← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

يوسف الآية (٢٥) السفهاء وأنت مكتوبٌ في ديوان الأنبياء وقيل رأى تمثال العزيز وقيل وقيل إنْ كلَّ ذلك إلا خرافاتٌ وأباطيلُ تمجُّها الآذانُ وتردُّها العقول والأذهانُ ويلٌ لمن لاكها ولفّقها أو سمعها وصدّقها ﴿كذلك﴾ الكافُ منصوبُ المحلِّ وذلك إشارةٌ إلى الإراءة المدلولِ عليها بقولِه تعالَى لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ أي مثلَ ذلك التبصيرِ والتعريفِ عرفناه برهاننا فيما قبل أو إلى التثبيت اللازمِ له أي مثلَ ذلك التثبيتِ ثبتناه ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السوء﴾ على الإطلاق فيدخل فيه خيانةُ السيِّد دخولاً أولياً ﴿والفحشاء﴾ والزنى لأنه مفْرِطٌ في القبح وفيه آيةٌ بينةٌ وحجةٌ قاطعةٌ على أنه ﵇ لم يقع منه همٌّ بالمعصية ولا توجَّه إليها قط وإلا لقيل لنصرِفَه عن السوء والفحشاء وإنما توجه إليه ذلك من خارجٍ فصرَفه الله تعالى عنه بما فيه من موجبات العفةِ والعصمةِ فتأمل وقرىء ليَصرِف على إسناد الصرْف إلى ضمير الرب ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين﴾ تعليلٌ لما سبق من مضمون الجملةِ بطريق التحقيقِ والمخلصون هم الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته بأن عصمهم عما هو قادحٌ فيها وقرىء على صيغة الفاعل وهم الذين أخلصُوا دينَهم لله سبحانه وعلى كلا المعنيين فهو منتظَمٌ في سلكهم داخلٌ في زمرتهم من أول أمره بقضية الجملةِ الاسميةِ لا أن ذلك حدث له بعد أن لم يكن كذلك فانحسم مادةُ احتمالِ صدورِ الهمِّ بالسوء منه ﵇ بالكلية

стр. 2732

﴿واستبقا الباب﴾ متصلٌ بقوله وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ وقولُه كذلك إلى آخره اعتراضٌ جيء به بين المعطوفَيْن تقريراً لنزاهته ﵇ كقوله تعالى وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ السموات والارض والمعنى لقد همت به وأبى هو واستبقا الباب أي تسابقا إلى الباب البراني الذي هو المخلص ولذلك وُحّد بعد الجمعِ فيما سلف وحُذف حرفُ الجر وأوصل الفعلُ إلى المجرور نحو وإذا كالوهم أو ضمن الإستباق معنى الإبتدا وإسناد السبق في ضمن الاستباق إليها مع أن مرادَها مجردُ منعِ يوسف وذا لا يوجب الانتهاء إلى الباب لأنها لما رأته يسرع إلى الباب ليتخلص منها أسرعت هي أيضاً لتسبِقَه إليه وتمنعه عن الفتح والخروج أو عبر عن إسراعها إثْرَه بذلك مبالغة ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾ اجتذبتْه من ورائه فانشق طولاً وهو القَدُّ كما أن الشقّ عرضاً هو القَطُّ وقد قيل في وصف علي ﵁ أنه كان إذا اعتلى قدّ وإذا اعترض قطّ وإسنادُ القدِّ إليها خاصة مع أن لقوة يوسفَ أيضاً دخلاً فيه إما لأنها الجزءُ الأخيرُ للعلة التامةِ وإما للإيذان بمبالغتها في منعه عن الخروج وبذلِ مجهودِها في ذلك لفَوْت المحبوب أو لخوف الافتضاح ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا﴾ أي صادفا زوجَها وإذْ لم يكن مُلكُه ليوسف ﵇ صحيحاً لم يقل سيدهما قيل ألفياه مقبلاً وقيل كان جالساً مع ابن عمَ للمرأة ﴿لدى الباب﴾ أي البراني كما مر روى كعب ﵁ أنَّه لما هرب يوسفُ ﵇ جعل فَراشُ القُفلِ يتناثر ويسقط حتى خرج من الأبواب ﴿قَالَتْ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال سائل يقول فماذا كان حين ألفَيا العزيزَ عند الباب فقيل قالت ﴿مَا جَزَاء من أراد بأهلك سوءا﴾ من الزنى ونحوه

стр. 2733

يوسف الآية (٢٦) ﴿إِلا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ما نافية أي ليس جزاؤُه إلا السجنُ أو العذابُ الأليم قيل المرادُ به الضربُ بالسياط أو استفهاميةٌ أي أيُّ شيءٍ جزاؤُه غيرُ ذاك أو ذلك ولقد أتت في تلك الحالةِ التي تُدهش فيها الفَطِنَ حيث شاهدها العزيزُ على تلك الهيئة المُريبة بحيلة جمعت فيها غرضيها وهما تبرئةُ ساحتِها مما يلوح من ظاهر الحالِ واستنزالُ يوسف عن رأيه في استعصائه عليها وعدمِ مواتاتِه على مرادها بإلقاء الرعبِ في قلبه من مكرها طمعاً في مواقعته لها كرهاً عند يأسِها عن ذلك اختياراً كما قالت وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين ثم إنها جعلت صدورَ الإرادة المذكورةِ عن يوسف ﵇ أمراً محققاً مفروغاً عنه غنياً عن الإخبار بوقوعه وأن ما هيَ عليهِ من الأفاعيل لأجل تحقيق جزائِها فهي تريد إيقاعَه حسبما يقتضيه قانونُ الإيالة وفي إبهام المُريد تهويلٌ لشأن الجزاء المذكورِ بكونه قانوناً مطرداً في حق كل أحدٍ كائناً مَنْ كان وفي ذكر نفسها بعنوان أهلية العزيزِ إعظامٌ للخطب وإغراءٌ له على تحقيق ما تتوخاه بحكم الغضب والحمية

стр. 2734

﴿قَالَ﴾ استئنافٌ وجوابٌ عما يقال فماذا قال يوسفُ حينئذ فقيل قال ﴿هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى﴾ أي طالبتني للمواتاة لا أني أردتُ بها سوءاً كما قالت وإنما قاله ﵇ لتنزيه نفسِه عما أُسند إليه من الخيانة وعدم معرفة حقِّ السيد ودفعِ ما عرضَتْه له من الأمرين الأمرين وفي التعبير عنها بضمير الغَيبة دون الخطاب أو اسم الإشارةِ مراعاةٌ لحسن الأدبِ مع الإيماء إلى الإعراض عنها ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا﴾ قيل هو ابنُ عمها وقيل هو الذي كان جالساً مع زوجها لدى الباب وقيل كان حكيماً يرجِعُ إليه الملكُ ويستشيره وقد جُوّز أن يكون بعضُ أهلها قد بصُر بها من حيث لا تشعُر فأغضبه الله تعالى ليوسف ﵇ بالشهادة له والقيامِ بالحق وإنما ألقى الله سبحانه الشهادةَ إلى من هو من أهلها ليكون أدلَّ على نزاهته ﵇ وأنفى للتُّهمة وقيل كان الشاهدُ ابنَ خالٍ لها صبياً في المهد أنطقه الله تعالى ببراءته وهو الأظهر فإنه رُوي أن النبيِّ ﷺ قال تكلم أربعةٌ وهم صغار ابنُ ماشطةَ بنتِ فرعون وشاهدُ يوسف وصاحبُ جريج وعيسى ﵇ رواه الحاكم عن أبي هريرةَ ﵁ وقال صحيح على شرط الشيخين وذكر كونَه من أهلها لبيان الواقع إذ لا يختلف الحالُ في هذه الصورة بين كون الشاهدِ من أهلها أو من غيرِهم ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ أي إن عُلم أنه قد مِن قَبْلُ من قبلِ ونظيره إن أحسنتَ إلى فقد أحسنتُ إليك فيما قبلُ فإن معناه إن تعتدَّ بإحسانك إلي فأعتدُّ بإحساني السابقِ إليك ﴿فَصَدَقَتْ﴾ بتقدير قد لأنها تقرب الماضي إلى الحال أي فقد صدقت وكذا الحالُ في قولِه فَكَذَّبْتَ وهي وإن لم تصرِّح بأنه ﵇ أراد بها سوءاً إلا أن كلامَها حيث كان واضحَ الدِلالة عليه أُسند إليها الصدقُ والكذب بذلك الإعتبار فإنهم كما يعرضان للكلام باعتبار منطوقِه يعرضان له باعتبار ما يستلزمه وبذلك الإعتبار يعترضان للإنشاءات ﴿وَهُوَ مِنَ الكاذبين﴾ وهذه الشرطية حيث لا ملازمة

стр. 2735

يوسف الآية (٢٧ ٢٨) عقليةً ولا عاديةً بين مقدِّمها وتاليها ليست من الشهادة في شيء وإنما ذُكرت توسيعاً للدائرة وإرخاءً للعِنان إلى جانب المرأة بإجراء ما عسى يحتمله الحالُ في الجملة بأن يقع القدُّ من قُبُل بمدافعتها له ﵇ عن نفسها عند إرادتِه المخالطةَ والتكشفَ مُجرى الظاهرِ الغالبِ الوقوعِ تقريباً لما هو المقصود بإقامة للشهادة أعني مضمونَ الشرطية الثانية التي هي قولُه عزَّ وجلَّ

стр. 2736

﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصادقين﴾ إلى التسليم والقَبول عند السامع لكونه أقربَ إلى الوقوع وأدلَّ على المطلوب وإن لم يكن بين طرفيها أيضاً ملازمةٌ وحكايةُ الشرطيةِ بعد فعل الشهادةِ لكونها من قبيل الأقوال أو بتقدير القول أي شهد قائلاً الخ وتسميتُها شهادةً مع أنه لا حكمَ فيها بالفعل بالصدق والكذب لتأديتها مؤداها بل لأنها شهادةٌ على الحقيقة وحُكمٌ بصدقه وكذبها أما على تقدير كونِ الشاهدِ هو الصبيُّ فظاهرٌ إذ هو إخبارٌ بهما من قِبَل علامِ الغيوب والتصويرُ بصورة الشرطية للإيذان بأن ذلك ظاهرٌ من العلائم أيضاً وأما على تقدير كونِه غيرَه فلأن الظاهرَ أن صورةَ الحالِ معلومةٌ له على ما هي عليه إما مشاهدةً أو إخباراً فهو متيقّنٌ بعدم مقدَّم الشرطيةِ الأولى وبوجود مقدمِ الشرطيةِ الثانية ومن ضرورته الجزمُ بانتفاء تالي الأولى وبوقوع تالي الثانية فإذن هو إخبارٌ بكذبها وصدقِه ﵇ لكنه ساق شهادتَه مساقاً مأموناً من الجَرْح والطعن حيث صورها بصورة الشرطية المترددةِ ظاهراً بين نفعها ونفعِه وأما حقيقةً فلا تردد فيها قطعاً لأن الشرطية الأولى تعليقٌ لصدقها بما يستحيل وجودُه من قدّ القميص من قُبُل فيكون مُحالاً لا محالة ومن ضرورته تقررُ كذبها والثانية تعليقٌ لصدقه ﵇ بأمر محقق الوجود وهوالقد من دبر فيكون محقق البتةَ وهذا كما قيل فيمن قال لامرأة زوجيني نفسك فقالت لي زوجٌ فكذبها في ذلك فقالت إن لم يكن لي زوجٌ فقد زوجتُك نفسي فقبل الرجلُ فإذا لا زوج لها فهو نكاحٌ إذ تعليقُ الشيء بأمر مقرر تنجير له وقُرىء منْ قُبلُ ومن دُبرُ بالضم لأنهما قطعا عن الإضافة كقبلُ وبعدُ وبالفتح كأنهما جعلا علمين للجهتين فمنعا الصرفَ للتأنيث والعلمية وقرىء بسكون العين

стр. 2737

﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ كأنه لم يكن رأى ذلك بعدُ أو لم يتدبَّرْه فلما تنبه له وعلم حقيقةَ الحال ﴿قَالَ إِنَّهُ﴾ أي الأمرَ الذي وقع فيه التشاجرُ وهو عبارةٌ عن إرادة السوءِ التي أُسندت إلى يوسف وتدبيرِ عقوبته بقولها ما جزاءُ من أراد بأهلك سوءاً إلى آخره لكن لا من حيث صدورُ تلك الإرادةِ والإسنادُ عنها بل مع قطع النظرِ عن ذلك لئلا يخلُوَ قوله تعالى ﴿مِن كَيْدِكُنَّ﴾ أي من جنس حيلتِكن ومكرِكن أيتها النساءُ لا من غيركن عن الإفادة وتدبيرِ العقوبة وإن لم يمكن تجريدُه عن الإضافة إليها إلا أنها لما صوّرته بصورة الحق أفاد الحكمَ بكونه من كيدهن إفادةً ظاهرةً فتأمل وتعميمُ الخطاب للتنبيه على أن ذلك خُلُق لهن عريق ... ولا تحسَبا هنداً لها الغدرُ وحدها ... سجيةُ نفسٍ كلُّ غانيةٍ هندُ ... ورجْعُ الضميرِ إلى قولها ما جزاءُ من أراد بأهلك سوءاً فقط عدولٌ عن البحث عن أصل ما وقع فيه النزاع من أن

стр. 2738

يوسف الآية (٢٩ ٣٠) إرادةَ السوءِ ممن هي إلى البحث عن شُعبة من شعبه وجعل للسوء أو للأمر المعبّر به عن طمعها في يوسف ﵇ يأباه الخبرُ فإن الكيدَ يستدعي أن يعتبر مع ذلك هَناتٌ أُخرُ من قِبلها كما أشرنا إليه ﴿إِنَّ كيدكن عظيم﴾ فإنه أطلف وأعلقُ بالقلب وأشدُّ تأثيراً في النفس وعن بعض العلماء إني أخاف من النساء ما لا أخاف من الشيطان فإنه تعالى يقول إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً وقال للنساء إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ولأن الشيطان يوسوس مُسارقةً وهن يواجِهْن به الرجال

стр. 2739

﴿يُوسُفَ﴾ حُذف منه حرفُ النداء لقربه وكمالِ تفطُّنه للحديث وفيه تقريبٌ له وتلطيفٌ لمحله ﴿أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ أي عن هذا الأمر وعن التحدث به واكتُمْه فقد ظهر صدقُك ونزاهتُك ﴿واستغفرى﴾ أنت يا هذه ﴿لِذَنبِكِ﴾ الذي صدر عنك وثبَتَ عليك ﴿إِنَّكَ كُنتَ﴾ بسبب ذلك ﴿مِنَ الخاطئين﴾ من جملة القوم المعتمدين للذنب أو من جنسهم يقال خطِىء إذا أذنب عمداً وهو تعليلٌ للأمر بالاستغفار والتذكيرُ لتغليب الذكورِ على الإناث وكان العزيزُ رجلاً حليماً فاكتفى بهذا القدرِ من مؤاخذتها وقيل كان قليلَ الغَيرة

стр. 2740

﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ أي جماعةٌ من النساء وكنّ خمساً امرأةُ الساقي وامرأةُ الخبّاز وامرأةُ صاحب الدوابِّ وامرأةُ صاحبِ السجنِ وامرأةُ الحاجب والنسوةُ اسمٌ مفردٌ لجمع المرأةِ وتأنيثُه غير حقيقي كتأنيث اللُّمَة وهي اسمٌ لجماعة النساء والثُبَة وهي اسم لجماعة الرجال ولذلك لم يلحَق فعلَه تاءُ التأنيث ﴿فِى المدينة﴾ ظرفٌ لقال أي أشعْن الأمرَ في مصر أو صفةٌ النسوة ﴿امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ أي الملك يُرِدْن قطفير وإضافتُهن لها إليه بذلك العنوانِ دون أن يصرِّحن باسمها أو اسمِه ليست لقصد المبالغةِ في إشاعة الخبر بحكم أن النفوسَ إلى سماع أخبارِ ذوي الأخطارِ أميلُ كما قيل إذ ليس مرادُهن تفضيحَ العزيز بل هي لقصد الإشباعِ في لومها بقولهن ﴿تُرَاوِدُ فتاها﴾ أي تطالبه بمواقعته لها وتتمحل في ذلك وتخادعه ﴿عَن نَّفْسِهِ﴾ وقيل تطلب منه الفاحشة وإيثارُهن لصيغة المضارع للدلالة على دوام المراودةِ والفتى من الناس الشابُّ وأصله فتيٌ لقولهم فتيان والفتوة شاذة وجمعه فتية وفتيان ويستعار للمملوك وهوالمراد ههنا وفي الحديث لا يقل أحدكم عبدي وأمتي وليقل فتاي وفتاتي وتعبيرُهن عن يوسف ﵇ بذلك مضافاً إليها لا إلى العزيز الذي لا تستلزم الإضافةُ إليه الهوان بل ربما يشعر بنوع عزةٍ لإبانةِ ما بينهما من التبايُن البيِّن الناشىءِ عن المالكية والمملوكية وكلُّ ذلك لتربية ما مر من المبالغة والإشباعِ في اللوم فإن من لا زوج لها من النساء أو لها زوجٌ دنيءٌ قد تُعذر في مراودة الأخدان لا سيما إذا كان فيهم علوُّ الجناب وأما التي لها زوجٌ وأيُّ زوج عزيزُ مصرَ فمراودتُها لغيره لا سيما لعبدها الذي لا كفاءةَ بينها وبينه أصلاً وتماديها في ذلك غايةُ الغي ونهايةُ الضلال ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبّا﴾ أي شق حبُّه شَغافَ قلبها وهو حجابُه أو جلدةٌ رقيقةٌ يقال لها لسانُ القلبِ حتى وصل إلى فؤادها وقرىء شعَفها بالعين من

стр. 2741

يوسف الآية (٣١) شعف البعيرَ إذا هنَأَه فأحرقه بالقطِران وعن الضحَّاكُ عنِ ابنِ عباسٍ ﵄ الشغَفُ الحبُّ القاتل والشعف حبٌّ دون ذلك وكان الشعبي يقول الشغفُ حبٌّ والشعفُ جنون والجملةُ خبرٌ ثانٍ أو حالٌ من فاعل تُراود أو من مفعوله وأيا ما كان فهو تكريرٌ لِلّوم وتأكيدٌ للعذْل ببيان اختلالِ أحوالِها القلبية كأحوالها القالَبية وجعلُها تعليلاً لدوام المراودةِ من حيث الإنية مصيرٌ إلى الاستدلال على الأجلي بالأخفى ومن حيث اللُمية ميلٌ إلى تمهيد العذر من قِبلها ولسْن بذلك المقام وانتصابُ حباً على التمييز لنقله عن الفاعلية إذ الأصل قد شغفها حبُّه كما أشير إليه ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا﴾ أي نعلمها علماً متاخماً للمشاهدة والعِيان فيما صنعت من المراودة والمحبة المفْرِطة مستقرةً ﴿فِى ضلال﴾ عن طريق الرشد والصوابِ أو عن سنن العقل ﴿مُّبِينٌ﴾ واضح لا يخفى كونُه ضلالاً على أحد أو مُظهرٍ لأمرها بين الناس فالجملةُ مقرِّرةٌ لمضمون الجملتين السابقتين المسوقتين للوم والتشنيع وتسجيلٌ عليها بأنها في أمرها على خطأ عظيم وإنما لم يقُلن إنها لفي ضلال مبين إشعاراً بأن ذلك الحكمَ غيرُ صادر عنهن مجازفةً بل عن علم ورأي مع التلويح بأنهن متنزّهاتٌ عن أمثال ما هي عليه

стр. 2742

﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ باغتيابهن وسوء قالهن وقولِهن امرأةُ العزيز عشِقت عبدَها الكنعاني وهو مَقَتها وتسميتُه مكراً لكونه خفيةً منها كمكر الماكر وإن كان ظاهراً لغيرها وقيل استكْتَمَتْهن سِرَّها فأفشَيْنه عليها وقيل إنما قلن ذلك لتُرِيَهُنّ يوسف ﵇ ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ تدعوهن قيل دعت أربعين امرأةً منهن الخمسُ المذكورات ﴿وَأَعْتَدَت﴾ أي أحضرت وهيأت ﴿لهن متكأ﴾ أي ما يتكئن عليه من النمارق والوسائد أو رتبت لهن مجلس طعام وشراب لأنهم كانوا يتكئون للطعام والشارب والحديث كعادة المترَفين ولذلك نُهي الرجلُ أن يأكل متّكِئاً وقيل متّكأ طعاماً من قولهم اتكأنا عند فلان أي طعِمنا قال جميل ... فظلِلْنا بنعمةٍ واتكأنا ... وشرِبْنا الحلالَ من قُلَلِهْ ... وعن مجاهد متّكأً طعاماً يُحَزّ حزاً كأن المعنى يُعتمد بالسكين عند القطع لأن القاطعَ يتكىء على المقطوع بالسكين وقرىء بغير همز وقرىء بالمد بإشباع حركة الكاف كمُنتَزاح في مُنتزَح ويَنْباع في ينبع وقرأ مُتُكاً وهو الأُترُجّ وأنشدوا ... وأهدت مُتْكةً لبني أبيها ... تخُب بها العَثَمْثمَةُ الوَقاحُ ... أو ما يقطع من متَك الشيءَ إذا بتكه ومتكأ من تكى إذا اتكى ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً﴾ لتستعمله في قطع ما يُعهد قطعُه مما قدّم بين أيديهن وقرِّب إليهن من اللحوم والفواكه ونحوها وهن متّكئات وغرضُها من ذلك ما سيقع من تقطيع أيديهن ﴿وَقَالَتِ﴾ ليوسف وهن مشغولاتٌ بمعالجة السكاكين وإعمالِها فيما بأيديهن من الفواكه وأضرابها والعطفُ بالواو ربما يشير إلى أن قولها ﴿اخرج عَلَيْهِنَّ﴾ أي ابرُزْ لهن لم يكن عَقيب ترتيب أمورِهن ليتم غرضُها من استغفالهن ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ﴾ عطفٌ على مقدر يستدعيه الأمرُ بالخروج وينسحب عليه الكلام أي فخرج عليهن فرأينه

стр. 2743

يوسف الآية (٣٢) وإنما حذف تحقيقاً لمفاجأة رؤيتِهن كأنها تفوت عند ذكرِ خروجِه عليهن كما حُذف لتحقيق السُّرعةِ في قولِه فَلَمَّا رَآهُ مُستقرّاً عِندَه بعد قوله أنا آتيك بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إليك طرفك وفيه إيذانٌ بسرعة امتثالِه ﵇ بأمرها فيما لا يشاهد مضرَّتَه من الأفاعيل ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ عظّمنه وهِبْن حسنَه الفائقَ وجماله الرائعَ الرائقَ فإن فضلَ جمالِه على جمال كلِّ جميلٍ كان كفضل القمرِ ليلة البدرِ على سائر الكواكب عنِ النبيِّ ﷺ أنه قال رأيتُ يوسفَ ليلةَ المعراج كالقمر ليلةَ البدر وقيل كان يُرى تلألؤُ وجهِه على الجُدران كما يُرى نورُ الشمس على الماء وقيل معنى أكبرْنَ حِضْن والهاء للسكت أو ضمير راجع إلى يوسف ﵇ على حذف اللام أي حضْن له من شدة الشبَق كما قال المتنبىء ... خفِ الله واستُر ذا الجمال برقع ... فإن لُحْتَ حاضتْ في الخدور العوانق ... ﴿وقطعن أيديهن﴾ أي جرحتها بما في أيديهن من السكاكين لفرْط دهشتِهن وخروجِ حركات جوارحهن عن منهاج الإختيار والإعتياد حتى لم يعلمن ما فعلن وفي التعبير عن الجرح بالقطع ما لا يَخفْى من الدلالة على كثرة جرحهن ومع ذلك لم يبالين بذلك ولم يشعُرْن به ﴿وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ﴾ تنزيهاً له سبحانَه عنْ صفات النقصِ والعجزِ وتعجباً من قدرته على مثل ذلك الصنعِ البديعِ وأصلُه حاشا كما قرأه أبو عمرو في الدرج فحُذفت ألفُه الأخيرةُ تخفيفاً وهو حرفُ جر يفيد معنى التنزيهِ في باب الاستثناء فلا يُستثنى به إلا ما يكون موجباً للتنزيه فوضع موضعَه فمعنى حاشا الله تنزيهُ الله وبراءةُ الله وهي قراءةُ ابنِ مسعودٍ ﵁ واللام لبيان المنزَّه والمبرَّأ كما في سُقياً لك والدليلُ على وضعه موضعَ المصدر قراءةُ أبي السمال حاشاً بالتنوين وقراءةُ أبي عمرو بحذف الألف الأخيرة وقراءة الأعمش بحذف الأولى فإن التصرّفَ من خصائص الاسمِ فيدل على تنزيله منزلتَه وعدمُ التنوين لمراعاة أصلِه كما في قولك جلست مِنْ عن يمينه وقولُه غدت مِنْ عليه منقلبُ الألف إلى الياء مع الضمير وقرىء حاش لله بسكون الشين إتباعاً للفتحة الألفَ في الإسقاط وحاش الإله وقيل حاشا فاعلٌ من الحشا الذي هو الناحية وفاعلُه ضميرُ يوسف أي صار في ناحية من أن يقارف ما رمتْه به لله أي لطاعته أو لمكانه أو جانبَ المعصية لأجل الله ﴿مَا هذا بَشَرًا﴾ على إعمال ما بمعنى ليس وهي لغةُ أهلِ الحجازِ لمشاركتهما في نفي الحالِ وقرىء بشرٌ على لغة تميم وبِشِرًى أي بعبد مشترى لئيم نفَين عنه البَشَرية لما شاهدْن فيه من الجمال العبقري الذي لم يُعهدْ مثالُه في البشر وقصَرْنه على الملَكية بقولهن ﴿إِنْ هذا إِلَاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ بناءً على ما ركَز في العقول من أن لا حيَّ أحسنُ من الملك كما ركب فيها أن لا أقبحُ من الشيطان ولذلك لا يزال يُشبَّه بهما كلُّ متناهٍ في الحسن والقبح وغرضُهن وصفُه بأقصى مراتبِ الحسن والجمال

стр. 2744

﴿قَالَتْ فذلكن﴾ الفاء فصيحةٌ والخطابُ للنسوة والإشارةُ إلى يوسف بالعنوان الذي وصفْنه به الآن من الخروج في الحسن والجمالِ عن المراتب البشرية والإقتصار على الملَكية فاسمُ الإشارة مبتدأ والموصول

стр. 2745

يوسف الآية (٣٣) خبرُه والمعنى إنْ كانَ الأمرُ كَما قلتنّ فذلكنّ الملكُ الكريمُ النائي من المراتب البشريةِ هو ﴿الذى لُمْتُنَّنِى فِيهِ﴾ أي عيَّرْتُنّني في الافتتان به حيث رَبَأْتُن بمحلِّي بنسبتي إلى العزيز ووضعتُنَّ قدرَه بكونه من المماليك أو بالعنوان الذي وصفْنه به فيما سبق بقولهن امرأةُ العزيز عشِقت عبدَها الكَنعاني فهو خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ أي فهو ذلك العبدُ الكنعانيُّ الذي صورتُنّ في أنفسكن وقلتنّ فيه وفيَّ ما قلتن فالآن قد علمتُنّ من هو وما قولُكن فينا وأما ما يقال تعني أنكن لم تصوِّرْنه بحقِّ صورتِه ولو صوّرتُنّه بما عاينتُنّ لعذرتُنّني في الافتتان به فلا يلائمُ المقام فإن مرادَها بدعوتهن وتمهيدِ ما مهَّدَتْه لهن تبكيتُهن وتنديمُهن على ما صدر عنهن من اللوم وقد فعلت ذلكَ بما لا مزيدَ عليه وما ذكر من المقال فحقُّ المعتذر قبل ظهور معذرتِه وقد قيل في تعليل الملَكية أن الجمعَ بين الجمال الرائقِ والكمال الفائق والعصمةِ البالغةِ من الخواصِّ الملكية وهو أيضاً لا يلائم قولها فذلكن الذى لُمْتُنَّنِى فِيهِ فإن عنوانَ العصمةِ مما ينافي تمشيةَ مرامها ثم بعد ما أقامت عليهن الحجة وأوضحت لديهن عذرَها وقد أصابهن من قبله ﵇ ما أصابها باحت لهن ببقية سرِّها فقالت ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ﴾ حسبما قلتنّ وسمعتن ﴿فاستعصم﴾ امتنع طالباً للعصمة وهو بناءُ مبالغةٍ يدل على الامتناع البليغِ والتحفّظ الشديد كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها كما في استمسك واستجمع الرأيَ وفيه برهانٌ نيِّر على أنه لم يصدر عنه ﵇ شيء مُخِلٌّ باستعصامه بقوله معاذ الله من الهمّ وغيرِه اعترفت لهن أولاً بما كن يسمعنْه من مراودتها له وأكدتْه إظهاراً لابتهاجها بذلك ثم زادت على ذلك أنه أعرض عنها على أبلغ ما يكون ولم يَمِلْ إليها قط ثم زادت عليه أيضاً أنها مستمرةٌ على ما كانت عليه غير مرعوية عنه لا بلوم العواذل ولا بإعراض الحبيب فقالت ﴿وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمره﴾ أي آمرُ به فيما سيأتي كما لم يفعل فيما مضى فحُذف الجارُّ وأوصل الفعلُ إلى الضمير كما في أمرتك الخيرَ الضمير للموصول أو أمري إياه أي موجبَ أمري ومقتضاه فما مصدرية فالضمير ليوسف وعبّرت عن مراودتها بالأمر إظهاراً لجريان حكومتِها عليه واقتضاءً للامتثال بأمرها ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ بالنون المثقلة آثرت بناءَ الفعل للمفعول جرياً على رسم الملوكِ أو إيهاماً لسرعة ترتبِ ذلك على عدم امتثالِه لأمرها كأنه لا يدخُل بينهما فعل فاعل ﴿وليكونن﴾ بالمخففة ﴿مِنَ الصاغرين﴾ أي الأذلاء في السجن وقد قرىء الفعلان بالتثقيل ولكن المشهورةَ أولى لأن النونَ كُتبت في المصحف ألفاً على حكم الوقف واللامُ الداخلة على حرف الشرطِ موطئة للقسم وجوابه ساد مسدَّ الجوابين ولقد أتتْ بهذا الوعيدِ المنطوي على فنون التأكيدِ بمحضر منهن ليعلم يوسفُ ﵇ أنها ليست في أمرها على خفية ولا خيفة من أحد فتضيقَ عليه الحيلُ وتعيا به العللُ وينصحن له ويُرشِدْنه إلى موافقتها ولما كان هذا الإبراقُ والإرعادُ منها مظِنةً لسؤال سائل يقول فما صنع يوسفُ حينئذ قيل

стр. 2746

﴿قَالَ﴾ مناجياً لربه عزَّ سلطانُه ﴿رَبّ السجن﴾ الذي أوعَدَتْني بالإلقاء فيه وقرأ يعقوبُ بالفتح على المصدر ﴿أحب إلى﴾

стр. 2747

يوسف الآية (٣٤ ٣٥) أي آثَرُ عندي لأنه مشقةٌ قليلةٌ نافذةٌ إثرَها راحاتٌ جليلةٌ أبديةٌ ﴿مِمَّا يدعونني إليه﴾ من مؤاتانها التي تؤدي إلى الشقاء والعذابِ الأليم وهذا الكلامُ منه ﵇ مبنيٌّ على ما مر من انكشاف الحقائقِ لديه وبروزِ كلَ منها بصورتها اللائقةِ بها فصيغةُ التفضيلِ ليست على بابها إذ ليس له شائبةُ محبةٍ لما دعتْه إليه وإنما هو والسجنُ شران أهونُهما وأقربُهما إلى الإيثار السجنُ والتعبيرُ علن الإيثار بالمحبة لحسم مادةِ طمعِها عن المساعدة خوفاً من الحبس والاقتصار على ذكر السجنِ من حيث إن الصَّغارَ من فروعه ومستتبعاتِه وإسنادُ الدعوةِ إليهن جميعا لأن النسوة رغبته في مطاوعتها وخوفته من مخالفتها وقيل دعَوْنه إلى أنفسهن وقيل إنما ابتُلي ﵇ بالسجن لقوله هذا وكان الأولى به أن يسألَ الله تعالى العافية ولذلك ردّ رسول الله ﷺ على من كان يسأل الصبرَ ﴿وَإِلَاّ تَصْرِفْ﴾ أي إن لم تصرف ﴿عَنّى كَيْدَهُنَّ﴾ في تحبيب ذلك إليّ وتحسينه لديّ بأن تُثبِّتَني على ما أنا عليهِ من العِصمة والعِفة ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أي أمِلْ إلى إجابتهن أو إلى أنفسهن على قضية الطبيعةِ وحكم القوةِ الشهوية وهذا فزعٌ منه ﵇ إلى ألطاف الله تعالى جرياً على سُنن الأنبياءِ والصالحين في قصر نيلِ الخيراتِ والنجاة عن الشرور على جناب الله وسلبِ القوى والقدر عن أنفسهم ومبالغةٌ في استدعاء لطفِه في صرف كيدِهن بإظهار أن لا طاقةَ له بالمدافعة كقول المستغيثِ أدركْنى وإلا هلكتُ لا أنه يطلب الإجبارَ والإلجاءَ إلى العصمة والعفةِ وفي نفسه داعيةٌ تدعوه إلى هواهن والصبْوةُ الميلُ إلى الهوى ومنه الصَّبا لأن النفوسَ تصبو إليها لطيب نسيمِها ورَوْحِها وقرىء أصبّ إليهن من الصبابة وهي رقةُ الشوق ﴿وَأَكُن مّنَ الجاهلين﴾ الذين لا يعملون بما يعلمون لأن من لا جدوى لعلمه فهو والجاهل سواءٌ أو من السفهاء بارتكابِ ما يدعونني إليه من القبائح لأن الحكيمَ لا يفعل القبيح

стр. 2748

﴿فاستجاب لَهُ رَبُّهُ﴾ دعاءَه الذي تضمنه قولُه وإلا تصرف عني كيدهن الخ فإن فيه استدعاءً لصرف كيدِهن على أبلغ وجهٍ وألطفِه كما مر وفي إسناد الاستجابة إلى الرب مضافاً إليه ﵇ ما لا يَخفْى من إظهار اللطف ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ حسب دعائِه وثبّته على العصمة والعفة ﴿إِنَّهُ هُوَ السميع﴾ لدعاء المتضرعين إليه ﴿العليم﴾ بأحوالهم وما يصلحهم

стр. 2749

﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾ أي ظهر للعزيز وأصحابه المتصدّين للحل والعقد ريثما اكتفَوا بأمر يوسف بالكتمان والإعراض عن ذلك ﴿مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات﴾ الصارفةَ لهم عن ذلك البداءِ وهي الشواهدُ الدالة على براءته ﵇ وفاعل بدا إما مصدرُه أو الرأي المفهوم من السياق أو المصدر المدلولِ عليه بقوله ﴿ليسجننه﴾ والمعنى بذا لهم بداءٌ أو رأيٌ أو سَجنُه المحتومُ قائلين والله ليسجُنُنّه فالقسم المحذوف وجوابه معمول للقول المقدر حالاً من ضميرهم وما كان ذلك البداءُ إلا باستنزال المرأة لزوجها ومثلها منه في الذِّروة والغاربِ وكان مطواعةً لها تقوده حيث شاءت قال السدي إنها قالت للعزيز إن هذا العبد العبراني قد فضحني في الناس يخبرهم بأني راودتُه عن نفسه فإما أن تأذن لي

стр. 2750

يوسف الآية (٣٦) فأخرجَ فأعتذرَ إلى الناس وإما أن تحبِسه فحبسه ولقد أرادت بذلك تحقيقَ وعيدِها لتُلين به عريكتَه وتنقادَ لها قرونته لمّا انصرمت حبالُ رجائها عن استتباعه بعرض الجمالِ والترغيبِ بنفسها وبأعوانها وقرىء لتسجُنُنه على صيغة الخطاب بأن خاطب بعضُهم العزيزَ ومن يليه أو العزيزَ وحده على وجه التعظيم أو خاطب به العزيزَ ومَن عنده مِن أصحاب الرأي المباشرين للسجن والحبس ﴿حتى حِينٍ﴾ إلى حين انقطاعِ قالةِ الناسِ وهذا بادي الرأي عند العزيز وذويه وأما عندها فحتى يذلِّلَه السجنُ ويسخره لها ويحسبَ الناسُ أنه المجرمُ وقرىء عتى حين بلغة هذيل

стр. 2751

﴿وَدَخَلَ مَعَهُ﴾ أى فى صحبته ﴿السجن فَتَيَانَ﴾ من فتيان الملك وممالكيه أحدهما شرابيه والآخر خبازه رُوي أنَّ جماعةً من أهل مصر ضمنوا لهما مالا ليسما الملك فى طعامه وشرابه فأجاباهم إلى ذلك ثم إن الساقى نكل عن ذلك ومضى عليه الخباز فسم الخبز فلما حضر الطعام قال الساقى لا تأكل أيها الملك فإن الخبز مسموم وقال الخباز لا تشرب أيها الملك فإن الشراب مسموم فقال الملك للساقى اشربه فشربه فلم يضره وقال للخباز كله فأبى فجرب بدابة فهلكت فأمر بحبسهما فاتفق أن أدخلاه معه وتأخير الفاعل عن المفعول لما مر غير مرة من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ليتمكن عند النفس حين ورودِه عليها فضلُ تمكُّنٍ ونظيره تقديم الظرفِ على المفعول الصريحِ في قوله تعالى فأوجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفة وتأخير السجن عن الظرف لإيهام العكس أن يكون الظرفُ خبراً مقدما على المبتدأ وتكون الجملة حالا من فاعل دخل فتأمل ﴿قَالَ أَحَدُهُمَآ﴾ استئناف مبني على سؤال من يقول ما صنعا بعد ما دخلا معه السجن فأجيب بأنه قال أحدهما وهو الشرابى ﴿إني أراني﴾ أى رأيتنى والتعبير بالمضارع لاستحضار الصورة الماضية ﴿أَعْصِرُ خَمْراً﴾ أى عنباً سماه بما يؤول إليه لكونه المقصود من العصر وقيل الخمر بلغة عمان اسم للعنب وفي قراءةُ ابن مسعودٍ ﵁ أعصر عنباً ﴿وَقَالَ الآخر﴾ وهو الخباز ﴿إِنِّي أراني أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً﴾ تأخير المفعول عن الظرفِ لما مرَّ آنفاً وقوله ﴿تَأْكُلُ الطير مِنْهُ﴾ أى تنهس منه صفة للخبز أو استئنافٌ مبنيُّ على السؤال ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ بتأويل ما ذكر من الرؤيين أو ما رئى بإجراء الضمير مجرى ذلك بطريق الاستعارة فإن اسم الإشارة يشار به إلى متعدد كما فى قوله ... فيها خطوطٌ من سوادٍ وبَلَق ... كأَنَّهُ فِي الجلدِ تَوْليعُ البهقْ ... أي كأن ذلك والسر فى المصير إلى إجراء الضَّميرِ مجرى اسمِ الإشارةِ مع أنه لا حاجة إليه بعد تأويل المرجع بما ذكر أو بما رئى أن الضمير إنما يتعرض لنفس المرجع من حيثُ هو من غير تعرض لحال من أحواله فلا يتسنى تأويله بأحد الاعتبارين إلا بإجرائه مجرى اسم الإشارة الذى يدل على المشار إليه بالاعتبار الذى جرى عليه فى الكلام فتأمل هذا إذا قالاه معاً أو قاله أحدهما من جهتهما معا وأما ما إذا قاله كل منهما إثر ما قص ما رآه فالخطاب المذكور ليس عبارتهما ولا عبارة أحدهما من جهتهما ليتعدد المرجع بل عبارة كل منهما نبئنى بتأويله مستفسراً لما رآه وصيغة المتكلم مع الغير واقعة فى الحكاية دون المحكى على طريقة قوله يأَيُّهَا الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات فإنهم

стр. 2752

يوسف ٣٧ لم يخاطبوا بذلك دفعة بل خوطب كل منهم فى زمانه بصيغة مفردة خاصة به ﴿إِنَّا نَرَاكَ﴾ تعليل لعرض رؤياهما عليه واستفسارها منه ﵇ ﴿مِنَ المحسنين﴾ من الذين يجيدون عبارة الرؤيا لما أياه يقص عليه بعض أهل السجن رؤياه فيؤولها له تأويلا حسناً أو من العلماء لما سمعاه يذكر للناس ما يدل على علمه وفضله أو من المحسنين إلى أهل السجن أى فأحسن إلينا بكشف غمتنا إن كنت قادراً على ذلك روي أنه ﵇ كان إذا مرض منهم رجل قام عليه وإذا ضاق مكانه أوسع له وإذا احتاج جمع له وعن قتادة رضى الله عنه كان فى السجن ناس قد انقطع رجاؤهم وطال حزنهم فجعل يقول أبشروا واصبروا تؤجروا فقالوا بارك الله عليك ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك لقد بورك لنا فى جوارك فمن أنت يا فتى فقال أنا يوسف بن صفى الله يعقوب بن ذبيح الله إسحق بن خليل الله إبراهيم فقال له عامل السجن لو استطعت خليت سبيلك ولكنى أحسن جوارك فكن فى أى بيوت السجن شئت وعن الشعبى أنهما تحالما له ليمتحناه فقال الشرابى أرانى فى بستان فإذا بأصل حبلة عليها ثلاثة عناقيد من عنب فقطعتهما وعصرتهما فى كأس الملك وسقيته وقال الخباز إنى أرانى وفوق رأسى ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة إذا سباع الطير تنهس منها

стр. 2753

﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ في مقامكما هذا حسب عادتِكما المطردةِ ﴿إِلَاّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأحوال أي لا يأتيكما طعامٌ في حالٍ من الأحوالِ إلا حالَ ما نبأتكما به بأن بينت لكما ما هيته وكيفيته وسائرَ أحواله ﴿قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا﴾ وإطلاقُ التأويل عليه إما بطريق الاستعارةِ فإن ذلك بالنسبة إلى مطلق الطعامِ المُبهمِ بمنزلة التأويلِ بالنظر إلى ما رُئيَ في المنام وشبيهٌ له وإما بطريق المشاكلة حسبما وقع في عبارتهما من قولهما نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ولا يبعُد أن يراد بالتأويل الشيءُ الآئلُ لا المآلُ فإنه في الأصل جعلُ شيءٍ آئلاً إلى شيء آخرَ فكما يجوزُ أنْ يرادَ به الثاني يجوزُ أنْ يرادَ به الأولُ فالمعنى إلا نبأتُكما بما يؤول إليه من الكلام والخبرِ المطابق للواقع وكان ﵇ يقول لهما اليوم يأتيكما طعامٌ من صفته كيتَ وكيتَ فيجدنه كذلك ومرادُه ﵇ بذلك بيانُ كلِّ ما يُهمّهما من الأمور المترقَّبة قبل وقوعِها وإنما تخصيصُ الطعام بالذكر لكونه عريقاً في ذلك بحسب الحال مع ما فيه من مراعاة حسنِ التخلص إليه مما استعبراه من الرؤيَيَيْن المتعلقتين بالشراب والطعام وقد جُعل الضميرُ لما قصا من الرؤييين على معنى لا يأتيكما طعام ترزقانه حسب عادتِكما إلا أخبرتكما بتأويل ما قصصتما عليَّ قبل أن يأتيكما ذلك الطعامُ الموقت مراداً به الإخبارُ بالاستعجال في التنبئة وأنت خبير بأن النظم الكريمَ ظاهرٌ في تعدد إتيانِ الطعام والإخبار بالتأويل وتجدُّدِهما وأن المقام مقامُ إظهارِ فضلِه في فنون العلومِ بحيث يدخل في ذلك تأويلُ رؤياهما دخولاً أولياً وإنما لم يكتفِ ﵇ بمجرد تأويلِ رؤياهما مع أن فيه دِلالةً على فضلة لأنهما لما نعتاه ﵇ بالانتظام في سِمْط المحسنين وأنهما قد علما ذلك حيث قالا إنا نراك

стр. 2754

يوسف ٣٨ من المحسنين توسّم ﵇ فيهما خيراً وتوجّهاً إلى قبول الحق فأراد أن يخرُجَ آثرَ ذي أثيرٍ عما في عُهدته من دعوة الخلقِ إلى الحق فمهّد قبل الخوضِ في ذلك مقدمةً تزيدهما علماً بعظم شأنِه وثقةً بأمره ووقوفا على علو طبقته في بدائع العلومِ توسلاً بذلك إلى تحقيق ما يتوخاه وقد تخلّص إليها من كلامهما فكأنه قال تأويلُ ما قصصتماه عليّ في طرف التمام حيث رأيتما مثاله في المنام وإني أبيّن لكما كلَّ جليل ودقيق من الأمور المستقبلة وإن لم يكن هناك مقدمة المنام حتى إن الطعام الموظفَ الذي يأتيكما كلَّ يوم أبينه لكما قبل إتيانه ثم أخبرهما بأن علمه ذلك ليس من قبيل علوم الكهنةِ والعرّافين بل هو أفضل إلهيٌّ يؤتيه من يشاء ممن يصطفيه للنبوة فقال ﴿ذلكما﴾ أي ذلك التأويلُ والإخبارُ بالمغيّبات ومعنى البُعد في ذلك للإشارة إلى علو درجتِه وبُعد منزلتِه ﴿مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى﴾ بالوحي والإلهامِ أي بعضٌ منه أو من ذلك الجنسِ الذي لا يحوم حولَ إدراكِه العقولُ ولقد دلهما بذلك على أن له علوماً جمةً ما سمعاه قطعةٌ من جملتها وشُعبةٌ من دوحتها ثم بين أن نيل تلك الكرامةِ بسبب اتباعِه ملةَ آبائِه الأنبياءِ العظامِ وامتناعِه عن الشرك فقال ﴿إِنّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَاّ يُؤْمِنُونَ بالله﴾ وهو استئنافٌ وقع جوابا عن سؤال نشأ من قوله ذلكما مما علمني ربي وتعليلاً له لا للتعليم الواقع صلةً للموصول لتأديته إلى معنى أنه مما علمني ربي لهذا السبب دون غيرِه ولا لمضمون الجملةِ الخبرية لأن ما ذُكر بصدد التعليلِ ليس بعلةٍ لكون التأويلِ المذكورِ بعضاً مما علمه ربُّه أو لكونه من جنسه بل لنفس تعليمِ ما علمه فكأنه قيل لماذا علمك ربُّك تلك العلومَ البديعة فقيل لأني تركت ملة الكفرةِ أي دينَهم الذي اجتمعوا عليه من الشرك وعبادةِ الأوثان والمراد بتركها الامتناعُ عنها رأساً كما يفصحُ عنه قولُه مَا كَانَ لنا أن نشرك بالله مِن شَىْء لا تركُها بعد ملابستها وإنما عبّر عنه بذلك لكونه أدخلَ بحسب الظاهرِ في اقتدائهما به ﵇ والتعبيرُ عن كفرهم بالله تعالى بسلب الإيمان به للتنصيص على أن عبادتَهم له تعالى مع عبادة الأوثانِ ليست بإيمان به تعالى كما هو زعمُهم الباطلُ على ما مرَّ في قوله تعالى إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح ﴿وَهُم بالآخرة﴾ وما فيها من الجزاء ﴿هُمْ كافرون﴾ على الخصوص دون غيرِهم لإفراطهم في الكفر

стр. 2755

﴿واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق وَيَعْقُوبَ﴾ يعني أنه إنما حاز هذه الكمالاتِ وفاز بتلك الكراماتِ بسبب أنه اتبع ملةَ آبائِه الكرامِ ولم يتبع ملةَ قومٍ كفروا بالمبدأ والمعاد وإنما قاله ﵇ ترغيباً لصاحبيه في الإيمان والتوحيدِ وتنفيراً لهما عما كانا عليه من الشرك والضلالِ وقُدّم ذكرُ تركِه لملّتهم على ذكر اتباعِه لملة آبائِه لأن التخلية متقدمة على التحلية ﴿مَا كَانَ﴾ أي ما صح وما استقام فضلاً عن الوقوع ﴿لَنَا﴾ معاشرَ الأنبياء لقوة نفوسنا ووفور علومِنا ﴿أَن نُّشْرِكَ بالله من شىء﴾ أي شيء كان من ملك أو جنّي أو إنسي فضلاً عن الجماد البحث ﴿ذلك﴾ أي التوحيدُ المدلولُ عليه بقوله ما كان لنا أن نشرك بالله من شىء ﴿مِن فَضْلِ الله عَلَيْنَا﴾ أي ناشىءٌ من تأييده لنا بالنبوة وترشيحِه إيانا لقيادة الأمةِ

стр. 2756

يوسف ٣٩ ٤٠ وهدايتِهم إلى الحق وذلك مع كونه من مواجبات التوحيد ودواعيه نعمةٌ جليلةٌ وفضلٌ عظيم علينا بالذات ﴿وَعَلَى الناس﴾ كافةً بواسطتنا وحيث عبّر عن ذلك بذلك العنوان عبّر عن التوحيد الذي يوجبه بالشكر فقيل ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يشكرون﴾ أي لا يوحّدون فإن التوحيدَ مع كونه من آثار ما ذُكر من التَّأييدِ شكرٌ لله على النعمةِ وإنما وضْعِ الظاهِرِ موضعَ الضَّميرِ الراجعِ إلى الناس لزيادة توضيحٍ وبيانٍ ولقطع توهمِ رجوعِه إلى المجموع المُوهمِ لعدم اختصاصِ غير الشاكرِ بالناس وقيل ذلك التوحيدُ من فضل الله علينا حيث نصَب لنا أدلةً ننظر فيها ونستدلّ بها على الحق وقد نصَب مثلَ تلك الأدلةِ لسائر الناس أيضاً ولكن أكثرَهم لا ينظرون ولا سيتدلون بها اتّباعاً لأهوائهم فيبقَوْن كافرين غيرَ شاكرين ولك أن تقول ذلك التوحيدُ من فضل الله علينا حيث أعطانا عقولاً ومشاعرَ نستعملها في دلائلِ التوحيد التي مهدها في الأنفسِ والآفاقِ وقَد أعطى سائرَ الناس أيضاً مثلها ولكن أكثرَهم لَا يَشْكُرُونَ أي لا يصرِفون تلك القُوى والمشاعرَ إلى ما خُلِقت هي له ولا يستعملونها فيما ذكر من أدلة التوحيدِ الآفاقيةِ والأنفُسية والعقليةِ والنقلية

стр. 2757

﴿يا صاحبي السجن﴾ أي يا صاحبيَّ في السجن كما تقول يا سارق الليلةِ ناداهما بعنوان الصحبة في مدار الأشجانِ ودارِ الأحزان التي تصفو فيها المودةُ وتخلُص النصيحةُ ليُقبِلا عليه ويَقبَلا مقالتَه وقد ضرب لهما مثلاً يتضح به الحقُّ عندهما حقَّ اتضاحٍ فقال ﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ﴾ لا ارتباطَ بينهم ولا اتفاقَ يستعبدُ كما كلٌّ منهم حسبما أراد غيرَ مراقب للآخَرين مع عدم استقلاله ﴿خَيْرٌ﴾ لكما ﴿أَمِ الله﴾ المعبودُ بالحق ﴿الواحد﴾ المتفرد بالألوهية ﴿القهار﴾ الغالبُ الذي لا يغالبه أحدٌ وبعد ما نبه ما على فساد تعددِ الأرباب بين لهما سقوطَ ألهتِهما عن درجة الاعتبار رأساً فضلاً عن الألوهية فقال معمّماً للخطاب لهما ولمن على دينهما

стр. 2758

﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ﴾ أي من دون الله شيئاً ﴿إِلَاّ أَسْمَاءً﴾ فارغةً لا مطابقَ لها في الخارج لأن ما ليس فيه مصداقُ إطلاقِ الاسم عليه لا وجودَ له أصلاً فكانت عبادتُهم لتلك الأسماء فقط ﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾ جعلتموها أسماءً وإنما لم يَذكُر المسمَّياتِ تربيةً لما يقتضيه المقامُ من إسقاطها عن مرتبة الوجودِ وإيذاناً بأن تسميتهم في البطلان حيث كانت بلا مسمّى كعبادتهم حيث كان بلا معبود ﴿أنتم وآباؤكم﴾ بمحض جهلِكم وضلالتِكم ﴿مَّا أَنزَلَ الله بِهَا﴾ أي بتلك التسميةِ المستتبِعة للعبادة ﴿مّن سلطان﴾ من حجة تدل على صحتها ﴿إِنِ الحكم﴾ في أمر العبادة المتفرعةِ على تلك التسمية ﴿إلا الله﴾ عز سلطانُه لأنه المستحقُّ لها بالذات إذ هوالواجب بالذات الموجدُ للكل والمالكُ لأمره ﴿أمر﴾ استنئاف مبني على سؤال ناشىءٍ من قوله إن الحكم إلا لله فكأنه قيل فماذا حكم الله في هذا الشأن فقيل أمر على ألسنة الأنبياءِ ﵈ ﴿أَلَاّ تَعْبُدُواْ﴾ أي بأنْ لَاّ تَعْبُدُواْ ﴿إِلَاّ إياه﴾ حسبما

стр. 2759

يوسف ٤١ ٤٢ تقضي به قضيةُ العقل أيضاً ﴿ذلك﴾ أي تخصيصُه تعالى بالعبادة ﴿الدين القيم﴾ الثابتُ المستقيم الذي تعاضدت عليه البراهينُ عقلاً ونقلاً ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يعلمون﴾ أن ذلك هوالدين القيم لجهلهم بتلك البراهينِ أو لا يعلمونَ شيئاً أصلا فيبعدون أسماءً سمَّوها من تلقاء أنفسِهم معْرِضين عن البرهان العقلى والسلطان العقلي وبعد تحقيقِ الحقِّ ودعوتِهما إليه وبيانِه لهما مقدارَه الرفيعَ ومرتبةَ علمِه الواسِع شرع في تفسير ما استفسراه ولكونه بحثاً مغايِراً لما سبق فصلُه عنه بتكرير الخطاب فقال

стр. 2760

﴿يا صاحبي السجن أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ وهو الشرابيُّ وإنما لم يعيّنه ثقةً بدلالة التعبير وتوسلاً بذلك إلى إبهام أمرِ صاحبِه حِذارَ مشافهتِه بما يسوءه ﴿فَيَسْقِى رَبَّهُ﴾ أي سيدَه ﴿خَمْرًا﴾ روي أنه ﵇ قال له ما رأيت من الكرمة وحسنها الملك وحسنُ حالك عنده وأما القضبان الثلاثة فثلاثةُ أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه وقرأ عكرمة فيسقى ربُّه على البناء للمفعول أي يُسقى ما يروى به ﴿وَأَمَّا الاخر﴾ وهو الخباز ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطير مِن رَّأْسِهِ﴾ روي أنه ﵇ قال له ما رأيت من السلال الثلاث ثلاثةُ أيام تمرّ ثم تخرج فتقتل ﴿قُضِىَ﴾ أي أتم وأحكم ﴿الامر الذى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ وهو ما رأياه من الرؤييين قطعاً لا مآلُه الذي هو عبارة عن نجاة أحدِهما وهلاكِ الآخر كما يوهمه إسنادُ القضاء إليه إذ الاستفتاءُ إنما يكون في الحادثة لا في حكمِها يقال استفتى الفقيهَ في الحادثة أي طلب منه بيانَ حكمِها ولا يقال استفتاه في حكمها وكذا الإفتاءُ فإنه يقال أفتى فلانٌ في الواقعة الفلانية بكذا ولا يقال أفتى في حكمها أو جوابها بكذا ومما هو علَمٌ في ذلك قولُه تعالى ﴿يا أيها الملأ أَفْتُونِى فِى رؤياى﴾ ومعنى استفتائهما فيه طلبُهما لتأويله بقولهما نبئنا بتأويله وإنما عبر عن ذلك بالأمر وعن طلب تأويلِه بالاستفتاء تهويلاً لأمره وتفخيماً لشأنه إذ الاستفتاءُ إنما يكون في النوازل المشكِلة الحكم المبهمة الجواب وإيثاره صيغة الاستقبالِ مع سبق استفتائِهما في ذلك لما أنهما بصدده إلى أن يقضيَ ﵇ من الجواب وطرَه وإسنادُ القضاءِ إليه مع أنه من أحوال مآلِه لأنه في الحقيقة عينُ ذلك المآلِ وقد ظهر في عالم المثالِ بتلك الصورةِ وأما توحيدُه مع تعدد رؤياهما فواردٌ على حسب ما وحده في قولهما نبئنا بتأويله لا لأن الأمرَ ما اتُّهما به وسُجنا لأجله من سَمِّ الملكِ فإنهما لم يستفيا فيه ولا فيما هو صورتُه بل فيما هو صورةٌ لمآله وعاقبتِه فتأمل وإنما أخبرهما ﵇ بذلك تحقيقاً لتعبيره وتأكيداً له وقيل لما عبّر رؤياهما جحَدا وقالا ما رأينا شيئاً فأخبرهما إن ذلك كائن صدقتما أو كذبتما ولعل الجحودَ من الخبّاز إذ لا داعيَ إلى جحود الشرابيِّ إلا أن يكون ذلك لمراعاة جانبه

стр. 2761

﴿وقال﴾

стр. 2762

يوسف ٤٣ أي يوسف ﵇ ﴿لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ﴾ أُوثر على صيغة المضارعِ مبالغةٌ في الدلالة على تحقق النجاةِ حسبما يفيده قوله تعالى ﴿قُضِىَ الامر الذى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ وهو السرُّ في إيثارَ مَا عليهِ النظمُ الكريمُ على أن يقال للذي ظنه ناجياً ﴿مِنْهُمَا﴾ من صاحبيه وإنما ذكر بوصف النجاةِ تمهيداً لمناط التوصيةِ بالذكر عند الملكِ وعنوانِ التقربِ المفهوم من التعبير المذكورِ وإن كان أدخلَ في ذلك وأدعى إلى تحقيق ما وصّاه به لكنه ليس بوصف فارقٍ يدور عليه الامتيازُ بينه وبين صاحبه المذكورِ بوصف الهلاكِ والظانُّ هو يوسفُ ﵇ لا صاحبُه لأن التوصيةَ المذكورة لا تدور على ظن الناجي بل على ظن يوسفَ وهو بمعنى اليقينِ كما في قوله تعالى ﴿ظَنَنتُ أَنّى ملاق حِسَابِيَهْ﴾ فالتعبيرُ بالوحي كما ينبىء عنه قوله تعالى ﴿قُضِىَ الامر﴾ الخ وقيل هو بمعناه والتعبيرُ بالاجتهاد والحكمُ بقضاء الأمر أيضاً اجتهاديٌّ ﴿اذكرنى﴾ بما أنا عليه من الحال والصفة ﴿عِندَ رَبّكَ﴾ سيّدِك وصِفْني له بصفتي التي شاهدتَها ﴿فَأَنْسَاهُ الشيطان﴾ أي أنسى الشرابيَّ بوسوسته وإلقائه في قلبه أشغالاً تعوقه عن الذكر وإلا فالإنساءُ في الحقيقة لله والفاءُ للسببية فإن توصيتَه ﵇ المتضمنةَ للاستعانة بغيره سبحانه كانت باعثةً لما ذكر عن الإنساء ﴿ذِكْرَ رَبّهِ﴾ أي ذكرَ الشرابيِّ له ﵇ عند الملِك والإضافة لأدنى ملابسةٍ أو ذكرَ إخبارِ ربِّه ﴿فَلَبِثَ﴾ أي يوسف ﵇ بسبب ذلك الإنساءِ أو القول ﴿في السجن بضع سنين﴾ البِضْعُ ما بين الثَّلاثِ إلى التسع من البَضْع وهو القطعُ وأكثرُ الأقاويل أنه لبث فيه سبعَ سنين وروي عنِ النبيِّ ﷺ رحم الله أخي يوسفَ لو لم يقُل اذكُرْني عند ربِّك لما لبث في السجن سبعاً بعد الخمس والاستعانةُ بالعباد وإن كانت مرخصةً لكن اللائقَ بمناصب الأنبياءِ ﵈ الأخذُ بالعزائم

стр. 2763

﴿وَقَالَ الملك﴾ أي الريّانُ ﴿إِنّى أرى﴾ أي رأيت وإيثارُ صيغة المضارعِ لحكايةِ الحالِ الماضيةِ ﴿سَبْعَ بقرات سِمَانٍ﴾ جمعُ سمينٍ وسمينة ككرام في جمع كريم وكريمة يقال رجالٌ كرام ونسوةٌ كِرامٌ ﴿يَأْكُلُهُنَّ﴾ أي أكلهن والعدولُ إلى المضارع لاستحضار الصورةِ تعجيباً والجملةُ حالٌ من البقرات أو صفةٌ لها ﴿سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ أي سبعُ بقراتٍ عجافٍ وهي جمعُ عجفاءَ والقياس عُجْفٌ لأن فعلاء وأفعل لا يجمع على فِعال ولكن عُدل به عن القياس حملاً لأحد النقيضين على الآخر وإنما لم يقل سبعُ عجافٍ بالإضافة لأن التمييزَ موضوعٌ لبيان الجنس والصفةُ ليست بصالحة لذلك فلا يقال ثلاثةُ ضخامٍ وأربعةُ غلاظٍ وأما قولُك ثلاثةُ فرسانٍ وخمسةُ ركبانٍ فلجرَيان الفارسِ والراكب مَجرى الأسماءِ روي أنه رأى سبعَ بقراتٍ سمان خرجن من نهر يابسٍ وخرج عَقيبَهن سبعُ بقراتٍ عجافٍ في غاية الهُزال فابتلعت العجافُ السمانَ ﴿وَسَبْعَ سنبلات خُضْرٍ﴾ قد انعقد حبُّها ﴿وَأُخَرَ يابسات﴾ أي وسبعاً أخَرَ يابساتٍ قد أدركت والْتَوَتْ على الخضر حتى غليتها على ما روي ولعل عدمَ التعرضِ لذكره للاكتفاء بما ذُكر من حال البقرات ﴿يا أيها الملأ﴾ خطابٌ للأشراف من العلماء والحكماء ﴿أَفْتُونِى فِى رؤياى﴾ هذه أي عبِّروها وبيِّنوا حكمَها وما تؤول إليه من العاقبة والتعبير عن التعبير بالإفتاء

стр. 2764

يوسف الآية (٤٤ ٤٥) لتشريفهم وتفخيمِ أمر رؤياه ﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ أي تعلمون عبارةَ جنسِ الرؤيا علماً مستمراً وهي الانتقالُ من الصور الخيالية المشاهدةِ في المنام إلى ما هي صورٌ وأمثلةٌ لها من الأمور الآفاقيةِ أو الأنفسيةِ الواقعةِ في الخارج من العبور وهو المجاوزةُ تقول عبَرْتُ النهرَ إذا قطعتُه وجاوزتُه ونحوه أوّلتها أي ذكرتُ مآلَها وعَبْرتُ الرؤيا عبارةً أثبتُ من عبّرتها تعبيراً والجمعُ بين الماضِي والمستقبلِ للدِّلالةِ على الاستمرار كما أشير إليه واللامُ للبيان أو لتقوية العاملِ المؤخَّرِ لرعاية الفواصِلِ أو لتضمين تعبُرون معنى فعلٍ متعدَ باللام كأنه قيل إن كنتم تنتدِبون لعبارتها ويجوز أن يكون للرؤيا خبر كان كما يقال فلان لهذا الأمر إذا كان مستقلاً به متمكناً منه وتعبرون خبرٌ آخر

стр. 2765

﴿قالوا﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على السؤالِ كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ الملأُ للملك فقيل قالوا هي ﴿أضغاث أَحْلَامٍ﴾ أي تخاليطُها جمع ضِغْث وهو في الأصلِ ما جمع من أخلاط النبات وحُزِم ثم استعير لما تجمعه القوةُ المتخيِّلة من أحاديث النفس ووساوسِ الشيطان وتريها في المنام والأحلامُ جمع حلُم وهي الرؤيا الكاذبةُ التي لا حقيقةَ لها والإضافةُ بمعنى مِنْ أي هي أضغاثٌ من أحلام أخرَجوها من جنس الرؤيا التي لها عاقبةٌ تؤول إليها ويعتنى بأمرها وجمعوها وهي رؤيا واحدةٌ مبالغةً في وصفها بالبطلان كما في قولهم فلانٌ يركبُ الخيلَ ويلبَس العمائم لمن لا يملِك إلا فرساً واحداً وعمامة فردةً أو لتضمّنها أشياءَ مختلفةً من البقرات السبع السمان والسبع العجاف والسنابل السبعِ الخُضر والأُخَرِ اليابسات فتأمل حسنَ موضع الأضغاثِ مع السنابل فللَّه درُّ شأنِ التَّنزيلِ ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الاحلام﴾ أي المنامات الباطلةِ التي لا أصلَ لها ﴿بعالمين﴾ لا لأن لها تأويلاً ولكن لا نعلمه بل لأنه لا تأويلَ لها وإنما التأويلُ للمنامات الصادقةِ يجوز أن يكون ذلك اعترافاً منهم بقصور علمِهم وأنهم ليسوا بنحاريرَ في تأويل الأحلامِ مع أن لها تأويلاً كما يُشعر به عدو لهم عما وقع في كلام الملك من العبارة المُعْربة عن مجرد الانتقالِ من الدالّ إلى المدلول حيث لم يقولوا بتعبير الأحلام أو عبارتها إلى التأويل المنبىءِ عن التصرُّف والتكلّف في ذلك لما بين الآثل والمآلِ من البُعد ويؤيده قوله أَنَاْ أُنَبّئُكُمْ بِتَأْوِيلِه

стр. 2766

﴿وَقَالَ الذى نَجَا مِنْهُمَا﴾ أي من صاحبَيْ يوسف وهو الشرابيّ ﴿وادكر﴾ بغير المعجمة وهو الفصيحُ وعن الحسن بالمعجمة أي تذكر يوسف ﵇ وشئونه التي شاهدها ووصيته بتقريب رؤيا الملك وإشكال تأويلِها على الملأ ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي مدة طويلةٍ وقُرِىءَ إمةٍ بالكسرِ وهي النعمةُ أي بعد ما أنعم عليه بالنجاة وأمة أي نسيان والجملةُ حالٌ منَ الموصولِ أو من ضميره في الصلة وقيل معطوفةٌ على نجا وليس بذاك لأن حق كلَ من الصفة والصلةِ أن تكون معلومةَ الانتسابِ إلى الموصوف والموصولِ عند المخاطبِ كما عند المتكلم ولذلك قيل إن الصفاتِ قبلَ العلمِ بها أخبارٌ والأخبارُ بعدَ العلم بها صفاتٌ وأنت تدري أن تذكّره بعد أمةٍ إنما عُلم بهذه الجملة فلا مجال لنظمه مع نجاته المعلومةِ قبلُ في سلك الصلة ﴿أَنَاْ أُنَبّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ أي أخبركم

стр. 2767

يوسف الآية (٤٦ ٤٧) بالتلقي عمن عنده علمُه لا من تلقاء نفسي ولذلك لم يقل أنا أفتيكم فيها وعقبّه بقوله ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ أي إلى يوسفَ وإنما لم يذكُرْه ثقةً بما سبق من التذكر وما لَحِقَ من قوله

стр. 2768

﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق﴾ أي أُرسل إليه فأتاه فقال يا يوسف ووصفَه بالمبالغة في الصدق حسبما شاهده وذاق أحوالَه وجرّبها لكونه بصدد اغتنامِ آثارِه واقتباس أنوارِه فهو من باب براعة الاستهلال ﴿أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بقرات سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سنبلات خُضْرٍ وَأُخَرَ يابسات﴾ أي في رؤيا ذلك وإنما لم يصرح به لوضوح مرامِه بقرينة ما سبق من معاملتهما ولدَلالة مضمونِ الحادثة عليه حيث لا إمكان لوقوعه في عالم الشهادةِ أي بيِّنْ لنا مآلَها وحكمَها وحيث عاين علوَّ رتبتِه ﵇ في الفضل عبّر عن ذلك بالإفتاء ولم يقل كما قال هو وصاحبُه أولاً نبّئنا بتأويله وفي قوله أفتنا مع أنه المستفتي وحده إشعار بأن الرؤيا ليست له بل لغيره ممن له ملابسةٌ بأمور العامة وأنه في ذلك مَعْبرٌ وسفيرٌ كما آذن بذلك حيث قال ﴿لَّعَلّى أَرْجِعُ إِلَى الناس﴾ أي إلى الملك ومن عنده أو إلى أهل البلد إن كان السجنُ في الخارج كما قيل فأُنبّئهم بذلك ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ذلك ويعملون بمقتضاه أو يعلمون فضلَك ومكانك مع ما أنت فيه من الحال فتتخلّصَ منه وإنما لم يبُتَّ القولَ في ذلك مجاراةً معه على نهج الأدب واحترازاً عن المجازفة إذ لم يعلموه على يقين من الرجوع فربما اخترم دونه لعل المنايا دون ما تعدّاني ولا مِنْ علمهم بذلك فربما لم يعلموه

стр. 2769

﴿قال﴾ استئناف مبني على السؤالِ كأنَّه قيلَ فماذَا قال يوسفُ ﵇ في التأويل فقيل قال ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا﴾ قرىء بفتح الهمزة وسكونِها وكلاهما مصدرُ دأَبَ في العمل إذا جدّ فيه وتعِب وانتصابُه عَلى الحاليةِ من فاعل تزرعون أي دائبين أو تدأبون دأباً على أنَّه مصدرٌ مؤكدٌ لفعل هو الحال أوّلَ ﵇ البقراتِ السمانَ والسنبلاتِ الخضْرَ بسنين مخاصيب والعجاف واليابسان بسنين مجدبة فأخذهم بأنهم يواظبون سبعَ سنين على الزراع ويبالغون فيها إذ بذلك يتحقق الخِصْبُ الذي هو مصداقُ البقراتِ السمان وتأويلُها ودلهم في تضاعيف ذلك على أمر نافعٍ لهم فقال ﴿فَمَا حَصَدتُّمْ﴾ أي في كل سنة ﴿فَذَرُوهُ فِى سُنبُلِهِ﴾ ولا تَذْروه كيلا يأكلَه السوسُ كما هو شأنُ غلالِ مصرَ ونواحيها ولعله ﵇ استدل على ذلك بالسنبلات الخُضرِ وإنما أمرهم بذلك إذ لم يكن معتاداً فيما بينهم وحيث كانوا معتادين للزراعة لم يأمرهم بها وجعلَها أمراً محققَ الوقوع وتأويلاً للرؤيا مصداقاً لما فيها من البقرات السمان ﴿إِلَاّ قَلِيلاً مّمَّا تأكلون﴾ في تلك السنين وفيه إرشادٌ منه ﵇ لهم إلى التقليل في الأكل والاقتصارِ على استثناء المأكولِ دون البَذْر لكون ذلك معلوماً من قوله تزرعون سبعَ سنين وبعد إتمام ما أمرهم به شَرَع في بيان بقيةِ التأويلِ التي يظهر منها حكمةُ الأمر المذكور فقال

стр. 2770

يوسف الآية (٤٨ ٤٩)
следующие страницы →