← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

البقرة (١٢٤ - ١٢٣) يكون بشكرها وشكرُها الإيمانُ بجميع ما فيها ومن جملته نعت النبيِّ ﷺ ومن ضرورة الإيمان بها الإيمان به ﵊ ﴿وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين﴾ أفرِدَتْ هذه النعمةُ بالذكر مع كونها مندرجةً تحت النعمة السالفةِ لإنافتها فيما بين فنونِ النعم

стр. 282

﴿واتقوا﴾ إن لم تؤمنوا ﴿يَوْمًا لَاّ تَجْزِى﴾ في ذلك اليوم ﴿نَفْسٌ﴾ من النفوس ﴿عَن نَّفْسٍ﴾ أخرى ﴿شَيْئاً﴾ من الأشياءِ أو شيئاً من الجزاء ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ أي فدية ﴿وَلَا تَنفَعُهَا شفاعة وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ وتخصيصُهم بتكرير التذكيرِ وإعادةِ التحذير للمبالغة في النُصحِ وللإيذان بأن ذلك فذلكةُ القضية والمقصودُ من القصة لِما أن نعم الله عليهم أعظمُ وكفرَهم بها أشدُّ وأقبحُ

стр. 283

﴿وَإِذِ ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات﴾ شروع في تحقيق إن هُدى الله هو ما عليه النبيِّ ﷺ من التوحيد والإسلام الذي هو ملةُ إبراهيمَ ﵇ وأن ما عليه أهلُ الكتابين أهواءٌ زائغةٌ وأن ما يدّعونه من أنهم على ملَّته ﵊ فريةٌ بلا مريةٍ ببيان ما صدر عن إبراهيم وأبنائه الأنبياءِ ﵈ من الأقاويل والأفاعيل الناطقة بحقية التوحيدِ والإسلام وبُطلان الشركِ وبصحة نبوةِ النبيِّ ﷺ وبكونه ذلك النبيِّ الذي استدعاه إبراهيم واسمعيل عليهما الصلاة والسلام بقولهما ﴿رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ﴾ الآية فإذْ منصوبٌ على المفعوليةِ بمضمرِ مقدمٍ خوطب به النبيُّ ﷺ بطريقِ التلوينِ أيْ واذكُر لهم وقت ابتلائِه ﵇ ليتذكروا بما وقع فيه من الأمور الدَّاعيةِ إلى التوحيد الوازعةِ عن الشرك فيقبلوا الحقَّ ويتركوا ماهم فيه من الباطل وتوجيهُ الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودةُ بالذات قد مرَّ وجهُه في أثناء تفسير قولِه ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنّي جَاعِلٌ فِى الأرض خَلِيفَةً﴾ وقيل على الظرفية بمُضمر مؤخَّرٍ أي وإذ ابتلاه كان كيتَ وكيت وقيل بما سيجيء من قوله تعالى قَالَ الخ والأول هو اللائق بجزالة التنزيل ولا يبعُد أن ينتصِبَ بمضمرٍ معطوف على اذكُروا خُوطب به بنو إسرائيلَ ليتأملوا فيما يُحْكى عمن ينتمون الى ملته من إبراهيمَ وأبنائه ﵈ من الأفعال والأقوال فيقتدوا بهم ويسيروا سيرتَهم والابتلاءُ في الأصل الاختبارُ أي تطلب الخبرة بحال المختبر بتعريضه لأمر يشُقُّ عليه غالباً فِعلُه أو تركُه وذلك إنما يتصور حقيقة ممن لا وقوفَ له على عواقب الأمور وأما من العليم الخبير فلا يكون إلا مجازا من تمكينه للعبد من اختيار أحدِ الأمرين قبل أن يرتب عليه شيئا هو من مباديه العادية كمن يختبرُ عبدَه ليتعرَّف حاله من الكِياسة فيأمُره بما يليق بحاله من مَصالحه وإبراهيمُ اسمٌ أعجميٌّ قال السُهيلي كثيراً ما يقع الاتفاقُ أو التقاربُ بين

стр. 284

السرياني والعربي الا يرى أن إبراهيمَ تفسيره أبْ رَاحِم ولذلك جُعل هو وزوجتُه سارةُ كافِلَيْن لأطفال المؤمنين الذين يموتون صغاراً إلى يوم القيامةِ على ما رَوى البُخاريُّ في حديث الرؤيا أن النبيِّ ﷺ رأى في الروضة إبراهيمَ ﵇ وحوله أولادُ الناس وهو مفعولٌ مقدَّم لإضافة فاعلِه إلى ضميره والتعرُّضُ لعنوان الربوبية تشريفٌ له ﵇ وإيذانٌ بأن ذلك الابتلاء تربيةٌ له وترشيحٌ لأمر خطير والمعنى عاملَه سبحانه معاملةَ المختبِرَ حيث كلّفه أوامر ونواهي يظهر بحسن قيامِه بحقوقها قُدرتُه على الخروج عن عُهدة الإمامةِ العظمى وتحمّلِ أعباءِ الرسالة وهذه المعاملة وتذكيرها للناس لإرشادهم إلى طريق إتقانِ الأمور ببنائها على التجربة وللإيذان بأن بِعثةَ النبيِّ ﷺ أيضاً مبنيةٌ على تلك القاعدة الرصينة واقعةٌ بعد ظهور استحقاقِه ﵇ للنبوة العاملة كيف لا وهي التي أُجيب بها دعوةُ إبراهيمَ ﵇ كما سيأتي واختُلف في الكلمات فقال مجاهد هي المذكورة بعدَها ورُدَّ بأنه يأباه الفاء في فأتمهن ثم الاستئناف وقال طاوسُ عن ابن عباس ﵄ هي عشرُ خصال كانت فرضاً في شرعه وهُن سنةٌ في شرعنا خمسٌ في الرأس المضمضةُ والاستنشاقُ وفرقُ الرأس وقصُّ الشارب والسواكُ وخمس في البدن الخِتانُ وحلقُ العانة ونتفُ الإبْطِ وتقليمُ الأظفار والاستنجاءُ بالماء وفي الخبر أن إبراهيمَ ﵇ أولُ من قص الشاربَ وأولُ من اختَتَن وأولُ من قلم الأظفار وقال عكرمة عن ابن عباس لم يُبْتلَ أحدٌ بهذا الدين فأقامه كلَّه إلا إبراهيم ابتلاه الله تعالى بثلاثين خَصلةً من خصال الإسلام عشرٌ منها في سورة براءة التائبون الخ وعشر في الأحزاب إن المسلمين والمسلمات الخ وعشر في المؤمنون وسأل سائل الى قوله وَالَّذِينَ هُمْ على صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ وقيل ابتلاه الله سبحانه بسبعة أشياءَ بالشمس والقمرِ والنجوم والاختتان على الكِبَر والنار وذبحِ الولدِ والهِجْرة فوفى بالكل وقيل هن مُحاجَّتُه قومَه والصلاةُ والزكاةُ والصوم والضيافة والصبرُ عليها وقيل هي مناسك كالطواف والسعي والرمي والإحرام والتعريف وغيرِهن وقيل هي قوله ﵇ ﴿الذي خلقني فهو يهدين﴾ الآيات ثم قيل إنما وقع هذا الابتلاءُ قبل النبوة وهو الظاهرُ وقيل بعدها لأنه يقتضي سابقةَ الوحي وأجيب بأن مطلق الوحي لا يستلزمُ البعثةَ إلى الخلق وقرئ برفع إبراهيمُ ونصبِ ربَّه أي دعاه بكلماتٍ من الدعاء فعل المختبِر هل يجيبه اليهن أولا ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي قام بهن حق القيام وأداهن أحسنَ التأديةِ من غير تفريط وتوانٍ كما في قوله تعالى ﴿وإبراهيم الذى وفى﴾ وعلى القراءة الأخيرة فأعطاه الله تعالى ما سأله من غير نقص ويعضدُه ما روي عن مقاتل أنه فسَّر الكلماتِ بما سأل إبراهيمُ ربه بقوله رب اجعل الآيات وقوله ﴿قَالَ﴾ على تقدير انتصاب إذْ بمضمر جملةٌ مستأنفةٌ وقعت جوابا عن سؤال نشأ من الكلام فإن الابتلاء تمهيدٌ لأمر معظَّم وظهورُ فضيلة المبتلى من دواعي الإحسان إليه فبعد حكايتها تترقب النفسُ إلى ما وقع بعدهما كأنه قيل فماذا كان بعد ذلك فقيل قال ﴿إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ أو بيانٌ لقوله تعالى ابتلي على رأي من جعل الكلماتِ عبارةً عما ذُكر أثرُه من الإمامة وتطهيرِ البيت ورفعِ قواعدِه وغير ذلك وعلى تقدير انتصابِ إذ بقال فالجملة معطوفةٌ على ما قبلها عطفَ القِصة على القصة والواو في المعنى داخلةٌ على قال أي وقال ابتلى الخ والجعلُ بمعنى التصيير أحدُ مفعوليه الضميرُ والثاني إماماً واسم الفاعل بمعنى المضارع وأوكد منه لدلالته على أنه جاعل

стр. 285

البقرة (١٢٥) له اُلبتةَ منْ غيرِ صارفٍ يلويهِ ولا عاطفٍ يثنيهِ وللناس متعلق بحاعلك أي لأجل الناس أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من إماماً إذ لو تأخر عنه لكان صفةً له والإمام اسم لمن يؤتم به وكلُّ نبي إمامٌ لأمته وإمامته ﵇ عامةٌ مؤبدةٌ إذ لم يبعث بعده نبي إلا كان من ذريته مأموراً باتباع ملته ﴿قَالَ﴾ استئناف مبنيٌّ على سؤال مقدر كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ إبراهيم ﵇ عنده فقيل قال ﴿وَمِن ذُرّيَتِى﴾ عطف على الكاف ومن تبعيضيةٌ متعلقة بجاعل أي وجاعل بعضَ ذريتي كما تقول وزيداً لمن يقول سأكرمك أو بمحذوف أي واجعل فريقاً من ذريتي إماماً وتخصيصُ البعض بذلك لبَداهة استحالة إمامةِ الكلِّ وإن كانوا على الحق وقيل التقدير وماذا يكون من ذرتيى والذرية نسلُ الرجل فُعّولة من ذروت أو ذريت والأصل ذرووة أو ذُرّوْية فاجتمع في الأولى واوان زائدة وأصلية فقلبت الأصلية ياء فصارت كالثانية فاجتمعت واوٌ وياء وسَبَقَتْ إحداهما بالسكون فقُلبت الواوُ ياء وأُدغمت الياءُ في الياء فصارت ذرية أو فعلية منهما والأصل في الولى ذُرِّيوة فقلبت الواو ياء لما سبق من اجتماعهما وسَبْقِ إحداهما بالسكون فصارت ذرّيْيَة كالثانية فأدغمت الياء في مثلها فصارت ذرّية أو فُعيلة من الذرْء يمعنى الخلق والأصل ذُريئة فخففت الهمزةُ بإبدالها ياءً كهمزة خطيئة ثم أُدغمت الياء الزائدةُ في المبدلةِ أو فعيلة من الذرّ بمعنى التفريق والأصل ذُرّيرة قلبت الراء الأخيرة ياء لتوالي الأمثال كما في تسري وتفضى وتظني فأدغمت الياء في الياء كما مر أو فعولة منه والأصل ذُرّورة فقلبت الراء الأخيرة ياءً فجاء الإدغام وقرئ بكسر الذال وهي لغة فيها وقرأ أبو جعفر المدني بالفتح وهي أيضاً لغة فيها ﴿قَالَ﴾ استئناف مبني على سؤال ينساق إليه الذهنُ كما سبق ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظالمين﴾ ليس هذا رداً لدعوتِه ﵇ بلْ إجابةً خفيةً لها وعِدَةً إجماليةً منه تعالى بتشريف بعضِ ذريتِه ﵇ بنيل عهدِ الإمامةِ حسبما وقع في استدعائه ﵇ من غير تعيين لهم بوصفٍ مميزٍ لهم عن جميع مَنْ عداهم فإن التنصيصَ على حرمانِ الظالمين منه بمعزلٍ من ذلك التمييزِ إذ ليس معناه أنه ينالُ كلَّ من ليس بظالم منهم ضرورةَ استحالةِ ذلك كما أشير إليه ولعل إيثارَ هذه الطريقةِ على تعيين الجامعين لمبادئ الإمامة من ذريته إجمالاً أو تفصيلاً وإرسالَ الباقين لئلا ينتظمَ المقتدون بالأئمةِ من الأمةِ في سلك المحرومين وفي تفصيل كل فرقة من الإطناب مالا يخفى مع ما في هذه الطريقة من تخييبِ الكفرةِ الذين كانوا يتمنَّوْن النبوة وقطعِ أطماعهمَ الفارغةِ من نيلها وإنما أوثِرَ النيلُ على الجعلِ إيماءً إلى أن إمامة الأنبياءِ ﵈ من ذريته ﵇ كإسماعيلَ وإسحقَ ويعقوبَ ويوسفَ وموسى وهارونَ وداودَ وسليمانَ وأيوبَ ويونسَ وزكريا ويحيى وعيسى وسيدنا محمدٍ ﷺ تسليماً كثيراً ليست بجعل مستقل بل هي حاصلة في ضمن إمامة إبراهيمَ ﵇ تنال كلا منهم في وقت قدر الله وقرئ الظالمون على أن عهدي مفعولٌ قُدم على الفاعل اهتماماً ورعايةً للفواصلِ وفيه دليلٌ على عصمةِ الأنبياءِ ﵈ من الكبائر على الإطلاق وعدم صلاحية الظالمِ لِلإمامة وقوله تعالى

стр. 286

﴿وإذ جعلنا البيت﴾ أي الكعبةَ المعظمةَ غلب عليها غلبةَ النجم على الثريا معطوفٌ

стр. 287

على إذِ ابتلى على أن العامل فيه هو العاملُ فيه أو مضمرٌ مستقل معطوف على المضمر الأول والجعلُ إما بمعنى التصييرِ فقوله ﴿مَثَابَةً﴾ أي مرجعاً يثوب إليه الزوار بعد ما تفرقوا عنه أو أمثالُهم أو موضِعَ ثوابٍ يثابون بحجِّه واعتمارِه مفعولُه الثاني وإما بمعنى الإبداع فهو حال من مفعول واللام في قوله تعالى ﴿لِلنَّاسِ﴾ متعلقةٌ بمحذوف وقعَ صفة لمثابة أي كائنة للناس أو بجعلنا أي جعلناه لأجل الناس وقرئ مثابات باعتبار تعدد الثائبين ﴿وَأَمْناً﴾ أي آمِنا كما في قوله تعالى حَرَماً آمنا على إيقاع المصدرِ موقعَ اسمِ الفاعلِ للمبالغة أو على تقدير المضافِ أي ذا أمنِ أو على الإسنادِ المجازي أي آمِنا من حجه من عذابِ الآخرةِ من حيث أن الحجَّ يجُبُّ ما قبله أو مَنْ دخله من التعرُّض له بالعقوبة وإن كان جانياً حتى يخرجَ على ما هو رأى أبي حنفية ويجوز أن يُعتبر الأمنُ بالقياس إلى كل شئ كائناً ما كان ويدخل فيه أمنُ الناس دخولاً أولياً وقد اعتيدَ فيه أمنُ الصيد حتى إن الكلبَ كان يهُمُّ بالصيد خارجَ الحرم فيفِرُّ منه وهو يتبعه فإذا دخل الصيد الحرمَ لم يتبعْه الكلبُ ﴿واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى﴾ على إرادةِ قولٍ هو عطفٌ على جعلنا أو حالٌ من فاعلِه أي وقلنا أو قائلين لهم اتخذوا الخ وقيل هو بنفسهِ معطوفٌ على الأمرِ الذي يتضمنه قوله مَثَابَةً لّلنَّاسِ كأنه قيل ثوبوا إليه واتخذوا الخ وقيل على المضمرِ العاملِ في إذ وقيل هي جملةٌ مستأنفةٌ والخطابُ على الوجوه الأخيرةِ له ﵇ ولأمتهِ والأولُ هو الأليقُ بجزالةِ النظم الكريم والأمرُ صريحاً كان أو مفهوماً من الحكاية للاستحباب ومن تبعيضه والمقام اسمُ مكانٍ وهو الحجَرُ الذي عليه أثر قدمُه ﵇ والموضعُ الذي كان عليه حين قام ودعا الناسَ إلى الحج أوحين رفع قواعدَ البيت وهو موضعُه اليوم والمراد بالمصلى إما موضعُ الصلاة أو موضعُ الدعاء رُوي أنه ﷺ أخذ بيد عمر ﵁ فقال هذا مقامُ إبراهيم فقال ﵁ أفلا نتخذهُ مصلًّى فقال لم أُومرْ بذلك فلم تغِبْ الشمسُ حتى نزلتْ وقيل المرادُ به الأمرُ بركعتي الطواف لما روى جابرٌ ﵁ أنَّه ﵇ لما فرَغ من طوافه عمَد إلى مقامِ إبراهيم فصلى خلفه ركعتين وقرأ واتخذوا على صيغة الماضي عطفاً على جعلنا أي واتخذ الناسُ من مكان إبراهيمَ الذي وُسِمَ به لاهتمامه به وإسكان ذريته عنده قِبلةً يصلّون إليها ﴿وَعَهِدْنَا إلى إبراهيم وإسماعيل﴾ أي أمرناهما أمراً مؤكداً ﴿أَن طَهّرَا بَيْتِىَ﴾ بأن طهِّراه على أنّ أنْ المصدريةَ حذف عنها الجارُّ حذفاً مطرداً لجوازِ كون صلتِها أمرا ونهياً كما في قوله وَإِن أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفًا لأن مدارَ جوازِ كونِها فعلاً إنما هو دِلالتُه على المصدر وهي متحققةٌ فيهما ووجوبُ كونِها خبريةً في صلةِ الموصولِ الاسميِّ إنَّما هُو لتوصل إلى وصفِ المعارفِ بالجملِ وهي لا يوصف بها إلا إذا كانت خبريةً وأما الموصولُ الحرفيُّ فليس كذلك ولما كان الخبرُ والإنشاءُ في الدلالةِ على المصدرِ سواءً ساغَ وقوعُ الأمرِ والنهي صلةً حسب وقوعِ الفعلِ فيتجرد عند ذلك معنى الأمر والنهي نحوُ تجردِ الصلةِ الفعليةِ عن معنى المضيّ والاستقبال أو أي طهراه على أنَّ أنْ مفسرةٌ لتضمين العهدِ معنى القولِ وإضافةُ البيت إلى ضمير الجلالة للتشريف وتوجيهُ الأمر بالتطهيرِ ههنا إليهما ﵉ لا ينافي سورةِ الحج من تخصيصِه بإبراهيم

стр. 288

البقرة (١٢٦) ﵇ فإنَّ ذلك واقعٌ قبلَ بناءِ البيتِ كما يفصحُ عنه قولُه تعالى ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبراهيم مَكَانَ البيت﴾ وكان إسماعيلُ ﵇ حينئذ بمعزلٍ من مثابةِ الخطابِ وظاهرٌ أنَّ هذا بعدَ بلوغِه مبلغَ الأمرِ والنهي وتمامِ الباء بمباشرته كما ينبئ عنه إيرادُهُ إثرَ حكايةِ جعلهِ مثابةً للناسِ الخ والمرادُ تطهيرُه من الأوثانِ والأنجاسِ وطواف الجنُب والحائضِ وغير ذلك مما لا يليقُ به ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ حوله ﴿والعاكفين﴾ المجاورين المقيمين عنده أو المعتكفين أو القائمين في الصلاة كما في قوله عز وعلا ﴿لِلطَّائِفِينَ والقائمين﴾ ﴿والركع السجود﴾ جمع راكع وساجد أي للطائفين والمصلين لأنَّ القيامَ والركوعَ والسجودَ من هيئاتِ المصلي ولتقاربِ الأخيرين ذاتاً وزماناً ترك العاطف بين موصوفيهما أو أخلِصاه لهؤلاءِ لئلا يغشاهُ غيرُهم وفيه إيماءٌ إلى أن ملابسةَ غيرِهم به وإن كانت مع مقارنةِ أمرٍ مباحٍ مِن قبيلِ تلويثِه وتدنيسِه

стр. 289

﴿وَإِذْ قَالَ إبراهيم﴾ عطفٌ على ما قبله من قولِه وإذ جعلنا الخ إما بالذاتِ أو بعاملِه المضمرِ كما مرَّ ﴿رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا﴾ ذا أمنٍ كعيشةٍ راضيةٍ أو آمناً أهلُهُ كليلةِ نائم أي اجعل هذا الواديَ من البلادِ الآمنة وكان ذلك أولَ ما قَدِمَ ﵇ مكةَ كما روى سعيدُ بنُ جُبيرٍ عن ابن عباس ﵄ أنَّه ﵊ لما أسكن إسماعيلَ وهاجَر هناك وعادَ متوجهاً إلى الشام تَبعتْه هاجرُ تقول إلى من تَكِلُنا في هذا البلقَعِ وهو لا يرد عليهما جواباً حتى قالت آلله أمرك بهذا فقال نعمْ قالت إذنْ لا يُضيِّعُنا فرضِيَتْ ومضى حتى إذا استوى على ثَنِيّةِ كَداءٍ أقبل على الوادي فقال رَّبَّنَا إِنَّى أسكنت الآية وتعريفُ البلدِ مع جعلِه صفة لهذا في سورة إبراهيم إن حُمل على تعدد السؤال لما أنه ﵇ سأَلَ أولاً كلا الأمرين البلديةِ والأمنِ فاسْتُجيبَ له في أحدِهما وتأخرَ الآخرُ إلى وقته المقدر له لما تقتضيه الحكمةُ الباهِرَةُ ثمَّ كرَّرَ السؤالَ حسبما هو المعتادُ في الدعاءِ والابتهالِ أو كان المسئول أولاً البلديةَ ومجردَ الأمنِ المصححِ للسُكنى كما في سائرِ البلاد وقد أجيبَ إلى ذلك وثانياً الأمنُ المعهودُ أو كان هو المسئول أولاً أيضاً وقد أجيب إليه لكنَّ السؤالَ الثانيَ لاستدامتِه والاقتصارُ على سؤالِه مع جعلِ البلدِ صفةً لهذا لأنهُ المقصِدُ الأصليُّ أو لأنَّ المعتادَ في البلدية الاستمرارُ بعد التحقق بخلافِ الأمنِ وإن حمل على وحدةِ السؤالِ وتكرُرِ الحكايةِ كما هو المتبادرُ فالظاهر أن المسئول كِلا الأمرين وقد حُكي ذلك ههنا واقتُصرَ هناك على حكايةِ سؤالِ الأمنِ اكتفاءً عن حكايةِ سؤالِ البلديةِ بحكايةِ سؤال جعل أفئدة الناس تهوي إليه كما سيأتي تفصيلُه هناك بإذنِ الله ﴿وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات﴾ من أنواعها بأن تجعلَ بقربٍ منه قرُىً يحصُل فيها ذلك أو يجبى إليه من الأقطارِ الشاسعةِ وقد حصل كلاهما حتى إنه يجتمعُ فيه الفواكهُ الربيعيةُ والصيفيةُ والخريفيةُ في يومٍ واحدٍ روي عن ابن عباس ﵄ أنَّ الطائفَ كانت من أرض فلِسطينَ فلما دعا إبراهيمَ ﵊ بهذه الدعوة رفعها الله تعالى فوضعَها حيث وضعها رزقاً للحرَم وعن الزهري أنه تعالى نقل قرية من

стр. 290

البقرة (١٢٧) قرى الشامِ فوضعها بالطائف لدعوة إبراهيمَ ﵊ ﴿من آمن مِنْهُم بالله واليوم الأخر﴾ بدلٌ من أهلِه بدلَ البعض خصهم بالدعاء إظهاراً لشرفِ الإيمان وإبانةً لخطره واهتماماً بشأن أهلِهِ ومراعاةً لحسنِ الأدبِ وفيه ترغيب لقومِه في الإيمان وزجر عن الكفر كما أن في حكايتِه ترغيباً وترهيباً لقريش وغيرهم من أهل الكتاب ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على السؤال كما مرَّ مِراراً وقولُه تعالى ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ عطفٌ على مفعولِ فعلٍ محذوف تقديره ارزقْ من آمن ومن كفر وقولُه تعالى ﴿فَأُمَتّعُهُ﴾ معطوفٌ على ذلك الفعل أو في محل رفع بالابتداء قوله تعالى فأمتعه خبرُه أي فأنا أمتعُهُ وإنما دخلته الفاءُ تشبيهاً له بالشرط والكفرُ وإن لم يكنْ سبباً للتمتيعِ المطلقِ لكنه يصلح سبباً لتقليلِه وكونِه موصولاً بعذابِ النار وقيلَ هو عطفٌ على من آمن عطفَ تلقينٍ كأنه قيلَ قلْ وارزقْ من كفرَ فإنه أيضاً مجابٌ كأنَّهُ ﵇ قاسَ الرزقَ على الإمامة فنبههُ تعالى على أنهُ رحمةٌ دنيويةٌ شاملةٌ للبَرِّ والفاجرِ بخلاف الإمامة الحاصلة بالخواص وقرئ فأمتعه من أمتع وقرئ فنمُتِّعُه ﴿قَلِيلاً﴾ تمتيعاً قليلاً أوزمانا قليلاً ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النار﴾ أي أَلُزُّهُ إليه لزَّ المضطرِ لكفرِه وتضييعه ما متعه به من النعم وقرئ ثمَّ نضطَرُّه على وفق قراءة فنمتعه وقرئ فأَمتِعْه قليلاً ثم اضْطَرَّهُ بلفظ الأمرِ فيهما على أنهما من دعاء إبراهيمَ ﵇ وفي قال ضميره وإنما فصلُه عما قبله لكونِه دعاءً على الكفرة وتغيير سبكهِ للإيذانِ بأن الكفر سببٌ لاضطرارهم إلى عذابِ النار وأما رزقُ من آمن فإنما هو على طريقة التفضيل والإحسان وقرئ بكسر الهمزةِ على لغةِ من يكسرُ حرفَ المضارعةِ وأَطَّرُّه بإدغام الضادِ في الطاء وهي لغةٌ مرذولةٌ فإنَّ حروفَ ضم شفر يُدغمُ فيها ما يجاورُها بلا عكسِ ﴿وَبِئْسَ المصير﴾ المخصوص بالذم محذوفٌ أي بئس المصيرُ النارُ أو عذابُها

стр. 291

﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت﴾ عطفٌ على ما قبله من قوله عز وجلا وَإِذْ قَالَ إبراهيم على أحد الطريقين المذكورين في وإذ جعلنا وصيغةُ الاستقبال لحكاية الحالِ الماضيةِ لاستحضار صورتِها العجيبة المنبئة عن المعجزةِ الباهرةِ والقواعدُ جمع قاعدة وهي الأساسُ صفةٌ غالبة من القعود بمعنى الثبات ولعله مجازٌ من مقابل القيام ومنه قعدك الله ورفعها البناءَ عليها لأنه ينقُلها من هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاعِ والمرتفعُ حقيقة وإن كان هو الذي بُني عليها لكنهما لمّا التأما صارا شيئاً واحداً فكأنها نمت وارتفعت وقيل المراد بها سافات البناء فإن كل ساف قاعدةٌ لما يبنى عليها وبرفعها بناءَ بعضِها على بعض وقيل المرادُ برفعها رفعُ مكانةِ البيت وإظهارُ شرفِه ودعاءُ الناس إلى حجِّه وفي إبهامها أولاً ثم تبيينِها من تفخيم شأنها مالا يخفى وقيل المعنى وإذ يرفع إبراهيمُ ما قعد من البيت واستوطأ يعني يجعل هيئةَ القاعدةِ المستَوطَأةِ مرتفعةً عالية بالبناء رُوي أن الله أنزل البيتَ ياقوتةً من يواقيت الجنة له بابانِ من زمرد شرقي وغربي وقال لآدمَ أهبطتُ لك ما يُطاف به كما يطاف حول عرشي فتوجه آدمُ من أرض الهند إليه ماشياً وتلقَتْه الملائكةُ فقالوا بَرَّ حجَّك يا آدمُ لقد حجَجْنا هذا البيتَ قبلك بألفي عام وحج آدمُ ﵇ أربعينَ حجةً من أرض الهند إلى مكةَ على رجليه فكان على ذلك إلى أنْ رفعه الله أيامَ الطوفان إلى السماءِ الرابعةِ فهو البيتُ المعمور

стр. 292

وكان موضعُه خالياً إلى زمن إبراهيمَ ﵇ فأمره سبحانه ببنائه وعرَّفه جبريلُ ﵇ بمكانه وقيل بعث الله السكينةَ لتدلَّه عليه فتبعها إبراهيم ﵇ حتى أتيا مكة المعظّمة وقيل بعث الله تعالى سَحابةً على قدْرِ البيت وسار إبراهيمُ في ظلها إلى أن وافت مكةَ المعظمة فوقفت في موضع البيت فنُودي أنِ ابْنِ على ظلّها ولا تزدْ ولا تنقُصْ وقيل بناه من خمسة أجبُل طورِ سَيْناء وطورِ زيتا ولبنانَ والجُوديِّ وأسّسه من حِراءَ وجاء جبريلُ ﵇ بالحجر السود من السماء وقيل تمخّض أبو قُبَيْس فانشقَّ عنه وقد خبئ فيه في أيام الطوفان وكان ياقوتةً بيضاءَ من يواقيتِ الجنة فلما لمستْه الحُيَّضُ في الجاهلية اسودّ وقال الفاسيّ في مثير الغرام في تاريخ البلد الحرام والذي يتحصل من جملة ما قيل في عدد بناء الكعبة أنها بنيت عشرَ مرات منها بناءُ الملائكة ﵈ وذكره النووي في تهذيب الأسماءِ واللغات والأزرقيُّ في تاريخه وذكر أنه كان قبل خلقُ آدم ﵇ ومنها بناءُ آدمَ ﵇ ذكره البيهقي في دلائل النبوة وروى فيه عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أن رسول اله ﷺ قال بعث الله حبريل إلى آدمَ ﵉ فقال له ولحواءَ ابنِيا لي بيتا فخط جبريلُ وجعل آدمُ يحفِرُ وحواءُ تنقُل الترابَ حتى إذا أصاب الماء نودي من تحته حسبُك آدمُ فلما بنياه أوحى إليه أن يطوفَ به فقيل له أنت أولُ الناس وهذا أولُ بيتٍ وهكذا ذكره الأزرقي في تاريخه وعبدُ الرزاق في مصنفه ومنها بناءُ بني آدم عند ما رُفعت الخيمة التي عزّى الله تعالى بها آدم ﵇ وكانت ضُربت في موضع البيت فبنى بنوه مكانَها بيتاً من الطين والحجارة فلم يزل معموراً يعمرُونه هم ومن بعدهم إلى أن مسَّه الغرق في عهد نوح ﵇ ذكره الأزرقيُّ بسنده إلى وهْب بن منبه ومنها بناءُ الخليل ﵇ وهو منصوصٌ عليه في القرآن مشهور في ما بين قاصٍ ودان ومنها يناء العمالقة ومنها بناء جُرْهُم ذكرهما الأزراقي بسنده إلى عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁ ومنها بناءُ قصيِّ بنِ كلاب ذكره الزبيرُ بن بكار في كتاب النَّسَب ومنها بناءُ قريشٍ وهو مشهور ومنها بناءُ عبدِ اللَّه بن الزُّبيرِ ﵄ ومنها بناءُ الحجاج بنِ يوسُفَ وما كان ذلك بناءً لكلِّها بل لجدار من جدرانها وقال الحافظ السهيلي إن بناءها لم يكن في الدهر إلا خمسَ مرات الأولى حين بناها شيْثُ ﵇ انتهى والله سبحانه أعلم ﴿وإسماعيل﴾ عطف على إبراهيمَ ولعل تأخيرَه عن المفعول للإيذان بأن الأصلَ في الرفع هو إبراهيم وإسمعيل تبعٌ له قيل إنه كان يناوله الحجارةَ وهو يبنيها وقيل كانا يبنيانِه من طرفين ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ على إرادةِ القولِ أيْ يقولان وقد قرئ به على أنه حالٌ منهما ﵉ وقيل على أنه هو العاملُ في إذْ والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلها والتقديرُ يقولان ربنا تقبلْ منا إذ يرفعان أيْ وقتَ رفعِهما وقيل وإسمعيل مبتدأٌ خبرُه قولٌ محذوفٌ وهو العامل في ربنا تقبل منا فيكون إبراهيمُ هو الرافع وإسمعيل هو الداعيَ والجملةُ في محل النصب على الحالية أي وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيمُ القواعد والحال أن إسمعيل يقولُ ربنا تقبل منا والتعرضُ لوصفِ الربوبيةِ المنبئةِ عن إفاضة ما فيه صلاحُ المربوبِ مع الإضافة إلى ضميرها ﵉ لتحريك سلسلةِ الإجابةِ وتركُ مفعول تقبّل مع ذكرُه في قوله تعالى رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء وغيره من القُرَب والطاعات التي من جملتها ما هما بصدده من البناء كما يُعرب عنه جعلُ الجملة الدعائية حالية ﴿إِنَّكَ أَنتَ السميع﴾ لجميع المسموعاتِ التي من جُملتها دعاؤُنا ﴿العلم﴾ بكل

стр. 293

البقرة (١٢٩ - ١٢٨) المعلومات التي من زمرتها نياتُنا في جميع أعمالِنا والجملة تعليلٌ لاستدعاء التقبّل لا من حيثُ أن كونه تعالى سمعيا لدعائهما عليماً بنياتهما مصححٌ للتقبل في الجملة بل من حيثُ إنَّ علمَه تعالى بصحة نياتهما وإخلاصِهما في أعمالهما مستدعٍ له بموجَب الوعدِ تفضُّلاً وتأكيدُ الجملة لغرض كمالِ قوةِ يقينِهما بمضمونها وقصرُ نعتي السمع والعلم عليه تعالى لإظهار اختصاصِ دعائهما به تعالى وانقطاعِ رجائهما عما سواه بالكلية واعلم أن الظاهر أن أولَ ما جرى من الأمور المحكية هو الابتلاءُ وما يتبعه ثم دعاءُ البلديةِ والأمنِ وما يتعلق به ثم رفعُ قواعدِ البيت وما يتلوه ثم جعلُه مثابةً للناس والأمرُ بتطهيره ولعل تغيير الترتيب الوقوعيِّ في الحكاية لنظم الشئون الصادرةِ عن جنابه تعالى في سلك مستقلٍ ونظمِ الأمور الواقعةِ من جهة إبراهيم وإسمعيل ﵉ من الأفعال والأقوال في سلك آخرَ وأما قولِهِ تَعَالَى وَمَن كَفَرَ الخ فإنما وقع في تضاعيف الأحوال المتعلقةِ بإبراهيم لاقتضاءِ المقام واستيجابِ ما سبق من الكلام ذلك بحيث لم يكن بد منه اصلاكما أن وقوعَ قوله ﵇ ومن ذريتي في خلال كلامِه سبحانه لذلك

стр. 294

﴿رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ مخلِصين لك أو مستسلمين من أَسلم إذا استسلم وانقاد وأياما كان فالمطلوبُ الزيادةُ والثباتُ على ما كان عليه من الإخلاص والإذعان وقرئ مسلِمين على صيغة الجمع بإدخال هاجَرَ معهما في الدعاء أو لأن التثنية من مراتب الجمع ﴿وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ أب واجعل بعضَ ذريتنا وإنما خصاهم بالدعاء لأنهم أحقُّ بالشفقة ولأنهم إذا صلَحوا صلَح الأتباع وإنما خَصّا به بعضَهم لمّا علما أن منهم ظلمةً وأن الحكمة الإلهية لا تقتضي اتفاقَ لكل على الإخلاص والإقبالَ الكلي على الله فإن ذلك مما يُخلُّ بأمر المعاش ولذلك قيل لولا الحمقى لخَرِبَتِ الدنيا وقيل أراد بالأمة المسلمة أمة محمدٍ ﷺ وقد جوز أن يكون من مبينة قدّمت على المبين وفُصل بها بين العاطف والمعطوف كما في قوله تعالى ﴿وَمِنَ الارض مِثْلَهُنَّ﴾ والأصلُ وأمةً مسلمةً لك من ذريتنا ﴿وَأَرِنَا﴾ من الرؤية بمعنى الإبصارِ أو بمعنى التعريفِ أي بصِّرنا أو عرِّفنا ﴿مَنَاسِكَنَا﴾ أي متعبداتِنا في الحج أو مذابحَنا والنُسُك في الأصل غايةُ العبادة وشاعَ في الحج لما فيه من الكُلفة والبعد عن العادة وقرئ أرنا قياساً على فخذ في فخذ وفيه إحجاف لأن الكسرة منقولة من الهمزة الساقطةِ دليل عليهما وقرئ بالاختلاس ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ استتابة لذريتهما وحكايتُها عنهما لترغيب الكفرةِ في التوبة والإيمانِ أو توبةٌ لهما عما فرط منهما سهوا ولعلمهما قالاه هضماً لأنفسهما وإرشاداً لذريتهما ﴿إِنَّكَ أَنتَ التواب الرحيم﴾ وهو تعليلٌ للدعاء ومزيدُ استدعاء للإجابة قيل إذا أراد العبدُ أن يُستجاب له فليدع الله بما يناسبه من أسمائه وصفاتِه

стр. 295

﴿رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ﴾ أي في الأمة المسلمة

стр. 296

البقرة (١٣٠) ﴿رَسُولاً مّنْهُمْ﴾ أي من أنفسهم فإن البعث فيهم لا يستلزم البعثَ منهم ولم يُبعث من ذريتهما غير النبيِّ ﷺ فهو الذي أُجيب به دعوتُهما ﵉ رُوي أنَّه قيل له قد استُجيب لك وهو في آخر الزمان قال ﵇ أنا دعوةُ أبي إبراهيمَ وبُشرى عيسى ورُؤيا أمي وتخصيصُ إبراهيمَ ﵇ بالاستجابة له لما أنه الأصلُ في الدعاء وإسمعيل تبعٌ له ﵇ ﴿يتلو عليهم آياتك﴾ يقرأ عليهم ويبلغهم ما يوحى إليه من البينات ﴿وَيُعَلّمُهُمُ﴾ بحسب قوتِهم النظرية ﴿الكتاب﴾ أي القرآن ﴿والحكمة﴾ وما يُكمل به نفوسَهم من أحكام الشريعة والمعارف الحقة ﴿وَيُزَكّيهِمْ﴾ بحسب قوتهم العملية أي يطهرها عن دنس الشرك وفنون المعاصي ﴿إِنَّكَ أَنتَ العزيز﴾ الذي لا يُقهر ولا يغلب على ما يريد ﴿الحكيم﴾ الذي لا يفعلُ إلا ما تقتضيهِ الحِكمةُ والمصلحةُ والجملة تعليلٌ للدعاء وإجابة المسئول فإن وصفَ الحكمةِ مقتضٍ لإفاضة ما تقتضيه الحِكمةُ من الأمور التي من جملتها بعثُ الرسول ووصفُ العزة مستدعٍ لامتناع وجود المانِع بالمرة

стр. 297

﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم﴾ إنكارٌ واستبعاد لأن يكون في العقلاء من يرغبُ عن ملته التي هي الحقُّ الصريحُ والدين الصحيحُ أي لا يرغب عن ملته الواضحةِ الغراء ﴿إِلَاّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أي أذلّها واستمهَنها واستخَفّ بها وقيل خسِر نفسه وقيل أوبقَ أو أهلكَ أو جهَّلَ نفسَه قال المبرِّدُ وثعلبٌ سفِه بالكسر متعدَ وبالضم لازم ويشهد له ما ورد في الخبر الكبر أن تسفه الحق وتغمض النَّاسَ وقيل معناه ضل من قِبَل نفسِه وقيل أصلُه سفِه نفسُه بالرفع فنصب على التمييز نحو غَبِن رأيُه وألِمَ رأسُه ونحو قوله ... ونأخُذُ بعده بذِناب عيش ... أجبِّ الظهرِ ليس له سَنامُ ... وقوله ... وما قومي بثعلبةَ بن سعد ... ولا بفزارةَ الشُّعْرَ الرقابا ... ذلك لأنه إذا رغب عما لا يرغب عنه أحدٌ من العقلاء فقد بالغ في إذلالِ نفسه وإذالتها وإهانتِها حيث خالف بها كلَّ نفس عاقلة رُوِيَ أنَّ عبدَ اللَّه بن سلام دعا ابني أخيه سلمةَ ومُهاجِراً إلى الإسلام فقال لهما قد علمنا أن الله تعالى قال في التوراة إني باعثٌ من ولد اسمعيل نبياً اسمُه أحمدُ فمن آمن به فقد اهتدى ورشَد ومن لم يؤمن به فهو ملعون فأسلم سلمةُ وأبي مهاجر فنزلت ﴿وَلَقَدِ اصطفيناه فِي الدنيا﴾ أي اخترناه بالنبوة والحكمة من بين سائر الخلق وأصله اتخاذُ صفوة الشيء كما أن أصلَ الاختيارِ اتخاذُ خيره واللام لجواب قسم محذوف والواو اعتراضية والجملة مقررة لمضمون ما قبلها أي وبالله لقد اصطفيناه وقوله تعالى ﴿وَإِنَّهُ فِى الأخرة لَمِنَ الصالحين﴾ أي من المشهود لهم بالثبات على الاستقامة والخير والصلاح معطوفٌ عليها داخلٌ في حيز القسم مؤكدٌ لمضمونها مقرر لما تقرِّره ولا حاجة إلى جعله اعتراضاً آخرَ أو حالاً مقدرة فإن مَنْ كان صفوةً للعباد في الدنيا مشهوداً له بالصلاح في الآخرة كان حقيقاً بالاتباع لا يَرغبُ عن ملته إلا سفيهٌ أو متسفّهٌ أذل نفسَه بالجهل والإعراض عن النظر والتأمل وإيثارُ الاسمية لما أن انتظامه في زُمرة صالحي أهلِ الآخرة أمرٌ مستمرٌ في الدارين لا أنه

стр. 298

البقرة (١٣٢ - ١٣١) يحدُث في الآخرة والتأكيدُ بإن واللام لما أن الأمورَ الأخروية خفية عند المخاطبين فحاجتُها إلى التأكيد أشدُّ من الأمور التي تُشاهد آثارُها وكلمة في متعلقةٌ بالصالحين على أنَّ اللامَ للتعريفِ وليست بموصولة حتى يلزم تقديمُ بعض الصلة عليها على أنه قد يُغتفر في الظرف مالا يغتفر في غيره كما في قوله ... ربيته حتى إذا تمعددا ... كان جزائي بالعصا أن أُجلَدا ... أو بمحذوف من لفظه أي وأنه لصالحٌ فِى الأخرة لَمِنَ الصالحين أو من غير لفظِه أي أعني في الآخرة نحو لك بعدَ رَعْياً وقيل هي متعلقةٌ باصطفيناه على أن في النظم الكريم تقديماً وتأخيراً تقديرُه ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين

стр. 299

﴿إِذْ قَالَ لَهُ﴾ ظرفٌ لاصطفيناه لما أن المتوسِّط ليس بأجنبي بل هو مقرِّر له لأن اصطفاءه في الدنيا إنما هو للنبوة وما يتعلق بصلاح الآخرة أو تعليل له أو منصوب باذكُرْ كأنه قيل اذكر ذلك الوقتَ لتقف على أنه المصطفى الصالحُ المستحِقُّ للإمامة والتقدم وأنه ما نال إلا بالمبادرة إلى الإذعان والانقياد لما أُمر به وإخلاصِ سرِّه على أحسنِ ما يكون حين قال له ﴿رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ أي لربك ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ العالمين﴾ وليس الأمرُ على حقيقته بل هو تمثيلٌ والمعنى أخطر بباله دلائلَ التوحيد المؤديةَ إلى المعرفة الداعيةَ إلى الإسلام من الكوكب والقمر والشمسِ وقيل أسلم أي أذعِنْ وأطع وقيل اثبُتْ على ما أنت عليه من الإسلام والإخلاصِ أو استقمْ وفوِّضْ أمورك إلى الله تعالى فالأمرُ على حقيقته والالتفاتُ مع التعرض لعنوان الربوبيةِ والإضافةِ إليه ﵇ لإظهارِ مزيدِ اللطفِ به والاعتناءِ بتربيته وإضافةُ الرب في جوابِه ﵊ إلى العالمين للإيذان بكمال قوةِ إسلامِه حيث أيقنَ حين النظر بشمولِ ربوبيتِه للعالمين قاطبةً لا لنفسِه وحده كما هو المأمور به

стр. 300

﴿ووصى بِهَا إبراهيم بَنِيهِ﴾ شروعٌ في بيان تكميلِه ﵇ لغيره إثرَ بيانِ كماله في نفسه وفيه توكيدٌ لوجوب الرغبة في مِلته ﵇ والتوصيةُ التقدمُ إلى الغير بما فيه خيرٌ وصلاح للمسلمين من فعلٍ أو قولٍ وأصلُها الوَصْلة يقال وصّاه إذا وصَله وفصّاه إذا فَصَله كأن الموصِيَ يصِلُ فعلُه بفعل الوصيّ والضمير في بها للمِلّة أو قولِه أسلمتُ لرب العالمين بتأويل الكلمة كما عبر بها عن قوله تعالى ﴿إِنَّنِى بَرَاء مّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَاّ الذى فَطَرَنِى﴾ في قولِه ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً باقية فِى عقبه﴾ وقرئ أوصى والأول أبلغُ ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ عطفٌ على إبراهيمُ أي وصَّى بها هو أيضاً وقرئ بالنصب عطفاً على بنيه ﴿يا بَنِى﴾ على إضمار القولِ عند البصريين ومتعلق بوصَّى عند الكوفيين لأنه في معنى القول كما في قوله ... رَجْلانِ من ضَبَّةَ أخبرانا ... إنا رأَيْنا رَجُلاً عُريانا ... فهو عند الأولين بتقدير القول وعند الآخرين متعلق بالإخبار الذي هو في معنى القول وقرئ أن يا بني وبنو إبراهيمَ ﵇ كانوا أربعةً إسماعيلُ وإسحاقُ ومدينُ ومدان وقيل ثمانيةٌ وقيل أربعةً وعشرين وكان بنو يعقوبَ اثني عشرَ روبين وشمعون ولاوي ويهوذا ويشسوخور وزبولون وزوانا وتفتونا

стр. 301

البقرة (١٣٣) وكوزا وأوشير وبنيامين ويوسف ﵇ ﴿إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين﴾ دينَ الإسلامِ الذي هو صفوةُ الأديان ولا دينَ غيرُه عنده تعالى ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إَلَاّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ ظاهرُه النهيُ عن الموت على خلاف حال الإسلام والمقصودُ الأمرُ بالثبات على الإسلام إلى حين الموتِ أي فاثبُتوا عليه ولا تفارقوه أبداً كقولك لا تصلِّ إلا وأنت خاشِعٌ وتغييرُ العبارة للدلالة على أن موتهم لا على الإسلام موتٌ لاخير فيه وأن حقه أن لا يِحلَّ بهم وأنه يجب أن يحذَروه غايةَ الحذَر ونظيرُه مُتْ وأنت شهيدٌ رُوي أن اليهودَ قالوا لرسول الله ﷺ ألستَ تعلم أن يعقوبَ أوصى باليهودية يوم مات فنزلت

стр. 302

﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الموت﴾ أم منقطعة مقدرة ببل والهمزة والخطابُ لأهل الكتاب الراغبين عن ملة إبراهيمَ وشهداءَ جمع شهيد أو شاهد بمعنى الحاضر وإذ ظرفٌ لشهداءَ والمرادُ بحضور الموت حضورُ أسبابه وتقديمُ يعقوبَ ﵇ للاهتمام به إذ المراد كيفية وصيته لبنيه بعد ما بين ذلك إجمالاً ومعنى بل الإضرابُ والانتقال عن توبيخهم على رغبتهم عن ملة إبراهيمَ ﵇ إلى توبيخهم على افترائهم على يعقوبَ ﵇ باليهودية حسبما حُكي عنهم وأما تعميمُ الافتراء ههنا لسائر الأنبياءِ ﵈ كما قيل فيأباه تخصيصُ يعقوبَ بالذكر وما سيأتي من قولهِ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إبراهيم الخ ومعنى الهمزة إنكارُ وقوع الشهود عند اختصاره ﵇ وتبكيهم وقولُه تعالى ﴿إِذْ قَالَ﴾ بدلٌ من إذ حَضَر أي ما كنتم حاضرين عند احتضارِه ﵇ وقولِه ﴿لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ من بعدي﴾ أبي أي شئ تعبدُونه بعد موتي فمن أين لكم أن تدّعوا ﵇ ما تدّعون رجماً بالغيب وعند هذا تم التوبيخُ والإنكار والتبكيتُ ثم بَيّن أنَّ الأمرَ قد جرى حينئذ على خلاف ما زعموا وأنه ﵇ أراد بسؤاله ذلك تقريرَ بنيه على التوحيد والإسلامِ وأخذَ ميثاقِهم على الثبات عليهما إذ به يتِمُّ وصيّتُه بقوله فلا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون وما يُسأل به عن كل شئ ما لم يُعرَّفْ فإذا عرف خص العقلاء بمَنْ إذا سئل عن شئ بعينه وإنْ سُئل عن وصفِه قيل ما زيدٌ أفقيهٌ أم طبيبٌ فقوله تعالى ﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ وقع جوابا عن سؤال نشأ عن حكاية سؤال يعقوبَ ﵇ كأنه قيل فماذا قالوا عند ذلك فقيل قالوا ﴿نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق﴾ حسبما كان مرادُ أبيهم بالسؤال أي نعبدُ الإله المتفَّقَ على وجوده وإلهيته ووجوبِ عبادته وعَدُّ إسمعيل من آبائه تغليباً للأب والجد لقوله ﵊ عمُ الرجل صِنْوُ أبيه وقولِه ﵇ في العباس هذا بقيةُ آبائي وقرىء وقرئ أبيك على أنه جمع بالواو والنون كما في قوله ... فلما تَبَيَّنَّ أصواتَنا ... بكَيْنَ وفَدَّيْننا بالأبينا ... وقد سقطت النون بالإضافة أو مفردٌ وإبراهيمُ عطفُ بيانٍ له وإسمعيل وإسحق معطوفان على أبيك ﴿إلها واحدا﴾ بدل من إله آبائك كقوله تعالى بالناصية نَاصِيَةٍ كاذبة وفائدته التصريحُ بالتوحيد ودفع التوهم الناشئ من تكرير المضافِ لتعذر العطفِ على المجرور أو نصب

стр. 303

البقرة (١٣٥ - ١٣٤) على الاختصاص ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ حال من فاعل نعبدُ أو من مفعوله أومنهما معاً ويُحتمل أن يكون اعتراضاً محقّقاً لمضمون ما سبق

стр. 304

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ مبتدأٌ وخبرٌ والإشارةُ إلى إبراهيمَ ويعقوبَ وبَنِيهما الموحِّدين والأمةُ هي الجماعة التي تؤمّها فِرقُ الناس أي يقصدونها ويقتدون بها ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ صفة للخبر أي مضت بالموت وانفردت عمن عداها وأصلُه صارت إلى الخلاء وهي الأرضُ التي لا أنيس بها ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب أو صفة أخرى لأمة أوحال من الضمير في خلت وما موصولةٌ أو موصوفةٌ والعائدُ إليها محذوف أي لها ما كسبَتْه من الأعمال لصالحة المحكية لاتتخطاها إلى غيرها فإن تقديمَ المُسندِ يوجب قصْرَ المُسند إليه كما هو المشهور ﴿وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم﴾ عطف على نظيرتها على الوجه الأول وجملةٌ مبتدأة على الوجهين الأخيرين إذ لا رابطَ فيها ولا بد منه في الصفة ولا مقارنة في الزمان ولابد منها في الحال أي لكم ما كسبتموه لا ما كسبه غيرُكم فإن تقديمَ المسند قد يُقصد به قصرُه على المسند إليه كما قيل في قوله تعالى لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ أي ولي دينى لادينكم وحملُ الجملة الأولى على هذا القصر على معنى أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا كما قيل مما لا يساعده المقام إذ لا يتوهم متوهِّم انتفاعَهم بكسب هؤلاء حتى يُحتاج إلى بيان امتناعِه وإنما الذي يُتوهم انتفاعُ هؤلاء بكسبهم فبين امتناعَه بأن أعمالَهم الصالحة مخصوصة بهم لاتتخطاهم إلى غيرهم وليس لهؤلاء إلا ما كسبوا فلا ينفعُهم انتسابُهم إليهم وإنما ينفعهم اتباعُهم لهم في الأعمال كما قال ﵇ يا بني هاشم لا يأتيني الناسُ بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ﴿ولا تسألون عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إن أجريَ السؤالُ على ظاهره فالجملة مقررة لمضمون ما مرَّ من الجملتين تقريراً ظاهراً وأن أريد به مسببه أعني الجزاءَ فهو تتميمٌ لما سبق جارٍ مَجرى النتيجةِ له وأيا ما كان فالمرادُ تخييبُ المخاطَبين وقطعُ أطماعِهم الفارغةِ عن الانتفاع بحسناتِ الأمةِ الخاليةِ وإنما أُطلق العملُ لإثبات الحكم بالطريقِ البرهاني في ضمن قاعدة كليةٍ هذا وقد جعل السؤال عبارةً عن المؤاخذة والموصول عن السيئات فقيل أي لا تؤاخَذون بسيئاتهم كما لا تثابون بحسناتهم ولا ريب في أنه مما لا يليق بشأن التنزيلِ كيف لاوهم منزّهون من كسب السيئاتِ فمن أين يُتصوَّر تحميلُها على غيرهم حتى يُتصَدَّى لبيان انتفاعِه

стр. 305

﴿وَقَالُواْ﴾ شروعٌ في بيان فنٍ آخرَ من فنون كفرِهم وهو إضلالُهم لغيرهم إثرَ بيانِ ضلالِهم في أنفسهم والضمير لأهل الكتابين على طريقة الالتفاتِ المُؤْذن باستيجاب حالِهم لإبعادهم من مقام المخاطبةِ والإعراضِ عنهم وتعديدِ جناياتهم عند غيرهم قالوا للمؤمنين ﴿كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى﴾ ليس هذا القول مقولا لكلهم أولاى طائفةٍ كانت من الطائفتين بل هو موزَّعٌ عليهما على وجه خاصَ يقتضيه حالُهما اقتضاءً مُغنياً عن التصريح به أي قالت اليهودُ كونوا هوداً والنصارى كونوا نصارى ففَعل بالنظم الكريم ما فَعل بقوله تعالى وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنةَ إلَاّ من كان هُودًا أَوْ نصارى اعتماداً على ظهور المرام ﴿تهتدوا﴾ جواب

стр. 306

البقرة (١٣٦) للأمر أي إن تكونوا كذلك ﴿قل﴾ خطاب للنبي ﷺ أي قل لهم على سبيل الردِّ عليهم وبيانِ ما هو الحقُّ لديهم وإرشادِهم إليه ﴿بَلْ مِلَّةَ إبراهيم﴾ أي لا نكون كما تقولون بل نكون أهلَ ملتِه ﵇ وقيل بل نتبعُ مِلّته ﵇ وقد جُوِّز أن يكون المعنى بل اتَّبعوا أنتم ملَّتَه ﵇ أو كونوا أهلَ ملته وقرئ بالرفع أي بل ملتُنا أو أمرُنا مِلّتَه أو نحن مِلَّتُه أي أهلُ ملتِه ﴿حَنِيفاً﴾ أي مائلاً عن الباطل إلى الحق وهو حالٌ من المضاف إليه كما في رأيتُ وجهَ هندٍ قائمةً أو المضافِ كما في قوله تعالى وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَانًا الخ ﴿وَمَا كَانَ مِنَ المشركين﴾ تعريضٌ بهم وإيذانٌ ببُطلان دعواهم اتباعَه ﵇ مع إشراكهم بقولهم عزيرٌ ابنُ الله والمسيحُ ابن الله

стр. 307

﴿قُولُواْ﴾ خطابٌ للمؤمنين بعد خِطابه ﵇ بردِّ مقالتِهم الشنعاءِ على الإجمال وإرشادٌ لهم إلى طريق التوحيد والإيمان على ضربٍ من التفصيل أي قولوا لهم بمقابلة ما قالوا تحقيقا وارشاد ضمنياً لهم إليه ﴿آمنَّا بالله وما أنزل إلينا﴾ يعني القرآن قُدِّم على سائر الكتب الإلهية مع تأخرُّه عنها نزولاً لاختصاصِه بنا وكونِه سبباً للإيمان بها ﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ والاسباط﴾ الصُحُف وإن كانت نازلةً إلى إبراهيم ﵇ لكن من بعده حيث كانوا متعبَّدين بتفاصيلها داخلين تحت أحكامِها جُعلت منزلة إليهم كما جعل القرآنُ منزلاً إلينا والأسباطُ جمع سبط وهو الحافد والمراد بهم حفدة يعقوبَ ﵇ أَوْ أبناؤه الا ثنا عشر وذراريهم فإنهم حفدة ابراهيم واسحق ﴿وَمَا أُوتِىَ موسى وعيسى﴾ من التوراة والإنجيل وسائر المعجزات الباهرة الظاهرة بأيديهما حسبما فُصّل في التنزيل الجليل وإيرادُ الإيتاء لما أشير إليه من التعميم وتخصيصُهما بالذكر لما أن الكلام مع اليهود والنصارى ﴿وَمَا أُوتِيَ النبيون﴾ أي جملةُ المذكورين وغيرُهم ﴿مّن رَّبّهِمُ﴾ من الآيات البيناتِ والمعجزاتِ الباهراتِ ﴿لَا نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ﴾ كدأب اليهود والنصارى آمنوا ببعض وكفروا ببعض وإنما اعتبروا عدمُ التفريق بينهم مع أن الكلامَ فيما أوتوه لاستلزام عدم التفريق بينهم بالتصديق والتكذيب لعدم التفريقِ بين ما أوُتوه وهمزةُ أحدٍ إما أصلية فهو اسم موضوع لمن يصلح أن يخاطب يستوي فيه المفردُ والمثنى والمجموعُ والمذكرُ والمؤنث ولذلك صح دخولُ بين عليه كما في مثل المال بين الناس ومنه ما في قوله ﷺ ما أُحِلَّتِ الغنائمُ لأحدٍ سود الرءوس غيرِكم حيثُ وصف بالجمع وإما مبدلة من الواو فهو بمعنى واحد وعمومُه لوقوعه في حيز النفي وصحة دخول بين عليه باعتبار معطوفٍ قد حُذف لظهوره أي بين أحدٍ منهم وبين غيره كما في قول النَّابغةِ ... فمَا كانَ بين الخير لوجاء سالما ... أبُو حَجَرٍ إلَاّ ليالٍ قلائلُ ... أي بين الخيرِ وبينِي وفيه من الدلالة صريحاً على تحقق عدم التفريق بين كل فردٍ فرد منهم وبين من عداه كائنا من كان ما ليس في أن يقال لا نفرِّق بينهم والجملةُ حالٌ منَ الضميرِ في آمنا وقوله ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي مخلصون له ومُذعنون حالٌ أُخرى منْهُ أو عطفٌ على آمنا

стр. 308

البقرة (١٣٧)

стр. 309

﴿فإن آمنوا﴾ الفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن ما تقدم من إيمانِ المخاطَبين على الوجه المحرَّرِ مَظِنَّةٌ لإيمان أهلِ الكتابين لما أنه مشتملٌ على ما هو مقبولٌ عندهم ﴿بمثل ما آمنتم بِهِ﴾ أي بما آمنتم به على الوجهِ الذي فُصل على أن المِثْلَ مُقحَمٌ كما في قوله تعالى وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسرائيل على مِثْلِهِ أي عليه ويعضُده قراءةُ ابنِ مسعود بما آمنتم به وقراءة أُبيّ بالذي آمنتم به ويجوزُ أن تكون الباء للاستعانة على أن المؤمَنَ به محذوف لظهوره بمرووه آنفاً أو على أن الفعلَ مُجرىً مجرى اللازمِ أي فإن آمنوا بما مر مفصلاً أو فإنْ فعلوا الإيمانَ بشهادةٍ مثلِ شهادتكم وأن تكون الأولى زائدةً والثانية صلةً لآمنتم وما مصدرية أي فإن آمنوا إيماناً مثلَ إيمانِكم بما ذُكر مفصَّلاً وأن تكون للملابسة أي فإن آمنوا ملتبسين بمثل ما آمنتم ملتبسين به أو فإن آمنوا إيمانا ملتبسا بمثل ما آمنتم إيماناً ملتبساً به من الإذعان والإخلاص وعدم التفريق بين الأنبياءِ ﵈ فإن ما وُجد فيهم وصدَر عنهم من الشهادة والإذعان وغير ذلك مثلُ ما للمؤمنين لاعينة بخلاف المؤمَنِ به فإنه لا يُتصوَّرُ فيه التعدّد ﴿فَقَدِ اهتدوا﴾ إلى الحق وأصابوه كما اهتديتم وحصل بينكم الاتحادُ والاتفاق وأما ما قيل من أن المعنى فإن تحرَّوُا الإيمان بطريق يهدي إلى الحق مثلِ طريقِكم فقد اهتدوا فإن وَحدَة المقصِد لا تأبي تعدد الطريق فيأباه أن مقام تعيين طريق الحقِّ وإرشادُهم إليه بعينه لا يلائم تجويزَ أن يكون له طريقٌ آخرُ وراءه ﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أي أعرضوا عن الإيمان على الوجه المذكور بأن أخلّوا بشئ من ذلك كأن آمنوا ببعضٍ وكفروا ببعض كما هو دينُهم ودَيْدَنُهم ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ﴾ المُشاقّة والشِقاقُ من الشِق كالمخالفة والخِلاف من الخُلف والمعاداة والعداء من العدوة أي الجانب فإن أحدَ المخالِفين يُعرِض عن الآخر صورةً أو معنى ويُولِيه خَلفَه ويأخُذُ في شِقٍ غيرِ شِقّه وعَدْوةٍ غيرِ عَدْوَتِه والتنوينُ للتفخيم أي هم مستقرون في خلاف عظيمٍ بعيدٍ من الحق وهذا لدفع ما يُتوهم من احتمال الوِفاق بسبب إيمانِهم ببعضِ ما آمن به المؤمنونَ والجملةُ إما جوابُ الشرط كما هي على أن المرادَ مُشاقّتُهم الحادثةُ بعد توليتهم عن الإيمان كجزاب الشرطية الأولى وإنما أُوثرت الجملة الاسمية لدلالة على ثباتِهم واستقرارِهم في ذلك وإما بتأويل فاعلَموا إنما هم في شقاق هَذَا هُو الذي يستدعيه فخامة شان التنزيلِ الجليل وقد قيلَ قولُه تعالى فإن آمنوا الخ من باب التعجيز والتبكيتِ على منهاج قولِه تعالى فَأْتُواْ بِسُورَةٍ من مّثْلِهِ والمعنى فإن حصّلوا ديناً آخرَ مثل دينِكم مماثلاً له في الصِحة والسَّداد فقد اهتَدوا وإذ لا إمكانَ له فلا إمكانَ لاهتدائهم ولا ريب في أنه مما لا يليق بحمل النظمِ الكريم عليه ولمّا دل تنكيرُ الشِقاق على امتناعِ الوفاقِ وأن ذلك مما يؤدي إلى الجدال والقتالِ لا محالة عقَّب ذلك بتسلية رسول الله ﷺ وتفريحِ المؤمنين بوعد النصر والغلبة وضمان التأييد والإعزاز وعبّر بالسين الدالةِ على تحقق الوقوعِ اْلبتَةَ فقيل ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله﴾ أي سيكفيك شِقاقَهم فإن الكفاية لا تتعلق بالأعيان بل بالأفعال وقد أنجز وعدَه الكريمِ بقتل بني قريظة وسبيهم وإجلاء بنى

стр. 310

البقرة (١٣٩ - ١٣٨) النضير وتلوينُ الخطاب بتجريده للنبي ﷺ مع أن ذلك كفايةٌ منه سبحانه للكلِّ لما أنه الأصلُ والعُمدة في ذلك وللإيذانِ بأن القيامَ بأمورِ الحروب وتحمُّلَ المُؤَن والمشاقِّ ومقاساةَ الشدائد في مناهضة الأعداد من وظائف الرؤساء فنعمته تعالى في الكفاية والنصر في حقه ﵇ أتم وأكملُ ﴿وَهُوَ السميع العليم﴾ تذييلٌ لما سبق من الوعد وتأكيدٌ له والمعنى أنه تعالى يسمع ما تدعون به ويعلم ما في نِيَّتك من إظهار الدينِ فيستجيب لك ويوصلك إلى مرادك أو وعيد للكفرة أي يسمع ما ينطِقون به ويعلم ما يضمرونه في قلوبهم مما لا خير فيه وهو معاقبهم عليه ولا يَخْفى ما فيهِ من تأكيد الوعد السابقِ فإن وعيدَ الكفرة وعد للمؤمنين

стр. 311

﴿صِبْغَةَ الله﴾ الصِّبغة من الصِّبْغ كالجلسة من الجلوس وهي الحالة التي يقع عليها الصَّبْغُ عبر بها عن الإيمان بما ذكر على الوجه الذي فصل لكونه تطهيراً للمؤمنين من أوضار الكفر وحليةً تُزَيِّنُهم بآثاره الجميلة ومتداخِلاً في قلوبهم كما أن شأن الصَّبْغ بالنسبة إلى الثوب كذلك وقيل للمشاركة التقديرية فإن النصارى كانوا يغمِسون أولادَهم في ماء أصفرَ يسمونه المعمودية ويزعُمون أنه تطهيرٌ لهم وبه يحق نصرانيتهم وإضافته إلى الله مع استناده فيما سلف إلى ضمير المتكلمين للتشريفِ والإيذانِ بأنها عطية منه سبحانه لا يستقِلُّ العبدُ بتحصيلها فهى إذن مؤكد لقوله تعالى آمنا داخلٌ معه في حيزِ قولوا منتصبٌ عنه انتصابَ وعد الله عما تقدمه لكونه بمثابة فعلِه كأنه قيل صبغة الله صِبغةً وقيل هي منصوبةٌ بفعل الإغراء أي الزموا صبغةَ الله وإنما وسط بينهما الشرطيتانوما بعدهما اعتناءً ببيان أنه الإيمانُ الحقُّ وبه الاهتداءُ ومسارعة إلى تسليتِه ﵊ ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله﴾ مبتدأ أو خبر والإستفهام للإنكار والنفي وقولُه تعالى ﴿صبغة﴾ نصب على تمييز من أحسنُ منقولٌ من المبتدأ والتقديرُ ومن صبغتُه أحسنُ من صبغته تعالى فالتفضيلُ جارٍ بين الصِّبغتين لابين فاعليهما أي لا صبغةَ أحسنُ من صبغته تعالى على معنى أنها أحسنُ من كل صبغة على ما أشيرَ إليهِ في قوله تعالى وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ الخ وحيث كان مدارُ التفضيل على تعميم الحسن الحقيقي والفَرَضي المبني على زعم الكفرة لم يلزم منه أن يكون في صبغة غيرِه تعالى حُسْنٌ في الجملة والجملةُ اعتراضية مقرِّرة لما في صبغة الله من معنى التبجّح والابتهاج ﴿وَنَحْنُ لَهُ﴾ أي لله الذي أولانا تلك النعمةَ الجليلةَ ﴿عابدون﴾ شكراً لها ولسائر نعمة وتقدير الظرف للاهتمام ورعايةِ الفواصل وهو عطفٌ على آمنا داخلٌ معه تحت الأمرِ وإيثارُ الاسميةِ للإشعار بدوام العبادةِ أو على فعل الإغراء بتقدير القول أي الزمَوا صِبغة الله وقولوا نحن له عابدون فقوله تعالى وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً حينئذ يجري مَجرى التعليل للإغراء

стр. 312

﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا﴾ تجريدُ الخطاب للنبي ﷺ عقيب الكلام الداخلِ تحت الأمر الواردِ بالخطاب العام لما أن المأمورَ به من الوظائف الخاصةِ به ﵊ وقرئ بإدغام النونِ والهمزةُ للإنكار أي أتجادلوننا ﴿فِى الله﴾ أي في دينه وتدّعون أن دينَه الحقَّ هو اليهودية

стр. 313

البقرة (١٤٠) والنصراينة وتبنون دخولَ الجنة والاهتداءَ عليهما وتقولون تارة لنْ يدخلَ الجنةَ إلَاّ من كان هودا أو نصارى وتارة كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ جملة حالية وكذلك ما عطف عليها أي أتجادلوننا والحالُ أنه لا وجه للمجادلة أصلاً لأنه تعالى ربُنا أي مالكُ أمرنا وأمرِكم ﴿وَلَنَا أعمالنا﴾ الحسنةُ الموافقةُ لأمره ﴿وَلَكُمْ أعمالكم﴾ السيئةُ المخالفة لحُكمه ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ في تلك الأعمال لا نبتغي بها إلا وجهَه فأنّى لكم المُحاجّةُ وادعاء حقية ما أنتم عليه والطمعِ في دخول الجنة بسببه ودعوةِ الناس إليه وكلمةُ أم في قوله تعالى

стр. 314

﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ إما معادلة للهمزة في قوله تعالى أَتُحَاجُّونَنَا داخلةٌ في حيز الأمر على معنى أيَّ الأمرين تأتون إقامةَ الحجة وتنويرَ البرهان على حقية ما أنتم عليه والحال ما ذكر أم التشبّثَ بذيل التقليد والافتراءِ على الأنبياء وتقولون ﴿إِنَّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط كَانُواْ هُودًا أَوْ نصارى﴾ فنحن بهم مقتدون والمرادُ إنكارُ كِلا الأمرين والتوبيخُ عليهما وإما منقطعةٌ مقدرةٌ ببل والهمزة دالةٌ على الإضرابُ والانتقال من التوبيخ على المُحاجة إلى التوبيخ على الافتراء على الأنبياءِ ﵈ وقرئ أم يقولون على صيغة الغَيْبة فهي منقطعةٌ لا غير غيرُ داخلةٍ تحتَ الأمرِ واردةٌ من جهته تعالى توبيخاً لهم وإنكاراً عليهم لا من جهته ﵇ على نهج الالتفات كما قيل هذا وأما ماقيل من أن المعنى أتحاجوننا في شأن الله واصطفائِه نبياً من العرب دونكم لما رُوي أن أهلَ الكتاب قالوا الأنبياءُ كلُهم منا فلو كنت نبياً لكنت منا فنزلت ومعنى قوله تعالى ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم﴾ أنه لا اختصاصَ له تعالى بقوم دون قومٍ يصيب برحمته من يشآء من عباده فلا يبعد أن يكرمنا بأعمالنا كما أكرمَكم بأعمالكم كأنه ألزمهم على كل مذهب ينتحونه إفحاماً وتبكيتاً فإن كرامة البنوة إما تفضلٌ من الله تعالَى على من يشاء فالكل فيه سواء وإما إفاضةُ حقَ على المستحقين لها بالمواظبة على الطاعة والتجلى بالإخلاص فكما أن لكم أعمالاً ربما يعتبرها الله تعالى في إعطائها فلنا أيضاً أعمالٌ ونحن له مخلصون أي لا أنتم فمَعَ عدم ملاءمتِه لسياق النظم الكريم وسياقه لاسيما على تقدير كونِ كلمةِ أم معادلةً للهمزة غيرُ صحيح في نفسه لما أن المرادَ بالأعمال من الطرفين ما أشيرَ إليهِ من الأعمال الصالحة والسيئة ولا ريب في أن أمرَ الصلاحِ والسوءِ يدورُ على موافقة الدين المبنيِّ على البعثة ومخالفته فكيف يتصور اعتبارُ تلك الأعمال في استحقاق النبوة واستعدادِها المتقدم على البعثة بمراتِبَ ﴿قل أأنتم أَعْلَمُ أَمِ الله﴾ إعادةُ الأمر ليست لمجرد تأكيدِ التوبيخِ وتشديدِ الإنكار عليهم بل للإيذان بأن ما بعده ليس متصلاً بما قبله بل بينهما كلامٌ للمخاطبين مترتب على ما سبق مستتبِعٌ لما لحق قد ضُرب عنه الذكرُ صفحاً لظهوره وهو تصريحُهم بما وُبِّخوا عليه من الافتراء على الأنبياءِ ﵈ كما في قوله قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلَاّ الضآلون قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون وقولِه عز قائلاً قال أأسجد لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا قَالَ أرأيتك هذا الذى كَرَّمْتَ عَلَىَّ فإن تكريرَ قال في الموضعين وتوسيطَه بين قولي قائل واحد

стр. 315

البقرة (١٤٢ - ١٤١) للإيذان بأن بينهما كلاماً لصاحبه متعلقاً بالأول والثاني بالتبعية والاستتباع كما حُرر في محله أي كذِبُهم في ذلك وبكتهم قائلاً إن الله يعلم وأنتم لاتعلمون وقد نَفَى عن إبراهيمَ ﵇ كلا الأمرين حيث قال مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا وَلَا نَصْرَانِيّا واحتُج عليه بقوله تعالى وَمَا أُنزِلَتِ التوراة والإنجيل إِلَاّ مِن بَعْدِهِ وهؤلاء المعطوفون عليه ﵇ أتباعُه في الدين وِفاقاً فكيف تقولون ما تقولون سبحان الله عما تصفون ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ إنكار لأن يكون أحدٌ أظلمَ ﴿مِمَّنْ كَتَمَ شهادة﴾ ثابتة ﴿عِندَهُ﴾ كائنة ﴿مِنَ الله﴾ وهي شهادتُه تعالى له ﵇ بالحنيفية والبراءةِ من اليهودية والنصرانية حسبما تلى آنفاً فعنده صفةٌ لشهادة وكذا من الله جيء بهما لتعليل الإنكار وتأكيدِه فإن ثبوتَ الشهادةِ عنده وكونَها من جناب الله من أقوى الدواعي إلى إقامتها وأشدِّ الزواجر عن كِتمانها وتقديمُ الأول مع أنه متأخرٌ في الوجود لمراعاة طريقةِ الترقي من الأدنى إلى الأعلى والمعنى أنه لا أحدَ أظلمُ من أهل الكتاب حيث كتموا هذه الشهادةَ وأثبتوا نقيضَها بما ذُكر من الافتراء وتعليقُ الأظلمية بمُطلق الكِتمان للإيماء إلى أن مرتبةَ مَنْ يردُّها ويشهد بخلافها في الظلم خارجةٌ عن دائرة البيان أولا أحدَ أظلمُ منا لو كتمناها فالمرادُ بكتمها عدمُ إقامتها في مقامِ المُحاجة وفيه تعريضٌ بغاية أظلمية أهلِ الكتابِ على نحو ما أشير إليه وفي إطلاق الشهادة مع أن المرادَ بها ما ذكر من الشهادة المعنية تعريض بكتمانهم شهادة الله للنبي ﷺ في التوراة والإنجيل ﴿وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ من فنون السيئاتِ فيدخُل فيها كتمانُهم لشهادته سبحانه وافتراؤهم على الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسلام دُخولاً أولياً أي هو محيطٌ بجميعِ ما تأتونَ وما تذرونَ فيعاقبُكم بذلك أشد عقاب وقرئ عما يعملون على صيغة الغَيْبة فالضميرُ إما لمن كَتَم باعتبار المعنى وإما لأهلِ الكتاب وقولُه تعالى وَمَنْ أَظْلَمُ إلى آخر الآية مسوقٌ من جهتِه تعالَى لوصفهم بغاية الظلمِ وتهديدِهم بالوعيد

стр. 316

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم ما كسبتم ولا تسألون عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تكريرٌ للمبالغة في الزجرُ عمَّا هُم عليهِ من الافتخارِ بالآباء والاتكالِ على أعمالهم وقيل الخطابُ السابق لهم وهذا لنا تحذيرٌ عن الاقتداء بهم وقيل المرادُ بالأُمة الأولى الأنبياءُ ﵈ وبالثانيةِ أسلافُ اليهود

стр. 317

﴿سَيَقُولُ السفهاء﴾ أي الذين خفّت أحلامُهم واستمهنوها بالتقليد والإعراضِ عن التدبر والنظرِ من قولهم ثوبٌ سفيهٌ إذا كان خفيفَ النسج وقيل السفيهُ البهّاتُ الكذابُ المتعمدُ خلافَ ما يَعلم وقيل الظلومُ الجهولُ والمراد بالسفهاء هم اليهودُ على ما رُوي عن ابنُ عباس ومجاهدٌ ﵃ قالوه إنكاراً للنسخ وكراهةً للتحويل حيث كانوا يأنَسون بموافقته ﵊ لهم في القبلة وقيل هم المنافقون وهو الأنسب بقوله عز وعلا أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السفهاءُ وإنما قالوه لمجرد الاستهزاء والطعن لا لاعتقادهم حقية القِبلة الأولى وبُطلان الثانية إذ ليس

стр. 318

البقرة (١٤٣) كلُّهم من اليهود وقيل هم المشركون ولم يقولوه كراهة للتحويل إلى مكةَ بل طعناً في الدين فإنهم كانوا يقولون رغِبَ عن قِبلة آبائه ثم رجع ولَيَرْجِعَنّ إلى دينهم أيضاً وقيل هم القادحون في التحويل منهم جميعاً فيكون قوله تعالى ﴿مِنَ الناس﴾ أي الكفرةِ لبيانِ أن ذلك القول المَحْكيِّ لم يصدُر عن كل فردٍ فردٍ من تلك الطوائف الثلاث بل عن اشيقائهم المعتادين للخوض في فنون الفساد وهو الأظهر إذ لو أريد بهم طائفة مخصوصة منهم لما كان لبيان كونِهم من الناس مزيدُ فائدة وتخصيصُ سفهائهم بالذكر لا يقتضي تسليمَ الباقين للتحويل وارتضاءَهم إياه بل عدم التفوه بالقدح مطلقاً أو بالعبارة المحكية ﴿مَا ولاهم﴾ أي أيُّ شئ صرفهم والاستفهامُ للإنكار والنفي ﴿عَن قِبْلَتِهِمُ﴾ القبلة فِعلة من المقابلة كالوجهة من المواجهة وهي الحال التي يقابل الشئ غيرَه عليها كالجِلسة للحالة التي يقع عليها الجلوسُ يقال لا قِبلة له ولا دِبْرَةَ إذا لم يهتدِ لجهة أمرِه غلَبت على الجهة التي يستقبلها الإنسانُ في الصلاة والمراد بها ههنا بيتُ المقدس وإضافتُها إلى ضمير المسلمين ووصفُها بقوله تعالى ﴿التى كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ أي ثابتين مستمرين على التوجه إليها ومراعاتها واعتقاد حقيقتها لتأكيد الإنكار فإن الاختصاصَ بالشئ والاستمرارَ عليه باعتقاد حقّيتِه مما ينافي الانصرافَ عنه فإن أريد بالقائلين اليهودُ فمدَارُ الإنكارِ كراهتُهم للتحويل عنها وزعمُهم أنه خطأ وإن أريد بهم المشركون فمدارُه مجردُ القصدِ إلى الطعن في الدين والقدحِ في أحكامه وإظهارُ أن كلاً من التوجه إليها والانصرافِ عنها واقعٌ بغير داعٍ إليه لا لكراهتهم الانصرافَ عنها أو التوجهَ إلى مكةَ وتعليقُ الإنكار بما يولّيهم عنها لا بما يوجههم الى غيرهما مع تلازمها في الوجود لما أن تركَ الدين القديمِ أبعدُ عند العقول وإنكارُ سببه أدخلُ لا للإيذان بأن المنكِرين هم اليهودُ بناءً على أن المنكرَ عندهم هو التحويلُ عن خصوصية بيتِ المقدس الذي هو القِبلة الحقَّةُ عندهم لا التوجهُ إلى خصوصية قبلةٍ أخرى أو هم المشركون بناءً على أن المنكرَ عندهم تركُ القبلة القديمةِ على وجه الطعن والقدحِ لا التوجهُ إلى الكعبة لأنه الحقُّ عندهم فإنَّه بمعزلٍ عن ذلك كيف لا والمنافقون من أحد الفريقين لا محالة والإخبارُ بذلك قبل الوقوعِ مع كونه من دلائل النبوة حيث وقع كما أُخبر لتوطين النفوس وإعدادِ ما يُبَكّتُهم فإن مفاجأةَ المكروهِ على النفس أشقُّ وأشدُّ والجوابُ العتيد لشغَب الخصمِ الألدِّ ارد وقوله ﴿قُل لّلَّهِ المشرق والمغرب﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على السؤالِ كأنه قيل فماذا أقول عند ذلك فقيل قل الخ أي لله تعالى ناحيتا الأرضِ أي الجهاتُ كلها ملكا وملكا وتصرفاً فلا اختصاصَ لناحيةٍ منها لذاتها بكونها قبلةً بدون ما عداها بل إنما هو بأمر الله سبحانه ومشيئتِه ﴿يَهْدِى مَن يَشَآء﴾ أنْ يهديَه مشيئةٌ تابعةٌ للحِكَم الخفية التي لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ ﴿إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ موصلٍ إلى سعادة الدارين وقد هدانا إلى ذلك حيث أمرنا بالتوجه إلى بيت المقدس تارة وإلى الكعبة أخرى حسبَما تقتضيهِ مشيئتُه المقارِنة لحِكَم أبيّةٍ ومصالِحَ خفية

стр. 319

﴿وكذلك جعلناكم﴾ توجيه للخطاب إلى المؤمنين

стр. 320

بين الخطابين المختصين بالرسول ﷺ لتأييد ما في مضمون الكلامِ من التشريف وذلكَ إشارةٌ إلى مصدرِ جعلناكم لا إلى جعل آخرَ مفهوم مما سبق كما قيل وتوحيدُ الكاف مع القصد إلى المؤمنين لِما أن المرادَ مجردُ الفَرْق بين الحاضرِ والمنقضِي دون تعيين المخاطبين وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجة المُشَارِ إليهِ وبُعْدِ منزلتِه في الفضل وكمال تميزه وانتظامِه بسببه في سلك الأمور المشاهَدة والكافُ لتأكيدِ ما أفاده اسمُ الإشارةِ من الفخامة ومحلُها في الأصلِ النصبُ على أنَّه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ وأصل التقدير جعلناكم أمة وسَطاً جَعْلاً كائناً مثل ذلك الجعلِ فقُدّم على الفعلِ لإفادةِ القصِر واعتُبرت الكافُ مقحمةً للنكتة المذكورة فصار نفسَ المصدرِ المؤكدِ لا نعتاً له أي ذلك الجعلَ البديعَ جعلناكم ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ لا جعلاً آخرَ أدنى منه والوسَطُ في الأصل اسمٌ لما يستوي نِسبةُ الجوانبِ إليه كمركز الدائرة ثم استُعير للخصال المحمودةِ البشرية لكن لا لأن الأطرافَ يتسارع إليها الخللُ والإعوازُ والأوساطُ محميّةٌ مَحوطَةٌ كما قيل واستُشهد عليه بقول ابن أوسٍ الطائي ... كانت هي الوسَطَ المَحْمِيَّ فاكتَنَفَت ... بها الحوادثُ حتى أصبحت طَرَفا ... فإن تلك العلاقةَ بمعزل من الاعتبار في هذا المقام إذ لا ملابَسةَ بينها وبين أهليةِ الشهادة التي جُعلت غايةً للجعل المذكور بل لكون تلك الخصالِ أوساطاً للخصال الذميمةِ المكتنفة بها من طرفي الإفراطِ والتفريطِ كالعِفة التي طرفاها الفجورُ والخمودُ وكالشجاعة التي طرفاها الظهور والجُبن وكالحِكمة التي طرفاها الجربزة والبَلادةُ وكالعدالة التي هي كيفية متشابهةٌ حاصلةٌ من اجتماع تلك الأوساط المحفوفة بأطرافها ثم أطلقَ على المتصِّف بها مبالغةً كأنه نفسُها وسُوّي فيه بين المفرد والجمعِ والمذكرِ والمؤنث رعايةً لجانب الأصلِ كدأب سائر الأسماءِ التي يوصف بها وقد روُعيت ههنا نُكتةٌ رائقةٌ هي أن الجعلَ المشارَ إليه عبارةٌ عما تقدم ذكرُه من هدايته تعالى إلى الحق الذي عبَّر عنه بالصراط المستقيم الذي هو الطريقُ السويُ الواقعُ في وسط الطرُق الجائرةِ عن القصد الى الجوانب فإنا إذا فرضنا خطوطاً كثيرةً واصلةً بين نُقطتين متقابلتين فالخطُ المستقيم إنما هو الخطُ الواقعُ في وسط تلك الخطوطِ المنحنية ومن ضرورة كونِه وسطاً بين الطرُق الجائرةِ كونُ الأمةِ المَهْديّة إليه أمةً وسطاً بين الأمم السالكة إلى تلك الطرق الزائغة أي متصفةً بالخصال الحميدةِ خياراً وعدُولاً مُزَكَّيْنَ بالعلم والعمل ﴿لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس﴾ بان الله قد أوضح السبُل وأرسل الرُسل فبلّغوا ونصَحوا وذكّروا فهل من مُدَكِّرٍ وهي غاية للجعل المذكور مترتبةٌ عليه فإن العدالة كما أشير إليه حيث كانت هي الكيفيةُ المتشابهةُ المتألّفةُ من العفة التي هي فضيلةُ القوة الشَّهْوية البهيمية والشجاعة التي هي فضيلةُ القوةِ الغضبيةِ السَّبُعية والحكمة التي هي فضيلةُ القوةِ العقلية المَلَكية المشارِ إلى رتبتها بقوله عز وعلا وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا كان المتّصِفُ بها واقفاً على الحقائقِ المودَعةِ في الكتاب المبين المنطوي على أحكام الدين وأحوالِ الأممِ أجمعين حاويا لشرائط الشهادةَ عليهم رُوي أن الأممَ يوم القيامة يجحدون تبليغَ الأنبياءِ ﵈ فيطالبهم الله تعالى بالبينة وهو أعلم إقامةً للحجة على المنكرين وزيادةً لخِزْيهم بأن كذَّبهم مَنْ بعدهم من الأمم فيؤتى بأمةِ محمدٍ ﷺ فيشهدون فيقول الأممُ من أين عرفتم فيقولون علمنا ذلك بإخبار الله تعالَى في كتابِه الناطقِ على لسان نبيِّه الصادقِ فيؤتى عند ذلك بالنبي ﷺ ويُسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم وذلك قولُه عز قائلاً ﴿وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ وكلمةُ
следующие страницы →