Полный текст (8 642 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
أي لفعلتُ بكم ما فعلت وصنعتُ ما صنعت كقوله تعالى وَلَوْ أَنَّ قرانا سيرت به الجبال أو قطعت به الارض أو كلم به الموتى
﴿أَوْ اوِى إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ عطفٌ على أن لي بكم إلى آخره لما فيه من معنى الفعلِ أي لو قوِيتُ على دفعكم بنفسي أو أويت إلى ناصر عزيزٍ قويّ أتمنّع به عنكم شَبّهه بركن الجبل في الشدة والمنعة وروي عنِ النبيِّ ﷺ رحِم الله أخي لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد روي أنه ﵇ أغلق بابَه دون أضيافِه وأخذ يجادلهم من وراء الباب فتسوّروا الجدارَ فلما رأت الملائكةُ ما على لوط من الكرب
سورة هود (٨١)
стр. 2627
﴿قَالُواْ﴾ أي الرسل لمّا شاهدوا عجزَه عن مدافعة قومه
﴿يا لوط إِنَّا رُسُلُ رَبّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ﴾ بضرر ولا مكروهٍ فافتح الباب ودعنا وإياهم ففتح الباب فدخلوا فاستأذن جبريلُ ﵇ ربَّه ربَّ العِزَّة ﷻ في عقوبتهم فأذِن له فقام في الصورة التي يكون فيها فنشر جناحَه وله جناحان وعليه وشاح من دُرّ منظوم وهو برّاقُ الثنايا فضرب بجناحه وجوهَهم فطمَس أعينَهم وأعماهم كما قال عز وعلى فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فصاروا لا يعرِفون الطريق فخرجوا وهم يقولون النجاء النجاءَ فإن في بيت لوطٍ قوماً سحَرة
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ بالقطع من الإسراء وقرأ ابن كثير ونافع بالوصل حيث جاء في القرآن من السُّرى والفاءُ لترتيب الأمر بالإسراءِ على الإخبار برسالتهم المؤذنِة بورود الأمرِ والنهي من جنابِه إليه ﵇
﴿بِقِطْعٍ من الليل﴾ بطائفة منه
﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ﴾ أي لا يتخلف أولا ينظُرْ إلى ورائه
﴿أَحَدٌ﴾ منك ومن أهلك وإنما نُهوا عن ذلك ليجدّوا في السير فإن من يلتفتُ إلى ما وراءه لا يخلو عن أدنى وقفة أو لئلا يروا ما ينزل بقومهم من العذاب فيرقوا لهم
﴿إِلَاّ امرأتك﴾ استثناءٌ من قولِهِ تعالى فَأَسْرِ بأهلك ويؤيده أنه قرى فأسرِ بأهلك بِقطْع من الليل إلا امرأتَك وقُرِىءَ بالرفعِ على البدلِ من أحدٌ فالالتفاتُ بمعنى التخلف لا بمعنى النظر إلى الخَلف كيلا يلزمَ التناقضُ بين القراءتين المتواترتين فإن النصبَ يقتضي كونَه ﵇ غيرَ مأمورٍ بالإسراء بها والرفعَ كونَه مأموراً بذلك والاعتذارُ بأن مقتضى الرفعِ إنما هو مجردُ كونِها معهم وذلك لا يستدعي الأمرَ بالإسراء بها حتى يلزمَ المناقضةَ لجواز أن تسريَ هي بنفسها كما يروي أنَّه ﵇ لما أسرى بأله تبِعَتْهم فلما سمعت هدّة العذابِ التفتت وقالت يا قوماه فأدركها حجرٌ فقتلها وأن يسرِيَ بها ﵇ من غير أمرٍ بذلك إذ موجبُ النصبِ إنما هو عدمُ الأمر بالإسراء بها لا النهيُ عن الإسراء بها حتى يكونَ ﵇ بالإسراء بها مخالفاً للنهي لا يُجدي نفعاً لأنَّ انصرافَ الاستثناءِ إلى الالتفات يستدعي بقاءَ الأهل على العموم فيكون الإسراءُ بها مأموراً به قطعاً وفي حمل الأهليةِ في إحدى القراءتين على الأهلية الدينية وفي الأخرى على النسَبية مع أن فيه ما لا يَخفْى من التحكم والاعتساف كر على ما فر منه من المناقضة فالأَولى حينئذ جعلُ الاستثناءِ على القراءتين من قوله لا يَلْتَفِتْ مثلَ الَّذي في قولِه تعالى مَّا فَعَلُوهُ إلى قَلِيلٌ مّنْهُمْ فإن ابنَ عامر قرأه بالنصب وإن كان الأفصحَ الرفعُ على البدل ولا بُعد في كون أكثرِ القراءِ
стр. 2628
على غير الأفصح ولا يلزم من ذلك أمرُها بالالتفات بل عدمُ نهيِها عنه بطريق الاستصلاح ولذلك علله على طريقة الاستئنافِ بقوله
﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ من العذابِ وهو إمطارُ الأحجار وإن لم يصبْها الخسفُ والضميرُ في إنه للشأن وقوله تعالى مُصِيبُهَا خبرٌ وقوله مَا أصابهم مبتدأٌ والجملةُ خبرٌ لإن الذي اسمُه ضميرُ الشأنِ وفيه ما لا يَخفْى من تفخيم شأنِ ما أصابهم ولا يحسُن جعلُ الاستثناءِ منقطعاً على قراءة الرفع
﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح﴾ أي موعدَ عذابِهم وهلاكهم تعليلٌ للأمر بالإسراء والنهيِ عن الالتفات المُشعرِ بالحث على الإسراع
﴿أَلَيْسَ الصبح بِقَرِيبٍ﴾ تأكيد للتعليل فإن قربَ الصبح داعٍ إلى الإسراع في الإسراء للتباعد عن مواقع العذاب وروي أنه قال للملائكة متى موعدُ هلاكِهم قالوا الصبحُ قال أريد أسرعَ من ذلك فقالوا ذلك وإنما جُعل ميقاتُ هلاكِهم الصبحَ لأنه وقتُ الدعةِ والراحةِ فيكون حلولُ العذاب حينئذ أفظعَ ولأنه أنسبُ بكون ذلك عبرةً للناظرين
стр. 2629
﴿فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا﴾ أي وقتُ عذابِنا وموعدُه وهو الصبح
سورة هود (٨٢ ٨٣) ﴿جَعَلْنَا عاليها﴾ أي عاليَ قُرى قومِ لوطٍ وهي التي عُبّر عنها بالمؤتفكات وهي خمسُ مدائنَ فيها أربعُمائةِ ألفِ ألفٍ
﴿سَافِلَهَا﴾ أي قلبناها على تلك الهيئةِ وجُعل عالِيها مفعولاً أولَ للجعل وسافلَها مفعولاً ثانياً له وإن تحقق القلبُ بالعكس أيضاً لتهويل الأمرِ وتفظيعِ الخطبِ لأن جعلَ عالِيها الذي هو مَقارُّهم ومساكنُهم سافلَها أشدُّ عليهم وأشقُّ من جعل سافِلها عاليَها وإن كان مستلزِماً له روي أنه جعلَ جبريلُ ﵇ جناحَه في أسفلها ثم رفعها إلى السماء حتى سمع أهلُ السماء نُباحَ الكلاب وصياحَ الديَكةِ ثم قلبها عليهم وإسنادُ الجعلِ والإمطار إلى ضميره سبحانه باعتبار أنه المسبّبُ لتفخيم الأمرِ وتهويلِ الخطب
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾ على أهل المدائنِ أو شُذّاذهم
﴿حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ﴾ من طينٍ متحجّر كقوله حِجَارَةً مّن طِينٍ وأصله سنك كل فعُرّب وقيل هو من أسْجله إذا أرسله أو أدرّ عطيتَه والمعنى منْ مثْلِ الشيءِ المرسَل أو مثلَ العطيةِ في الإدرار أو من السِّجِلّ أي مما كتب الله تعالى أن يعذبهم به وقيل أصله من سِجّينٍ أي من جهنم فأبدلت نونه لاماً
﴿مَّنْضُودٍ﴾ نُضِد في السماء نضْداً معدًّا للعذاب وقيل يُرسَل بعضُه إثرَ بعضٍ كقِطار الأمطار
стр. 2630
﴿مُّسَوَّمَةً﴾ مُعْلمةً للعذاب وقيل معلمةً ببياض وحُمرة أو بسِيما تتميز به عن حجارة الأرض أو باسم مَنْ ترمى به
﴿عِندَ رَبّكَ﴾ في خزائنه التي لا يتصرّف فيها غيرُه
﴿وَمَا هِىَ﴾ أي الحجارةُ الموصوفة
﴿مِنَ الظالمين﴾ من كل ظالمٍ
﴿بِبَعِيدٍ﴾ فإنهم بسبب ظلمِهم مستحقون لها وملابَسون بها وفيه وعيدٌ شديد لأهل الظلمِ كافةً وعن رسول الله ﷺ أنه سأل جبريلُ ﵇ فقال يعني ظالمي أمتِك ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض حجرٍ يسقط عليه من ساعة إلى سعة وقيل الضميرُ للقُرى أي هي قريبةُ من ظالمي مكةَ يمرّون بها في مسايرهم وأسفراهم إلى الشام وتذكيرُ البعيدِ على تأويل الحجارة بالحجر أو إجرائه على موصوفٍ مذكرٍ أي بشيء بعيد أو بمكان بعيد فإنها وإن كانت في السماء وهي في غاية البُعد من الأرض
стр. 2631
إلا أنها حين هَوَت منها فهي أسرعُ شيء لحُوقاً بهم فكأنها بمكان قريبٍ منهم أو لأنه على زِنة المَصْدرِ كالزفير والصهيل والمصادر يستوي في الوصف بها المذكرُ والمؤنث
هود الآية (٨٤ ٨٥)
стр. 2632
﴿وإلى مَدْيَنَ﴾ أي أولاد مدينَ بن إبراهيمُ ﵇ أو جعل اسماً للقبيلة بالغلبة أو أهلِ مدينَ وهو بلدٌ بناه مدينُ فسُمّي باسمه
﴿أخاهم﴾ أي نسيبَهم
﴿شُعَيْبًا﴾ وهو ابن ميكيلَ بنِ يشجُرَ بنِ مدينَ وكان يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومَه والجملةُ معطوفةٌ على قولِه تعالى وإلى ثمود أخاهم صالحا أي وأرسلنا إلى مدينَ أخاهم شعيباً
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ وقع جوابا عن سؤال نشأ عن صدر الكلام فكأنه قيل فماذا قال لهم فقيل قال كما قال مَنْ قبلَهُ من الرُّسلِ ﵈
﴿يَا قوم اعبدوا الله﴾ وحدوه وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً
﴿مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ﴾ تحقيقٌ للتوحيد وتعليلٌ للأمر به وبعد ما أمرهم بما هو مَلاكُ أمر الدينِ وأولُ ما يجب على المكلّفين نهاهم عن ترتيب مبادى ما اعتادوه من البَخْس والتطفيف عادةً مستمرةً فقال
﴿وَلَا تَنقُصُواْ المكيال والميزان﴾ كي تتوسلوا بذلك إلى بخس حقوقِ الناس
﴿إِنّى أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ أي ملتبسين بثروة وسعة تُغنيكم عن ذلك أو بنعمة من الله تعالى حقها أن تقابل بغير ما تأتونه من المسامحة والتفضل على الناس شكراً عليها أو أراكم بخير فلا تُزيلوه بما أنتُم عليهِ من الشر وهو على كل حال علةٌ للنهي عُقّبت بعلة أخرى أعني قوله
﴿وَإِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ إنْ لم تنتُهوا عن ذلك
﴿عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾ لا يشذ منه شاذمنكم وقيل عذابَ يومٍ مُهلك من قوله تعالى وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ وأصلُه من إحاطة العدوِّ والمرادُ عذابُ يومِ القيامة أو عذابُ الاستئصالِ ووصفُ اليومِ بالإحاطة وهي حالُ العذاب على الإسناد المجازيِّ وفيه من المبالغة ما لا يَخْفى فإنَّ اليومَ زمانٌ يشتمل على ما وقع فيه من الحوادث فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذَّب ما اشتمل عليه منه كما إذا أحاط بنعيمه ويجوز أن يكون هذا تعليلاً للأمر والنهي جميعا
стр. 2633
﴿ويا قوم أَوْفُواْ المكيال والميزان بالقسط﴾ أي بالعدل من غيرِ زيادةٍ ولا نقصانٍ فإن الزيادةَ في الكيل والوزنِ وإن كان تفضّلاً مندوباً إليه لكنها في الآلة محظورةٌ كالنقص فلعل الزائدَ للاستعمال عند الاكتيالِ والناقصَ للاستعمال وقت الكيل وإنما أُمر بتسويتهما وتعديلِهما صريحاً بعد النهي عن نقصهما مبالغة في الحمل على الإيفاء والمنعِ من البخس وتنبيهاً على أنَّه لا يكفيهم مجردُ الكفِّ عن النقص والبخسِ بل يجب عليهم إصلاحُ ما أفسدوه وجعلوه معياراً لظلمهم وقانوناً لعدوانهم
﴿وَلَا تَبْخَسُواْ الناس﴾ بسبب نقصِهما وعدم اعتدالِهما
﴿أَشْيَاءهُمْ﴾ التي يشترونها بهما وقد صرّح بالنهي عن البخس بعد ما عُلم ذلك في ضمنِ النَّهي عن نقص المعيار والأمرِ بإيفائه اهتماماً بشأنه وترغيباً في إيفاء الحقوقِ بعد الترهيبِ والزجر عن نقصها ويجوز أن يكون المرادُ بالأمر بإيفاء المكيالِ
стр. 2634
والميزان الأمرَ بإيفاء المكيلات والمزونات ويكونُ النهيُ عن البخس عاماً للنقص في المقدار وغيره تعميماً بعد التخصيص كما في قوله تعالى
﴿وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الأرض مُفْسِدِينَ﴾ فإن العَثَى يعم نقصَ الحقوقِ وغيرَه من أنواع الفسادِ وقيل البخسُ المكسُ كأخذ العشورِ في المعاملات قالَ زُهيرِ بنِ أبي سُلْمى ... أفي كل أسواق العراق إتاوة ... وفي كل ما باع امرؤٌ مَكْسُ دِرهمِ ...
والعثى في الأرض السرقةُ وقطعُ الطريق والغارةُ وفائدةُ الحال إخراجُ ما يُقصد به الإصلاحُ كما فعله الخضرُ ﵇ من خرق السفينةِ وقتلِ الغلام وقيل معناه وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الأرض مفسدين أمْرَ آخرتِكم ومصالحَ دينكم
هود الآية (٨٦ ٨٧)
стр. 2635
﴿بقية الله﴾ أي ما أبقاه لكم من الحلال بعد التنزّةِ عن تعاطي المحرمات
﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ مما تجمعون بالبخس والتطفيفِ فإن ذلك هباء منثورا بل شرٌّ محض وإن زعمتم أن فيه خيراً كقوله تعالى يَمْحَقُ الله الربا وَيُرْبِى الصدقات
﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ بشرط أن تؤمنوا فإن خيريّتَها باستتباع الثوابِ مع النجاة وذلك مشروطٌ بالإيمان لا محالةَ أو إن كنتم مصدقين لي في مقالتي لكم وقيل البقية الطاعات كقوله والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ وقرىء تقيةُ الله بالفوقانية وهي تقواه عن المعاصي
﴿وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أحفظكم من القبائح أو أحفظ عليكم أعمالَكم فأجازيَكم وإنما أنا ناصحٌ مبلِّغٌ وقد أعذرتُ إذ أنذرتُ ولم آلُ في ذلك جهداً أو ما أنا بحافظ ومستبْقٍ عليكم نِعمَ الله تعالى إن لم تتركوا ما أنتم عليه من سوء الصنيع
стр. 2636
﴿قالوا يا شعيب أصلاتك تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يعبد آباؤنا﴾ من الأوثان أجابوا بذلك أمرَه ﵇ إياهم بعبادة الله وحدَه المتضمنَ لنهيهم عن عبادة الأصنامِ ولقد بالغوا في ذلك وبلغوا أقصى مراتبِ الخلاعة والمُجون والضلال حيث لم يكتفوا بإنكار الوحي الآمرِ بذلك حتى ادّعَوا أن لا أمرَ به من العقل واللُّب أصلاً وأنه من أحكام الوسوسةِ والجنون وعلى ذلك بنوا استفهامَهم وقالوا بطريق الاستهزاءِ أصلاتُك التي هي من نتائج الوسوسةِ وأفاعيلِ المجانين تأمُرك بأن نترك عبادةَ الأوثانِ التي توارَثْناها أباً عن جد وإنما جعلوه ﵇ مأموراً مع أن الصادرَ عنه إنما هو الأمرِ بعبادة الله تعالى وغير ذلك من الشرائع لأنه ﵇ لم يكُنْ يأمرهم بذلك من تلقاءِ نفسِه بَل من جهة الوحي وأنه كان يعلمهم بأنه مأمورٌ بتبليغه إليهم وتخصيصُهم بإسناد الأمر إلى الصلاة من بين سائر أحكامِ النبوة لأنه ﷺ كان كثيرَ الصلاةِ معروفاً بذلك وكانوا إذا رأوه يصلي يتغامزون ويتضاحكون فكانت هي من بين سائر شعائرِ الدينِ ضِحْكةً لهم وقرىء أصلواتُك
﴿أَوْ أَنْ نفعل فى أموالنا ما نشاء﴾ جواب عن أمر ﵇ بإيفاء الحقوقِ ونهيِه عن البخس والنقصِ معطوفٌ على ما أي أو أن نتركَ أن نفعل فى أموالنا ما نشاء من الأخذ والإعطاءِ والزيادةِ والنقصِ وقرىء بالتاء في الفعلين عطفاً على مفعول تأمُرك أي أصلاتك تأمرك أن تفعل أنت في أموالنا ما تشاء وتجويزُ
стр. 2637
العطفِ على ما قيل يستدعي أن يراد بالترك معنيان متخالفان والمرادُ بفعله ﵇ إيجاب الإيفاءِ والعدلِ في معاملاتهم لا نفسُ الأيفاء فإن ذلك ليس من أفعاله ﵇ بل من أفعالهم وإنما لم نقُلْ عطفا على أن نترك لأن الترك ليس مأموراً به على الحقيقة بل المأمورُ به تكليفُه ﵇ إياهم وأمرُه بذلك والمعنى أصلاتُك تأمرُك أن تكلِّفَنا أن نترك ما يعبدُ آباؤُنا وحملُه على معنى أصلاتُك تأمرك بما ليس في وُسعك وعُهدتك من أفاعيل غيرِك ليكون ذلك تعريضاً منهم بركاكة رأيِه ﵇ واستهزاءً به من تلك الجهةِ يأباه دخولُ الهمزةِ على الصلاة دون الأمرِ ويستدعي أن يصدُر عنه ﵇ في أثناء الدعوةِ ما يدل على ذلك أو يوهمه وأبى ذلك فتأمل وقرىء بالنون في الأول والتاء في الثاني عطفا على أن نترك أي أو أن نفعل نحن في أموالنا عند المعاملةِ ما تشاء أنت من التسوية والإيفاء
﴿إِنَّكَ لَانتَ الحليم الرشيد﴾ وصفوه ﵇ بالوصفين على طريقة التهكم وإنما أرادوا بذلك وصفَه بضدّيهما كقول الخزَنة ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم ويجوز أن يكون تعليلاً لما سبق من استبعاد ما ذكروه على معنى إنك لأنت الحليمُ الرشيد على زعمك وأما وصفُه بهما على الحقيقة فيأباه مقامُ الاستهزاء اللهم إلا أن يراد بالصلاة الدينُ كما قيل
هود (٨٨)
стр. 2638
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ﴾ أي حجة واضحة وبرهان نير عبر بها عما آتاه الله تعالى من النبوة والحكمة رداً على مقالتهم الشنعاءِ في جعلهم أمرَه ونهيَه غيرَ مستندٍ إلى سند
﴿مّن رَّبّى﴾ ومالكِ أموري وإيرادُ حرفِ الشرط مع جزمه ﵇ بكونه على ما هو عليه من البينات والحججِ لاعتبار حال المخاطبين ومراعات حُسنِ المحاورةِ معهم كما ذكرناه في نظائره
﴿وَرَزَقَنِى منه﴾ أي من لدنه
﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ هو النبوةُ والحِكمةُ أيضاً عبّر عنهما بذلك تنبيهاً على أنهما مع كونهما بينةً رزقٌ حسنٌ كيف لا وذلك مناطُ الحياةِ الأبديةِ له ولأمته وجوابُ الشرط محذوفٌ يدل عليه فحوى الكلامِ أي أتقولون في شأني ما تقولون والمعنى إنكم نظمتموني في سلك السفهاءِ والغُواةِ وعددتم ما صدرَ عنِّي من الأوامر والنواهي من قبيلِ ما لا يصِح أن يتفوَّهَ به عاقلٌ وجعلتموه من أحكام الوسوسةِ والجنون واستهزأتم بي وبأفعالي حتى قلتم إن ما أمرتُكم به من التوحيد وتركِ عبادة الأصنامِ والاجتنابِ عن البخس والتطفيفِ ليس مما يأمر به آمرُ العقلِ ويقضي به قاضي الفطنة وإنما يأمر به صلاتُك التي هي من أحكام الوسوسةِ والجنون فأخبروني إن كنت من جهة ربي ومالكِ أمورِي ثابتاً على النبوة والحِكمةِ التي ليس وراءَها غايةٌ للكمال ولا مطمَحٌ لطامح ورزقني بذلك رزقاً حسناً أتقولون في شأني وشأنِ أفعال ما تقولون مما لا خيرَ فيه ولا شرَّ وراءه هذا هو الجوابُ الذي يستدعيه السباقُ والسياقُ ويساعده النظمُ الكريمُ وأما ما قيل من أن المحذوفَ أيصِحّ لي أن لا آمرَكم بترك عبادةِ الأوثانِ والكفِّ عن المعاصي أو هل يسعْ لي مع هذا الإنعام الجامعِ
стр. 2639
للسعادات الروحانيةِ والجُسمانية أن أخونَ في وحيه وأخالفَه في أمره ونهيِه فبمعزل من ذلك وإنما يناسب تقديرُه إن حمل كلامُهم على الحقيقة وأريد بالصلاة الدينُ على معنى أدينُك يأمرُك أن تكلفنا بترك عبادةِ آلهتِنا القديمة وتركِ التصرّفِ المطلق في أموالنا وتخالفنا في ذلك وتشُقَّ عصانا وهذا مما لا ينبغي أن يصدُر عنك فإنك أنت المشهورُ بالحلم الفاضلِ والرشدِ الكاملِ فيما بيننا كما كان قولُ قومِ صالح قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّا قَبْلَ هذا مسروداً على ذلك النمطِ فأُجيبوا بما أجيبوا به وعلى هذا الوجهِ يكون المرادُ بالرزق الحسنِ الحلالَ الذي آتاه الله تعالى والمعنى حينئذ أخبروني إن كنت نبياً من عند الله تعالى ورزقني مالاً حلالاً أستغني به عن العالمين أيصِحّ أن أخالف أمرَه وأوافقَكم فيمَا تأتونَ وما تذرونَ
﴿وَمَا أُرِيدُ﴾ بنهي إياكم عما أنهاكم عنه من البخس والتطفيف
﴿أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَا أنهاكُم عَنْهُ﴾ أي أقصِدَه بعد ما ولَّيتم عنه وأستبِدَّ به دونكم يقال خالفت زيداً إلى كذا إذا قصدتُه وهو مولَ عنه وخالفتُه عن كذا إذا كان الأمرُ على العكس
﴿إن أريد﴾ أي ما أُرِيدُ بما أباشره من الأمر والنيه
﴿إِلَاّ الإصلاح﴾ إلا أن أُصلِحَكم بالنصيحة والموعظة
﴿مَا استطعت﴾ أي مقدارَ ما استطعتُه من الإصلاح والتقييدُ به للاحتراز عن الاكتفاء بالإصلاح في الجملة لا عن إرادة ما ليس في وُسعه منه
﴿وَمَا تَوْفِيقِى﴾ أي كوني موفقاً لتحقيق ما أنتحيه من إصلاحكم
﴿إِلَاّ بالله﴾ أي بتأييده ومعونتِه بل الإصلاحُ من حيث الخلقُ مستندٌ إليه سبحانه وإنما أنا من مباديه الظاهرةِ قاله ﵇ تحقيقاً للحق وإزاحةً لما عسى يوهمه إسنادُ الاستطاعةِ إليه بإرادته من استبداده بذلك
﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في ذلك مُعرِضاً عما عداه فإنه القادرُ على كل مقدورٍ وما عداه عاجزٌ محْضٌ في حد ذاتِه بل معدومٌ ساقطٌ عن درجة الاعتبار بمعزل عن مرتبة الاستمدادِ به والاستظهار
﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أي أرجِعُ فيما أنا بصدده ويجوز أن يكون المرادُ وما كوني موفقاً لإصابة الحقِّ والصوابِ في كل ما آتي وأذر إلا بهدايته ومعونتِه عليه توكلتُ وهو إشارةٌ إلى محض التوحيدِ الذاتي والفعليِّ وإليه أنيب أي عليه أقبل بشراشِر نفسي في مجامع أموري وإيثارُ صيغةِ الاستقبالِ على الماضي الأنسبِ للتقرر والتحقّقِ كما في التوكل لاستحضارِ الصورةِ والدلالةِ على الاستمرار ولا يَخْفَى ما في جوابه ﵇ من مراعاة لطفِ المراجعةِ ورِفق الاستنزالِ والمحافظةِ على قواعد حسنِ المجاراة والمحاورَة وتمهيدِ معاقدِ الحقِّ بطلب التوفيقِ من جناب الله تعالى والإستعانة به في أموره وحسمِ أطماعِ الكفار وإظهار الفراغِ عنهم وعدمِ المبالاة بمعاداتهم وأما تهديدُهم بالرجوع إلى الله تعالى للجزاء كما قيل فلا لأن الإنابةَ إنما هي الرجوعُ الاختياريُّ بالفعل إلى الله تعالى لا الرجوعُ الاضطراريُّ للجزاء أو ما يعمه
هود (٨٩)
стр. 2640
﴿ويا قوم لَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ أي لا يَكسِبَنَّكم من جرَمتُه ذنباً مثلُ كسبته مالاً
﴿شِقَاقِى﴾ معاداتي وأصلُهما أن أحد المتعادِيَين يكونُ في عُدوةٍ وشقَ والآخرُ في آخرَ
﴿أَن يُصِيبَكُمُ﴾ مفعولٌ ثانٍ ليجرمنكم أي لا يكسبنكم معاداتُكم لي أنْ يُصيبكم
стр. 2641
﴿مّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ من الغرق
﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ من الريح
﴿أَوْ قَوْمَ صالح﴾ من الصيحة والرجفةِ وقرأ ابن كثير بضم الياء من أجرمتُه ذنباً إذا جعلته جارِماً له أي كاسباً وهو منقول من جرم المعتدي إلى مفعول واحد كما نقل أكسبه المالَ من كسب المالَ فكما لا فرق بين كسبته مالاً وأكسبته إياه لا فرق بين درمته ذنباً وأجرمتُه إياه في المعنى إلا أن الأولَ أصحُ وأدور على ألسنة الفصحاءِ وقرأ أبو حيوة مثلَ ما أصاب بالفتح لإضافتِه إلى غيرِ متمكنٍ كقوله ... لم يمنع الشربَ منها غير أن نطَقت ... حمامةٌ في غصون ذاتُ ...
أو قال وهذا وإن كان بحسب الظاهرِ نهياً للشقاق عن كسب إصابةِ العذابِ لكنه في الحقيقة نهيٌ للكفرة عن مشاقّته ﵇ على ألطف أسلوبٍ وأبدعِه كما مر في سورة المائدة عند قولِهِ تعالَى وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ الآية
﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ زماناً أو مكاناً فإن لم تعتبروا بمن قبلَهم من الأمم المعدودةِ فاعتبروا بهم فكأنه إنما غير أسلوبَ التحذيرِ بهم ولم يصرِّح بما أصابهم بل اكتفى بذكر قربِهم إيذاناً بأن ذلك مغنٍ عن ذكره لشهرة كونِه منظوماً في سِمْطِ ما ذُكر من دواهي الأممِ المرقومة أو ليسوا ببعيد منكم في الكفر والمعاصي فلا يبعُد أنْ يُصيبكم مثلُ ما أصابهم وإفرادُ البعيدِ مع تذكيره لأن المراد وما إهلاكُهم على نية المضافِ أو وما هم بشيء بعيد لأن المقصودَ إفادةُ عدم بعدِهم على الإطلاق لا من حيث خصوصيةُ كونِهم قوما أوما هم في زمان بعيد أو مكان بعيد ولا يبعُد أن يكون ذلك لكونه على زنة المصادر كالنهيق والشهيق ولما أنذرهم ﵇ بسوء عاقبة صنيعِهم عقّبه طمعاً في ارعوائهم عما كانوا فيه يعمهون من طغيانهم بالحمل على الاستغفار والتوبة فقال
هود (٩٠ ٩١)
стр. 2642
﴿واستغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ مر تفسيرُ مثله في أول السورة
﴿إِنَّ رَبّى رَحِيمٌ﴾ عظيمُ الرحمة للتائبين
﴿وَدُودٌ﴾ مبالِغٌ في فعل ما يفعل البليغُ المودةَ بمن يودّه من اللطف والإحسانِ وهذا تعليلٌ للأمر بالاستغفار والتوبةِ وحثٌّ عليهما
стр. 2643
﴿قَالُواْ يَا شُعَيْبٌ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مّمَّا تَقُولُ﴾ الفقه معرفة غرضِ المتكلّم من كلامه أي ما نفهم مرادَك وإنما قالوه بعد ما سمعوا منه دلائلَ الحقِّ المبينِ على أحسن وجهٍ وأبلغِه وضاقت عليهم الحيلُ وعيَّت بهم العلل فلم يجدوا إلى محاورته سبيلاً سوى الصدودِ عن منهاج الحقِّ والسلوكِ إلى سبيل الشقاءِ كما هو ديدَنُ المُفحَمِ المحجوجِ يقابل البيناتِ بالسبّ والإبراق والإرعاد فجعلوا كلامَه المشتملَ على فنون الحِكَم والمواعظِ وأنواعِ العلومِ والمعارفِ من قبيلِ ما لا يفهم معناه ولا يُدرك فحواه وأدمجوا في ضمن ذلك أن في تضاعيفه ما يستوجب أقصى ما يكونُ من المؤاخذة والعقاب ولعل ذلك ما فيه من التحذير من عواقب الأممِ السالفة ولذلك قالوا
﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا﴾ فيما بيننا
﴿ضَعِيفاً﴾ لا قوة لك ولا قدرةَ على شيء من الضر والنفعِ والإيقاعِ والدفع
﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ﴾ لولا مراعاةُ جانبِهم لا لولاهم يمانعوننا ويدافعوننا
﴿لرجمناك﴾ فإن ممانعةَ الرهطِ وهو اسمٌ للثلاثة إلى
стр. 2644
السبعة أو إلى العشرة لهم وهم ألوفٌ مؤلفةٌ مما لا يكاد يُتوّهم وقد أيد ذلك بقوله
﴿وما أنت علينا بعزيز﴾ مُكْرمٌ محْترمٌ حتى نمتنع من رجمك وإنما نكفُ عنه للمحافظة على حرمة رهطِك الذين ثبتوا على ديننا ولم يختاروك علينا ولم يتبعوك دوننا وإيلاءُ الضميرِ حرفَ النفي وإن لم يكن الخبرُ فعلياً غيرَ خالٍ عن الدِلالة على رجوع النفي إلى الفاعل دون الفعلِ لا سيما مع قرينة قولِه ولولا رهطُك كأنه قيل وما أنت علينا بعزيز بل رهطُك هم الأعزةُ علينا وحيث كان غرضُهم من عظيمتهم هذه عائداً إلى نفي ما فيه ﵇ من القوة والعزةِ الربّانيّتين حسبما يوجبه كونُه على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ مؤيَّداً من عنده ويقتضيه قضيةُ طلبِ التوفيقِ منه والتوكلِ عليه والإنابةِ إليه وإلى إسقاط ذلك كلِّه عن درجة الاعتدادِ به والاعتبار
стр. 2645
﴿قَالَ﴾ ﵇ في جوابهم
هود (٩٢ ٩٣) ﴿يا قوم أَرَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكُم مّنَ الله﴾ فإن الاستهانةَ بمن لا يَتعزّز إلا به استهانةٌ بجنابه العزيز وإنما أنكر عليهم أعزِّيّةَ رهطِه منه تعالى مع أن ما أثبتوه إنما هو مطلقُ عزةِ رهطِه لا أعزبتهم منه مع الاشتراك في أصل العزةِ لتثنية التقريعِ وتكريرِ التوبيخِ حيث أنكر عليهم أولا ترجيح جنبة الرهطِ على جنبة الله تعالى وثانيا بنفي العزة بالمرة والمعنى أَرَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكُم مّنَ الله فإنه مما لا يكاد يصح والحال إنكم لم تجعلوا له تعالى حظاً من العزة أصلاً
﴿واتخذتموه﴾ بسبب عدم اعتدادِكم بمن لا يرِدُ ولا يصدُر إلا بأمره
﴿وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً﴾ أي شيئاً منبوذاً وراء الظهر منسياً لا يبالى به منسوبٌ إلى الظهر والكسر لتغيير النسب كالإِمسيّ في النسبة إلى الأمس
﴿إِنَّ رَبّى بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ منَ الأعمالِ السَّيئةِ التي من جُملتها عدمُ مراعاتِكم لجانبه
﴿مُحِيطٌ﴾ لا يخفى عليه منها خافيةٌ وإن جعلتموه منسياً فيجازيكم عليها ويحتمل أن يكون الإنكارُ للرد والتكذيب فإنهم لما ادَّعَوا أنهم لا يكفّون عن رجمه ﵇ لقوته وعزّتِه بل لمراعاة جانب رهطِه ردّ عليهم ذلك بأنكم ما قدَّرتم الله حقَّ قدرِه العزيزِ ولم تراعوا جنابَه القويَّ فكيف تراعون جانبَ رهطي الأذلة
стр. 2646
﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا﴾ لما رأى ﵇ إصرارَهم على الكفر وأنهم لا يرعوون عمَّا هُم عليهِ من المعاصي حتى اجترءوا على العظيمة التي هي الاستهانةُ به والعزيمةُ على رجمه لولا حُرمةُ رهطِه قال لهم على طريقة التهديد اعملوا
﴿على مَكَانَتِكُمْ﴾ أي على غاية تمكّنِكم واستطاعتِكم يقال مكُن مكانةً إذا تمكّن أبلغَ التمكّن وإنما قاله ﵇ رداً لما ادَّعَوا أنهم أقوياءُ قادرون على رجمه وأنه ضعيفٌ فيما بينهم لا عزةَ له أو على ناحيتكم وجِهَتكم التي أنتمُ عليها من قولهم مكان ومكانة كمقام ومقامة والمعنى اثبُتوا على ما أنتُم عليهِ من الكفر والمشاقّةِ لي وسائرِ ما أنتم عليه مما لا خير
стр. 2647
فيه وابدلوا جهدكم في مضارتي وإيقاع ما في نيتكم وإخراج ما في أمنيتكم من القوةِ إلى الفعلِ
﴿إِنّى عامل﴾ على مكانتي حسبما يؤيدني الله ويوفقني بأنواع التأييدِ والتوفيق
﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ لما هدّدهم ﵇ بقوله اعمَلوا على مكانتكم إني عاملٌ كان مظِنّةَ أن يسألَ منهم سائلٌ فيقولَ فماذا يكون بعد ذلك فقيل سوف تَعْلَمُونَ
﴿مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ وصَف العذابَ بالإخزاء تعريضاً بما أوعدوه ﵇ به من الرجم فإنه مع كونه عذاباً فيه خِزيٌ ظاهرٌ حيث لا يكون إلا بجناية عظيمةٍ توجبه
﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ عطفٌ على مَنْ يأتيه لا على أنه قسيمُه بل حيث أوعدوه بالرجم وكذبوه قيل سوف تعلمون مَن المعذَّبُ ومن الكاذب وفيه تعريضٌ بكذبهم في ادعائهم القوةَ والقُدرةَ على رجمه ﵇ وفي نسبته إلى الضعف والهوانِ وفي ادعائهم الإبقاءَ عليه لرعاية جانبِ الرهطِ والاختلافُ بين المعطوفَين بالفعلية والاسميةِ لأن كذب الكاذب ليس بمرتقَبٍ كإتيان العذاب بل إنما المرتقَبُ ظهورُ الكذبِ السابق المستمر ومن إما استفهاميةٌ معلِّقةٌ للعلم عن العمل كأنه قيل سوف تعلمون أيُّنا يأتيه عذابٌ يُخزيه وأيُّنا كاذبٌ وإما موصولةٌ أي سوف تعرِفون الذي يأتيه عذابٌ والذي هو كاذب
﴿وارتقبوا﴾ وانتظروا مآلَ ما أقول
﴿إِنّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ منتظرٌ فعيل بمعنى الراقب كالصريم أو المراقب كالعشير أو المرتقب كالرفيع وفي زيادة معكم إظهارٌ منه ﵇ لكمال الوثوق بأمره
هود (٩٤ ٩٥)
стр. 2648
﴿ولما جاء أمرنا﴾ أي عذابُنا كما ينبىء عنه قوله تعالى سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ أو وقتُه فإن الارتقابَ مؤذِنٌ بذلك
﴿نَجَّيْنَا شُعَيْبًا والذين آمنوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا﴾ وهي الإيمانُ الذي وفقناهم له أو بمرحمة كائنةٍ منّا لهم وإنما ذكر بالواو كما في قصة عاد لِما أنه لم يسبِقْه فيها ذكرُ وعدٍ يجري مجرى السببِ المقتضي لدخول الفاءِ في معلوله كما في قصتي صالحٍ ولوط فإنه قد سبق هنالك سابقةُ الوعد بقوله ذلك وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ وقوله إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح
﴿وَأَخَذَتِ الذين ظَلَمُواْ﴾ عدل إليه عن الضمير تسجيلاً عليهم بالظلم وإشعاراً بأن ما أخذهم إنما أخذهم بسبب ظلمِهم الذي فُصّل فيما سبق فنونُه
﴿الصيحة﴾ قيل صاح بهم جبريلُ ﵇ فهلكُوا وفي سورة الأعراف فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة وفي سورة العنكبوت فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة أي الزَّلزلةُ ولعلها من روادف الصيحة المستتبعة لتموج الهواء المفضي إليها كما مر فيما قبل
﴿فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ جاثمين﴾ ميتين لازمين لأماكنهم لا بَراحَ لهم منهَا ولمّا لم يُجعل متعلَّقُ العلمِ في قوله تعالى سَوْفَ تَعْلَمُونَ من يأته عَذَابٌ الخ نفسَ مجيءِ العذابِ بل من يجيئه ذلك جُعل مجيئُه بعد ذلك أمراً مسلَّمَ الوقوعِ غنيا عن الإخبار به حيث جعل شرطاً وجُعل تنجيةُ شعيبٍ ﵇ وإهلاكُ الكفرة جواباً له ومقصودَ الإفادة وإنما قدّم تنجيتُه اهتماماً بشأنها وإيذاناً بسبق الرحمةِ التي هي مقتضى الربوبيةِ على الغضب الذي يظهر أثرُه بموجب جرائرِهم وجرائمهم
стр. 2649
﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ﴾ أي لم يقيموا
стр. 2650
﴿فِيهَا﴾ متصرفين في أطرافها متقلبين في أكنافها
﴿أَلَا بُعْدًا لّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ العدولُ عن الإضمار إلى الإظهار ليكون أدلَّ على طغيانهم الذي أدّاهم إلى هذه المرتبةِ وليكون أنسبَ بمن شُبّه هلاكُهم بهلاكهم أعني ثمود وإنما شُبّه هلاكُهم بهلاكهم لأنهما أُهلكتا بنوع من العذاب وهو الصيحة غير أن هؤلاءِ صيح بهم من فوقهم وأولئك من تحتهم وقرىء بعُدت بالضم على الأصل فإن الكسرَ تغييرٌ لتخصيص معنى البُعد بما يكون سببَ الهلاك والبعدُ مصدرٌ لهما والبُعدُ مصدرٌ للمكسور
هود (٩٦ ٩٧)
стр. 2651
﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا﴾ وهي الآيات التسع المفصلات التي هي العصا واليدُ البيضاءُ والطوفانُ والجَرادُ والقُمّلُ والضفادعُ والدمُ ونقصُ الثمراتِ والأنفس ومنهم من جعلهما آيةً واحدةً وعدّ منها إظلالَ الجبل وليس كذلك فإنه لقبول أحكامِ التوراةِ حين أباه بنو إسرائيلَ والباءُ متعلقةٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من مفعول أرسلنا أو نعتاً لمصدره المؤكّد أي أرسلناه حال كونِه ملتبساً بآياتنا أو أرسلناه إرسالا ملتبسا بها
﴿وسلطان مُّبِينٍ﴾ هو المعجزاتُ الباهرةُ منها أو هو العصا والإفرادُ بالذكر لإظهار شرفِها لكونها أبهرَها أو المرادُ بالآيات ما عداها أو هما عبارتان عن شيء واحد أي أرسلناه بالجامع بين كونِه آياتِنا وبين كونِه سلطاناً له على نبوّته واضحاً في نفسه أو موضّحاً إياها من أبان لازماً ومتعدّياً أو هو الغلبةُ والاستيلاءُ كقوله تعالى وَنَجْعَلُ لَكُمَا سلطانا ويجوز أن يكون المرادُ ما بينَهُ ﵇ في تضاعيف دعوتِه حين قال له فرعونُ مِنْ رَبّكُمَا فَمَا بَالُ القرون الاولى من الحقائق الرائقةِ والدقائقِ اللائقةِ وجعلُه عبارة عن التوراة أو إدراجها في جملة الآيات يردّه قوله عز وجل
стр. 2652
﴿إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ فإن نزولَها إنما كان بعد مهلِك فرعونَ وقومِه قاطبةً ليعمل بها بنو إسرائيلَ فيما يأتُون وما يَذَرُون وأما فرعونُ وقومُه فإنما كانوا مأمورين بعبادة ربِّ العالمين عز سلطانه وترك العظيمةِ الشنعاءِ التي كانَ يدَّعِيها الطاغيةُ ويقبلُها منهُ فئتُه الباغيةُ وبإرسال بني إسرائيلَ من الأسرِ والقسر وتخصيصُ ملئه بالذكر مع عموم رسالتِه ﵇ لقومه كافة لأصالتهم في الرأي وتدبيرِ الأمور واتباعِ غيرِهم لهم في الورود والصدور وإنما لم يصرَّح بكفر فرعونَ بآيات الله تعالى وانهماكه فيما كان عليه من الضلال والإضلال بل اقتصر على ذكر شأن ملئه فقيل
﴿فاتبعوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ أي أمرَه بالكفر بما جاءَ به موسَى ﵇ من الحق المبين للإيذان بوضوح حالِه فكأن كفرَه وأمْرَ ملئِه بذلك أمرٌ محققُ الوجودِ غيرُ محتاجٍ إلى الذكر صريحاً وإنما المحتاجُ إلى ذلك شأن ملئِه المترددين بين هادٍ إلى الحق وداعٍ إلى الضلال فنعى عليهم سوءَ اختيارِهم وإيرادُ الفاء في اتّباعهم المترتبِ على أمر فرعونَ المبنيِّ على كفره المسبوقِ بتبليغ الرسالةِ للإشعار بمفاجأتهم في الاتباع ومسارعةِ فرعونَ إلى الكفر وأمرِهم به فكأن ذلك كلّه لم يتراخَ عن الإرسال والتبليغِ بل وقع جميعُ ذلك في وقت واحد فوقع إثرَ ذلك اتباعُهم ويجوز أن يرادَ بأمر فرعونَ شأنُه المشهورُ وطريقتُه الزائغةُ فيكون معنى فاتبعوا فاستمرّوا على الاتّباع والفاءُ
стр. 2653
مثلُ ما في قولِك وعظتُه فلم يتَّعِظْ وصِحْتُ به فلم ينزجِرْ فإن الإتيانَ بالشيء بعد ورودِ ما يوجب الإقلاعَ عنه وإن كان استمراراً عليه لكنه بحسَب العنوان فعلٌ جديدٌ وصنعٌ حادثٌ فتأمل وتركُ الإضمارِ لدفع توهُّمِ الرجوعِ إلى مُوسى ﵇ من أول الأمرِ ولزيادة تقبيحِ حال المتبعين فإن فرعونَ علَمٌ في الفساد والإفساد والضلالِ والإضلال فاتباعُه لفَرْط الجهالِة وعدمِ الاستبصار وكذا الحالُ في قولِه تعالى
﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ الرُّشدُ ضدُّ الغِيّ وقد يراد به محموديّةُ العاقبةِ فهو على الأول بمعنى المرشد أو ذي الرشد حقيقةٌ لغويةٌ والإسنادُ مجازيٌّ وعلى الثاني مجازٌ والإسناد حقيقي
هود (٩٨ ١٠٠)
стр. 2654
﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ جميعاً من الأشراف وغيرِهم
﴿يَوْمُ القيامة﴾ أي يتقدّمهم من قدَمه بمعنى تقدّمه وهو استئنافٌ لبيان حالِه في الآخرة أي كما كان قدوةً لهم في الضلال كذلك يتقدمهم إلى النار وهم يتبعونه أو لتوضيح عدمِ صلاحِ مآلِ أمرِه وسوءِ عاقبتِه
﴿فَأَوْرَدَهُمُ النار﴾ أي يوردهم وإيثارُ صيغةِ الماضي للدَلالة على تحقيق الوقوعِ لا محالة شُبّه فرعونُ بالفارط الذي يتقدم الواردةَ إلى الماء وأتباعُه بالواردة والنارُ بالماء الذي يرِدُونه ثم قيل
﴿وَبِئْسَ الورد المورود﴾ أي بئس الوردُ الذي يرِدونه النارُ لأن الورد إنما يراد لتسكين العطشِ وتبريدِ الأكباد والنارُ على ضد ذلك
стр. 2655
﴿واتبعوا﴾ أي الملأُ الذين اتّبعوا أمرَ فرعون
﴿فِى هذه﴾ أي في الدنيا
﴿لَّعْنَةُ﴾ عظيمةً حيث يلعنهم مَنْ بعدهم من الأمم إلى يوم القيامة
﴿وَيَوْمَ القيامة﴾ أيضاً حيث يلعنهم أهلُ الموقفِ قاطبةً فهي تابعة لهم حينما ساروا دائرةٌ معهم أينما داروا في الموقف فكما اتّبعوا فرعونَ اتّبعتْهم اللعنةُ في الدارين جزاء وفاقاً واكتُفي ببيان حالِهم الفظيعِ وشأنِهم الشنيعِ عن بيان حالِ فرعونَ إذ حين كان حالُهم هكذا فمَا ظنُّكَ بحالِ من أغوارهم وألقاهم في هذا الضلال البعيد وحيث كان شأنُ الأتباع أن يكونوا أعواناً للمتبوع جُعلت اللعنةُ رِفداً لهم على طريقة التهكّم فقيل
﴿بِئْسَ الرفد المرفود﴾ أي بئس العونُ المُعانُ وقد فُسر الرفدُ بالعطاء ولا يلائمه المقام وأصلُه ما يضاف إلى غيره ليُعمِّده والمخصوصُ بالذم محذوفٌ أي رفدُهم وهي اللعنةُ في الدارين وكونُه مرفوداً من حيث أن كلَّ لعنة منها مُعِيْنةٌ ومُمِدّةٌ لصاحبتها ومؤيدةٌ لها
стр. 2656
﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما قُص من أنباء الأممِ وبعده باعتبار تقضّيه في الذكر والخطابُ لرسول الله ﷺ وهو مبتدأ خبره
﴿من أَنْبَاء القرى﴾ المهلَكة بما جنتْه أيدي أهلِها
﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خبرٌ بعد خبرٍ أي ذلك النبأُ بعضُ أنباءِ القرى مقصوصٌ عليك
﴿مِنْهَا﴾ أي من تلك القرى
﴿قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ أي ومنها حصيد حُذف لدلالة الأولِ عليه شُبّه ما بقيَ منها بالزرع القائمِ على ساقه وما عفا وبطَل بالحصيد والجملةُ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب
стр. 2657
هود الآية (١٠١ ١٠٢ ١٠٣ ١٠٤)
стр. 2658
﴿وَمَا ظلمناهم﴾ بأن أهلكناهم
﴿ولكن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ بأن جعلوها عُرضةً للهلاك باقتراف ما يوجبه
﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ فما نفعتهم ولا دفعتْ بأسَ الله تعالى عنهم
﴿آلهتهم التي يدعون﴾ أي يعبدونها
﴿من دُونِ الله﴾ أُوثر صيغةُ المضارعِ حكايةٌ للحال الماضيةِ أو دِلالةً على استمرار عبادتِهم لها
﴿مِن شَىْء﴾ في موضع المصدر أي شيئا من الإغناء
﴿لَّمَّا جَاء أَمْرُ رَبّكَ﴾ أي حين مجيءِ عذابِه وهو منصوبٌ بأغنت وقرىء آلهتُهم اللاتي ويُدْعَون على البناء للمجهول
﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ أي إهلاك وتخسير فإنهم إنما هلكوا وخسِروا بسبب عبادتِهم لها
стр. 2659
﴿وكذلك﴾ أيْ ومثلَ ذلكَ الأخذِ الذي مر بيانُه وهو رفعٌ على الابتداء وخبرُه قوله
﴿أَخْذُ رَبّكَ﴾ وقرىء أخذَ ربُّك فمحلُّ الكاف النصبُ على أنَّه مصدرٌ مؤكد
﴿إِذَا أَخَذَ القرى﴾ أي أهلَها وإنما أُسند إليها للإشعار بَسَريان أثرِه إليها حسبما ذُكر وقرىء إذْ أخذ
﴿وَهِىَ ظالمة﴾ حالٌ من القرى وهي في الحقيقة لأهلها لكنها لما أُقيمت مُقامَهم في الأخذ أُجريت الحالُ عليها وفائدتُها الإشعارُ بأنهم إنما أُخذوا بظلمهم ليكون ذلك عبرةً لكل ظالم
﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وجيع صعب على المأخوذ لا يرجى منه الخلاص وفيه ما لا يَخفْى من التهديد والتحذير
стр. 2660
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي في أخذه تعالى للأمم المهلكة أو في قصصهم
﴿لآيَةً﴾ لعبرةً
﴿لّمَنْ خَافَ عَذَابَ الاخرة﴾ فإنه المعتبرُ به حيث يُستدل بما حاق بهم من العذاب الشديد بسببِ ما عمِلوا من السيئات على أحوال عذابِ الآخرة وأما من أنكر الآخرةَ وأحال فناءَ العالم وزعم أن ليس هو ولا شيءٌ من أحواله مستنداً إلى الفاعل المختارِ وأن ما يقع فيه من الحوادث فإنما يقع لأسباب تقتضيه من أوضاع فلكيةٍ تتفق في بعض الأوقاتِ لا لما ذُكر من المعاصي التي يقترفها الأممُ الهالكة فهو بمعزل من هذا الاعتبارِ تباً لهم ولما لهم من الأفكار
﴿ذلك﴾ إشارةٌ إلى يوم القيامةِ المدلول عليه بذكر الآخرة
﴿يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس﴾ أي يجمع لَّهُ الناس للمحاسبة والجزاءِ والتغييرُ للدلالة على ثبات معنى الجمعِ وتحقق وقوعِه لا محالة وعدم انفكاك الناس عنه فهو أبلغ من قولِه تعالى يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الجمع
﴿وَذَلِكَ﴾ أي يومُ القيامة مع ملاحظة عنوانِ جمعِ الناس له
﴿يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ أي مشهود فيه حيث يشهد فيه أهلُ السموات والأرضين فاتسع فيه بإجراء الظفر مُجرى المفعولِ به كما في قوله ... في محفل من نواصي الناس مشهود ...
أي كثيرٌ شاهدوه ولو جُعل نفسُ اليوم مشهوداً لفات ما هو الغرضُ من تعظيم اليومِ وتهويلِه وتمييزِه عن غيره فإن سائرَ الأيام أيضاً كذلك
стр. 2661
﴿وَمَا نُؤَخّرُهُ﴾
стр. 2662
أي ذلك اليومَ الملحوظَ بعُنوانيْ الجمعِ والشهود
﴿إِلَاّ لاِجَلٍ مَّعْدُودٍ﴾ إلا لانقضاء مدةٍ قليلةٍ مضروبةٍ حسبما تقتضيه الحكمة
هود (١٠٥ ١٠٧)
стр. 2663
﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ أي حين يأتي ذلك اليومُ المؤخَّرُ بانقضاء أجلِه كقوله تعالى أن تَأْتِيَهُمُ الساعة وقيل يومَ يأتي الجزاءُ الواقعُ فيه وقيل أي الله فإن المقام مقامُ تفخيمِ شأنِ اليوم وقرىء بإثبات الياء على الأصل
﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ أي لا تتكلم بما ينفع وينجّي من جواب أو شفاعةٍ وهو العاملُ في الظرف أو الانتهاء المحذوفِ في قوله تعالى إِلَاّ لاِجَلٍ مَّعْدُودٍ أي ينتهي الأجل يوم يأتي أو المضمر المعهود أعني أذكر ﴿إِلَاّ بِإِذْنِهِ﴾ عز سلطانه في التكلم كقوله تعالى لَاّ يَتَكَلَّمُونَ إِلَاّ مَنْ أذِن لَهُ الرحمن وهذا في موطن من مواطنِ ذلك اليوم وقوله هذا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ في موقف آخرَ من مواقفه كما أن قولَه سبحانه يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تجادل عَن نَّفْسِهَا في آخرَ منها أو المأذونُ فيه الجواباتُ الحقةُ والممنوعُ عنه الأعذار الباطلةُ نعم قد يُؤذن فيها أيضاً لإظهار بطلانِها كما في قول الكفرة والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ونظائرِه
﴿فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ﴾ وجبت له النارُ بموجب الوعيد
﴿وَسَعِيدٌ﴾ أي ومنهم سعيدٌ حُذف الخبرُ لِدلالة الأولِ عليه وهو من وجبت له الجنة بمتضى الوعد والضميرُ لأهل الموقفِ المدلولِ عليهم بقوله لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ أو للناس وتقديمُ الشقيِّ على السعيد لأن المقام مقام التحذير والإنذار
стр. 2664
﴿فَأَمَّا الذين شَقُواْ﴾ أي سبَقَت لهم الشقاوةُ
﴿فَفِى النار﴾ أي مستقرّون فيها
﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ الزفيرُ إخراجُ النفَسِ والشهيقُ رده واستعمالهما في أول النهيق وآخرِه قال الشماخ يصف حمارَ الوحش ... بعيدُ مدى التطريب أولُ صوتِه ... زفيرٌ ويتلوه شهيقٌ مُحشرَجُ ...
والمرادُ بهما وصفُ شدةِ كربِهم وتشبيهُ حالِهم بحال من استولت على قلبه الحرارةُ وانحصر فيه روحُه أو تشبيهُ صراخِهم بأصواتِ الحميرِ وقرىء شقوا بالضم والجملةُ مستأنفةٌ كأن سائلاً قال ما شأنُهم فيها فقيل لهم فيها كذا وكذا أو منصوبةُ المحلِّ على الحالية من النار أو من الضميرِ في الجار والمجرور كقوله عز اسمُه
стр. 2665
﴿خالدين فِيهَا﴾ خلا أنَّه إنْ أُريد حدوثُ كونِهم في النار فالحالُ مقدرةٌ
﴿ما دامت السماوات والأرض﴾ أي مدة دوامهما وهذا التوقيتُ عبارةٌ عن التأييد ونفيِ الانقطاع بناءً على منهاج قولِ العرب ما دام تعار وما أقام ثَبيرٌ وما لاح كوكب وما اختلف الليلُ والنهار وما طما البحرُ وغيرُ ذلك من كلمات التأبيد لا تعليقِ قرارِهم فيها بدوام هذه السمواتِ والأرض فإن النصوصَ القاطعةَ دالةٌ على تأبيد قرارِهم فيها وانقطاعِ دوامِهما وإن أريد التعليقُ فالمراد سمواتُ الآخرة وأرضُها كما يدل على ذلك النصوصُ كقوله تعالى يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غير الأرض والسموات وقوله تعالى وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء وجزم كلُّ أحدٍ بأن أهلَ الآخرةِ
следующие страницы →