Полный текст (8 642 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِى﴾ النُصحُ كلمةٌ جامعةٌ لكل ما يدور عليه الخيرُ من قولٍ أو فعلٍ وحقيقتُه إمحاضُ إرادةِ الخيرِ والدِلالةِ عليه ونقيضُه الغشُّ وقيل هو إعلامُ موقع الغَيِّ ليُتّقى وموضعِ الرشد ليقتفى
﴿إن أردت أن أنصح لَكُمْ﴾ شرطٌ حذف جوابُه لدلالةِ ما سبق عليه والتقديرُ إن أردتُ أن أنصح لكم لا ينفعكم نُصحي وهذه الجملةُ دليلٌ على ما حذف من جواب قولِه تعالى
﴿إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ﴾ والتقديرُ إن كان الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ فإن أردتُ أن أنصحَ لكم لا ينفعكم نصحي هذا على ما ذهب إليه البصريون من عدم تقديم الجزاءِ على الشرطِ وأما على ما ذهب إليه الكوفيون من جوازه فقوله عز وعلا وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِى جزاءٌ للشرط الأولِ والجملةُ جزاءٌ للشرط الثاني وعلى التقديرين فالجزاءُ متعلّقٌ بالشرط الأولِ وتعلّقه به معلّقٌ بالشرط الثاني وهذا الكلامُ متعلِّقٌ بقولهم قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا صدر عنه ﷺ إظهار للعجز عن إلزامهم بالحجج والبيناتِ لتماديهم في العناد وإيذاناً بأن ما سبق منه ليس بطريق الجدالِ والخصام بل
стр. 2557
هود آية (٣٥ ٣٧) بطريق النصيحةِ لهم والشفقةِ عليهم وبأنه لم يألُ جهداً في إرشادهم إلى الحق وهدايتِهم إلى سبيله المستبينِ وإمحاضِ النصحِ لهم ولكن لا ينفعهم ذلك عند إرادة الله تعالى لإغوائهم وتقييدُ عدمِ نفع النصحِ بإرادته مع أنه محقق لا محال للإيذان بأن ذلك النصحَ منه مقارِنٌ للإرادة والاهتمامِ به ولتحقيق المقابلةِ بين ذلك وبين ما وقع بإزائه من إرادته تعالى لإغوائهم وإنما اقتُصر في ذلك على مجرد إرادةِ الإغواءِ دون نفسِه حيث لم يقل إن كان الله يغويكم مبالغةً في بيان غلبةِ جنابِه عز وعلا حيث دل ذلك على أن نُصحَه المقارِنَ للاهتمام به لا يُجديهم عند مجردِ إرادةِ الله سبحانه لإغوائهم فكيف عند تحقيقِ ذلك وخلقِه فيهم وزيادةُ كان للإشعار بتقدم إرادتِه تعالى زماناً كتقدّمها رتبةً وللدلالة على تجدّدها واستمرارِها وإنما قُدّم على هذا الكلامِ ما يتعلق بقولهم فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا منَ قوله تعالى إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ الله إِن شَاء رداً عليهم من أول الأمرِ وتسجيلاً عليهم بحلول العذابِ مع ما فيه من اتصال الجوابِ بالسؤال وفيه دليلٌ على أنَّ إرادتَه تعالى يصِحّ تعلقُها بالإغواء وأن خلافَ مرادِه غيرُ واقع وقيل معنى أن يغويكم أن يُهلكَكم من غوَى الفصيلُ غوًى إذا بشِم وهلك
﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ خالقُكم ومالكُ أمركم
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجازِيكم على أعمالِكم لا محالة
стр. 2558
﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه﴾ قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يعني نوحا ﵊ ومعناه بل أيقولُ قومُ نوحٍ إن نوحاً افترى ما جاء به مسنِداً إلى الله
﴿قُلْ﴾ يا نوح
﴿إِنِ افتريته﴾ بالفرض البحث
﴿فَعَلَىَّ إِجْرَامِى﴾ إثمي ووبالُ إجرامي وهو كسبُ الذنب وقرىء بلفظ الجمع وينصُره أن فسّره الأولون بآثامي
﴿وَأَنَاْ بَرِىء مّمَّا تُجْرَمُونَ﴾ من إجرامكم في إسناد الافتراءِ إليّ فلا وجهَ لإعراضكم عني ومعاداتِكم لي وقال مقاتلٌ يعني محمداً ﷺ ومعناه بل أيقولُ مشركو مكةَ افترى رسولُ الله ﷺ خبرَ نوحٍ فكأنه إنما جيء به في تضاعيفِ القصةِ عند سَوْق طرفٍ منها تحقيقاً لحقيتها وتأكيداً لوقوعها وتشويقاً للسامعين إلى استماعها لا سيما وقد قُصَّ منها طائفةٌ متعلقةٌ بما جرى بينه ﷺ وبين قومِه من المُحاجَّة وبقِيَتْ طائفةٌ مستقلّةٌ متعلقةٌ بعذابهم
стр. 2559
﴿وَأُوحِىَ إلى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ﴾ أي المُصِرِّين على الكفر وهو إقناط له ﷺ من إيمانهم وإعلامٌ لكونه كالمُحال الذي لا يصِحّ توقّعُه
﴿إِلَاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ إلا من قد وُجد منه ما كان يُتوقَّع من إيمانه وهذا الاستثناءُ على طريقة قولِه تعالى إَلَاّ مَا قَدْ سَلَفَ
﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ أي لا تحزَنْ حزْنَ بائسٍ مستكينٍ ولا تغتمَّ بما كانوا يتعاطَوْنه من التكذيب والاستهزاء والإيذاءِ في هذه المدة الطويلةِ فقد انتهى أفعالُهم وحان وقتُ الانتقامِ منهم
стр. 2560
﴿واصنع الفلك﴾ ملتبساً
﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ أي بحفظِنا وكلاءتِنا كأنَّ معه من الله حفاظا وحراسا يكلئونه بأعينهم من التعدّي من الكفرة ومن الزَّيغِ في الصَّنعةِ
﴿وَوَحْيِنَا﴾ إليك كيف تصنعُها وتعليمِنا وإلهامِنا عن ابن عباس رضي
стр. 2561
هود آية ٣٨ الله تعالى عنهما لم يعلمْ كيف صنعةُ الفُلك فأَوْحَى الله تعالى إليه أن يصنعَها مثلَ جُؤجُؤ الطائر والأمرُ للوجوب إذ لا سبيلَ إلى صيانة الروحِ من الغرق إلا به فيجب كوجوبها واللامُ إما للعهد بأن يُحملَ على أن هذا مسوق بوحي الله تعالى إليه ﵇ أنه سيهلكهم بالغرق وينجّيه ومَنْ معه بشيء سيصنعه بأمره تعالى ووحيِه مِنْ شأنه كيتَ وكيت واسمُه كذا وإما للجنس قيل صنعها ﵊ في سنتين وقيل في أربعمائة سنة وكانت من خشب الساج وجُعلت ثلاثةَ بطونٍ حُمل في البطن الأول الوحوشُ والسباعُ والهوامُّ وفي البطن الأوسطِ الدوابُّ والأنعام وفي البطن الأعلى جنسُ البشر هو ومَنْ معه مع ما يحتاجونَ إليهِ من الزاد وحَمل معه جسد آدم ﵊ وقيل جَعل في الأول الدواب والوحوس وفي الثاني الإنسَ وفي الأعلى الطيرَ قيل كان طولها ثلثمائة ذراعٍ وعَرْضُها خمسين ذراعاً وسَمْكُها ثلاثين ذراعاً وقال الحسنُ كان طولُها ألفاً ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراعٍ وقيل إن الحَواريين قالوا لعيسى ﵊ لَوْ بعثت لنا رجلاً شهد السفينةَ يحدثنا عنها فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب فأخذ كفاً من ذلك الترب فقال أتدرون مَنْ هذا قالوا الله ورسولُه أعلم قال هذا كعبُ بنُ حام قال فضرب بعصاه فقال قم بإذن الله فإذا هو قائمٌ ينفض التراب عن رأسه وقد شاب فقال له عيسى ﵊ أهكذا هلكْتَ قال لا متُّ وأنا شابٌّ ولكني ظننتُ أنها الساعة فمِنْ ثَمَّةَ شِبْتُ فقال حدثنا عن سفينة نوحٍ قال كان طولها ألفا مائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع وكانت ثلاثَ طبقاتٍ طبقةٌ للدواب والوحش وطبقةٌ للإنس وطبقةٌ للطير ثم قال عُدْ بإذن الله تعالى كما كنت فعاد تراباً
﴿وَلَا تخاطبنى فِى الذين ظَلَمُواْ﴾ أي لا تراجِعْني فيهم ولا تدعني باستدفاع العذابِ عنهم وفيه من المبالغة ما ليس فيما لو قيل ولا تدعُني فيهم وحيث كان فيه ما يلوح بالسببية أُكّد التعليلُ فقيل
﴿إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ أي محكومٌ عليهم بالإغراق قد مضى به القضاءُ وجفّ القلمُ فلا سبيل إلى كفه ولزِمتْهم الحُجةُ فلم يبقَ إلا أن يُجعلوا عِبرةً للمعتبرين ومثلاً للآخرين
стр. 2562
﴿وَيَصْنَعُ الفلك﴾ حكايةُ حالٍ ماضيةٍ لاستحضار صورتِها العجيبةِ وقيل تقديرُه وأخذ يصنع الفلك أو أقبل يصنعها فاقتصر على يصنع وأيا ما كان ففيه ملأمة للاستمرار المفهومِ من الجملة الواقعةِ حالاً من ضميره أعني قوله تعالى ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مّن قومه سخروا منه﴾ استهزءوا به لعلمه السفينةَ إما لأنهم ما كانوا يعرِفونها ولا كيفيةَ استعمالِها والانتفاعِ بها فتعجبوا من ذلك وسخِروا منه وإما لأنه كان يصنعها في برّية بهماءَ في أبعد موضعٍ من الماء وفي وقت عزَّتْه عِزَةٌ شديدة وكانوا يتضاحكون ويقولون يا نوحُ صرتَ نجاراً بعد ما كنت نبياً وقيل لأنه ﵊ كان يُنذرهم الغرقَ فلما طال مكثُه فيهم ولم يشاهِدوا منه عيناً ولا أثراً عدّوه من باب المُحال ثم لما رأوا اشتغالَه بأسباب الخلاصِ من ذلك فعلوا ما فعلوا ومدارُ الجميعِ إنكارُ أن يكون لعلمه ﵊ عاقبةٌ حميدةٌ مع ما فيه من تحمل المشاقِّ
стр. 2563
هود (٣٩ ٤٠) العظيمة التي لا تكاد تُطاق واستجهالِه ﵇ في ذلك
﴿قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا﴾ مستجهلين لنا فيما نحن فيه
﴿فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ أي نستجهلكم فيما أنتم عيه وإطلاقُ السخريةِ عليه للمشاكلة وجمعُ الضمير في منا إما لأن سخريتَهم منه ﷺ سخريةٌ من المؤمنين أيضاً أو لأنهم كانوا يسخرون منهم أيضاً إلا أنه اكتُفيَ بذكر سُخريتِهم منه ﷺ ولذلك تعرض الجميعُ للمجازاة في قوله تعالى فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ الخ فتكافأ الكلام من الجانين وتعليق استجهاله ﷺ إياهم بما فعلوا من السُّخرية باعتبار إظهارِه ومشافهتِه ﷺ إياهم جاهلين فيما يأتون ويذرون أمرٌ مطّردٌ لا تعلُّق له بسخريتهم منهم لكنه ﷺ لم يكن يتصدى لإظهاره جرياً على نهج الأخلاقِ الحميدةِ وإنما أظهره جزاءً بما صنعوا بعد اللتيا والتي فإن سخريتَهم كانت مستمرةً ومتجدّدةً حسب تجدُّدِ مرورِهم عليه ولم يكن يُجيبهم في كل مرة وإلا لقيل ويقول إن تسخروا منّا الخ بل إنما أجابهم بعد بلوغِ أذاهم الغايةَ كما يؤذِن به الاستئنافُ فكأن سائلاً سأل فقال فما صنع نوحٌ عند بلوغِهم منه هذا المبلغ فقيل قال إن تسخروا منا إن تنسُبونا فيما نحن بصدده من التأهب المباشرة لأسباب الخلاصِ من العذاب إلى الجهل وتسخَروا منا لأجله فإنا ننسُبكم إليه فيما أنتم فيه من الإعراض عند استدفاعه بالإيمان والطاعة ومن الاستمرار على الكفر والمعاصي والتعّرضِ لأسباب حلولِ سخطِ الله تعالى التي من جملتها استجهالُكم إيانا وسخريتُكم منا والتشبيهُ في قوله تعالى
﴿كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ إما في مجرد التحققِ والوقوعِ أو في التجدد والتكررِ حسبما صدر عن ملإٍ غبَّ ملإٍ لا في الكيفيات والأحوال التي تليق بشأن النبيِّ ﷺ فكلا الأمرَين واقعٌ في الحال وقيل نسخر منكم في المستقبل سُخريةً مثلَ سُخريتِكم إذا وقع عليكم الغرقُ في الدنيا والحرقُ في الآخرة ولعل مرداه نعاملُكم معاملةَ مَنْ يفعل ذلك لأن نفسَ السُّخرية مما لا يكاد يليق بمنصِب النبوةِ ومع ذلك لا سَدادَ له لأن حالهم إذا ذاك ليس مما لا يلائمه السُّخريةُ أو ما يجري مجراها فتأمّلْ
стр. 2564
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ وهو عذابُ الغَرَقِ
﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ حلولَ الدَّيْن المؤجل
﴿عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ هو عذابُ النارِ الدائمُ وهو تهديد بليغ ومن عبارةٌ عنهم وهي إما استفهاميةٌ في حيز الرفعِ أو موصولةٌ في محل النصبِ بتعلمون وما في حيزها سد مسدَّ مفعولين أو مفعولٍ واحدٍ إن جُعل العلمُ بمعنى المعرفةِ ولما كان مدارُ سخريتِهم استجهالَهم إياه ﷺ في مكابدة المشاقِّ الفادحةِ لدفع ما لا يكادُ يدخُل تحتَ الصِّحةِ على زعمهم من الطوفان ومقاساةِ الشدائِد في بناء السفينةِ وكانوا يعدّونه عذاباً قيل بعد استجهالِهم فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ العذابُ يعني أن ما أُباشرُه ليس فيه عذابٌ لاحقٌ بي فسوف تعلمون مَنِ المعذَّبُ ولقد أصاب العلمُ بعد استجهالِهم محزّه ووصفُ العذاب بالإخزاء لما في الاستهزاء والسخريةِ من لُحوق الخِزْي والعارِ عادة والتعرُّضُ لحلول العذاب المقيمِ للمبالغة في التهديد وتخصيصه بالمؤجل وإيرادُ الأول بالإتيان في غاية الجزالة
стр. 2565
﴿حتى إِذَا جَاء أَمْرُنَا﴾
стр. 2566
حتَّى هي التي يُبتدأ بها الكلامُ دخلتْ على الجملةِ الشرطيةِ وهي مع ذلك غايةٌ لقوله وَيَصْنَعُ وما بينهما حالٌ من الضمير فيه وسخِروا منه جوابٌ لكلما وقال استئنافٌ على تقدير سؤال سائلٍ كما ذكرناه وقيل هو الجوابُ وسِخروا منه بدلٌ من مرّ أو صفةٌ لملأ وقد عرفت أن الحقَّ هو الأولُ لأن المقصودَ بيانُ تناهيهم في إيذائه ﷺ وتحمُّلِه لأذيَّتهم لا مسارعتُه ﷺ إلى جوابهم كلما وقع منهم ما يؤذيه من الكلام
﴿وَفَارَ التنور﴾ نبعَ منه الماءُ وارتفع بشدة كما تفور القِدْرُ بغَليانها والتنّورُ تنّورُ الخبز وهو قول الجمهور روي أنه قيل لنوح ﵊ إذا رأيتَ الماءَ يفورُ من التنور فاركبْ ومن معك في السفينة فلما نبع الماءُ أخبرتْه امرأتُه فركب وقيل كان تنورَ آدم ﵊ وكان من حجارة فصار إلى نوح وإنما نبع منه وهو أبعدُ شيء من الماء على خرق العادةِ وكان في الكوفة في موضع مسجدها عن يمين الداخلِ مما يلي باب كِنْدة وكان عملُ السفينةِ في ذلك الموضع أو في الهند أو في موضع بالشام يقال له عين وردة وعن ابن عباس ﵁ تعالى عنهما وعِكرمةَ والزُّهري أن التنورَ وجهُ الأرض وعن قتادةَ أشرفُ موضع في الأرض أي أعلاه وعَنْ عليَ رضيَ الله تعالى عنه فار التنور طلح الفجرُ
﴿قُلْنَا احمل فِيهَا﴾ أي في السفينة وهو جوابُ إذا
﴿مِن كُلّ﴾ أي من كل نوعٍ لا بد منه في الأرض ﴿زَوْجَيْنِ﴾ الزوجُ ما له مشاكلٌ من نوعه فالذكرُ زوجٌ للأنثى كما هي زوجٌ له وقد يُطلق على مجموعهما فيقابل الفرد ولإزالة ذلك الاحتمالِ قيل
﴿اثنين﴾ كلٌّ منهما زوجٌ للآخر وقرىء على الإضافة وإنما قُدم ذلك على أهله وسائرِ المؤمنين لكونِه عريقاً فيما أُمر به من الحمل لأنه يحتاج إلى مزاولة الأعمالِ منه ﷺ في تمييز بعضِه من بعض وتعيينِ الأزواج فإنه روى أنه ﷺ قال يا رب كيف أحْمل من كلَ زوجين اثنين فحشر الله تعالى إليه السباعَ والطيرَ وغيرَهما فجعل يضرِب بيديه في كل جنس فيقع الذكرُ في يده اليمنى والأنثى في اليسرى فيجعلهما في السفينة وأما البشرُ فإنما يدخلُ الفُلكَ باختياره فيخِفّ فيه معنى الحَمْل أو لأنها إنما تحمِلُ بمباشرة البشر وهم إنما يدخُلونها بعد حملهم إياها
﴿وَأَهْلَكَ﴾ عطفٌ على زوجين أو على اثنين والمرادُ امرأتُه وبنوه ونساؤهم
﴿إِلَاّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول﴾ بأنه من المغرَقين بسبب ظلمِهم في قوله تعالى وَلَا تخاطبنى فِى الذين ظَلَمُواْ الآية والمرادُ به ابنُه كنعان وأمُّه واعلةُ فإنهما كانا كافرين والاستثناءُ منقطِعٌ إن أريد بالأهل الأهلُ إيماناً وهو الظاهرُ كما ستعرفه أو متصلٌ إن أريد به الأهل قرابة ويكتفي في صحة الاستثناءِ المعلوميةُ عند المراجعةِ إلى أحوالهم والتفحّصُ عن أعمالهم وجيء بعلى لكون السابقِ ضارًّا لهم كما جيء باللام فيما هو نافعٌ لهم من قولهِ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين وقوله إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى
﴿ومن آمن﴾ من غيرهم وإفرادُ الأهلِ منهم للاستثناءِ المذكورِ وإيثارُ صيغةِ الإفراد في آمن محافظة على لفظ من للإيذان بقلتهم كما أَعرَب عنه قولُه عز قائلاً
﴿وما آمن مَعَهُ إِلَاّ قَلِيلٌ﴾ قيل كانوا ثمانية نوحٌ ﵊ وأهلُه وبنوه الثلاثةُ ونساؤُهم وعن ابن إسحق كانوا عشرةً خمسةَ رجالٍ وخمسَ نسوةٍ وعنه أيضاً أنهم كانوا عشرةً سوى نسائِهم وقيل كانوا اثنين وسبعين رجلاً وامرأةً وأولادُ نوحٍ سامٌ وحامٌ ويافث ونساؤُهم فالجميع ثمانيةٌ وسبعون نصفُهم رجالٌ ونصفُهم نساء واعتبارُ المعيةِ في إيمانهم للإيماء إلى المعية في مقر الأمان والنجاة
стр. 2567
هود آية (٤١ ٤٢)
стр. 2568
﴿وقال﴾ أي نوحٌ ﵊ لمن معه من المؤمنين كما ينبىء عنه قوله تعالى إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ولو رجع الضميرُ إلى الله تعالى لناسب أن يقال إن ربكم ولعل ذلك بعد إدخالِ ما أُمر بحمله في الفلك من الأزواج كأنه قيل فحمَلَ الأزواجَ أو أدخلها في الفلك وقال للمؤمنين
﴿اركبوا فيها﴾ كما سيأتي مثلُه في قوله تعالى وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ والركوبُ العلوُّ على شيء متحرّكٍ ويتعدى بنفسه واستعماله ههنا بكلمة في ليس لأن المأمورَ به كونُهم في جوفها لا فوقَها كما ظن فإن أظهر الرويات أنه ﵇ جعل الوحوش ونظائر في البطن الأسفلِ والأنعامَ في الأوسطِ وركب هو ومن معه في الأعلى بل لرعاية جانبِ المحلية والمكانيةِ في الفلك والسرُّ فيه أن معنى الركوبِ العلوُّ على شيء له حركةٌ إما إراديةٌ كالحيوان أو قسرية السفينة والعجَلة ونحوهما فإذا استُعمل في الأول يوفر له حظُّ الأصل فيقال ركبتُ الفرسَ وعليه قولُه عز من قائل والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وإن استُعمل في الثاني يلوح بمحلية المفعول بكلمة في فيقال ركبت في السفينة وعليه الآيةُ الكريمة وقولُه قائلاً فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الفلك وقوله تعالى فانطلقا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِى السفينة خَرَقَهَا
﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ متعلقٌ باركبوا حالٌ من فاعله أي اركبوا مسمِّين الله تعالى أو قائلين بسم الله
﴿مجراها ومرساها﴾ نصبٌ على الظرفية أي وقتَ إجرائِها وإرسائِها على أنهما اسما زمانٍ أو مصدران كالإجراء والإرساءِ بحذف الوقت كقولك آتيك حقوق النجمِ أو اسما مكانٍ انتصبا بما في بِسْمِ الله منْ مَعْنى الفعلِ أو إرادةِ القول ويجوز أن يكون بِسْمِ اللَّهِ مجريها وَمُرْسَاهَا مستقلةً من مبتدأ وخبر في موضع الحالِ من ضمير الفلك أي اركبوا فيها مُجراةً ومُرساةً باسم الله بمعنى التقدير كقوله تعالى ادخلوها خالدين أو جملةٌ مقتضبةٌ على أن نوحاً أمرهم بالركوب فيها ثم أخبرهم بأن إجراءها وإرساءها بسم الله تعالى فيكونان كلامين له ﵊ قيل كان ﵇ إذا أراد أن يُجرِيَها يقول بسم الله فتجري وإذا أراد أن يرسيَها يقول بسم الله فترسو ويجوز أن يكون الاسمُ مقْحماً كما في قوله وصية لأزواجهم متاعا إلى الحولِ ثم اسمُ السلامِ عليكما ويراد بالله إجراؤُها وإرساؤُها أي بقدرته وأمره وقريء مجريها ومرسيها على صيغة الفاعل مجرورَي المحل صفتين لله ومَجراها ومَرْساها بفتح الميم مصدرين أو زمانين أو مكانين من جرى ورسا
﴿إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ﴾ للذنوب والخطايا
﴿رحيم﴾ لعباده ولذلك نجاكم من هذه الطآمّة والداهية العامّة ولولا ذلك لما فعله وفيه دِلالةٌ على أن نجاتَهم ليست بسبب استحقاقِهم لها بل بمحض فضلِ الله سبحانه وغفرانِه ورحمتِه على ما عليه رأيُ أهل السنة
стр. 2569
﴿وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ﴾ متعلقٌ بمحذوف دلَّ عليه الأمرُ بالركوب أي فركِبوا فيها مُسمّين وهي تجري ملتبسةً لهم
﴿فِى مَوْجٍ كالجبال﴾
стр. 2570
وهو ما ارتفع من الماء عند اضطرابِه كلُّ موجةٍ من ذلك كجبل في ارتفاعها وتراكُمِها وما قيل من أن الماءَ طبّق ما بين السَّماء والأرضِ وكانت السفينةُ تجري في جوفه كالحوت فغيرُ ثابتٍ والمشهورُ أنه علا شوامخَ الجبالِ خمسة عشرَ ذراعاً أو أربعين ذراعاً ولئن صح ذلك فهذا الجريانُ إنما هو قبل أن يتفاقم الخطبُ كما يدل عليه قوله تعالى ﴿ونادى نُوحٌ ابنه﴾ فإن ذلك إنما يُتصوَّر قبل أن تنقطِعَ العلاقةُ بين السفينةِ والبرِّ إذ حينئذ يمكن جرَيانُ ما جرى بين نوحٌ ﵊ وبين ابنِه من المفاوضة بالاستدعاء إلى السفينة والجوابِ بالإعتصام بالجبل وقرىء ابنَها وابنَه بحذف الألفِ على أن الضميرَ لأمرأته وكان ربيبَه وما يقال من أنه كان لغير رِشدةٍ لقوله تعالى فَخَانَتَاهُمَا فارتكابُ عظيمةٍ لا يُقادرُ قدرُها فإن جنابَ الأنبياءِ صلواتُ الله تعالى عليهم وسلامُه أرفعُ من أن يشارَ إليه بأصبَع الطعنِ وإنما المرادُ بالخيانة الخيانةُ في الدين وقرىء ابناهْ على الندبة ولكونها حكايةً سُوّغ حذفُ حرفها وأنت خبيرٌ بأنه لا يملائه الاستدعاءُ إلى السفينة فإنَّه صريحٌ في أنَّهُ لم يقع في حياته يأسٌ بعْدُ
﴿وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ﴾ أي مكان عزَل فيه نفسَه عن أبيه وإخوتِه وقومِه بحيث لم يتناولْه الخطابُ باركبوا واحتاج إلى النداء المذكورِ وقيل في معزل عن الكفار قد انفرد عنهم وظن نوحٌ أنه يريد مفارقتَهم ولذلك دعاه إلى السفينة وقيل كان ينافق أباه فظن أنه مؤمنٌ وقيل كان يعلم أنه كافرٌ إلى ذلك الوقتِ لكنَّه ﵊ ظن أنه عند مشاهدةِ تلك الأهوالِ ينزجرُ عما كان عليه ويقبل وقيل الإيمان لم يكن الذي تقدمَ من قولُه تعالَى أَلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول نصا في كونه ابنِه داخلاً تحته بل كان كالمُجمل فحملتْه شفقةُ الأبوة على ذلك
﴿يا بَنِى﴾ بفتح الياء اقتصاراً عليه من الألف المُبْدلةِ من ياء الإضافةِ في قولك يا بنيا وقرىء بكسر الياء اقتصاراً عليه من ياء الإضافة أو سقطت الياءُ والألفُ لالتقاء الساكنين لأن الراءَ بعدهما ساكنة
﴿اركب مَّعَنَا﴾ قرأ أبو عمْرو والكسائيُّ وحفص بإدغام الباء في الميم لتقاربهما في المخرج وإنما أطلق الركوبُ عن ذكر الفُلك لتعينها وللإيذان بضيق المقامِ حيث حال الجريضُ دونَ القريضِ مع إغناء المعيةِ عن ذلك
﴿وَلَا تَكُن مَّعَ الكافرين﴾ أي في المكان وهو وجهُ الأرض خارجَ الفلك لا في الدين وإن كان ذلك مما يوجبه كما يوجب ركوبه معَهُ ﵊ كونَه معه في الإيمان لأنه ﵊ بصدد التحذيرِ عن الهَلَكة فلا يلائمه النهيُ عن الكفر
стр. 2571
﴿قَالَ سَآوِى إلى جَبَلٍ﴾ من الجبال
﴿يَعْصِمُنِى﴾ بارتفاعه من ﴿الماء﴾ زعمنا منه أن ذلك كسائر المياهِ في أزمنة السيولِ المعتادةِ التي ربما يُتّقى منها بالصعود إلى الربا وأنى له ذلك وقد بلغ السيلُ الزبى وجهلاً بأن ذلك إنما كان لإهلال الكفرة وأن لا محيص من ذلك سوى الإلتجاء إلى ملجأ المؤمنين فلذلك أراد ﵊ إن يبين له حقيقة الحال ويصرفه عن ذلك الفكر المُحالِ وكان مقتضى الظاهر أن يجب بما ينطبقُ عليه كلامُه ويتعرّضَ لنفي ما أثبته للجبل من كونه عاصماً له من الماء بأن
стр. 2572
هود الآية (٤٤) يقولَ لا يعصِمُك منه مفيداً لنفي وصفِ العصمةِ عنه فقط من غير تعرضٍ لنفيه عن غيره ولا لنفي الموصوف أصلا لكنَّه ﵊ حيث
﴿قَالَ لَا عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله﴾ سالك طريقةَ نفي الجنسِ المنتظِم لنفي جميعِ أفرادِ العاصمِ ذاتاً وصفةً كما في قولهم ليس فيه داعٍ ولا مجيبٌ أي أحدٌ من الناس للمبالغة في نفي كونِ الجبلِ عاصماً بالوجهين المذكورَين وزادَ اليومَ للتَّنبيهِ على أنَّه ليس كسائر الأيامِ التي تقع فيها الوقائعُ وتُلِمُّ فيها المُلِماتُ المعتادةُ التي ربما يُتخلّص من ذلك بالالتجاء إلى بعض الأسبابِ العادية وعبّر عن الماء في محلّ إضمارِه بأمرِ الله أي عذابِه الذي أشير إليه حيث قيل حتَّى إذا جاء أمرُنا تفخيماً لشأنِه وتهويلاً لأمرِه وتنبيهاً لابنه على خطئه في تسميته ماءً ويوهم أنه كسائر المياهِ التي يُتفصَّى منها بالهرب إلى بعض المهاربِ المعهودةِ وتعليلاً للنفي المذكورِ فإن أمرَ الله لا يغالَب وعذابَه لا يُرَدّ وتمهيداً لحصر العِصمةِ في جناب الله عز جارُه بالاستثناء كأنه قيل لا عاصمَ من أمر الله إلا هو وإنما قيل
﴿إِلَاّ مَن رَّحِمَ﴾ تفخيماً لشأنه الجليلِ بالإبهام ثم التفسيرِ وبالإجمال ثم التفصيل وإشعاراً بعلّية رحمتِه في ذلك بموجب سبقِها على غضبه وكلُّ ذلك لكمال عنايته ﵊ بتحقيق ما يتوخاه من نجاة ابنِه ببيان شأنِ الداهيةِ وقطعِ أطماعِه الفارغةِ وصرفه عن التعلل بما لا يغني عنه شيئاً وإرشادِه إلى العياذ بالمَعاذ الحقِّ عزَّ حِماهُ وقيل لا مكانَ يعصِم من أمر الله إلا مكان من ﵀ وهو الفُلك وقيل معنى لا عاصم لا ذا عصمة إلا من رحمة الله تعالى
﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الموج﴾ أي بين نوحٍ وبين ابنِه فانقطع ما بينهما من المجاوبة لا بين ابنِه وبين الجبل لقوله تعالى
﴿فَكَانَ مِنَ المغرقين﴾ إذ هو إنما يتفرع على حيلولة الموج بينه ﵊ وبين ابنه لا بينه وبين الجبلِ لأنه بمعزل من كونه عاصماً وإن لم يحُلْ بينه وبين الملتِجىءِ إليه موجٌ وفيه دِلالةٌ على هلاك سائرِ الكفرةِ على أبلغ وجهٍ فكان ذلك أمراً مقرَّرَ الوقوعِ غيرَ مفتقِرٍ إلى البيان وفي إيراد كان دون صار مبالغةٌ في كونه منهم
стр. 2573
﴿وقيل يا أرض ابلعي﴾ أي انشقي استعير له من ازرداد الحيوان ما يأكله الدلالة على أن ذلك ليس كالنشف المعتادِ التدريجيّ
﴿مَاءكِ﴾ أي ما على وجهك من ماء الطوفانِ دون المياهِ المعهودةِ فيها من العيون والأنهارِ وعبّر عنه بالماء بعد ما عبر عنه فيما سلف بأمر الله تعالى لأن المقامَ مقامُ النقص والتقليلِ لا مقام التفخم والتهويل
﴿ويا سماء أَقْلِعِى﴾ أي أمسِكي عن إرسال المطرِ يقال أقلعت السماءُ إذا انقطع مطرُها وأقلعت الحُمّى أي كفّت
﴿وَغِيضَ الماء﴾ أي نقص ما بين السَّماء والأرض من الماء
﴿وَقُضِىَ الامر﴾ أي أُنجز ما وعد الله تعالى نوحاً من إهلاك قومِه وإنجائِه بأهله أو أُتِمَّ الأمر
﴿واستوت﴾ أي استقرّت الفلكُ
﴿عَلَى الجودى﴾ هو جبلٌ بالمَوْصِل أو بالشام أو بآمل روي أنه ﵊ ركب في الفلك في عاشر رجبٍ ونزل عنها في عاشر المحرَّم فصام ذلك اليوم شكراً فصار سُنّةً
﴿وَقِيلَ بُعْدًا لّلْقَوْمِ الظالمين﴾ أي هلاكاً لهم والتعرضُ لوصف الظلمِ للإشعار بعليته للهلاك ولتذكيره ما سبقَ من قولِه تعالى وَلَا تخاطبنى فِى الذين ظلموا إنهم
стр. 2574
هود الآية (٤٥ ٤٦) مُّغْرَقُونَ ولقد بلغت الآيةُ الكريمةُ من مراتب الإعجازِ قاصيتَها وملكت من غُرر المزايا ناصيتَها وقد تصدّى لتفصيلها المهرة المتقنون ولعمري إن ذلك فوق ما يصفه الواصفون فحريٌّ بنا أن نوجزَ الكلامَ في هذا البابِ ونفوّضَ الأمر إلى تأمل أولي الألباب والله عنده علم الكتاب
стр. 2575
﴿وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ﴾ أي أراد ذلك بدليل الفاء في قوله تعالى
﴿فَقَالَ رَبّ إِنَّ ابنى مِنْ أَهْلِى﴾ وقد وعدتني إنجاءَهم في ضمن الأمرِ بحملهم في الفلك أو النداءُ على الحقيقة والفاء لتفصيل ما فيه من الإجمال
﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق﴾ أي وعدَك ذلك أو إنّ كل وعد تعده حقٌّ لا يتطرق إليه خُلْفٌ فيدخل فيه الوعدُ المعهُود دخولاً أولياً
﴿وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين﴾ لأنك أعلمُهم وأعدلُهم أو أنت أكثرُ حكمةً من ذوي الحِكَم على أن الحاكمَ من الحِكمة كالدارع من الدِرْع وهذا الدعاء منه ﵊ على طريقة دعاءِ أيوبَ ﵊ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنّى مَسَّنِىَ الضرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحمين
стр. 2576
﴿قَالَ يَا نُوحٌ﴾ لما كان دعاؤه ﵊ بتذكير وعدِه جل ذكرُه مبنياً على كون كنعانَ من أهله نُفيَ أولاً كونُه منهم بقوله تعالى
﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي ليس منهم أصلاً لأن مدار الأهليةِ هو القرابةُ الدينية ولا علاقةَ بين المؤمن والكافرِ أو ليس من أهلك الذين أمرتُك بحملهم في الفلك لخروجه عنهم بالاستثناء وعلى التقديرين ليس هو من الذين وُعد بإنجائهم ثم علل عدمُ كونِه منهم على طريقة الاستئنافِ التحقيقي بقوله تعالى
﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح﴾ أصله إنه ذو عملٍ غيرِ صالح فجُعل نفسَ العملِ مبالغةً كما في قول الخنساء
فإنما هي إقبالٌ وإدبار وإيثارُ غيرُ صالحٍ على فاسد إما لأن الفاسدَ ربما يطلق على ما فسد ومن شأنُه الصلاحُ فلا يكون نصاً فيما هو من قبيل الفاسدِ المحضِ كالقتل والمظالم وإما للتلويح بأن نجاةَ من نجا إنما هي لصلاحه وقرأ الكسائي ويعقوب إنه عمِلَ غيرَ صالحٍ أي عملاً غيرَ صالح ولما كان دعاؤه ﵊ مبنياً على ما ذكر من اعتقاد كونِ كنعانَ من أهله وقد نُفيَ ذلك وحُقّق ببيان عِلّته فُرّع على ذلك النهيُ عن سؤال إنجائِه إلا أنه جيء بالنهي على وجه عامٍ يندرجُ فيه ذلك اندارجا أولياً فقيل
﴿فَلَا تَسْأَلْنى﴾ أي إذا وقفتَ على جلية الحالِ فلا تطلُب مني
﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي مطلباً لا تعلم يقيناً أن حصولَه صوابٌ وموافقٌ للحكمة على تقدير كونِ ما عبارةً عن المسئول الذي هو مفعولٌ للسؤال أو طلباً لا تعلم أنه صوابٌ على تقدير كونِه عبارةً عن المصدر الذي هو مفعولٌ مطلقٌ فيكون النهيُ وارداً بصريحه في كلَ من معلوم الفساد ومشتبه الحال ويجوز أن يكون المعنى ما ليس لك علمٌ بأنه صوابٌ أو غيرُ صوابٍ فيكون النهيُ وارداً في مشتبِهِ الحالِ ويُفهمُ منه حالُ معلوم الفساد بالطريق الأولى وعلى التقديرين فهو عامٌ يندرج تحته ما نحن فيه كما ذكرناه وهذا كما ترى صريحٌ في أن نداءَه ﵊ ربَّه عز وعلا ليس استفساراً عن سبب عدمِ إنجاءِ ابنِه مع سبق وعدِه بإنجاء أهلِه وهو
стр. 2577
هود الآية (٤٧) منهم كما قيل فإن النهيَ عن استفسار ما لم يُعلم غيرُ موافقٍ للحكمة إذ عدمُ العلمِ بالشيء داعٍ إلى الاستفسار عنه لا إلى تركه بل هو دعاءٌ منه لإنجاء ابنِه حين حال الموجُ بينهما ولم يَعلم بهلاكه بعدُ إما بتقريبه إلى الفُلك بتلاطم الأمواجِ أو بتقريبها إليه وقيل أو بإنجائه في قُلّة الجبل ويأباه تذكيرُ الوعدِ في الدعاء فإنه مخصوصٌ بالإنجاء في الفلك وقوله تعالى لَا عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلَاّ مَن رَّحِمَ ومجرّدُ حيلولةِ الموجِ بينهما لا يستوجب هلاكَه فضلاً عن العلم به لظهور إمكانِ عصمةِ الله تعالى إياه برحمته وقد وعد بإنجاء أهلِه ولم يكن ابنُه مجاهراً بالكفر كما ذكرناه حتى لا يجوز عليه ﵇ أن يدعوَه إلى الفُلك أو يدعوَ ربّه لإنجائه واعتزالُه عنه ﵊ وقصدُه الالتجاء إلى الجبل ليس بنص في الإصرار على الكفر لظهور جوازِ أن يكون ذلك لجهله بانحصار النجاة في الفُلك وزعمِه أن الجبلَ أيضاً يجري مجراه أو لكراهة الاحتباسِ في الفلك بل قوله سَآوِى إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الماء بعد ما قال له نوحٌ ﵊ وَلَا تَكُن مَّعَ الكافرين ربما يُطمعه ﵇ في إيمانه حيث لم يقل أكونُ معهم أو سنأوي أو يعصمنا فإن إفرادَ نفسه بنسبة الفعلين المذكورين ربما يشعر بانفرداه من الكافرين واعتزالِه عنهم وامتثالِه ببعض ما أمره به نوحٌ ﵊ إلا أنه ﵊ لو تأمل في شأنه حقَّ التأملِ وتفحّص عن أحواله في كلِّ ما يأتي ويذر لما اشتبه عليه أنه ليس بمؤمن وأنه المستثنى من أهله ولذلك قيل
﴿إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين﴾ فعبّر عن ترك الأولى بذلك وقرىء فلا تسألنِ بغير ياءِ الإضافةِ وبالنون الثقيلة بياء وبغير ياء
стр. 2578
﴿قَالَ رَبّ إِنّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ﴾ أي أطلب منك من بعدُ
﴿مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ﴾ أي مطلوباً لا أعلم أن حصولَه مقتضي الحِكمة أو طلباً لا أعلم أنه صوابٌ سواءٌ كان معلومَ الفسادِ أو مشتبه الحال أولا أعلمُ أنه صوابٌ أو غيرُ صوابٍ على ما مر وهذه توبةٌ منه ﵇ مما وقع منه وإنما لم يقُلْ أعوذ بك منه أو من ذلك مبالغةً في التوبة وإظهاراً للرغبة والنشاطِ فيها وتبركاً بذكر ما لقّنه الله تعالى وهو أبلغُ من أنْ يقول أتوبُ إليك أن أسألَك لما فيهِ منَ الدلالةِ على كون ذلك أمراً هائلاً محذوراً لا محيصَ منه إلا بالعوذ بالله تعالى وأن قدرتَه قاصرةٌ عن النجاة من المكاره إلا بذلك
﴿وَإِلَاّ تَغْفِرْ لِى﴾ ما صدرَ عنِّي من السؤال المذكورِ
﴿وَتَرْحَمْنِى﴾ بقَبول توبتي
﴿أَكُن مّنَ الخاسرين﴾ أعمالاً بسبب ذلك فإن الذهولَ عن شكر الله تعالى لا سيما عند وصولِ مثلِ هذه النعمةِ الجليلةِ التي هي النجاةُ وهلاكُ الأعداءِ والاشتغالَ بما لا يعني خصوصاً بمبادي خلاصِ من قيلَ في شأنه إنه عملٌ غيرُ صالحٍ والتضرّعَ إلى الله تعالَى في أمره معاملة غير رابحة وخسران مبينٌ وتأخيرُ ذكرِ هذا النداءِ عن حكاية الأمرِ الوارد على الأرض والسماء وما يتلوه من زوال الطوفانِ وقضاءِ الأمر واستواءِ الفُلك على الجوديّ والدعاءِ بالهلاك على الظالمين مع أن حقَّه أن يُذكر عَقيبَ قوله تعالى فَكَانَ مِنَ المغرقين حسبما وقع في الخارج إذ حينئذ يُتصوّر الدعاءُ بالإنجاء لا بعد العلمِ بالهلاكِ ليس لما
стр. 2579
﴾ ١ هود آية ٤٨ قيل من استقلاله بغرض مُهمَ هو جعلُ قرابةِ الدين غامرةً لقرابة النسبِ وأن لا يقدّم في الأمور الدينيةِ الأصوليةِ إلا بعد اليقينِ قياساً على ما وقع في قصة البقرةِ من تقديم ذكرِ الأمرِ بذبحها على ذكر القتيلِ الذي هو أولُ القصةِ وكان حقُّها أن يقالَ وإذ قتلتم نفساً فادّارأتم فيها فقلنا اذبحوا بقرةً فاضرِبوه ببعضها كما قُرّر في موضعه فإن تغييرَ الترتيبِ هناك للدِلالة على كمال سوءِ حالِ اليهودِ بتعديد جناياتِهم المتنوعةِ وتثنية التقريعِ عليهم بكل نوع على حدة فقوله تعالى وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً الخ لتقريعهم على الاستهزاء وتركِ المسارعةِ إلى الامتثال وما يتبع ذلك وقوله تعالى وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا الخ للتقريع على قتل النفسِ المحرمةِ وما يتبعه من الأمور العظيمةِ ولو قُصت القِصةُ على ترتيبها لفات الغرضُ الذي هو تثنيةُ التقريعِ ولظُن أن المجموعَ تقريعٌ واحدٌ وأما ما نحن فيه فليس مما يمكن أن يراعى فيه مثلُ تلك النكتةِ أصلاً وما ذكر من جعل القرابةِ الدينيةِ غامرةً للقرابة النسبية الخ لا يفوت على تقدير سَوْقِ الكلامِ على ترتيب الوقوعِ أيضاً بل لأن ذكرَ هذا النداءِ كما ترى مستدعٍ لذكر ما مر من الجواب المستدعي لذكر ما مر من توبته ﵊ المؤدِّي ذكرُها إلى ذكر قَبولها في ضمن الأمرِ الوارد بنزوله ﵊ من الفلك بالسلام والبركاتِ الفائضةِ عليه وعلى المؤمنين حسبما سيجيء مفصلاً ولا ريب في أن هذه المعانيَ آخذٌ بعضُها بحُجْزةِ بعض بحيث لا يكاد يُفرَّق الآياتُ الكريمة المنطويةُ عليها بعضُها من بعض وأن ذلك إنما يتم بتمام القِصّة ولا ريب أن ذلك إنما يكون بتمام الطوفانِ فلا جرم اقتضى الحالُ ذكرَ تمامِها قبلَ هذا النداءِ وذلك إنما يكون عند ذكرِ كونِ كنعانَ من المغرَقين ولهذه النكتة ازداد حسنُ موقعِ الإيجاز البليغِ وفيه فائدةٌ أخرى هي التصريحُ بهلاكه من أول الأمرِ ولو ذكر النداء الثاني عَقيبَ قوله تعالى فَكَانَ من المغرقين لربما توهم من أول الأمرِ إلى أن يرِد قولُه إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أنه ينجو بدعائه ﵊ فنُص على هلاكه من أول الأمرِ ثم ذُكر الأمر الوارد على الأرض والسماءِ الذي هو عبارةٌ عن تعلق الإرادةِ الربانيةِ الأزليةِ بما ذُكر من الغيض والإقلاعِ وبين بلوغِ أمرِ الله محلَّه وجريانِ قضائِه ونفوذ حُكمِه عليهم بهلاك من هلك ونجاةِ من نجا بتمام ذلك الطوفانِ واستواءِ الفُلكِ على الجوديِّ فقُصّت القِصةُ إلى هذه المرتبةِ وبُيّن ذلك أيَّ بيانٍ ثم تعرض لما وقعَ في تضاعيفِ ذلكَ مما جرى بين نوحٍ ﵇ وبين ربِّ العزة جلت حكمتُه فذكر بعد توبته ﵊ قبولها بقوله
стр. 2580
﴿قيل يا نوح اهبط﴾ أي انزل من الفُلك وقرىء بضم الباء
﴿بِسَلامٍ﴾ ملتبساً بسلامة من المكاره كائنةٍ
﴿مِنَّا﴾ أو بسلام وتحيةٍ منا عليك كما قال سلامٌ على نُوحٍ فِى العالمين
﴿وبركات عَلَيْكَ﴾ أي خيراتٍ ناميةٍ في نسلك وما يقوم به معاشُك ومعاشُهم من أنواع الأرزاق وقرىء بركةٍ وهذا إعلان وبشارةٌ من الله تعالى بقَبول توبتِه وخلاصِه من الخسران بفيضان أنواعِ الخيراتِ عليه في كل
стр. 2581
﴾ ١ هود آية ٤٩ ما يأتي وما يذرُ ﴿وعلى أُمَمٍ﴾ ناشئةٍ
﴿مّمَّن مَّعَكَ﴾ إلى يوم القيامة متشعبة منهم فمن ابتدائيةٌ والمرادُ الأممُ المؤمنةُ المتناسلةُ ممن معه إلى يوم القيامة
﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتّعُهُمْ﴾ أي ومنهم على أنه خبرٌ حُذف لدلالةِ ما سبق عليه فإن إيرادَ الأممِ المبارَكِ عليهم المتشعبةِ منهم نكرةٌ يدل على أن بعضَ مَنْ يتشعّب منهم ليسوا على صفتهم يعني ليس جميعُ من تشعّب منهم مسلماً ومباركاً عليه بل منهم أممٌ ممتّعون في الدينا معذّبون في الآخرة وعلى هذا لا يكون الكائنون مع نوح ﵇ مسلماً ومبارَكاً عليهم صريحاً وإنما يفهم ذلك من كونهم مع نوحٌ ﵊ ومن كون ذريّاتِهم كذلك بدلالة النصِّ ويجوز أن تكون من بيانيةً أي وعلى أمم هم الذين معك وإنما سُمّوا أمماً لأنهم أممٌ متحزِّبةٌ وجماعاتٌ متفرِّقةٌ أو لأن جميعَ الأممِ إنما تشعّبت منهم فحينئذ يكون المرادُ بالأمم المشارِ إليهم في قوله تعالى وَأُمَمٌ سَنُمَتّعُهُمْ بعضَ الأممِ المتشعبةِ منهم وهي الأممُ الكافرةُ المتناسلةُ منهم إلى يوم القيامة ويبقى أمرُ الأممِ المؤمنةِ الناشئةِ منهم مبهماً غيرَ متعرّضٍ له ولا مدلولٍ عليه مع ذلك ففي دِلالة المذكورِ على خبره المحذوفِ خفاءٌ لأن من المذكورةَ بيانيةٌ والمحذوفةَ تبعيضيةٌ أو ابتدائيةٌ فتأمل
﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ﴾ إما في الآخرةِ أو في الدنيا أيضاً
﴿مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ عن محمدُ بنُ كعبٍ القُرَظي دخل في ذلك السلامِ كلُّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ إلى يوم القيامة وفيما بعده من المتاع والعذابِ كلُّ كافر وعن ابن زيد هبطوا والله عنهم راضٍ ثم أَخرج منهم نسلاً منهم من رَحِم ومنهم من عذّب وقيل المرادُ بالأمم الممتَّعةِ قومُ هودٍ وصالحٍ ولوطٍ وشعيبٍ ﵈ وبالعذاب ما نزل بهم
стр. 2582
﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى ما قُصّ من قصة نوحٍ ﵊ إمَّا لكونها بتقضّيها في حكم البعيد أو الدلالة على بُعد منزلِتها وهي مبتدأ خبره
﴿مِنْ أَنبَاء الْغَيبِ﴾ أي من جنسها أي ليست من قبيل سائرِ الأنباءِ بل هي نسيجُ وحدِها منفردةٌ عما عداها أو بعضِها
﴿نُوحِيهَا إِلَيكَ﴾ خبرٌ ثانٍ والضمير لها أي مُوحاةٌ إليك أو هو الخبرُ ومن أنباء متعلِّقٌ به فالتعبير بصيغة المضارع لاستحضار الصورة أو حال مِنْ أَنبَاء الغيب أي مُوحاةً إليك
﴿ما كنت تعلمها أنت وَلَا قَوْمُكَ﴾ خبرٌ آخرُ أي مجهولةٌ عندك وعند قومك
﴿من قبل هذا﴾ أي من قبل إيحائِنا إليك وإخبارِك بها أو من قبل هذا العلمِ الذي كسبْتَه بالوحي أو من قبل هذا الوقت أو حالٌ من الهاء في نُوحيها أو الكافِ إليك أي جاهلاً أنت وقومُك بها وفي ذكر جهلِهم تنبيهٌ على أنَّه ﵊ لم يتعلمه إذ لم يخالِطْ غيرَهم وأنهم مع كثرتهم لما لم يعلموه فكيف بواحد منهم ﴿فَاصْبِر﴾ متفرِّعٌ على الإيحاء أو العلمِ المستفادِ منه المدلولِ عليه بقوله ما كنت تعلمها أنت ولا قومُك من قبل هذا أي وإذ قد أوحيناها إليك أو علمْتَها بذلك فاصبِرْ على مشاقّ تبليغِ الرسالةِ وأذيَّةِ قومِك كما صبر نوحٌ على ما سمعته من أنواع البلايا في هذه المدة المتطاولةِ وهذا ناظرٌ إلى ما سبقَ من قولِه تعالى فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك الخ
﴿إن العاقبة﴾ بالظفر في الدنيا وبالفوز في الآخرة
﴿للمتقين﴾ كما شاهدته في نوحٌ ﵊ وقومِه ولك فيه أسوةٌ حسنة فهي
стр. 2583
﴾ ١ هود آية من ٥٠ إلى آية ٥٢ تسلية لرسول الله ﷺ وتعليلٌ للأمر بالصبر فإن كونَ العاقبةِ الحميدةِ للمتقين وهو في أقصى درجاتِ التقوى والمؤمنون كلُّهم مّتقون مما يسليه ﷺ ويهوِّن عليه الخطوبَ ويُذهب عنه ما عسى يعتريَه من ضيق صدرِه وهذا على تقدير أن يرادَ بالتقوى الدرجةُ الأولى منه أعني التوقّي من العذاب المخلدِ بالتبرؤ من الشرك وعليه قوله تعالى وَأَلْزَمَهُمْ كلمةَ التقوى ويجوز أن يراد الدرجةُ الثالثةُ منه وهي أن يتنزّه عما يشغَلُ سرَّه عن الحق ويتبتَّلَ إليه بشرا شره وهو التقوى الحقيقيُّ المطلوبُ بقوله تعالى اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ فإن التقوى بهذا المعنى منطور على الصبر المذكورِ فكأنه قيل فاصبر فإن العاقبةَ للصابرين
стр. 2584
﴿وإلى عاد﴾ متعلق بمضمر معطوف على قوله تعالى أرسلنا في قصَّة نوحٍ وهو الناصبُ لقوله تعالى
﴿أخاهم﴾ أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم أي واحداً منهم في النسَب كقولهم يا أخا العرب وتقديمُ المجرور على المنصوب ههنا للحذار عن الإضمار قبل الذكر وقيل متعلّقٌ بالفعل المذكور فيما سبق وأخاهم معطوفٌ على نوحاً وقد مرَّ في سورةِ الأعراف وقوله تعالى
﴿هودا﴾ عطف بيان لأخاهم وكان ﷺ من جملتهم فإنه هودُ بنُ عبدِ اللَّه بن رباح بن الخلود ابن العوص بن إرمَ بنِ سام بن نوحٌ ﵊ وقيل هودُ بنُ شالح بنِ أرفخشذَ بنِ سامِ بن نوح ابن عم أبي عاد وإنما جعل منهم لأنهم أفهمُ لكلامه وأعرفُ بحاله وأرغبُ في اقتفائه
﴿قَالَ﴾ لما كان ذكر إرساله ﷺ إليهم مظنةً للسؤال عما قال لهم ودعاهم إليه أُجيب عنه بطريق الاستئنافِ فقيل قال
﴿يا قوم اعبدوا الله﴾ أي وحدوه كما ينبىء عنه قوله تعالى
﴿مَا لَكُم مّنْ إله غيره﴾ فإنه استئناف يجري مَجرى البيان للعبادة المأمورِ بها والتعليلُ للأمر بها كأنه قيل خُصّوه بالعبادة وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً إذ ليس لكم من إله سواه وغيرُه بالرَّفعِ صفةٌ لإله باعتبار محلِّه وقرىء بالجر حملاً له على لفظه
﴿إِن أَنْتُم﴾ ما أنتم باتخاذكم الأصنامَ شركاءَ له أو بقولكم إن الله أمرنا بعبادتها
﴿إلَاّ مُفْتَرُون﴾ عليه تعالى عن ذلكَ عُلواً كبيراً
стр. 2585
﴿يَا قَومِ لَا أَسْأَلُكُم عَلَيهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَاّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ خاطبَ به كلُّ نبيَ قومه إزاحة لما عسى يتوهّمونه وإمحاضاً للنصيحة فإنها ما دامت مشوبةً بالمطامع بمعزل عن التأثير وإيرادُ الموصولِ للتفخيم وجعلُ الصلةِ فعل الفطرة لكونه أقدم النعمِ الفائضةِ من جناب الله تعالى المستوجبةِ للشكر الذي لا يتأتى إلا بالجرَيان على موجب أمرِه الغالبِ مُعرِضاً عن المطالب الدنيويةِ التي منْ جُمْلتِها الأجرُ
﴿أفَلَا تَعْقِلُون﴾ أي أتغفُلون عن هذه القضيةِ أو ألا تتفكرون فيها فلا تعقِلونها أو أتجهلون كلَّ شيءٍ فلا تعقلون شيئاً أصلاً فإن هذا مما لا ينبغي أن يخفى على أحد من العقلاء
стр. 2586
﴿ويَا قَومِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُم﴾ أي اطلبوا مغفرته
стр. 2587
﴾ ١ هود من آية ٥٣ إلى آية ٥٤ لما سلف منكم من الذنوب بالإيمان والطاعة
﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ أي توسّلوا إليه بالتوبة وأيضاً التبرُّؤُ من الغير إنما يكون بعد الإيمان بالله تعالى والرغبةِ فيما عنده
﴿يُرْسِلِِ السَّمَاءَ﴾ أي المطرَ
﴿عَلَيكُمْ مِّدْرَاراً﴾ أي كثيرَ الدّرور
﴿ويزدْكُمْ قُوَّةً﴾ مضافةً ومنضمّةً
﴿إِلَى قُوَّتِكُم﴾ أي يضاعفْها لكم وإنما رغّبهم بكثرة المطرِ لأنهم كانوا أصحابَ زروعٍ وعمارات وقيل حبسَ الله تعالَى عنهم القطرَ وأعقمَ أرحامَ نسائِهم ثلاث سنين فوعدهم ﵊ كثرةَ الأمطارِ وتضاعُفَ القوة بالتناسل على الإيمان والتوبة
﴿وَلَا تَتَوَلَّوْاْ﴾ أي لا تُعرضوا عما دعوتُكم إليه
﴿مُجْرِمِينَ﴾ مصِرِّين على ما كنتم عليه من الإجرام
стр. 2588
﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ أي بحجة تدل على صحة دعواك وإنما قالوه لفَرْط عنادِهم وعدمِ اعتدادِهم بما جاءهم من البينات الفائتةِ للحصر
﴿وما نحن بتاركي آلهتنا﴾ أي بتاركي عبادتِها
﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ أي صادرين عنه أي صادراً تركُنا عن ذلك بإسناد حالِ الوصفِ إلى الموصوف ومعناه التعليلُ على أبلغ وجهٍ لِدلالته على كونه علةً فاعليةً ولا يفيده الباءُ واللام وهذا كقولهم المنقولِ عنهم في سورة الأعراف أجئتَنا لنعبُدَ الله وحدَه ونذرَ ما كان يعبُد آباؤُنا
﴿وما نحن لك بمؤمنين﴾ أي بمصدقين في شيء مما تأتي وتذر فيندرج تحته ما دعاهم إليه من التوحيد وتركِ عبادة الآلهةِ وفيه من الدلالة على شدة الشكيمة وتجاوزِ الحدِّ في العتو ما لا يَخْفَى
стр. 2589
﴿إنْ نقولُ إلَاّ اعتراك﴾ أي ما نقول إلا قولَنا اعتراك أي أصابك
﴿بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ بجنون لِسبِّك إياها وصدِّك عن عبادتها وحطِّك لها عن رتبة الألوهيةِ والمعبوديةِ بما مر من قولِك مَا لَكُم مّنْ إله غيره إن أنتم إلا مفترون والتنكيرُ في سوءٍ للتقليل كأنهم لم يبالغوا في السوء كما ينبىء عنه نسبةُ ذلك إلى بعض آلهتِهم دون كلِّها والجملةُ مقولُ القولِ وإلا لغوٌ لأن الاستثناءَ مفرَّغٌ وهذا الكلامُ مقرِّرٌ لما مر من قولهم وما نحن بتاركي آلهتِنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين فإن اعتقادهم بكونه ﵊ كما قالوا وحاشاه عن ذلك يوجب عدمَ الاعتدادِ بقوله وعدِّه من قبيل الخُرافاتِ فضلاً عن التصديق والعملِ بمقتضاه يعنون إنا لا نعُدّ كلَامك إلا من قبيلِ ما لا يحتمل الصِّدقَ والكذِبَ من الهذَيانات الصادرةِ عن المجانين فكيف نصدِّقه ونؤمن به ونعمل بموجبه ولقد سلكوا في طريقة المخالفةِ والعناد إلى سبيل الترقي من الأدنى إلى الأعلى حيث أَخبَروا أولاً عن عدم مجيئِه بالبينة مع احتمال كونِ ما جاءَ به ﵊ حجةً في نفسه وإن لم تكن واضحةَ الدِلالة على المراد وثانياً عن ترك الامتثال بقوله ﵊ بقولهم وما نحن بتاركي آلهتِنا عن قولك مع إمكان تحققِ ذلك بتصديقهم له ﵊ في كلامه ثم نفَوا تصديقهم له ﵊ بقولهم وما نحن لك بمؤمنين مع كون كلامِه ﵊ مما يقبل التصديقَ ثم نفَوْا عنه تلك المرتبةَ أيضاً حيث قالوا ما قالوا قاتلهم الله أنَّي يُؤفكون
﴿قَالَ إِنِّي أَُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ
стр. 2590
﴿مِن دُونِهِ﴾ أي من إشراككم مِن دُونِ الله أي من غير أن ينزِّل به سلطاناً كما قال في سورة الأعراف أتجادلونني في أسماء سميتوها أنتم وآباؤكم مَّا أَنزَلَ الله بِهَا من سلطان أو مما تشركونه من آلهة غيرِ الله أجاب به عن مقالتهم الحمقاءِ المبنيةِ على اعتقاد كونِ آلهتِهم مما يضُرُّ أو ينفع وأنها بمعزل من ذلك ولما كان ما وقع أولاً عنه ﵊ في حق آلهتِهم من كونها بمعزل عن الألوهية إنما وقع في ضمن الأمرِ بعبادة الله تعالى واختصاصِه بها وقد شق عليهم ذلك وعدّوه مما يورِث شيْناً حتى زعَموا أنها تصيبه ﵊ بسوء مجازاةٍ لصنيعه معها صرح ﵊ بالحقِّ وصدَع به حيث أُخبر ببراءته القديمةِ عنها بالجملة الاسميةِ المصدّرةِ بإنّ وأَشهد الله على ذلك وأمرهم بأن يسمعوا ذلك ويشهدوا به استهانةً بهم ثم أمرهم بالاجتماع والاحتشادِ مع آلهتم جميعاً دون بعضٍ منها حسبما يُشعر به قولُهم بعضُ آلهتنا والتعاونِ في أيصال الكيد إليه ﵊ ونهاهم عن الإنظار والإمهالِ في ذلك فقال
﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنظرون﴾ أي إن صح ما لوحتم به من كون آلهتِكم مما يقدِر على إضرار مَنْ ينال منها ويصُدّ عن عبادتها ولو بطريق ضِمنيَ فإني بريءٌ منها فكونوا أنتم معها جميعاً وباشروا كيدي ثم لا تُمهلوني ولا تسامحوني في ذلك فالفاءُ لتفريع الأمرِ على زعمهم في قدرة آلهتِهم على ما قالوا وعلى البراءة كليهما وهذا من أعظم المعجزاتِ فإنه ﵊ كان رجلاً مفْرَداً بين الجمِّ الغفير والجمعِ الكثير من عُتاة عادٍ الغلاظِ الشِّدادِ وقد خاطبهم بما خاطبهم وحقّرهم وآلهتَهم وهيَّجهم على مباشرة مبادى المضادة والمضارة وحثّهم على التصدِّي لأسباب المُعازّة والمعارّة فلم يقدروا على مباشرة شيءٍ مما كلفوه وظهر عجزُهم عن ذلك ظهوراً بيناً كيف لا وقد التجأ إلى ركن منيعٍ رفيعٍ واعتصم بحبل متينٍ حيث قال
стр. 2591
﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ على الله ربِّي ورَبِّكُم﴾ يعني أنكم وإن بذلتم في مُضارّتي مجهودَكم لا تقدرون على شيء مما تريدون بي فإني متوكلٌ على الله تعالى وإنما جيء بلفظ الماضي لكونه أدلَّ على الإنشاء المناسبِ للمقام وواثقٌ بكلاءتي وحفظي عن غوائلكم وهو مالكي ومالكُكم لا يصدُر عنكم شيءٌ ولا يصيبني أمرٌ إلا بإرادته ومشيئتِه ثم برهن عليه بقوله
﴿مَا مِن دَابَّةٍ إلَاّ هُو آخِذٌ بِناصِيتِهَا﴾ أي إلا هو مالكٌ لها قادرٌ عليها يُصرِّفها كيف يشاء غيرَ مستعْصيةٍ عليه فإن الأخذَ بالناصية تمثيلٌ لذلك
﴿إنَّ ربِّي عَلى صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ تعليلٌ لما يدل عليه التوكلُ من عدم قدرتِهم على إضراره أي هو على الحقّ والعدلِ فلا يكاد يسلِّطكم عليّ إذ لا يَضيعُ عنده معتصِمٌ ولا يفتاتُ عليه ظالمٌ والاقتصارُ على إضافة الربِّ إلى نفسه إما بطريق الاكتفاءِ لظهور المرادِ وإما لأن فائدةَ كونِه تعالى مالكاً لهم أيضاً راجعةٌ إليه عليه الصلاة والسلام
стр. 2592
هود من آية ٥٧ إلى آية ٥٩
стр. 2593
﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أي تتولَّوا بحذف إحدى التاءين أي أن تستمرّوا على ما كنتم عليه من التولي والإعراض
﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾ أي لم أعاتَبْ على تفريط في الإبلاغ وكنتم محجوجين بأن بلغكم الحقَّ فأبيتم إلا التكذيبَ والجحود
﴿وَيَسْتَخْلِف رَبِّي قَوماً غَيرَكُم﴾ استئنافٌ بالوعيد لهم بأن الله تعالى يهلكهم ويستخلف في ديارهم وأموالِهم قوماً آخرين أو عطفٌ على الجواب بالفاء ويؤيده قراءةُ ابن مسعود ﵁ بالجزْم عطفاً على الموضع كأنه قيل فإن تولّوا يعذرني ويهلكهم ويستخلفْ مكانكم آخرين وفي اقتصار إضافةِ الربِّ ﵊ رمزٌ إلى اللطف به والتدميرِ للمخاطبين
﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ﴾ بتولّيكم
﴿شَيئاً﴾ من الضرر لاستحالة ذلك عليه ومن جزم ويستخلف أسقط منه النون
﴿إنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيءٍ حَفِيظٌ﴾ أي رقيبٌ مهيمنٌ فلا تخفى عليه أعمالُكم فيجازيكم بحسبها أو حافظٌ مستولٍ على كل شيء فكيف يضُرّه شيءٌ وهو الحافظُ للكل
стр. 2594
﴿ولما جاء أمرنا﴾ أي نزل عذابُنا وفي التعبير عنه بالأمر مضافاً إلى ضميره ﷻ وعن نزوله بالمجيء ما لا يَخفْى من التفخيم والتهويلِ أو ورد أمرُنا بالعذاب
﴿نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ وكانوا أربعةَ آلافٍ
﴿بِرَحْمَةٍ﴾ عظيمةٍ كائنةٍ لهم
﴿منا﴾ وهي الإيمان الذي أنعمنا به عليهم بالتوفيق له والهدايةِ إليه
﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ أي كانت تلك التنجيةُ تنجيةً من عذاب غليظ وهي السَّمومُ التي كانت تدخل أنوفَ الكفرة وتخرج من أدبارهم فتقطعهم إرْباً إرْباً وقيل أريد بالثانية التنجيةُ من عذاب الآخرةِ ولا عذاب أغلظ منه وأشدُّ وهذه التنجيةُ وإن لم تكن مقيدةً بمجيء الأمرِ لكن جيء بها تكملةً للنعمة عليهم وتعريضاً بأن المهلَكين كما عُذّبوا في الدنيا بالسَّموم فهم معذبون في الآخرة بالعذاب الغليظ
стр. 2595
﴿وتلك عاد﴾ أنث الاسم الإشارةِ باعتبار القبيلةِ أو لأن الإشارةَ إلى قبورهم وآثارهِم
﴿جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِم﴾ كفروا بها بعدما استيقنوها
﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ جمعَ الرسلَ مع أنه لم يرسِلْ إليهم غيرَ هودٍ ﵊ تفظيعاً لحالهم وإظهاراً لكمال كفرِهم وعنادِهم ببيان أن عصيانهم له ﵊ عصيانٌ لجميع الرسلِ السابقين واللاحقين لاتفاق كلمتِهم على التوحيد لَا نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ من رسلِه فيجوز أن يرادَ بالآيات ما أتى به هودٌ وغيرُه من الأنبياءِ ﵈ وفيه زيادةُ ملاءمةٍ لما تقدم من جميع الآياتِ وما تأخر من قوله
﴿واتبعوا أمر كل جبار عَنِيدٍ﴾ من كبرائهم ورؤسائِهم الدعاةِ إلى الضلال وإلى تكذيب الرسلِ فكأنه قيل عصَوا كلَّ رسولٍ واتبعوا أمرَ كلِّ جبارٍ وهذا الوصفُ ليس كما سبق من جحود الآياتِ وعصيانِ الرسلِ في الشمول لكل فردٌ منهم فإن الاتباعَ للأمر من أوصاف الأسافلِ دون الرؤساء
следующие страницы →