Полный текст (8 642 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ على الله ربِّي ورَبِّكُم﴾ يعني أنكم وإن بذلتم في مُضارّتي مجهودَكم لا تقدرون على شيء مما تريدون بي فإني متوكلٌ على الله تعالى وإنما جيء بلفظ الماضي لكونه أدلَّ على الإنشاء المناسبِ للمقام وواثقٌ بكلاءتي وحفظي عن غوائلكم وهو مالكي ومالكُكم لا يصدُر عنكم شيءٌ ولا يصيبني أمرٌ إلا بإرادته ومشيئتِه ثم برهن عليه بقوله
﴿مَا مِن دَابَّةٍ إلَاّ هُو آخِذٌ بِناصِيتِهَا﴾ أي إلا هو مالكٌ لها قادرٌ عليها يُصرِّفها كيف يشاء غيرَ مستعْصيةٍ عليه فإن الأخذَ بالناصية تمثيلٌ لذلك
﴿إنَّ ربِّي عَلى صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ تعليلٌ لما يدل عليه التوكلُ من عدم قدرتِهم على إضراره أي هو على الحقّ والعدلِ فلا يكاد يسلِّطكم عليّ إذ لا يَضيعُ عنده معتصِمٌ ولا يفتاتُ عليه ظالمٌ والاقتصارُ على إضافة الربِّ إلى نفسه إما بطريق الاكتفاءِ لظهور المرادِ وإما لأن فائدةَ كونِه تعالى مالكاً لهم أيضاً راجعةٌ إليه عليه الصلاة والسلام
стр. 2592
هود من آية ٥٧ إلى آية ٥٩
стр. 2593
﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أي تتولَّوا بحذف إحدى التاءين أي أن تستمرّوا على ما كنتم عليه من التولي والإعراض
﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾ أي لم أعاتَبْ على تفريط في الإبلاغ وكنتم محجوجين بأن بلغكم الحقَّ فأبيتم إلا التكذيبَ والجحود
﴿وَيَسْتَخْلِف رَبِّي قَوماً غَيرَكُم﴾ استئنافٌ بالوعيد لهم بأن الله تعالى يهلكهم ويستخلف في ديارهم وأموالِهم قوماً آخرين أو عطفٌ على الجواب بالفاء ويؤيده قراءةُ ابن مسعود ﵁ بالجزْم عطفاً على الموضع كأنه قيل فإن تولّوا يعذرني ويهلكهم ويستخلفْ مكانكم آخرين وفي اقتصار إضافةِ الربِّ ﵊ رمزٌ إلى اللطف به والتدميرِ للمخاطبين
﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ﴾ بتولّيكم
﴿شَيئاً﴾ من الضرر لاستحالة ذلك عليه ومن جزم ويستخلف أسقط منه النون
﴿إنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيءٍ حَفِيظٌ﴾ أي رقيبٌ مهيمنٌ فلا تخفى عليه أعمالُكم فيجازيكم بحسبها أو حافظٌ مستولٍ على كل شيء فكيف يضُرّه شيءٌ وهو الحافظُ للكل
стр. 2594
﴿ولما جاء أمرنا﴾ أي نزل عذابُنا وفي التعبير عنه بالأمر مضافاً إلى ضميره ﷻ وعن نزوله بالمجيء ما لا يَخفْى من التفخيم والتهويلِ أو ورد أمرُنا بالعذاب
﴿نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ وكانوا أربعةَ آلافٍ
﴿بِرَحْمَةٍ﴾ عظيمةٍ كائنةٍ لهم
﴿منا﴾ وهي الإيمان الذي أنعمنا به عليهم بالتوفيق له والهدايةِ إليه
﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ أي كانت تلك التنجيةُ تنجيةً من عذاب غليظ وهي السَّمومُ التي كانت تدخل أنوفَ الكفرة وتخرج من أدبارهم فتقطعهم إرْباً إرْباً وقيل أريد بالثانية التنجيةُ من عذاب الآخرةِ ولا عذاب أغلظ منه وأشدُّ وهذه التنجيةُ وإن لم تكن مقيدةً بمجيء الأمرِ لكن جيء بها تكملةً للنعمة عليهم وتعريضاً بأن المهلَكين كما عُذّبوا في الدنيا بالسَّموم فهم معذبون في الآخرة بالعذاب الغليظ
стр. 2595
﴿وتلك عاد﴾ أنث الاسم الإشارةِ باعتبار القبيلةِ أو لأن الإشارةَ إلى قبورهم وآثارهِم
﴿جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِم﴾ كفروا بها بعدما استيقنوها
﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ جمعَ الرسلَ مع أنه لم يرسِلْ إليهم غيرَ هودٍ ﵊ تفظيعاً لحالهم وإظهاراً لكمال كفرِهم وعنادِهم ببيان أن عصيانهم له ﵊ عصيانٌ لجميع الرسلِ السابقين واللاحقين لاتفاق كلمتِهم على التوحيد لَا نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ من رسلِه فيجوز أن يرادَ بالآيات ما أتى به هودٌ وغيرُه من الأنبياءِ ﵈ وفيه زيادةُ ملاءمةٍ لما تقدم من جميع الآياتِ وما تأخر من قوله
﴿واتبعوا أمر كل جبار عَنِيدٍ﴾ من كبرائهم ورؤسائِهم الدعاةِ إلى الضلال وإلى تكذيب الرسلِ فكأنه قيل عصَوا كلَّ رسولٍ واتبعوا أمرَ كلِّ جبارٍ وهذا الوصفُ ليس كما سبق من جحود الآياتِ وعصيانِ الرسلِ في الشمول لكل فردٌ منهم فإن الاتباعَ للأمر من أوصاف الأسافلِ دون الرؤساء
стр. 2596
﴾ ١ هود من آية ٦٠ إلى آية ٦١ وعنيدٌ فعيلٌ من عنَد عندا وعندا إذا طغا والمعنى عصَوا مَنْ دعاهم إلى الهدى وأطاعوا من حداهم إلى الردى
стр. 2597
﴿وأتبعوا فِى هَذِهِ الدنيا لَعْنَةً﴾ إبعاداً عن الرحمة وعن كل خير أي جُعلت اللعنةُ لازمةً لهم وعبّر عن ذلك بالتبعية للمبالغة فكأنها لا تفارقهم وإن ذهبوا كلَّ مذهبٍ بل تدور معهم حيثما داروا ولوقوعه في صحبة اتباعهم رؤساءهم يعني أنهم لما اتّبعوهم أُتبعوا ذلك جزاءً لصنيعهم جزاءً وفاقاً
﴿وَيومَ الْقِيَامَةِ﴾ أي أُتبعوا يوم القيامة أيضاً لعنةً وهي عذابُ النارِ المخلد حُذفت لدِلالة الأولى عليها وللإيذان بكون كلَ من اللغتين نوعاً برأسه لم تُجمعا في قرن واحد بأن يقال وأتبعوا في هذه الدنيا ويومَ القيامة لعنةً كما في قوله تعالى واكتبْ لنا في هذه الدنيا حسنةً وفي الآخرة إيذاناً باختلاف نوعي الحسنتين فإن المرادَ بالحسنة الدنيويةِ نحوُ الصِّحةُ والكَفاف والتوفيقُ للخير وبالحسنة الأخروية الثوابُ والرحمةُ
﴿أَلَا إِنَّ عَاداً كَفَرُوا رَبَّهُم﴾ أي بربهم أو نعمةَ ربهم حملاً له على نقيضه الذي هو الشكرُ أو جحدوه
﴿ألَا بُعْداً لِعَادٍ﴾ دعاءٌ عليهم بالهلاك مع كونهم هالكين أيَّ هلاك تسجيلاً عليهم باستحقاق الهلاكِ واستيجابِ الدمار وتكريرُ حرفِ التنبيهِ وإعادةُ عادٍ للمبالغة في تفظيع حالِهم والحثِّ على الاعتبار بقصتهم
﴿قومِ هُود﴾ عطفُ بيانٍ لعاد فائدتُه التمييزُ عن عادِ الثانية عادِ إرمَ والإيماءُ إلى أن استحقاقَهم للبعد بسبب ما جرى بينهم وبين هود ﵊ وهم قومُه
стр. 2598
﴿وإلى ثمود أخاهم صالحا﴾ عطف على ما سبق من قوله تعالى وإلى عاد أخاهم هودا وثمودُ قبيلةٌ من العرب سُمُّوا باسم أبيهم الأكبرِ ثمود بن عابر بن إرمَ بنِ سام وقيل إنما سموا بذلك لقلة مائهم من الثمد وهو الماء القليل وصالح ﵊ هو ابنُ عبيدِ بنِ آسف بنِ ماشج بن عبيدِ بن جادر بن ثمود ولما كان الإخبار بإرساله إليهم مظِنّةً لأن يسأل ويقال ماذا قال لهم قيل جواباً عنه بطريق الاستئناف
﴿قال يا قوم اعبدوا الله﴾ أي وحدَه وعلل ذلك بقوله
﴿مَا لَكُم مّنْ إله غيرُهُ﴾ ثم زيد فيما يبعثهم على الإيمان والتوحيدِ ويحثّهم على زيادة الإخلاصِ فيه بقوله
﴿هُو أنشَأَكُم من الأرض﴾ أين هو كوّنكم وخلقَكم منها لا غيرُه قصرُ قلبٍ أو قصرُ إفرادٍ فإن خلقَ آدمَ ﵊ منها خلقٌ لجميع أفرادِ البشر منها لما مر مرارا من أن خِلقتَه ﵊ لم تكن مقصورةً على نفسه بل كانت أُنموذَجاً منطويا على خلق جيمع ذرياتِه التي ستوجد إلى يوم القيامة انطواءً إجمالياً وقيل إن خلقَ آدمَ ﵊ وإنشاءَ موادِّ النطَفِ التي منها خُلق نسلُه من التراب إنشاءٌ لجميع الخلقِ من الأرض فتدبر
﴿واسْتَعمرَكُم﴾ من العمر أي عمّركم واستبقاكم
﴿فِيهَا﴾ أو من العمارة أي
стр. 2599
﴾ ١ هود من آية ٦٢ إلى آية ٦٣ أقدركم على عِمارتها أو أمركم بها وقيل هو من العمرى بمعنى أعمرَكم فيها ديارَكم ويرِثها منكم بعد انصرامِ أعمارِكم أو جعلكم معمِّرين ديارَكم تسكُنونها مدةَ عمرِكم ثم تتركونها لمثلكم
﴿فاسْتغفِرُوه ثُمَّ تُوبُوا إِلَيه﴾ فإن ما فُصل من فنون الإحسانِ داعٍ إلى الاستغفار عما وقعَ منهُم من التفريطِ والتوبةِ عما كانوا يباشرونه من القبائح وقد زيد في بيان ما يوجب ذلك فقيل
﴿إنَّ رَبِّي قَرِيب﴾ أي قريبُ الرحمةِ كقوله تعالى إن رحمةَ الله قريبٌ من المحسنين
﴿مُّجِيبٌ﴾ لمن دعاه وسأله وقد روعي في النظم الكريمة نكتةٌ حيث قُدّم ذكرُ العلةِ الباعثةِ المتقدمةِ على الأمر بالاستغفار والتوبةِ وأُخّر عنه ذكر الغائبة المتأخرةِ عنهما في الوجود أعني الإجابة
стр. 2600
﴿قَالُوا يا صَالِحُ قد كُنتَ فينَا مَرْجُوّاً﴾ أي كنا نرجو منك لِما كنا نرى منك من دلائل السَّداد ومخايلِ الرشاد أن تكون لنا سيداً ومستشاراً في الأمور وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فاضلاً خيّراً نقدّمك على جميعنا وقيل كنا نرجو أن تدخُلَ في ديننا وتوافقَنا على ما نحنُ عليه
﴿قَبْلَ هَذَا﴾ الذي باشرتَه من الدعوة إلى التوحيد وتركِ عبادة آلهة أو قبل هذا الوقتِ فكأنهم لم يكونوا إلى الآن على يأس من ذلك ولو بعد الدعوةِ إلى الحق فالآن قد انصرَم عنك رجاؤُنا وقرأ طلحةُ مرجُوءاً بالمد والهمزة
﴿أَتَنْهَانا أَن نَعْبُد مَا يَعبد آبَاؤنا﴾ أي عبَدوه والعدول إلى صيغة المضارعِ لحكايةِ الحالِ الماضيةِ
﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إليه﴾ من التوحيد وتركِ عبادةِ الأوثانِ وغيرِ ذلك من الاستغفار والتوبة
﴿مُرِيبٍ﴾ أي مُوقعٌ في الريبة مِنْ أرابه أي أوقعه في الريبة أي قلقِ النفسِ وانتفاءِ الطمُأنينة أو من أراب إذا كان ذا رِيبةٍ وأيَّهما كان فالإسنادُ مجازيٌّ والتنوينُ فيه وفي شك للتفخيم
стр. 2601
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ﴾ أي أخبروني
﴿إِن كُنتُ﴾ في الحقيقة
﴿على بَيّنَةٍ﴾ أي حجةٍ ظاهرةٍ وبرهانٍ وبصيرة
﴿مّن رَّبّى﴾ مالكي ومتولّي أمري
﴿وَآتَانِى مِنْهُ﴾ من جهته
﴿رَحْمَةً﴾ نبوّةً وهذه الأمورُ وإن كانت محقّقة الوقوعِ لكنها صُدّرت بكلمة الشك اعتباراً لحال المخاطبين ورعايةً لحسن المحاوَرةِ لاستنزالهم عن المكابرة
﴿فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ الله﴾ أي ينجِّيني من عذابه والعدولُ إلى الإظهار لزيادة التهويلِ والفاءُ لترتيب إنكارِ النُّصرةِ على ما سبق من إيتاء النبوةِ وكونِه على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ على تقدير العصيانِ حسبما يُعرب عنه قوله تعالى
﴿إن عَصَيْتُهُ﴾ أي بالمساهلة في تبليغ الرسالةِ والمجاراةِ معكم فيما تأتون وتذرون فإن العصيانَ ممنْ ذلك شأنُه أبعدُ والمؤاخذةَ عليه ألزمُ وإنكارَ نُصرتِه أدخل
﴿فَمَا تَزِيدُونَنِى﴾ إذن باستتباعكم إيايَ كما ينبىء عنه قولهم قد كنت فينا مرجوا قَبْلَ هذا أي لا تفيدونني إذ لم يكن فيه أصلُ الخُسران حتى يزيدوه
﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ أي غيرَ أن تجعلوني خاسراً بإبطال أعمالي وتعريضي لسخط الله تعالى أو فما
стр. 2602
﴾ ١ هود من آية ٦٤ إلى آية ٦٥ تزيدونني بما تقولون غيرَ أن أنسُبَكم إلى الخسران وأقول لكم إنكم لخاسرون فالزيادةُ على معناه والفاءُ لترتيب عدمِ الزيادةِ على انتفاء الناصِرِ المفهومِ من إنكاره على تقدير العصيان مع تحقق ما ينفيه من كونه ﵊ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ وإيتائِه النبوةَ
стр. 2603
﴿وَيَا قَومِ هذه نَاقَةُ الله﴾ الإضافةُ للتشريف والتنبيهِ على أنها مفارقةٌ لسائر ما يجانسها من حيث الخِلْقةُ ومن حيث الخلق
﴿لَكُم آية﴾ معجزةً دالّةً على صدق نبوّتي وهي حالٌ من ناقةُ الله والعاملُ ما في هذه من معنى الفعلِ ولكم حالٌ من آيةً متقدمةٌ عليها لكونها نكرةٌ ولو تأخرتْ لكانتْ صفةً لها ويجوز أن يكون ناقةُ الله بدلاً من هذه أو عطفَ بيان ولكم خبراً وعاملاً في آية
﴿فَذَرُوهَا﴾ خلّوها وشأنَها
﴿تَأْكُلْ في أرض الله﴾ ترع نباتَها وتشرب ماءَها وإضافةُ الأرضِ إلى الله تعالى لتربية استحقاقِها لذلك وتعليلِ الأمرِ بتركها وشأنَها
﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوء﴾ بولغ في النهي عن التعرّض لها بما يضرها حيث نُهيَ عن المس الذي هو من مبادىء الإصابةِ ونُكر السوءِ أي لا تضرِبوها ولا تطرُدوها ولا تقرَبوها بشيء من السوء فضلاً عن عَقرها وقتلِها
﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ أي قريبُ النزول روي أنهم طلبوا منه أن يُخرج من صخرة تسمّى الكاثبة ناقةً عُشَراءَ مخترِجةً جوفاءَ وبَراءً وقالوا إن فعلتَ ذلك صدقناك فأخذ صالحٌ ﵊ عليهم مواثيقَهم لئن فعلتُ ذلك لتؤمِنُنّ فقالوا نعم فصلى ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها فانصدعت عن ناقة عشراء كما وصفوا وهم ينظُرون ثم أنتجت ولداً مثلَها في العِظَم فآمن به جُندُعُ بنُ عمْروٍ في جماعة ومَنَع الباقين من الإيمان دواب ابن عمرو والحُبابُ صاحبُ أوثانهم وربابُ كاهنُهم فمكثت الناقةُ مع ولدها ترعى الشجرَ وتردُ الماءَ غِبًّا فما ترفع رأسَها من البئر حتى تشربَ كلَّ ما فيها ثم تتفحّج فيحلُبون ما شاءوا حتى تمتلىء أوانيهم فيشربون ويدّخرون وكانت تصيِّف بظهر الوادي فتهرُب منها أنعامُهم إلى بطنه وتشتو ببطنه فتهرب مواشيهم إلى ظهره فشق عليهم ذلك
стр. 2604
﴿فَعَقَرُوهَا﴾ قيل زَيَّنت عقرَها لهم عُنيزةُ أمُّ غَنَم وصدَقةُ بنتُ المختارِ فعقروها واقتسموا لحمها فرقي سقيها جبلا اسمه قارة فرغا ثلاثاً فقال صالح لهم أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب فلم يقدِروا عليه وانفجرت الصخرةُ بعد رغائه فدخلها
﴿فقال﴾ لهم صالح
﴿تَمَتَّعُواْ﴾ أي عيشوا
﴿فِى دَارِكُمْ﴾ أي في منازلكم أو في الدنيا
﴿ثلاثةَ أَيَّامٍ﴾ قيلَ قالَ لهم تصبحُ وجوهُكم غداً مصفرةً وبعدَ غدٍ مُحمرَّةً واليومَ الثالثَ مُسودةً ثمَّ يصبحكُم العذابُ
﴿ذلك﴾ إشارةٌ إلى ما يدل عليه الأمرُ بالتمتع ثلاثةَ أيامٍ من نزول العذاب عَقيبَها والمرادُ بمَا فيهِ من مَعْنى البُعد تفخيمُه
﴿وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أي غير مكذوب فيه فحذف الجارُّ للاتساع المشهور كقوله ... ويومٍ شهِدناه سليماً وعامراً ...
أو غيرُ مكذوب كأن الواعدَ قال له أفي بك فإن وفى به صدّقه وإلا كذّبه أو وعدٌ غيرُ كذِبٍ على أنه مصدرٌ كالمجلود والمعقول
стр. 2605
﴾ ١ هود من آية ٦٦ إلى آية ٦٨
стр. 2606
﴿فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا﴾ أي عذابُنا أو أمرُنا بنزوله وفيه مالا يخفى من التهويل
﴿نَجَّيْنَا صالحا والذين آمنوا مَعَهُ﴾ متعلقٌ بنجينا أو بآمنوا
﴿بِرَحْمَةٍ﴾ بسبب رحمةٍ عظيمة
﴿مِنَّا﴾ وهي بالنسبة إلى صالح النبوةُ وإلى المؤمنين الإيمانُ كما مر أو ملتبسين برحمة ورأفةٍ منا
﴿وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ﴾ أي ونجيناهم من خزي يومِئذٍ وهو هلاكُهم بالصيحة كقولِه تعالى وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ على معنى أنه كانت تلك التنجيةُ تنجيةً من خزي يومئذ أي من ذِلته ومهانتِه أو ذلِّهم وفضيحتِهم يومَ القيامة كما فسر به العذابُ الغليظُ فيما سبق فيكون المعنى ونجيناهم مِنْ عَذَابِ يَوْمِ القيامةِ بعد تنجيتِنا إياهم من عذاب الدنيا وعن نافع بالفتح على اكتساب المضافِ البناءَ من المضاف إليه هنا وفي المعارج في قوله تعالى مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ وقرىء بالتنوين ونصبِ يومئذ
﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ الخطاب لرسول الله ﷺ
﴿هُوَ القوى العزيز﴾ القادرُ على كلِّ شيءٍ والغالبُ عليه لا غيرُه ولكون الإخبارِ بتنجية الأولياءِ لا سيما عند الإنباءِ بحلول العذابِ أهمَّ ذكَرَها أولاً ثم أخبر بهلاك الأعداءِ فقال
стр. 2607
﴿وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ﴾ عدل عن المضمر إلى المظهر تسجيلاً عليهم بالظلم وإشعاراً بعلّيته لنزول العذابِ بهم
﴿الصيحة﴾ أي صيحة جبريل ﵊ وقيل أتتهم من السماء صيحةٌ فيها صوتُ كلِّ صاعقة وصوت كل شيء في الأرض فتقطعت قلوبهم في صدورهم وفي سورة الأعراف فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة ولعلها وقعت عَقيبَ الصيحةِ المستتبِعةِ لتموُّج الهواء
﴿فَأَصْبَحُواْ﴾ أي صاروا
﴿فِى دِيَارِهِمْ﴾ أي بلادهم أو مساكنِهم
﴿جاثمين﴾ هامدين موتى لا يتحركون والمرادُ كونُهم كذلك عند ابتداءِ نزولِ العذابِ بهم من غير اضطرابٍ وحركةٍ كما يكون ذلك عند الموت المعتاد ولا يَخْفى ما فيهِ منَ الدلالةِ عَلى شدة الأخذِ وسرعتِه اللهم إنا نعوذ بك من حلول غضبِك قيلَ لمَّا رأَوا العلاماتِ التي بيّنها صالحٌ من اصفرار وجوهم واحمرارِها واسودادِها عمَدوا إلى قتلِه ﵊ فنجاهُ الله تعالَى إلى أرضِ فلسطينَ ولمَّا كانَ ضحوةُ اليوم الرابع وهو يوم السبت تحنطُوا وتكفنُوا بالأنطاعِ فأتتهُم الصيحةُ فتقطعت قلوبُهم فهلكوا
стр. 2608
﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ﴾ أي كأنهم في بلادهم أو في مساكنهم وهو في موقعِ الحالِ أي أصبحوا جاثمين مماثلين لمن لم يوجَدْ ولم يُقِمْ في مقام قطُّ
﴿أَلا إِنَّ ثَمُودَ﴾ وُضع موضعَ الضميرِ لزيادةِ البيانِ ونوّنه أبو بكرٍ هنا وفي النجم وقرأ حفصٌ هنا وفي الفرقان والعنكبوت بغير تنوين
﴿كَفرُواْ رَبَّهُمْ﴾ صرح بكفرهم مع كونه معلوماً مما سبق من أحوالهم تقبيحاً لحالهم وتعليلاً لاستحقاقهم بالدعاء عليهم بالبعد والهلاكِ في قوله تعالى
﴿إِلَاّ بُعْدًا لّثَمُودَ﴾ وقرأ الكسائي بالتنوين
стр. 2609
﴾ ١ هود من آية ٦٩ إلى آية ٧٠
стр. 2610
﴿وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إبراهيم﴾ وهم الملائكةُ عن ابن عباس ﵄ أنهم جبريلُ وملكانِ وقيل هم جبريلُ وميكائيلُ وإسرافيلُ ﵈ وقال الضحاك كانوا تسعةً وعن محمد بن كعب جبريلُ ومعه سبعةٌ وعن السدي أحدَ عشرَ على صور الغلمان الوضاء وجوههم وعن مقاتل كانوا اثني عشر ملكا وإنما أسند إليهم مطلقُ المجيءِ بالبشرى دون الإرسالِ لأنهم لم يكونوا مرسَلين إليه ﵇ بل إلى قوم لوطٍ لقوله تعالى إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمٍ لوط وإنما جاءوه لداعية البُشرى ولما كان المقصودُ في السورة الكريمةِ ذكرَ سوءِ صنيعِ الأممِ السالفةِ مع الرسل المرسلةِ إليهم ولحوقِ العذابِ بهم بسبب ذلك ولم يكن جميع قوم إبراهيمَ ﵊ ممن لحق بهم العذابُ بل إنما لحِق بقوم لوطٍ منهم خاصةً غيّر الأسلوبُ المطردُ فيما سبقَ من قولِه تعالى وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صالحا ثم رُجع إليه حيث قيل وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْباً
﴿بالبشرى﴾ أي ملتبسين بها قيل هي مطلقُ البشرى المنتظمةِ للبشارة بالولد من سارَةَ لقوله تعالى فبشرناها بإسحاق الآية وقولِه تعالى وبشرناه بغلام حَلِيمٍ وقوله وَبَشَّرُوهُ بغلام عَلَيمٍ وللبشارة بعدم لحوقِ الضررِ به لقوله تعالى فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إبراهيم الروع وَجَاءتْهُ البشرى لظهور تفرّعِ المجادلةِ على مجيئها كما سيأتي وقيل هي البشارةُ بهلاك قوم لوط ويأباه مجادلته ﵊ في شأنهم والأظهرُ أنها البشارةُ بالولد وستعرِف سرَّ تفرُّعِ المجادلةِ على ذلك ولما كان الإخبارُ بمجيئهم بالبشرى مظِنةً لسؤال السامِع بأنهم ما قالوا أجيب بأنهم
﴿قَالُواْ سَلَاماً﴾ أي سلّمنا أو نسلّم عليك سلاماً ويجوز أن يكون نصبُه بقالوا أي قالوا قولاً ذا سلامٍ أو ذكروا سلاماً
﴿قَالَ سلام﴾ أيْ عليكُم سلامٌ أو سلامٌ عليكم حياهم بأحسن من تحيتهم وقرىء سَلِم كحَرِم في حرام وقرأ ابنُ أبي عَبْلةَ قال سلاماً وعنه أنه قرأ بالرفع فيهما
﴿فَمَا لَبِثَ﴾ أي إبراهيم
﴿أَن جَاء بِعِجْلٍ﴾ أي في المجيء به أو ما لبث مجيئَه بعجل
﴿حَنِيذٍ﴾ أي مشويٌّ بالرَّضْف في الأُخدود وقيل سمين يقطُر وَدَكُه لقوله بعجل سمين من حنذت الفرس إذا عرقته بالجِلال
стр. 2611
﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ لا يُمدون إليه أيديَهم للأكل
﴿نَكِرَهُمْ﴾ أي أنكرهم يقال نكِرَه وأنكره واستنكره بمعنى وإنما أنكرهم لأنهم كانوا إذا نزلَ بهم ضيفٌ ولم يأكل من طعامهم ظنوا أنه لم يجىء بخير وقد روي أنهم كانوا ينكُتون بقداح كانت في أيديهم في اللحم ولا تصل إليه أيديهم وهذا الإنكار منه ﵊ راجعٌ إلى فعلهم المذكور وأما إنكارُه المتعلقُ بأنفسهم فلا تعلقَ له برؤية عدمِ أكلِهم وإنما وقع ذلك عند رؤيتِه لهم لعدم كونِهم من جنس ما كان يعهده من الناس ألا يُرى إلى قوله تعالى في سورة الذاريات سلام قَوْمٌ مُّنكَرُونَ
﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ﴾ أي أحسّ أو أضمَر من جهتهم
﴿خِيفَةً﴾ لما ظُنّ أن نزولَهم لأمر أنكره الله تعالى عليه أو لتعذيب قومِه وإنما أُخّر
стр. 2612
المفعول الصريح عن الظرف لأن المرادَ الإخبارُ بأنه ﵊ أوجس من جهتهم شيئاً هو الخيفةُ لا أنه أوجس الخِيفةَ من جهتِهِم لا من جهة غيرِهم وتحقيقُه أن تأخيرَ ما حقُّه التقديمُ يوجب ترقب النفسِ إليه فيتمكن عند ورودِه عليها فضلُ تمكن
﴿قَالُواْ لَا تَخَفْ﴾ ما قالوه بمجرد ما رأوا منه مخايلَ الخوفِ إزالةً له منه بل بعد إظهاره ﵊ له قال تعالى في سورة الحِجر قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ ولم يُذكر ذلك ههنا اكتفاءً بذلك
﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا﴾ ظاهرُه أنه استئنافٌ في معنى التعليلِ للنهي المذكورِ كما أن قوله تعالى إِنَّا نُبَشّرُكَ تعليلٌ لذلك فإن إرسالَهم إلى قوم آخرين يوجب أمنَهم من الخوف أي أُرسلنا بالعذاب
﴿إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ خاصةً إلا أنه ليس كذلك فإن قوله تعالى قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ صريحٌ في أنهم قالوه جواباً عن سؤاله ﵊ وقد أُوجز الكلامُ اكتفاء بذلك
سورة هود (٧١ ٧٢)
стр. 2613
﴿وامرأته قَائِمَةٌ﴾ وراءَ الستر بحيث تسمع محاورتَهم أو على رءوسهم للخدمة حسبما هو المعتادُ والجملةُ حالٌ من ضمير قالوا أي قالوه وهي قائمةٌ تسمع مقالتَهم
﴿فَضَحِكَتْ﴾ سروراً بزوال الخوفِ أو بهلاك أهلِ الفساد أو بهما جميعاً وقيل بوقوع الأمرِ حسبما كانت تقولُ فيما سلف فإنها كانت تقولُ لإبراهيمَ اضمُمْ إليك لوطاً فإني أرى أن العذاب نازلا بهؤلاء القوم وقيل ضحكت حاضَتْ ومنه ضحِكت الشجرةُ إذا سال صمغُها وهو بعيد وقرىء بفتح الحاء
﴿فبشرناها بإسحاق﴾ أي عقّبنا سرورَها بسرور أتمَّ منه على ألسنة رسلِنا
﴿وَمِن وَرَاء إسحاق يَعْقُوبَ﴾ بالنصب على أنه مفعولٌ لما دلَّ عليه قولُه بشرناها أي ووهبنا لها من وراء إسحق يعقوبَ وقُرِىءَ بالرفعِ على الابتداءِ خبرُه الظرف أي من بعد إسحق يعقوبُ مولودٌ أو موجودٌ وكلا الاسمين داخلٌ في البشارة كيحي أو واقعٌ في الحكاية بعد أن وُلدا فسمِّيا بذلك وتوجيه البشارة ههنا إليها مع أن الأصلَ في ذلك إبراهيمَ ﵊ وقد وُجِّهت إليه حيث قيل وبشرناه بغلام حليم وبشرناه بغلام عَلَيمٍ للإيذان بأن ما بُشّر به يكون منهما ولكونها عقيمةً حريصةً على الولد
стр. 2614
﴿قَالَتْ﴾ استئنافٌ وردَ جواباً عن سؤالٍ مَنْ سأل وقال فما فعلت إذ بُشِّرت بذلك فقيل قالت
﴿يا ويلتى﴾ أصلُ الويلِ الخزيُ ثم شاع في كل أمرٍ فظيع والألفُ مُبْدلةٌ من ياء الإضافةِ كما في يا لهفا ويا عجَبا وقرأ الحسن على الأصل وأمالها أبو عمرو وعاصمٌ في رواية ومعناه يا ويلتي احضُري فهذا أو أن حضورِك وقيل هي ألفُ النُّدبةِ ويوقف عليها بهاء السكت
﴿أألد وَأَنَاْ عَجُوزٌ﴾ بنتُ تسعين أو تسعٍ وتسعين سنةً
﴿وهذا﴾ الذي تشاهدونه
﴿بَعْلِى﴾ أي زوجي وأصلُ البعلِ القائمُ بالأمر
﴿شَيْخًا﴾ وكان ابن مائة وعشرين سنة ونصبُه على الحال والعاملُ معنى الإشارةِ وقُرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ أي هو شيخٌ أو خبر بعد خبر أو هو الخبرُ وبعلي بدلٌ من اسمِ الإشارةِ أو بيانٌ له وكلتا الجملتين وقعت حالاً من الضمير في أألد لتقرير ما فيه من الاستبعاد وتعليلِه أي أألد وكلانا على حالة منافيةٍ لذلك وإنما قُدّمت بيانُ
стр. 2615
حالِها على بيان حالِه ﵊ لأن مُباينةَ حالِها لما ذُكر من الولادة أكثرُ إذ ربما يولد للشيوخ من الشوابِّ أما العجائزُ داؤُهن عَقامٌ ولأن البشارةَ متوجهةٌ إليها صريحاً ولأن العكسَ في البيان ربما يُوهم من أول الأمر نسبةَ المانِع من الولادة إلى جانب إبراهيمَ ﵊ وفيه ما لا يَخفْى من المحذور واقتصارها الاستبعادِ على ولادتها من غير تعرضٍ لحال النافلةِ لأنها المستبعَد وأما ولادةُ ولدِها فلا يتعلق بها استبعادٌ
﴿إِنَّ هَذَا﴾ أي ما ذُكر من حصول الولد من هَرِمَين مثلِنا
﴿لَشَىْء عَجِيبٌ﴾ بالنسبة إلى سنة الله تعالى المسلوكةِ فيما بين عباده وهذه الجملة لتعليل الاستبعاد بطريق الاستئناف التحقيقي ومقصدها استعظام نعمة الله تعالى عليها في ضمن الاستعجاب العادي لا استبعادَ ذلك بالنسبة إلى قدرته
سورة هود (٧٣ ٧٤)
стр. 2616
﴿قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله﴾ أي قدرتِه وحكمتِه أو تكوينه أو شأنِه أنكروا عليها تعجبها من ذلك لأنها كانت ناشئةً في بيتِ النُّبوةِ ومهبِطِ الوحيِ والآيات ومظهَرِ المعجزات والأمورِ الخارقةِ للعادات فكان حقُّها أن تتوقرَ ولا يزدهِيَها ما يزدهي سائرَ النساء من أمثال هذه الخوارقِ من ألطاف الله تعالى الخفيةِ ولطائفِ صنعِه الفائضةِ على كل أحدٍ مما يتعلق بذلك مشيئتُه الأزليةُ لا سيَّما على أهلِ بيتِ النبوة الذين ليست مرتبتُهم عند الله سبحانه كمراتب سائرِ الناس وأن تسبحَ الله تعالى وتحمَدَه وتمجِّدَه وإلى ذلك أشاروا بقوله تعالى
﴿رَّحْمَةِ الله﴾ التي وسِعتْ كلَّ شيءٍ واستتبعت كلَّ خير وإنما وضع المظهرِ موضعَ المضمر لزيادة تشريفِها
﴿وبركاته﴾ أي خيراتُه الناميةُ المتكاثرةُ في كل بابٍ التي من جملتها هبةُ الأولادِ وقيل الرحمةُ النبوةُ والبركاتُ الأسباطُ من بني إسرائيلَ لأن الأنبياءَ منهم وكلُّهم من ولد إبراهيمَ ﵊
﴿عَلَيْكُمْ أَهْلَ البيت﴾ نصبَ على المدحِ أو الاختصاصِ لأنهم أهلُ بيتِ خليلِ الرحمن وصرفُ الخطاب من صيغة الواحدة إلى جمع المذكر لتعميم حكمه لإبراهيم ﵊ أيضاً ليكون جوابُهم لها جواباً له أيضاً إن خطر بباله مثلُ ما خطر ببالها والجملة كلامٌ مستأنَفٌ عُلّل به إنكارُ تعجُّبها كأنه قيل ليس المقام مقام التعجب فإن الله تعالَى على كُلِّ شيءٍ قديرٌ ولستم يأهل بيتِ النبوةِ والكرامةِ والزلفى كسائر الطوائفِ بل رحمتُه المستتبِعةُ لكل خيرٍ الواسعةُ لكل شيء وبركاتُه أي خيراتُه الناميةُ الفائضةُ منه بواسطة تلك الرحمةِ الواسعةِ لازمةٌ لكم لا تفارقكم
﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ﴾ فاعلٌ ما يستوجب الحمدَ
﴿مَّجِيدٌ﴾ كثيرُ الخير والإحسان إلى عباده والجملةُ لتعليل ما سبقَ من قولِه رحمة الله وبركاته عليكم
стр. 2617
﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إبراهيم الروع﴾ أي ما أوجس منهم من الخِيفه واطمأن قلبُه بعِرفانهم وعرفانِ سببِ مجيئِهم والفاءُ لربط بعض أحوال إبراهيمَ ﵊ ببعضٍ غِبَّ انفصالِها بما ليس بأجنبي من كل وجهٍ بل له مدخلٌ تامٌّ في السباق والسياق وتأخيرُ الفاعلِ عن الظرف لأنه مصبُّ الفائدةِ فإن بتأخير ما حقُّه التقديمُ تبقى النفسُ منتظرةً إلى وروده فيتمكن فيتمن فيها عند ورودِه إليها فضلُ تمكّنٍ
﴿وَجَاءتْهُ البشرى﴾ إن فُسِّرت البُشرى بقولهم لا تخف فسببيّهُ ذهابِ
стр. 2618
الخوفِ ومجيءِ السرور للمجادلة المَدلُولِ عليها بقولِه تعالَى
﴿يجادلنا فِى قَوْمِ لُوطٍ﴾ أي جادل رسلَنا في شأنهم وعُدل إلى صيغة الاستقبالِ لاستحضار صورتِها أو طفِقَ يجادلنا ظاهرةٌ وأما إن فُسّرت ببشاره الولدِ أو بما يعُمها فلعل سببيّتَها لها من حيث إنها تفيد زيادةَ اطمئنانِ قلب بسلامته وسلامةِ أهلهِ كافةً ومجادلتُه إياهم أنه قال لهم حين قالوا له إنا مهلكوا أهلِ هذه القريةِ أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلاً من المؤمنين أتُهلكونها قالوا لا قال فأربعون قالوا لا قال فثلاثون قالوا لا حتى بلغ العشرةَ قالوا لا قال أرأيتم إن كان فيها رجلٌ مسلمٌ أتهلكونها قالوا لا فعند ذلك قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أعلمُ بِمَن فيها الننجينه وأهلَه إن قيل المتبادرُ من هذا الكلامِ أن يكون إبراهيمُ ﵇ قد علِم أنهم مرسَلون لإهلاك قومِ لوطٍ قبل ذهابِ الرَّوع عن نفسه ولكن لم يقدِر على مجادلتهم في شأنهم لاشتغاله بشأن نفسِه فلما ذهب عنه الروعُ فرَغ لها مع أن ذهابَ الروعِ إنما هو قبل العِلم بذلك لقوله تعالى قَالُواْ لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ قلنا كان لوطٌ ﵇ على شريعة إبراهيمَ ﵇ وقومُه مكلّفين بها فلما رأى من الملائكة ما رأى خاف على نفسه وعلى كافة أمتِه التي من جملتهم قومُ لوط ولا ريبَ في تقدمِ هذا الخوفِ على قولهم لا تخف وأما الذي علمه السلام بعد النهي عن الخوف فهو اختصاصُ قومِ لوطٍ بالهلاك لا دخولُهم تحت العموم فتأملْ والله الموفق
سورة هود (٧٥ ٧٧)
стр. 2619
﴿إِنَّ إبراهيم لَحَلِيمٌ﴾ غيرُ عَجولٍ على الانتقام ممن أساء إليه
﴿أَوَّاهٌ﴾ كثيرُ التأوّه على الذنوب والتأسفِ على الناس
﴿مُّنِيبٌ﴾ راجعٌ إلى الله تعالى والمقصودُ بتعداد صفاتِه الجميلةِ المذكورةِ بيانُ ما حَمله ﵇ عَلَى ما صَدَرَ عنْهُ من المجادلة
стр. 2620
﴿يا إِبْرَاهِيمَ﴾ أي قالت الملائكةُ يا إبراهيمُ
﴿أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ الجدالِ
﴿إِنَّهُ﴾ أي الشأنَ
﴿قَدْ جَاء أَمْرُ رَبّكَ﴾ أي قَدَرُه الجاري على وفق قضائِه الأزليِّ الذي هو عبارة عن الإرادة الأزليةِ والعنايةِ الإلهية المقتضيةِ لنظام الموجوداتِ على ترتيب خاصَ حسب تعلُّقِها بالأشياء في أوقاتها وهو المعبّر عنه بالقدر
﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ لا بجدال ولا بدعاء ولا بغيرهما
стр. 2621
﴿وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً﴾ قال ابن عباس ﵄ انطلَقوا من عند إبراهيمَ ﵇ إلى لوط ﵇ وبين القريتين أربعةُ فراسخَ ودخلوا عليه في صور غِلمانٍ مُرْدٍ حسانِ الوجوه فلذلك
﴿سِىء بِهِمْ﴾ أي ساءه مجيئُهم لظنه أنهم أناسٌ فخاف أن يقصِدهم قومُه ويعجِزَ عن مدافعتهم وقرأ نافعٌ وابن عامر والكسائي وأبو عمر وسيء وسيئت بإشمام السينِ الضمَّ رُوي أنَّ الله تعالَى قال للملائكة لا تُهلكوهم حتى يشهد عليهم لوطٌ أربعَ شهادات فلما مشى معهم منطلقاً بهم إلى منزله قال لهم أما بلغكم أمرُ هذه القريةِ قالوا وما أمرُها قال أشهد إنها لشرُّ قريةٍ في الأرض عملاً يقول ذلك أربعَ مراتٍ فدخلوا معه منزلَه ولم يعلم بذلك أحدٌ فخرجت امرأتُه فأخبرت به قومها وقالت في بيت لوطٍ رجالاً ما رأيتُ مثلَ وجوهِهم
стр. 2622
قط
﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أي ضاق بمكانهم صدرُه أو قلبُه أو وسعُه وطاقتُه وهو كنايةٌ عن شدة الانقباض للعجز عن مدافعة المكروهِ والاحتيال فيه وقيل ضاقت نفسُه عن هذا الحادثِ وذِكرُ الذرعِ مثلٌ وهو المساحة وكأنه قدْرُ البدنِ مجازاً أي إن بدنَه ضاق قدرُه من احتمال ما وقع وقيل الذراعُ اسمٌ للجارحة من المِرْفق إلى الأنامل والذرْعُ مدُّها ومعنى ضيقِ الذرع في قوله تعالى ضاق بِهِمْ ذَرْعًا قصرُها كما أن معنى سعتِها وبسطتها طولُها ووجهُ التمثيلِ بذلك أن القصيرَ الذراعِ إذا مدها ليتناول ما يتناول الطويلُ الذراعِ تقاصر عنه وعجِز عن تعاطيه فضُرب مثلاً للذي قصُرت طاقتُه دون بلوغِ الأمر
﴿وَقَالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ شديدٌ من عصَبه إذا شدّه
سورة هود (٧٨ ٨٠)
стр. 2623
﴿وَجَاءهُ﴾ أي لوطاً وهو في بيته مع أضيافه
﴿قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي يسرعون كأنما يُدفعون دفعاً لطلب الفاحشة من أضيافه والجملةُ حالٌ من قومه وكذا قوله تعالى
﴿وَمِن قبل﴾ أي من قبل هذا الوقت
﴿كَانُواْ يَعْمَلُونَ السيئات﴾ أي جاءوا مسرعين والحال أنهم كانوا منهمكين في عمل السيئات فضَرُوا بها وتمرّنوا فيها حتى لم يبقَ عندهم قبحتها ولذلك لم يستحيُوا مما فعلوا من مجيئهم مهرِعين مجاهرين
﴿قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ فتزوّجُوهن وكانوا يطلُبونهن من قبلُ ولا يُجيبهم لخبثهم وعدمِ كفاءتِهم لا لعدم مشروعيتِه فإن تزويجَ المسلماتِ من الكفار كان جائزاً وقد زوج النبيُّ ﷺ ابنتيه من عُتبةَ بنِ أبي لهبٍ وأبي العاص بنِ الربيع قبل الوحي وهما كافران وقيل كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجَهما ابنتيه وأيا ما كان فقد أراد به وقايةَ ضيفِه وذلك غايةُ الكرم وقيل ما كان ذلك القولُ منه مُجرًى على الحقيقة من إرادة النكاحِ بل كان ذلك مبالغةً في التواضع لهم وإظهاراً لشدة امتعاضِه مما أوردوا عليه طمعاً في أن يستحيوا منه ويرِقّوا له إذا سمعوا ذلك فينزجروا عما أقدموا عليه مع ظهور الأمر واستقرارِ العلم عنده وعندهم جميعا بأن لا مناكحةَ بينهم وهو الأنسبُ بقولهم لقد علمت ما لنا في بناتك من حق كما ستقف عليه
﴿فاتقوا الله﴾ بترك الفواحش أو بإيثارهن عليهم
﴿وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِى﴾ أي لا تفضحوني في شأنهم فإن إخزاءَ ضيفِ الرجل وجارِه إخزاءٌ له أو لا تخجلوني من الخَزاية وهي الحياء
﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ يهتدي إلى الحق الصريح ويرعوي عن الباطل القبيح
стр. 2624
﴿قَالُواْ﴾ معرضين عما نصحهم به من الأمر بتقوى الله والنهي عن إخزائه مجيبين عن أول كلامه
﴿لقد علمت ما لنا في بناتك من حق﴾ مستشهدين بعلمه بذلك يعنون إنك قد علمت أن لا سبيلَ إلى المناكحة بيننا وبينك وما عرْضُك إلا عرضٌ سابرِيّ ولا مطمعَ لنا في ذلك
﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ من إتيان الذُكرانِ ولما يئس ﵇ من ارعوائهم عمَّا هُم عليهِ من الغي
стр. 2625
﴿قالَ لو أنَّ لي بِكُمْ قُوَّةً﴾
стр. 2626
أي لفعلتُ بكم ما فعلت وصنعتُ ما صنعت كقوله تعالى وَلَوْ أَنَّ قرانا سيرت به الجبال أو قطعت به الارض أو كلم به الموتى
﴿أَوْ اوِى إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ عطفٌ على أن لي بكم إلى آخره لما فيه من معنى الفعلِ أي لو قوِيتُ على دفعكم بنفسي أو أويت إلى ناصر عزيزٍ قويّ أتمنّع به عنكم شَبّهه بركن الجبل في الشدة والمنعة وروي عنِ النبيِّ ﷺ رحِم الله أخي لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد روي أنه ﵇ أغلق بابَه دون أضيافِه وأخذ يجادلهم من وراء الباب فتسوّروا الجدارَ فلما رأت الملائكةُ ما على لوط من الكرب
سورة هود (٨١)
стр. 2627
﴿قَالُواْ﴾ أي الرسل لمّا شاهدوا عجزَه عن مدافعة قومه
﴿يا لوط إِنَّا رُسُلُ رَبّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ﴾ بضرر ولا مكروهٍ فافتح الباب ودعنا وإياهم ففتح الباب فدخلوا فاستأذن جبريلُ ﵇ ربَّه ربَّ العِزَّة ﷻ في عقوبتهم فأذِن له فقام في الصورة التي يكون فيها فنشر جناحَه وله جناحان وعليه وشاح من دُرّ منظوم وهو برّاقُ الثنايا فضرب بجناحه وجوهَهم فطمَس أعينَهم وأعماهم كما قال عز وعلى فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فصاروا لا يعرِفون الطريق فخرجوا وهم يقولون النجاء النجاءَ فإن في بيت لوطٍ قوماً سحَرة
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ بالقطع من الإسراء وقرأ ابن كثير ونافع بالوصل حيث جاء في القرآن من السُّرى والفاءُ لترتيب الأمر بالإسراءِ على الإخبار برسالتهم المؤذنِة بورود الأمرِ والنهي من جنابِه إليه ﵇
﴿بِقِطْعٍ من الليل﴾ بطائفة منه
﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ﴾ أي لا يتخلف أولا ينظُرْ إلى ورائه
﴿أَحَدٌ﴾ منك ومن أهلك وإنما نُهوا عن ذلك ليجدّوا في السير فإن من يلتفتُ إلى ما وراءه لا يخلو عن أدنى وقفة أو لئلا يروا ما ينزل بقومهم من العذاب فيرقوا لهم
﴿إِلَاّ امرأتك﴾ استثناءٌ من قولِهِ تعالى فَأَسْرِ بأهلك ويؤيده أنه قرى فأسرِ بأهلك بِقطْع من الليل إلا امرأتَك وقُرِىءَ بالرفعِ على البدلِ من أحدٌ فالالتفاتُ بمعنى التخلف لا بمعنى النظر إلى الخَلف كيلا يلزمَ التناقضُ بين القراءتين المتواترتين فإن النصبَ يقتضي كونَه ﵇ غيرَ مأمورٍ بالإسراء بها والرفعَ كونَه مأموراً بذلك والاعتذارُ بأن مقتضى الرفعِ إنما هو مجردُ كونِها معهم وذلك لا يستدعي الأمرَ بالإسراء بها حتى يلزمَ المناقضةَ لجواز أن تسريَ هي بنفسها كما يروي أنَّه ﵇ لما أسرى بأله تبِعَتْهم فلما سمعت هدّة العذابِ التفتت وقالت يا قوماه فأدركها حجرٌ فقتلها وأن يسرِيَ بها ﵇ من غير أمرٍ بذلك إذ موجبُ النصبِ إنما هو عدمُ الأمر بالإسراء بها لا النهيُ عن الإسراء بها حتى يكونَ ﵇ بالإسراء بها مخالفاً للنهي لا يُجدي نفعاً لأنَّ انصرافَ الاستثناءِ إلى الالتفات يستدعي بقاءَ الأهل على العموم فيكون الإسراءُ بها مأموراً به قطعاً وفي حمل الأهليةِ في إحدى القراءتين على الأهلية الدينية وفي الأخرى على النسَبية مع أن فيه ما لا يَخفْى من التحكم والاعتساف كر على ما فر منه من المناقضة فالأَولى حينئذ جعلُ الاستثناءِ على القراءتين من قوله لا يَلْتَفِتْ مثلَ الَّذي في قولِه تعالى مَّا فَعَلُوهُ إلى قَلِيلٌ مّنْهُمْ فإن ابنَ عامر قرأه بالنصب وإن كان الأفصحَ الرفعُ على البدل ولا بُعد في كون أكثرِ القراءِ
стр. 2628
على غير الأفصح ولا يلزم من ذلك أمرُها بالالتفات بل عدمُ نهيِها عنه بطريق الاستصلاح ولذلك علله على طريقة الاستئنافِ بقوله
﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ من العذابِ وهو إمطارُ الأحجار وإن لم يصبْها الخسفُ والضميرُ في إنه للشأن وقوله تعالى مُصِيبُهَا خبرٌ وقوله مَا أصابهم مبتدأٌ والجملةُ خبرٌ لإن الذي اسمُه ضميرُ الشأنِ وفيه ما لا يَخفْى من تفخيم شأنِ ما أصابهم ولا يحسُن جعلُ الاستثناءِ منقطعاً على قراءة الرفع
﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح﴾ أي موعدَ عذابِهم وهلاكهم تعليلٌ للأمر بالإسراء والنهيِ عن الالتفات المُشعرِ بالحث على الإسراع
﴿أَلَيْسَ الصبح بِقَرِيبٍ﴾ تأكيد للتعليل فإن قربَ الصبح داعٍ إلى الإسراع في الإسراء للتباعد عن مواقع العذاب وروي أنه قال للملائكة متى موعدُ هلاكِهم قالوا الصبحُ قال أريد أسرعَ من ذلك فقالوا ذلك وإنما جُعل ميقاتُ هلاكِهم الصبحَ لأنه وقتُ الدعةِ والراحةِ فيكون حلولُ العذاب حينئذ أفظعَ ولأنه أنسبُ بكون ذلك عبرةً للناظرين
стр. 2629
﴿فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا﴾ أي وقتُ عذابِنا وموعدُه وهو الصبح
سورة هود (٨٢ ٨٣) ﴿جَعَلْنَا عاليها﴾ أي عاليَ قُرى قومِ لوطٍ وهي التي عُبّر عنها بالمؤتفكات وهي خمسُ مدائنَ فيها أربعُمائةِ ألفِ ألفٍ
﴿سَافِلَهَا﴾ أي قلبناها على تلك الهيئةِ وجُعل عالِيها مفعولاً أولَ للجعل وسافلَها مفعولاً ثانياً له وإن تحقق القلبُ بالعكس أيضاً لتهويل الأمرِ وتفظيعِ الخطبِ لأن جعلَ عالِيها الذي هو مَقارُّهم ومساكنُهم سافلَها أشدُّ عليهم وأشقُّ من جعل سافِلها عاليَها وإن كان مستلزِماً له روي أنه جعلَ جبريلُ ﵇ جناحَه في أسفلها ثم رفعها إلى السماء حتى سمع أهلُ السماء نُباحَ الكلاب وصياحَ الديَكةِ ثم قلبها عليهم وإسنادُ الجعلِ والإمطار إلى ضميره سبحانه باعتبار أنه المسبّبُ لتفخيم الأمرِ وتهويلِ الخطب
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾ على أهل المدائنِ أو شُذّاذهم
﴿حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ﴾ من طينٍ متحجّر كقوله حِجَارَةً مّن طِينٍ وأصله سنك كل فعُرّب وقيل هو من أسْجله إذا أرسله أو أدرّ عطيتَه والمعنى منْ مثْلِ الشيءِ المرسَل أو مثلَ العطيةِ في الإدرار أو من السِّجِلّ أي مما كتب الله تعالى أن يعذبهم به وقيل أصله من سِجّينٍ أي من جهنم فأبدلت نونه لاماً
﴿مَّنْضُودٍ﴾ نُضِد في السماء نضْداً معدًّا للعذاب وقيل يُرسَل بعضُه إثرَ بعضٍ كقِطار الأمطار
стр. 2630
﴿مُّسَوَّمَةً﴾ مُعْلمةً للعذاب وقيل معلمةً ببياض وحُمرة أو بسِيما تتميز به عن حجارة الأرض أو باسم مَنْ ترمى به
﴿عِندَ رَبّكَ﴾ في خزائنه التي لا يتصرّف فيها غيرُه
﴿وَمَا هِىَ﴾ أي الحجارةُ الموصوفة
﴿مِنَ الظالمين﴾ من كل ظالمٍ
﴿بِبَعِيدٍ﴾ فإنهم بسبب ظلمِهم مستحقون لها وملابَسون بها وفيه وعيدٌ شديد لأهل الظلمِ كافةً وعن رسول الله ﷺ أنه سأل جبريلُ ﵇ فقال يعني ظالمي أمتِك ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض حجرٍ يسقط عليه من ساعة إلى سعة وقيل الضميرُ للقُرى أي هي قريبةُ من ظالمي مكةَ يمرّون بها في مسايرهم وأسفراهم إلى الشام وتذكيرُ البعيدِ على تأويل الحجارة بالحجر أو إجرائه على موصوفٍ مذكرٍ أي بشيء بعيد أو بمكان بعيد فإنها وإن كانت في السماء وهي في غاية البُعد من الأرض
следующие страницы →