يُبْخَسُونَ﴾ أي لا يُنقَصون وإنما عبر عن ذلك بالبخْس الذي هو نقصُ الحقِّ مع أنه ليس لهم شائبةُ حقَ فيما أوتوه كما عبّر عن إعطائه بالتوفية التي هي إعطاءُ الحقوقِ مع أن أعمالهم بمعزل عن كونها مستوجبةً لذلك بناءً للأمر على ظاهر الحالِ ومحافظةً على صور الأعمالِ ومبالغةً في نفي النقص كأن ذلك نقصٌ لحقوقهم فلا يدخُل تحت الوقوعِ والصدورِ عن الكريم أصلاً والمعنى أنهم فيها خاصةً لا يُنقصون ثمراتِ أعمالِهم وأجورَها نقصاً كلياً مطرداً ولا يُحرَمونها حِرماناً كلياً وما في الآخرة فهم في الحِرمان المطلقِ واليأسِ المحقق كما ينطق به قوله تعالى

стр. 2527

﴿أولئك﴾ الخ فإنه إشارةٌ إلى المذكورين باعتبار إرادتِهم الحياةَ الدنيا أو باعتبار توْفيتِهم أجورَهم من غير بخسٍ أو باعتبارهما معاً وما فيه من معنى البعد للإيذانِ ببُعد منزلتِهم في سوء الحال لأي أولئك المُريدون للحياة الدنيا وزينتِها المُوَفَّوْن فيها ثمراتِ أعمالهم من غير بخس ﴿الذين لَيْسَ لَهُمْ فِى الاخرة إِلَاّ النار﴾ لأن هِممَهم كانت مصروفةً إلى الدنيا وأعمالَهم مقصورةً على تحصيلها وقد

стр. 2528

سورة هود (١٧) اجتنبوا ثمرتَها ولم يكونوا يريدون بها شيئاً آخرَ فلا جرمَ لم يكن لهم فى الاخرة إلا النار وعذابُها المخلّد ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا﴾ أي ظهر في الآخرة حُبوطُ ما صنعوه من الأعمال التي كانت تؤدِّي إلى الثواب لو كانت معمولةً للآخرة أو حبط ما صنعوه في الدُّنيا من أعمال البِرِّ إذ شرْطُ الاعتدادِ بها الإخلاصُ ﴿وباطل﴾ أي في نفسه ﴿مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ في أثناء تحصيلِ المطالبِ الدنيويةِ ولأجل أن الأولَ من شأنه استتباعُ الثوابِ والأجرِ وأن عدمَه لعدم مقارنتِه للإيمان والنيةِ الصحيحةِ وأن الثانيَ ليس له جهةٌ صالحة قطُّ عُلّق بالأول الحُبوطُ المؤذِنُ بسقوط أجرِه بصيغة الفِعل المنبىءِ عن الحدوث وبالثاني البُطلانُ المُفصِحُ عن كونه بحيث لا طائلَ تحته أصلاً بالاسمية الدالةِ على كون ذلك وصفاً لازماً له ثابتاً فيه وفي زيادة كان في الثاني دون الأول إيماءٌ إلى أن صدور أعمال البرِّ منهم وإن كان لغرض فاسدٍ ليس في الاستمرار والدوامِ كصدور الأعمالِ التي هي من مقدِّمات مطالبِهم الدنية وقُرىء وبطَل على الفعل أي ظهر بطلانُه حيث علم هناك أن ذلك وما يستتبعه من الحظوظ الدنيويةِ مما لا طائلَ تحته أو انقطع أثرُه الدنيويُّ فبطَل مطلقاً وقرىء وباطلاً ما كانوا يعملون على أن ما إبهاميةٌ أو في معنى المصدر كقوله ولا خارجاً مِنْ فِيَّ زورُ كلامِ وعن أنسٌ ﵁ أنَّ المرادُ بقولِه تعالَى مِنْ كَانَ يُرِيدُ الخ اليهودُ والنصارى إن أعطَوا سائلاً أو وصَلوا رحِماً عُجّل لهم جزاءُ ذلك بتوسعة في الرزق وصِحةٍ في البدن وقيل هم الذين جاهدوا من المنافقين مع رسول الله ﷺ فأسْهم لهم في الغنائم وأنتُ خبيرٌ بأنَّ ذلكَ إنما كان بعد الهجرةِ والسورةُ مكيةٌ وقيل هم أهلُ الرياءِ يقال للقرّاء منهم أردتَ أن يقال فلان قارئ فقد قيل ذلك وهكذا لغيره ممن يعمل أعمالَ البِرِّ لا لوجه الله تعالى فعلى هذا لا بد من تقييد قوله تعالى لَهُمْ إِلَاّ النار بأنْ ليس لهم بسبب أعمالِهم الريائيةِ إلا ذلك والذي تقتضيهِ جزالةُ النظمِ الكريمِ أن المرادَ به مطلقُ الكفَرة بحيث يندرِجُ فيهم القادحون في القرآن العظيمِ اندراجاً أولياً فإنه عز وعلا لما أمر نبيَّه ﷺ والمؤمنين بأن يزدادوا علماً ويقيناً بأن القرآنَ منزلٌ بعلم الله وبأن لا قُدرةَ لغيره على شيء أصلاً وهيّجهم على الثبات على الإسلام والرسوخِ فيه عند ظهورِ عجزِ الكفرةِ وما يدْعون من دون الله عن المعارضة وتبيّن أنهم ليسوا على شيء أصلاً اقتضى الحالُ أن يتعرض لبض شئونهم الموهمةِ لكونهم على شيء في الجملة من نيلهم الحظوظَ العاجلةَ واستيلائهم على المطالب الدنيويةِ وبيانِ أن ذلك بمعزل عن الدلالة عليه ولقد بُيِّن ذلك أيَّ بيانٍ ثم أعيد الترغيبُ فيما ذكر من الإيمان بالقرآن والتوحيدِ والإسلام فقيل

стр. 2529

﴿أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ﴾ أي برهانٍ نيِّرٍ عظيمِ الشأنِ يدل على حقية ما رَغّب في الثبات عليه من الإسلام وهو القرآنُ وباعتباره أو بتأويل البرهانِ ذُكر الضميرُ الراجعُ إليها في قوله تعالى ﴿وَيَتْلُوهُ﴾ أي يتبعه ﴿شَاهِدٌ﴾ يشهد بكونه من عند الله تعالى وهو الإعجاز في

стр. 2530

سورة هود (٧ ا) نظمه المطّردِ في كل مقدارِ سورةٍ منه أو ما وقع في بعض آياتِه من الإخبار بالغيب وكلاهما وصفٌ تابعٌ له شاهدٌ بكونه من عندِ الله غيرَ أنه على التقدير الأولِ يكون في الكلامِ إشارةٌ إلى حال رسولِ الله ﷺ والمؤمنين في تمسّكهم بالقرآن عند تبيُّنِ كونِه منزلاً بعلم الله بشهادة الإعجاز مِنْهُ أي من القرآن غيرَ خارجٍ عنه أو من جهة الله تعالى فإن كلاًّ منهما واردٌ من جهته تعالى للشهادة ويجوز على هذا التقديرِ أن يراد بالشاهد المعجزاتُ الظاهرةُ على يدَيْ رسولِ الله ﷺ فإن ذلك أيضاً من الشواهد التابعةِ للقرآن الواردةِ من جهته تعالى فالمرادُ بَمنْ في قوله تعالى أَفَمَنِ كلُّ من اتصف بهذه الصفةِ الحميدةِ فيدخُل فيه المخاطَبون بقوله تعالى فاعلموا فَهَلْ أَنتُمْ دخولاً أولياً وقيل هو النبيُّ ﷺ وقيل مؤمنو أهلِ الكتابِ كعبدِ اللَّهِ بن سلام وأضرابِه وقيل المرادُ بالبينة دليلُ العقلِ وبالشاهد القرآنُ فالضمير في منه لله تعالى أو البينةُ القرآنُ ويتلوه من التلاوة والشاهدُ جبريلُ أو لسانُ النبيِّ ﷺ على أن الضميرَ له أو من التُّلُوّ والشاهدُ مَلَكٌ يحفظ والأَوْلى هو الأولُ ولما كان المرادُ بتلوّ الشاهدِ للبرهان إقامةَ الشهادة بصحته وكونِه من عند الله تابعاً له بحيث لا يفارقه في مشهد من المشاهد فإن القرآنَ بيِّنةٌ باقيةٌ على وجه الدهرِ مع شاهدها الذي يشهد بأمرها إلى يوم القيامةِ عند كلِّ مؤمنٍ وجاحدٍ عُطف كتابُ موسى في قوله عز قائلاً ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى﴾ على فاعله مع كونه مقدَّماً عليه في النزول فكأنه قيل أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ من ربه ويشَهد به شاهدٌ منه وشاهدٌ آخرُ مِنْ قبله هو كتابُ موسى وإنما قُدّم في الذكر المؤخَّرِ في النزول لكونه وصفاً لازماً له غيرَ مفارِقٍ عنه ولعراقته في وصف التلوِّ والتنكيرُ في بينة وشاهد للتفخيم ﴿إِمَاماً﴾ أي مؤتماً به في الدين ومقتدىً وفي التعرض لهذا الوصفِ بصدد بيانِ تلوِّ الكتابِ ما لا يَخفْى من تفخيم شأنِ المَتْلوِّ ﴿وَرَحْمَةً﴾ أي نعمةً عظيمة على من أُنزل إليهم ومَنْ بعدهم إلى يوم القيامة باعتبار أحكامِه الباقيةِ المؤيَّدةِ بالقرآن العظيمِ وهما حالان من الكتاب ﴿أولئك﴾ الموصوفون بتلك الصف الحميدةِ وهو الكونُ على بينة من الله ولِما أن ذلك عبارةٌ عن مطلق التمسكِ بها وقد يكون ذلك بطريق التقليدِ لمن سلف من عظماء الدين من غير عُثورٍ على دقائق الحقائقِ وصفهم بأنهم ﴿يؤمنون﴾ أي يصدقونه حقَّ التصديقِ حسبما تشهد به الشواهدُ الحقّة المعربةُ عن حقيته ﴿وَمن يَكْفُرْ بِهِ﴾ أي بالقرآن ولم يصدِّق بتلك الشواهد الحقَّةِ ﴿مّن الاحزاب﴾ من أهل مكةَ ومن تحزّب معهم على رسُولِ الله ﷺ ﴿فالنار مَوْعِدُهُ﴾ يردّها لا محالة حسبما نطَق به قوله تعالى ليس لهم فى الاخرة إلا النار وفي جعلها موعداً إشعارٌ بأن له فيها ما لا يوصف من أفانين العذابِ ﴿فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ مّنْهُ﴾ أي في شك من أمر القرآنِ وكونِه من عندِ الله غبما شهِدت به الشواهدُ المذكورةُ وظهر فضلُ من تمسك بِهِ ﴿أَنَّهُ الحق مِن رَّبّكَ﴾ الذي يربِّيك في دينك ودنياك ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بذلك إما لقصور أنظارِهم واختلالِ أفكارِهم وإما لعنادهم واستكبارِهم فمن في قوله تعالى أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ مبتدأٌ حُذف خبرُه لإغناء الحالِ عن ذكره وتقديرُه أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ من ربه كأولئك الذين ذُكرت أعمالَهم وبُيِّن مصيرُهم ومآلُهم يعني أن بينهما تفاوتا عظيماً بحيث لا يكاد يتراءى ناراهما وإيرادُ الفاءِ بعد الهمزةِ لإنكار ترتّبِ توهّم المماثلةِ على ما ذكر من صفاتهم وعُدّد من هَناتهم كأنه قيل أبعدَ ظهورِ حالِهم فِي الدنيا والآخرة كما وُصف يُتوهم المماثلةُ بينهم وبين مَنْ كان على أحسنِ ما يكون

стр. 2531

سورة هود (١٨) (١٩) (٢٠) في العاجل والآجل كما في قوله تعالى أفاتخذتم مّن دُونِهِ أَوْلِيَاء أي أبعدَ أن علمتموه ربَّ السمواتِ والأرض اتخذتم من دونه أولياءَ وقولِه تعالى أمن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ الحق كَمَنْ هُوَ أعمى

стр. 2532

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ بأن نسَب إليه ما لا يليقُ به كقولهم للملائكة بناتُ الله تعالَى الله عن ذلكَ عُلواً كبيراً وقولهم لآلهتم هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله يعني أنهم مع كفرَهم بآياتِ الله تعالى مفترون عليه كذباً وهذا التركيُب وإن كان سبكُه على إنكار أن يكون أحد أظلمَ منهم من غيرِ تعرضٍ لإنكار المساواة ونفيها ولكنّ المقصودَ به قصداً مطرداً إنكارُ المساواةِ ونفيُها وإفادةُ أنهم أظلمَ منْ كلِّ ظالمٍ كما ينبىء عنه ما سيتلى من قولهِ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الأخرة هُمُ الأخسرون فإذا قيل مَنْ أكرمُ من فلان أولا أفضلَ منه فالمرادُ منه حتماً أنه أكرمُ من كل كريم وأفضل من كل فاضل ﴿أولئك﴾ الموصوفون بالظلم البالغِ الذي هو الافتراءِ على الله تعالى وبهذه الإشارة حصَلت الغُنيةُ عن إسناد العَرضِ إلى أعمالهم واكتُفي بإسناده إليهم حيث قيل ﴿يُعْرَضُونَ﴾ لأن عرضَهم من تلك الحيثيةِ وبذلك العنوانِ عرضٌ لأعمالهم على وجهٍ أبلغَ فإن عرضَ العاملِ بعمله أفظعُ من عرض عملِه مع غَيْبته ﴿على رَبّهِمْ﴾ الحقِّ وفيه إيماءٌ إلى بطلان رأيِهم في اتخاذهم أربابا من دون الله ﴿وَيَقُولُ الاشهاد﴾ عند العَرْض من الملائكة والنبيين أو من جوارحهم وهو جمعُ شاهد أو شهيد كأصحاب وأشراف ﴿هَؤُلاء الذين كَذَبُواْ على رَبّهِمْ﴾ بالافتراء عليه كأن ذلك أمرٌ واضحٌ غنيٌ عن الشهادة بوقوعه وإنما المحتاجُ إلى الشهادة تعيينُ مَنْ صدر عنه ذلك فلذلك لا يقولون هؤلاء كذبوا على ربهم ويجوز أن يكون المرادُ بالأشهاد الحضّارَ وهم جميعُ أهلِ الموقفِ على ما قاله قتادة ومقاتل ويكون قولُهم هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ذماً لهم بذلك لإشهاده عليهم كما يُشعر بهِ قولُه تعالى وَيَقُولُ دون وَيُشْهِدُ الخ وتوطئةً لما يعقُبه منْ قولِه تعالى ﴿أَلَا لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾ بالافتراء المذكورِ ويجوز أن يكون هذا على الوجه الأولِ من كلام الله تعالى وفيه تهويلٌ عظيمٌ لما يحيق بهم من عاقبة ظلمِهم اللهم إنا نعوذ بك من الخزي على رؤوس الأشهاد

стр. 2533

﴿الذين يَصُدُّونَ﴾ أي كلَّ من يقدِرون على صدّه أو يفعلون الصدُ ﴿عَن سَبِيلِ الله﴾ عن دينه القويمِ ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ انحرافاً أي يصفونها بذلك وهي أبعدُ شيءٍ منه أو يبغون أهلَها أن ينحرفوا عنها يقال بغَيتك خيراً أو شراً أي طلبتُ لك وهذا شاملٌ لتكذيبهم بالقرآن وقولِهم إنه ليس من عند الله ﴿وَهُمْ بالاخرة هُمْ كافرون﴾ أي يصِفونها بالعِوَج والحالُ أنهم كافرون بها لا أنهم يؤمنون بها ويزعُمون أن لها سبيلاً سوياً يهدون الناسَ إليه وتكريرُ الضمير لتأكيد كفرِهم واختصاصِهم به كأن كفرَ غيرِهم ليس بشيء عند كفرهم

стр. 2534

﴿أولئك﴾

стр. 2535

سورة هود (٢١٢٢٢٣) مع وصف من أحوالهم الموجبة للتدمير ﴿لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ﴾ الله تعالى مُفْلِتين بأنفسهم من أخذه لو أراد ذلك ﴿فِى الارض﴾ مع سَعتها وإنْ هربُوا منها كلَّ مَهْرب ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَاء﴾ ينصُرونهم من بأسه ولكن أُخِّر ذلك لحكمة تقتضيه والجمعُ إما باعتبار أفراد الكفَرة كأنه قيل وما كان لأحد منهم من وليَ أو باعتبار تعدّدِ ما كانوا يدعون من دونِ الله تعالَى فيكون ذلك بياناً لحال آلهتِهم من سقوطها عن رتبة الولاية ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ العذاب﴾ استئنافٌ يتضمن حكمةَ تأخيرِ المؤاخذة وقرأ ابنُ كثير وابنُ عامرٍ ويعقوبُ بالتشديد ﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع﴾ لفَرْط تصامِّهم عن الحق وبُغضِهم له كأنهم لا يقدرون على السمع ولما كان قبحُ حالِهم في عدم إذعانِهم للقرآن الذي طريقُ تلقّيه السمعُ أشدَّ منه في عدم قَبولِهم لسائر الآياتِ المنوطةِ بالإبصار بالغَ في نفي الأولِ عنهم حيث نفى عنهم الاستطاعةَ واكتفى في الثاني بنفي الإبصارِ فقال تعالى ﴿وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ﴾ لتعاميهم عن آيات الله المبسوطةِ في الأنفس والآفاقِ وهو استئنافٌ وقع تعليلاً لمضاعفة العذابِ وقيل هو بيانٌ لما نُفي من ولاية الآلهةِ فإن ما لا يسمع ولا يُبصر بمعزل من الولاية وقوله تعالى يُضَاعَفُ لَهُمُ العذاب اعتراضٌ وسِّط بينهما نعياً عليهم من أول الأمرِ سوءَ العاقبة

стр. 2536

﴿أولئكَ﴾ المنعوتونَ بما ذُكر من القبائح ﴿الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم﴾ باشتراء عبادةِ الآلهةِ بعبادة الله عز سلطانُه ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ من الآلهة وشفاعتِها أو خسِروا ما بذلوا وضاع عنهم ما حصَلوا فلم يبقَ معهم سوى الحسرةِ والندامة

стр. 2537

﴿لَا جَرَمَ﴾ فيه ثلاثةُ أوجةٍ الأولُ أن لا نافيةٌ لما سبق وجَرَم فعلٌ بمعنى حقَّ وأنْ مع ما في حيزه فاعلُه والمعنى لا ينفعهم ذلك الفعلُ حقَّ ﴿أَنَّهُمْ فِى الأخرة هُمُ الأخسرون﴾ وهذا مذهبُ سيبويه والثاني جرَمَ بمعنى كسب وما بعده مفعولُه وفاعلُه ما دل عليه الكلامُ أي كسب ذلك خُسرانَهم فالمعنى ما حصلَ من ذلكَ إلا ظهورُ خُسرانِهم والثالثُ أن لا جرم بمعنى لا بد أى لا بد أَنَّهُمْ فِى الأخرة هُمُ الأخسرون وأياً ما كان فمعناه أنهم أخسرَ من كل خاسرٍ فتبين أنهم أظلمَ منْ كلِّ ظالمٍ وهذه الآياتُ الكريمة كما ترى مقرِّرةٌ لما سبق من إنكار المماثلةِ بين مَنْ كَانَ على بَيّنَةٍ مّن ربه وبين مَنْ كان يريد الحياةَ الدنيا أبلغَ تقريرٍ فإنهم حيث كانوا أظلمَ منْ كلِّ ظالمٍ وأخسَر من كل خاسرٍ لم يُتصوَّرْ مماثلةٌ بينهم وبين أحدٍ من الظَّلَمةِ الأخسرين فما ظنُّك بالمماثلة بينهم وبين مَنْ هو في أعلى مدارجِ الكمالِ ولما ذُكر فريقُ الكفارِ وأعمالُهم وبيّن مصيُرهم ومآلُهم شَرَع في بيان حالِ أضدادِهم أعني فريقَ المؤمنين وما يئول إليه أمرُهم من العواقب الحميدةِ تكملةً لما سلف من محاسنهم المذكورةُ في قولِه تعالى أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ من ربه الآية ليتبينَ ما بينهُما من التَّباينِ البيِّنِ حالاً ومآلاً فقيل

стр. 2538

﴿إن الذين آمنوا﴾ أي بكلِّ ما يجبُ أنْ يؤمن

стр. 2539

سورة يونس (٢٤) به فيندرج تحتَه ما نحن بصدده من الإيمان بالقرآن الذي عبّر عنه بالكون على بينة من الله وإنما يحصُل ذلك باستماع الوحي والتدبرِ فيه ومشاهدةِ ما يؤدِّي إلى ذلك في الأنفس والآفاقِ أو فعلوا الإيمان كما في يُعطي ويمنع ٨ - وَعَمِلُواْ الصالحات وَأَخْبَتُواْ إلى رَبّهِمْ ٨ أي اطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخضوع والتواضعِ من الخَبْت وهي الأرضُ المطمئنة ومعنى أخبت دخل في الخبت كأنهم وأنجدَ دخلَ في تِهامةَ ونجد ٨ - أوليك ٨ المنعوتون بتلك النعوتِ الجميلة ٨ - أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون ٨ دائمون وبعد بيانِ تباينِ حاليهما عقلاً أريد بيانُ تبايُنِهما حِساً فقيل

стр. 2540

٨ - ﴿مَثَلُ الفريقين﴾ ٨ المذكورين أي حالُهما العجيبُ لأن المثَلَ لا يُطلق إلا على ما فيه غرابةٌ من الأحوال والصفات ٨ - كالاعمى والاصم والبصير والسميع ٨ أي كحال هؤلاءِ فيكون ذواتُهم كذواتهم والكلامُ وإن أمكن أن يحمل على تشبيه الفريق الأولِ بالأعمى وبالأصمِّ وتشبيهِ الفريقِ الثاني بالبصير وبالسميع لكن الأدخلَ في المبالغة والأقربَ إلى ما يشير إليه لفظُ المثل والأنسبَ بما سبق من وصف الكفرةِ بعدم استطاعةِ السمع وبعدم الإبصارِ أن يُحمل على تشبيه الفريقِ الأولِ بمن جمع بين العَمى والصمَم وتشبيهُ الفريقِ الثاني بمَن جمع بين البصر والسمع على أن تكون الواوُ في قوله تعالى والاصم وفي قوله والسميع لعطف الصفةِ على الصفة كما في قول من قالَ ... إِلَى الملكِ القَرْمِ وابنِ الهُمام ... وليثِ الكتيبةِ في المُزْدَحَمْ ... وأياً ما كان فالظاهرُ أن المرادَ بالحال المدلولِ عليها بلفظ المَثَل وهي التي يدور عليها أمرُ التشبيهِ ما يلائم الأحوالَ المذكورةَ المعتبرةَ في جانب المشبَّه به من تعامي الفريقِ الأولِ عن مشاهدة آياتِ الله المنصوبةِ في العالم والنظرِ إليها بعين الاعتبارِ وتصامِّهم عن استماع آياتِ القرآنِ الكريم وتلقّيها بالقبول حسبما ذُكر في قوله تعالى مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ وإنما لم يُراعَ هذا الترتيبُ ههنا لكون الأعمى أظهرَ وأشهرَ في سوء الحالِ من الأصم ومن استعمال الفريقِ الثاني لكل من أبصارهم وأسماعِهم فيما ذكر كما ينبغي المدلولُ عليه بما سبق من الإيمان والعملِ الصالحِ والإخبات حسبما فسر به فيما مر فلا يكون التشبيهُ تمثيلياً لا جميع الأحوال المعدودةِ لكل من الفريقين مما ذكر وما يؤدِّي إليهِ من العذاب المضاعَف والخسران البالغِ في أحدهما ومن النعيم المقيم في الآخر فإن اعتبارَ ذلك ينزِعُ إلى كون التشبيهِ تمثيلياً بأن يُنتزَعَ من حال الفريقِ الأول في تصامّهم وتعاميهم المذكورَيْن ووقوعِهم بسبب ذلك في العذاب المضاعفِ والخُسران الذي لا خسرانَ فوقه هيئةٌ فتُشبَّه بهيئةٍ منتزَعةٍ ممن فقَد مَشْعَرَيْ البصر والسمعِ فتخبَّط في مسلَكه فوقع في مهاوي الردى ولم يجِدْ إلى مقصِده سبيلاً وينتزَعَ من حال الفريق الثاني في استعمال مشاعرِهم في آياتِ الله تعالَى حسبما ينبغي وفوزِهم بدار الخلود هيئة فتشبيه بهيئة منتزعة ممن له بصَرٌ وسمع يستعملهما في مهماته فيهتدي إلى سبيله وينال مَرامه ٨ - هَلْ يَسْتَوِيَانِ ٨ يعني الفريقين المذكورين والاستفهامُ إنكاريٌّ مذكّر لما سبق من إنكار المماثلة في قوله عزوجل أفمن كان على بيته الآية مَثَلاً أي حالاً وصفةً وهو تمييزٌ من فاعل يستويان ٨ - أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٨ أي أتشكّون في عدم الاستواءِ وما بينهما من التباين أو أتغفُلون عنه فلا تتذكرونه بالتأمل فيما ضرب

стр. 2541

سورة يونس (٢٥) لكم من المثل فيكون الإنكارُ وارداً على المعطوفَيْن معاً أو أتسمعون هذا فلا تتذكرون فيكون راجعاً إلى عدم التذكر بعد تحققِ ما يوجب وجودَه وهو المثل المضروبُ كما في قوله تعالى أفَإِنْ مَاتَ أوْ قُتِلَ انقلبتم على أعقابكم فإن الفاء هناك لإنكار الانقلابِ بعد تحققِ ما يُوجبُ عدمَه من علمهم بخلوّ الرسلِ قبل رسول الله ﷺ أو أفلا تفعلون التذكرَ أوافلا تعقِلون ومعنى الهمزةِ إنكارُ عدمِ التذكرِ واستبعادُ صدوره عن المخاطبين وأنه ليسَ مما يصلُح أن يقع لا من قبيل الإنكارِ في قوله تعالى أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ وقولِه تعالى هَلْ يَسْتَوِيَانِ فإن ذلك لنفي المماثلة ونفي الاستواء ولما بيَّن من فاتحةِ السورةِ الكريمةِ إلى هذا المقامِ أنها كتابٌ محكمُ الآياتِ مفصَّلُها نازلٌ في شأن التوحيدِ وتركِ عبادِة غيرِ الله سبحانه وأن الذي أنزل عليه نذيرٌ وبشيرٌ من جهته تعالى وقرر في تضاعيف ذلك ما له مدخَلٌ في تحقيق هذا المرامِ من الترغيب والترهيبِ وإلزامِ المعاندين بما يقارنه من الشواهد الحقةِ الدالةِ على كونه من عند الله تعالى وتسلية الرسول ﷺ مما عراه من ضيق الصدرِ العارضِ له من اقتراحاتهم الشنيعةِ وتكذيبِهم له وتسميتهم للقرآن تارة سحر وأخرى مفترى وتثبيته ﷺ والمؤمنين على التمسك به والعملِ بموجبه على أبلغِ وجهٍ وأبدعِ أسلوبٍ شَرع في تحقيق ما ذُكر وتقريرِه بذكر قصصِ الأنبياءِ صلواتُ الله عليهمْ أجمعينَ المشتملةِ على ما اشتمل عليه فاتحةُ السورةِ الكريمةِ ليتأكد ذلك بطريقين أحدُهما أن ما أُمر بهِ من التوحيد وفروعِه مما أطبق عليه الأنبياءُ قاطبةً والثاني أن ذلك إنما علمه رسول الله ﷺ بطريق الوحي فلا يبقى في حقيته كلامٌ أصلاً وليتسلّى بما يشاهده من معاناة الرسلِ قبله من أممهم ومقاساتِهم الشدائدَ من جهتهم فقيل

стр. 2542

٨ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ ٨ الواوُ ابتدائيةٌ واللامُ جوابُ قسمٍ محذوفٍ وحرفُه الباءُ لا الواو كما في سورة الأعراف لئلا يجتمعَ واوان ولا يكاد تُطلق هذه اللامُ إلا مع قد لأنها مظِنّةُ التوقعِ وأن المخاطبَ إذا سمِعها توقع وقوعَ ما صُدّر بها ونوحٌ هو ابن لمك بن متوشلخ بن إدريسَ ﵉ وهو أولُ نبي بُعث بعده قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بعث ﷺ على رأس أربعين من عمره ولبث يدعو قومَه تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفانِ ستين سنة وكان عمرُه ألفاً وخمسين سنة وقال مقاتل بعث وهو ابنُ مائةِ سنةٍ وقيل وهو ابنُ خمسين سنة وقيل وهو ابن مائتين وخمسين سنةً ومكث يدعو قومَه تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة فكان عمُرُه ألفاً وأربَعَمِائةٍ وخمسين سنة ٨ - إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ ٨ بالكسرِ على إرادةِ القولِ أي فقال أو قائلا وقرأ ابن كثير وأبو عمْروٍ والكسائيُّ بالفتح على إضمار حرف الجرِّ أي أرسلناه ملتبساً بذلك الكلامِ وهو إني لكم نذيرٌ بالكسر فلما اتصل به الجارُّ فُتح كما فُتح في كأن والمعنى على الكسر وهو قولك إن زيداً كالأسد واقتُصر على ذكر كونه ﷺ نذيراً لا لأن دعوتَه ﷺ كانت بطريق الإنذارِ فقط ألا يُرى إلى قوله تعالى فَقُلْتُ استغفروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السماء عليكم مدار الخ بل لأنهم لم يغتنموا مغانم إبشارة ﷺ ٨ - مُّبِينٌ ٨ أبيِّن لكم موجباتِ العذابِ ووجهَ الخلاصِ منه لأن الإنذارَ إعلامُ المحذورِ لا لمجرد التخويفِ والإزعاجِ بل للحذر منه فيتعلق بكلا وصفيه

стр. 2543

هود آية (٢٦ ٢٧)

стр. 2544

﴿أَلَاّ تَعْبُدُواْ إِلَاّ الله﴾ أي بأنْ لا تعبدُوا على أنَّ أنْ مصدريةٌ والباءُ متعلقةٌ بأرسلنا ولا ناهية أي أرسلناه متلبسا بنهيهم عن الشرك إلا أنه وُسّط بينهما بيانُ بعض أوصافه وأحواله ﷺ وهو كونه نذيراً مبيناً ليكون أدخلَ في القَبول ولم يُفعلْ ذلك في صدر السورة لئلا يُفرَّقَ بين الكتاب ومضمونِه بما ليس من أوصافه وأحوالِه أو مفسرةٌ متعلقةٌ به أو بنذير أو مفعولٌ لمبين وعلى قراءة الفتح بدلٌ من إِنَّى لَكُمْ نذيرٌ مبينٌ وتعيينٌ لما يوجب وقوعَ المحذورِ وتبيينٌ لوجه الخلاصِ وهو عبادةُ الله تعالى وقوله تعالى ﴿إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ تعليلٌ لموجب النهي وتصريحٌ بالمحذور وتحقيقٌ للإنذار والمرادُ به يومُ القيامة أو يوم الطوفان ووصفُه بالأليم على الإسناد المجازي للمبالغةِ كما في نهارُه صائمٌ وهذه المقالةُ وما في معناها مما قاله ﷺ في أثناء الدعوةِ على ما عُزِي إليه في سائر السور لما لم تصدر عنه ﷺ مرةً واحدة بل كان يكرّرها عليهم في تلك المدةِ المتطاولةِ على ما نطقَ به قولُه تعالى رَبّ إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً الآيات عطفٌ على فعل الإرسالِ المقارِن لها أو القولِ المقدّرِ بعده جوابُهم المتعرِّضُ لأحوال المؤمنين الذين اتبعوه ﷺ بعد اللتيا والتي بالفاء التعقبية فقيل

стр. 2545

﴿فَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ﴾ أي الأشرافُ منهم من قولهم فلانٌ مليءٌ بكذا أي مُطيقٌ له لأنهم مُلِئوا بكفايات الأمور أو لأنهم ملئوا القلوبَ هيبةً والمجالسَ أُبّهةً أر لأنهم مُلئوا بالأحلام والآراءِ الصائبةِ ووصفُهم بالكفر لذمهم والتسجيلِ عليهم بذلك من أوَّلِ الأمر لا لأن بعضَ أشرافِهم ليسوا بكفرة ﴿مَا نَرَاكَ إِلَاّ بَشَرًا مّثْلَنَا﴾ مُرادُهم ما أنت إلا بشرا مثلُنا ليس فيك مزيةٌ تخصُّك من دوننا بما تدعيه من النبوة ولو كان كذلك لرأيناه لا أن ذلك محتملٌ ولكن لا نراه وكذا الحالُ في قولهم ﴿وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلَاّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرأى﴾ فالفعلان من رؤية العينِ وقوله تعالى إِلَاّ بَشَرًا مّثْلَنَا حالٌ من المفعول وكذا قوله اتبعك في موضع الحالِ منه إما على حاله أو بتقدير قد عند من يشترط ذلك ويجوزُ أنْ يكونَ مَنْ رؤية القلبِ وهو الظاهرُ فهما المفعولُ الثاني وتعلُّقُ الرأي في الأول بالمثلية لا بالبشرية فقط وإنما لم يبتّوا القول بذلك مع جزمهم به وإصرارِهم عليه إراءةً بأن ذلك لم يصدر عنهم جُزافاً بل بعد التأملِ في الأمر والتدبرِ فيه ولذلك اقتصروا على ذلك الظن فيما سيأتي وتعريضاً من أول الأمرِ برأي المتبين فكأن قولَهم وَمَا نَرَاكَ جوابٌ عما يرِد عليهم من أنه صلى الله عيله وسلم ليس مثلَهم حيث عاين دلائلَ نبوته واغتنم اتباعُه مَنْ له عينٌ تُبصر وقلبٌ يدرك فزعَموا أن هؤلاء أراذلُنا أي أخِسّاؤنا وأدانينا جمعُ أرذلٍ فإنه صار بالغلبة جارياً مجرى الاسمِ كالأكبرِ والأكابر أو جمعُ أرذُلٍ جمعُ رَذْلٍ كأكالِب وأكلُب وكلْب يعنُون أنَّه لا عبرةَ باتِّباعِهم لك إذْ ليس لهم رزانةُ عقلٍ ولا أصالةُ رأيٍ وقد كان ذلك منهم في بادي الرأي أي ظاهره من غير تعمق من البدو أو في أوله من البدء والياء مبدلةٌ من الهمزة لانكسار ما قبلها وقد

стр. 2546

هود آية ٢٨ قرأه أبو عمرو بها وانتصابُه على الظرفية على حذفِ المضافِ أي وقتَ حدوثِ بادي الرأي والعاملُ فيه اتبعك وإنما استرذلوهم مع كونهم أولي الألبابِ الراجحةِ لفقرهم فإنهم لما لم يعلموا إلا ظاهرا الحياةِ الدنيا كان الأشرفُ عندهم الأكثرَ منها حظَّاً والأرذلُ مَن حُرمها ولم يفقَهوا أن ذلك لا يزن عندَ الله جناحَ بعوضةٍ وأن النعيم إنما هو نعيمُ الآخرةِ والأشرفُ من فازَ به والأرذلُ من حُرمه نعوذ بالله تعالى من ذلك ﴿وَمَا نرى لَكُمْ﴾ أي لك ولمتّبعيك فغلّب المخاطَب على الغائبين ﴿عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ يعنون أن اتباعَهم لك لا يدل على نبوتك ولا يُجديهم فضيلةً تَستتبع اتباعنا لكم واقتصارهم ههنا على ذكر عدمِ رؤيةِ الفضلِ بعد تصريحِهم برذالتهم فيما سبق باعتبار حالِهم السابقِ واللاحقِ ومرادُهم أنهم كانوا أراذلَ قبل اتباعهم لك ولا نرى فيهم وفيك بعد الاتباع فضيلةً علينا ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذبين﴾ جميعاً لكون كلامكم واحداً ودَعْواكم واحدةً أو إياك في دعوى النبوةِ وإياهم في تصديقِك واقتصارُهم على الظنّ احترازٌ منهم عن نسبتهم إلى المجازفة ومجاراةٌ معه ﷺ بطريق الإراءة على نهج الإنصاف

стр. 2547

﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ﴾ أي أخبروني وفيه إيماءٌ إلى ركاكة رأيِهم المذكور ﴿إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ﴾ برهانٍ ظاهر ﴿مّن رَّبّى﴾ وشاهدٍ يشهد بصِحّة دعواي ﴿وَآتَانِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ﴾ هي النبوةُ ويجوز أن تكون هي البينةَ نفسَها جيء بها إيذاناً بأنها مع كونها بينةً من الله تعالى رحمةٌ ونعمةٌ عظيمة من عنده فوجْهُ إفرادِ الضَّمير في قولِه تعالى ﴿فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ حينئذ ظاهرٌ وإنْ أُريد بها النبوةُ وبالبينة البرهانُ الدالُّ على صحتها فالإفرادُ لإرادة كلِّ واحدةٍ منهما أو لكون الضميرِ للبينة والاكتفاءِ بذلك لاستلزام خفائِها خفاءَ النبوةِ أو لتقدير فعلٍ آخرَ بعد البينة ومعنى عُمِّيت أُخفيت وقرىء عمِيَت ومعناه خَفِيت وحقيقتُه أن الحجةَ كما تجعل مُبصِرة وبصيرةً تجعلُ عمياءَ لأن الأعمى لا يهتدي ولا يهدي غيرَه وفي قراءة أبي فعماها عليكم على الإسناد إلى الله ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ أي أنُكرِهُكم على الاهتداء بها وهو جوابُ أرأيتم وسادٌّ مسدَّ جوابِ الشرطِ وقرأ أبو عمرو بإخفاء حركةِ الميمِ وحيث اجتمع ضميران منصوبان وقد قُدِّم أعرفُهما جاز في الثاني الوصلُ والفصلُ فوصل كما في قوله تعالى فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله ﴿وَأَنتُمْ لَهَا كارهون﴾ لاتختارونها ولا تتأملون فيها ومحصولُ الجوابِ أخبروني إن كنتُ على حجة ظاهرةِ الدِلالة على صِحّة دعواي إلا أنها خافية عليكم مُسلَّمةٍ عندكم أيمكنُنا أن نكرِهَكم على قَبولها وأنتم معرضون عنها غيرَ متدبِّرين فيها أي لا يكون ذلك وظاهرُه مُشعِرٌ بصدوره عنه ﷺ بطريق إظهارِ اليأسِ عن إلزامهم والقعود عن مُحاجَّتهم كقوله تعالى وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِى الخ لكنه محمولٌ على أن مراده ﷺ ردُّهم عن الإعراض عنها وحثُّهم على التدبّر فيها بصرف الإنكارِ إلى الإلزام حالَ كراهتِهم لها لا إلى الإلزام مطلقاً هذا ويجوز أن يكون المراد بالبينة دليلَ العقلِ الذي هو ملاكُ الفضل وبحسبه يمتاز أفرادُ البشرِ بعضُها من بعض وبه يناط الكرامة عند الله والاجتباءُ للرسالة وبالكون عليها التمسك به والثبات

стр. 2548

هود ٢٩ عليه وبخفائها على الكفرة على أن الضميرَ للبينة عدم إدراكهم لكونه ﷺ عليها وبالرحمة النبوةُ التي أنكروا اختصاصه ﷺ بها بين ظَهرانيهم والمعنى أنكم زعمتم أن عهدَ النبوةِ لا يناله إلا من له فضيلةٌ على سائر الناسِ مستتبِعةٌ لاختصاصه به دونهم أخبروني إن امتزتُ عنكم بزيادة مزيةٍ وحيازةِ فضيلةٍ من ربي وآتاني بحسبها نبوة من عنده فخفِيَتْ عليكم تلك البينةُ ولم تُصيبوها ولم تنالوها ولم تعلموا حيازتي لها وكوني عليها إلى الآن حتى زعمتم أني مثلُكم وهي متحققةٌ في نفسها أنلزمكم قبولَ نبوتي التابعةِ لها والحالُ أنكم كارهون لذلك فيكون الاستفهامُ للحمل على الإقرار وهو الأنسبُ بمقام المُحاجةِ وحينئذٍ يكون كلامه ﷺ جواباً عن شُبَههم التي أدرجوها في خلال مقالِهم من كونه ﷺ بشراً قصارى أمره أن يكون مثلَهم من غير فضلٍ له عليهم وقطعاً لشأفة آرائِهم الركيكة

стр. 2549

﴿ويا قَومِ لَا أَسْأَلُكُم عَلَيهِ﴾ أي على ما قلته في أثناء دعوتكم ﴿ما لا﴾ تؤدّونه إليّ بعدِ إيمانِكم واتباعِكم لي فيكونَ ذلك أجراً لي في مقابلة اهتدائِكم ﴿إِنْ أَجْرِىَ إِلَاّ عَلَى الله﴾ الذي يُثيبني في الآخرة وفي التعبير عنه حين نُسب إليهم بالمال ما لا يَخفْى من المزية ﴿وَمَا أَنَاْ بطارد الذين آمنوا﴾ جوابٌ عما لوّحوا به بقولهم وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلَاّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا من أنه لو اتبعه الأشرافُ لوافقوهم وأن اتّباعَ الفقراءِ مانعٌ لهم عن ذلك كما صرَّحُوا بهِ في قولِهم أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون فكان ذلك التماساً منهم لطردهم وتعليقاً لإيمانهم به ﷺ بذلك أنفَةً من الانتظام معهم في سلك واحد ﴿إنهم ملاقوا ربهم﴾ تعليل لامتناعه ﷺ عن طردهم أي إنهم فائزون في الآخرة بلقاء الله كأنَّه قيل لا أطرُدهم ولا أُبعِدُهم عن مجلسي لأنهم مقرَّبون في حضرة القدسِ والتعرّضُ لوصف الربوبيةِ لتربية وجوبِ رعايتِهم وتحتّمِ الامتناعِ عن طردهم أو مصدِّقون في الدنيا بلقاء ربِّهم موقنون به عالِمون أنهم ملاقوه لا محالة فكيف أطرُدهم وحملُه على معنى أنهم يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبِهِم منَ إيمان صحيحٍ ثابتٍ كما ظهر لي أو على خلاف ذلك مما تعرِفونهم به من بناء إيمانِهم على بادِيَ الرأي من غير نظرٍ وتفكّر وما عليّ أن أشقَّ عن قلوبهم وأتعرَّفَ سرَّ ذلك منهم حتى أطرُدَهم إنْ كانَ الأمرُ كَما تزعُمون يأباه الجزمُ بترتّب غضبُ الله على طردهم كما سيأتي وأيضاً فهم إنما قالوا إن اتباعَهم لك إنما هو بحسب بادي الرأي بلا تأمل وتفكرٍ وهذا لا يكاد يصلُح مداراً للطرد في الدنيا ولا للمؤاخذة في الآخرة غايتُه أن لا يكونوا في مرتبة الموقنين وادعاءُ أن بناءَ الإيمانِ على ظاهر الرأي يؤدّي إلى الرجوع عنه عند التأملِ فكأنهم قالوا إنهم اتبعوك بلا تأمل فلا يثبُتون على دينك بل يرتدون عنه تعسفٌ لا يخفى ﴿ولكنى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ بكل ما ينبغي أن يُعلم ويدخُلُ فيه جهلُهم بلقاء الله وبمنزلتهم عنده وباستيجاب طردِهم لغضب الله كما سيأتي وبركاكة رأيِهم في التماس ذلك وتوقيفِ إيمانهم عليه أنفةً عن الانتظام معهم في سلك واحدٍ وزعماً منهم أن الرذالة بالفقر والشرفَ بالغنى وإيثارُ صيغةِ الفعل للدلالة

стр. 2550

هود آية (٣٠ ٣١) على التجدد والاستمرارِ أو تتسافهون على المؤمنين بنسبتهم إلى الخساسة

стр. 2551

﴿ويا قوم مَن يَنصُرُنِى مِنَ الله﴾ يدفع حلولِ سخطِه عني ﴿إِن طَرَدتُّهُمْ﴾ فإن ذلك أمرٌ لا مردَّ له لكون الطرد ظلماً موجباً لحلول السّخط قطعاً وإنما لم يُصرَّح به إشعاراً بأنه غنيٌّ عن البيان لا سيما عما قُدّم ما يلوحُ به من أحوالهم فكأنه قيل مَنْ يدفعُ عني غضبَ الله تعالى إن طردتُهم وهم بتلك المثابةِ من الكرامة والزُلفى كما ينبىء عنه قوله تعالى ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي أتستمرّون على ما أنتُم عليهِ من الجهل المذكورِ فلا تتذكرون ما ذُكر من حالهم حتى تعرِفوا أن ما تأتونه بمعزل عن الصواب ولكون هذه العلة مستقبلة بوجه مخصوصٍ ظاهر الدلالةِ على وجوب الامتناعِ عن الطرد أُفردت عن التعليل السابق وصدرت بياقوم

стр. 2552

﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ﴾ حين أدّعي النبوة ﴿عِندِى خَزَائِنُ الله﴾ أي رزقُه وأموالُه حتى تستدلوا بعدمها على كذبي بقولكم وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذبين فإن النبوةَ أعزُّ من أن تنال بأسباب دنيويةٍ ودعواها بمعزل عن ادعاء المالِ والجاه ﴿وَلا أَعْلَمُ الغيب﴾ أي لا أدعي في قولي إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ علمَ الغيبِ حتى تسارعوا إلى الإنكار والاستبعاد ﴿وَلا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ﴾ حتى تقولوا مَا نَرَاكَ إِلَاّ بَشَرًا مّثْلَنَا فإن البشريةَ ليست من موانع النبوةِ بل من مباديها يعني أنكم اتخذتم فُقدانَ هذه الأمورِ الثلاثة ذريعةً إلى تكذيبي والحال أني لا أدعي شيئاً من ذلك ولا الذي أدّعيه يتعلق بشيء منها وإنما يتعلق بالفضائل النفسانيةِ التي بها تتفاوت مقاديرُ البشرِ ﴿وَلا أَقُولُ﴾ مساعدةً لكم كما تقولون ﴿لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ﴾ أي تقتحِمهم وتحتقرِهم من زراه إذا عابه وإسنادُ الازدراءِ إلى أعينهم بالنظر إلى قولهم وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلَاّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا وإما للإشعار بأن ذلك القصور نظرِهم ولو تدبروا في شأنهم ما فعلوا ذلك اي لاأقول في شأن الذين استرذلتموهم لفقرهم من المؤمنين ﴿لَن يُؤْتِيَهُمُ الله خَيْرًا﴾ في الدنيا أو في الآخرة فعسى الله أن يُؤتيهَم خيري الدارين إن قلتَ هذا القول ليس مما تستنكره الكفرةُ ولا مما يتوهمون صدوره عنه ﷺ أصالةً أو استتباعاً كادعاء الملكية وعلم الغيب وحيازة الخزائن مما نفاه ﷺ عن نفسه بطريق التبرؤ والتنزه عنه فمِنْ أيِّ وجه عطُف نفيُه على نفيها قلتُ من جهة أن كلا النفين ردٌّ لقياسهم الباطلِ الذي تمسّكوا به فيما سلف فإنهم زعَموا أن النبوةَ تستتبع الأمورَ المذكورةَ وأنها لا تتسنى ممن ليس على تلك الصفات فإن العثورَ على مكانها واغتنامَ مغانهما ليس من دأب الأراذلِ فأجاب ﷺ بنفي ذلك جميعاً فكأنه قال لا أقول وجودُ تلك الأشياءِ من مواجب النبوةِ ولا عدمُ المالِ والجاهِ من موانع الخير ﴿الله أَعْلَمُ بِمَا فِى أَنفُسِهِمْ﴾ من الإيمان وإنما اقتُصر على نفي القولِ المذكور مع أنه ﷺ جازمٌ بأن الله سبحانه سيؤتيهم خيراً عظيماً في الدارين وأنهم على يقين راسخٍ في الإيمان جرياً على سنن الأنصاف مع القوم واكتفاءً بمخالفة كلامِهم وإرشادا

стр. 2553

هود آية (٣٢ ٣٤) لهم إلى مسلك الهدايةِ بأن اللائقَ لكل أحدٍ أن لا يبُتَّ القولَ إلا فيما يعلمه يقيناً ويبني أمورَه على الشواهد الظاهرةِ ولا يجازف فيما ليس فيه على بينة ظاهرة ﴿إِنّى إِذاً﴾ أي إذا قلتُ ذلك ﴿لَّمِنَ الظالمين﴾ لهم بحطِّ مرتبتِهم ونقصِ حقوقِهم أو من الظالمين لأنفسهم بذلك فإن وبالَه راجعٌ إلى أنفسهم وفيه تعريضٌ بأنهم ظالمون في ازدرائهم واسترذالِهم وقيل إذا قلتُ شيئاً مما ذُكِرَ من ادعاه الملكية وعلم الغيب وحيازة الخزائن وهو بعيدٌ لأن تبعةَ تلك الأقوالِ مغنيةٌ عن التعليل بلزوم الانتظامِ في زمرة الظالمين

стр. 2554

﴿قَالُواْ يا نُوحٌ قَدْ جَادَلْتَنَا﴾ خاصمتنا ﴿فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ أي أطَلْته أو أتيتَه بأنواعه فإن إكثارَ الجدالِ يتحقق بعد وقوعِ أصلِه فلذلك عُطف عليه بالفاء أو أردتَ ذلك فأكثرتَه كما في قوله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ولما حجّهم ﷺ وأبرز لهم بيناتٍ واضحةَ المدلولِ وحُججاً تتلقاها العقولُ بالقَبول وألقمهم الحجرَ برد شُبهِهم الباطلةِ ضاقتْ عليهم الحيلُ وعيَّت بهم العلل وقالوا ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ منَ العذابِ الذي أشير إليه في قوله إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ على تقدير أن لا يكون المرادُ باليوم يومَ القيامة ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ فيما تقول

стр. 2555

﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ الله إِن شَاء﴾ يعني أن ذلك ليس موكولاً إليّ ولا هو مما يدخُل تحت قدرتي وإنما يتولاه الله الذي كفرتم به وعصيتموه يأتيكم بِهِ عاجلاً أو آجلاً إنْ تعلَّق به مشيئتُه التابعةُ للحكمة وفيه ما لا يَخفْى من تهويل الموعودِ فكأنه قيل الإتيانُ به أمرٌ خارجٌ عن دائرة القُوى البشرية وإنما يفعله اللَّهِ ﴿وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ بالهرب أو بالمدافعة كما تدافعونني في الكلام

стр. 2556

﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِى﴾ النُصحُ كلمةٌ جامعةٌ لكل ما يدور عليه الخيرُ من قولٍ أو فعلٍ وحقيقتُه إمحاضُ إرادةِ الخيرِ والدِلالةِ عليه ونقيضُه الغشُّ وقيل هو إعلامُ موقع الغَيِّ ليُتّقى وموضعِ الرشد ليقتفى ﴿إن أردت أن أنصح لَكُمْ﴾ شرطٌ حذف جوابُه لدلالةِ ما سبق عليه والتقديرُ إن أردتُ أن أنصح لكم لا ينفعكم نُصحي وهذه الجملةُ دليلٌ على ما حذف من جواب قولِه تعالى ﴿إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ﴾ والتقديرُ إن كان الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ فإن أردتُ أن أنصحَ لكم لا ينفعكم نصحي هذا على ما ذهب إليه البصريون من عدم تقديم الجزاءِ على الشرطِ وأما على ما ذهب إليه الكوفيون من جوازه فقوله عز وعلا وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِى جزاءٌ للشرط الأولِ والجملةُ جزاءٌ للشرط الثاني وعلى التقديرين فالجزاءُ متعلّقٌ بالشرط الأولِ وتعلّقه به معلّقٌ بالشرط الثاني وهذا الكلامُ متعلِّقٌ بقولهم قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا صدر عنه ﷺ إظهار للعجز عن إلزامهم بالحجج والبيناتِ لتماديهم في العناد وإيذاناً بأن ما سبق منه ليس بطريق الجدالِ والخصام بل

стр. 2557

هود آية (٣٥ ٣٧) بطريق النصيحةِ لهم والشفقةِ عليهم وبأنه لم يألُ جهداً في إرشادهم إلى الحق وهدايتِهم إلى سبيله المستبينِ وإمحاضِ النصحِ لهم ولكن لا ينفعهم ذلك عند إرادة الله تعالى لإغوائهم وتقييدُ عدمِ نفع النصحِ بإرادته مع أنه محقق لا محال للإيذان بأن ذلك النصحَ منه مقارِنٌ للإرادة والاهتمامِ به ولتحقيق المقابلةِ بين ذلك وبين ما وقع بإزائه من إرادته تعالى لإغوائهم وإنما اقتُصر في ذلك على مجرد إرادةِ الإغواءِ دون نفسِه حيث لم يقل إن كان الله يغويكم مبالغةً في بيان غلبةِ جنابِه عز وعلا حيث دل ذلك على أن نُصحَه المقارِنَ للاهتمام به لا يُجديهم عند مجردِ إرادةِ الله سبحانه لإغوائهم فكيف عند تحقيقِ ذلك وخلقِه فيهم وزيادةُ كان للإشعار بتقدم إرادتِه تعالى زماناً كتقدّمها رتبةً وللدلالة على تجدّدها واستمرارِها وإنما قُدّم على هذا الكلامِ ما يتعلق بقولهم فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا منَ قوله تعالى إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ الله إِن شَاء رداً عليهم من أول الأمرِ وتسجيلاً عليهم بحلول العذابِ مع ما فيه من اتصال الجوابِ بالسؤال وفيه دليلٌ على أنَّ إرادتَه تعالى يصِحّ تعلقُها بالإغواء وأن خلافَ مرادِه غيرُ واقع وقيل معنى أن يغويكم أن يُهلكَكم من غوَى الفصيلُ غوًى إذا بشِم وهلك ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ خالقُكم ومالكُ أمركم ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجازِيكم على أعمالِكم لا محالة

стр. 2558

﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه﴾ قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يعني نوحا ﵊ ومعناه بل أيقولُ قومُ نوحٍ إن نوحاً افترى ما جاء به مسنِداً إلى الله ﴿قُلْ﴾ يا نوح ﴿إِنِ افتريته﴾ بالفرض البحث ﴿فَعَلَىَّ إِجْرَامِى﴾ إثمي ووبالُ إجرامي وهو كسبُ الذنب وقرىء بلفظ الجمع وينصُره أن فسّره الأولون بآثامي ﴿وَأَنَاْ بَرِىء مّمَّا تُجْرَمُونَ﴾ من إجرامكم في إسناد الافتراءِ إليّ فلا وجهَ لإعراضكم عني ومعاداتِكم لي وقال مقاتلٌ يعني محمداً ﷺ ومعناه بل أيقولُ مشركو مكةَ افترى رسولُ الله ﷺ خبرَ نوحٍ فكأنه إنما جيء به في تضاعيفِ القصةِ عند سَوْق طرفٍ منها تحقيقاً لحقيتها وتأكيداً لوقوعها وتشويقاً للسامعين إلى استماعها لا سيما وقد قُصَّ منها طائفةٌ متعلقةٌ بما جرى بينه ﷺ وبين قومِه من المُحاجَّة وبقِيَتْ طائفةٌ مستقلّةٌ متعلقةٌ بعذابهم

стр. 2559

﴿وَأُوحِىَ إلى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ﴾ أي المُصِرِّين على الكفر وهو إقناط له ﷺ من إيمانهم وإعلامٌ لكونه كالمُحال الذي لا يصِحّ توقّعُه ﴿إِلَاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ إلا من قد وُجد منه ما كان يُتوقَّع من إيمانه وهذا الاستثناءُ على طريقة قولِه تعالى إَلَاّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ أي لا تحزَنْ حزْنَ بائسٍ مستكينٍ ولا تغتمَّ بما كانوا يتعاطَوْنه من التكذيب والاستهزاء والإيذاءِ في هذه المدة الطويلةِ فقد انتهى أفعالُهم وحان وقتُ الانتقامِ منهم

стр. 2560

﴿واصنع الفلك﴾ ملتبساً ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ أي بحفظِنا وكلاءتِنا كأنَّ معه من الله حفاظا وحراسا يكلئونه بأعينهم من التعدّي من الكفرة ومن الزَّيغِ في الصَّنعةِ ﴿وَوَحْيِنَا﴾ إليك كيف تصنعُها وتعليمِنا وإلهامِنا عن ابن عباس رضي
следующие страницы →