← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

﴿وَمَا نُؤَخّرُهُ﴾

стр. 2662

أي ذلك اليومَ الملحوظَ بعُنوانيْ الجمعِ والشهود ﴿إِلَاّ لاِجَلٍ مَّعْدُودٍ﴾ إلا لانقضاء مدةٍ قليلةٍ مضروبةٍ حسبما تقتضيه الحكمة هود (١٠٥ ١٠٧)

стр. 2663

﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ أي حين يأتي ذلك اليومُ المؤخَّرُ بانقضاء أجلِه كقوله تعالى أن تَأْتِيَهُمُ الساعة وقيل يومَ يأتي الجزاءُ الواقعُ فيه وقيل أي الله فإن المقام مقامُ تفخيمِ شأنِ اليوم وقرىء بإثبات الياء على الأصل ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ أي لا تتكلم بما ينفع وينجّي من جواب أو شفاعةٍ وهو العاملُ في الظرف أو الانتهاء المحذوفِ في قوله تعالى إِلَاّ لاِجَلٍ مَّعْدُودٍ أي ينتهي الأجل يوم يأتي أو المضمر المعهود أعني أذكر ﴿إِلَاّ بِإِذْنِهِ﴾ عز سلطانه في التكلم كقوله تعالى لَاّ يَتَكَلَّمُونَ إِلَاّ مَنْ أذِن لَهُ الرحمن وهذا في موطن من مواطنِ ذلك اليوم وقوله هذا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ في موقف آخرَ من مواقفه كما أن قولَه سبحانه يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تجادل عَن نَّفْسِهَا في آخرَ منها أو المأذونُ فيه الجواباتُ الحقةُ والممنوعُ عنه الأعذار الباطلةُ نعم قد يُؤذن فيها أيضاً لإظهار بطلانِها كما في قول الكفرة والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ونظائرِه ﴿فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ﴾ وجبت له النارُ بموجب الوعيد ﴿وَسَعِيدٌ﴾ أي ومنهم سعيدٌ حُذف الخبرُ لِدلالة الأولِ عليه وهو من وجبت له الجنة بمتضى الوعد والضميرُ لأهل الموقفِ المدلولِ عليهم بقوله لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ أو للناس وتقديمُ الشقيِّ على السعيد لأن المقام مقام التحذير والإنذار

стр. 2664

﴿فَأَمَّا الذين شَقُواْ﴾ أي سبَقَت لهم الشقاوةُ ﴿فَفِى النار﴾ أي مستقرّون فيها ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ الزفيرُ إخراجُ النفَسِ والشهيقُ رده واستعمالهما في أول النهيق وآخرِه قال الشماخ يصف حمارَ الوحش ... بعيدُ مدى التطريب أولُ صوتِه ... زفيرٌ ويتلوه شهيقٌ مُحشرَجُ ... والمرادُ بهما وصفُ شدةِ كربِهم وتشبيهُ حالِهم بحال من استولت على قلبه الحرارةُ وانحصر فيه روحُه أو تشبيهُ صراخِهم بأصواتِ الحميرِ وقرىء شقوا بالضم والجملةُ مستأنفةٌ كأن سائلاً قال ما شأنُهم فيها فقيل لهم فيها كذا وكذا أو منصوبةُ المحلِّ على الحالية من النار أو من الضميرِ في الجار والمجرور كقوله عز اسمُه

стр. 2665

﴿خالدين فِيهَا﴾ خلا أنَّه إنْ أُريد حدوثُ كونِهم في النار فالحالُ مقدرةٌ ﴿ما دامت السماوات والأرض﴾ أي مدة دوامهما وهذا التوقيتُ عبارةٌ عن التأييد ونفيِ الانقطاع بناءً على منهاج قولِ العرب ما دام تعار وما أقام ثَبيرٌ وما لاح كوكب وما اختلف الليلُ والنهار وما طما البحرُ وغيرُ ذلك من كلمات التأبيد لا تعليقِ قرارِهم فيها بدوام هذه السمواتِ والأرض فإن النصوصَ القاطعةَ دالةٌ على تأبيد قرارِهم فيها وانقطاعِ دوامِهما وإن أريد التعليقُ فالمراد سمواتُ الآخرة وأرضُها كما يدل على ذلك النصوصُ كقوله تعالى يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غير الأرض والسموات وقوله تعالى وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء وجزم كلُّ أحدٍ بأن أهلَ الآخرةِ

стр. 2666

لا بد لهم من مِظلّة ومِقلّة دائمتين يكفي في تعليقي دوامِ قرارِهم فيها بدوامهما ولا حاجة إلى الوقوف على تفاصيل أحوالِهما وكيفياتهما ﴿إِلَاّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾ استثناءٌ من الخلود على طريقة قوله تعالى لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلَاّ الموتة الاولى وقوله وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آباؤكم مّنَ النساء إِلَاّ مَا قَدْ سَلَفَ وقولِه تعالى حتى يَلِجَ الجمل فِى سَمّ الخياط غير أن استحالة الأمورِ المذكورةِ معلومةٌ بحكم العقلِ واستحالةَ تعلّق المشيئةِ بعدم الخلودِ معلومةٌ بحكم النقل يعني أنهم مستقرّون في النار في جميع الأزمنةِ إلا في زمان مشيئةِ الله تعالى لعدم قرارِهم فيها وإذ لا إمكان لتلك المشيئةِ ولا لزمانها بحكم النصوصِ القاطعة الموجبةِ للخلود فلا إمكانَ لانتهاء مدةِ قرارِهم فيها ولدفع ما عسى يُتوهَّمُ من كون استحالةِ تعلق مشيئة الله تعالى بعدم الخلود بطريق الوجوبِ على الله تعالى قال ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ﴾ يعني أنه في تخليد الأشقياءِ في النار بحيث يستحيل وقوعُ خلافةِ فعالٌ بموجب إرادته قاضٍ بمقتضى مشيئتِه الجارية على سنن حكمته الداعيةِ إلى ترتيب الأجزيةِ على أفعال العبادِ والعدولُ من الإضمار إلى الإظهار لتربية المهابةِ وزيادةِ التقريرِ وقيل هو استثناءُ من الخلود في عذاب النار فإنهم لا يخلّدون فيه بل يعذبون بالزمهرير وبأنواع أُخَرَ من العذاب وبما هو أغلظُ منها كلِّها وهو سَخَطُ الله تعالى عليهم وخَسْؤه لهم وإهانتُه إياهم وأنت تدري أنا وإن سلّمنا أن المرادَ بالنار ليس مطل قدار العذاب المشتملةِ على أنواع العذابِ بل نفسَ النار فما خلا عذابَ الزمهريرِ من تلك الأنواعِ مقارِنٌ لعذاب النار فلا مِصداقَ في ذلك للاستثناء ولك أن تقول إنهم ليسوا بمخلدين في العذاب الجُسماني الذي هو عذابُ النار بل لهم من أفانين العذاب ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وهي العقوباتُ والآلامُ الروحانية التي لا يقف عليها فِى هذه الحياةِ الدنيا المنغمِسون في أحكام الطبيعةِ المقصورُ إدراكُهم على ما ألِفوا من الأحوال الجُسمانية وليس لهم استعدادٌ لتلقّي ما رواء ذلك من الأحوال الروحانيةِ إذا ألقيَ إليهم ولذلك لم يتعرّض لبيانه واكتُفي بهذه المرتبةِ الإجماليةِ المنبئةِ عن التهويل وهذه العقوباتُ وإن كان تعتريهم وهم في النار لكنهم ينسَوْن بها عذابَ النارِ ولا يُحِسّون به وهذه المرتبةُ كافيةٌ في تحقيق معنى الاستثناءِ هذا وقد قيل إلا بمعنى سوى وهو أوفقُ بما ذكر وقيلَ ما بمعنَى مَنْ على إرادة معنى الوصفيةِ فالمعنى إن الذين شقُوا في النار مقدرين الخلود فيها إلا الذين شاء الله عدم خلودِهم فيها وهم عصاةُ المؤمنين سورة هود (١٠٨)

стр. 2667

﴿وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ فَفِى الجنة خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والارض﴾ الكلامُ فيه كالكلام فيما سبق خلَا أنَّه لم يذكُر ههنا أن لهم فيها بهجةً وسروراً كما ذكر في أهل النارِ من أنه لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ لأن المقام مقام التحذير والإنذار ﴿إِلَاّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾ إنْ حمل على طريقة التعليقِ بالمُحال فقوله سبحانه ﴿عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ نصب على المصدرية من معنى الجملة لأن قوله تعالى فَفِى الجنة خالدين فِيهَا يقتضي إعطاءً وإنعاماً فكأنه قيل يعطيهم عطاءً وهو إما اسمُ مصدرٍ هو الإعطاءُ أو مصدرٌ بحذف الزوائدِ كقوله تعالى أنبتكم

стр. 2668

هود الآية (١٠٩ ١١٠) من الارض نباتا وإن حُمل على ما أعد الله لعباده الصالحين من النعيم الروحاني الذي عبّر عنه بما لا عينٌ رأتْ ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فهو نصبٌ على الحالية من المفعول المقدر للمشيئة أو تمييزٌ فإن نسبةَ مشيئةِ الخروج إلى الله تعالى يحتمل أن تكون على جهة عطاءٍ مجذوذ وعلى جهة عطاءٍ غيرِ مجذوذ فهو رافعٌ للإبهام عن النسبة قال ابن زيد أخبرنا الله تعالى بالذي يشاء لأهل الجنةِ فقال عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ ولم يُخبرنا بالذي يشاء لأهل النارِ ويجوز أن يتعلق بكلا النعيمين أو بالأول دفعاً لما يتوهم من ظاهر الاستثناءِ من انقطاعه

стр. 2669

﴿فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ﴾ أي في شك والفاءُ لترتيبِ النهْيِ على ما قُصّ من القصص وبُيّن في تضاعيفها من العواقب الدنيوية والأخروية ﴿مّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاء﴾ أي من جهة عبادةِ هؤلاء المشركين وسوءِ عاقبتها أو من حال ما يعبُدونه من الأوثان في عدم نفعِه لهم ولمّا كان مَساقُ النظمِ الكريم قبيل الشروعِ في القصص لبيان غايةِ سوءِ حالِ الكفرةِ وكمالِ حسنِ حال المؤمنين وقد ضُرب لهم مثلُ فقيل مَثَلُ الفريقين كالاعمى والاصم والبصير والسميع هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلَا تَذَكَّرُونَ وقد قُص عَقيبَ ذلك من أنباء الأممِ السالفة مع رسلهم المبعوثةِ إليهم ما يتذكر به المتذكِّرُ نُهي رسولُ الله ﷺ عن كونه في شك من مصير أمرِ هؤلاءِ المشركين في العاجل والآجلِ ثم علل ذلك بطريق الاستئناف فقيل ﴿مَا يَعْبُدُونَ إلا كما يعبد آباؤهم﴾ الذين قُصّت عليك قصصُهم ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي هم وآباؤُهم سواءٌ في الشرك ما يعبدون عبادةً إلا كعبادتهم أو ما يعبدون شيئاً إلا مثلَ ما عبدوه من الأوثان والعدولُ إلى صيغة المضارعِ لحكايةِ الحالِ الماضيةِ لاستحضار صورتها أو مثلَ ما كانوا يعبدونه فحُذف كان لِدلالة قولهِ من قبل عليه ولقد بلغك ما لحق بآبائهم فسيلحقهم مثلُ ذلك فإن تماثلَ الأسبابِ يقتضي تماثل المسبَّبات ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ﴾ أي هؤلاء الكفرة ﴿نَصِيبَهُمْ﴾ أي حظَّهم المعيَّنَ لهم حسن جرائمِهم وجرائرِهم من العذاب عاجلاً وآجلاً كما وفّينا آباءَهم أنصباءَهم المقدّرة لهم أو من الرزق المقسومِ لهم فيكون بياناً لوجه تأخُّرِ العذاب عنهم مع تحقُّق ما يُوجبه ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ حالٌ مؤكدة من النصيب كقوله تعالى ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ وفائدتُه دفعُ توهّم التجوّزِ وجعلُها مقيدةً له لدفع احتمالِ كونِه منقوصاً في حد نفسه مبنيٌّ على الذهول عن كون العاملِ هو التوفيةَ فتأمل

стр. 2670

﴿ولقد آتينا موسى الكتاب﴾ أي التوراة ﴿فاختلف فِيهِ﴾ أي في شأنه وكونِه من عند الله تعالى فآمن به قومٌ وكفر به آخرون فلا تبالِ باختلاف قومِك فيما آتيناك من القرآن وقولِهم لَوْلَا أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ وزعمِهم أنك افتريتَه ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ﴾

стр. 2671

وهي كلمةُ القضاءِ بإنظارهم إلى يوم القيامةِ على حسب الحِكمةِ الداعيةِ إلى ذلك ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي لأوقع القضاءَ بين المختلفين من قومك بإنزال العذابِ الذي يستحقه المبطِلون ليتميّزوا به عن المُحِقّين وقيل بين قوم موسى وليس بذاك ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أي وإن كفارَ قومِك أريد به بعضُ من رجع إليهم ضميرُ بينهم للأمن من الإلباس

стр. 2672

﴿لَفِى شَكّ﴾ عظيم ﴿مِنْهُ﴾ أي من القرآن وإن لم يجْرِ له ذكر فإن ذكرَ إيتاءِ كتابِ موسى ووقوعِ الاختلافِ فيه لا سيما بصدد التسليةِ ينادي به نداءً غيرَ خفي ﴿مُرِيبٍ﴾ مُوقِع في الريبة ﴿وَإِنَّ كُلاًّ﴾ التنوينُ عوضٌ عن المضافِ إليهِ أي وإن كلَّ المختلِفين فيه المؤمنين منهم والكافرين وقرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر بالتخفيف مع الإعمال اعتباراً للأصل ﴿لَّمَّا لَيُوَفّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي أجزيةَ أعمالِهم واللامُ الأولى موطئةٌ للقسمِ والثانيةُ جوابٌ للقسم المحذوف ولما مركبةٌ مِنْ الجارة وما الموصولة أو الموصوفة وأصلها لمِن فقلبت النون مميا للإدغام فاجتمع ثلاث ميماتٍ فحُذفت أولاهن والمعنى لَمِن الذي أو لمِنْ خلْقٍ أو لمن فريقٍ والله ليوفينهم ربك وقُرىء لما بالتَّخفيفِ على أن ما مزيدةٌ للفصل بين اللامين والمعنى وإن جميعَهم والله ليوفينهم الآية وقرىء لمًّا بالتنوين أي جميعاً كقوله سبحانه أَكْلاً لَّمّاً وقرأ أبي وإنْ كلٌّ لمّا ليوفينهم على أن أن نافيةٌ ولَمَّا بمَعْنى إلَاّ وقد قرىء به ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي بما يعمله كلُّ فردٍ من المختلفين من الخير والشر ﴿خَبِيرٌ﴾ بحيثُ لا يخفى عليه شيء من جلائله ودقائقه وهو تعليلٌ لما سبق من توفية أجزيةِ أعمالِهم فإن الإحاطةَ بتفاصيل أعمالِ الفريقين وما يستوجبه كلُّ عمل بمقتضى الحكمةِ من الجزاء المخصوصِ توجب توفيةَ كلَّ ذِي حقٍ حقَّه إنْ خيراً فخيرٌ وإنْ شراً فشر

стр. 2673

﴿فاستقم كَمَا أُمِرْتَ﴾ لما بيّن في تضاعيف القصص المَحْكية عن الأمم الماضيةِ سوءُ عاقبة الكفرِ وعصيانِ الرسل وأُشير إلى أن حالَ هؤلاء الكفرةِ في الكفر والضلالِ واستحقاق العذابِ مثلُ أولئك المعذبين وأن نصيبَهم من العذاب واصلٌ إليهم من غير نقص وأن تكذيبَهم للقرآن مثلُ تكذيبِ قوم موسى ﵇ للتوراة وأنه لو لم تسبِقْ كلمةُ القضاءِ بتأخير عقوبتِهم العامةِ ومؤاخذتِهم التامّةِ إلى يوم القيامة لفُعل بهم ما فُعل بآبائهم من قبلُ وأنهم يُوفَّوْن نصيبَهم غيرَ منقوص وأن كل واحدٍ من المؤمنين والكافرين يوفى جزاءَ عملِه أُمر رسولُ الله ﷺ بالاستقامة كما أمر به في العقائد والأعمالِ المشتركة بينه وبين سائِر المؤمنين ولا سيما الأعمالُ الخاصةُ به ﵇ من تبليغ الأحكامِ الشرعية والقيامِ بوظائف النبوةِ وتحمّل أعباءِ الرسالةِ بحيث يدخُل تحته ما أمر به فيما سبقَ من قولِه تعالى فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ الآية وبالجملة فهذا الأمرُ منتظمٌ لجميع محاسنِ الأحكامِ الأصليةِ والفرعية والكمالاتِ النظريةِ والعملية والخروجُ من عُهدته في غايةِ ما يكونُ من الصعوبة ولذلك قال رسول الله ﷺ شيبتْني سورةُ هود ﴿وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾ أي تاب من الشرك والكفرِ وشاركك في الإيمان وهو المعنيُّ بالمعية وهو معطوفٌ على

стр. 2674

هود الآية (١١٣ ١١٤) المستكنّ في قوله فاستقم وحسُن من غير تأكيدٍ لمكان الفاصل القائمِ مَقامَه وفي الحقيقة هو مِن عطف الجملةِ على الجملة إذ المعنى وليستقم مَنْ تاب معك وقيلَ هو منصوبٌ على أنه مفعولٌ معه كما قاله أبو البقاء والمعنى استقم مصاحباً لمن تاب معك ﴿وَلَا تَطْغَوْاْ﴾ ولا تنحرفوا عما حُدّ لكم بإفراط أو تفريط فإن كلا طرف قصدِ الأمور ذميمٌ وإنما سُمّي ذلك طغياناً وهو تجاوزُ الحدِّ تغليظاً أو تغليباً لحال سائرِ المؤمنين على حاله ﵇ ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيجازيكُم على ذلك وهو تعليلٌ للأمر والنهي وفي الآيةِ دِلالةٌ على وجوب اتباعِ المنصوص عليه من غير انحرافٍ بمجرد الرأي فإنه طغيانٌ وضلالٌ وأما العملُ بمقتضى الاجتهادِ التابعِ لعلل النصوصِ فذلك من باب الاستقامةِ كما أمر على موجب النصوصِ الآمرةِ بالاجتهاد

стр. 2675

﴿وَلَا تَرْكَنُواْ﴾ أي لا تميلوا أدنى ميلٍ ﴿إِلَى الذين ظَلَمُواْ﴾ أي إلى الذين وُجد منهم الظلمُ في الجملة ومدارُ النهي هوالظلم والجمعُ باعتبار جمعيةِ المخاطَبين وما قيل من أن ذلك للمبالغة في النهي من حيث إن كونهم جماعةً مظِنةُ الرخصةِ في مداهنتهم إنما يتم أن لو كان المرادُ النهيَ عن الركون إليهم من حيث أنهم جماعةٌ وليس كذلك ﴿فَتَمَسَّكُمُ﴾ بسبب ذلك ﴿النار﴾ وإذا كان حالُ الميل في الجملة إلى من وجد منه ظلم ما في الإفضاء إلى مِساس النارِ هكذا فما ظنك بمن يمل إلى الراسخين في الظلم والعُدوان ميلاً عظيماً ويتهالك على مصاحبتهم ومنادمتِهم ويُلقي شراشِرَه على مؤانستهم ومعاشرتهم ويبتهج بالتزيّي بزِيّهم ويمُدّ عينيه إلى زهرتهم الفانية ويغبِطُهم بما أوتوا من القطوف الدانية وهو في الحقيقة من الحبة طفيف ومن جناح البعوض خفيف بمعزل عن أن تميل إليه القلوب ضعُف الطالبُ والمطلوب والآيةُ أبلغُ ما يتصور في النهْي عن الظلم والتهديدِ عليه وخطابُ رسول الله ﷺ وَمَنْ مَعَهُ من المؤمنينَ للتثبيت على الاستقامة التي هي العدلُ فإن الميلَ إلى أحد طرفي الإفراطِ والتفريطِ ظلمٌ على نفسه أو على غيره وقرىء تركنوا على لغة تميم وتُركَنوا على صيغة البناء للمفعول من أركنه ﴿وَمَا لَكُم من دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَاء﴾ أي من أنصار يُنقِذونكم من النار والجملة نصب على الحالية من قوله فتمسكم النار ونفيُ الأولياءِ ليس بطريق نفي أن يكون لكل واحدٍ منهم أولياءُ حتى يصدُقَ أن يكون له وليٌّ بل لمكان لكم بطريق انقسامِ الآحادِ على الآحاد لكنْ لا على مَعْنى نفي استقلالِ كلَ منهم بنصير بل على معنى نفيِ أن يكون لواحد منهم نصيرٌ بقرينة المقام ﴿ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ من جهة الله سبحانه إذ قد سبق في حكمه أن يعذبَكم بركونكم إليهم ولا يُبقيَ عليكم وثم لتراخي رتبةِ كونِهم غيرَ منصورين من جهة الله بعد ما أوعدهم بالعذاب وأوجبه عليهم ويجوز أن يكون منزلاً منزلة الفاءِ بمعنى الاستبعادِ فإنه لما بيّن أن الله تعالى معذبُهم وأن غيرَه لا ينقذهم أنتج أنهم لا يُنصرون أصلاً

стр. 2676

﴿وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار﴾ أي غدوةً وعشيةً وانتصابُه على الظرفيه لكونه مضافاً إلى الوقت ﴿وَزُلَفاً مِّنَ الليل﴾ أي ساعاتٍ منه قريبةً من النهار فإنه مِنْ أزلفه إذا قرّبه جمع زُلفة عطفٌ على طرفي النهار والمرادُ بصلاتهما صلاةُ

стр. 2677

هود الآية (١١٥ ١١٦) الغداة والعصرِ وقيل الظُهر موضعَ العصر لأن ما بعد الزوال عشيٌّ وبصلاة الزُلَف المغربُ والعشاء وقرىء زُلُفاً بضمتين وضمة وسكون كبُسْر وبُسُر وزُلفى بمعنى زُلفة كقربى بمعنى قربة ﴿إِنَّ الحسنات﴾ التي من جملتها بل عُمدتُها ما أُمرت به من الصلوات ﴿يُذْهِبْنَ السيئات﴾ التي قلما يخلو منها البشر أي يكفرنها وفي الحديث إن الصلاة إلى الصلاة كفارةٌ لما بينهما ما اجتنب الكبائر وقيل نزلتْ في أبي اليَسَر الأنصاريِّ إذ قبّل امرأةً ثم ندِم فأتى رسول الله ﷺ فأخبره بما فعل فقال ﷺ أنتظرُ أمرَ ربي فلما صلى صلاةَ العصر نزلت قال ﷺ نعم اذهب فإنها كفارةٌ لما عمِلْت أو يمنعْن من اقترافها كقوله تعالى إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عن الفحشاء والمنكر ﴿ذلك﴾ إشارةٌ إلى قوله تعالى فاستقم فما بعده وقيل إلى القرآن ﴿ذكرى للذاكرين﴾ أي عظةٌ للمتعظين

стр. 2678

﴿واصبر﴾ على مشاقّ ما أُمِرْت به في تضاعيف الأوامرِ السابقةِ وأما ما نُهيَ عنه من الطغيان والركون إلى الذين ظلموا فليس في الانتهاء عنه مشقةٌ فلا وجهَ لتعميم الصبرِ له اللهم إلا أن يُراد به ما لا يمكن عادة خلوُّ البشرِ عنه من أدنى ميلٍ بحكم الطبيعةِ عن الاستقامة المأمورِ بها ومن يسير ميلٍ بحكم البشرية إلى من وجد منه ظلمٌ ما فإن في الاحتراز عن أمثاله من المشقة ما لا يَخْفى ﴿فَإِنَّ الله لَا يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين﴾ أي يوفيهم أجورَ أعمالهم من غير بخسٍ أصلاً وإنما عبِّر عن ذلك بنفي الإضاعةِ مع أن عدمَ إعطاءِ الأجرِ ليس بإضاعةٍ حقيقةً كيف لا والأعمالُ غيرُ موجبةٍ للثواب حتى يلزَم من تخلفه عنها ضياعُها لبيانِ كمالِ نزاهتِه تعالَى عنْ ذلكَ بتصويرِه بصورةِ ما يمتنع صدورُه عنْهُ سبحانَهُ منَ القبائح وإبرازِ الإثابةِ في معرِض الأمورِ الواجبةِ عليه وإنما عدل عن الضمير ليكون كالبرهان على المقصود مع إفادة فائدةٍ عامةٍ لكل من يتصف به وهو تعليلٌ للأمر بالصبر وفيه إيماءٌ إلى أن الصبرَ على ما ذكر من باب الإحسان

стр. 2679

﴿فَلَوْلَا كَانَ﴾ فهلا كان ﴿مّنَ القرون﴾ الكائنةِ ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ على رأي من جوز حذف الموصول مع بعض صلتِه أو كائنةً من قبلكم ﴿أولوا بَقِيَّةٍ﴾ من الرأي والعقلِ أو أولوا فضلٍ وخير وسُمّيا بها لأن الرجلَ إنما يستبقي مما يخرجه عادة أجودَه وأفضلَه فصار مثلاً في الجودة والفضلِ ويقال فلان من بقيةِ القومِ أي من خيارِهم ومنه ما قيل في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا ويجوز أن تكون البقيةُ بمعنى البقوى كالتقية من التقوى أي فهلا كان منهم ذوو إبقاءٍ على أنفسهم وصيانةٍ لها من سخط الله تعالى وعقابه ويؤيده أنه قرىء أولو بقْيةٍ وهي المرّةُ من مصدر بقاه يَبقيه إذا راقبه وانتظره أي أولو مراقبةِ وخشيةٍ من عذابِ الله تعالى كأنهم ينتظرون نزولَه لإشفاقهم ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفساد فِى الارض﴾ الواقعِ منهم حسب ما حكى عنه ﴿إلا قليلا ممن أنجينا مِنْهُمْ﴾ استثناءٌ منقطعٌ أي لكِنْ قليلاً منهم أنجيناهم لكونهم على تلك الصفةِ على أن من للبيان لا للتبعيض لأن جميعَ الناجين ناهون ولا صحة للاتصال على ظاهر الكلامِ

стр. 2680

هود الآية (١١٧) لأنه يكون تحضيضاً لأولي البقية على النهي المذكورِ إلا للقليل من الناجين منهم كما إذا قلت هلاّ قرأ قومُك القرآن إلا الصلحاءَ منهم مريداً لاستثناء الصلحاءِ من المُحضَّضين على القراءة نعم يصح ذلك إن جعل استثناءً من النفي اللازمِ للتحضيض فكأنه قيل ما كان من القرون أولو بقيةٍ إلا قليلاً منهم لكنَّ الرفعَ هو الأفصحُ حينئذ على البدلية ﴿واتبع الذين ظَلَمُواْ﴾ بمباشرة الفسادِ وتركِ النهي عنه ﴿مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ﴾ أي أُنعموا من الشهوات واهتموا بتحصيلها أما المباشرون فظاهرٌ وأما المساهلون فلِما لهم في ذلك من نيل حظوظِهم الفاسدة وقيل المرادُ بهم تاركو النهي وأنت خبيرٌ بأنه يلزم منه عدمُ دخولِ مباشري الفسادِ في الظلم والإجرام عبارةً ﴿وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ أي كافرين فهو بيانٌ لسبب استئصالِ الأمم المُهلَكة وهو فشوُّ الظلمِ واتباعُ الهوى فيهم وشيوعُ ترك النهي عن المنكرات مع الكفر وقوله واتّبع عطفٌ على مضمر دل عليه الكلامُ أي لم ينهَوا واتبع الخ فيكون العدولُ إلى المظهر لإدراج المباشرين معهم في الحكم والتسجيلِ عليهم بالظلم وللإشعار بعلية ذلك لما حاق بهم من العذاب أو على استئنافٍ يترتب على قوله إِلَاّ قَلِيلاً أي إلا قليلا ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد واتبع الذين ظلموا من مباشري الفساد وتاركي النهي عنه فيكون الإظهارُ مقتضى الظاهِرِ وقوله وكانوا مجرمين عطفٌ على أترفوا أي اتبعوا الإتراف وكونُهم مجرمين لأن تابعَ الشهواتِ مغمورٌ بالآثام أو أريد بالإجرام إغفالُهم للشكر أو على اتبع أي اتبعوا شهواتِهم وكانوا بذلك الاتباعِ مجرمين ويجوز أن يكون اعتراضاً وتسجيلاً عليهم بأنهم قومٌ مجرمون وقرىء وأُتْبع أي أُتبعوا جزاءَ ما أُترفوا فتكون الواو للحال ويجوز أن يُفسَّر به المشهورةُ ويعضُده تقدم الإنجاء

стр. 2681

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى﴾ أي ما صح وما استقامَ بل استحال في الحكمةِ أن يُهلك القرى التي أهلكها حسب ما بلغك أنباؤها ويُعلم من ذلك حالُ باقيها من القرى الظالمةِ واللام لتأكيد النفي وقوله ﴿بِظُلْمٍ﴾ أي ملتبساً به قيل هو حالٌ من الفاعل أي ظالماً لها والتنكيرُ للتفخيم والإيذانِ بأن إهلاكَ المصلحين ظلمٌ عظيم والمرادُ تنزيهُ الله تعالى عن ذلك بالكلية بتصويرِه بصورةِ ما يستحيلُ صدورُه عنه تعالى وإلا فلا ظلمَ فيما فعله الله تعالى بعباده كائناً ما كان لِما تقررَ منْ قاعدةِ أهلِ السنة وقد مر تفصليه في سورة آل عمران عند قولِه تعالى وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ وقوله تعالى ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ حالٌ من المفعول والعاملُ عامله ولكن لا باعتبار تقيّدِه بما وقع حالاً من فاعله أعني بظلم لدلالته على تقيد نفي الإهلاكِ ظلماً بحال كونِ أهلِها مصلحين ولا ريب في فساده بل مطلقاً عن ذلك وقيل المرادُ بالظلم الشركُ والباء للسببية أي لا يُهلك القرى بسبب إشراك أهلِها وهم مُصلِحون يتعاطَوْن الحقَّ فيما بينهم ولا يضمُّون إلى شركهم فساداً آخرَ وذلك لفرط رحمتِه ومسامحتِه في حقوقه تعالى ومن ذلك قدَّم الفقهاءُ عند تزاحم الحقوقِ حقوقَ العبادِ الفقراءِ على حقوق الله تعالى الغنيِّ الحميد وقيل المُلكُ يبقى مع الشرك ولا يبقى مع الظلم وأنت تدري أن مقامَ النهي عن المنكرات التي أقبحُها الإشراكُ بالله لا يلائمه فإن الشركَ داخلٌ في الفساد في الأرض دخولاً أولياً ولذلك كان ينهي كلٌّ من الرسل الذين قُصّت أنباؤهم أمتَه أولاً عن الإشراك ثم عن

стр. 2682

هود الآية (١١٨ ١١٩ ١٢٠) سائر المعاصي التي كانوا يتعاطَونها فالوجهُ حملُ الظلمِ على مطلق الفسادِ الشاملِ للشرك وغيرِه من أصناف المعاصي وحملُ الإصلاحِ على إصلاحه والإقلاعِ عنه بكون بعضهم متصدّين للنهي عنه وبعضِهم متوجّهين إلى الاتعاظ غيرَ مُصرِّين على ما هم عليه من الشرك وغيره من أنواع الفساد

стр. 2683

﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ مجتمعةً على الحق ودين الإسلام بحيث لا يكاد يختلف فيه أحدٌ ولكن لم يشأْ ذلك فلم يكونوا متفقين على الحق ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ في الحق أي مخالفين له كقولِه تعالى وَمَا اختلف فِيهِ إِلَاّ الذين أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات بَغْيًا بَيْنَهُمْ

стр. 2684

﴿إِلَاّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ إلا قوماً قد هداهم الله تعالى بفضله إلى الحق فاتفقوا عليه ولم يختلفوا فيه أي لم يخالفوه وحملُه على مطلق الاختلاف الشاملِ لِما يصدر من المُحق والمُبطل يأباه الاستثناءُ المذكور ﴿ولذلك﴾ أي ولما ذكر من الاختلاف ﴿خَلْقَهُمْ﴾ أي الذين بقُوا بعد الثنيا وهم المختلِفون فاللامُ للعاقبة أو للترحم فالضميرُ لمن واللام في معناها أولهما معاً فالضميرُ للناس كافةً واللام بمعنى مجازيَ عامّ لكلا المعنيين ﴿وتمت كلمة رَبّكَ﴾ أي وعيدُه أو قولُه للملائكة ﴿لَامْلَانَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ﴾ أي من عُصاتهما أجمعين أو منهما أجمعين لا من أحدهما

стр. 2685

﴿وَكُلاًّ﴾ أي وكلَّ نبأ فالتنوين عوضا عن المضاف إليه ﴿نَقُصُّ عليك﴾ يخبرك به وقوله تعالى ﴿مِنْ أَنْبَاء الرسل﴾ بيانٌ لكُلاًّ وقوله تعالى ﴿مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ بدلٌ منه والأظهر أن يكون المضافُ إليه المحذوفُ في كلاًّ المفعولَ المطلق لنقصُّ أي كل اقتصاص أي كلَّ أسلوبٍ من أساليبه نقصُّ عليك من أنباء الرسل وقوله تعالى مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ مفعولُ نقصّ وفائدتُه التنبيهُ على أن المقصودَ بالاقتصاص زيادةُ يقينه ﵇ وطُمأنينةُ قلبه وثباتُ نفسه على أداء الرسالة واحتمالِ أذية الكفارِ بالوقوف على تفاصيل أحوالِ الأممِ السالفة في تماديهم في الضلال وما لقيَ الرسلُ من جهتهم من مكابدة المشاقّ ﴿وَجَاءكَ فِى هذه﴾ السورة أو الأنباءِ المقصوصة عليك ﴿الحق﴾ الذي لا محيد عنه ﴿وَمَوْعِظَةٌ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي الجامعُ بين كونه حقاً في نفسه وكونهِ موعظةً وذكرى للمؤمنين ولكون الوصفِ الأولِ حالاً له في نفسه حُلّي باللام دون ما هو وصفٌ له بالقياس إلى غيره وتقديمُ الظرفِ أعني في هذه على الفاعل لأن المقصودَ بيانُ منافعِ السورةِ أو الأنباءِ المقصوصةِ فيها واشتمالِها على ما ذكر من المنافع المفصلةِ لا بيانُ كونِ ذلك فيها لا في غيرها ولأن عند تأخيرِ ما حقُّه التقديمُ تبقى النفسُ مترقبةً إليه فيتمكن فيها عند الورودِ فضلُ تمكّنٍ ولأن

стр. 2686

هود الآية (١٢١ ١٢٢ ١٢٣) في المؤخر نوعَ طولٍ يُخلُّ تقديمُه بتجاوب أطراف النظمِ الكريم

стр. 2687

﴿وَقُل لّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بهذا الحقِّ ولا يتعظون به ولا يتذكرون ﴿اعملوا على مَكَانَتِكُمْ﴾ على حالكم وجِهتِكم التي هي عدمُ الإيمان ﴿إِنَّا عَامِلُونَ﴾ على حالنا وهو الإيمانُ به والاتعاظُ والتذكرُ به

стр. 2688

﴿وانتظروا﴾ بنا الدوائرَ ﴿إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ أن ينزل بكم نحوُ ما نزل بأمثالكم من الكفرة

стр. 2689

﴿ولله غيب السماوات والارض وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الامر كُلُّهُ﴾ فيرجع لا محالة أمرُك وأمرُهم إليه وقرىء على البناء للفاعل من رجع رجوعاً ﴿فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ فإنه كافيك والفاءُ لترتيب الأمرِ بالعبادة والتوكلِ على كون مرجعِ الأمور كلِّها إلى الله تعالى وفي تأخير الأمرِ بالتوكل عن الأمر بالعبادة إشعارٌ لأنه لا ينفع دونها ﴿وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ فيجازيهم بموجبه وقرىء تعملون على تغليب المخاطَب أي أنت وهم فيُجازِي كَّلاً منك ومنُهم بموجب الاستحقاق عن رسول الله ﷺ مَنْ قرأَ سورةَ هودٍ أُعطِيَ من الأجر عشرَ حسنات بعدد من صدق كلَّ واحدٍ من الأنبياء المعدودين فيها عليهم الصلاة والسلام وبعدد مَنْ كذّبهم وكان يوم القيامة من السعداء بفضل الله سبحانه وتعالى

стр. 2690

يوسف الآية (١ ٢ ٣) سورة يوسف ﵇ مكية إلا الآيات ١ و ٢ و ٣ و ٧ فمدنية وآياتها ١١١ بسم الله الرحمن الرحيم

стр. 2691

﴿الر﴾ الكلامُ فيه وفي محله وفيما أريد بالإشارة والآياتِ والكتابِ في قوله ﴿تلك آيات الكتاب﴾ عيْنُ ما سلف في مطلعِ سُورة يونسَ ﴿المُبينَ﴾ مِن أبانَ بمعنى بان أي الظاهرِ أمرُه في كونه من عند الله تعالى وفي إعجازه بنوعيه لا سيما الإخبارُ عن الغيب أو الوضاح معانيه للعرب بحيث لا يشتبه عليهم حقائقُه ولا يلتبس لديهم دقائقُه لنزوله على لغتهم أو بمعنى بيّن أي المبين لِما فيه من الأحكام والشرائعِ وخفايا المُلكِ والملكوتِ وأسرارِ النشأتين في الدارين وغيرِ ذلك من الحِكَم والمعارف والقصص وعلى تقدير كونِ الكتاب عبارةً عن السورة فإبانتُه إنباؤُه عن قصة يوسفَ ﵇ فإنه قد رُوي أن أحبارَ اليهودِ قالوا لرؤساء المشركين سلوا محمدا ﷺ لماذا انتقل آلُ يعقوبَ من الشام إلى مصر وعن قصة يوسفَ ﵇ ففعلوا ذلك فيكون وصفُ الكتابِ بالإبانة من قبيل براعةِ الاستهلالِ لما سيأتي ولمّا وُصف الكتابُ بما يدل على الشرف الذاتي عُقِّب ذلك بما يدل على الشرف الإضافي فقيل

стр. 2692

﴿إِنَّا أنزلناه﴾ أي الكتابَ المنعوتُ بما ذُكِرَ من النعوتِ الجليلةِ فإن كان عبارةً عن الكل وهو الأظهرُ الأنسبُ بقوله تعالى ﴿قرآنا عَرَبِيّاً﴾ إذ هو المشهورُ بهذا الاسم المعروفِ بهذا النعت المتسارعِ إلى الفهم عند إطلاقِهما فالأمرُ ظاهرٌ وإنْ جُعل عبارةً عن السورة فتسميتُها قرآناً لما عَرفته فيما سلف والسرُّ في ذلك أنه اسمَ جنسٍ في الأصل يقع على الكل والبعضِ كالكتاب أو لأنه مصدرٌ بمعنى المفعول أي أنزلناه حالَ كونِه مقروءاً بلغتكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي لكي تفهموا معانيَه طراً وتحيطُوا بما فيهِ من البدائع خُبْراً وتطّلعوا على أنه خارجٌ عن طوْق البشر منزَّلٌ من عند خلاّق القُوى والقدر

стр. 2693

﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ أي نخبرك ونحدّثك واشتقاقُه من قصَّ أثرَه إذا اتّبعه لأن مَنْ يقُصّ الحديثَ يتْبع ما حفِظ منه شيئاً فشيئاً كما يقال تلا القرآن لأنه يتْبع ما حفِظ منه آيةً بعد آية ﴿أَحْسَنَ القصص﴾ أي أحسن الاقتصاص فنصبُه على

стр. 2694

يوسف الآية (٤) المصدريه وفيه مع بيان الواقعِ إيهامٌ لما في اقتصاص أهلِ الكتاب من القُبح والخلل وتركُ المفعولِ إما للاعتماد على انفهامه من قولهِ ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا﴾ أي بإيحائنا ﴿إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ أي هذه السورةَ فإن كونَها مُوحاةً منبىءٌ عن كون ما في ضمنها مقصوصاً والتعرضُ لعنوان قرآنيتِها لتحقيق أن الاقتصاصَ ليس بطريق الإلهامِ أو الوحي غيرَ المتلوِّ وإما لظهوره من سؤال المشركين بتلقين علماءِ اليهودِ وأحسنيّتُه لأنه قد اقتُصّ على أبدع الطرائق الرائعةِ الرائقةِ وأعجبِ الأساليب الفائقةِ اللائقةِ كما لا يكاد يخفى على من طالع القصةَ من كتب الأولين والآخرين وإن كان لا يميز الغثّ من السمين ولا يفرّق بين الشمال واليمين وفي كلمة هذا إيماءٌ إلى مغايرة هذا القرآنِ لما في قوله تعالى قرآنا عَرَبِيّاً بأن يكون المرادُ بذلك المجموعَ فتأمل أو نقص عليك أحسنَ ما نقص من الأنباء وهو قصةُ آلِ يعقوبُ ﵇ على أن القَصصَ فَعَلٌ بمعنى المفعول كالنبأ والخبر أو مصدرٌ سُمِّي به المفعولُ كالخلْق والصيد ونصبُ أحسنَ على المفعولية وأحسنيتُها لتضمنها من الحِكم والعِبر ما لا يخفى كمالُ حسنه ﴿وَإِن كُنتُ﴾ أن مخففةٌ من الثقيلة وضميرُ الشأنِ الواقعُ اسماً لها محذوفٌ واللامُ فارقةٌ والجملةُ خبرٌ والمعنى وإنّ الشان كنت ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ من قبلِ إيحائِنا إليك هذه السورةَ ﴿لَمِنَ الغافلين﴾ عن هذه القصة لم تخطُر ببالك ولم تقرَعْ سمعَك قطُّ وهو تعليلٌ لكونه مُوحى والتعبيرُ عن عدم العلم بالغفلة لإجلال شأنِ النبيِّ ﷺ وإن غفَل عنه بعضُ الغافلين

стр. 2695

﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ﴾ نُصب بإضمار اذكرْ وشروعٌ في القصة إنجازاً للوعد بأحسنِ الاقتصاصِ أو بدلٌ من أحسنَ القصصِ على تقدير كونِه مفعولاً بدلَ اشتمالٍ فإن اقتصاصَ الوقتِ المشتملِ على المقصوص من حيث اشتمالُه عليه اقتصاصٌ للمقصوص ويوسُفُ اسمٌ عبريٌّ لا عربيٌّ لخلوّه عن سبب آخرَ غيرِ التعريف وفتح السين وكسرها على بعض القراءات بناءً على التلعّب به لا على أنه مضارعٌ بُني للمفعول أو الفاعلِ من آسَف لشهادة المشهورة بعجمته ﴿لأَبِيهِ﴾ يعقوبَ بن إسحق بن إبراهيمَ عليهمْ الصلاةُ والسلامُ وَقَدْ روي عنه ﷺ إن الكريمَ بنَ الكريمِ بن الكريم بن الكريم يوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحق بنِ إبراهيمَ ﴿يا أبت﴾ أصله يا أبي فعوِّض عن الياء تاءُ التأنيثِ لتناسُبهما في الزيادة فلذلك قُلبت هاءً في الوقف على قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوبَ وكسرتُها لأنها عوضٌ عن حرف يناسبها وفتحها ابنُ عامر في كل القرآن لأنها حركةُ أصلها أو لأن الأصلَ يا أبتا فحُذف الألف وبقي الفتحة وإنما لم يُجز يا أبتي لأنه جمعٌ بين العِوض والمعوَّض وقرىء بالضم إجراءً لها مُجرى الألفاظِ المؤنثة بالتاء من غير اعتبار التعويضِ وعدم تسكينها كأصلها لأنها حرفٌ صحيحٌ منزلٌ منزلةَ الاسمِ فيجب تحريكها ككاف الخطاب ﴿إِنّى رَأَيْتُ﴾ من الرؤيا لا من الرؤية لقوله لا تقصص رؤياك هذا تَأْوِيلُ رؤياى ولأن الظاهرَ أن وقوعَ مثلِ هذه الأمور البديعةِ في عالم الشهادةِ لا يختصُّ برؤيةِ راءٍ دون راءٍ فيكون طامّةً كبرى لا يخفى على أحد من الناس ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشمس والقمر﴾

стр. 2696

رُويَ عنْ جابرٌ ﵁ أن يهودياً جاء إلى رسول الله ﷺ فقال أخبرني يا محمد عن النجوم التي رآهن يوسُف ﵇ فسكت النبيِّ ﷺ فنزلَ جبريلُ ﵇ فأخبره بذلك فقال ﷺ إذا أخبرتك بذلك هل تسلم فقال نعم قال ﷺ جريان والطراق والذيال وقابسُ وعمودان والفليقُ والمصبحُ والضّروحُ والفرعُ ووثّابُ وذو الكتفين رآها يوسف ﵇ والشمس والقمر نزلن من السماء وسجَدْن له فقال اليهوديُّ إي والله إنها لأسماؤها وقيل الشمس والقمر أبواه وقيل أبوه وخالتُه والكواكبُ إخوتُه وإنما أُخِّر الشمسُ والقمر عن الكواكب لإظهار مزيتِهما وشرفِهما على سائر الطوالع بعطفهما عليها كما في عطف جبريلَ وميكائيلَ على الملائكة ﵈ وقد جُوِّز أن تكون الواو بمعنى مع أي رأيت الكواكبَ مع الشمس والقمر ولا يبعُد أن يكون ذلك إشارةً إلى تأخر ملاقاتِه ﵇ لهما عن ملاقاته لإخوته وعن وهب أن يوسفَ ﵇ رأى وهو ابنُ سبعِ سنين أن إحدى عشرةَ عصاً طِوالاً كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدارة وإذا عصاً صغيرةٌ تثب عليها حتى اقتلعتْها وغلبتْها فوصف ذلك لأبيه فقال إياك أن تذكرَ هذا لإخوتك ثم رأى وهو ابن ثنتي عشرةَ سنةً الشمسَ والقمرَ والكواكبَ تسجُد له فقصّها على أبيه فقال لا تقصَّها عليهم فيبغوا لك الغوائل وقيل كان بين رؤيا يوسفَ ومصير إخوتِه إليه أربعون سنةً وقيل ثمانون ﴿رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ﴾ استئنافٌ ببيان حالِهم التي رآهم عليها كأن سائلاً سأل فقال كيف رأيتهم فأجاب بذلك وإنما أُجريت مُجرى العقلاءِ في الضمير لوصفها بوصف العقلاء أعني السجود وتقديمُ الجار والمجرور لإظهار العنايةِ والاهتمام بما هو الأهمُّ مع ما في ضمنه من رعاية الفاصلة

стр. 2697

﴿قال يا بني﴾ صغّره للشفقه أو لها ولصِغَر السن وهو أيضاً استئناف مبني على سؤال من قال فماذا قال يعقوبُ بعد سماعِ هذه الرؤيا العجيبةِ ولمّا عرَف يعقوب ﵇ من هذه الرؤيا أن يوسفَ يبلّغه الله تعالى مبلغاً جليلاً من الحكمة ويصطفيه للنبوة وينعم عليه بشرف الدارين كما فعل بآبائه الكرامِ خاف عليه حسَدَ الإخوة وبغيَهم فقال صيانةً لهم من ذلك وله من معاناة المشاقِّ ومقاساةِ الأحزان وإن كان واثقاً بأن الله تعالى سيحقق ذلك لا محالة وطمعاً في حصوله بلا مشقة ﴿لا تقصص رؤياك﴾ هي ما في المنام كما أن الرؤيةَ ما في اليقظة فُرّق بينهما بحر في التأنيث كما في القربى والقربة وحقيقتُها ارتسامُ الصورةِ المنحدرة من أفق المُتخيّلة إلى الحس المشترك والصادقةُ منها إنما تكون باتصال النفسِ بالملكوت لِما بينهما من التناسُب عند فراغِها من تدبير البدنِ أدنى فراغٍ فتتصور بما فيها مما يليق من المعاني الحاصلةِ هناك ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه فترسلها إلى الحس المشتركِ فتصير مشاهِدةً ثم إذا كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوتُ إلا بالكلية والجزئية استغنت الرؤيا عن التعبير وإلا احتاجبت إليه ﴿على إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ﴾ نصب بإضمار أن أي فيفعلوا

стр. 2698

يوسف الآية (٦) ﴿لَكَ﴾ أي لأجلك ولإهلاكك ﴿كَيْداً﴾ متيناً راسخاً لا تقدر على التفصّي عنه أو خفياً عن فهمك لا تتصدى لمدافعته وهذا أوفقُ بمقام التحذير وإن كان يعقوبُ ﵇ يعلم أنهم ليسوا بقادرين على تحويل ما دلت الرؤيا على وقوعه وهذا الأسلوبُ آكدُ من أن يقال فيكيدوك كيداً إذ ليس فيه دِلالةٌ على كون نفس الفعلِ مقصودَ الإيقاع وقد قيل إنما جيء باللام لتضمينه معنى الاحتيالِ المتعدِّي باللام ليفيد معنى المضمَّنِ والمضمّن فيه للتأكيد أي فيحتالوا لك ولإهلاكك حيلةً وكيداً والمرادُ بإخوته ههنا الذين يَخشى غوائلَهم ومكايدَهم بنو عَلاّته الأحدَ عشرَ وهم يهوذا وروبيلُ وشمعونُ ولاوي وربالون ويشجُرُ ودينة بنو يعقوب من ليا بنت خالته ودان ونفتالي وجاد وآشر بنوه من سريّتين زلفة وبلهة وهؤلاء هم المشارُ إليهم بالكواكب الأحدَ عشر وأما بنيامين الذي هو شقيقُ يوسفَ ﵇ وأمُّهما راحيل التي تزوجها يعقوبُ ﵇ بعد وفاة أختها ليّا أو في حياتها إذ لم يكن جمعُ الأختين إذ ذاك محرماً فليس بداخل تحت هذا النهي إذ لا يتوهم مضرّتُه ولا يُخشى معرّتُه ولم يكن معدوداً معهم في الرؤيا إذ لم يكن معهم في السجود ليوسف والمرادُ نهيُه عن اقتصاص الرؤيا عليهم كلاًّ أو بعضاً ﴿إِنَّ الشيطان للإنسان عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ ظاهرُ العداوة فلا يألو جهداً في إغواء إخوتِك وإضلالِهم وحملهم على ما لا خيرَ فيه وهو استئنافٌ كأن يوسف ﵇ قال كيف يصدر ذلك عن إخوتي الناشئين في بيت النبوة فقيل إن الشيطان يحمِلهم على ذلك ولما نبهه ﵉ على أنَّ لرؤياه شأناً عظيماً يستتبع منافعَ وحذّره إشاعتَها المؤديةَ إلى أن يحول إخوتُه بينها وبين ظهورِ آثارِها وحصولِها أو يُوعروا سبيلَ وصولِها شرع في تعبيرها وتأويلها على وجه إجمالي فقال

стр. 2699

﴿وكذلك﴾ أيْ ومثلَ ذلكَ الاجتباءِ البديعِ الذي شاهدتَ آثارَه في عالم المثالِ من سجود تلك الأجرامِ العلوية النيِّرةِ لك وبحسَبه وعلى وَفْقه ﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ يختارك لجناب كبريائه ويستنبؤك افتعال من جباه إذا جمعه ويصطفيك على أشراف الخلائقِ وسَراةِ الناس قاطبةً ويُبرز مصداق تلك الرؤيا في عالم الشهادة حسب ما عاينته من غير قصور والمرادُ بالتشبيه بيانُ المضاهاةِ المتحققةِ بين الصور المرئيةِ في عالم المثالِ وبين ما وقعت هي صوراً وأشباحاً له من الكائنات الظاهرةِ بحسبها في عالم الشهادة أي كما سُخّرت لك تلك الأجرامُ العظامُ يسخِّرْ لك وجوهَ الناس ونواصيَهم مذعنين لطاعتك خاضعين لك على وجه الاستكانة ومرادُه بيانُ إطاعةِ أبويه وإخوتِه له لكنه إنما لم يصرّح به حذراً من إذاعته ﴿وَيُعَلّمُكَ﴾ كلامٌ مبتدأٌ غيرُ داخلٍ تحت التشبيه أراد به ﵇ تأكيدَ مقالته وتحقيقَها وتوطينَ نفسِ يوسفَ ﵇ بما أخبر به على طريقة التعبيرِ والتأويل كأنه قال وهو يعلمك ﴿مِن تَأْوِيلِ الاحاديث﴾ أي ذلك الجنسِ من العلوم أو طرفاً صالحاً منه فتطلّع على حقيّة ما أقول ولا يَخْفى ما فيهِ من تأكيد ما سبق والبعثِ على تلقي ما سيأتي بالقبول والمرادُ بتأويل الأحاديث تعبيرُ الرؤيا إذ هي أحاديثُ الملَكِ إن كانت صادقةً أو أحاديثُ

стр. 2700

النفس أو الشيطان أن لم تكنْ كذلك والأحاديثُ اسم جمعٍ للحديث كالأباطيل اسمجمع للباطل لا جمع أُحدوثة وقيل كأنهم جمعوا حديثاً على أحْدِثة ثم جمعوا الجمعَ على أحاديث كقطيع وأقطِعة وأقاطيع وقيل هو تأويلُ غوامضِ كتب الله تعالى وسنن الأنبياء ﵈ والأولُ هو الأظهرُ وتسميةُ التعبير تأويلاً لأنه جُعل المرئيُّ آيلاً إلى ما يذكره المعبِّرُ بصدد التعبير ورجْعِه إليه فكأنه ﵊ أشار بذلك إلى ما سيقع من يوسف ﵇ من تعبيره لرؤيا صاحبَيْ السجنِ ورؤيا الملِك وكون ذلك ذريعةً إلى ما يبلّغه الله تعالى إليه من الرياسة العظمى التي عبر عنها بإتمام النعمة وإنما عرَف يعقوبُ ﵇ ذلك منه من جهة الوحي أو أراد كونَ هذه الخَصلةِ سبباً لظهور أمرِه ﵇ على الإطلاق فيجوز حينئذ أن تكون معرفتُه ﵇ لذلك بطريق الفِراسةِ والاستدلال من الشواهد والدلائل والأَمارات والمخايل بأن من وفقه الله تعالى لمثل هذه الرؤيا لا بد من توفيقه لتعبيرها وتأويل أمثالِها وتمييز ما هو آفاقيٌّ منها مما هو أنفُسيٌّ كيف لا وهي تدل على كمال تمكّن نفسِه ﵇ في عالم المثال وقوةِ تصرفاتِها فيه فيكون أقبلَ لفيضان المعارفِ المتعلّقة بذلك العالم وبما يحاكيه من الأمور الواقعةِ بحسبها في عالم الشهادةِ وأقوى وقوفاً على النسب الوقاعة بين الصور المعاينةِ في أحد ذينك العالمين وبين الكائنات الظاهرةِ على وفقها في العالم الآخر وأن هذا الشأن البديع لا بد أن يكون أنموذجاً لظهور أمرِ من اتصف به ومداراً لجريان أحكامِه فإن لكلِّ نبيَ من الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام معجزةً بها تظهر آثارُه وتجري أحكامُه ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بأن يضم إلى النبوة المستفادةِ من الاجتباء المُلكَ ويجعله تتمة لها وتوسيطُ ذكر التعليم المذكور بينهما لكونه من لوازم النبوةِ والاجتباءِ ولرعاية ترتيبِ الوجود الخارجي ولِما أشرنا إليه من كون أثرِه وسيلةً إلى تمام النعمة ويجوز أن يعد نفس الرؤيا من نعمِ الله تعالَى عليه فيكون جميع النعم الواصلة إليه بحسبها مصداقاً لها تماماً لتلك النعمة ﴿وعلى آل يَعْقُوب﴾ وهم أهلُه من بنيه وغيرهم فإن رؤيةَ يوسفَ ﵇ إخوتَه كواكبَ يهتدى بأنوارها من نعمِ الله تعالَى عليهم لدِلالتها على مصير أمرِهم إلى النبوة فيقع كلُّ ما يخرج من القوةِ إلى الفعلِ من كمالاتهم بحسب ذلك تماماً لتلك النعمةِ لا محالة وأما إذا أريد بتمام تلك النعمةِ المُلكُ فكونُه كذلك بالنسبة إليهم باعتبار أنهم يغتنمون آثارَه من العزِ والجاهِ والمال ﴿كَمَا أَتَمَّهَا على أَبَوَيْكَ﴾ نصبٌ على المصدرية أي ويتم نعمتَه عليك إتماماً كائناً كإتمام نعمتِه على أبويك وهي نعمةُ الرسالةِ والنبوةِ وإتمامُها على إبراهيمَ ﵇ باتخاذه خليلاً وإنجائه من النار ومن ذبح الولدِ وعلى إسحق بإنجائه من الذبح وفدائِه بذِبْحٍ عظيم وبإخراج يعقوبَ والأسباطِ من صُلبه وكلُّ ذلك نعمٌ جليلة وقعت تتمةً لنعمة النبوة ولا يجب في تحقيق التشبيهِ كونُ ذلك في جانب المشبَّه به مثلَ ما وقع في جانب المشبه من كل وجه ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل هذا الوقت أو من قبلك ﴿إِبْرَاهِيمَ وإسحاق﴾ عطفُ بيانٍ لأبويك والتعبيرُ عنهما بالأب مع كونهما أبا جدِّه وأبا أبيه للإشعار بكمال ارتباطِه بالأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام وتذكيرِ معنى الولدُ سرُّ أبيه ليطمئن قلبُه بما أخبر به في ضمن التعبيرِ الإجمالي لرؤياه والاقتصارُ في المشبه به على ذكر إتمام النعمةِ من غير تعرض للاجتباء من باب الاكتفاء فإن إتمام النعمة
следующие страницы →