← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

﴿وَقَالَ الذى نَجَا مِنْهُمَا﴾ أي من صاحبَيْ يوسف وهو الشرابيّ ﴿وادكر﴾ بغير المعجمة وهو الفصيحُ وعن الحسن بالمعجمة أي تذكر يوسف ﵇ وشئونه التي شاهدها ووصيته بتقريب رؤيا الملك وإشكال تأويلِها على الملأ ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي مدة طويلةٍ وقُرِىءَ إمةٍ بالكسرِ وهي النعمةُ أي بعد ما أنعم عليه بالنجاة وأمة أي نسيان والجملةُ حالٌ منَ الموصولِ أو من ضميره في الصلة وقيل معطوفةٌ على نجا وليس بذاك لأن حق كلَ من الصفة والصلةِ أن تكون معلومةَ الانتسابِ إلى الموصوف والموصولِ عند المخاطبِ كما عند المتكلم ولذلك قيل إن الصفاتِ قبلَ العلمِ بها أخبارٌ والأخبارُ بعدَ العلم بها صفاتٌ وأنت تدري أن تذكّره بعد أمةٍ إنما عُلم بهذه الجملة فلا مجال لنظمه مع نجاته المعلومةِ قبلُ في سلك الصلة ﴿أَنَاْ أُنَبّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ أي أخبركم

стр. 2767

يوسف الآية (٤٦ ٤٧) بالتلقي عمن عنده علمُه لا من تلقاء نفسي ولذلك لم يقل أنا أفتيكم فيها وعقبّه بقوله ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ أي إلى يوسفَ وإنما لم يذكُرْه ثقةً بما سبق من التذكر وما لَحِقَ من قوله

стр. 2768

﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق﴾ أي أُرسل إليه فأتاه فقال يا يوسف ووصفَه بالمبالغة في الصدق حسبما شاهده وذاق أحوالَه وجرّبها لكونه بصدد اغتنامِ آثارِه واقتباس أنوارِه فهو من باب براعة الاستهلال ﴿أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بقرات سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سنبلات خُضْرٍ وَأُخَرَ يابسات﴾ أي في رؤيا ذلك وإنما لم يصرح به لوضوح مرامِه بقرينة ما سبق من معاملتهما ولدَلالة مضمونِ الحادثة عليه حيث لا إمكان لوقوعه في عالم الشهادةِ أي بيِّنْ لنا مآلَها وحكمَها وحيث عاين علوَّ رتبتِه ﵇ في الفضل عبّر عن ذلك بالإفتاء ولم يقل كما قال هو وصاحبُه أولاً نبّئنا بتأويله وفي قوله أفتنا مع أنه المستفتي وحده إشعار بأن الرؤيا ليست له بل لغيره ممن له ملابسةٌ بأمور العامة وأنه في ذلك مَعْبرٌ وسفيرٌ كما آذن بذلك حيث قال ﴿لَّعَلّى أَرْجِعُ إِلَى الناس﴾ أي إلى الملك ومن عنده أو إلى أهل البلد إن كان السجنُ في الخارج كما قيل فأُنبّئهم بذلك ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ذلك ويعملون بمقتضاه أو يعلمون فضلَك ومكانك مع ما أنت فيه من الحال فتتخلّصَ منه وإنما لم يبُتَّ القولَ في ذلك مجاراةً معه على نهج الأدب واحترازاً عن المجازفة إذ لم يعلموه على يقين من الرجوع فربما اخترم دونه لعل المنايا دون ما تعدّاني ولا مِنْ علمهم بذلك فربما لم يعلموه

стр. 2769

﴿قال﴾ استئناف مبني على السؤالِ كأنَّه قيلَ فماذَا قال يوسفُ ﵇ في التأويل فقيل قال ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا﴾ قرىء بفتح الهمزة وسكونِها وكلاهما مصدرُ دأَبَ في العمل إذا جدّ فيه وتعِب وانتصابُه عَلى الحاليةِ من فاعل تزرعون أي دائبين أو تدأبون دأباً على أنَّه مصدرٌ مؤكدٌ لفعل هو الحال أوّلَ ﵇ البقراتِ السمانَ والسنبلاتِ الخضْرَ بسنين مخاصيب والعجاف واليابسان بسنين مجدبة فأخذهم بأنهم يواظبون سبعَ سنين على الزراع ويبالغون فيها إذ بذلك يتحقق الخِصْبُ الذي هو مصداقُ البقراتِ السمان وتأويلُها ودلهم في تضاعيف ذلك على أمر نافعٍ لهم فقال ﴿فَمَا حَصَدتُّمْ﴾ أي في كل سنة ﴿فَذَرُوهُ فِى سُنبُلِهِ﴾ ولا تَذْروه كيلا يأكلَه السوسُ كما هو شأنُ غلالِ مصرَ ونواحيها ولعله ﵇ استدل على ذلك بالسنبلات الخُضرِ وإنما أمرهم بذلك إذ لم يكن معتاداً فيما بينهم وحيث كانوا معتادين للزراعة لم يأمرهم بها وجعلَها أمراً محققَ الوقوع وتأويلاً للرؤيا مصداقاً لما فيها من البقرات السمان ﴿إِلَاّ قَلِيلاً مّمَّا تأكلون﴾ في تلك السنين وفيه إرشادٌ منه ﵇ لهم إلى التقليل في الأكل والاقتصارِ على استثناء المأكولِ دون البَذْر لكون ذلك معلوماً من قوله تزرعون سبعَ سنين وبعد إتمام ما أمرهم به شَرَع في بيان بقيةِ التأويلِ التي يظهر منها حكمةُ الأمر المذكور فقال

стр. 2770

يوسف الآية (٤٨ ٤٩)

стр. 2771

﴿ثُمَّ يَأْتِى﴾ وهو عطفٌ على تزرعون فلا وجه لجعله بمعنى الأمر حثاً لهم على الجد والمبالغة في الزراعة على أنه يحصل بالإخبار بذلك أيضاً ﴿مِن بَعْدِ ذلك﴾ أي من بعد السنين السبعِ المذكوراتِ وإنما لم يقُلْ من بعدهن قصداً إلى الإشارة إلى وصفهن فإن الضمير ساكتٌ عن أوصاف المرجعِ بالكلية ﴿سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ أي سبعُ سنينَ صعابٌ على الناس ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ من الحبوب المتروكةِ في سنابلها وفيه تنبيهٌ على أن أمرَه ﵇ بذلك كان لوقت الضرورة وإسنادُ الأكل إليهن مع أنه حالُ الناس فيهن مجازيٌّ كما في نهارُه صائمٌ وفيه تلويحٌ بأنه تأويلٌ لأكل العجافِ السمانَ واللام في لهن ترشيحٌ لذلك فكأن ما ادُّخر في السنابل من الحبوب شيءٌ قد هُيِّيء وقُدِّم لهن كالذي يقدَّم للنازل وإلا فهو في الحقيقة مقدَّمٌ للناس فيهن ﴿إِلَاّ قَلِيلاً مّمَّا تحصنون﴾ تحرزون مبذور الزراعة

стр. 2772

﴿ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذلك﴾ أي من بعد السنين الموصوفةِ بما ذكرَ من الشدة وأكلِ الغلال المدخر ﴿عَامٌ﴾ لم يعبّر عنه بالسنة تحاشياً عن المدلول الأصليِّ لها من عام القحط وتنبيهاً منْ أولِ الأمرِ عَلى اختلاف الحالِ بينه وبين السوابق ﴿فِيهِ يُغَاثُ الناس﴾ من الغيث أي يُمطَرون يقال غِيثت البلادُ إذا مُطرت في وقت الحاجة أو من الغوث يقال أغاثنا الله تعالى أي أمدنا برفع المكاره حين أظلّتنا ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ أي ما مِنْ شأنِه أن يُعصر من العنب والقصَب والزيتون والسمسم ونحوِها من الفواكة لكثرتها والتعرضُ لذكر العصر مع جواز الاكتفاءِ عنه بذكر الغيث المستلزمِ له عادة كما اكتُفي به عن ذكر تصرِفهم في الحبوب إما لأن استلزامَ الغيثِ له ليس كاستلزامه للحبوب إذ المذكرات يتوقف صلاحُها على مبادٍ أخرى غيرِ المطر وإما لمراعاة جانبِ المستفتي باعتبار حالتِه الخاصة به بشارةً له وهي التي يدور عليها حسنُ موقع تغليبِه على الناس في القراءة بالفوقانية وقيل معنى يعصرون يحلبون الضروعَ وتكريرُ فيه إما للإشعار باختلاف أوقاتِ ما يقع فيه من الغيث والعصر زماناً وهو ظاهرٌ وعنواناً فإن الغيثَ والغوثَ من فضل الله تعالى والعصرُ من فعل الناس وإما لأن المقام مقامُ تعداد منافعِ ذلك العام ولأجله قُدّم في الموضعين على الفعلين فإن المقصودَ الأصليَّ بيان أنه يقع في ذلك العام هذا النفعُ وذاك النفعُ لا بيانُ أنهما يقعان في ذلك العام كما يفيده التأخير ويجوز أن يكون التقديمُ للقصر على معنى أن غيثهم وعصرَهم في سائر السنين بمنزلة العدمِ بالنسبة إلى عامهم ذلك وأن يكون ذلك في الأخير لمراعات الفواصلِ وفي الأول لرعاية حالِه وقرىء يُعصَرون على البناءِ للمفعولِ من عصره إذا أنجاه وهو المناسبُ للإغاثة ويجوز أن يكون المبنيُّ للفاعل أيضاً منه كأنه قيل فيه يغاث الناسُ وفيه يُغيثون أي يغيثهم الله ويغيثُ بعضُهم بعضاً وقيل معنى يُعصَرون يمطَرون من أعصرت السحابةُ إما بتضمين أعصرت معنى مطرَت وتعديتِه وإما بحذفِ الجارِّ وإيصالِ الفعلِ على أن الأصلَ أعصرت عليهم وأحكامُ هذا العام المبارك ليست مستنبَطةً من رؤيا الملكِ وإنما تلقاها ﵇ من جهة الوحي فبشَّرهم بها بعد ما أول

стр. 2773

يوسف الآية (٥٠ ٥١) الرؤيا بما أول وأمرَهم بالتدبير اللائقِ في شأنه إبانةً لعلو كعبِه ورسوخِ قدمِه في الفضل وأنه محيطٌ بما لَمْ يخطُر ببالِ أحدٍ فضلاً عما يُرى صورتُه في المنام على نحو قوله لصاحبيه عند استفتائهما في نامهما لا يأتيكما طعام ترزقانه إِلَاّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ وإتماماً للنعمة عليهم حيث لم يشاركه ﵇ في العلم بوقوعها أحدٌ ولو برؤية ما يدل عليها في المنام

стр. 2774

﴿وقال الملك﴾ بعدما جاءه السفيرُ بالتعبير وسمع منه ما سمع من نقير وقِطمير ﴿ائتونى بِهِ﴾ لِما علم من علمه وفضله ﴿فَلَمَّا جَاءهُ﴾ أي يوسفَ ﴿الرسول﴾ واستدعاه إلى الملك ﴿قَالَ ارجع إلى رَبّكَ﴾ أي سيدك ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَاّتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ أي ففتشه عن شأنهم وإنما لم يقل فاسأله أن يفتش عن ذلك حثاً للملك على الجد في التفتيش ليتبين برءاته ويتضح نزاهتُه إذ السؤالُ مما يهيج الإنسانَ على الاهتمام في البحث للتفصّي عما توجه إليه وأما الطلب فمما قد يتسامح ويُتساهل فيه ولا يبالى به وإنما لم يتعرض لامرأة العزيزِ مع ما لقي منها ما لقِيَ من مقاساة الأحزان ومعاناة الأشجان والأحزان محافظةً على مواجب الحقوق واحترازاً عن مكرها حيث اعتقدها مقيمةً في عُدوة العداوة وأما النسوةُ فقد كان يطمع في صَدْعهن بالحق وشهادتِهن بإقرارها بأنها راودته عن نفسه فاستعصم ولذلك اقتصر على وصفهن بتقطيع الأيدي ولم يصرّح بمراودتهن له وقولِهن أطع مولاتك واكتفي بالإيماء إلى ذلك بقوله ﴿إِنَّ رَبّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ مجاملةً معهن واحترازاً عن سوء قالتِهن عند الملكِ وانتصابِهن للخصومة مدافعةً عن أنفسهن متى سمعن بنسبته لهن إلى الفساد

стр. 2775

﴿قال﴾ استئناف مبني على السؤالِ كأنَّه قيلَ فماذَا كان بعد ذلك فقيل قال الملكُ إثَر ما بلّغه الرسولُ الخبر وأحضرهن ﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾ أي شأنكن وهو الأمرُ الذي يحِق لعُظْمه أن يخاطِبَ المرءُ فيه صاحبه ﴿إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ﴾ وخادعتُنّه ﴿عَن نَّفْسِهِ﴾ ورغبتُنّه في إطاعة مولاته هل وجدتُن فيه شيئاً من سوء وريبة ﴿قُلْنَ حَاشَ للَّهِ﴾ تنزيهاً له وتعجباً من نزاهته وعفته ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء﴾ بالغْن في نفي جنس السوءِ عنه بالتنكير وزيادة من ﴿قالت امرأة العزيز﴾ وكانت حاضرةً في المجلس وقيل أقبلت النسوةُ عليها يقرِّرنها وقيل خافت أن يشهَدْن عليها بما قالت لهن وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فاستعصم وَلَئِن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين فأقرت قائلة ﴿الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ أي ثبت واستقرَّ أو تبيّن وظهر بعد خفاء قاله الخليل وقيل هو مأخوذ من الحِصة وهي القطعة من الجملة أي تبين حصةُ الحقِّ من حصة الباطل كما تتبين حِصصُ الأراضي وغيرها وقيل بان وظهر من حصّ شعرَه إذا استأصله بحيث ظهرت بشرةُ رأسه وقُرِىءَ على البناءِ للمفعولِ من حَصحَص البعيرُ مباركَه أي ألقاها في

стр. 2776

يوسف الآية (٥٢ ٥٣) الأرض للإناخة قال ... فحصحَص في صُمّ الصفا ثفَناتِه ... وناء بسلمى نوأةً ثم صمّما ... والمعنى أُقرَّ الحقُّ في مقرّه ووُضع في موضعه ولم ترِدْ بذلك مجردَ ظهور ما ظهر بشهادتهن من مطلق نزاهتِه ﵇ فيما أحاط به علمُهن من غير تعرض لنزاهته في سائر المواطنِ خصوصاً فيما وقع فيه التشاجرُ بمحضر العزيز ولا بحثٍ عن حال نفسها وما صنعت في ذلك بل أرادت ظهورَ ما هو متحققٌ في نفس الأمر وثبوتِه من نزاهته ﵇ في محل النزاعِ وخيانتِها فقالت ﴿أَنَاْ راودته عَن نَّفْسِهِ﴾ لا أنه راودني عن نفسي ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين﴾ أي في قوله حين افتريت عليه هي راودتني عن نفسي وأرادت بالآن زمانَ تكلّمها بهذا الكلام لا زمانَ شهادتِهن فتأمل أيها المنصفُ هل ترى فوق هذه المرتبةِ نزاهةً حيث لم تتمالك الخُصماء من الشهادة بها والفضلُ ما شهدت بهِ الخصماءُ وإنما تصدى ﵇ لتمهيد هذه المقدمة قبل الخروج ليُظهر براءةَ ساحتِه مما قُذف به لا سيما عند العزيزِ قبل أن يحُلّ ما عقَده كما يعرب عنه قوله ﵇ لما رجع إليه الرسولُ وأخبره بكلامهن

стр. 2777

﴿ذلك﴾ أي ذلك التثبيتُ المؤدي إلى ظهور حقيقة الحال ﴿لِيَعْلَمَ﴾ أي العزيز ﴿أَنّى لَمْ أَخُنْهُ﴾ في حرمته كما زعمه لا علماً مطلقاً فإن ذلك لا يستدعي تقديمَ التفتيشِ على الخروج من السجن بل قبلَ ما ذُكر من نقض ما أبرمه ولعله لمراعاة حقوقِ السيادةِ لأن المباشرَة للخروج من حبسه قبل ظهورِ بُطلانِ ما جعله سبباً له وإن كان ذلك بأمر الملك مما يوهم الافتياتَ على رأيه وأما أن يكون ذلك لئلا يُتمكن من تقبيح أمره عند الملك تمحلاً لإمضاء ما قضاه فلا يليقُ بشأنه ﵇ في الوثوق بأمره والتوكل على ربه ﷻ ﴿بالغيب﴾ أي بظهر الغيبِ وهو حالٌ من الفاعلِ أو المفعول أي لم أخُنه وأنا غائبٌ عنه أو وهو غائبٌ عنْهُ أو وهو غائبٌ عني أو ظرف أي بمكان الغيب وراء الأستاء والأبوابِ المغلقة وأيَاً ما كانَ فالمقصودُ بيانُ كمالِ نزاهتِه عن الخيانة وغايةِ اجتنابه عنها عند تعاضد أسبابِها ﴿وَأَنَّ الله﴾ أي وليعلم أنه تعالى ﴿لَا يَهْدِى كَيْدَ الخائنين﴾ أي لا يُنفِذه ولا يسدّده بل يُبطله ويُزهِقه أو لا يهديهم في كيدهم إيقاعاً للفعل على الكيد مبالغة كما في قوله تعالى يضاهئون قَوْلَ الذين كَفَرُواْ أي يضاهئونهم في قولهم وفيه تعريضٌ بامرأته في خيانتها أمانتَه وبه في خيانته أمانةَ الله تعالى حين ساعدها على حبسه بعد ما رأوا آياتِ نزاهتِه ﵇ ويجوزُ أنْ يكون ذلك لتأكيد أمانته وأنه لو كان خائناً لما هدى الله أمره وأحسن عاقبتَه

стр. 2778

﴿وما أبرئ نَفْسِى﴾ أي لا أنزّهها عن السوء قاله ﵇ هضماً لنفسه الكريمة البريئةِ عن كل سوء وربأً بمكانها عن التزكية والإعجاب بحالها عند ظهورِ كمالِ نزاهتِها على أسلوب قوله ﵇ أنَا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخر أو تحديثاً بنعمة الله عليه وإبرازاً لسره المكنونِ في شأن أفعال العبادِ أي لا أنزهها عن السوء من حيث هي هي ولا أُسند هذه الفضيلةَ إليها بمقتضى طبعِها من غير توفيقٍ من الله عز وعلا ﴿أَنَّ النفس﴾ البشريةَ التي من جملتها نفسي في حد ذاتِها ﴿لامَّارَةٌ بالسوء﴾ مائلةٌ إلى الشهوات

стр. 2779

مستعمِلةٌ للقوى والآلاتِ في تحصيلها بل إنما ذلك بتوفيق الله تعالَى وعصمته ورحمتِه كما يفيده قوله ﴿إِلَاّ مَا رَحِمَ رَبّى﴾ من النفوس التي يعصمها من الوقوع في المهالك ومن جملتها نفسي أو هي أمارةٌ بالسوء في كل وقت إلا وقتَ رحمةِ ربي وعصمتِه لها وقيل الاستثناءُ منقطعٌ أي لكن رحمة ربي هي التي تصرِف عنها السوء كما في قوله تعالى وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ إِلَاّ رَحْمَةً ﴿إِنَّ رَبّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ عظيمُ المغفرة لما يعتري النفوسَ بموجب طباعِها ومبالِغٌ في الرحمة لها بعصمتها من الجريان بمقتضى ذلك وإيثارُ الإظهار في مقام الإضمارِ مع التعرض لعنوان الربوبيةِ لتربية مبادى المغفرةِ والرحمة وقيل إلى هنا من كلام امرأةِ العزيز والمعنى ذلك الذي قلتُ ليعلم يوسفُ ﵇ أني لم أخُنه ولم أكذِب عليه في حال الغَيبة وجئت بما هو الحقُّ الواقعُ وما أبرىء نفسي مع ذلك من الخيانة حيث قلت في حقه ما قلت وفعلتُ به ما فعلت إن كل نفس لأمارةٌ بالسوء إلا من رحم ربي أي إلا نفساً رحِمها الله بالعصمة كنفس يوسفَ إن ربي غفورٌ لمن استغفر لذنبه واعترف به رحيمٌ له فعلى هذا يكون تأنّيه ﵇ في الخروج من السجن لعدم رضاه ﵇ بملاقاة الملكِ وأمرُه بَيْنَ بينَ ففعل ما فعل حتى يتبين نزاهتُه وأنه إنما سجن بظلم عظيم مع ما له من الفضل ونباهةِ الشأن ليتلقاه الملك بما يليقُ بهِ من الإعظام والإجلال وقد وقع

стр. 2780

﴿وَقَالَ الملك ائتونى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ﴾ أجعله خالصاً ﴿لِنَفْسِى﴾ وخاصاً بي ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾ أي فأتَوا به فحُذف للإيذان بسرعة الإتيانِ به فكأنه لم يكن بين الأمرِ بإحضاره والخطابِ معه زمانٌ أصلاً والضميرُ المستكنُّ في كلّمه ليوسف والبارزُ للملك أي فلما كلّمه يوسفُ إثرَ ما أتاه فاستنطقه وشاهد منه ما شاهد ﴿قَالَ إِنَّكَ اليوم لَدَيْنَا مِكِينٌ﴾ ذو مكانةٍ ومنزلةٍ رفيعة ﴿أَمِينٌ﴾ مؤتمنٌ على كل شيء واليومَ ليس بمعيار لمدة المكانةِ والأمانةِ بل هو آنُ التكلم والمرادُ تحديد مبدئهما احترازاً عن احتمال كونِهما بعد حين روي أنه ﵇ لما جاءه الرسولُ خرج من السجن ودعا لأهله واغتسل ولبِس ثياباً جُدُداً فلما دخل على الملك قال اللهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتِك من شرّه وشرِّ غيره ثم سلم عليه ودعا له بالعبرانية فقال ما هذا اللسانُ قال لسانُ آبائي وكان الملك يعرف سبعين لساناً فكلّمه بها فأجابه بجميعها فتعجّب منه فقال أحب أن أسمعَ منك رؤياي فحكاها ونعت له البقراتِ والسنابلَ وأماكنَها على ما رآها فأجلسه على السرير وفوّض إليه أمرَه وقيل توفي قطفيرُ في تلك الليالي فنصّبه منصِبه وزوجه راعيل فوجدها عذراءَ وولدت له إفراييم وميشا ولعل ذلك إنما كان بعد تعيينِه ﵇ لِما عُيّن له من أمر الخزائين كما يعرب عنه قوله عز وجل

стр. 2781

﴿قَالَ اجعلنى على خَزَائِنِ الأرض﴾ أي أرضِ مصرَ أي ولِّني أمرَها من الإيراد والصرف ﴿إِنّى حَفِيظٌ﴾ لها ممن لا يستحقها ﴿عَلِيمٌ﴾ بوجوه التصرّفِ فيها وفيه دليلٌ على جواز طلبِ الولايةِ إذا كان الطالبُ ممن يقدر على إقامة العدلِ وإجراءِ أحكامِ الشريعة وإن كان من يد الجائرِ أو الكافر وعن مجاهد أنه أسلم الملك على يده

стр. 2782

يوسف الآية (٥٦ ٥٧ ٥٨) ﵇ ولعل إيثارَه ﵇ لتلك الولايةِ خاصة إنما كان للقيام بما هو أهمُّ أمورِ السلطنة إذ ذاك من تدبير أمرِ السنين حسبما فُصل في التأويل لكونه من فروع تلك الولاية لمجرد عموم الفائدة وجموم العائدة كما قيل وإنما لم يُذكر إجابةُ الملكِ إلى ما سأله ﵇ من جعله على خزائن الأرضِ إيذاناً بأن ذلك أمرٌ لا مردَّ له غنيٌّ عن التصريح به لا سيما بعد تقديمِ ما يندرج تحته من أحكام السلطنةِ بحذافيرها من قوله إنك اليوم لدينا مكين أمين وللتنبيه على أن كلَّ ذلك من الله عز ووجل وإنما الملكُ آلة في ذلك قيل

стр. 2783

﴿وكذلك﴾ أي مثلَ ذلك التمكينِ البليغ ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾ أي جعلنا له مكاناً ﴿فِى الأرض﴾ أي أرضِ مصرَ روي أنها كانت أربعين فرسخاً في أربعين وفي التعبير عن الجعل المذكورِ بالتمكين في الأرض مسنداً إلى ضميره عزّ سلطانُه من تشريفه ﵇ والمبالغةِ في كمال ولايتِه والإشارةِ إلى حصول ذلك من أوَّلِ الأمرِ لا أنه حصل بعد السؤال ما لا يخفى ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا﴾ ينزل من بلادها ﴿حَيْثُ يَشَاء﴾ ويتخذه مباءةً وهو عبارةٌ عن كمال قدرته على التصرف فيها ودخولها تحت ملكتِه وسلطانه فكأنها منزلُه يتصرف فيها كما يتصرف الرجل في منزله وقرأ ابن كثير بالنون روي أن الملك توّجهُ وختمه بخاتمه وردّاه بسيفه ووضع له سريراً من ذهب مكللاً بالدر والياقوت فقالَ ﵇ أمَّا السريرُ فأشدُّ به مُلكك وأما الخاتمُ فأدبّر به أمرك وأما التاجُ فليس من لباسي ولا لباس آبائي فقال قد وضعتُه إجلالاً لك وإقراراً بفضلك فجلس على السرير ودانت له الملوكُ وفوّض إليه الملكُ أمرَه وأقام العدلَ بمصر وأحبتْه الرجالُ والنساء وباع من أهل مصر في سِني القحطِ الطعامَ في السنة الأولى بالدنانير والدراهم وفي الثانية بالحِليِّ والجواهر وفي الثالثة بالدوابّ ثم بالضِّياع والعَقار ثم برقابهم حتى استرقّهم جميعاً فقالوا ما رأينا كاليوم ملكاً أجلَّ وأعظمَ منه ثم أعتقهم وردّ إليهم أموالَهم وكان لا يبيع من أحد من الممتارين أكثرَ من حمل بعير تقسيطاً بين الناس ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا﴾ بعطائنا في الدنيا من المُلك والغِنى وغيرهما من النعم ﴿مَّن نَّشَاء﴾ بمقتضى الحكمةِ الداعية إلى المشيئة ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ المحسنين﴾ بل نوفّيه بكماله وفيه إشعارٌ بأن مدارَ المشيئةِ المذكورةِ إحسانُ مَنْ تصيبه الرحمة المرقومة وأنها أجرٌ له ولدفع توهم انحصارِ ثمرات الإحسانِ فيما ذكر من الأجر العاجل قيل على سبيل التوكيد

стр. 2784

﴿وَلأَجْرُ الاخرة﴾ أي أجرهم في الآخرة فالإضافة للملابسة وهو النعيمُ المقيم الذي لا نفاد له ﴿خَيْرٌ﴾ لهم أي للمحسنين المذكورين وإنما وضع موضعَه الموصولُ فقيل ﴿للذين آمنوا وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ تنبيهاً على أن المراد بالإحسان إنما هو الإيمانُ والثباتُ على التقوى المستفادُ من جمع صيغتي الماضي والمستقبل

стр. 2785

﴿وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾

стр. 2786

ممتارين لما أصاب أرضَ كنعانَ وبلادَ الشام ما أصاب أرضَ مصر وقد كان أرسلهم يعقوبُ ﵇ جميعاً غيرَ بنيامين ﴿فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾ أي على يوسف وهو في مجلس ولايته ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾ لقوة فهمِه وعدم مباينةِ أحوالِهم السابقة لحالهم يومئذ لمفارقته إياهم وهم رجال وتشابه هيآتهم وزِيِّهم في الحالين ولكون هِمَّته معقودةً بهم وبمعرفة أحوالهم لا سيما في زمن القحط وعن الحسن ما عرفهم حتى تعرّفوا له ﴿وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ أي والحالُ أنهم منكرون له لطول العهدِ وتبايُنِ ما بين حاليه ﵇ في نفسه ومنزلته وزِيِّه ولاعتقادهم أنه هلك وحيث كان إنكارُهم له أمراً مستمراً في حالتي المحضَر والمَغيب أُخبر عنه بالجملة الاسميةِ بخلاف عرفانِه ﵇ إياهم

стр. 2787

﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ﴾ أي أصلحهم بعدّتهم من الزاد وما يحتاج إليه المسافر وأوْقَر ركائبَهم بما جاءوا له من المِيرة وقرىء بكسر الجيم ﴿قَالَ ائتونى بِأَخٍ لَّكُمْ مّنْ أَبِيكُمْ﴾ لم يقل بأخيكم مبالغةً في إظهار عدم معرفتِه لهم ولعلَّه ﵇ إنَّما قاله لِما قيلَ من أنَّهم سألوه ﵇ حملا زائداً على المعتاد لبنيامين فأعطاهم ذلك وشرطهم أن يأتوا به لا لما قيلَ من أنه لما رأَوْه وكلموه بالعبرية قال لهم من أنتم فإني أنكركم فقالوا له نحن قومٌ من أهل الشام رعاةٌ أصابنا الجَهدُ فجئنا نمتار فقال لهم لعلكم جئتم عُيوناً فقالوا معاذ الله نحن أخوة من أبي واحد وهو شيخٌ كبيرٌ صدّيق نبيٌّ من الأنبياء اسمُه يعقوبُ قال كم أنتم قالوا كنا اثني عشر فهلك منا واحدٌ فقال كم أنتم قالوا عشرة قال فأين الحادي عشر قالوا هو عند أبيه يتسلّى به عن الهالك قال فمن يشهدُ لكم أنكم لستم عيوناً وأن ما تقولون حقٌ قالوا نحن ببلاد لا يعرِفنا فيها أحد فيشهدَ لنا قال فدعُوا بعضَكم عندي رهينةً وائتوني بأخيكم من أبيكم وهو يحمل رسالةً من أبيكم حتى أصدِّقَكم فاقترعوا فأصاب القرعةُ شمعونَ فخلّفوه عنده إذ لا يساعده ورودُ الأمر بالإتيان به عند التجهيزِ ولا الحثُّ عليه بإيفاء الكيل ولا الإحسانُ في الإنزال ولا الاقتصارُ على منع الكيل على تقدير عمد الإتيان به ولا جعلُ بضاعتهم في رحالهم لأجل رجوعِهم ولا عِدَتُهم بالإتيان به بطريق المراودة ولا تعليلُهم عند أبيهم إرسالَ أخيهم بمنع الكيل من غير ذكر الرسالةِ على أن استبقاء شمعونَ لو وقع لكان ذلك طامةً ينسى عندها كل قيل وقال ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنّى أُوفِى الكيل﴾ أُتمُّه لكم وإيثارُ صيغة الاستقبالِ مع كون هذا الكلامِ بعد التجهيز للدِلالة عَلى أنَّ ذلكَ عادةٌ له مستمرَّة ﴿وَأَنَاْ خَيْرُ المنزلين﴾ جملة حالية أي ألا ترون أني أوفي الكيلَ لكم إيفاءً مستمراً والحالُ أني في غاية الإحسانِ في إنزالكم وضيافتِكم وقد كان الأمرَ كذلك وتخصيصُ الرؤية بالإيفاء لوقوع الخطابِ في أثنائه وأما الإحسانُ في الإنزال فقد كان مستمراً فيما سبق ولحِق ولذلك أُخبر عنه بالجملة الاسميةِ ولم يقله ﵇ بطريق الامتنانِ بل لحثّهم على تحقيق ما أمرهم به والاقتصارُ في الكيل على ذكر الإيفاءِ لأن معاملته ﵇ معهم في ذلك كمعاملته مع غيرهم في مراعات مواجبِ العدل وأما الضيافةُ فليس للناس فيها حقٌّ فخصهم في ذلك بما شاء

стр. 2788

يوسف الآية (٦٠ ٦١ ٦٢ ٦٣)

стр. 2789

﴿فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِى﴾ من بعدُ فضلاً عن إيفائه ﴿وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ بدخول بلادي فضلاً عن الإحسان في الإنزال والضيافةِ وهو إما نهيٌ أو نفيٌ معطوفٌ على محل الجزاءِ وفيه دليلٌ على أنهم كانوا على نية الإمتيار مرة بعد أخرى وأن ذلك كان معلوماً له عليه السلام

стр. 2790

﴿قَالُواْ سنراود عَنْهُ أَبَاهُ﴾ أي سنخادعه عنه ونحتال في انتزاعه من يده ونجتهد في ذلك وفيه تنبيهٌ على عزة المطلبِ وصعوبةِ مناله ﴿وَإِنَّا لفاعلون﴾ ذلك غيرَ مفرِّطين فيه ولا متوانين أو لقادرون عليه لا نتعانى به

стр. 2791

﴿وَقَالَ﴾ يوسف ﴿لِفِتْيَانِهِ﴾ غلمانه الكيالين جمع فتى وقرىء لفِتيته وهي جمعُ قلةٍ له ﴿اجعلوا بضاعتهم فِى رِحَالِهِمْ﴾ فإنه وكّل بكل رحل رجلا يعبى فيه بضاعتَهم التي شرَوا بها الطعامَ وكانت نعالاً وأدَماً وإنما فعله ﵇ تفضّلاً عليهم وخوفاً من أن لا يكون عند أبيه ما يرجِعون به مرة أخرى وكل ذلك لتحقيق ما يتوخاه من رجوعهم بأخيه كما يُؤذن به قوله ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا﴾ أي يعرِفون حقَّ ردِّها والتكرم في ذلك أو لكي يعرِفوها وهو ظاهرُ التعلق بقوله ﴿إِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمْ﴾ فإن معرفتَهم لها مقيّدةٌ بالرجوع وتفريغِ الأوعية قطعاً وأما معرفةُ حقِّ التكرم في ردها فهي وإن كانت في ذاتها غيرَ مقيدةٍ بذلك لكن لما كان ابتداؤها حينئذ قُيّدت به ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ حسبما أمرتهم به فإن التفضلَ عليهم بإعطاء البدلين ولا سيما عند إعوازِ البِضاعةِ من أَقْوى الدَّواعي إلى الرجوع وما قيل إنما فعله ﵇ لما لم يرَ من الكرم أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمناً فكلامٌ حقٌّ في نفسه ولكن يأباه التعليلُ المذكور وأما أن عِلّية الجعل المذكورِ للرجوع من حيث أن ديانتَهم تحمِلُهم على رد البضاعةِ لأنهم لا يستحلون إمساكهم فمدارُه حُسبانُهم أنها بقِيت في رحالهم نسياناً وظاهرٌ أن ذلك مما لا يخطُر ببال أحد أصلاً فإن هيئة التعبيةِ تنادي بأن ذلك بطريق التفضّل ألا يرى أنهم كيف جزموا بذلك حين رأوها وجعلوا ذلك دليلاً على التفضلات السابقة كما ستيحط به خبراً

стр. 2792

﴿فَلَمَّا رَجِعُوا إلى أَبِيهِمْ قَالُواْ﴾ قبل أن يشتغلوا بفتح المتاع ﴿يا أبانا مُنِعَ مِنَّا الكيل﴾ أي فيما بعد وفيه ما لا يَخفْى من الدِّلالةِ على أنَّ كون الامتيار مرةً بعد مرة معهوداً فيما بينهم وبينه ﵇ ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا﴾ بنيامين إلى مصر وفيه إيذانٌ بأن مدارَ المنع عدمُ كونِه معهم ﴿نَكْتَلْ﴾ بسببه من الطعام ما نشاء وقرأ حمزة

стр. 2793

يوسف الآية (٦٤ ٦٥) والكسائي بالياءِ على إسناده إلى الأخ لكونه سبباً للاكتيال أو يكتلْ لنفسه مع اكتيالنا ﴿وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ من أن يصيبَه مكروهٌ

стр. 2794

﴿قَالَ هَلْ امَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَاّ كَمَا أَمِنتُكُمْ على أَخِيهِ﴾ يوسف ﴿مِن قَبْلُ﴾ وقد قلتم في حقه أيضاً ما قلتم ثم فعلتم به ما فعلتم فلا أثق بكم ولا بحفظكم وإنما أفوّض الأمر إلى الله ﴿فالله خَيْرٌ حافظا﴾ وقرىء حِفظاً وانتصابُهما على التمييز والحالية على القراءة الأولى توهم تقيّد الخيريةِ بتلك الحالة ﴿وَهُوَ أرحم الراحمين﴾ فأرجو أن يرحمني بحفظه ولا يجمعَ عليّ مصيبتين وهذا كما ترى ميلٌ منه ﵇ إلى الإيذان والإرسالِ لما رأى فيه من المصلحة

стр. 2795

﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ متاعهم وَجَدُواْ بضاعتهم رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ أي تفضّلاً وقد علموا ذلك بما مر من دَلالة الحال وقرىء بنقل حركةِ الدالِ المدغمة إلى الراء كما قيل في قيل وكيل ﴿وقالوا﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على السؤالِ كأنه قيل ماذا قالوا حينئذ فقيل قالوا لأبيهم ولعله كان حاضراً عند الفتح ﴿يا أبانا مَا نَبْغِى﴾ إذا فُسّر البغيُ بالطلب فما إما استفهاميةٌ منصوبةٌ به فالمعنى ماذا نبتغي وراء ما وصفنا لك من إحسان الملِك إلينا وكرمِه الداعي إلى امتثال أمرِه والمراجعةِ إليه في الحوايج وقد كانوا أخبروه بذلك وقالوا له إنا قدِمنا على خير رجلٍ أنزلنا وأكرَمنا كرامةً لو كان رجلاً من آل يعقوبَ ما أكرمْنا كرامتَه وقوله تعالى ﴿هذه بضاعتنا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ جملةٌ مستأنفةٌ موضِّحةٌ لما دل عليه الإنكارُ من بلوغ اللطفِ غايتَه كأنهم قالوا كيف لا وهذه بضاعتُنا ردّها إلينا تفضلاً من حيث لا ندري بعدما من علينا من المنن العظامِ هل من مزيد على هذا فنطلبَه ولم يريدوا به الاكتفاءَ بذلك مطلقاً أو التقاعد عن طل بنظائره بل أرادوا الاكتفاءَ به في استيجاب الامتثالِ لأمره والالتجاءِ إليه في استجلاب المزيدِ كما أشرنا إليه وقوله تعالى رُدَّتْ إِلَيْنَا حالٌ من بضاعتُنا والعامل معنى الإشارةِ وإيثارُ صيغةِ البناءِ للمفعول للإيذان بكمال الإحسانِ الناشىءِ عن كمال الإخفاءِ المفهومِ من كمال غفلتهم عنه بحيث لم يشعُروا به ولا بفاعله وقوله ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي نجلُب إليهم الطعامَ من عند الملكِ معطوفٍ على مقدَّر ينسحِبُ عليه ردُّ البضاعة أي فنستظهر بها ونمير أهلنا ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ من المكاره حسبما وعدْنا فما يصيبه من مكروه ﴿وَنَزْدَادُ﴾ أي بواسطته ولذلك وُسّط الإخبارُ بحفظه بين الأصلِ والمزيد ﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أي وُسْقَ بعيرٍ زائداً على أوساق أباعِرِنا على قضية التقسيط ﴿ذلك﴾ أي ما يحمِله أباعرُنا ﴿كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ أي مكيلٌ قليلٌ لا يقوم بأَوْدنا فهو استئنافٌ وقع تعليلاً لما سبق كأنه قيل أيُّ حاجة إلى الازدياد فقيل ما قيل أو ذلك الكيلُ الزائد شيءٌ قليلٌ لا يضايقنا فيه الملِكُ أو سهلٌ عليه لا يتعاظمه أو أيُّ مطلب نطلُب من مهماتنا والجملةُ الواقعة بعده توضيح

стр. 2796

يوسف آية (٦٦) وبيانٌ لما يُشعِرُ به الإنكارُ من كونهم فائزين ببعض المطالبِ أو متمكنين من تحصيله فكأنهم قالوا بضاعتُنا حاضرةٌ فنستظهر بها ونمير أهلنا ونحفظ أخانا فما يصيبه شيءٌ من المكاره ونزداد بسببه غيرَ ما نكتاله لأنفسنا كيلَ بعير فأيَّ شيء نبتغي وراءَ هذه المباغي وقرىء ما تبغي على خطاب يعقوبَ ﵇ أي أيَّ شيء تبغي وراء هذه المباغي المشتملةِ على سلامة أخينا وسَعة ذاتِ أيدينا أو وراءَ ما فعل بنا الملكُ من الإحسان داعياً إلى التوجّه إليه والجملةُ الاستئنافيةُ موضحةٌ لذلك أو أيَّ شيء تبغي شاهداً على صدقنا فيما وصفنا لك من إحسانه والجملةُ المذكورةُ عبارةٌ عن الشاهد المدلولِ عليه بفحوى الإنكارِ وإما نافية فالمعنى ما نبغي شيئاً غيرَ ما رأينا من إحسان الملِك في وجوب المراجعةِ إليه أو ما نبغي غيرَ هذه المباغي وقيل ما نطلب منك بضاعةً أخرى والجملة المستأنفةُ تعليلٌ له وأما إذا فُسِّر البغيُ بمجاوزة الحدِّ فما نافيةٌ فقط والمعنى ما نبغي في القول وما نتزيّد فيما وصفْنا لك من إحسان الملِك إلينا وكرمِه الموجبِ لما ذكر والجملةُ المستأنفةُ لبيان ما ادّعَوْا من عدم البغي وقوله ونمير أهلَنا عطفٌ على ما نبغي أي ما نبغي فيما ذكرنا من إحسانه وتحصيلِ أمثالِه من مَيْر أهلِنا وحفظِ أخينا فإن ذلك أهونُ شيء بواسطة إحسانِه وقد جوز أن يكون كلاماً مبتدأً أي جملةً اعتراضيةً تذييليةً على معنى وينبغي أن نميرَ أهلَنا وشبّه ذلك بقولك سعَيْتُ في حاجة فلان ويجب أن أسعى وأنت خبيرٌ بأن شأن الجملِ التذييلية أن تكون مؤكّدةً لمضمون الصدر ومقرِّرةً له كما في المثال المذكورِ وقولِك فلانٌ ينطِق بالحق فالحقُّ أبلجُ وأن قوله ونمير الخ وإن ساعدَنا في حمله على معنى ينبغي أن نمير أهلَنا بمعزلٍ من ذلك أو ما نبغي في الرأي وما نعدل عن الصواب فيما نشير به عليك من إرسال أخينا معنا والجملُ إلى آخرها تفصيلٌ وبيانٌ لعدم بغيهم وإصابةِ رأيهم أي بضاعتُنا حاضرةٌ نستظهر بها ونمير أهلها ونصنع كيت وذيت فتأمل

стр. 2797

﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ﴾ بعدما عاينْتُ منكم ما عاينت ﴿حتى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مّنَ الله﴾ أي ما أتوثق به من جهةِ الله وإنما جعله مَوثِقاً منه تعالى لأن تأكيدَ العهود به مأذونٌ فيه من جهته تعالى فهو إذن منه ﴿لَتَأْتُنَّنِى بِهِ﴾ جوابُ القسم إذ المعنى حتى تحلِفوا بالله لتأتنني به ﴿إِلَاّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أي إلا أن تُغلبوا فلا تطيقوا به أو إلا أن تهلِكوا وأصلُه من إحاطة العدوِّ فإن مَنْ أحاط به العدوُّ فقد هلك غالبا وهو استثناءٌ من أعمِّ الأحوالِ أو أعمِّ العلل على تأويل الكلامِ بالنفي الذي ينساق إليه أي لتأتُنني به ولا تمتنِعُنَّ منه في حالٍ من الأحوالِ أو لعلة من العِللِ إلا حالَ الإحاطة بكم أو لعلة الإحاطة بكم ونظيرُه قولُهم أقسمت عليك لَما فعلْتَ وإلا فعلتَ أي ما أريد منك إلا فعلَك وقد جُوز الأولُ بلا تأويل أيضاً أي لتأتُنني به على كل حالٍ إلا حال الإحاطة بكم وأنت تدري أنه حيث لم يكن الإتيانُ به من الأفعال الممتدة الشاملةِ للأحوال على سبيل المعيةِ كما في قولك لألزَمنّك إلا أن تُعطِيني حقي ولم يكن مراده ﵇ مقارنته على سبيل البدلِ لما عدا الحالِ المستثناة كما إذا قلت صَلِّ إلا أن تكون

стр. 2798

يوسف آية (٦٧) محدِثاً بل مجرد تحققِه ووقوعِه من غير إخلال به كما في قولك لأحُجنَّ العامَ إلا أن أُحصر فإن مرادَك إنما هو الإخبار بعدم منعِ ما سوى حالِ الإحصار عن الحج إلا الإخبارُ بمقارنته لتلك الأحوالِ على سبيل البدلِ كما هو مرادُك في مثال الصلاة كأن اعتبارَ الأحوالِ معه من حيث عدمُ منعها منه فآل المعنى إلى التأويل المذكور ﴿فَلَمَّا آتوه مَوْثِقَهُمْ﴾ عهدهم من الله حسبما أراد يعقوبُ ﵇ ﴿قَالَ الله على مَا نَقُولُ﴾ أي على ما قلنا في أثناء طلب الموْثِق وإيتائه من الجانبين وإيثارُ صيغةِ الاستقبالِ لاستحضار صورته المؤدي إلى تثبتهم ومحافظتِهم على تذكّره ومراقبتِه ﴿وَكِيلٌ﴾ مطلعٌ رقيبٌ يريد به عرضَ ثقتِه بالله تعالى وحثَّهم على مراعاة ميثاقهم

стр. 2799

﴿وَقَالَ﴾ ناصحاً لهم لمّا أزمع على إرسالهم جميعاً ﴿يا بني لَا تَدْخُلُواْ﴾ مصر ﴿مِن بَابٍ وَاحِدٍ﴾ نهاهم عن ذلك حِذاراً من إصابة العين فإنهم كانوا ذوي جمالٍ وشارةٍ حسنة وقد كانوا تجمّلوا في هذه الكرّة أكثرَ مما في المرة الأولى وقد اشتهروا في مصر بالكرامة والزلفى لدى الملِك بخلاف النَّوْبة الأولى فكانوا مَئِنّةً لدنوّ كل ناظر وطُموح كل طامح وإصابة العين بتقدير العزيز الحكيم ليست مما يُنكر وقد ورد عنه ﷺ إن العينَ حق وعنه ﷺ إنَّ العينَ لتُدخِلُ الرجلَ القبرَ والجملَ القِدْرَ وقد كان ﷺ يعوذ الحسنين ﵄ بقوله أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطانٍ وهامّة ومن كل عين لامّة وكان ﷺ يقول كان أبوكما يعوّذ بها إسماعيلَ وإسحاقَ ﵈ رواه البخاري في صحيحه وقد شهدت بذلك التجارِبُ ولمّا لم يكن عدمُ الدخول من باب واحد مستلزماً للدخول من أبواب متفرّقة وكان في دخولهم من بابين أو ثلاثةٍ بعضُ ما في الدخول من باب واحد من نوع اجتماعٍ مصحِّحٍ لوقوع المحذورِ قال ﴿وادخلوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَةٍ﴾ بياناً لما هو المرادُ بالنهي وإنما لم يكتف بهذا الأمر مع كونه مستلزما له إظهار لكمال العنايةِ وإيذاناً بأنه المرادُ بالأمر المذكور لا تحقيق لشيء آخر ﴿وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ﴾ أي لا أنفعكم ولا أدفع عنكم بتدبيري ﴿مّنَ الله مِن شَىْء﴾ أي شيئاً مما قضى عليكم فإن الحذرَ لا يمنع القدَر ولم يرد به ﵇ إلغاءَ الحذر بالمرة كيفَ لا وقَدْ قالَ عز قائلاً وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة وقال خُذُواْ حِذْرَكُمْ بل أراد بيانَ أن ما وصاهم به ليس مما يستوجب المرادَ لا محالة بل هو تدبير في الجملة وإنما التأثيرُ وترتُّبُ المنفعةِ عليه من العزيز القدير وأن ذلك ليس بمدافعة للقدر بل هو استعانةٌ بالله تعالى وهربٌ منه إليه ﴿إِنِ الحكم﴾ مطلقاً ﴿أَلَا لِلَّهِ﴾ لا يشاركه أحد ولا يمانعه شيء ﴿عَلَيْهِ﴾ لا على أحد سواه ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ في كل ما آتي وأذر وفيه دَلالةٌ على أن ترتيبَ الأسباب غيرُ مُخلَ بالتوكل ﴿وَعَلَيْهِ﴾ دون غيره ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون﴾ جُمع بين الحرْفين في عطف الجملةِ على الجملة مع تقديم الصلة للاختصاص مقيَّداً بالواو وعطف فعلٍ غيرِه من تخصيص التوكل بالله على فعل نفسه وبإلقاء سببية فعلِه لكونه نبياً لفعل غيره من المقتدين به فيدخل فيهم بنوه دخولاً أولياً وفيه ما لا يَخفْى من حسن هدايتِهم وإرشادِهم إلى التوكل فيما هم بصدده على الله غير مغترين

стр. 2800

يوسف آية (٦٨) بما وصاهم به من التدبير

стр. 2801

﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم﴾ من الأبواب المتفرقة من البلد قيل كانت له أربعةُ أبوابٍ فدخلوا منها وإنما اكتُفى بذكره لاستلزامه الانتهاءَ عمَّا نُهوا عنْهُ ﴿مَا كَانَ﴾ ذلك الدخولُ ﴿يُغْنِى﴾ فيما سيأتي عند وقوعِ ما وقع ﴿عَنْهُمْ﴾ عن الداخلين لأن المقصودَ به استدفاعُ الضرر عنهم والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبل لتحقيق المقارنةِ الواجبةِ بين جوابِ لمّا ومدخولِه فإن عدمَ الإغناءِ بالفعل إنما يتحقق عند نزولِ المحذورِ لا وقت الدخول وإنما المتحققُ حينئذ ما أفاده الجمعُ المذكور من عدم كونِ الدخولِ المذكورِ مغْنياً فيما سيأتي فتأمل ﴿مِنَ الله﴾ من جهته ﴿مِن شَىْءٍ﴾ أي شيئاً مما قضاه عليهم مع كونه مَظِنةً لذلك في بادي الرأي حيث وصّاهم به يعقوبُ ﵇ وعمِلوا بموجبه واثقين بجدواه من فضل الله تعالى فليس المرادُ بيانَ سببية الدخولِ المذكور لعدم الإغناءِ كما في قوله تعالى فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَاّ نُفُوراً فإن مجيءَ النذير هناك سببٌ لزيادة نفورِهم بل بيانُ عدم سببيته للإغناء مع كونها متوقعةً في بادي الرأي كما في قولك حلف أن يُعطيَني حقي عند حلولِ الأجلِ فلما حل لم يُعطني شيئاً فإن المرادَ بيانُ عدمِ سببية حلولِ الأجلِ للإعطاء مع كونها مرجُوّةً بموجب الحلِف لا بيانُ سببيته لعدم الإعطاءِ فالمآلُ بيانُ عدمِ ترتبِ الغرضِ المقصود على التدبير المعهودِ مع كونه مرجوَّ الوجود لا بيانُ ترتبِ عدمِه عليه ويجوز أن يراد ذلك أيضاً بناءً على ما ذكره ﵇ في تضاعيف وصيّتِه من أنه لا يُغني عنهم من الله شيئاً فكأنه قيل ولمّا فعلوا ما وصاهم به لم يُفِدْ ذلك شيئاً ووقع الأمر حسبما قال ﵇ فلقُوا ما لقُوا فيكون من باب وقوعِ المتوقع فتأمل ﴿إِلَاّ حَاجَةً﴾ استثناءٌ منقطعٌ أي ولكنْ حاجةً وحرازةً كائنة ﴿فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ أي أظهرها ووصّاهم بها دفعاً للخاطرة غيرَ معتقدٍ أن للتدبير تأثيراً في تغيير التقديرِ وقد جعل ضميرُ الفاعل في قضاها للدخول على معنى أن ذلك الدخولَ قضى حاجةً في نفس يعقوبَ وهي إرادتُه أن يكون دخولُهم من أبواب متفرقةٍ فالمعنى ما كان ذلك الدخولُ يغني عنهم من جهة الله تعالى شيئاً ولكن قضى حاجةً حاصلةً في نفس يعقوبَ بوقوعه حسب إرادتِه فالاستثناءُ منقطعٌ أيضاً وعلى التقديرين لم يكن للتدبير فائدةٌ سوى دفعِ الخاطرة وأما إصابةُ العين فإنما لم تقع لكونها غيرَ مقدّرةٍ عليهم لا لأنها اندفعت بذلك مع كونها مقتضية عليهم ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ﴾ جليلٍ ﴿لّمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ لتعليمنا إياه بالوحي ونصْبِ الأدلةِ حيث لم يعتقِدْ أن الحذرَ يدفع القدر وأن التدبير له حظٌ من التأثير حتى يتبينَ الخللُ في رأيه عند تخلفِ الأثر أو حيث بتّ القولَ بأنه لا يغني عنهم من الله شيئاً فكان الحالُ كما قال وفي تأكيد الجملةِ بإن واللامِ وتنكيرِ العلْم وتعليلِه بالتعليم المسند إلى ذاته سبحانه من الدِّلالةِ على جلالة شأنِ يعقوبَ ﵇ وعلوِّ مرتبة علمِه وفخامته ما لا يخفى ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يَعْلَمُونَ﴾ أسرارَ القدر ويزعمُون أنه يغني عنه الحذرُ وأما ما يقال مِنْ أنَّ المعنى لا يعلمون إيجابَ الحذر مع أنه لا يغني شيئاً من القدر فيأباه مقام بيان تخلّفِ المطلوب عن المبادي

стр. 2802

يوسف آية (٦٩ ٧١)

стр. 2803

﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ اوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ بنيامينَ أي ضمه إليه في الطعام أو في المنزل أو فيهما رُويَ أنَّهم لَمَّا دخلُوا عليه قالوا له هذا أخونا قد جئناك به فقال لهم أحسنتم وستجدون ذلك عندي فأكرمهم ثم أضافهم وأجلسهم مثنى مثنى فبقي بنيامين وحيداً فبكى وقال لو كان أخي يوسفُ حياً لأجلسني معه فقال يوسف بقيَ أخوكم فريداً وأجلسه معه على مائدته وجعل يؤاكله ثم أنزل كلَّ اثنين منهم بيتاً فقال هذا لا ثانيَ معه فيكون معي فبات يوسف يضمه إليه ويَشمُّ رائحته حتى أصبح وسأله عن ولده فقال لي عشرةُ بنينَ اشتققْتُ أسماءهم من اسم أخٍ لي هلك فقال له أتُحِب أن أكون أخاك بدلَ أخيك الهالِك قال من يجدُ أخاً مثلك ولكن لم يلدْك يعقوبُ ولا راحيل فبكى يوسف وقام إليه وعانقه وتعرف إليه وعند ذلك ﴿قَالَ إِنّى أَنَاْ أَخُوكَ﴾ يوسف ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ أي فلا تحزن ﴿بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ بنا فيما مضى فإن الله تعالى قد أحسن إلينا وجمعنا بخير ولا تُعلِمْهم بما أعلمتك قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعن وهْبٍ أنه لم يتعرّف إليه بل قال له أنا أخوك بدل أخيك المفقودِ ومعنى فلا تبتئس لا تحزنْ بما كنت تلقى منهم من الحسد والأذى فقد أمِنْتَهم وروي أنه قال له فأنا لا أفارقك قال قد علمتُ باغتمام والدي بي فإذا حبستك يزداد غمُّه ولا سبيل إلى ذلك إلا أن أنسُبَك إلى ما لا يجمُل قال لا أبالي فافعل ما بدا لك قال أدُسّ صاعي في رَحْلك ثم أنادي عليك بأنك سرقتَه ليتهيّأ لي ردُّك بعد تسريحِك معهم قال افعلْ

стр. 2804

﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السقاية﴾ أي المشرَبةَ قيل كانت مشربة جعلت صاعاً يكال به وقيل كانت تسقى بها الدوابُّ ويكال بها الحبوب وكانت من فضة وقيل من ذهب وقيل من فضة مموّهة بالذهب وقيل كانت إناءً مستطيلة تشبه المكّوك الفارسيَّ الذي يلتقي طرفاه يستعمله الأعاجم وقيل كانت مرصّعة بالجواهر ﴿فِى رَحْلِ أَخِيهِ﴾ بنيامين وقرىء وجعل على حذف جواب لما تقديره أمهلهم حتى انطلقوا ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذّنٌ﴾ نادى منادٍ ﴿أَيَّتُهَا العير﴾ وهي الإبلُ التي عليها الأحمالُ لأنها تعير أي تذهب وتجيءُ وقيل هي قافلة الحمير ثم كثُر حتى قيل لكل قافلة عِيرٌ كأنها جمع عَيْر وأصلها فعل مثل سَقْف وسُقُف ففعل به ما فُعل ببِيض وغِيد والمراد أصحابُها كما في قولِه ﵇ يا خيلَ الله اركبي روي أنهم ارتحلوا وأمهلهم يوسفُ حتى انطلقوا منزلاً وقيل خرجوا من العمارة ثم أمر بهم فأُدرِكوا ونودوا ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ هذا الخطابُ إن كان يأمر يوسف فلعله أريد بالسرقة أخذُهم له من أبيه ودخول بنيامين فيه بطريق التغليب وإلا فهو من قبل المؤذّن بناء على زعمه والأولُ هو الأظهرُ الأوفق للسياق وقرأ اليماني سارقون بلالام

стр. 2805

﴿قَالُواْ﴾ أي الإخوة ﴿وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ﴾
следующие страницы →