← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

رُويَ عنْ جابرٌ ﵁ أن يهودياً جاء إلى رسول الله ﷺ فقال أخبرني يا محمد عن النجوم التي رآهن يوسُف ﵇ فسكت النبيِّ ﷺ فنزلَ جبريلُ ﵇ فأخبره بذلك فقال ﷺ إذا أخبرتك بذلك هل تسلم فقال نعم قال ﷺ جريان والطراق والذيال وقابسُ وعمودان والفليقُ والمصبحُ والضّروحُ والفرعُ ووثّابُ وذو الكتفين رآها يوسف ﵇ والشمس والقمر نزلن من السماء وسجَدْن له فقال اليهوديُّ إي والله إنها لأسماؤها وقيل الشمس والقمر أبواه وقيل أبوه وخالتُه والكواكبُ إخوتُه وإنما أُخِّر الشمسُ والقمر عن الكواكب لإظهار مزيتِهما وشرفِهما على سائر الطوالع بعطفهما عليها كما في عطف جبريلَ وميكائيلَ على الملائكة ﵈ وقد جُوِّز أن تكون الواو بمعنى مع أي رأيت الكواكبَ مع الشمس والقمر ولا يبعُد أن يكون ذلك إشارةً إلى تأخر ملاقاتِه ﵇ لهما عن ملاقاته لإخوته وعن وهب أن يوسفَ ﵇ رأى وهو ابنُ سبعِ سنين أن إحدى عشرةَ عصاً طِوالاً كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدارة وإذا عصاً صغيرةٌ تثب عليها حتى اقتلعتْها وغلبتْها فوصف ذلك لأبيه فقال إياك أن تذكرَ هذا لإخوتك ثم رأى وهو ابن ثنتي عشرةَ سنةً الشمسَ والقمرَ والكواكبَ تسجُد له فقصّها على أبيه فقال لا تقصَّها عليهم فيبغوا لك الغوائل وقيل كان بين رؤيا يوسفَ ومصير إخوتِه إليه أربعون سنةً وقيل ثمانون ﴿رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ﴾ استئنافٌ ببيان حالِهم التي رآهم عليها كأن سائلاً سأل فقال كيف رأيتهم فأجاب بذلك وإنما أُجريت مُجرى العقلاءِ في الضمير لوصفها بوصف العقلاء أعني السجود وتقديمُ الجار والمجرور لإظهار العنايةِ والاهتمام بما هو الأهمُّ مع ما في ضمنه من رعاية الفاصلة

стр. 2697

﴿قال يا بني﴾ صغّره للشفقه أو لها ولصِغَر السن وهو أيضاً استئناف مبني على سؤال من قال فماذا قال يعقوبُ بعد سماعِ هذه الرؤيا العجيبةِ ولمّا عرَف يعقوب ﵇ من هذه الرؤيا أن يوسفَ يبلّغه الله تعالى مبلغاً جليلاً من الحكمة ويصطفيه للنبوة وينعم عليه بشرف الدارين كما فعل بآبائه الكرامِ خاف عليه حسَدَ الإخوة وبغيَهم فقال صيانةً لهم من ذلك وله من معاناة المشاقِّ ومقاساةِ الأحزان وإن كان واثقاً بأن الله تعالى سيحقق ذلك لا محالة وطمعاً في حصوله بلا مشقة ﴿لا تقصص رؤياك﴾ هي ما في المنام كما أن الرؤيةَ ما في اليقظة فُرّق بينهما بحر في التأنيث كما في القربى والقربة وحقيقتُها ارتسامُ الصورةِ المنحدرة من أفق المُتخيّلة إلى الحس المشترك والصادقةُ منها إنما تكون باتصال النفسِ بالملكوت لِما بينهما من التناسُب عند فراغِها من تدبير البدنِ أدنى فراغٍ فتتصور بما فيها مما يليق من المعاني الحاصلةِ هناك ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه فترسلها إلى الحس المشتركِ فتصير مشاهِدةً ثم إذا كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوتُ إلا بالكلية والجزئية استغنت الرؤيا عن التعبير وإلا احتاجبت إليه ﴿على إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ﴾ نصب بإضمار أن أي فيفعلوا

стр. 2698

يوسف الآية (٦) ﴿لَكَ﴾ أي لأجلك ولإهلاكك ﴿كَيْداً﴾ متيناً راسخاً لا تقدر على التفصّي عنه أو خفياً عن فهمك لا تتصدى لمدافعته وهذا أوفقُ بمقام التحذير وإن كان يعقوبُ ﵇ يعلم أنهم ليسوا بقادرين على تحويل ما دلت الرؤيا على وقوعه وهذا الأسلوبُ آكدُ من أن يقال فيكيدوك كيداً إذ ليس فيه دِلالةٌ على كون نفس الفعلِ مقصودَ الإيقاع وقد قيل إنما جيء باللام لتضمينه معنى الاحتيالِ المتعدِّي باللام ليفيد معنى المضمَّنِ والمضمّن فيه للتأكيد أي فيحتالوا لك ولإهلاكك حيلةً وكيداً والمرادُ بإخوته ههنا الذين يَخشى غوائلَهم ومكايدَهم بنو عَلاّته الأحدَ عشرَ وهم يهوذا وروبيلُ وشمعونُ ولاوي وربالون ويشجُرُ ودينة بنو يعقوب من ليا بنت خالته ودان ونفتالي وجاد وآشر بنوه من سريّتين زلفة وبلهة وهؤلاء هم المشارُ إليهم بالكواكب الأحدَ عشر وأما بنيامين الذي هو شقيقُ يوسفَ ﵇ وأمُّهما راحيل التي تزوجها يعقوبُ ﵇ بعد وفاة أختها ليّا أو في حياتها إذ لم يكن جمعُ الأختين إذ ذاك محرماً فليس بداخل تحت هذا النهي إذ لا يتوهم مضرّتُه ولا يُخشى معرّتُه ولم يكن معدوداً معهم في الرؤيا إذ لم يكن معهم في السجود ليوسف والمرادُ نهيُه عن اقتصاص الرؤيا عليهم كلاًّ أو بعضاً ﴿إِنَّ الشيطان للإنسان عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ ظاهرُ العداوة فلا يألو جهداً في إغواء إخوتِك وإضلالِهم وحملهم على ما لا خيرَ فيه وهو استئنافٌ كأن يوسف ﵇ قال كيف يصدر ذلك عن إخوتي الناشئين في بيت النبوة فقيل إن الشيطان يحمِلهم على ذلك ولما نبهه ﵉ على أنَّ لرؤياه شأناً عظيماً يستتبع منافعَ وحذّره إشاعتَها المؤديةَ إلى أن يحول إخوتُه بينها وبين ظهورِ آثارِها وحصولِها أو يُوعروا سبيلَ وصولِها شرع في تعبيرها وتأويلها على وجه إجمالي فقال

стр. 2699

﴿وكذلك﴾ أيْ ومثلَ ذلكَ الاجتباءِ البديعِ الذي شاهدتَ آثارَه في عالم المثالِ من سجود تلك الأجرامِ العلوية النيِّرةِ لك وبحسَبه وعلى وَفْقه ﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ يختارك لجناب كبريائه ويستنبؤك افتعال من جباه إذا جمعه ويصطفيك على أشراف الخلائقِ وسَراةِ الناس قاطبةً ويُبرز مصداق تلك الرؤيا في عالم الشهادة حسب ما عاينته من غير قصور والمرادُ بالتشبيه بيانُ المضاهاةِ المتحققةِ بين الصور المرئيةِ في عالم المثالِ وبين ما وقعت هي صوراً وأشباحاً له من الكائنات الظاهرةِ بحسبها في عالم الشهادة أي كما سُخّرت لك تلك الأجرامُ العظامُ يسخِّرْ لك وجوهَ الناس ونواصيَهم مذعنين لطاعتك خاضعين لك على وجه الاستكانة ومرادُه بيانُ إطاعةِ أبويه وإخوتِه له لكنه إنما لم يصرّح به حذراً من إذاعته ﴿وَيُعَلّمُكَ﴾ كلامٌ مبتدأٌ غيرُ داخلٍ تحت التشبيه أراد به ﵇ تأكيدَ مقالته وتحقيقَها وتوطينَ نفسِ يوسفَ ﵇ بما أخبر به على طريقة التعبيرِ والتأويل كأنه قال وهو يعلمك ﴿مِن تَأْوِيلِ الاحاديث﴾ أي ذلك الجنسِ من العلوم أو طرفاً صالحاً منه فتطلّع على حقيّة ما أقول ولا يَخْفى ما فيهِ من تأكيد ما سبق والبعثِ على تلقي ما سيأتي بالقبول والمرادُ بتأويل الأحاديث تعبيرُ الرؤيا إذ هي أحاديثُ الملَكِ إن كانت صادقةً أو أحاديثُ

стр. 2700

النفس أو الشيطان أن لم تكنْ كذلك والأحاديثُ اسم جمعٍ للحديث كالأباطيل اسمجمع للباطل لا جمع أُحدوثة وقيل كأنهم جمعوا حديثاً على أحْدِثة ثم جمعوا الجمعَ على أحاديث كقطيع وأقطِعة وأقاطيع وقيل هو تأويلُ غوامضِ كتب الله تعالى وسنن الأنبياء ﵈ والأولُ هو الأظهرُ وتسميةُ التعبير تأويلاً لأنه جُعل المرئيُّ آيلاً إلى ما يذكره المعبِّرُ بصدد التعبير ورجْعِه إليه فكأنه ﵊ أشار بذلك إلى ما سيقع من يوسف ﵇ من تعبيره لرؤيا صاحبَيْ السجنِ ورؤيا الملِك وكون ذلك ذريعةً إلى ما يبلّغه الله تعالى إليه من الرياسة العظمى التي عبر عنها بإتمام النعمة وإنما عرَف يعقوبُ ﵇ ذلك منه من جهة الوحي أو أراد كونَ هذه الخَصلةِ سبباً لظهور أمرِه ﵇ على الإطلاق فيجوز حينئذ أن تكون معرفتُه ﵇ لذلك بطريق الفِراسةِ والاستدلال من الشواهد والدلائل والأَمارات والمخايل بأن من وفقه الله تعالى لمثل هذه الرؤيا لا بد من توفيقه لتعبيرها وتأويل أمثالِها وتمييز ما هو آفاقيٌّ منها مما هو أنفُسيٌّ كيف لا وهي تدل على كمال تمكّن نفسِه ﵇ في عالم المثال وقوةِ تصرفاتِها فيه فيكون أقبلَ لفيضان المعارفِ المتعلّقة بذلك العالم وبما يحاكيه من الأمور الواقعةِ بحسبها في عالم الشهادةِ وأقوى وقوفاً على النسب الوقاعة بين الصور المعاينةِ في أحد ذينك العالمين وبين الكائنات الظاهرةِ على وفقها في العالم الآخر وأن هذا الشأن البديع لا بد أن يكون أنموذجاً لظهور أمرِ من اتصف به ومداراً لجريان أحكامِه فإن لكلِّ نبيَ من الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام معجزةً بها تظهر آثارُه وتجري أحكامُه ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بأن يضم إلى النبوة المستفادةِ من الاجتباء المُلكَ ويجعله تتمة لها وتوسيطُ ذكر التعليم المذكور بينهما لكونه من لوازم النبوةِ والاجتباءِ ولرعاية ترتيبِ الوجود الخارجي ولِما أشرنا إليه من كون أثرِه وسيلةً إلى تمام النعمة ويجوز أن يعد نفس الرؤيا من نعمِ الله تعالَى عليه فيكون جميع النعم الواصلة إليه بحسبها مصداقاً لها تماماً لتلك النعمة ﴿وعلى آل يَعْقُوب﴾ وهم أهلُه من بنيه وغيرهم فإن رؤيةَ يوسفَ ﵇ إخوتَه كواكبَ يهتدى بأنوارها من نعمِ الله تعالَى عليهم لدِلالتها على مصير أمرِهم إلى النبوة فيقع كلُّ ما يخرج من القوةِ إلى الفعلِ من كمالاتهم بحسب ذلك تماماً لتلك النعمةِ لا محالة وأما إذا أريد بتمام تلك النعمةِ المُلكُ فكونُه كذلك بالنسبة إليهم باعتبار أنهم يغتنمون آثارَه من العزِ والجاهِ والمال ﴿كَمَا أَتَمَّهَا على أَبَوَيْكَ﴾ نصبٌ على المصدرية أي ويتم نعمتَه عليك إتماماً كائناً كإتمام نعمتِه على أبويك وهي نعمةُ الرسالةِ والنبوةِ وإتمامُها على إبراهيمَ ﵇ باتخاذه خليلاً وإنجائه من النار ومن ذبح الولدِ وعلى إسحق بإنجائه من الذبح وفدائِه بذِبْحٍ عظيم وبإخراج يعقوبَ والأسباطِ من صُلبه وكلُّ ذلك نعمٌ جليلة وقعت تتمةً لنعمة النبوة ولا يجب في تحقيق التشبيهِ كونُ ذلك في جانب المشبَّه به مثلَ ما وقع في جانب المشبه من كل وجه ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل هذا الوقت أو من قبلك ﴿إِبْرَاهِيمَ وإسحاق﴾ عطفُ بيانٍ لأبويك والتعبيرُ عنهما بالأب مع كونهما أبا جدِّه وأبا أبيه للإشعار بكمال ارتباطِه بالأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام وتذكيرِ معنى الولدُ سرُّ أبيه ليطمئن قلبُه بما أخبر به في ضمن التعبيرِ الإجمالي لرؤياه والاقتصارُ في المشبه به على ذكر إتمام النعمةِ من غير تعرض للاجتباء من باب الاكتفاء فإن إتمام النعمة

стр. 2701

يوسف الآية (٧ ٨) يقتضي سابقةَ النعمة المستدعيةِ للاجتباء لا محالة ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ استئنافٌ لتحقيق مضمونِ الجُمل المذكورةِ أي يفعل ما ذكر لأنه ﴿عَلِيمٌ﴾ بكل شيءٍ فيعلم من يستحق الاجتباءَ وما يتفرَّع عليه من التعليم المذكورِ وإتمامِ النعمةِ العامة على الوجه المذكور ﴿حَكِيمٌ﴾ فاعلٌ لكل شيءٍ حسبما تقتضيه الحكمةُ والمصلحة فيفعل ما يفعل كما يفعل جرياً على سنن علمِه وحكمتِه والتَّعرضُ لعُنوانِ الرُّبوبيَّةِ في الموضعين لتربية تحققِ وقوعِ ما ذُكر من الأفاعيلِ هذا وقد قيل في تفسير الآية الكريمةِ أي وكما اجتباك لمثل هذه الرؤيا الدالةِ على شرف وعزَ وكمالِ نفس يجتبيك ربُّك للنبوة والمُلك أو لأمور عِظامٍ ويُتمُّ نعمتَه عليك بالنبوة أو بأن يصل نعمة الدينا بنعمة الآخرة حيث جعلهم في الدنيا أنبياءَ وملوكاً ونقلهم عنها إلى الدرجات العلا في الجنة كما أتمها على أبويك بالرسالة فتأمل والله الهادي

стр. 2702

﴿لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾ أي في قصتهم والمراد بهم ههنا إما جميعُهم فإن لبنيامينَ أيضاً حصةً من القصة أو بنو عَلاّته المعدودون فيما سلف إذ عليهم يدور رحاها ﴿آيات﴾ علاماتٌ عظيمةُ الشأنِ دالةٌ على قدرة الله تعالى القاهرة وحكمته الباهرة ﴿للسائلين﴾ لكل من يسأل عن قصتهم وعرفها أو الطالبين للآيات المعتبرين بها فإنهم الواقفون عليها والمنتفعون بها دون مَنْ عداهم ممَّن اندرج تحت قوله تعالى وكأين من آية فِى السموات والارض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ فالمرادُ بالقصة نفسُ المقصوص أو على نبوتِه ﵇ لمن سأله من المشركين أو اليهود عن قصتهم فأخبرهم بذلك على ما هي عليه من غير سماعٍ من أحد ولا ممارسةِ شيء من الكتب فالمرادُ بها اقتصاصُها وجمعُ الآيات حينئذ للإشعار بأن اقتصاصَ كلِّ طائفةٍ من القصة آيةٌ بينةٌ كافيةٌ في الدلالة على نبوته ﵇ على نحو ما ذُكر في قوله تعالى مَّقَامِ إبراهيم على تقدير كونِه عطفَ بيان لقوله تعالى آيَات بَيّنَات لا لما قيلَ من أنه لتعدد جهةِ الإعجاز لفظاً ومعنى وقرأ ابن كثير آيةٌ وفي بعض المصاحف عبرةٌ وقيل إنما قصَّ الله تعالى على النبيِّ ﷺ خبرَ يوسفَ وبغْيَ إخوتِه عليه لِما رأى من بغي قومه عليه ليأتسي به

стр. 2703

﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ أي شقيقُه بنيامينُ وإنما لم يذكَرْ باسمه تلويحاً بأن مدار المحبةِ أُخوّتُه ليوسف من الطرفين ألا يُرى إلى أنهم كيف اكتفَوا بإخراج يوسفَ من البين من غير تعرُّضٍ له حيث قالوا اقتلوا يوسف ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ وحّد الخبر مع تعدد المبتدأ لأن أفعل من كذا لا يفرّق فيه بين الواحدِ وما فوقه ولا بين المذكر والمؤنث نعم إذا عُرّف وجب الفرقُ وإذا أضيف جاز الأمران وفائدةُ لام الابتداءِ في يوسف تحقيقُ مضمونِ الجملة وتأكيدُه ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي والحالُ أنا جماعةٌ قادرون على الحل والعقد أحقاءُ بالمحبة والعُصبة والعِصابة العشَرةُ من الرجال فصاعداً سُمّوا بذلك لأن الأمورَ تُعصَب بهم ﴿إِنَّ أَبَانَا﴾ في ترجيحهما علينا في المحبة مع فضلنا عليهما وكونهما بمعزل من كفاية الأمورِ بالصِّغر والقلة ﴿لفي ضلال﴾ أي ذهاب عن طريق التعديلِ اللائقِ وتنزيلِ كلَ منا منزلتَه ﴿مُّبِينٍ﴾

стр. 2704

يوسف الآية (١٠) ظاهرِ الحال روي أنه كان أحبَّ إليه لما يرى فيه من مخايل الخير وكانت إخوتُه يحسُدونه فلما رأى الرؤيا ضاعف له المحبة بحيث لم يصبِر عنه فتضاعف حسدُهم حتى حملهم على مباشرة ما قُص عنهم

стр. 2705

﴿اقتلوا يُوسُفَ أَوِ اطرحوه أَرْضًا﴾ من جملة ما حُكي بعد قوله إذا قالوا وقد قاله بعضٌ منهم مخاطباً للباقين بقضية الصيغة فكأنهم رضُوا بذلك كما يروى أن القائلَ شمعونُ أو دان والباقون كانوا راضين إلا من قال لا تقتلوا الخ فجعلوا كأنهم القائلون وأُدرجوا تحت القولِ المسندِ إلى الجميع أو قاله كلُّ واحدٍ منهم مخاطباً للبقية وهو أدلُّ على مسارعتهم إلى ذلك القولِ وتنكيرُ أرضاً وإخلاؤها من الوصف للإبهام أي أرضاً منكورةً مجهولة بعيدةً من العُمران ولذلك نصبت نصبَ الظروفِ المُبهمة ﴿يَخْلُ﴾ بالجزم جوابٌ للأمر أي يخلُصْ ﴿لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ فيُقبل عليكم بكلّيته ولا يلتفتْ عنكم إلى غيركم ولا يساهمكم في محبته أحدٌ فذكرُ الوجه لتصوير معنى إقبالِه عليهم ﴿وَتَكُونُواْ﴾ بالجزم عطفاً على يخْلُ أو بالنصب على إضمار أنْ أو الواو بمعنى مع مثل قوله وَتَكْتُمُواْ الحق وإيثارُ الخطابِ في لكم وما بعده للمبالغة في حملهم على القبول فإن اعتناءَ المرءِ بشأن نفسِه واهتمامَه بتحصيل منافعِه أتمُّ وأكمل ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ من بعد يوسفَ أي من بعد الفراغِ من أمره أو قتله أو طرحه ﴿قَوْمًا صالحين﴾ تائبين إلى الله تعالى عما جنيتم أو صالحين مع أبيكم بإصلاح ما بينكم وبينه بعذر تمهّدونه أو صالحين في أمور دنياكم بانتظامها بعده بخلُوّ وجه أبيكم

стр. 2706

﴿قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ﴾ هو يهوذا وكان أحسنَهم فيه رأياً وهو الذي قال فَلَنْ أَبْرَحَ الارض الخ وقيل روبيل وهو استئنافٌ مبني على سؤال من سأل وقال اتفقوا على ما عُرض عليهم من خصلتي الضّيْع أم خالفهم في ذلك أحدٌ فقيل قال قائل منهم ﴿لَا تَقْتُلُواْ يُوسُفَ﴾ أظهره في مقام الإضار استجلاباً لشفقتهم عليه أو استعظاماً لقتله وهو هو فإنه يروى أنه قال لهم القتلُ عظيمٌ ولم يصرّح بنهيهم عن الخَصلة الأخرى وأحاله على أولوية ما عرضه عليهم بقوله ﴿وَأَلْقُوهُ فِى غَيَابَةِ الجب﴾ أي في قعره وغوره سُمِّي بها لغَيبته عن عين الناظرِ والجبّ البئرُ التي لم تُطْوَ بعدُ لأنها أرضٌ جُبّت جباً من غير أن يُزاد على ذلك شيءٌ وقرأ نافعٌ في غيابات الجب في الموضعين كأن لتلك الجبّ غياباتٍ أو أراد بالجب الجنسَ أي في بعض غيابات الجبِّ وقرىء غيابات وغيبة ﴿يَلْتَقِطْهُ﴾ يأخذْه على وجه الصيانة عن الضياع والتلف فإن الالتقاطَ أخذُ شيءٍ مشرف على الضياع ﴿بَعْضُ السيارة﴾ أي بعض طائفةٍ تسير في الأرض واللام في السيارة كما في الجب وما فيهما وفي بعض من الإبهام لتحقيق ما يتوخاه من ترويج كلامِه بموافقته لغرضهم الذي هو تنائي يوسفَ عنهم بحيث لا يدرى أثرُه ولا يروى خبرُه وقرىء تلتقطْه على التأنيث لأن بعضَ السيارة سيارةٌ كقوله ... كَما شرِقَتْ صدرُ القناةِ من الدمِ ... ومنه قُطعت بعضُ أصابعه ﴿إِن كُنتُمْ فاعلين﴾ بمشورتي لم يبُتَّ القول عليهم بل إنما عرض

стр. 2707

يوسف الآية (١١ ١٢ ١٣) عليهم ذلك تأليفا لقلبهم وتوجيهاً لهم إلى رأيه وحذراً من نسبتهم له إلى التحكم والافتيات أو إن كنتم فاعلين ما أزمعتم عليه من إزالته من عند أبيه لا محالة ولما كان هذا مظنةً لسؤال سائل يقول فما فعلوا بعد ذلك هل قبِلوا ذلك منه أو لا أجيب بطريق الاستئناف على وجه أُدرج في تضاعيفه قبولهم لله بما سيجيء من قوله وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَابَةِ الجب فقيل

стр. 2708

﴿قَالُواْ يا أَبَانَا﴾ خاطبوه بذلك تحريكاً لسلسلة النسبِ بينه وبينهم وتذكيراً لرابطة الأخوّة بينهم وبين يوسفَ ﵊ ليتسببوا بذلك إلى استنزاله ﵇ عن رأية في حفظه منهم لمّا أحس منهم بأمارات الحسد والبغي فكأنهم قالوا ﴿مالك﴾ أي أيُّ شيء لك ﴿لَا تَأْمَنَّا﴾ أي لا تجعلنا أمناءَ ﴿على يُوسُفَ﴾ مع أنك أبونا ونحن بنوك وهو أخونا ﴿وَإِنَّا لَهُ لناصحون﴾ مريدون له الخيرَ ومشفقون عليه ليس فينا ما يُخلُّ بالنصيحة والمِقَة قطُّ والقراءة المشهورةُ بالإدغام والإشمام وعن نافع ﵁ تركُ الإشمام ومن الشواذ ترك الإدغام

стр. 2709

﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً﴾ إلى الصحراء ﴿يَرْتَعْ﴾ أي يتسعْ في أكل الفواكه ونحوهما فإن الرتع هو الاتساعُ في الملاذ ﴿وَيَلْعَبْ﴾ بالاستباق والتناضل ونظائرِهما مما يُعد من باب التأهّب للغزو وإنما عبروا عن ذلك باللعب لكونه على هيئته تحقيقاً لما راموه من استصحاب يوسفَ ﵇ بتصويرهم له بصورة ما يلائم حاله ﵇ وقرىء نرتعْ ونلعبْ بالنون وقرأ ابن كثير نرتِع من ارتعى ونافع بالكسر والياء فيه وفي يلعب وقرىء يُرتِعْ من أرتع ماشيتَه ويرتعِ بكسر العين ويلعبُ بالرفع على الابتداء ﴿وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ من أن يناله مكروهٌ أكدوا مقالتَهم بأصناف التأكيدِ من إيراد الجملة اسميةً وتحليتها بإنّ واللام وإسنادُ الحفظ إلى كلهم وتقديمُ له على الخبر احتيالاً في تحصيل مقصدهم

стр. 2710

﴿قال﴾ استئناف مبني على سؤال من يقول فماذا قال يعقوبُ ﵇ فقيل قال ﴿إِنّى لَيَحْزُنُنِى﴾ اللامُ للابتداء كما في قوله إن رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴿أَن تَذْهَبُواْ بِهِ﴾ لشدة مفارقتِه عليّ وقلة صبري عنه ﴿و﴾ مع ذلك ﴿أَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذئب﴾ لأن الأرض كانت مَذأبة والحزنُ ألمُ القلب بفوت المحبوبِ والخوفُ انزعاجُ النفسِ لنزول المكروهِ ولذلك أُسند الأولُ إلى الذهاب به المفوِّتِ لاستمرار مصاحبتِه ومواصلتِه ليوسف والثاني إلى ما يُتوقع نزولُه من أكل الذئبِ وقيل رأى في المنام أنه قد شد عليه ﵇ ذئبٌ وكان يحذَره فقال ذلك وقد لقنهم العلة ... إن البلاء موكل بالمنطق ... وقرأ ابن كثير ونافع في رواية البزي بالهمزة على الأصل وأبو عمرو به وقفاً وعاصم وابنُ عامر وحمزةُ درجاً وقيل اشتقاقه من تذاءبت الريحُ إذا هاجت من كل جانب وقال الأصمعي الأمرُ بالعكس وهو أظهر لفظاً ومعنى ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافلون﴾ لاشتغالكم بالرتع واللِّعْب أو لقلة اهتمامكم بحفظه

стр. 2711

يوسف الآية (١٤ ١٥)

стр. 2712

﴿قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذئب وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي والحالُ أنا جماعةٌ كثيرةٌ جديرةٌ بأن يعصب بنا الأمورُ العظام وتُكفى الخطوبُ بآرائنا وتدبيراتِنا واللام الداخلةُ على الشرط موطئةٌ للقسم وقوله ﴿إِنَّا إِذَا لخاسرون﴾ جوابٌ مُجزىءٌ عن الجزاء أي لهالكون ضعفاً وخوَراً وعجزاً أو مستحقون للهلاك إذ لا غَناء عندنا ولا جدوى في حياتنا أو مستحقون لأن يدعى علينا بالخَسار والدمار ويقال خسّرهم الله تعالى ودمّرهم حيث أكل الذئبُ بعضهم وهم حضور وقيل إن لم نقدِر على حفظه وهو أعزُّ شيء عندنا فقد هلكت مواشينا إذن وخسِرناها وإنما اقتصروا على جواب خوف يعقوب ﵇ من أكل الذئب لأنه السببُ القوي في المنع دون الحزن لِقصر مدّته بناء على أنهم يأتون به عن قريب

стр. 2713

﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ﴾ أي أزمعوا ﴿أَن يَجْعَلُوهُ﴾ مفعولٌ لأجمعوا يقال أجمع الأمرَ ومنه فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ ولا يستعمل ذلك إلا في الأفعال التي قوِيت الدواعي إلى فعلها ﴿فِى غَيَابَةِ الجب﴾ قيل هي بئرٌ بأرض الأردنّ وقيل بين مصرَ ومدينَ وقيل على ثلاثة فراسخَ من منزل يعقوبَ ﵇ بكنعانَ التي هي من نواحي الأردنّ كما أن مدين كذلك وأما يقال من أنها بئرُ بيتِ المقدس فيردّه التعليلُ بالتقاط السيارةِ ومجيئهم أباهم عشاءَ ذلك اليومِ فإن بين منزل يعقوبَ ﵇ وبين بيت المقدس مراحل وجوابُ لمَّا محذوفٌ إيذاناً بظهوره وإشعاراً بأن تفصيلَه مما لا يحويه فلكُ العبارة ومجملُه فعلوا به من الأذية ما فعلوا يروى أنهم لما برزوا إلى الصحراء أخذوا يُؤْذونه ويضرِبونه حتى كادوا يقتلونه فجلع يصيح ويستغيث فقال يهوذا أما عاهدتموني أن لا تقتلوه فأتَوا به إلى البئر فتعلق بثيابهم فنزعوها من يديه فدلّوه فيها فتعلق بشفيرها فربطوا يديه ونزعوا قميصَه لِما عزموا عليه من تلطيخه بالدم احتيالاً لأبيه فقال يا إخوتاه ردوا عليّ قميصي أتوارى به فقالوا ادعُ الشمسَ والقمرَ والأحدَ عشر كوكباً تؤنسك فدلوه فيها فلما بلغ نصفها ألقَوْه ليموت وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي فنادوه ظن أنها رحمةٌ أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه فمنعهم يهوذا وكان يأتيه بالطعام كلَّ يوم ويروى أن إبراهيمَ ﵇ حين ألقي في النار وجُرِّد عن ثيابه أتاهُ جبريلُ ﵇ بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فدفعه إبراهيم إلى إسحق وإسحق إلى يعقوبَ فجعله يعقوبُ في تميمة وعلقها في عنق يوسفَ فجاءه جبريل ﵇ فأخرجه من التميمة فألبسه إياه ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ عند ذلك تبشيراً له بما يئول إليه أمره وإزالةً لوحشته وإيناساً له قيل كان ذلك قبل إدراكِه كما أوحي إلى يحيى وعيسى وقيل كان إذ ذاك مدركا قال الحسن ﵁ كان له سبعَ عشرةَ سنة ﴿لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا﴾ أي لتَتخَلّصن مما أنت فيه من سوءِ الحالِ وضيقِ المجال ولتُحدِّثن إخوتَك بما فعلوا بك ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بأنك يوسفُ لتبايُن حاليك

стр. 2714

يوسف الآية (١٦ ١٧) حالِك هذا وحالِك يومئذ لعلو شأنِك وكبرياءِ سلطانِك وبُعد حالِك عن أوهامهم وقيل لبعد العهد المبدِّلِ للهيئات المغيِّرِ للأشكال والأولُ أدخلُ في التسلية روي أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون دعا بالصُّواع فوضعه على يده ثم نقره فطنّ فقال إنه ليُخبرني هذا الجامُ أنه كان لكم أخٌ من أبيكم يقال له يوسفُ وكان يُدْنيه دونكم وأنكم انطلقتم به وألقَيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيكم أكله الذئبُ وبعتموه بثمن بخس ويجوز أن يتعلق وهم لا يشعرون بالإيحاء على معنى أنا آنسناه بالوحي وأزلنا عن قلبه الوشحة التي أورثوه وهم لا يشعرون بذلك ويحسبون أنه مرهق ومستوحش لا أنيس له وقرىء لننبئنّهم بالنون على أنه وعيدٌ لهم فقوله تعالى وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ متعلق بأوحينا لا غير

стр. 2715

﴿وجاؤوا أَبَاهُمْ عِشَاءً﴾ آخر النهار وقرىء عُشِيّا وهو تصغير عشى وعُشىً بالضم والقصر جمع أعشى أي عَشْواً من البكاء ﴿يَبْكُونَ﴾ متباكين روي أنه لما سمع يعقوبُ ﵇ بكاءهم فزع وقال ما لكم يا بَنيّ وأين يوسف

стр. 2716

﴿قالوا يا أبانا إنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ أي متسابقين في العدْو والرمي وقد يشترك الافتعال والتفاعل كالإنتضال والتنضال ونظائرهما ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ متاعنا﴾ أي ما نتمتع به من الثياب والأزواد وغيرِهما ﴿فَأَكَلَهُ الذئب﴾ عَقيبَ ذلكَ من غير مُضيِّ زمانٍ يعتاد فيه التفقدُ والتعهدُ وحيث لا يكاد يُطرح المتاعُ عادة إلا في مقام يُؤْمن فيه الغوائل لم يعهد تركُه ﵇ عنده من باب الغفلة وتركِ الحفظ الملتزَم لا سيما إذا لم يبرحوه ولم يغيبوا عنه فكأنهم قالوا إنا لم نقصِّر في محافظته ولم نغفُلْ عن مراقبته بل تركناه في مأمننا ومجمعنا بمرأىً منا لأن ميدانَ السباق لا يكون عادة إلا بحيث يتراءى غايتاه وما فارقناه إلا ساعةً يسيرةً بيننا وبينه مسافةٌ قصيرة فكان ما كان ﴿وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ بمصدّق لنا في هذه المقالة الدالةِ على عدم تقصيرِنا في أمره ﴿وَلَوْ كُنَّا﴾ عندك وفي اعتقادك ﴿صادقين﴾ موصوفين بالصدق والثقةِ لشدة محبتك ليوسف فكيف وأنت سيّءُ الظن بنا غيرُ واثقٍ بقولنا وكلمة لو في أمثالِ هذهِ المواقعِ لبيان تحققِ ما يفيده الكلامُ السَّابقُ من الحكم الموجَبِ أو المنفي على كل حالٍ مفروض من الأحوالِ المقارنةِ له على الإجمال بإدخالِها على أبعدِها منه وأشدِّها منافاةً له ليظهرَ بثبوته أو انتفائِه معه ثبوتُه أو انتفاؤُه مع غيره من الأحوال بطريق الأولوية لِما أن الشيءَ متى تحقَّقَ مع المنافي القويِّ فلأنْ يتحقَّقَ مع غيره أولى ولذلك لا يُذكر معه شيءٌ من سائرِ الأحوال ويكتفى عنه بذكر الواوِ العاطفةِ للجُملة على نظيرتها المقابلةِ لها الشاملةِ لجميع الأحوالِ المغايرةِ لها عند تعدّدِها وقد مرَّ تفصيله في سُورةِ البقرةِ عند قولِه تعالى أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهم لَا يَعْقِلُونَ شيئا ولا يهتدون وفي سورةِ الأعرافِ عند قوله تعالى أَوَلَوْ كُنَّا كارهين

стр. 2717

يوسف الآية (١٨ ١٩)

стр. 2718

﴿وجاؤوا على قَمِيصِهِ﴾ محلُّه النصبُ على الظرفية من قوله ﴿بِدَمٍ﴾ أي جاءوا فوق قميصِه بدم كما تقول جاء على جِماله بأحمال أو على الحالية منه والخلاف في تقدم الحال على المجرور فيما إذا لم يكن الحالُ ظرفاً ﴿كَذِبٍ﴾ مصدرٌ وصف به الدمُ مبالغةً أو مصدرٌ بمعنى المفعول أي مكذوبٍ فيه أو بمعنى ذي كذب أي ملابِسٍ لكذب وقرىء كذباً على أنه حالٌ من الضمير أي جاءوا كاذبين أو مفعولٌ له وقرأت عائشةَ رضيَ الله تعالى عنها بغير المعجمة أي كدر وقيل طريّ قال ابن جني أصله من الكذب وهو الفوف البياض الذي يخرج على أظفار الأحداث كأنه دم قد أثر في قميصه روي أنهم ذبحوا سَخْلةً ولطّخوه بدمها وزلّ عنهم أن يمزقوه فلما سمع يعقوبُ بخبر يوسف ﵉ صاح بأعلى صوته وقال أين القميصُ فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضَب وجهَه بدم القميص وقال تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلمَ من هذا أكل ولم يمزِّقْ عليه قميصه وقيل كان في قميص يوسف ﵇ ثلاثُ آياتٍ كان دليلاً ليعقوب على كذبهم وألقاه على وجهه فارتد بصيراً ودليلاً على براءة يوسف ﵇ حين قدمن دُبر ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مبني على سؤال فكأنه قيل ما قال يعقوبُ هل صدقهم فيما قالوا أم لا فقيل قال لم يكن ذلك ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ﴾ أي زينت وسهّلت قاله ابن عباس ﵄ والتسويلُ تقديرُ شيءٍ في النفس مع الطمع في إتمامه قال الأزهري كأنّ الستويل تفعيل من سؤال الإنسان وهو أميته التي يطلبها فتزين لطالبها الباطلَ وغيرَه وأصله مهموز وقيل من السَّوَل وهو الاسترخاءِ ﴿أمْراً﴾ من الأمور منْكراً لا يوصف ولا يعرف فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أجملُ أو أمثلُ وفي الحديث الصبرُ الجميلُ الذي لا شكوى فيه أي إلى الخلق وإلا فقد قال يعقوبُ ﵇ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وقيل سقط حاجباه على عينيه فكان يرفعهما بعصابة فقيل ما هذا قال طولُ الزمان وكثرةُ الأحزان فأوحى الله إليه يا يعقوبُ أتشكوني قال يا رب خطيئةٌ فاغفِرها لي وقرأ أُبيّ فصبراً جميلاً ﴿والله المستعان﴾ أي المطلوبُ منه العونُ وهو إنشاءٌ منه ﵇ للاستعانة المستمرة ﴿على مَا تَصِفُونَ﴾ على إظهار حال ما تصفون وبيانِ كونِه كذباً وإظهارِ سلامتِه فإنه عَلَم في الكذب قال سبحانه سبحان رَبّكَ رَبّ العزة عَمَّا يَصِفُونَ وهو الأليقُ بما سيجيء من قوله تعالى فَصَبْرٌ جميل عسى الله أني يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا وتفسيرُ المستعانِ عليه باحتمال ما يصفون من هلاك يوسفَ والصبرِ على الرزء فيه يأباه تكذيبُه ﵇ لهم في ذلك ولا تساعدُه الصيغةُ فإنها قد غلَبت في وصف الشيء بما ليس فيه كما أشير إليه

стр. 2719

﴿وَجَاءتْ﴾ شروعٌ في بيان

стр. 2720

يوسف الآية (٢٠) ما جرى على يوسف في الجب بعد الفراغِ من ذكر ما وقع بين إخوتِه وبين أبيه والتعبيرُ بالمجيء ليس بالنسبة إلى مكانهم فإن كنعانَ ليس بالجانب المصريِّ من مدينَ بل إلى مكان يوسف وفي إيثاره على المرور أو الإتيانِ أو نحوهما إيماءٌ إلى كونه ﵇ في الكرامة والزلفى عند مليكٍ مقتدرٍ والظاهر أن الجب كان في الأمم المئتاء فإن المتبادر من إسناد المجيء إلى السيارة مطلقاً في قولِه وجاءت ﴿سَيَّارَةٌ﴾ أي رفقةٌ تسير من جهة مدينَ إلى مصرَ وقوعُه باعتبار سيرِهم المعتادِ وهو الذي يقتضيه قوله تعالى فيما سلف يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السيارة وقد قيل إنه كان في قفرة بعيدةٍ من العُمران لم تكن إلا للرعاة فأخطئوا الطريقَ فنزلوا قريباً منه وقيل كان ماؤه مِلْحاً فعذُبَ حين ألقي فيه ﵇ ﴿فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ﴾ الذي يرد الماءَ ويستقي لهم وكان ذلك مالك بنُ ذعر الخزاعيّ وإنما لم يُذكر منتهى الإرسالِ كما لم يذكر منتهى المجيءِ أعني الجب للإيذان بأن ذلك معهودٌ لا يُضرب عنه الذكرُ صفحاً ﴿فأدلى دَلْوَهُ﴾ أي أرسلها إلى الجب والحذفُ لما عرفتَه فتدلى بها يوسف فخرج ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال يقتضيه الحال ﴿يا بشرى هذا غُلَامٌ﴾ كأنه نادى البُشرى وقال تعالَيْ فهذا أوانُك حيث فاز بنعمة باردةٍ وأيِّ نعمةٍ مكانَ ما يوجد مباحاً من الماء وقيل هو اسمُ صاحبٍ له ناداه ليُعينَه على إخراجه وقرأ غيرُ الكوفيين يا بشرايَ وأمال فتحةَ الراءِ حمزةُ والكِسائيُّ وقرأ ورشٌ بين اللفظين وقرىء يا بُشْرَيَّ بالإدغام وهي لغة وبشرايْ على قصد الوقف ﴿وَأَسَرُّوهُ﴾ أي أخفاه الواردُ وأصحابُه عن بقية الرفقة وقيل أخفَوا أمرَه ووجدانَهم له في الجب وقالوا لهم دفعَه إلينا أهلُ الماء لنبيعه لهم بمصرَ وقيل الضميرُ لإخوة يوسفَ وذلك أن يهوذا كان يأتيه كلَّ يوم بطعام فأتاه يومئذ فلم يجدْه فيها فأخبر إخوتَه فأتَوا الرفقةَ وقالوا هذا غلامنا أبق فاشترَوه منهم وسكت يوسفُ مخافةَ أن يقتُلوه ولا يخفلا ما فيهِ من البُعدِ ﴿بضاعة﴾ نُصب على الحالية أي أخفَوه حالَ كونِه بضاعةً أي متاعاً للتجارة فإنها قطعةٌ من المال بُضعت عنه أي قطعت للتجارة ﴿والله عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ وعيدٌ لهم على ما صنعوا من جعلهم مثلَ يوسفَ وهو هو عرضةً للابتذال بالبيع والشراءِ وما دبروا في ذلك من الحيل

стр. 2721

﴿وَشَرَوْهُ﴾ أي باعوه والضمير للوارد وأصحابه ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ زيْفٍ ناقصِ العيار ﴿دراهم﴾ بدل من ثمن أي لا دنانير ﴿مَّعْدُودَةٍ﴾ أي غيرِ موزونة فهو بيانٌ لقلته ونقصانه مقدارا بعد بيان نقصانِه في نفسه إذ المعتادُ فيما لا يبلغ أربعين العدُّ دون الوزن فعن ابن عباس ﵄ أنها كانت عشرين درهماً وعن السدي ﵁ أنها كانت اثنين وعشرين درهماً ﴿وَكَانُواْ﴾ أي البائعون ﴿فِيهِ﴾ في يوسف ﴿مِنَ الزاهدين﴾ من الذين لا يرغبون فيما بأيديهم فلذلك باعوه بما ذكر من الثمن البخْسِ وسببُ ذلك أنهم التقطوه والملتقطُ للشيء متهاونٌ به أو غيرُ واثق بأمره يخاف أن يظهر له مستحِقٌّ فينتزعه منه فيبيعه من أول مُساومٍ بأوكسِ ثمن ويجوز أن يكون معنى شرَوه اشتروه من إخوته على ما حُكي وهم غير راغبين في شِراه خشية ذهابِ ما لهم لما طن في آذانهم من الإباق والعدول عن صيغة الافتعال المنبئةِ عن الاتخاذ لما مرَّ منْ أنَّ أخذَهم إنما كان بطريق البضاعة دوت الاجتباء والاقتناءِ وفيه متعلِّق بالزاهدين إن جُعل اللامُ للتعريف

стр. 2722

يوسف الآية (٢١) وبيانٌ لما زهدوا فيه إن جُعلتْ موصولة كأنه قيل في أي شيء زهِدوا فقيل زهدوا فيه لأن ما يتعلق بالصلة لا يتقدم على الموصول

стр. 2723

﴿وَقَالَ الذى اشتراه مِن مّصْرَ﴾ وهو العزيز الذي كان على خزائنه وسمه قطفيرُ أو إطفير وبيانُ كونِه من مصرَ لتربية ما يتفرّع عليه من الأمور مع الإشعار بكونه غيرَ من اشتراه من الملتقطين بما ذكر من الثمن البخس وكان الملكَ يومئذ الريانُ بنُ الوليد العمليقي ومات في حياة يوسفَ ﵇ بعد أن آمن به فملَك بعده قابوسُ بنُ مصعب فدعاه إلى الإسلام فأبى وقيل كان الملكُ في أيامه فرعونُ موسى ﵇ عاش أربعَمائة سنةٍ لقوله وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بالبينات وقيل فرعونُ موسى من أولاد فرعونِ يوسف والآية من قبيل خطاب الأولادِ بأحوال الآباء واختلف في مقدار ما اشتراه به العزيز فقيل بعشرين ديناراً وزوجَيْ نعل وثوبين أبيضين وقيل أدخلوه في السوق يعرِضونه فترافعوا في ثمن حتى بلغ ثمنُه وزنَه مسكا ووزنه ورقا ووزنَه حريراً فاشتراه قطفيرُ بذلك المبلغ وكان سنه إذ ذاك سبعَ عشرةَ سنة وأقام في منزله مع ما مر عليه من مدة لبثه في السجن ثلاثَ عشرةَ سنةً واستوزره الريانُ وهو ابن ثلاثين سنة وآتاه الله العلم والحكمة وهو ابنُ ثلاثٍ وثلاثين سنة وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة ﴿لاِمْرَأَتِهِ﴾ راعيل أو زليخا وقيل اسمُها هو الأول والثاني لقبُها واللامُ متعلقةٌ بقال لا باشتراه ﴿أَكْرِمِى مَثْوَاهُ﴾ اجعلي محلَّ إقامتِه كريماً مرضياً والمعنى أحسني تعهّده ﴿عسى أَن يَنفَعَنَا﴾ في ضِياعنا وأموالِنا ونستظهر به في مصالحنا ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ أي نتبنّاه وكان ذلك لِما تفرّس فيه من مخايل الرشد والنجابة ولذلك قيل أفرسُ الناسِ ثلاثةٌ عزيزُ مصرَ وابنةُ شعيبِ التي قالت يا أبت استأجره وأبو بكر حين استخلف عمر ﵄ ﴿وكذلك﴾ نُصب على المصدرية وَذَلِكَ إشارةٌ إلى ما يفهم من كلام العزيزِ وما فيه من معنى البُعد لتفخيمه أي مثلَ ذلك التمكينِ البديع ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الارض﴾ أي جعلنا له فيها مكاناً يقال مكّنه فيه أي أثبته فيه ومكّن له فيه أي جعل له فيه مكاناً ولتقاربهما وتلازُمهما يُستعمل كلٌّ منهما في محل الآخر قال وكم أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ مكناهم فِى الأرض مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ أي ما لم نمكنْكم فيها أو مكنّا لهم في الأرض الخ والمعنى كما جعلنا له مثوى كريماً في منزل العزيزِ أو مكاناً علياً في قلبه حتى أمرَ امرأتَه دون سائر حواشيه بإكرام مثواه جعلنا له مكانةً رفيعة في أرض مصر ولعله عبارةٌ عن جعله وجيهاً بين أهلها ومحبباً في قلوبهم كافة كما في قلب العزيزِ لأنه الذي يؤدّي إلى الغاية المذكورةُ في قولِه تعالى ﴿وَلِنُعَلّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث﴾ أي نوفقه لتعبير بعضِ المنامات التي عُمدتُها رؤيا الملِك وصاحبَي السجنِ لقوله تعالى ذلكما مما علمنى ربى سواءٌ جعلناه معطوفاً على غاية مقدرةٍ ينساقُ إليها الكلامُ ويستدعيها النظامُ كأنه قيل ومثلَ ذلك التمكينِ مكنا ليوسف فى الارض وجعلنا قلوب

стр. 2724

يوسف الآية (٢٢) أهلها كافة محال محبتِه ليترتب عليه ما ترتب مما جرى بينه وبين امرأةِ العزيز ولنعلمه تأويل الأحاديثِ وهو تأويلُ الرؤيا المذكورة فيؤدّي ذلك إلى الرياسة العُظمى ولعل ترك المعطوفِ عليه للإشعار بعدم كونه مراداً بالذات أو جعلناه علةً لمعلل محذوف كأنه قيل ولهذا الحكمةِ البالغةِ فعلنا ذلك التمكينَ دون غيرها مما ليس له عاقبةٌ حميدة هذا ولا يخفى عليك أن الذي عليه تدور هذه الأمورُ إنما هو التمكينُ في جانب العزيز وأما التمكينُ في جانب الناسِ كافةً فتأديتُه إلى ذلك إنما هي باعتبار اشتمالِه على ذلك التمكينِ فإذن الحق أن يكون ذلك إشارة إلى مصدر قوله تعالى مَكَّنَّا لِيُوسُفَ على أن يكون هو عبارةً عن التمكين في قلب العزيزِ أو في منزله وكونُ ذلك تمكيناً في الإرض بملابسة أنه عزيزٌ فيها لا عن تمكين آخرَ يُشبه به كما مرَّ في قوله تعالى وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا من إِنَّ ذلك إشارةٌ إلى مصدر الفعلِ المذكورِ بعده لا إلى جعل آخرَ يُقصد تشبيهُ هذا الجعْل به فالكاف مقحم للدلالة على فخامة شأن المشار إليه إقحاماً لا يكاد يترك في لغة العرب ولا في غيرها ومن ذلك قولهم مثلُك لا يبخل وهكذا ينبغي أن يُحقق المقامُ وأما التمكينُ بمعنى جعلِه ملكا يتصرف في أرض مصرَ بالأمر والنهي فهو من آثار ذلك التعليم ونتائجِه المتفرعة عليه كما عرفته لا من مباديه المؤديةِ إليه فلا سبيل إلى جعله غايةً له ولم يُعهد منه ﵇ في تضاعيف قضاياه العملُ بموجب المناماتِ المنبّهة على الحوادث قبل وقوعِها عهداً مصححاً لجعله غايةً لولايته وما وقع من التدارك في أمر السنين فإنما هو عملٌ بموجب الرؤيا السابقةِ المعهودة اللهم إلا أن يراد بتعليم تأويلِ الأحاديث ما سبق من تفهيم غوامضِ أسرار الكتب الإلهية ودقائق سنن الأنبياء ﵈ فيكون المعنى حينئذ مكنا له في أرضَ مصر ليتصرف فيها بالعدل ولنعلمه معانيَ كتب الله تعالى وأحكامَها ودقائقَ سنن الأنبياء ﵈ فيقضي بها فيما بين أهلها والتعليمُ الإجماليُّ لتلك المعاني والأحكام وإن كان غير متأخر عن تمكينه بذلك المعنى ألا أن تعليمَ كلِّ معنى شخصيَ يتفق في ضمن الحوادثِ والإرشادِ إلى الحق في كل نازلةٍ من النوازل متأخرٍ عن ذلك صالحٍ لأن يكون غاية له ﴿والله غالبٌ على أَمْرِهِ﴾ لا يستعصى عليه أمرٌ ولا يمانعه شيءٌ بل إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فيكونُ فيدخل في ذلك شئونه المتعلقةُ بيوسف دخولاً أولياً أو متولَ على أمر يوسفَ لا يكِله إلى غيره وقد أريد به من الفتنة ما أريد مرة غِبَّ مرة فلم يكن إلا ما أراد الله له من العاقبة الحميدة ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمرَ كذلكَ فيأتون ويذرون زعماً منهم أن لهم من الأمر شيئاً وأنى لهم ذلك وإن الأمرَ كلَّه لله أو لا يعلمون لطائفَ صنعِه وخفايا فضله

стр. 2725

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ أي منتهى اشتدادِ جسمه وقوتِه وهو سنُّ الوقوف ما بين الثلاثين إلى الأربعين وقيل سنُّ الشباب ومبدأ بلوغِ الحُلُم والأولُ هو الأظهرُ لقوله تعالى ﴿اتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾ حِكمةً وهو العلم المؤيَّدُ بالعمل أو حكماً بين الناس وفقهاً أو نبوة ﴿وَعِلْماً﴾ أي تفقهاً في الدين وتنكيرُهما للتفخيم أي حكماً وعلماً لا يُكتنه كُنهُهما ولا يقادَرُ قدرُهما فهما ما آتاه الله تعالى عند تكاملِ قُواه سواءٌ كانا عبارةً عن النبوة والحُكم بين الناس أو غيرِهما كيف لا وقد جُعل إيتاؤهما

стр. 2726

يوسف الآية (٢٣) جزاءً لعمله ﵇ حيث قال ﴿وكذلك﴾ أي مثلَ ذلك الجزاءِ العجيب ﴿نَجْزِى المحسنين﴾ أي كلَّ من يُحسِن في عمله فيجب أن يكون ذلك بعد انقضاءِ أعمالِه الحسنةِ التي من جُملتها معاناةُ الأحزان والشدائدِ وقد فُسّر العلمُ بعلم تأويلِ الأحاديث ولا صحةَ له إلا أن يُخَصَّ بعلم تأويلِ رؤيا الملِك فإن ذلك حيث كان عند تناهي أيامِ البلاءِ صحّ أن يُعدَّ إيتاؤُه من جملة الجزاء وأما رؤيا صاحبَي السجن فقد لبث ﵇ بعد تعبيرِها في السجن بضعَ سنين وفي تعليق الجزاءِ المذكورِ بالمحسنين إشعارٌ بعلّية الإحسان له وتنبيهٌ على أنه سبحانه إنما آتاه ما آتاه لكونه محسناً من أعماله متّقياً في عنفوان أمرِه هَلْ جَزَاء الإحسان إِلَاّ الإحسان

стр. 2727

﴿وَرَاوَدَتْهُ التى هُوَ فِى بَيْتِهَا﴾ رجوعٌ إلى شرح ما جرى عليه في منزل العزيز بعدما أمر امرأتَه بإكرام مثواه وقوله تعالى وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ إلى هنا اعتراضٌ جيء به أُنموذجاً للقصة ليعلم السامعُ من أول الأمر أن ما لقِيه ﵇ من الفتن التي ستحكى بتفاصيلها له غايةٌ جميلةٌ وعاقبةٌ حميدةٌ وأنه ﵇ مُحسنٌ في جميع أعمالِه لم يصدُر عنه في حالتي السراءِ والضراءِ ما يُخِلُّ بنزاهته ولا يخفى أن مدار حسن التخليص إلى هذا الاعتراضِ قبل تمام الآيةِ الكريمةِ إنما هو التمكينُ البالغُ المفهومُ من كلام العزيز فإدراجُ الإنجاءِ السابق تحت الإشارةِ بذلك في قوله تعالى وكذلك مَكَّنَّا كما فعله الجمهورُ ناءٍ من التقريب فتأملْ والمراودةُ المطالبةً من راد يرود إذا جاء وذهب لطلب شيءٍ ومنه الرائد لطلب الماءِ والكلأ وهي مفاعلةٌ من واحد نحوُ مطالبةِ الدائنِ ومماطلةِ المديونِ ومداواةِ الطبيب ونظائِرها مما يكون من أحد الجانبين الفعلُ ومن الآخر سببُه فإن هذه الأفعالَ وإن كانت صادرةً عن أحد الجانبين لكن لما كانت أسبابُها صادرةً عن الجانب الآخر جُعلت كأنها صادرةٌ عنهما وهذا بابٌ لطيفُ المسلك مبنيٌّ على اعتبار دقيقٍ تحقيقُه أن سببَ الشيء يقام مُقامَه ويطلق عليه اسمُه كما في قولهم كما تدين تدان أي كما تجزي تجزى فإن فعل البادي وإن لم يكن جزاءً لكنه لكونه سبباً للجزاء أُطلق عليه اسمُه وكذلك إرادةُ القيامِ إلى الصلاة وإرادةُ قراءةِ القرآنِ حيث كانتا سبباً للقيام والقراءة عُبّر عنهما بهما فقيل إِذَا قُمتُم إِلَى الصلاة فإذا قرأت القرآن وهذه قاعدةٌ مطردةٌ مستمرة ولمّا كانت أسبابُ الأفعالِ المذكورة فيما نحن فيه صادرةً عن الجانب المقابلِ لجانب فاعلِها فإن مطالبةَ الدائنِ للمماطلة التي هي من جانب الغريم وهي منه للمطالبة التي هي من جانب الدائنِ وكذا مداواةُ الطبيب للمرض الذي هو من جانب المريض وكذلك مراودتُها فيما نحن فيه لجمال يوسفَ ﵇ نُزّل صدورُها عن محالها بمنزلة صدور مسبباتهما التي هي تلك الأفعالُ فبُني الصيغةُ على ذلك وروعيَ جانبُ الحقيقةِ بأن أُسند الفعلُ إلى الفاعل وأُوقع على صاحب السبب فتأملِ ويجوز أن يراد بصيغة المغالبةِ مجردُ المبالغة وقيل الصيغةُ على بابها بمعنى أنها طَلبت منه الفعلَ وهو منها التركَ ويجوزُ أنْ يكونَ مَنْ الرُوَيد وهو الرفقُ والتحمّلُ وتعديتُها بعن لتضمينها معنى المخادعة فالمعنى خادعته ﴿عَن نفسه﴾ أي فعلت

стр. 2728

يوسف الآية (٢٤) ما يفعل المخادِع لصاحبه عن شيء لا يريد إخراجَه من يده وهو يحتال أن يأخذه منه وهي عبارةٌ عن التمحّل في مواقعته إياها والعدولُ عن التصريح باسمها للمحافظة على السر أو للاستهجان بذكره وإيرادُ الموصول لتقرير المراودةِ فإن كونَه في بيتها مما يدعو إلى ذلك قيل لواحدةٍ ما حملك على ما أنت عليه مما لا خيرَ فيه قالت قربُ الوساد وطولُ السواد ولإظهار كمالُ نزاهتِه ﵇ فإن عدمَ ميلِه إليها مع دوام مشاهدتِه لمحاسنها واستعصاءه عليها مع كونه تحت ملَكتِها ينادي بكونه ﵇ في أعلى معارج العفة والنزاهة ﴿وَغَلَّقَتِ الابواب﴾ قيل كانت سبعةً ولذلك جاء الفعل بصيغة التفعيل دون الإفعال وقيل للمبالغة في الإيثاق والإحكام ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ قرىء بفتح الهاء وكسرها مع فتح التاء وبناؤه كبناء أينَ وعيط وهيتِ كجَيرِ وهَيتُ كحيث اسم فعل معناه أَقبلْ وبادر واللام للبيان أي لك أقول هذا كما في هلم لك وقرىء هِئتُ لك على صيغة الفعل بمعنى تهيأتُ يقال هاء يهييءُ كجاء يجيء إذا تهيأ وهُيِّئْتُ لك واللام صلة للفعل ﴿قَالَ مَعَاذَ الله﴾ أي أعوذ بالله مَعاذاً مما تدعينني إليه وهذا اجتنابٌ منه على أتم الوجوه وإشارةٌ إلى التعليل بأنه منكَرٌ هائلٌ يجب أن يُعاذ بالله تعالى للخلاص منه وما ذاك إلا لأنه ﵇ قد شاهده بما أراه الله تعالى من البرهان النيّر على ما هو عليه في حد ذاتِه من غاية القُبح ونهايةِ السوء وقولُه ﴿إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَ﴾ تعليلا للامتناع ببعض الأسباب الخارجيةِ مما عسى يكون مؤثراً عندها وداعياً لها إلى اعتباره بعد التنبيهِ على سببه الذاتي الذي لا تكاد تقبله لما سوّلتْه لها نفسُها والضميرُ للشأن ومدارُ وضعه موضعَه ادِّعاءُ شهرتِه المُغْنية عن ذكره وفائدةُ تصديرِ الجملة به الإيدان بفَخامة مضمونِها مع ما فيه من زيادة تقريرِه في الذهن فإنَّ الضميرَ لا يُفهمُ منه من أولِ الأمرِ إلا شأنٌ مبهمٌ لهُ خطرٌ فيبقى الذهنُ مترقِّباً لما يعقُبه فيتمكنُ عندَ ورودِه لَهُ فضلُ تمكُّنٍ فكأنه قيل إن الشأنَ الخطيرَ هذا وهو ربي أي سيدي العزيزُ أحسنَ مثواي أي أحسن تعهّدي حيث أمرك بإكرامي فكيف يمكن أن أُسيء إليه بالخيانة في حَرَمه وفيه إرشادٌ لها إلى رعاية حقِّ العزيزِ بألطف وجهٍ وقيل الضميرُ لله وربي خبرُ إن وأحسن مثواي خبر ثنان أو هو الخبرُ والأولُ بدلٌ من الضمير والمعنى أن الحالَ هكذا فكيف أعصيه بارتكاب تلك الفاحشةِ الكبيرةِ وفيه تحذيرٌ لها من عقاب الله وعلى التقديرين ففي الاقتصار على ذكر هذه الحالةِ من غير تعرّضٍ لاقتضائها الامتناعَ عما دعته إليه إيذانٌ بأن هذه المرتبةَ من البيان كافيةٌ في الدلالة على استحالته وكونه مما لا يدخل تحت الوقوع أصلاً وقوله تعالى ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظالمون﴾ تعليلٌ للامتناع المذكورِ غِبَّ تعليل والفلاحُ الظفرُ وقيل البقاءُ في الخير ومعنى أفلح دخل فيه كأصبح وأخواته والمراد بالظالمين كلُّ من ظلم كائناً من كان فيدخل في ذلك المجازون للإحسان بالإساءة والعصاةُ لأمر الله تعالى دخولاً أولياً وقيل الزناةُ لأنهم ظالمون لأنفسهم وللمَزْنيِّ بأهله

стр. 2729

﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ بمخالطته إذِ الهمُّ لا يتعلق

стр. 2730

بالأعيان أي قصدتْها وعزمت عليها عزماً جازماً لا يلوبها عنه صارفٌ بعد ما باشرت مباديها وفعلت ما فعلت من المراودة وتغليقِ الأبواب ودعوتِه ﵇ إلى نفسها بقولها هيتَ لك ولعلها قصدت هنالك لأفعال أُخَرَ من بسط يدِها إليه وقصدِ المعانقة وغير ذلك مما يَضْطره ﵇ إلى الهرب نحوَ الباب والتأكيدُ لدفع ما عسى يُتوهَّم من احتمال إقلاعِها عما كانت عليه بما في مقالته ﵇ من الزواجر ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ بمخالطتها أي مال إليها بمقتضى الطبيعةِ البشرية وشهوةِ الشباب وقرمه ميلاً جبلياً لا يكادُ يدخُل تحتَ التكليفِ لا أنه قصدها قصداً اختيارياً ألا يُرى إلى ما سبق من استعصامه المُنْبىءِ عن كمال كراهيتِه له ونفرتِه عنه وحُكمه بعدم إفلاح الظالمين وهل هو إلا تسجيلٌ باستحالة صدور الهمِّ منه ﵇ تسجيلا محكما وإنما عبر عنه بالهمّ لمجرد وقوعِه في صحبة همِّها في الذكرِ بطريق المشاكلة لا لشَبَهه به كما قيل ولقد أشير إلى تباينهما حيث لم يُلَزّا في قَرن واحد من التعبير بأن قيل ولقد همّا بالمخالطة أو همّ كلٌّ منهما بالآخر وصُدّر الأولُ بما يقرر وجودَه من التوكيد القسمي وعُقّب الثاني بما يعفو أثرَه من قولهِ ﴿لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ﴾ أي حجتَه الباهرةَ الدالة على كمال قبحِ الزنى وسوءِ سبيله والمرادُ برؤيته لها كمالُ إيقانِه بها ومشاهدتِه لها مشاهدةً واصلة إلى مرتبة عينِ اليقين الذي تنجلي هناك حقائقُ الأشياء بصورها الحقيقة وتنخلع عن صورها المستعارة التي بها تظهر في هذه النشأة على ما نطقَ به قولُه ﷺ حُفّتِ الجنَّةُ بالمكاره وحُفّتِ النار بالشهوات وكأنه ﵇ قد شاهد الزنى بموجب ذلك البرهانِ النيّر على ما هو عليه في حد ذاتِه أقبحَ ما يكون وأوجبَ ما يجب أن يُحذر منه ولذلك فعل ما فعل من الاستعصام والحُكمِ بعدم إفلاحِ من يرتكبه وجوابُ لولا محذوفٌ يدل عليه الكلامُ أي لولا مشاهدتُه برهانَ ربه في شأن الزنى لجَرى على موجب ميلِه الجِبليِّ ولكنه حيث كان مشاهداً له من قبلُ استمر على ما هو عليه من قضية البرهان وفائدةُ هذه الشرطيةِ بيانُ أن امتناعَه ﵇ لم يكُنْ لعدم مساعدةٍ من جهة الطبيعة بل لمحض العفةِ والنزاهة مع وفور الدواعي الداخلية وترتبِ المقدّمات الخارجيةِ الموجبةِ لظهور الأحكام الطبيعية هذا وقد نص أئمةُ الصناعة على أن لولا في أمثالِ هذهِ المواقعِ جارٍ من حيث المعنى لا من حيث الصيغةُ مَجرى التقييدِ للحُكم المطلقِ كما في مثلِ قولِه تعالى إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلهتنا لَوْلَا أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا فلا يتحقق هناك همٌّ أصلاً وقد جوز أن يكون وهم بها جوابَ لولا جرياً على قاعدة الكوفيين في جواز التقديم فالهمُّ حينئذ على معناه الحقيقي فالمعنى لولا أنه قد شاهد براهان ربه لهمَّ بها كما همت به ولكن حيث انتفى عدم المشاهدة بدليل استعصامِه وما يتفرع عليه انتفى الهمُّ رأساً هذا وقد فُسّر همُّه ﵇ بأنه ﵇ حل الهيمان وجلس مجلسَ الخِتان وبأنه حل تِكّة سراويلِه وقعد بين شُعَبها ورؤيتُه للبرهان بأنه سمع صوتاً إياك وإياها فلم يكتري ثم وثم إلى أن تمثّل له يعقوبُ ﵇ عاضًّا على أنملته وقيل ضرب على صدره فخرجت شهوتُه من أنامله وقيل بدت كفٌّ فيما بينهما ليس فيها عضُدٌ ولا مِعصمٌ مكتوبٌ فيها وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لحافظين كِرَاماً كاتبين فلم ينصرف ثم رأى فيها وَلَا تَقْرَبُواْ الزنا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً فلم ينتهِ ثم رأى فيها واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله فلم يَنْجَع فقال الله لجبريل أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة فانحط جبريل ﵇ وهو يقول يا يوسفُ أتعملُ عمل

стр. 2731

يوسف الآية (٢٥) السفهاء وأنت مكتوبٌ في ديوان الأنبياء وقيل رأى تمثال العزيز وقيل وقيل إنْ كلَّ ذلك إلا خرافاتٌ وأباطيلُ تمجُّها الآذانُ وتردُّها العقول والأذهانُ ويلٌ لمن لاكها ولفّقها أو سمعها وصدّقها ﴿كذلك﴾ الكافُ منصوبُ المحلِّ وذلك إشارةٌ إلى الإراءة المدلولِ عليها بقولِه تعالَى لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ أي مثلَ ذلك التبصيرِ والتعريفِ عرفناه برهاننا فيما قبل أو إلى التثبيت اللازمِ له أي مثلَ ذلك التثبيتِ ثبتناه ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السوء﴾ على الإطلاق فيدخل فيه خيانةُ السيِّد دخولاً أولياً ﴿والفحشاء﴾ والزنى لأنه مفْرِطٌ في القبح وفيه آيةٌ بينةٌ وحجةٌ قاطعةٌ على أنه ﵇ لم يقع منه همٌّ بالمعصية ولا توجَّه إليها قط وإلا لقيل لنصرِفَه عن السوء والفحشاء وإنما توجه إليه ذلك من خارجٍ فصرَفه الله تعالى عنه بما فيه من موجبات العفةِ والعصمةِ فتأمل وقرىء ليَصرِف على إسناد الصرْف إلى ضمير الرب ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين﴾ تعليلٌ لما سبق من مضمون الجملةِ بطريق التحقيقِ والمخلصون هم الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته بأن عصمهم عما هو قادحٌ فيها وقرىء على صيغة الفاعل وهم الذين أخلصُوا دينَهم لله سبحانه وعلى كلا المعنيين فهو منتظَمٌ في سلكهم داخلٌ في زمرتهم من أول أمره بقضية الجملةِ الاسميةِ لا أن ذلك حدث له بعد أن لم يكن كذلك فانحسم مادةُ احتمالِ صدورِ الهمِّ بالسوء منه ﵇ بالكلية

стр. 2732

﴿واستبقا الباب﴾ متصلٌ بقوله وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ وقولُه كذلك إلى آخره اعتراضٌ جيء به بين المعطوفَيْن تقريراً لنزاهته ﵇ كقوله تعالى وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ السموات والارض والمعنى لقد همت به وأبى هو واستبقا الباب أي تسابقا إلى الباب البراني الذي هو المخلص ولذلك وُحّد بعد الجمعِ فيما سلف وحُذف حرفُ الجر وأوصل الفعلُ إلى المجرور نحو وإذا كالوهم أو ضمن الإستباق معنى الإبتدا وإسناد السبق في ضمن الاستباق إليها مع أن مرادَها مجردُ منعِ يوسف وذا لا يوجب الانتهاء إلى الباب لأنها لما رأته يسرع إلى الباب ليتخلص منها أسرعت هي أيضاً لتسبِقَه إليه وتمنعه عن الفتح والخروج أو عبر عن إسراعها إثْرَه بذلك مبالغة ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾ اجتذبتْه من ورائه فانشق طولاً وهو القَدُّ كما أن الشقّ عرضاً هو القَطُّ وقد قيل في وصف علي ﵁ أنه كان إذا اعتلى قدّ وإذا اعترض قطّ وإسنادُ القدِّ إليها خاصة مع أن لقوة يوسفَ أيضاً دخلاً فيه إما لأنها الجزءُ الأخيرُ للعلة التامةِ وإما للإيذان بمبالغتها في منعه عن الخروج وبذلِ مجهودِها في ذلك لفَوْت المحبوب أو لخوف الافتضاح ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا﴾ أي صادفا زوجَها وإذْ لم يكن مُلكُه ليوسف ﵇ صحيحاً لم يقل سيدهما قيل ألفياه مقبلاً وقيل كان جالساً مع ابن عمَ للمرأة ﴿لدى الباب﴾ أي البراني كما مر روى كعب ﵁ أنَّه لما هرب يوسفُ ﵇ جعل فَراشُ القُفلِ يتناثر ويسقط حتى خرج من الأبواب ﴿قَالَتْ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال سائل يقول فماذا كان حين ألفَيا العزيزَ عند الباب فقيل قالت ﴿مَا جَزَاء من أراد بأهلك سوءا﴾ من الزنى ونحوه

стр. 2733

يوسف الآية (٢٦) ﴿إِلا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ما نافية أي ليس جزاؤُه إلا السجنُ أو العذابُ الأليم قيل المرادُ به الضربُ بالسياط أو استفهاميةٌ أي أيُّ شيءٍ جزاؤُه غيرُ ذاك أو ذلك ولقد أتت في تلك الحالةِ التي تُدهش فيها الفَطِنَ حيث شاهدها العزيزُ على تلك الهيئة المُريبة بحيلة جمعت فيها غرضيها وهما تبرئةُ ساحتِها مما يلوح من ظاهر الحالِ واستنزالُ يوسف عن رأيه في استعصائه عليها وعدمِ مواتاتِه على مرادها بإلقاء الرعبِ في قلبه من مكرها طمعاً في مواقعته لها كرهاً عند يأسِها عن ذلك اختياراً كما قالت وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين ثم إنها جعلت صدورَ الإرادة المذكورةِ عن يوسف ﵇ أمراً محققاً مفروغاً عنه غنياً عن الإخبار بوقوعه وأن ما هيَ عليهِ من الأفاعيل لأجل تحقيق جزائِها فهي تريد إيقاعَه حسبما يقتضيه قانونُ الإيالة وفي إبهام المُريد تهويلٌ لشأن الجزاء المذكورِ بكونه قانوناً مطرداً في حق كل أحدٍ كائناً مَنْ كان وفي ذكر نفسها بعنوان أهلية العزيزِ إعظامٌ للخطب وإغراءٌ له على تحقيق ما تتوخاه بحكم الغضب والحمية

стр. 2734

﴿قَالَ﴾ استئنافٌ وجوابٌ عما يقال فماذا قال يوسفُ حينئذ فقيل قال ﴿هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى﴾ أي طالبتني للمواتاة لا أني أردتُ بها سوءاً كما قالت وإنما قاله ﵇ لتنزيه نفسِه عما أُسند إليه من الخيانة وعدم معرفة حقِّ السيد ودفعِ ما عرضَتْه له من الأمرين الأمرين وفي التعبير عنها بضمير الغَيبة دون الخطاب أو اسم الإشارةِ مراعاةٌ لحسن الأدبِ مع الإيماء إلى الإعراض عنها ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا﴾ قيل هو ابنُ عمها وقيل هو الذي كان جالساً مع زوجها لدى الباب وقيل كان حكيماً يرجِعُ إليه الملكُ ويستشيره وقد جُوّز أن يكون بعضُ أهلها قد بصُر بها من حيث لا تشعُر فأغضبه الله تعالى ليوسف ﵇ بالشهادة له والقيامِ بالحق وإنما ألقى الله سبحانه الشهادةَ إلى من هو من أهلها ليكون أدلَّ على نزاهته ﵇ وأنفى للتُّهمة وقيل كان الشاهدُ ابنَ خالٍ لها صبياً في المهد أنطقه الله تعالى ببراءته وهو الأظهر فإنه رُوي أن النبيِّ ﷺ قال تكلم أربعةٌ وهم صغار ابنُ ماشطةَ بنتِ فرعون وشاهدُ يوسف وصاحبُ جريج وعيسى ﵇ رواه الحاكم عن أبي هريرةَ ﵁ وقال صحيح على شرط الشيخين وذكر كونَه من أهلها لبيان الواقع إذ لا يختلف الحالُ في هذه الصورة بين كون الشاهدِ من أهلها أو من غيرِهم ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ أي إن عُلم أنه قد مِن قَبْلُ من قبلِ ونظيره إن أحسنتَ إلى فقد أحسنتُ إليك فيما قبلُ فإن معناه إن تعتدَّ بإحسانك إلي فأعتدُّ بإحساني السابقِ إليك ﴿فَصَدَقَتْ﴾ بتقدير قد لأنها تقرب الماضي إلى الحال أي فقد صدقت وكذا الحالُ في قولِه فَكَذَّبْتَ وهي وإن لم تصرِّح بأنه ﵇ أراد بها سوءاً إلا أن كلامَها حيث كان واضحَ الدِلالة عليه أُسند إليها الصدقُ والكذب بذلك الإعتبار فإنهم كما يعرضان للكلام باعتبار منطوقِه يعرضان له باعتبار ما يستلزمه وبذلك الإعتبار يعترضان للإنشاءات ﴿وَهُوَ مِنَ الكاذبين﴾ وهذه الشرطية حيث لا ملازمة

стр. 2735

يوسف الآية (٢٧ ٢٨) عقليةً ولا عاديةً بين مقدِّمها وتاليها ليست من الشهادة في شيء وإنما ذُكرت توسيعاً للدائرة وإرخاءً للعِنان إلى جانب المرأة بإجراء ما عسى يحتمله الحالُ في الجملة بأن يقع القدُّ من قُبُل بمدافعتها له ﵇ عن نفسها عند إرادتِه المخالطةَ والتكشفَ مُجرى الظاهرِ الغالبِ الوقوعِ تقريباً لما هو المقصود بإقامة للشهادة أعني مضمونَ الشرطية الثانية التي هي قولُه عزَّ وجلَّ
следующие страницы →